٤٨ - " بَاب متَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ "
٦٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
أقْبَلْتُ رَاكِبَاً على حِمَارٍ أرتانٍ، وأرنا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنَىً إلى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ، وأرْسَلْتُ الأتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَي".
ــ
عند المناسبات، ومنها استقبال المسافر فإنه مما يشرع المعانقة عنده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجة جزءاً من الحديث.
٤٨ - " باب متى يصح سماع الصغير "
٦٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " أقبلت راكباً على حمار أتان " بفتح الهمزة والتاء أي على حمار أنثى " وأنا قد ناهزت الاحتلام " أي وأنا غلام كنت قد قاربت البلوغ ولم أبلغ بعد، وكان عمره ﵄ في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة " ورسول الله يصلّي بمنى إلى غير جدار " أي إلى غير سترة من جدار أو غيره " فمررت بين يدي بعض الصف (١) " أي فمررت وأنا راكب حماري أمام بعض صفوف المصلين في حين أن إمامهم وهو النبي ﷺ لا سترة له " فلم ينكر ذلك علي " أي فلم ينكر أحدٌ علي مروري هذا. الحديث: أخرجه الستة.
стр. 177
٦١ - عنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيع ﵁ قَالَ:
عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي وأنا ابْنُ خَمْسِ سِنين مِنْ دَلْوٍ".
٤٩ - " بَابُ فضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ "
٦٢ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:
عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ،
ــ
٦١ - معنى الحديث: يقول محمود بن الربيع ﵁:
" عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي " أي حفظت في ذاكرتي رشة من الماء رشها رسول الله ﷺ من فمه في وجهي "وأنا ابن خمس سنين " أي وأنا حينئذ صبي صغير لم أتجاوز الخامسة من عمري. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: جواز سماع الصغير وتحمله الحديث إذا كان متمكناً من ضبطه، ولا يشترط البلوغ، لأن السلف قبلوا رواية ابن عباس وابن الربيع مع صغر سنهما. ثانياًً: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، لأن ابن عباس مر أمام بعض الصف بحماره، والنبي ﷺ بغير سترة، ولم يأمرهم ﷺ بالإِعادة. مطابقة الحديثين للترجمة: في قبول أهل العلم لحديث ابن عباس وابن الربيع وهما صغيران.
٤٩ - " باب فضل من عَلِم وعَلّم "
٦٢ - معنى الحديث: شبه النبي ﷺ هذا العلم الشرعي المستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ بغيْث عميم، ومطر غزير، نزل على أنواع مختلفة من الأرض في جدبها وخصبها، " فكان منها نقية " أي فكان البعض
стр. 178
كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّة قَبِلَتِ الْمَاءَ، فأنبهتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الكَثِير، وكانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفعَ اللهُ بهَا النَّاسَ، فَشرَبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَاتُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِين اللهِ وَنَفَعَهُ ما بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بذَلِكَ رَأسَاً ولَمْ يَقْبَل هُدَى اللهِ الذي أرْسِلْتُ بِه".
ــ
منها أرضاً خصبة نقيّة من الحشرات والديدان، التي تفتك بالزرع. " قبلت الماءَ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير " أي شربت مياه الأمطار، فأنبتت النبات رطباً ويابساً، فاستفادت في نفسها نضرةً وجمالاً، وأفادت الإِنسان والحيوان غذاءً وكساءً. " وكانت منها أجادب " أي وكان بعضها أرضاً صلبة مجدبة، لا تنبت زرعاً، ولكن فيها غدْرَانٌ " أمسكت الماء " فكانت بمثابة خزانات ضخمة، حفظت الماء، وأمدت به غيرها " فنفع الله بها الناس، فسقوا " مواشيهم " وشربوا " " منها ما يرويهم " وزرعوا " أي وحولوا الماء إلى أرض خصبة فزرعوها، فهي وإن لم تنتفع بالغيث في نفسها، إلاّ أنها نفعت غيرها من الإنسان والحيوان. " وأصاب منها طائفة أخرى " أي وأصاب ذلك الغيث نوعاً آخر من الأرض " إنما هي قيعان " أي أرض مجدبة مستوية لا غدران فيها " لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ " أي فهي لا تحفظ الماء لاستواء سطحها، ولا تنبت العشب لجدبها وصلابتها فلم تنتفع بذلك الغيظ في نفسها، ولم تنفع غيرها فهي شر أقسام الأرض وأخبثها. ثم بيّن النبي ﷺ لنا في بقية الحديث هذه الأمثلة ووضّحها لنا بقوله: " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم " أي فتلك (١) الأرض الخصبة النقية هي
стр. 179
مثل العالم المتفقه في دين الله العامل بعلمه المعلم لغيره، وتلك الأجادبُ التي تحفظ الماء لغيرها هي مثل العالم الذي يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، فهو كالشمعة تضيء لغيرها. وتحرق نفسها " ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " أي وأمّا القيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فإنها مثل لصنفين من الناس: أولهما: المسلم الجاهل، أو المسلم العالم الذي لم يعمل بعلمه، ولم يعلمه غيره، وهو المقصود بقوله: " من لم يرفع بذلك رأساً ". وثانيهما: الكافر الذي لم يدخل في الدين أصلاً وهو المعني بقوله: " ولم يقبل هدى الله ". الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد ما يأتي: أولاً: أن الناس ازاء هذا العلم الشرعي والاستفادة منه على أربعة أقسام: عالم عامل معلّم لغيره، وهو أشرف الأقسام، ومن ورثة الأنبياء، وعالم يعلّم غيره ولا يعمل بعلمه، فهذا ينفع الناس ولا ينفع نفسه، ويكون علمه حجة عليه، ومسلم جاهل أو عالم لا يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، هذا شرٌ ممن سبق، وكافرٌ لم يدخل في هذا الدين أصلاً فهذا هو أخبث الأقسام وشرها وأشقاها. ثانياً: فضل من علم وعمل وعلّم لأن النبي ﷺ شبهه بخير أجزاء الأرض وأشرفها وأزكاها وهي " الأرض النقية ".
والمطابقة: في قوله ﷺ : " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ".
***
стр. 180
٥٠ - " بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ "
٦٣ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزنَا ".
ــ
٥٠ - " باب رفع العلم وظهور الجهل "
٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "إن من أشراط (١) الساعة" أي من علامات قرب قيام الساعة " أن يرفع العلم " على مراحل متعددة فيرفع أولاً " العلم النافع المقترن بالعمل الصالح "، حتى لا يبقى منه إلاّ كلمات تتردد على ألسنة العلماء، لا أثر لها في سلوكهم وتصرفاتهم الشخصية، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ ذكر يوماً رفع العلم فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أبناءَنا ونساءَنا؟ فقال ﷺ : " هذه التوراة والإنجيل عند اليهود فما تغني عنهم ". وقال عبادة بن الصامت ﵁: لو شئت أخبرتك بأولي علم يرفع من الناس: " الخشوع " يزول هذا، فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملة العلم ولا غيرهم، ويبقى علم اللسان حجة عليهم. ثم يذهب علم اللسان، فلا يبقى محدث ولا مفسر: إنما هي الكتب في المكتبات، ثم يرفع العلم كله من الكتب والقلوب معاً " ويثبت الجهل ". أي ويتمكن من الناس، ويفشو بينهم "ويشرب الخمر، ويظهر الزنا " أي ويكثر الزنا وشرب الخمور كنتيجة حتمية لارتفاع العلم وانتشار الجهل وزوال الخشية من القلوب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي أيضاً.
والمطابقة: في قوله " أن يرفع العلم ويثبت الجهل ".
стр. 181
٦٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:
لأحَدِّثَنَّكُمْ حَديثاً لا يُحَدِّثُكُمْ أحدٌ بَعْدِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ الِّنسَاءُ، وَيَقلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُون، لِخَمْسِينَ امْرَأةٍ القَيِّمُ الوَاحِدُ".
ــ
٦٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " لأحدثنكم حديثاً " أي أقسم بالله لأحدثنكم حديثاً بالغ الأهمية " لا يحدثكم أحد بعدي " أي أنفرد بهذا الحديث وحدي فلا يحدثكم به من أهل البصرة أحدٌ بعد وفاتي لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة كما أفاده الحافظ " سمعت رسول ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة أن يقل العلم " أي يقل العلم الشرعي في هذه الأرض لكثرة موت العلماء كما في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء " " ويظهر الجهل " أي وينشر الجهل في الناس " وتكثر النساء ويقل الرجال " أي يتضاعف عدد النساء بالنسبة إلى عدد الرجال الذين تفنيهم الحروب الدامية، وقيل: تكثر النساء بسبب كثرة الفتوح والسبايا " حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد " أي حتى لا تجد الخمسون امرأة سوى رجل واحد يكفلهن ويعولهن ويقوم بشؤونهن. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله " يقل العلم ".
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أن من علامات الساعة رفع العلم الشرعي، وقلة وجوده، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أن من علامات الساعة انتشار الفاحشة كنتيجة حتميّة لكثرة وجود النساء غير المتزوجات، ولهذا قال ﷺ في حديث آخر: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ".
стр. 182
٥١ - " بَابُ فضلِ الْعِلْمِ "
٦٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَا أنا نَائمٌ أتِيْتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظْفَارِي، ثُمَّ أعطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ " قَالُوا: فَمَا أولْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الْعِلْمَ ".
ــ
٥١ - " باب فضل العلم "
٦٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄ " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن " أي رأيت في أثناء نومي شخصاً جاءني بقدح من لبن " فشربت حتى اني لأرى الري يخرج في أظفاري " أي فشربت وارتويت كثيراً حتى صرت كأني أرى اللبن بعيني يخرج من أصابعي، ويسيل على أظفاري من شدة الري، فالري هنا المراد به اللبن على سبيل الاستعارة " ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب " أي أعطيته ما تبقى مني فشربه " دلوا: فما أولته؟ قال العلم " (١) أي فسرت اللبن بالعلم، لأن العلم كما قال القاري: يصور في ذلك العالم الروحاني بصورة اللبن، بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحها.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل العلم وشرفه. وأهميته بالنسبة للإِنسان، لأنه أفضل غذاء لروحه، كما أن اللبن أفضل غذاء لبدنه. ولأنه ميراث النبي ﷺ الذي تبقى لنا من بعده، ولذلك فُسِّر به اللبن الذي تبقى منه وشربه عمر ﵁. ثانياً: فضل عمر ﵁ وتفوقه في
стр. 183
٥٢ - " بَابُ الفُتْيا وهوَ وَاقِفٌ علَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا "
٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرِو بنِ العَاصِ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنىً لِلنَّاسِ يَسْألونَهُ، فجَاءَهُ رَجُل فقالَ: لمْ أشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قبلَ أنْ أذْبَحَ؟ فَقَالَ: اذْبَحْ ولا حَرَجَ. فجاءَ آخَرُ فَقَالَ: لمْ أشْعُرْ فنَحَرْتُ قَبْلَ أن أرْمِيَ فَقَالَ: ارْمِ ولا حَرَج.
فما سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَج ".
ــ
علوم الشريعة، لأنّه نَهِلَ من ذلك اللبن الذي شرب منه النبي ﷺ فدل ذلك على اختصاصه وامتيازه بقدرٍ زائدٍ من العلم، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ فسر اللبن الذي بقي منه بالعلم، فدل ذلك على فضل العلم.
٥٢ - " باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها "
٦٦ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ " أن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه " أي وقف ﷺ على راحلته عند الجمرة بعد الزوال من يوم النحر في ذلك المشهد العظيم والجم الغفير يسأله الحجاج ويستفتونه فيما يحتاجون إليه من أحكام الحج، " فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح " أي غفلت ونسيت فخالفت الترتيب بين المناسك، فقدمت الحلق على الذبح " فقال: اذبح ولا حرج " أي لا إثم عليك ولا دم، " فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي " جمرة العقبة " قال: ارم ولا حرج، فما سئل النبي ﷺ -
стр. 184
٥٣ - " بَابُ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بإشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأس "
٦٧ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، ويَكْثُرُ الْهَرْجُ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فقَالَ: هَكَذَا بِيَدِه فَحَرَّفَهَا، كأنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ.
ــ
عن شيء قدم ولا أخر إلاّ قال: افعل ولا حرج" أي لا إثم ولا دم عليك. ويستفاد منه يأتي: أولاً: جواز سؤال العالم راكباً أو ماشياً أو واقفاً، وهو ما ترجم له البخاري لأن النبي ﷺ سئل عن المناسك وهو راكب على بعيره. ثانياًً: أن الترتيب بين أعمال يوم النحر (١) سنة لا واجب، وسيأتي تفصيله في الحج. ثالثاً: أنه يستحب لمن يتصدى للفتوى أن يتحرى الأماكن العامة الحافلة بالناس، ليتمكن من أداء واجبه على الوجه الأكمل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله " إن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع للناس يسألونه ".
٥٣ - " باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس "
٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يقبض العلم " أي من علامات الساعة أن يرفع العلم بموت العلماء "ويظهر الجهل والفتن " التي تصيب الناس في دينهم حتى يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر " ويكثر الهَرْج " بسكون الراء " قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا يده فحرفها " أي حركها " كأنه يريد القتل " أي فلما سئل ﷺ عن معنى الهرْج حرك يده ﷺ كالضارب يشير بذلك إلى أن معناه القتل
стр. 185
٦٨ - عَنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بكْرٍ ﵄ قَالَتْ أتيتُ عَائِشَةَ وهِىَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاس؟ فأشَارَتْ إلى السَّمَاءِ، فإذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأشَارَتْ بِرَأسِهَا، أيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حتَّى عَلَانِيَ الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أصُبُّ على رأسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ
ــ
وسفك الدماء. يعني ويكثر في الناس القتل وسفك الدماء وتنتشر الحروب والمعارك الدامية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله " فقال هكذا بيده فحركها ".
٦٨ - ترجمة راوية الحديث: هي أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخت عائشة من أبيها، وأم عبد الله بن الزبير، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين عاماً، وهاجرت إلى المدينة بعبد الله، روت عن النبي ﷺ (٥٦) حديثاً اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بأربعة، وتوفيت بمكة سنة (٧٣) هـ بعد أن عاشت مائة عام.
معنى الحديث: تقول أسماء ﵂ " أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت إلى السماء " أي جئت إلى عائشة ﵂ وهي تصلي مع النبي ﷺ صلاة الجماعة في غير الأوقات المعتادة للصلوات الخمس، فأثار ذلك انتباهي، وأحسست أن شيئاً قد حدث، فقلت لعائشة: ما بال الناس يصلون جاعة في غير وقت الفريضة، فأشارت بيدها إلى السماء، إشارة معناها انظري إلى السماء تعرفين سبب هذه الصلاة، وهو كسوف الشمس. " فقالت سبحان الله " أي فلما أشارت بيدها إلى السماء، قالت: سبحان الله لتنبِّهني إلى ما حدث بالتسبيح والإِشارة معاً " قلت: آية؟ " أي هذا الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده " فأشارت برأسها أي نعم " أي فأشارت إشارة تفسيرُها نعم " قمت حتى علاني الغشي "
стр. 186
النَّبِيُّ ﷺ وأثْنَى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَىءٍ لَمْ أكنْ أرِيتُهُ إلَّا رَأيْتُهُ في مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فأوْحَى اللهُ إليَّ أنكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مِثْلَ أوْ قَرِيبَاً مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فأمَّا الْمُؤْمِنُ أو الْموْقِنُ لا أدْرِي بأيَّهُمَا قَالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُو مُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بالبَيِّناتِ والْهُدَى، فأجَبْنَاهُ واتَبّعْنَاهُ، هُوَ محمدٌ ثَلَاثاً، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحاً (١)، قَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَموقِنَاً بِهِ، وأمَّا الْمُنَافِقُ أو المُرْتَابُ لا أدْرِي أي ذلِكَ قَالَتْ أسْمَاءُ فَيقُولُ: لا أدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئَاً فَقُلْتُهُ ".
ــ
بفتح الغين وسكون الشين أو بكسر الشين وتشديد الياء، أي فدخلت معهم في الصلاة فوقفت وقوفاً طويلاً حتى أصابتني غشاوة، وهي حالة مرضية تحدث عادةً بسبب طول في الوقوف في شدة الحر " فجعلت أصب على رأسي الماء " لتخفيف الحرارة " فحمد الله وأثنى عليه " أي فلما فرغ من صلاته خطب خطة بليغة بدأها بحمد الله والثناء عليه " ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلاّ رأيته في مقامي هذا " أي ما هناك شيء لم يسبق لي رؤيته والاطلاع عليه إلاّ رأيته في مكاني وزماني هذا " حتى الجنة " بالرفع على أنه مبتدأ وخبرُه محذوف تقديره حتى الجنة مرئية مكشوفة أمامي " فأوحى الله إليّ أنكم تفتنون في قبوركم " بسؤال الملكين " مثل أو قريياً من فتنة المسيح الدجال " أي فتكون فتنة القبر شديدة تشبه فتنة الدجال أو تقرب منها " يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ " المشار إليه وهو النبي ﷺ أي ماذا تعرف عنه؟
" فأمّا المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله " أي فأما من كان في دنياه مؤمناً موقناً حقاً، فإن الله يثبته بالقول الثابت، ويلهمه الجواب
стр. 187
٥٤ - " بَابُ الرِّحْلَةِ في الْمَسألَةِ النَّازِلَةِ "
٦٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁:
ــ
الصحيح رغم هول الموقف، ووحشة القبر، وإبهام السؤال، فيعرف من هو المشار إليه، ويجيب عنه، وإن لم يصرَّحْ باسمه، فيقول: هو محمد رسول الله وذلك هو مصداق قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال البَرَاءُ المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر، وبالآخرة المساءلة في القيامة. وقال القفال وجماعة: " في الحياة الدنيا " أي في القبر لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا، وفي الآخرة، أي عند الحساب اهـ.
فإذا سئل المؤمن في القبر، وقيل له: ما علمك بهذا الرجل؟ قال: هو محمد رسول الله " جاءنا بالبينات " أي بالآيات القرآنية الواضحة " والهدي " أي وأرشدنا إلى الدين القويم " وأمّا المنافق والمرتاب " أي المتردد " فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته " أي لم أكن على يقين من نبوته وإنما وافقت الناس على قولهم ظاهراً. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قول الراوي " فأشارت برأسها أي نعم ".
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: إخباره ﷺ عن انتشار الفتن في آخر الزمان والحروب بين المسلمين، وأن ذلك نتيجة حتمية لارتفاع العلم، وظهور الجهل. ثانياًً: إثبات سؤال القبر للمؤمن والمنافق والكافر (١). ثالثاً: الإِجابة عن الفتيا بإشارة اليد والرأس كما فعل النبي ﷺ في الحديث الأول، وكما فعلت عائشة في الثاني.
٥٤ - " باب الرحلة في المسألة النازلة "
٦٩ - ترجمة الراوي وهو عقبة بن الحارث القرشي أسلم ﵁
стр. 188
أنَّه تَزَوَّجَ ابْنَةً لَأبِي إهَابِ بْنِ عَزيزٍ، فأتَتْهُ امْرأة فقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أرْضَعْتُ عُقْبَةَ والتي تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ، ما أعْلَمُ أَنكِ أرْضَعْتِنِي، ولا أخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِيْنَةِ، فَسَألهُ فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَيْفَ وقَدْ قِيْلَ، ففارقَهَا عُقْبَةُ، ونَكَحَتْ زَوْجَاً غَيرهُ.
ــ
يوم الفتح، وسكن مكة، أخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم.
معنى الحديث: يحدثنا عقبة ﵁ عن نفسه " أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز " أي أنه تزوج بنت هذا الرجل، واسمها غَنِية. بفتح الغين العجمة وكسر النون، " فأتته امرأة " أي فأتته امرأة مُرْضعة " فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها " أي فأخبرته بأن المرأة التي تزوجها هي أخته من الرضاعة، لأنّها أرضعتهما معاً " فقال: ما أعلم أنك أرضعتني " أى فاعتذر بأنه لا علم له بذلك " فركب إلى رسول الله بالمدينة فسأله فقال رسول الله ﷺ : فكيف وقد قيل " أي كيف تباشرها، وقد قيل بأنها أختك من الرضاعة " ففارقها " اتقاءً للشبهات، أو لفساد النكاح.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب اتقاء الشبهات لأن عقبة إنما فارق هذه المرأة ورعاً واتقاءً للشبهات، وإلّا فشهادة المرأة الواحدة لا تكفي عند الجمهور، خلافاً لأحمد، فإنه قال: تكفي شهادة المرضعة ولو كانت وحدها.
ثانياً: مشروعية الرحلة في طلب العلم، كما فعل عقبة ﵁، وقد قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفْظِ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره لم أر سفره يضيع، ويحكى عن ابن الأعرابي اللغوي المشهور أنه رأى في مجلسه رجلين أحدهما من سنجاب على حدود الصين والثاني من الأندلس، وكان يحيى بن سعيد يسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي. مطابقته
стр. 189
٥٥ - " بَابُ التَّنَاوُبِ في طَلَبِ الْعِلْمِ "
٧٠ - عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أنا وَجَارٌ لي من الأنْصَارِ في بَنِي أمَيَّة بْن زَيْدٍ، وهيَ مِنْ عَوالِي الْمدِينَةِ، وكُنَّا نتَنَاوبُ النُّزولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمَاً وَأنْزِلُ يَوْماً، فإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإذا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَربَ بَابِي ضَرْباً شَدِيداً، "فَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ ففَزِعْتُ، فخَرَجْتُ إِليْهِ، فقَالَ: قَدْ حَدَثَ أمْرٌ عَظِيْم، قَالَ: فدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَ رسُولُ اللهِ ﷺ ؟
ــ
للترجمة: في قوله: فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة.
٥٥ - " باب التناوب في طلب العلم "
٧٠ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: " كنت أنا وجار لي من الأنصار " وهو عتبان بن مالك ﵁ " في بني أمية بن زيد " أي نسكن في هذه القبيلة التي تقع منازلها بالعالية " وكنا نتناوب النزول على رسول الله " أي ينزل مرة وأنزل مرة، لأنّ ظروف العمل لا تمكن كل واحد منا من الذهاب إلى النبي ﷺ وأخذ العلم منه يومياً " فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بابي ضرباً شديداً " أي فلما رجع من المدينة دق الباب بشدة على خلاف عادته، " ففزعت " أي فخشيت أن يكون قد وقع مكروه، لأنهم كانوا يتوقعون هجوماً مفاجئاً من ملك غسان " فقال حدث أمر عظيم " فسأله عمر: هل جاءت غسان، فقال عتبان: أعظم من ذلك، طلّق رسول الله نساءه، " فدخلت على حفصهٌ فإذا هي تبكي " أي فنزلت المدينة فوجدت حفصة تبكي " ثم دخلت على النبي ﷺ " وكان معتزلاً في مشربة بفتح
стр. 190
قَالَتْ: لَا أدرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فقلْتُ وأنا قَاِئمٌ: أطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لا. فَقُلْتُ اللهُ أكبَرُ.
ــ
الميم وسكون الشين وضم الراء، أي في غرفة صغيرة، وقال عمر في رواية فانطلقت، فأتيت غلاماً أسود فقلت: استأذن لعمر قال: فدخل، ثم خرج فقال: قد ذكرتك فلم يقل شيئاً، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المسجد نفر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام واسمه رباح، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً، فانطلقت إلى المسجد فجلست ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فلم يقل شيئاً، قال: فوَلَّيت منطلقاً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، قال: فدخلت فإذا النبي ﷺ متكىء على حصيره، فرأيت أثره في جنبه " فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: لا فقلت: الله أكبر " أي فاطمأنت نفسه، وجاشت مشاعره بهجة وسروراً، فكبر من شدة الفرح.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: عناية الصحابة ﵃ بأخبار النبي ﷺ خاصة، وأخبار المسلمين عامة، سيما أخبار الوحي الإِلهي، وما ينزل به من الشرائع والأحكام، بدليل قول عمر ﵁ " فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ". ثانياً: الترغيب في طلب العلم، والحرص على حضور مجالسه مهما كانت الظروف، فإن أصحاب رسول الله ﷺ لم تكن تمنعهم أعمالهم عن حضور هذه المجالس، حتى أن عمر كان يتناوب مع جاره الأنصاري الحضور إلى النبي ﷺ لسماع حديثه، وأخذ العلم عنه، فهذا يدل على مشروعية التناوب في العلم لأصحاب الأعمال كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي.
والمطابقة: في قوله " كنا نتناوب النزول ... إلخ ".
стр. 191
٥٦ - " بَابُ الْغَضَبِ في الْمَوْعِظَةِ والتَّعْلِيمِ إذا رَأى مَا يَكْرَهُ "
٧١ - عنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِي ﵁ قَالَ:
سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: " سُلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أبِي؟ قَالَ: أَبوكَ حُذَافَةُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أبيْ يا رسول الله، فقَالَ: أبوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ، فلَما رأى عُمَرُ مَا في وَجْهِهِ، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَتُوبُ إلَى اللهِ ".
ــ
٥٦ - " باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره "
٧١ - معنى الحديث: يقول أبو موسى ﵁: " سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها " أي كره السؤال عنها لعدم فائدته دينياً ودنيوياً، بل قد تنجم عنه مضرة للسائل أو لغيره " فلما أُكثِرَ " بضم الهمزة وسكون الكاف وكسر الثاء والبناء للمجهول. أي فلما أكثر الناس عليه من هذه الأسئلة التي لا تتعلق بها فائدة شرعية " غضب " لأن من العبث السؤال الذي لا فائدة فيه ولأنهم كانوا يسألونه عن بعض المغيبات والنبي ﷺ لم يبعث لذلك، وإنما بعث لبيان الشرعيات من العقائد والأحكام " ثم قال: سلوني عما شئتم " أي فسوف أجيبكم عما تسألون عنه، ولكن ليس هذا من مصلحتكم " قال رجل من أبي " وكان يقصد من وراء سؤاله هذا أن يتأكد من صحة نسبه المعروف عند الناس " قال: أبوك حذافة " فنسبه إلى أبيه الذي يعرف به بين الناس " فقام آخر فقال: من أبي يا رسول ﷺ فقال: أبوك سالم " فنسبه إلى أبيه الشرعي المعروف به " فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله إننا نتوب إلى الله " من هذه الأسئلة التي أغضبتك، والتي قد
стр. 192
٥٧ - " بَابُ مَنْ أعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثاً لِيُفْهَمَ عَنْهُ "
٧٢ - عَنْ أنسٍ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ أنَهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلَاثاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وِإذَا أتى عَلى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَاً".
ــ
تنشأ عنها مضرة، كأن يكون السائل منسوباً إلى غير أبيه، فيفتضح أمره بسبب هذا السؤال مثلاً.
ويستفاد من هذا الحديث ما يأتي: أولاً: أن من حق العالم أن يغضب على السائل إذا سأل عما فيه مضرة، أو لا يتناسب مع الموضوع، فلا ينبغي للطالب أن يخرج من موضوع لآخر أو يسأل في موضوع الدين عن أمور لا علاقة لها به، قال في فيض الباري: وإنما غضب النبي ﷺ لكونه بعث لتعليم الشرائع، فجعل بعضهم يسألونه عن المغيبات. قلت: وأيضاً لأن كثرة هذه الأسئلة قد تؤدي إلى أجوبة تسيء إلى سمعة السائل أو غيره، فما كل مرة تسلم الجرة. ثانياًً: فضل عمر ﵁ ودقة ملاحظته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله فلما أكثر عليه غضب.
٥٧ - " باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه "
٧٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ " كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً " أي إذا تكلم بالجملة (١) من القول أعادها ثلاث مرات " حتى تفهم عنه " أي من أجل أن يفهمها المخاطبون ويستوعبوا معناها، لأنّ التكرار أعْوَن على الحفظ (٢) وقد قال الشاعر:
стр. 193
٥٨ - " بَابُ تعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَة وَأهْلَه "
٧٣ - عَنْ أبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْة قَالَ:
قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلَاثَةٌ لَهمْ أجْرانِ، رَجُلٌ من أهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، والْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إذا أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَة أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَأدبَها فَأحْسَنَ تَأدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا
ــ
أمَا تَرَى الحَبْلَ لِتِكرَارِهِ ... في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ قد أثَّرا
" وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلّم ثلاثاً " الأوْلى قبلِ الدخول للاستئذان، والثانية بعد الدخول تحية والثالثة عند الخروج وداعاً.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن من أصول التربية التعليمية في الإِسلام إعادة الجملة ثلاث مرات لكي يستوعبها الطالب فإن كان حديثاً نبوياً فمن السنة إعادته ثلاثاً، لأن الثلاثة غاية ما يقع به البيان والأعذار كما قال ابن بطال، وقد كان ﷺ يداوم على ذلك عملياً لكي تقتدي به أمته، مع أنه ﷺ لم يكن يسرد الكلام سرداً وإنما يأتي به كلمة كلمة، فلو اقتصر على مرة واحدة لكفت، ولكن مع ذلك كان يكرر ثلاثاً ليكون أسوةً لغيره.
ثانياً: مشروعية السلام ثلاثاً، كما أوضحناه. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في قوله ﵁ " إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ".
٥٨ - " باب تعليم الرجل أمته وأهله "
٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ثلاثة لهم أجران " أي ثلاثة أصناف من البشر يضاعف لهم الأجر مرتين " رجل من أهل الكتاب " أي من اليهود والنصارى " آمن بنبيه " الذي أرسل إليه سابقاً، وهو موسى
стр. 194
فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أجْرَانِ".
٥٩ - " بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وتعْلِيمِهنَّ "
٧٤ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أن النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَال، فَظنَّ أنهُ لَمْ يُسْمِع النِّسَاءَ، فوعَظَهُنَّ
ــ
أو عيسى عليهما الصلاة والسلام، " وآمن بمحمد " عندما بلغته دعوته، فله أجران، أجر على إيمانه بموسى أو عيسى، وأجر على إيمانه بمحمد ﷺ ، " والعبد المملوك إذا أدّى حق الله " أي قام بعبادة الله تعالى وأدى ما يكلفه به سيده على أحسن وجه فله أجران أيضاً. " ورجل كانت عنده أمة " أي جارية مملوكة " يطؤها " أي كان يجامعها بحق ملكيته لها. " فأدبها " أي فرباها تربية صالحة "وعلمها " أركان دينها وأحكام شريعتها " ثم أعتقها فتزوجها فله أجران " أجر على تعليمها وعتقها، وأجر على نكاحه لها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي أيضاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل هؤلاء الأصناف الثلاثة، وكونهم تضاعف أجورهم. ثانياًً: فضل تعليم الأمَةِ وهو ما ترجم له البخاري.
والمطابقة: في قوله ﷺ : " ورجل عنده أمة فأدبها فأحسنَ تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها ".
٥٩ - " باب عِظة الإِمام النساء وتعليمهن "
٧٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس، ﵄ " أن النبي ﷺ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسْمِع النساء " أي أن النبي ﷺ بينما كان يعظ أصحابه، خطر بباله أن صوته لم يصل إلى مسامع النساء لجلوسهن خلف الرجال بالمصلى في عيد الفطر، فخرج من بين صفوف الرجال حتى
стр. 195
وأمَرَهُنَّ بالْصَّدَقَةِ، فجَعَلَت الْمَرْأةُ تُلْقِي الْقُرْطَ والخَاتَمَ، وبِلال يَأْخُذُ في طَرَفِ ثَوْبِهِ.
٦٠ - " بَابُ الْحِرْص على الْحَدِيثِ "
٧٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قِيْلَ يا رَسُول اللهِ مَن أسْعَدُ النَّاس بشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْألنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أحَدٌ
ــ
التقى بهن " فوعظهن " وذكّرهن الجنة والنار، ونبههن إلى بعض الخطايا التي تقع منهن، " وأمرهن بالصدقة " قائلاً: تصدقن، فإني أريتكنّ أكثر أهل النار وذلك لأنّ الصدقة تطفىء غضب الرب " فجعلت المرأة تلقي القرط " أي تتصدق بالقرط وهو الحلق " والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه " أي يجمع هذه الحلي والصدقات لتدفع لمستحقيها.
ويستفاد منه: كما قال النووي: استحباب وعظ الإِمام النساء، وتذكيرهن بالآخرة وأحكام الإِسلام، وحثهنّ على الصدقة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.
الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي. والمطابقة: في قوله " فوعظهن ".
٦٠ - " باب الحرص على الحديث "
٧٥ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك " أي من الذي يسعد يوم القيامة بشفاعتك، ويفوز بها دون غيره من البشر، وهل هي للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم؟ أم هي خاصة بالمؤمنين فقط "فقال رسول الله ﷺ : لقد ظننت
стр. 196
أوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأيتُ مِنْ حِرْصِكِ عَلَى الْحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاس بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أو نفسه".
٦١ - " بَابٌ كَيْفَ يُقْبَض الْعِلْمُ "
٧٦ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بقَبْض الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِم، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوساً جُهَّالاً، فسُئِلُوا فَأفتَوْا بِغَيْرِ عِلْم، فَضَلُّوا وأضلوا ".
ــ
يا أبا هريرة أن لا يسألني (١) عن هذا الحديث أحد أول منك " أي قبلك " لما رأيت من حرصك على الحديث " أي بسبب ما رأيت من حرصك على أخذ الحديث " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه أو نفسه " أي إنما يفوز بشفاعتي يوم القيامة من نطق بالشهادتين معتقداً معناهما، عاملاً بمقتضاهما " إجمالاً " ولو كان عاصياً لقوله ﷺ : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: الترغيب في أخذ الحديث وحفظه، والثناء على أبي هريرة ﵁ بذلك. ثانياًً: أن شفاعة النبي ﷺ تختص بالمؤمنين يوم القيامة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله " لما رأيت من حرصك على الحديث ".
٦١ - " باب كيف يقبض العلم "
٧٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إنّ الله لا يقبض العلم
стр. 197
انتزاعاً ينتزعه من العباد" أي إن الله لا يرفع العلم من الناس بإزالته من قلوب العلماء ومحوه من صدورهم، أو برفع الكتب العلمية من الأرض " ولكن يقبض العلم بقبض العلماء " أي ولكنه يرفع العلم بموت العلماء " حتى إذا لم يبق عالم " وفي راوية: لم يُبْقِ عالماً، أي إذا مات أهل العلم الحقيقي، ولم يبق هناك أحد منهم، وصل الجهلاء إلى المراكز العلمية التي لا يستحقونها من تدريس وإفتاء ونحوه، " واتخذ الناس رؤوساً جهالاً " أي وجعل الناس من الجهلاء وأدعياء العلم علماء يسألونهم كما جاء في رواية أخرى عن النبي ﷺ قال: " اتخذ الناس رؤساء جهالاً " " فسئلوا " عن الحلال والحرام وأحكام العبادة والمعاملة " فأفتوا بغير علم " أي فأفتوا الناس على جهل، فأحلوا الحرام وحرّموا الحلال، " فضلوا " في ذات أنفسهم عن الحق " وأضلوا " من اتبعهم وأخذوا بفتواهم من عامة الناس. الحديث: أخرجه الخمسة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: التحذير الشديد من الجرأة على الفتوى بغير علم، لما في ذلك من إضلال الناس، فإن المفتي الجاهل يتحمل وزر من أضلّه، بالإِضافة إلى وزره هو، ويدخل في مصداق قوله تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم). ثانياًً: تحذير ولاة الأمور من تعيين الجهلاء في المناصب الدينية لهذا الحديث، وقد قال محمد بن سيرين من التابعين: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ". ثالثاً: أن موت العالم خسارة عظيمة، لأنَّ العلم يرفع بموت العلماء. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
***
стр. 198
٦٢ - " بَابٌ هَلْ يَجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمَاً عَلَى حِدَةٍ في الْعِلْمِ "
٧٧ - عَن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ قَالَ:
قَالَتِ "النِّسَاءُ للنَّبِيِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فاجْعَلْ لَنَا يَوْمَاً مِنْ نَفْسِكَ، فوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ، وأمَرَهُنَّ فكَانَ فيما قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرأةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ، فَقَالَتْ امْرأةٌ فيْهُنَّ: واثْنَيْنِ؟ فَقَال: واثْنَيْنِ.
ــ
٦٢ - "باب هل يجعل للنساء يوماً على حدة في العلم "
٧٧ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁ " قالت النساء
للنبي ﷺ غلبنا عليك الرجال " أي شغلك عنا الرجال الوقت كله، فأصبحنا لا نجد وقتاً نلقاك فيه ونسألك عن ديننا، لملازمتهم لك سائر اليوم " فاجعل فما يوماً من نفسك " أي فاجعل لنا يوماً خاصاً نلقاك فيه ونأخذ عنك العلم " فوعدهن يوماً " أي فخصص النبي ﷺ يوماً معيناً " فكان فيما قال لهن " في ذلك اليوم " ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها " أي ليسِ منكن امرأة يموت لها ثلاثة من أولادها ذكوراً أو إناثاً فتقدمهم للدار الآخرة قبلها " إلاّ كان لها حجاباً " أي إلاّ كان مصابها فيهم وقاية لها من النار " فقالت امرأة منهن: واثنين؟ فقال: واثنين " أي وكذلك من تقدم اثنين.
ويستفاد منه مما يأتي: أولاً: عظم أجر المصيبة في الولد، وكونه لا جزاء لها إلاّ الجنة، فمن فقد ثلاثة أو اثنين وصبر نجا من النار بنص هذا الحديث وكذلك من فقد واحداً، لما جاء في حديث أبي هريرة في الرقاق عن النبي ﷺ قال: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احْتسبه إلاّ الجنة. ثانياًً: أنه ينبغى للعالم أن يجعل يوماً للنساء، إذا لم
стр. 199
٦٣ - " بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئَاً فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ "
٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (١): " مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ " قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ : (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيراً) فقال: " إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلَكَ ".
ــ
يترتب على ذلك مفسدة، كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله " فوعدهن يوماً ".
٦٣ - " باب من سمع شيئاً فراجعه حتى يعرفه "
٧٨ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ سمعت النبي ﷺ يقول: " من حوسب عذب " أي أن كل من حاسبه الله يوم القيامة فلا بد أن يناله شيء من العذاب، لأن الحساب إنما هو مناقشة للعبد في أخطائه، وتوقيفه على جميع ذنوبه، واستقصاء لكل سيئاته، وللعذاب معنيان: أحدهما: نفس المناقشة والثاني ما يفضي إليه من دخول النار. " قالت " عائشة ﵂: " أوليس يقول الله (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) " أي فكيف تقول " من حوسب عذب " وقد قال تعالى: (فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً) " فقال: إنما ذلك العرْض " بسكون الراء أي إنما ذلك الحساب اليسير شيء آخر وهو العرض، ومعناه تذكير المؤمن على انفراد بأخطائه مع تطمينه بالعفو عنه، كما في الصحيح " إن الله يدني عليه كنفه - أي ستره ويقول له: فعلت كذا وكذا - ثم يطمئنه
стр. 200
٦٤ - " بَاب لِيُبْلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الغائِبُ "
٧٩ - عَن أبي شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ يَقُولُ قَولاً سَمِعَتْهُ أذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ (١) حِيْنَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ
ــ
بعد هذا العتاب الرقيق فيقول له: سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفر لك اليوم " ولكن من نوقش الحساب يهلك " أي يعذب لا محالة ويتعرض للهلاك ودخول النار.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن من حق طالب العلم أن يسأل فيما اشكل عليه، وأن يراجع كما فعلت عائشة ﵂، وعلى العالم أن يقابل مراجعته برحابة صدر، وأن يجيبه كما فعل النبي ﷺ . ثانياًً: أن الحساب نوعان، حساب مناقشة وهو عسير وشديد، ولا يخلو من العذاب، وحساب عرض ومعاتبة، وهو حساب يسير لا عذاب فيه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قول عائشة يقول الله: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً).
٦٤ - " باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب "
٧٩ - ترجمة راوى الحديث: هو أبو شريح بفتح الراء خويلد بن عمرو الخزاعي، أسلم ﵁ قبل فتح مكة، وكان من عقلاء المدينة، وذوي الرأي فيها، روى عشرين حديثاً اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. توفي سنة ثمان وثمانين من الهجرة.
معنى الحديث: يقول أبو شريح ﵁: "سمعت رسول الله
стр. 201
قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، ولَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِىءٍ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً، ولا يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً، فإن أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقولُوا: إنَّ اللهَ قَدْ أذنَ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ، وِإنَّمَا أذنَ لي فيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمْس، وَلِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ".
ــ
ﷺ يوم الفتح يقول قولاً سمعته أذناي، ووعاه قلبي " أي سمعت من النبي ﷺ قولاً تلقيته منه بإنصات كامل وعناية تامة، وقلب حاضر، حفظه ورسخ فيه، وحواه كما يحوي الوعاء مما وضع فيه، وذلك لما لهذا القول من الأهمية البالغة. " حمد الله " أي استهل النبي ﷺ كلامه هذا أو خطبته البليغة بالثناء على الله تعالى " ثم قال: إن مكة حرّمها الله تعالى " أي حرمها بنفسه، وفي محكم كتابه حيث قال في سورة الحج: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء) وقال أيضاً: (قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) " فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً " أي لا يجوز فيها القتال وإراقة الدماء، ولا يحل للمؤمن أن يفعل ذلك " ولا يعضد بها شجرة " بفتح الياء وسكون العين وكسر الضاد أي ولا يقطع فيها شجرة من الأشجار البرية التي تنبت بنفسها، " فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله ﷺ " أي فإن استباح أحد القتال في مكة مستدلاً على ذلك بقتال النبي ﷺ فيها يوم الفتح " فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ﷺ " أي فقولوا له لا حجة لك في قتال الرسول ﷺ بمكة، لأن قتاله هذا كان رخصة استثنائية خاصة به ﷺ ، فإن الله قد أحل له القتال فيها ذلك اليوم، وأذن له فيه " ولم يأذن لكم " أي ولم يحل لكم القتال فيها أبداً " إنما أذن لي " بالقتال فيها " ساعة من نهار " أي في وقت محدود وجزء معين من يوم الفتح، وذلك
стр. 202
من طلوع الشمس إلى العصر. كما في حديث ابن عمر. " وليبلغ الشاهد الغائب " ومعناه أن النبي ﷺ أمر كل من حضر ذلك المجلس أن يبلغ حديثه هذا لمن غاب عنه، ويرويه لغيره حتى يصل إلى مسامع أكبر عدد ممكن من المسلمين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي:
أولاً: وجوب تبليغ الدعوة، ورواية حديث رسول الله ﷺ وتعليمه للناس. قال ابن بطال: إن كان من خاطبه النبي ﷺ بتبليغ العلم ممن كان في زمنه، فالتبليغ عليه متعين - أي فرض عين، يجب على كل من سمع حديثاً منه أن يرويه لغيره، وأمّا من كان بعده فالتعليم عليهم فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. فالحديث أصل في رواية السنة وتبليغها، وإن لم يكن المحدث عالماً بشرحها، فقيهاً في معانيها وأحكامها، لأن المحدث لا يلزم منه أن يكون فقيهاً، ولكن عليه أن يروي الأحاديث التي حفظها لغيره، فقد قال ﷺ : " ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع " وقال في حديث آخر: " رب حامل فقه ليس بفقيه " فإن جمع المحدث بين الرواية والفقه فهو نور على نور. ثانياً: تحريم القتال في مكة، وسفك الدماء فيها، وقطع أشجارها، والاصطياد من صيدها، وسيأتي إيضاح ذلك. والمطابقة: في قوله ﷺ : " ليبلغ الشاهد الغائب "، وإن شئت قلت: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
***
стр. 203
٦٥ - " بَابُ إِثْمَ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - "
٨٥ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلجَ النَّارَ".
ــ
٦٥ - " باب إثم من كذب على النبي ﷺ "
٨٠ - ترجمة راوي الحديث: هو الإِمام علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين ﵁، وابن عم رسول الله ﷺ ، وزوجٍ ابنته فاطمة رضي لله عنها أمُّهُ فاطمة بنت أسد، أول هاشمية ولدت هاشمياً، قال له النبي ﷺ : أنت أخي في الدنيا والآخرة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول خليفة هاشمي، وهو أول من أسلم من الصبيان، ولد قبل البعثة بعشر سنين وتربى في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه، وشهد المشاهد كلها إلاّ تبوك، حيث استخلفه ﷺ على المدينة، وكان فارس الإسلام، وأحد الشجعان المعدودين، بارز " مرحب " يوم خيبر وقتله، وتم الفتح على يديه، ولي الخلافة سنة خمس وثلاثين هـ بعد عثمان ﵁، واغتاله عبد الرحمن بن ملجم، حيث ضربه الخبيث بسيفه ضربة قاتلة وصلت إلى دماغه، فتوفي منها ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة. روى (٥٨٦) حديثاً اتفقا منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثاً ﵁.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لا تكذبوا عليّ " أي لا تنسبوا إليّ أيَّ حديث لم يصدر عني، ولا تخبروا عني بخلاف الواقع، فتقولوا: قال، أو فعل رسول الله ﷺ شيئاً لم أقله ولم أفعله، ولا تفتروا علي بالأحاديث
стр. 204
٨١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَع ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَن يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمَْ أقُل فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".
ــ
الموضوعة سواء كان ذلك في الخير أو الشر، بسوء نية أو بحسن نية، " فإن من كذّب علي "عامداً متعمداً " فليلج النار " فقد وجب عليه دخول النار، وأمر الله ملائكته بإدخاله إليها، ومتى صدر الأمر الإِلهي بشيءٍ فهو واجب الوقوع، نافذ المفعول لا محالة. قال الحافظ: أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر ويؤيده رواية مسلم بلفظ: من يكذب عليَّ يلج النار، فلا بد له من النار ما لم يغفر الله له. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨١ - ترجمة راوي الحديث: هو " سلمة " بفتح السين واللام ابن الأكوع الأسلمي المدني شهد بيعة الرضوان، وكان شجاعاً رامياً عدّاءً يسبق الخيل، قال ﵁: رأيت الذئب قد أخذ ظبياً فطلبته حتى نزعته منه فقال: ويحك مالك عمدت إلى رزق رزقنيه الله تعالى ليس من مالك تنتزعه مني فقلت: يا عباد الله إن هذا لعجب! ذئب يتكلم، فقال: أعجب منه أن رسول الله ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلّا عبادة الأوثان، فلحقت برسول الله ﷺ فأسلمت (١) روى (٧٧) حديثاً اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، وتوفي بالمدينة سنة أربع وسبعين هـ.
стр. 205
٨٢ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي، ولا تَكْتَنوا بِكنْيَتي، وَمَنْ رَآنِي في الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فإِنَّ الشيطَانَ لَا يَتَمَثَّل في صورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَأ مَقْعَدَه مِنَ النّارِ".
ــ
معنى الحديث: يقول سلمة بن الأكوع ﵁: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: من يقل علي ما لم أقل " أي من ينسب إليّ قولاً لم أقله، أو فعلاً لم أفعله " فليتبوأ مقعده من النار " أي فليستعد لدخول النار التي اتخذ لنفسه فيها منزلاً. الحديث: أخرجه البخاري. وهو أول حديث ثلاثي وقع في صحيح البخاري. وسنده هكذا: حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: تحريم الكذب على النبي ﷺ مطلقاً، وهو كبيرة باتفاق أهل العلم، وقد ذهب أحمد والحُمَيدي وابن الصّلاح إلى أنّه لو كذب في حديث واحد، فسق، ولم تقبل توبته، والمختار كما قال النووي: قبول توبته. والصحيح أنه كبيرة مطلقاً سواء كان في الأحكام أو في الترغيب أو الترهيب ولا يبرره حسن النية والقصد، بأن يقال: فعلت ذلك للدعوة إلى الخير، فإن في الأحاديث الصحيحة ما يغني عن الأحاديث الموضوعة. ثانياًً: أنه يجب على راوي الحديث أن يعرف من النحو ما يمكّنه من النطق الصحيح، قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله ﷺ " من كذب علي متعمداً ". مطابقة: الحديثين للترجمة في قوله: " فليلج النار " وقوله " فليتبوأ مقعده من النار ".
٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي " أي لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي للشخص الواحد، فيقال له: محمد
стр. 206
٦٦ - " بَابُ كتَابَةِ الْعِلْمِ "
٨٣ - عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أخيهِ قَالَ:
سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁: يَقُولُ: " مَا مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً عَنْهُ مِنِّي إِلَا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، فإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب وَلَا أكتُبُ ".
ــ
أبو القاسم. " ومن رآني في المنام فقد رآني " وفي رواية فقد رأى الحق - أي فإن رؤيته هذه رؤية صادقة صحيحة " فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي " أي لا يقدر على التشكل بصورة النبي ﷺ لأنّه قد حيل بينه وبين ذلك. وبقية الحديث تقدم شرحه.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تحريم الكذب على النبي ﷺ ، وقد تقدم. ثانياًً: النهي عن التكني بكنية النبي ﷺ ولهذا قال الشافعى: ليس لأحد أن يتكنّى بأبي القاسم سواء اسمه محمد أم لا، وقيل: لا يجمع بينهما، والجمهور على أنّ النهي منسوخ، وأنه كان في وقت حياته ﷺ . ثالثاً: أن رؤيا النبي ﷺ في المنام حق، لأن الشيطان لا قدرة له على التشكل بصورته ﷺ وكذلك الملائكة والأنبياء، ولكن متى يقال رأى النبي ﷺ في المنام؟ ومتى يعتبر أن الذي رآه هو النبي ﷺ هناك علامة واضحة تدل على ذلك، قال العيني وضعوا لرؤيته ﷺ ميزاناً، وقالوا رؤيته ﷺ هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فلو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه ﷺ . مثل أن يراه طويلاً أو قصيراً جداً أو شديد السُّمرة ونحو ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله " فليتبوأ مقعده من النار ".
٦٦ - " باب كتابة العلم "
٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: "ما من
стр. 207
٨٤ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ، قَالَ: ائتونِي بِكِتَابٍ أكتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً
ــ
أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه منّي" أي لا يوجد أحد من الصحابة روى من الأحاديث أكثر مني " إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب " وهو استثناء منقطع، تقديره لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو، وهو الكتابة، لم يكن مني فالخبر محذوف بقرينة السياق، سواء لزم منه كونه أكثر حديثاً لما تقتضيه عادة الملازمة مع الكتابة أمْ لا، والمعنى، لكن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يمتاز عنّي وينفرد دوني بالكتابة فيكتب ما يسمعه، ولا أكتب شيئاً. وقال القسطلاني: ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً فكأنه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر مني إلّا أحاديث حصلت من عبد الله. والمطابقة: في قوله: " فإنه كان يكتب ولا اكتب ". الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية كتابة الحديث وتدوينه، لأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبه عن النبي ﷺ فيقره ﷺ على كتابته، وإقراره ﷺ حجة شرعية على مشروعية ما يقر. ثانياًً: يقول أبو هريرة: إن عبد الله بن عمرو بن العاص كان أكثر منه حديثاً مع أن الموجود من أحاديثه أقل، وذلك لأنه سكن مصر والواردون عليها قليل بالنسبة إلى المدينة التي سكنها أبو هريرة.
٨٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " اشتد بالنبي ﷺ وجعه " أي اشتدت عليه آلام الحمى في مرضه الأخير الذي توفي فيه، " فقال: اتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً " هكذ الرواية بجزم " أكتب " لوقوعه في جواب الطلب. أي أحضروا لدي أدوات الكتابة من قلم وقرطاس
стр. 208
لا تَضِلوا بَعْدَهُ، قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ النَّبِي ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، فاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغْطُ، قَالَ: قُومُوا عَنِّي وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَنّاَزُعُ".
ــ
ونحوه لكي آمر بعض أصحابي بتحرير كتاب هام " لن تضلوا بعده " يعني لكي يكون هذا الكتاب هادياً لكم إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، فلا تميلوا بعده عن جادة الحق ولا تنحرفوا عن منهج الصواب، والظاهر أنّ هذا الكتاب كان يتعلق بأمر الخلافة ومن يليها بعد النبي ﷺ ، وأنه ﷺ أراد أن يعهد فيه لمن يكون بعده خليفة للمسلمين " قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع " قال ابن الجوزي: إنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه النبي ﷺ في حالة غلبة المرض عليه فيجد المنافقون سبباً إلى الطعن في ذلك المكتوب " وعندنا كتاب الله حسبنا " أي يكفينا كتاب الله، وإنما لم يتمم عمر هذا الكتاب لأمرين: أولهما: أن النبي ﷺ كان قد غلبه الوجع. وثانيهما: أنه رأى أن أمره ﷺ هذا إنما كان توجيهاً وإرشاداً وليس على سبيل الوجوب.
قال ابن عباس ﵄ " فاختفوا وكثر اللغط " أي كثر الكلام وارتفعت الأصوات " قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع " لأن حالته المرضية لم تعد تسمح له بسماع الكلام الكثير والضجيج والأصوات العالية.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية كتابة العلم، لأن ما أراده النبيُّ ﷺ داخل في ذلك مهما كان مضمونه، سواء كان الكتاب في بيان بعض الأحكام الشرعية، أو في بيان أسماء الخلفاء من بعده. ثانياً: أن النبي ﷺ لم يوصِ لأحد بالخلافة من بعده، ولم يوجد هناك أي نص أو وثيقة شرعية عهد فيها النبي ﷺ لأحد أن يكون خليفة عنه بعد وفاته، وإنما تمت الخلافة لأبي بكر عن طريق الانتخاب والشورى وإجماع الصحابة على مبايعته بالخلافة،
стр. 209
٦٧ - " بَابُ تعْلِيمِ الْعِلْمُ وَالْعِظَةِ باللَّيل "
٨٥ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:
اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ، مَاذا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنٍ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ أيْقِظُوا صَوَاحِب الْحُجَرِ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنيا عَارِيةٍ في الآخِرَةِ".
ــ
حتى أن علي بن أبي طالب نفسه قد بايعه بالخلافة كما أَجمع على ذلك المؤرخون وأهل السير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أكتب لكم كتاباً ".
٦٧ - " باب تعليم العلم والعظة بالليل "
٨٥ - ترجمة راوية الحديث: وهي أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومي كانت تحت أبي سلمة ﵁، وتزوجها النبي ﷺ بعد وفاته في شوال سنة أربع من الهجرة، فكانت نعم الزوجة الصالحة، روت ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثاً، اتفقا منها على ثلاثة وعشرين، وهي آخر أمّهات المؤمنين وفاة توفيت بالمدينة سنة ٥٩ هـ.
معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: " استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: سبحان الله: ماذا أنزل الليلة من الفتن " أي ما أعظم الفتن التي قدر الله في هذه الليلة ظهورها في المستقبل القريب، وأطلع عليها نبيه ﷺ في منامه " وماذا فتح من الخزائن؟ " أي ما أعظم ما قدر الله تعالى أن يفتح لهذه الأمة من خزائن الأرزاق وكنوز الأموال التي تصل إليها عن طريق المغانم والفتوحات شرقاً وغرباً "أيقظوا صواحب الحجر" أي أيقظوا أمّهات المؤمنين لصلاة الليل " فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية الآخرة " أي
стр. 210
٦٨ - " بَابُ السَّمَرِ في العَلْمِ "
٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِر حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: " أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأس مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأرْض أحَد ".
ــ
فكم من امرأة تلبس الثياب الشفافة التي لا تستر جسمها وتفتن الرجال بمحاسن جسدها يعاقبها الله في الآخرة بتعريتها من ثيابها فضيحة لها وتشهيراً بها.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التعليم والعظة بالليل، لأنه ﷺ وعظ نساءه فيه. ثانياًً: مشروعية الذكر والتسبيح عند التعجب من شيء أو الخوف منه، كأن يقول: لا إله إلاّ الله، أو الله أكبر، أو سبحان الله، وهو الأكثر. الحديث: أخرجه الترمذي أيضاً. والمطابقة: في قوله " ماذا أنزل الليلة من الفتن ".
٦٨ - " باب السمر في العلم "
٨٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " صلى بنا رسول الله ﷺ العشاء في آخر حياته " أي قبل وفاته بشهر، " فلما سلّم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ " أي فلما سلم ﷺ خطب فينا خطبة قال فيها ما معناه: لقد رأيتم هذه الليلة التي نعيشها الآن فاضبطوا تاريخها فإنّها لا تمضي مائة سنة بعدها إلاّ وينقرض هذا الجيل الموجود من الصحابة، هذا ما أراده النبي ﷺ من حديثه هذا، كما فهم ابن عمر ﵄ حيث قال: " إنما يريد النبي ﷺ أنها تخرم ذلك القرن " أي أن ذلك الجيل ينقرض،
стр. 211
٦٩ - " بَابُ حِفْظِ الْعِلْمِ "
٨٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
إِنَّ الناسَ يَقولُونَ أكْثَرَ أبو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثَاً، ثُمَّ يَتْلُو (إنَّ الَّذِيْن يَكْتُمُونَ ما أنزلْنَا من البَيناتِ والْهُدَى -
ــ
ولا يبقى منه أحد بعد انتهاء المائة الأولى من هجرته ﷺ وليس المراد منه فناء العالم البشري كله. الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز السمر في العلم بعد العشاء تعليماً وتعلماً ووعظاً وتأليفاً لأنه ﷺ وعظ أصحابه بعد العشاء بقصر أعمارهم ليجتهدوا في العبادة. ثانياً: مشروعية قيام الواعظ بعد الصلاة مباشرة.
والمطابقة: في كونه ﷺ وعظ أصحابه بعد العشاء.
٦٩ - " باب حفظ العلم "
٨٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: " إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثاً، ثم يتلو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) أي أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً ورواية حتى بلغت أحاديثه (٥٣٧٤) فقال الصحابة: أكثر أبو هريرة، فخشي ﵁ أن يداخلهم الشك في صحة أحاديثه، فقال ﵁: لولا وجود هاتين الآيتين اللتين توعد الله تعالى بهما كاتم العلم باللعنة لما رويت لكم حديثاً واحداً، ولكني أخشى أن تصيبني هذه اللعنة إن أنا كتمت حديث رسول الله ﷺ .
стр. 212
إلى قَوْلِهِ- الرَّحِيمِ) وَإنَّ إخْوانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ، وإنَّ إخْوَانَنَا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ في أمْوالِهِمْ، وإنَّ أبا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِهِ، فَيحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ.
٨٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أسْمَعُ مِنكَ حَدِيثَاً كَثِيرَاً أنسَاهُ، قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطتهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شَيْئَاً بَعدَهُ".
ــ
ثم بين ﵁ السبب الذي ساعده على حفظ هذا العدد الكثير من الأحاديث التي لم يحفظها غيره، وهو ملازمته للنبي أكثر من سواه، فقال: " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم (١) الصفق في الأسواق " أي كان يشغلهم عن ملازمة النبي ﷺ والمواظبة على حضور مجالسه ممارستهم للبيع والشراء في أسواقهم التجارية " وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم " أي في بساتينهم وحقولهم " وإنّ أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ لشبع بطنه " أي مكتفياً بقوت يومه " ويحفظ ما لا يحفظون " لدوام ملازمته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله " يحفظ ما لا يحفظون ".
٨٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه " لكثرته. " قال ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه " أي فضم كفيه وغرف بهما من الفيض الإِلهي
стр. 213
٨٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:
حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْن، فَأمَّا أحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وأمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ"
ــ
" ثم قال: ضمه " إلى صدرك ليحل فيه من ذلك الفيْض الإِلهي المبارك ما يملأه نوراً وقوةً وملكة في حفظ الحديث تحصيله " فضممته فما نسيت شيئاً بعده " وفي رواية فما نسيتُ شيئاً سمعته منه ﷺ . الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في قوله " فغرف بيده ثم قال: ضمه فضممته، فما نسيت شيئاً بعده ".
٨٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين " (١) أي صنفين مختلفين من العلم " فأما أحدهما " وهو علم الشريعة المتعلق بالعقائد والأحكام " فبثثته " أي نشرته فيكم وبلغته لكم. " وأما الآخر " أي وأما الصنف الآخر " فلو بثثته فيكم قطع هذا البلعوم " (٢) أي فلو بلغته وتحدثت به إلى الناس لذبحت ذبح الشاة، والراجح أنّ هذا العلم هو ما يتعلق بأخبار ولاة السوء كيزيد بن معاوية وغيره، وقد كان أبو هريرة ﵁ يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت، ويقول: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد، وقد استجيب دعاؤه فمات سنة ٥٩ من الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.
والمطابقة: في قوله " حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين ".
ويستفاد من أحاديث الباب ما يأتي: أولاً: أن من الأسباب التي تساعد على كثرة حفظ العلم وتحصيله ملازمة العلماء والتفرغ عن الشواغل والانقطاع
стр. 214
٧٠ - " بَابُ الإِنصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ "
٩٠ - عَنْ جَرِيرٍ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، فَقَالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض".
ــ
للدراسة كما كان أبو هريرة ﵁ يلزم النبي ﷺ لشبع بطنه، فحفظ ما لا يحفظون، وتفوق على غيره. ثانياً: أن من الأسباب التي مكنت أبا هريرة ﵁ من كثرة الحفظ والتحصيل ما ألقاه النبي ﷺ في ردائه من ذلك الفيض الإِلهي المبارك. ثالثاً: أن من العلم ما يجب تبليغه وروايته، وهو ما يحتاج الناس إليه من أحكام دينهم ومنه ما لا يجب كأخبار الفتن وأمراء الجور.
٧٠ - " باب الإِنصات للعلماء "
٩٠ - معنى الحديث: يحدثنا جرير بن عبد الله البجلي ﵁ " أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع " بفتح الحاء أي قال في منى يوم النحر في حجة الوداع: عند جمرة العقبة " استنصت الناس " أي مرهم بالإنصات إليّ والاستماع إلى هذا التحذير الخطير الذي أوجهه إليهم بقلب حاضر وأذن واعية " فقال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " أي احذروا أن تحملكم العداوة والبغضاء فيما بينكم على استحلال بعضكم دماء بعض، فإنّ المسلم إذا استحل دم أخيه دون سبب شرعي كفر والعياذ بالله تعالى، أما إذا قاتله دون أن يستحل دمه فإنه يكون فاسقاً كافراً بنعمة الأخوة الإِسلامية. الحديث: أخرجه أيضاً مسلم والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الإنصات إلى العلماء لا سيما
стр. 215
٧١ - " بَابُ ما يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إذَا سُئِلَ أيُّ النَّاس أعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إلى اللهِ "
٩١ - عن أبيّ بْنِ كَعْبٍ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيباً في بني إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعْلَمُ؟ فَقَالَ: أنَا أعْلَمُ، فَعَتَب اللهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إلَيْهِ فأوحَى اللهُ إليْهِ أنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَع الْبَحْرَيْن هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ،
ــ
إذا كان الحديث مما تمس الحاجة إليه دينياً أو اجتماعياً أو خلقياً، أو يتعلق بمصلحة من مصالح المسلمين لقوله ﷺ : " استنصت الناس ". ثانياً: تحريم القتال بين المسلمين وأقل ما يقال فيه إنه كبيرة، أما إذا استحله فاعله فإنه يكفر كفراً يخرجه عن الملة الإِسلامية والعياذ بالله تعالى. والمطابقة: في قوله " استنصت الناس ".
٧١ - " باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فَيَكِل العلم إلى الله "
٩١ - ترجمة الراوي: هو أبي بن كعب النجاري الأنصاري أقرأُ هذه الأمة من أصحاب العقبة الثانية، شهد المشاهد كلها وأثنى عليه النبي ﷺ بغزارة العلم حيث قال له: " ليهنك العلم أبا المنذر "، وسماه سيِّد الأنصار، وكان من أصحاب الفتيا، توفي سنة ثلاثين من الهجرة ﵁ وأرضاه.
معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "قام موسى النبي خطيباً فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم" لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وكلهم تحت شريعته، وقد اصطفاه الله لرسالته، وأنزل عليه التوراة، التي فيها علم كل