في بني الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ فَتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً، فأتَتْنِي أمِّي أمُّ رُومَانَ، وِإنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ ومعي صَوَاحِبٌ لي، فصَرَخَتْ بي فأتَيْتُهَا لا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فأخَذَتْ بِيَدِي حتى أوْقَفَتْنِي على بَابِ الدَّارِ، وِإنِّي لأنْهَجُ حتى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثم أخَذَتْ شَيْئاً مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأسِي، ثم أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِن الأنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ، وعلى خَيْرِ طَائِرٍ، فأسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَسُولُ اللهِ ضُحَى، فأسْلَمْنَنِي إليه، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْع سِنين".
ــ
بالنبي ﷺ وأنه عقد عليها وهي بنت ست سنين، فقدمت مع أهلها إلى المدينة، ونزلت في بني الحارث بن الخزرج فمرضت ﵂، وتمزق شعرها، ثم شفيت وعاد إليها شعرها، وأخذ يتكاثر ويطول حتى وصل إلى المنكبين، وهو معنى قولها: " فوفي جميمة " قالت ﵂: " فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة " أي وأنا ألعب راكبة على حبل مشدود بين خشبتين مع بعض صديقاتي، قالت: " فأخذت بيدي " أي فأمسكت بيدي وأخذتني معها " حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج " أي تتردد أنفاسي من التعب والإِعياء " ثم أخذت شيئاً من الماء فمسحت به وجهي ورأسي " وذلك لتهدئتها " ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة " أى جعله الله زفافاً سعيداً مباركاً " وعلى خير طائر " أي وتقدمين على أسعد حظ. " فأصلحن من شأني " أي فقمن هؤلاء النسوة بإصلاح شعرها وإلباسها أحسن ثيابها، وإعدادها لزوجها، قالت عائشة: " فلم يرعني إلاّ رسول الله ﷺ ﷺ ضحى " أي فلم أشعر إلاّ وقد دخل عليّ رسول الله صباحاً في وقت
стр. 1507
٨٤١ - " بَابُ هِجْرَةِ النبي ﷺ وَأَصحَابِهِ إلى الْمَدِينَةِ "
٩٨٢ - عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قَالَتْ:
"لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلَّا وَهُمَا يَدينَانِ الدِّيْنَ، ولم يَمُرُّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلما ابْتلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أبوْ بَكْرٍ مُهَاجِراً نحو أرْض الْحَبَشَةِ، حتىْ إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبَا بَكْرٍ؟
ــ
الضحى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قصة زواجه ﷺ من السيدة عائشة ﵂ وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، لأن رسول الله عقد على عائشة وعمرها ست سنوات، ودخل عليها وعمرها تسع سنوات. ثانياً: مشروعية إعداد العروس وتزيينها لزوجها، وإلباسها أفخر ثيابها ليلة زفافها وعرسها، لقول عائشة ﵂: " ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني ". والمطابقة: في كون الحديث مشتملاً على قصة زواجه ﷺ بعائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
٨٤١ - " باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة "
٩٨٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا في حديثها هذا عن قصة الهجرة النبوية، فتمهد لذلك بقولها: " لم أعقل أبوي إلاّ وهما يدينان الدين " يعني أن أبويها أسلما قديماً، وهي لا زالت صغيرة جداً، حتى إنها لا تذكر وقت إسلامهما، لأنها منذ أن فتحت عينينها وعرفت أبويها، وجدتهما يعتنقان الإِسلام، فلما اشتد الأذى على أبي بكر مثل غيره، من المسلمين، خرج
стр. 1508
فَقَالَ أبو بَكْرٍ: أخرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أنْ أسِيْحَ في الأرْض، وأعْبُدَ رَبِّي، فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أبا بَكْر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْوِي الضَّيْفَ (١)، وَتُعِينُ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فأنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ واعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فرَجَعَ وارْتَحَلَ معَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَة عَشِيَّةً في أشْرَافِ قُرَيْشِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أبَا بَكْر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجُونَ رَجُلاً يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينَ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُريشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْر فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وَليْقَرأ مَا شَاءَ، ولا يُؤْذِينَا
ــ
مهاجراً إلى الحبشة، قالت عائشة: " فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد " بفتح الباء وسكون اللام وكسر الغين موضع في طريق اليمن على بعد خمسة مراحل " لقيه ابن الدغنة " بالدال المفتوحة المشددة والغين المكسورة والنون المفتوحة المخففة " وهو سيد القارة " أي رئيس قبيلة القارة بفتح الراء، وهي من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس " فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج " بفتح الباء وضم الراء " ولا يخرج " بضم الياء وفتح الراء أي لا ينبغي أن يخرج بنفسه، ولا أن يخرجه قومه من بلده، " إنك تكسب المعدوم " أي إنك من المحظوظين في التجارة تربح ما لا يربح غيرك " وتصل الرحم، وتحمل الكل " أي تعين الضعيف العاجز " وتقوي الضيف " أي تكرمه " وتعين على نوائب الحق " أي وتقف عند الحوادث والنوازل إلى جانب الحق فتنصر المظلوم وتضرب على يد
стр. 1509
بِذَلِكَ، ولا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أبو بَكْرٍ بذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، ولا يَسْتَعْلِنُ (١) بِصَلَاتِهِ ولا يَقْرأ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ فابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عليه نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وأبنَاءُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، ويَنْظرٌونَ إِلَيْهِ، وكان أبو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرأ الْقُرآنَ، فأفْزَعَ ذَلِكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فأرْسَلُوا إلَى ابْنِ الدَّغنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فقالُوا: إِنَّا كُنَّا أجَرْنَا أبا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ علَى أن يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِداً بِفِنَاءِ دَارِهِ، فأعْلَنَ بالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ فِيهِ، وِإنَّا قَدْ خَشِينَا أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فانْهَهُ، فَإِنْ أَحبَّ أن يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وَإنْ أَبَى إلَّا أن
ــ
الظالم. " فأنا لك جار " أضعك في جواري وحمايتي وأدافع عنك " فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة " أي فلم يجرأ أحد من قريش على أن يرد جوار ابن الدغنة أو يخفره وينتهكه " وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره " أي سراً ولا يجاهر بعبادته لئلا يفتن النساء والصبيان عن دينهم " فقال ذلك ابن الدغنه لأبي بكر " أي فأبلغه هذا الشرط لكي يلتزم به، ويقوم بتنفيذه " فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره " مدة من الزمن يعبد ربه سراً في بيته " ولا يستعلن بصلاته " أي لا يجاهر بصلاته ولا بقراءته " ثم بدا لأبي بكر " أي ثم ظهر لأبي بكر أن يجاهر بعبادته، " فابتنى مسجداً بفناء داره " أي في ساحة المنزل المكشوفة للناس " وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن " أي وصار يصلي ويعبد ربه بالصلاة وقراءة القرآن جهاراً أمام أعين الناس "فيتقذف عليه نساء
стр. 1510
يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِليْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أن تَقْتَصِرَ علَى ذَلِكَ، وإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلِيَّ ذِمَّتِي، فإني لا أحبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَإِنِّي أردُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللهَ ، والنبي ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النبي ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابتَيْنِ، وهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ منْ كَانَ هَاجَرَ بأرْضِ الْحَبَشَةِ إلى الْمَدِينَةِ، وتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَلَ، الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهَ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: وَهَلْ
ــ
المشركين" أي يزدحم عليه النساء والأطفال ويتدافعون حتى يتساقطون عليه " فأفزع ذلك أشراف قريش " أي أخافهم وأقلقهم " فأرسلوا إلى ابن الدغنة " وكلموه في شأن الصديق وطلبوا منه أن يلتزم بالشرط " فقالوا: إنا كما قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره " أي إنا كنا قبلنا جوارك لأبي بكر والتزمنا به، وحافظنا عليه، على شرط أن يعبد ربه سراً، ولا يجاهر بعبادته، فيؤذينا، ويضل نساءنا وصبياننا " فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل " أي فله أن يفعل ذلك، مع بقاء الجوار نافذاً " وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك " أي وإن أصر أن يعبد ربه علناً " فسله أن يرد إليك ذمتك " أي فاطلب منه أن يرد إليك جوارك وحمايتك له " فإنما كرهنا أن نخفرك " أي أن ننتهك حرمة الجوار الذي بيننا وبينك. قالت عائشة ﵂: " فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه " أي أنت تعرف الشرط
стр. 1511
تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، وَرَقَ السَّمُرِ -وَهُوَ الخَبَطُ- أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْماً جُلُوسٌ في بَيْتِ أبِي بَكْرٍ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قَائِلٌ لأبِي بَكْرٍ، هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعاً في سَاعةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: فداءٌ لَهُ أبِي وأمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فجاءَ رَسُولُ اللهَ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النبي ﷺ لأَبِي بَكْرٍ
ــ
الذي شرطته على قريش في جواري لك، " فإما أن تقْتَصِر على ذلك " وتحافظ عليه، ولا تتعدى حدوده، " وإما أن ترجع إليَّ ذمتي " وترد إليَّ جواري " فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت " أي فإني أخشى أن تضطر قريش إلى انتهاك حرمة جواري على نقض عهدي، ويكون ذلك وصمة لي " فقال أبو بكر فإني أرد إليك جوارك " وذلك رغبة منه في أن يتحرر في عبادته فيعبد الله كيف شاء " فقال النبي ﷺ للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم " أي أنه ﷺ أطلعه الله في منامه على " المدينة " التي سيهاجر إليها " وتجهز أبو بكر قبل المدينة " أي تهيأ واستعد أبو بكر للرحيل إلى المدينة التي أمر الله بالهجرة إليها " فقال له رسول الله ﷺ على رسلك " أي تمهل قليلاً فلعلك ترافقني في الهجرة إليها " فحبس أبو بكر نفسه " أي فتوقف أبو بكر وتأخر عن السفر من أجل أن يصحب النبي ﷺ " وعلف راحلتين عنده ورق السمر وهو الخبط (١) " أي ما يخبط بالعصى من أوراق الشجر، " فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة " أي عند الهاجرة، وبقرب الزوال "قال قائل
стр. 1512
أخْرِج مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إِنَّما هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ ﷺ : فَإِنِّي قَدْ أذِنَ لِي في الْخُرُوجِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بأبي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَخُذْ بأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بالثَّمَنِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهزْنَاهُمَا أحثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً في جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذاتَ النِّطَاقِيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأبَو بَكْرٍ بغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وهُوَ غُلامٌ شَابٌ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيَدَّلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا
ــ
لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعاً" أي مغطياً رأسه " فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي " والمعنى أجعل أعز الأشياء عندي وهما أبي وأمي فداءً للنبي ﷺ . " ما جاء به في هذه الساعة إلاّ أمر " أي لم يأت في ساعة الظهيرة إلا لأمر هام له شأنه وخطره " قالت عائشة ﵂: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل " عليهم في منزلهم " فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك " من الغرباء، لأنه يريد أن يتحدث معه في شأن الهجرة " فقال أبو بكر إنما هم أهلك " أي ولا يوجد في البيت أحد غريب. " قال: فإني قد أذن لي في الخروج " أي فإن الله قد أذن لي بالهجرة إلى المدينة " فقال أبو بكر ﵁: الصحابة " أي أسألك صحبتك، ومرافقتك في هجرتك قالت عائشة ﵂: " فجهزناهما أحّث الجهاز " بفتح الجيم أي فجهزناهما بأحسن ما يحتاج إليه المسافر في سفره من أثاث ومتاع ولباس، أو فجهزناهما بأسرع جهاز ممكن، لأن الوقت كان ضيقاً، ويجوز في جهاز وجهان
стр. 1513
بِسَحرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ، بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فلا يَسْمَعُ أمراً يَكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ في رِسْلٍ، وَهُو لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهمَا، حتَّى يَنْعَقَ بِهَا عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، واسْتَأجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأبو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيل، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْن عَدِي هَادِياً خِرِّيتاً -والخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بالهِدَاية- قَد غَمَسَ حلِفَاً في آلِ العَاصِ بْن وَائِلٍ السَّهْمِي، وهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأمنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأتاهُمَا بِرَاحِلَتِيهما صُبْحٍ ثلَاثٍ، وانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ والدَّلِيلُ، فأخَذَ
ــ
فتح الجيم وكسرها " كما أفاده العيني " " وصنعنا لهما سفرة " أي وأعددنا لهما زادهما من الطعام، " فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها " أي من الحبل الذي تشد بها وسطها عند العمل " فربطت " أي فربطته بتلك القطعة من نطاقها، " ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه، أي اختفيا فيه "، لأنّ قريشاً دبروا أمرهم لقتله ﷺ تلك الليلة، فأتى جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك. فلما كانت عتمة الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه فقال النبي ﷺ لعلي ﵁ نم على فراشي، وخرج ﷺ ومعه حفنة من تراب في يده، فجعل ينثر على رؤوسهم، وهو يتلو (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ). إلى قوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) ثم انصرف بصحبة الصديق ﵁ إلى غار ثور "فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو
стр. 1514
بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ، قَالَ: سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْن جُعْشُم، جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْش يَجْعَلُونَ في رَسُولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أوْ أسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أنا جَالِسٌ في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِج أقْبَلَ رَجُل مِنْهُمْ حتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأيْتُ آنِفاً أسْوِدَةً بالسَّاحِلِ أرَاهَا مُحَمَّداً وأصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أنَهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأيْتَ فُلَاناً وَفُلاناً، انْطَلَقُوا بأعْيُننَا، ثُمَّ لَبِثْتُ في الْمَجْلِس سَاعَة ثُمَّ قُمْتُ، فدَخَلْتُ، فأمَرْتُ جَارِيَتي أنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أكَمَةٍ فَتَحْبِسهَا عليَّ، وَأخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بي، حَتَّى
ــ
غلام شاب ثقف لقن" أي حاذق فطن " فيدلج من عندهما بسحر " أي فيعود من عندهما إلى مكة آخر الليل " كبائت " أي فيكون في مكة صباحاً مع الفجر كأنما كان بائتاً بها، ولم يفارقها " فلا يسمع أمراً يكتادان به " أي يدبر ضدهما " إلاّ وعاه " أي عرفه واطلع عليه فيخبرهم به " ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم " أي شاة من غنم يأتيهما بلبنها " فيبيتان في رسل "، وهو اللبن الطازج الطري " وهو لبن منحتهما ورضيفهما " والرضيف اللبن توضع فيه الحجارة المحماة بالشمس ليسخن " حتى ينعق بها " بكسر العين أي يصبحِ بها " بغلس " أي فِي آخر الليل " واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل " قبيلة من كنانة، واسمه عبد الله بن أريقط " هادياً خريتاً " أي دليلاً ماهراً " قد غمس حلفاً في آل العاص " أي تحالف معهم: " قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر
стр. 1515
دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرْتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فأهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنَانَتي فاسْتَخْرَجتُ مِنْهَا الأَزْلامَ، فاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أضُرُّهُمْ أَمْ لا؟ فخرج الذي أكرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأزْلَامَ تُقَرِّبُ بي، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ وَأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الالْتِفَاتَ، سَاخْت يَدَا فَرَسِي في الأرْض حتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذا، لأثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِع في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزْلامِ فخرَجَ الذي أكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بالأمَانِ، فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حتَّى
ــ
دية كل واحد منهما" أي مقدار ديته، وهي مائة من الإِبل " فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة " أي أمرتها أن تخرج لي فرسي متسترة عن الناس وراء مرتفع من الأرض لئلا يعلموا بخروجي، فيسبقني أحد إلى محمد وصاحبه، " وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجِّه الأرض وخفضت عاليه " أي أرخيت رمحي حتى مس زجه الأرض، وبالغت في خفض أعلاه لئلا يظهر لمن بعد عنه، والزج الحديدة التي في أسفل الرمح " حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي " أي فأسرعت بفرسي لكي تقربني منهما، وتقطع المسافة في زمن قصير إليهما " حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها " أي حتى اقتربت من محمد ﷺ وصاحبه، فعثرت في فرسي عثرة شديدة حتى سقطت عن ظهرها " فأهويت بيدي إلى كنانتي " أي فمددت يدي إلى كيس الأزلام الذي معي " فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ " أي فأخرجت منها سهماً لأعرف هل أستطيع أن أضرهم أم لا " فخرج الذي أكره " أي فخرج لسهم يدل على أني لا أضرهم "فركبت
стр. 1516
جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ من الْحَبْسِ عَنْهُمْ، أن سَيَظْهَرُ أمرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وأخْبَرْتُهُمْ أخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وعَرَضْتُ عَلَيهمْ الزَّادَ والْمَتَاعَ، فلَمْ يَرْزآنِي، ولم يَسأَلانِي إلَّا أن قَالَ: اخْفِ عَنَّا، فَسألتُهُ أن يَكْتُبَ لِي كتابَ أَمْنٍ، فأمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِنْ أدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَقِيَ الزُّبَيْرَ في رَكْبٍ مِنَ اْلمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّاراً قَافِلينَ مِنَ
ــ
فرسي وعصيت الأزلام" أي فلم ألتفت إلى ما ظهر لي من الأزلام، بل ركبت فرسي وتبعت محمداً وصاحبه " حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض " أي غاصت في الأرض " ثم زجرتها " أي صحت عليها بشدة " فنهضت، فلم تكد تخرج يديها " أي فقامت الفرس بعد محاولة شديدة حتى أنها كادت أن لا تستطيع إخراج يديها من الأرض " فلما استوت قائمة إذا لِأثر يديها عُثَان ساطع (١) في السماء " أي فلما اعتدلت الفرس، وقامت من سقطتها، رأيت لأثر يديها غباراً شديداً " مثل الدخان " يشبه الدخان في سواده " فناديتهم بالأمان " أي فأعطيتهم الأمان. " فوقفوا " أي فوثقوا بي ووقفوا وفي رواية: " فناديت القوم أنا سراقة بن مالك بن جعشم أنظروني (٢) أكلمكم، فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه ". اهـ. فوقفوا ينتظرونه، ليعرفوا ما عنده " ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ " أي فتيقنت بعدما منعت عن الظفر بهم، أن محمداً رسول الله حقاً، وأن دينه سيعلو " وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني " أي فلم يأخذا مني شيئاً "فسألته
стр. 1517
الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأبا بَكْر ثِيَابَ بَياض، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ مَكَّةَ فكانُوا يَغدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إلى الْحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فانْقَلبُوا يَوْماً بَعْدَ ما أطالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أوَوْا إلى بُيُوتِهِمْ أوْفَى رَجُل مِنْ يَهودَ عَلى أطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأمْرٍ يَنْظرٌ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وأصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أنْ قَالَ بأعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إلى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا
ــ
أن يكتب لي كتاب أمن" أي كتاب موادعة يؤمنني فيه حتى إذا التقيت بالمسلمين في المدينة أو غيرها لا يتَعرض لي أحد منهم بسوء " فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم " أي فكتب في كتاب موادعة في قطعة من جلد، وأعطاني إيّاه. لكي أستفيد منه عند الحاجة. " وسمع المسلمون بالمدينه مخرج رسول الله ﷺ من مكة " أي وسمع المسلمون من الأوس والخزرج بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ من مكة قادماً إلى المدينة " فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرّة " أي فكانوا يخرجون كل صباح إلى حرة قباء ينتظرون قدومه " حتى يردهم حر الظهيرة " أي إلى أن يأتي وقت الظهر، فيعودون إلى ديارهم، " فانقلبوا يوماً " أي فعادوا يوماً إلى بيوتهم، " فلما آووا إلى بيوتهم " أي فلما وصلوا إلى منازلهم، " أوفي رجل من يهود على أطم من آطامهم " أي صعد رجل من اليهود على حصن من حصونهم " فبصر برسول الله وأصحابه مبيضين "، أي فرأى النبي ﷺ وأصحابه وعليهم الثياب البيضاء " يزول بهم السراب " أي يغطون السراب " فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدُّكم الذي تنتظرون " أي فلم يستطع اليهودي أن يتمالك نفسه، ولم يسعه إلاّ أن ينادي
стр. 1518
رَسُولَ اللهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ حتى نَزَلَ بِهِمْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وذلكَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ من شَهْرِ رَبِيعِ الأوَّلِ، فقامَ أبو بَكْرٍ لِلنَّاس، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَامِتاً، فَطَفِقَ مَنْ جاء مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحيِّي أبَا بَكْرٍ، حَتَّى أصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُول اللهِ ﷺ ، فأقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ الله ﷺ في بني عَمْرِو بْن عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وأسسَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسسَ عَلى التَّقْوَى، وَصَلَّى فيهِ رَسُول اللهِ ﷺ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسار يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتىَّ بَرَكَتْ
ــ
بأعلى صوته يا معشر العرب من الأوس والخزرج هذا هو حظكم السعيد قد أقبل بقدوم نبيكم، " فثار المسلمون إلى السلاح " أي فتقلد المسلمون أسلحتهم لاستقبال رسول الله ﷺ وحراسته من اليهود " فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة " أي فاستقبلوه ﷺ فوق الحرة المتصلة بقباء " فعدل بهم ذات اليمين " أي فاتجه في سيره إلى غرب قباء " حتى نزل في بني عمرو بن عوف " بن مالك الأوسي، وكانوا ينزلون غربي قباء " وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول " الموافق للثاني عشر من ربيع الأول، عند اشتداد الضحى، قبل الزوال كما أفاده ابن إسحاق. قال ابن كثير: والظاهر أن بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوماً " فقام أبو بكر للناس " أي فوقف أبو بكر يسلم على المستقبلين " فطفق من جاء من الأنصار يحيي أبا بكر " أي يبدأ بالسلام على أبي بكر يظن أنه النبي ﷺ " حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه " أي فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ حتى وقف خلفه، وظلل عليه من أشعة الشمس بردائه " فعرف الناس رسول الله ﷺ " أي فلما ظلل عليه
стр. 1519
عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بالمَدِينَةِ، وهُو يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وكان مِرْبَداً لِلتَّمْرِ لِسَهْل وَسُهَيْل غُلَامَيْنِ يَتيمَيْنِ في حَجْرِ أسْعَدِ ابْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلته: هَذَا إن شَاءَ
ــ
الصديق عرف الناس عند ذلك من هو رسول الله ﷺ " فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف " أي فأقام النبي ﷺ في بني عمرو بن عوف نزيلاً على كلثوم بن الهدم، " بضع عشرة ليلة " أي أربع عشرة ليلة كما في حديث أنس، وقال ابن إسحاق: أقام خمساً، وهو أنسب الأقوال وأظهرها، وأكثرها ملاءمة لسياق القصة، لأنه توجه إلى المدينة يوم الجمعة، وصلاها في الطريق (١)، فتكون إقامته في قباء خمسة أيام من الاثنين إلى الجمعة إذا حسبنا يوم الخروج منها. " وأسس المسجد الذي أسس على التقوى " وهو مسجد قباء، أوّل مسجد بناه النبي ﷺ بالمدينة. اهـ. فالجمهور على أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء. قال الحافظ: وهو ظاهر الآية لما روي عن النبي ﷺ قال: نزلت (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) في أهل قباء، أخرجه أبو داود. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبي ﷺ بدار الهجرة. " ثم ركب ﷺ راحلته فسار يمشي معه الناس " قال ابن إسحاق: فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم - أي في وسطهم وهم يحفون به الخ. " حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ " وأدركته الجمعة في الطريق في بني سالم بن عوف. فنزل وصلاها هناك، ثم واصل سيره إلى المدينة حتى
стр. 1520
اللهُ الْمَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ فساوَمَهُمَا بِالمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِداً، فَقَالا: لَا، بَلْ نَهِبُهُ لَكَ يَا رَسُول اللهِ، فَأبى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً، حتى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِداً، وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ في بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
هذَا الحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أبَرُّ رَبَّنَا وَأطْهَرْ
وَيَقول:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجرُ الآخِرَةِ ... فارْحَمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَه
فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي".
ــ
بركت ناقته في موضع مسجده ﷺ "وكان مربداً للتمر " أي موضعاً يجفف فيه التمر " لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة " أي تحت وصايته - " فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل " أي هذا هو الموضع والمكان الذي ننزل فيه إن شاء الله تعالى، لأن الله تعالى اختاره لنزولنا، وفي رواية عن أنس أنه قال: " قدم رسول الله ﷺ ، فلما دخل جاء الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول الله، فقال: دعو الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري " (١) إلخ الحديث، وفي رواية موسى بن عقبة: أنه كان يقول: دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزل حيث أنزلني الله، فلما انتهت إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب، فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه " ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد " أي فساوم وصيَّهُما في شراء ذلك المربد كما في رواية ابن عيينة حيث قال فكلم عمهما أن يبتاعه منهما. كما أفاده الحافظ
стр. 1521
" ليتخذه مسجداً " أي ليبني على تلك الأرض مسجده ﷺ " فقالا: بل نهبه " أي نعطيه لك دون ثمن. " فأبى أن يقبله منهما هبة " أي فرفض أن يقبله منهما بدون ثمن، " ثم بناه مسجداً " أي ثم اشتراه منهما، وبنى في مكانه مسجداً، " وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه " أي وشرع رسول الله في بناء المسجد، وشارك أصحابه بيده في بنائه، فصار ينقل معهم اللبن " ويقول وهو ينقل اللبن " يعني وينشد أثناء ذلك قول الشاعر:
هَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالُ خيْبَرْ ... هَذا أبرُّ رَبّنا وَأطْهَرْ
أي إن ما يحمله المسلمون في بناء المسجد أعظم وأجل من أحمالِ خيبر وتمورها كلها، لما يُنَالُ به من نعيم الآخرة الذي لا يحول ولا يزول ويقول:
اللهم إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخرة ... فارْحَمِ الأنصَارَ وَالمُهَاجرَة
أي الأجر الحقيقي هو الأجر الأخروي، لأنه كما قال بعضهم: لو كانت الدنيا من جوهر يفنى والآخرة من خزف يبقى لكانت الآخرة أفضل، ثم دعا ﷺ للمهاجرين والأنصار بالرحمة والرضوان في قوله: " فارحم الأنصار والمهاجرة ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فوائد وأحكام كثيرة: أولها: بيان قصة هجرته ﷺ إلى المدينة والحفاوة البالغة التي قوبل بها، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحَرَّة ينتظرون قدومه لكي يستقبلوه حتى يردهم حر الظهيرة، ثم لما جاءتهم البشرى بوصوله إلى المدينة تقلدوا سيوفهم، وذهبوا لاستقباله، وأحاطوا به خوفاً عليه من اليهود وقالوا: اركبا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فركب نبيُّ الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل بالمدينة: جاء نبي الله جاء نبي الله ﷺ ، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله - أي فصار أهل المدينة يتطلعون إلى رؤيته، ويهتفون باسمه قائلين: جاء نبي الله، جاء نبي الله، قال البراء بن عازب: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حيث جعلت الإِماء
стр. 1522
يقلن: قدم رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري، وقال أنس: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن:
نَحْنُ جَوارٍ مِنْ بَنِي النَجَّارِ ... يَا حَبَّذا مُحَمَّداً مِن جَارِ
أخرجه الحاكم. واحتفي به ﷺ كل أهل المدينة رجالاً ونساءً، ووقف العواتق على شرفات المنازل يترائينه ﷺ ويتطلعن إليه يقلن: " أيهم هو؟ " وخرج إليه ﷺ الرجال والغلمان والخدم يقفون على جانبي الطريق يهتفون باسمه، ويكبرون، ويقولون -كما روى ذلك أنس- الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد ﷺ أخرجه الشيخان. ثانيها: أن الهجرة كانت نقطة تحول في تاريخ الدعوة الإِسلامية، وفاتحة نصر للنبي ﷺ وللمؤمنين، وكانت كما قال ابن القيم: مبدءاً لإعزاز دين الله، ونصرة عبده ورسوله، وكانت استجابة لدعوة النبي ﷺ التي أمره الله بها، وتحقيقاً لها، حيث أمره أن يقول: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) فحقق الله لنبيّه ﷺ بهذه الهجرة كل المآرب، ووجد في طيبة الطيبة أرضاً خصبة لنشر دعوته، فازدهرت الدعوة الإِسلامية، وقويت، واشتدت، ومكن الله لها في الأرض، ولذلك أجمع الصحابة في خلافة الفاروق على أن يؤرخوا بالهجرة، وكان ذلك في السنة السابعة عشرة (١) حيث استشار عمر المسلمين في وضع تاريخ إسلامي يتعرفون به آجال الديون وغيرها من القضايا الهامة، ثم اختار عمر الهجرة، وجعل بداية العام الهجري من محرم، لأنه أول الشهور العربية.
ثالثها: أن في نزول النبي ﷺ بدار أبي أيوب ﵁ شرف وفضيلة عظيمة له ﵁. قال ابن كثير: وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب، وروى بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه لما قدم أبو أيوب ﵁ البصرة، وكان ابن عباس ﵄ نائباً عليها من قبل علي ﵁ بالغ ابن
стр. 1523
عباس في تكريمه حتى أنه خرج لأبي أيوب عن داره (١)، وأنزله فيه، كما أنزل رسول الله ﷺ في داره وملكه كل ما أغلق عليه، ثم أعطاه عند سفره عشرين ألفاً وأربعين عبداً، وقد صارت دار أبي أيوب من بعده إلى مولاه أفلح، ثم اشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، وأصلحها، ووهبها لأهل بيت فقراء. رابعها: مشابهة الصديق للنبي ﷺ في أغلب شمائله حتى أنّ ابن الدغنة وصفه بالصفات التي وصفت بها خديجة ﵂ رسول الله ﷺ في قولها: " إنك لتصل الرحم، إلخ. خامسها: أن هجرته ﷺ لم تكن سهلة ميسورة، وإنما كانت صعبة قاسية محفوفة بالمخاطر، فقد خرج ﷺ من مكة في شهر يونيه من سنة ٦٢٢ م (٢) حيث اشتد الحر، وتوهجت الصحراء، وسار ﷺ وصاحبه فوق الحجارة الحارة، والرمال الجارحة التي أدمت أقدامهما، ولم يصل النبي ﷺ إلى الغار حتى تفطرت قدماه، ثم إنهما مكثا في ذلك الغار الموحش الرهيب ثلاثة أيام أشد ما يكون الطلب عليهما، فقد جعل أهل مكة في كل منهما ديته مائة من الإبل، وكان النبي ﷺ عالماً بذلك، فاجتهد في إخفاء أثر قدميه، حتى أنه كان يمشي على أطراف قدميه، حتى حفيت قدماه، فحمله الصديق يشتد به حتى أتى الغار. سادسها: معجزته ﷺ الظاهرة مع سراقة بن جعشم عندما لحق به، فساخت قدما فرسه مرتين إلى آخر ما جاء في ذلك. سابعها: أن هجرته ﷺ لم تكن عن رأي شخصي، وإنما كانت بأمر إلهي، حيث أمر بذلك في قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا). ثامنها: أن الهجرة كانت رحلة مخططة منظمة بأمر إلهي وتدبير سماوي، ومن هذا التدبير المحكم أنه ﷺ أمره جبريل أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة، وأن
стр. 1524
يخرج من داره ليفوّت على قريش فرصة اغتياله، فذهب إلى الصدِّيق وخرجا سوياً من خلف البيت، وسارا معاً حتى وصلا غار ثور، ورتب ﷺ أمر إيصال الطعام إليهما، كما كلفا عبد الله بن أبي بكر بإيصال الأخبار إليهما أولاً بأوّل، والمطابقة: في كون الحديث متضمناً لقصة الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.
***
стр. 1525
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الْمَغازِي "
٨٤٢ - " بَابُ قِصَّةِ غَزْوة بَدر "
ــ
كتاب المغازي
٨٤٢ - " باب قصة بدر "
وبدر: قرية على طريق المدينة مكة، على بعد مائة وخمسين كم من المدينة، وكانت هذه الغزوة يوم الجمعة الموافق للسابع عشر من رمضان على رأس تسعة عشر شهراً من الهجرة النبوية سنة ٦٢٤ م وسببها أن النبي ﷺ سمع بأبي سفيان مقبلاً في عير تجارية لقريش قُدِّرَ رأسُ مالها بعشرين ألف جنيه (١) ومعها ثلاثون أو أربعون رجلاً، فندب المسلمين إليها، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، وكان يقصد من وراء ذلك أن يستولي على هذه الأموال تعويضاً للمسلمين عن الأموال التي أخذها المشركون من المهاجرين، وأن يضعف الناحية الاقتصادية لقريش، لارتباطها الوثيق بالناحية العسكرية، فخرج رسول الله ﷺ بمن خرج معه في الثامن من رمضان وكلف ابن أمّ مكتوم أن يصلي بالناس في المدينة وعين أبا لبابة والياً عليها، وعلم أبو سفيان بخروجه ﷺ ، فحذره ومال بالعير إلى الساحل واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالاً ليأتي إلى مكة ويستنفر قريشاً، فخرجوا مسرعين، ولم يتخلف منهم إلاّ أبو لهب، وكان أبو سفيان قد أحس أن هناك أمراً يدبر له من قبل محمد ﷺ ، فسار بالقافلة على ساحل البحر حتى نجا بها، وخرجت قريش بقوتها وفرسانها، لتشفي غليلها، وتحمي عيرها، وكان أبو جهل يبذل كل جهده في تحريضها، وكان
стр. 1526
عددهم ألفاً، معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وهم في غاية البطر والخيلاء، معتمدين على قوتهم، وكثرة عددهم، وجاءهم رسول أبي سفيان يخبرهم أنه نجا بالعير، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدراً، فنقيم هناك ثلاث ليال، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبداً. وخرج ﷺ في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وليس معهم من الإِبل سوى سبعين ومعهم فرسان فقط، وكان معهم رايتان سوداوان راية المهاجرين ويحملها علي ﵁، وراية الأنصار ويحملها رجل منهم، وكان اللواء الأبيض يتلألأ خفاقاً بيد مصعب بن عمير، فلما وصل النبي ﷺ وادي الصفراء، علم أن أبا سفيان قد نجا بعيره، وأن قريشاً قد أقبلت لقتال المسلمين فاستشار أصحابه، فقال: إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فماذا تقولون؟ فنهض من المهاجرين المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا) ولكنا نقول لك: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت فينا عين تطرف. فوالله الذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد لَسِرْنَا مَعَكَ.
وكان ﷺ : قد أراد أن يتعرف على رأي الأنصار لأن المعاهدة التي عقدها معهم في بيعة العقبة إنما تنص على حمايته في المدينة فهو لا يريد منهم أن يخرجوا معه إلى حرب خارج المدينة إلاّ بمحض إرادتهم واختيارهم، وأدرك الأنصار ما عناه النبي ﷺ بهذه الاستشارة، فوقف رئيسهم سعد بن معاذ، وقال: لعلك تريدنا معاشر الأنصار؟ فقال النبي ﷺ : نعم فقال سعد: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك تخشى أن يكون الأنصار لا ينصروك إلاّ في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار: فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك والذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا
стр. 1527
رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غداً، وإنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فزاد سرور النبي ﷺ ، فقال سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، العير أو النفير، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم. وبنوا للنبي ﷺ عريشاً يكون فيه، ورأى ﷺ قريشاً مقبلة من الكثيب فقال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذّب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، وحاول حكيم بن حزام أن تعود قريش إلى مكة دون حرب، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد هل لك أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر، قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، فقام عتبة بن ربيعة خطيباً فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو من عشيرته، فارجعوا فخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وأرسل إلى عامر بن الحضرمي يحثه على الأخذ بثأر أخيه، فصاح عامر: واعمراه واعمراه، فحميت الحرب وبدأ القتال بالمبارزة، فخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فخرج إليهم فتية من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم حاجة، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فبارز عبيدة وهو أسن القوم عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز عليٌّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة حتى قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد حتى قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه، ثم التقى الفريقان وتزاحف الناس، ونظّم رسول الله ﷺ الجيش، ورتب الصفوف، ودخل إلى العريش يناشد ربّه ما وعده من النصر، وهو يقول: " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد "، وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك وخرج ﷺ يحرّض الناس
стр. 1528
٨٤٣ - " بَابُ عِدَّةِ أصْحَابِ بَدر "
٩٨٣ - عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ:
" حَدَّثَنِي أصْحَاب محَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً أنَّهمْ كانوا عِدَّةَ أصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوزُوا مَعَة النَّهْرَ، بِضْعَةَ عشرَ وثَلاَثمِائَةٍ، قَالَ البَرَاء: لا واللهِ مَا جَاوَزَ مَعَة النَّهْرَ إلَّا مؤْمِنٌ ".
ــ
ويبشرهم بالجنة، فقال عمرو بن الحمام وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلاّ أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل، ثم إن النبي ﷺ أخذ حفنة من الحصباء، ولفحهم بها، وقال: شاهت الوجوه، فكانت الهزيمة عليهم فقتل من قتل من صناديد قريش وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقتل أبو جهل وأمية بن خلف، وكانت هزيمة ساحقة للمشركين، حيث قتل فيها سبعون منهم وأسر سبعون. وانتهت المعركة بانتصار المسلمين مع قلة عددهم وعدتهم، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
٨٤٣ - " باب عدة أصحاب بدر "
٩٨٣ - معنى الحديث: أن المسلمين الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى غزوة بدر كان عددهم مثل أصحاب طالوت الذين اجتازوا معه نهر الأردن، لقتال جالوت الجبار، وقد كانوا بضعة عشر وثلاثمائة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان عدد المسلمين في غزوة بدر، وأنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، قال ابن كثير (١) وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر،
стр. 1529
٨٤٤ - " بَابُ قتلِ أبِي جَهْلٍ "
٩٨٤ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَنْظر ما صَنَعَ أبو جَهْل؟ " فانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: أَأَنْتَ أبُو جَهْلٍ؟ قالَ: فَأخَذَ بِلِحْيَتهِ قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُل قَتَلْتُمُوهُ أو رَجُل قَتَلَهُ قَوْمُهُ.
ــ
وكان المهاجرون ستة وسبعين، والباقون من الأنصار. ثانياًً: أن الله قد نصر المسلمين في بدر مع قلة العدد والعدة على جيش يبلغ أضعاف جيشهم، كما نصر أصحاب طالوت على جالوت، وقد قال فريق منهم (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي لا قدرة لنا على محاربتهم فضلاً عن أن تكون (١) لنا الغلبة عليهم، ولكن الآخرين أجابوهم قائلين (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) حيث يكتب الله لها التوفيق والنصر. والمطابقة: في كون الحديث دل على عدد المسلمين في غزوة بدر وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي
٨٤٤ - " باب قتل أبي جهل "
٩٨٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: من يذهب إلى أبي جهل فيأتينا بأخباره، وما فعل الله به، فبادر إليه عبد الله بن مسعود، فوجده جريحاً مثخناً بجراحه، وقد ضربه غلامان من الأنصار " حتى برد " أي حتى أصبح في الرمق الأخير من حياته لم يبق به كما قال الحافظ، إلاّ مثل حركة المذبوح " قال: فأخذ بلحيته " أي فأمسك ابن مسعود بلحيته " فقال: أنت أبو جهل " أي فقال متشفياً فيه أنت أبو جهل طاغية قريش أراك اليوم صاغراً ذليلاً قد صرعتك سيوف المسلمين " قال: هل فوق رجل قتلتموه " أي إذا كنت
стр. 1530
٨٤٥ - " بَابُ شُهُودِ الْمَلَاِئكَةِ بَدراً "
٩٨٥ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: " هَذَا جِبْرِيلُ آخِذ بِرَأس فَرَسِهِ عَلَيْهِ أدَاةُ الْحَرْبِ ".
ــ
قد قتلت فكم من الأبطال قد قتله قومه، فلا عار عليَّ في ذلك يا رُوَيْعيَّ الغنم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على قصة مقتل أبي جهل في غزوة بدر، وقد اختلفت الروايات فيمن قتله، ففي حديث أنس هذا أن الغلامين أثخناه جراحاً، فأدركه ابن مسعود في الرمق الأخير من حياته فأجهز عليه، أما عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقد روى لنا في حديثه أن أبا جهل قتله غلامان من الأنصار، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فقال أيكما قتله قال كل منهما: أنا قتلته، قال: وهل مسحتما سيفيكما قالا: لا، قال: فنظر النبي ﷺ ، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر معاذ ابن عفراء. فقوله: " وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح يدل على أنه قتله لأن الحكم له بالسلب يدل على أنه قاتله. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على قصة مقتل أبي جهل.
٨٤٥ - " باب شهود الملائكة بدراً "
٩٨٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ أشار يوم بدر إلى شخص معين ولفت إليه أنظار الصحابة ونبههم عليه، فلما نظروا إليه قال: هذا الذي ترونه بأعينكم هو جبريل، وقد أمسك برأس فرسه أو بناصيته، أو بزمامه، وهو مدجج بأسلحة الحرب. وروى ابن إسحاق (١) أن النبي ﷺ خفق خفقة ثم
стр. 1531
٨٤٦ - " بَاب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ "
٩٨٦ - عَنْ ابنِ عمَرَ ﵄ قَالَ:
" حَارَبَتِ النضِير وقرَيْظَة، فَأجْلَى بَني النَّضِيرَ، وَأقَرَّ قرَيْظَةَ وَمَنْ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قرَيْظَة، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، َ وَقَسَمَ نِسَاءَهمْ وأوْلادَهمْ وأمْوَالَهُمْ بَيْنَ المسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهمْ لَحِقوا بالنَّبِي ﷺ فآمَنَهمْ وأسْلَمُوا، وأجْلَى يَهودَ المدِينَةِ كلَّهمْ بَنِي قَيْنقَاعَ وَهمْ رَهْط عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلام، وَيَهودَ بَني حَارِثَةَ، وكُلَّ يَهودِ الْمَدِينَةِ ".
ــ
انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثناياه الغبار.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شهود الملائكة غزوة بدر، وعلى رأسهم جبريل ﵇ حيث رافق النبي ﷺ من أوّل الغزوة إلى آخرها، ليشرف بنفسه على خطة سيرها، ويكون عوناً للنبي ﷺ ومدداً له، ومؤيداً لأصحابه.
مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : " هذا جبريل " فإنه دليل على الترجمة. الحديث: أخرجه البخاري.
٨٤٦ - " باب حديث بني النضير "
وبنو النضير قبيلة يهودية مشهورة، كانت منازلهم في قربان جنوبي المدينة، قال الشريف العياشي (١): وهي في موضع الحدائق المعروفة اليوم بأم عشر وأم أربع وجيدة وسمّان، وسليهم وغيرها، وفي هذه البقعة يقع قصر كعب بن الأشرف النبهاني نسباً والنضيري خؤولة، ولا يزال هذا القصر قائم العين، وآثاره باقية حتى الآن في جنوب بستان أم عشر.
стр. 1532
٩٨٦ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا عن قصة رسول الله ﷺ مع القبائل اليهودية، وكيف كانت نهايتهم: فيذكر لنا أن رسول الله ﷺ كان قد عقد معهم العهود والمواثيق، وجعل بينه وبينهم أماناً، وشرط عليهم أن لا يظاهروا عليه أحداً ولكنهم لم يحترموا الميثاق ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم فجازاهم على غدرهم وخيانتهم. فأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة. وأما بنو قريظة فقتل رجالهم، وصادر أموالهم، وجعل نساءهم وأولادهم غنيمة للمسلمين، أما كيف وقع ذلك، فسيأتي شرحه في فقه الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان غدر اليهود، ونقضهم العهد، بمحاربتهم للنبي ﷺ كما يشير إليه قول ابن عمر: " حاربت النضير وقريظة: ". ثانياً: الإشارة إلى قصة بني قينقاع مع النبي ﷺ وكيف كانت نهايتهم الجلاء عن المدينة، وقد كانوا من موالي الخزرج وحلفاء عبد الله ابن أبي، وكانوا قلة يسكنون عند منتهى جسر بطحان ما بين المراكشية والمشرفية (١) عند أول الطريق النازل من قباء كما أفاده الشريف العياشي (٢) وقد تحولت هذه المنطقة حالياً إلى شوارع فرعية تعرف بهذا الاسم، وكان لهم سوق هناك يعرف بسوق بني قينقاع، وكانوا صاغة يعملون في الذهب، وكان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة وادعته اليهود كلها، فوادعهم، وكتب بينه وبينهم كتاباً، وشرط عليهم شرطاً أن لا يظاهروا عليه فلما أصاب رسول الله ﷺ أصحاب بدر بغت يهود، وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من عهود، فجمع رسول الله ﷺ بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود، احذروا من الله
стр. 1533
مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، فقالوا: لا يغرنك من لقيت، ولئن قاتلتنا لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا وصادف في تلك الأيام أن جاءت امرأة نزيعة من قبيلة عربية من غير أهل المدينة، ولكنها متزوجة برجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع لتبيع حلياً فجلست عند صائغ، فجاء رجل من بني قينقاع، فحل ثوبها إلى ظهرها بشوكة، أي ربط بين طرفي ثوبها إلى ظهرها -فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فقام إلى اليهودي رجل من المسلمين فقتله، فاجتمعوا عليه وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبي ﷺ وحاربوا، وكانوا أول من نقض العهد، فسار إليهم النبي ﷺ يوم السبت منتصف شوال على رأس عشرين شهراً (١) من الهجرة فحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فأمر بهم فربطوا، فذهب عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أحسن في مواليَّ، وألح عليه في إطلاقهم فقال رسول الله ﷺ : اجلوهم لعنهم الله، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة- فكانت نهايتهم الجلاء كما أشار إلى ذلك ابن عمر في آخر الحديث حيث قال: " وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام " أي وكان عبد الله بن سلام منهم، وقد جعل الله أموالهم غنيمة، فأخذ رسول الله ﷺ منهم (٢) آلة صياغتهم، وأسلحة كثيرة، وأجلاهم، فذهبوا إلى أذرعات بلدة بالشام ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا بدعوته ﷺ عليهم حيث قال لابن أبي لما شفع فيهم: " هم لك لا بارك الله لك فيهم " وكانت غزوة بني قينقاع، وإجلاؤهم عن المدينة في شوال من السنة الثانية من الهجرة. ثانياًً: دل الحديث على غدر بني النضير ونقضهم العهد، ومحاربتهم للنبي ﷺ ، وإجلائه لهم ﷺ من المدينة إلى خيبر، كما قال ابن عمر ﵄: " حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير ". وكانت
стр. 1534
منازلهم جنوب قربان جهة الحرة، تمتد في البقعة المعروفة بأم عشر كما تقدم، وذلك أن النبي ﷺ خرج إليهم يستعين بهم في دية رجلين من بني عامر كان قد قتلهما عمرو بن أمية، فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعين بهم في ديتهما، وكان معه نفر من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وكلمهم أن يعينوه في دية الرجلين، وكان بين بني النضير وبني عامر (١) حلف وعقد، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك، ثم حلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، أي لن تجدوا فرصة تتيح لكم اغتياله مثل هذه الفرصة، ورسول الله ﷺ مستند إلى بيت من بيوتهم، وأشار عليهم حُييُّ بن أخطب أن يطرحوا عليه وعلى من معه من الصحابة حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته، وقال لهم: لن تجدوه أخلى منه الساعة، فإنه إن قتل تفرق أصحابه ونصحهم سلام بن مشكّم أن لا يحاولوا ذلك وكان عمرو بن جحاش قد هيأ الصخرة ليرسلها على النبي ﷺ فلما أشرف بها جاء رسول الله ﷺ الخبر من السماء فنهض رسول الله ﷺ سريعاً كأنّه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة، وجلس أصحابه يتحدثون لبعض حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر ﵁: ما مقامنا ها هنا بشيء، فقاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلاً المدينة فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم بما كانت اليهود تريده من الغدر به، وأرسل إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من بلده، وقال لهم: لا تساكنوني بها، وقد هممتم بالغدر وقد أجلتكم عشراً، فمن بقي بعد ذلك ضربت عنقه، فأرسل إليهم ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم، فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وغطفان، فطمع حُييٌّ فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله ﷺ إنّا لن نخرج من ديارنا،
стр. 1535
فاصنع ما بدا لك، فأعلن رسول الله ﷺ عليهم الحرب، وصلّى العصر بفناء بني النضير في " قربان " وعليٌّ يحمل راية رسول الله ﷺ ، وقام اليهود على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة وحاصرهم رسول الله ﷺ وقطع نخلهم ولم ينصرهم بنو قريظة، وخذلهم عبد الله بن أبي وقومه وقذف الله في قلوبهم الرعب، كما أخبرنا الله تعالى بذلك في سورة الحشر فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) قال ابن إسحاق: فحاصرهم النبي ﷺ ست ليال، وتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها -فلما رأوا ذلك قالوا: نخرج من بلادك، فقال: اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإِبل إلاّ الحلقة- أي السلاح، فرضوا بذلك، ونزلوا عليه، واحتمل بنو النضير من أموالهم ما استقلت به الإِبل، وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أعطى كل ثلاثة بعيراً يتعقبونه، وقبض رسول الله ما تركوه من الأموال والدروع والسلاح، وخلفوا بعدهم النخيل والمزارع والحدائق الغناء في منطقة قربان. وكانت أموال بني النضير من الفيء الخاص برسول الله ﷺ ينفق منه على أهله ويدخر منه قوت السنة من الشعير والتمر، وما فضل جعله في السلاح والكراع. وذهب الشافعي إلى أن النبي ﷺ قسم أموال بني النضير على المهاجرين ليرفع مؤونتهم عن الأنصار، وهذا يتفق مع ما رواه ابن إسحاق. وكانت غزوة بني النضير كما حكاه البخاري عن الزهرى بعد بدر بستة أشهر قال البيهقي (١): وذهب آخرون إلى أنّها وقعت بعد أحد (٢) وهو الأصح، لأن قصة غدر بني
стр. 1536
٨٤٧ - " بَابُ قتلِ كَعْب بن الأَشْرَفِ "
٩٨٧ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسولَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أتحِبُّ أن أقتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أن أَقُولَ شَيْئاً، قَالَ: قُلْ، فَأتاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلنَا صَدَقَةً وَإنَّهُ قَدْ عَنَّانا، وَإنِّي قَدْ
ــ
النضير بالرسول ﷺ إنما وقعت حين ذهب إليهم يطلب منهم مساعدته في دية الرجلين الذين قتلا من بني عامر، وهما إنما قتلا بعد أحد لا قبلها، وكانت نهاية أمرهم الجلاء عن المدينة، وقد أنزل الله تعالى في شأنهم سورة الحشر، ولهذا كان ابن عباس ﵄ يسميها سورة بني النضير. أما بنو قريظة فإنهم كما في حديث الباب لما نقضوا العهد قتلوا وصودرت أموالهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم كما سيأتي. والمطابقة: في قوله: " فأجلى بني النضير ".
٨٤٧ - " باب قتل كعب بن الأشرف "
ولم يكن كعب يهودياً، ولكنه كان عربياً نبهانياً، وأخواله من بني النضير، وهم بطن من طيء، وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة، وكان وسيماً جميل الصورة كما يدل عليه الحديث.
٩٨٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قد ندب أصحابه ودعاهم إلى قتل كعب بن الأشرف، فقال: " من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله " أي من يقتله منكم، ويريحنا من شره وأذاه، ويفوز بأجر ذلك وثوابه، فإنه استحق ذلك لشدة إيذائه لله ورسوله، فتصدى لذلك محمد بن مسلمة غير أنه سأل رسول الله ﷺ أن يأذن له في أن يقول لكعب كلاماً ظاهره
стр. 1537
أتَيْتُكَ أسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأيضاً واللهِ لَتَمَلُنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قد اتَبّعْنَاهُ فلا نُحِبُّ أنْ نَدَعَهُ حتَّى نَنْظرُ إلى أي شَيْء يَصِيرُ شَأنُهُ، وقد أرَدْنَا أن تُسْلِفَنَا وَسْقاً أوْ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: نَعَمْ ارْهَنُوني، قَالُوا: أيُّ شَيْء تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وأنت أجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أبْنَاءكُمْ، قالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ، أحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بوَسق (١) أو وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، ولَكِنَّا نَرْهَنُك اللأمَةَ، فوَاعَدَهُ أن يأتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلاً، وَمَعَهُ أبو نَائِلَةَ، وَهُوَ أخُو كَعْب،
ــ
العداوة للنبي ﷺ احتيالاً عليه، فأذن له ﷺ بذلك، قال في الحديث " فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة " أي إن محمداً قد فرض علينا هذه الصدقة التي طلبها منا وسمّاها زكاة " وإنه قد عنانا " أي أثقل علينا " وإني أتيتك أستسلفك " أي جئتك لأشتري منك الطعام بالدَّين " قال: وأيضاً والله لتملَّنّهُ " أي فوجد كعب الفرصة سانحة للطعن في النبي ﷺ والنيل منه فقال: والله لترين من محمد الشيء الكثير حتى تمله وتكرهه وتجزع منه " قال: فإنا قد ابتعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه " أي إننا ننتظر ما يكون من شأنه ونترقب ذلك " فقال: نعم ارهنوني " أي إذا أردتم أن أسلفكم، فادفعوا لي رهناً، وعرض عليهم أن يرهنوه نساءهم، فاعتذروا وقالوا كما في رواية ابن سعد: وأي امرأة تُمنَعَ منك لجمالك، ثم عرض عليهم أن يرهنوه أبناءهم، فاعتذروا بأن ذلك يسيء إلى سمعتهم، ويكون سبة وعاراً عليهم، وعرضوا عليه أن يرهنوه اللامة، وفسرها سفيان بأنها السلاح قال: نعم، وأرادوا بذلك أن لا ينكر عليهم إذا جاؤوه بالسلاح، ولا يشك فيهم
стр. 1538
من الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إلى الْحِصْنِ، فنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امرَأتُهُ: أيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وأخِي أبو نَائِلَةَ، وَقَالَ غيرُ عَمْرو: قَالَت: أسْمَعُ صَوْتاً كَأنَّهُ يَقْطرٌ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إنَّمَا هُوَ أخِي مُحَمَّد بْن مسلِمَة وَرَضِيعِي أبو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِي إلى طَعْنَةٍ بِليل لأجَابَ، وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ، قَال عَمرو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِل بِشَعَرِهِ فَأشَمُّهُ، فَإِذَا رَأيْتُمُونِي استمكَنْتُ مِنْ رَأسِهِ فدُوُنكُمْ فاضْرِبُوهُ، وَقَالَ مَرَّةً: ثم أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحاً، وَهُو يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأيتُ كَالْيَومِ رِيحاً، أي أطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عمرو: قَالَ: عِنْدِي أعْطرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وأكمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْروٌ فَقَالَ: أتَأذَنُ لي أنْ أشُمَّ رَأسَكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثم أشَمَّ أصْحَابَهُ، ثم قَالَ أتَأذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثم أتوا النبي ﷺ فَأخبَرُوهُ".
ــ
" فواعده " محمد بن مسلمة " أن يأتيه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة " ولهذا صحبه معه " فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة " المتأخرة من الليل " وقال: غير عمرو قالت: أسمع صوتاً كأنه يقطر من الدم " أي صوت عدوٍ يريدك " قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة " أي وأخي من الرضاعة أبو نائلة ثم قال: " إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب " أي إن الكريم يجيب من دعاه بالليل، ولا يتأخر عنه، ولو كان في ذلك الخطر على حياته " ويدخل محمد معه رجلين " أي فدخل عليه محمد بن مسلمة، وأدخل معه رجلين والظاهر أنّهما أبو نائلة وعباد بن بشر " فقال ": محمد بن مسلمة " ما رأيت كاليوم ريحاً " أي ما شممت أطيب
стр. 1539
من هذه الرائحة ولا أعطر منها " قال: عندي أعطر نساء العرب " أي أطيبهن عطراً " فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه " ثم تركه وشغله بالحديث قليلاً " ثم قال أتأذن لي " أن أشمك مرة أخرى " قال: نعم فلما استمكن منه قال دونكم " أي أخذ بفودي رأسه، وأمسك بشعره، وتمكن منه، فقال: اضربوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه. قال: وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاّ وقد أوقدت عليه نار.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: كيف تم قتل كعب ابن الأشرف النبهاني بتدبير محكم، وحيلة ودهاء على يد الصحابي الجليل محمد ابن مسلمة ورفاقه، وكان ذلك في شهر ربيع الأوّل من السنة الثالثة من الهجرة يولية سنة ٦٢٤ م. وقد أستنكر بعض المستشرقين اغتيال كعب بأمر الرسول ﷺ ، لكنه استحق ذلك، لأنه خان وغدر، ونقض العهد، ودفعه الغرور بثروته وجاهه وقدرته الشعرية إلى هجو النبي ﷺ بأفظع الهجاء، بعد أن عاهده مع أخواله من اليهود فنقض العهد ونشط يهجو رسول الله ﷺ بأشعاره، ورحل إلى مكة يبث الدعوة للقتال، قال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف، قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريش فاستقواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك الله أديننا أحب إلى الله أم (١) دين محمد وأصحابه؟ فقال له كعب: أنتم أهدى منهم سبيلاً، فأنزل الله على رسوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله ﷺ وجعل يشبب بأم الفضل بنت الحارث وبغيرها من نساء المسلمين، وروي أن كعب بن الأشرف صنع طعاماً (٢)، ودعا النبي ﷺ إليه،
стр. 1540
٨٤٨ - " بَابُ غَزْوَةِ أحُدٍ "
ــ
وتواطأ مع جماعة من اليهود على الفتك به إذا حضر هذه الوليمة، فجاء ﷺ ومعه بعض أصحابه فأعلمه جبريل بما دَبَّرَهُ له كعب بن الأشرف فجلس معه النبي ﷺ ثم قام فستره جبريل بجناحه، فخرج من بينهم دون أن يراه أحد، فلما فقدوه تفرقوا فقال النبي ﷺ : من ينتدب لقتل كعب. ثانياً: استدل السهيلي (١) بقوله ﷺ : " من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله " على وجوب قتل من سب النبي ﷺ وإن كان ذا عهد، خلافاً لأبي حنيفة. ثانياً: أنه لا بأس بالكذب إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية ومنفعة للمسلمين لقول محمد ابن مسلمة: " إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وإنه قد عنانا " وقوله: " ولكن نرهنك اللامة " أي السلاح وهو لا يريد أن يرهنه شيئاً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الحديث متضمناً لقتل كعب بن الأشرف.
٨٤٨ - " باب غزوة أحد "
وغزوة أحد كانت يوم السبت ١٥ شوال من السنة الثالثة من الهجرة، وسببها أن قريشاً لما أصابها في بدر ما أصابها، كلموا أبا سفيان وجميع المساهمين في تلك العير التي كانت سبباً في وقعة بدر فقالوا: إن محمداً قد قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، فكان أبو سفيان أول من أجاب، فجعلوا لتلك الحرب التي عزموا على شنها ضد محمد ﷺ ربح تلك العير، ويبلغ خمسين ألف دينار، وتجهزت قريش ومن والاها من قبائل كنانة وتهامة، وكان عددهم ثلاثة آلاف معهم الدفوف والمعازف والخمور، وكان قائدهم أبو سفيان بن حرب، وكان خروجهم لخمس مضين من شوال، وساروا حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان وصولهم يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال، واستشار النبي
стр. 1541
- ﷺ أصحابه في الخروج، فرأى كبار المهاجرين والأنصار التحصن بالمدينة، وهو رأي عبد الله بن أبي أيضاً، وكان ﷺ قد رأى رؤيا أفزعته، وقصها على أصحابه، فقال: والله إني قد رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي -أي في طرفه- ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم فهو رجل من أهل بيتي يقتل وأوّلت الدرع الحصينة بالمدينة وقال: امكثوا في المدينة، فإن دخل القوم قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت وكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان، فهي كالحصن، ولكن حمزة بن عبد المطلب وجماعة من شباب الصحابة اختاروا الخروج لئلا تظن قريش أنهم لم يخرجوا جبناً وخوفاً منهم فوافق رسول الله ﷺ رأيهم فصلى الجمعة ووعظ الناس وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ثم صلى العصر، ودخل بيته، ولبس لأمته وخرج متقلداً سيفه، فندم الذين اختاروا الخروج، وقالوا: ما كان ينبغي لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها فخرج يوم الجمعة، فأصبح في الشعب من أحد يوم السبت منتصف شوال، وجعل لواء الأوس بيد أسيد بن حضير ولواء الخزرج بيد حباب بن المنذر، ولواء المهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وكان في المسلمين مائة دارع، وكان عددهم ألف مقاتل، فانخذل عبد الله بن أبي ورجع ومعه ثلثمائة، وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وعلي المشاة صفوان بن أمية. وجعل النبي ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير الأوسي، وكان عددهم خمسين رامياً أقامهم النبي ﷺ على الجبل المعروف بجبل الرماة وقال لهم: احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، ونشب القتال، ولم يزل حملة اللواء يقتلون واحداً بعد الآخر حتى أصبح اللواء طريحاً على الأرض فحملته امرأة، وهي عمرة بنت علقمة الحارثية وكان عدد الذين قتلوا من حملة اللواء أحد عشر رجلاً، فتفرّق جيشهم إلى كتائب متعددة، وانهزم المشركون. غير أن المسلمين اهتموا بالغنائم، وقال أصحاب عبد الله بن جبير
стр. 1542
٩٨٨ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
"لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَسَ النبي ﷺ جَيْشاً مِنَ الرُّمَاةِ، وأمَّرَ
ــ
وهم الرماة: الغنيمة الغنيمة، تاركين مؤخرة الجيش، ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل، فوجده خالياً، فكر بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتلوا أميرهم وارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضاً، ووقعت الهزيمة وثبت رسول الله وبعض أصحابه، وذاع في الناس وشاع أن رسول الله ﷺ قد قتل، وأصيب النبي ﷺ بالحجارة حتى أغمي عليه، وخدشت ركبتاه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشجّ وجهه، وجرحت شفته السفلى، وثبت معه أربعة عشر رجلاً من أصحابه، والتفوا حوله، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلاً وعدد القتلى من المشركين ثلاثة وعشرين رجلاً، والله أعلم.
٩٨٨ - معنى الحديث: أن البراء بن عازب ﵁ يقصّ علينا بعض ما وقع في غزوة أحد، فيذكر لنا أنّ النبي ﷺ أقام جماعة من الرماة على الجبل المعروف بجبل الرماة، يبلغ عددهم خمسين رامياً تحت إمارة عبد الله بن جبير وكان ﷺ قد أراد من ذلك أن يحمي بهم مؤخرة الجيش كما جاء في رواية أخرى أنّ النبي ﷺ قال لهم: " انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتنا من خلفنا " وأمرهم أن لا يتركوا أماكنهم مهما كانت الأحوال والظروف، فلما التقى الجيشان انهزم المشركون حتى أسرع النساء هاربات من أرض المعركة، وقد ارتفعت ثيابهن عن سوقهن من شدة الجري، وظهرت خلاخلهن، فعند ذلك طمع الرماة في الغنيمة، وأسرعوا إلى الغنائم يأخذونها قائلين الغنيمة الغنيمة، وذكَّرهم أميرهم بأمر رسول الله ﷺ لهم أن لا يبرحوا الجبل، فلم يلتفتوا إليه، وذهبوا لجمع الغنائم فلما وقع ذلك منهم، نظر خالد بن الوليد إلى مؤخرة الجيش،
стр. 1543
عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ، وقَالَ: لَا تَبْرَحُوا إنْ رَأيتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فلا تَبْرَحُوا، وِإنْ رَأيْتُموهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فلا تُعِينُونَا، فَلمَّا لَقِينَاهُمْ هَرَبُوا حتَّى رَأيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ في الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قد بَدَتْ خلاخِلُهُنَّ، فأخذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنيمَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: عَهِدَ إِليَّ النبي ﷺ أن لا تَبْرَحُوا، فَأبَوْا، فلمَّا أُبوْا صُرِفَ وُجُوهَهُمْ، فَأصِيبَ سَبْعُونَ قَتيلاً، وأشْرَفَ أبو سُفْيَانَ فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ مُحَمَّد؟ فَقالَ: لا تُجيبُوهُ، فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ ابْنُ أبي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لا تُجِيبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّاب؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أحْيَاءً لأجابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ أبقَى اللهُ عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ، قَالَ
ــ
فرأى الجبل خالياً، ولم يبق عليه سوى القليل فكر بخيله عليهم، فقتل عبد الله بن جبير ومن معه، وهاجم مؤخرة الجيش فارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضاً، ووقعت الهزيمة فيهم، فأصيب منهم سبعون قتيلاً، وشاع أن النبي ﷺ قد قتل (١) ووصلت هذه الإشاعة إلى أبي سفيان، فأراد أن يتأكد من ذلك، فنادى بأعلى صوته أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟ فأمرهم النبي ﷺ أن لا يجيبوه، فلما لم يسمع منهم جواباً قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يقدر عمر أن يسيطر على نفسه، ويمنعها عن الإِجابة، فقال لأبي سفيان: " كذبت يا عدوَّ الله " أي كذَّب الله ظنك، وخيَّب أملك " وأبقى الله عليك ما يحزنك " وهو بقاء النبي ﷺ ، فأراد أبو سفيان أن يعبر عن فرحه وسروره واعتزازه بآلهتهم الباطلة، فقال:
стр. 1544
أبو سُفْيَانَ: أعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: الله أعْلَى وَأجَلُّ، قَالَ أبُو سُفْيَانَ: لَنا الْعُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النبي ﷺ : أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا الله مَوْلانا ولا مولى لَكُمْ، قَالَ أبو سُفْيَانَ: يَوْم بِيَوْمِ بَدْرٍ، والْحَرْبُ سِجالٌ، وتجِدُونَ مُثْلةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤنِي".
ــ
أعل هبل؟ أي زدت عزاً ورفعة وعلواً يا هبل بانتصارنا على محمد وأصحابه، فأمر النبي ﷺ المسلمين أن يجيبوه بقولهم: الله أعلى وأجل. فأراد أبو سفيان أن يفاخر المسلمين ببعض أسماء آلهتهم، وأنهم ليس لهم مثلها " فقال: لنا العزى ولا عزى لكم " فأمرهم النبي ﷺ أن يجيبوه بقولهم: " الله مولانا ولا مولى لكم "، أي الله ناصرنا ولا ناصر لكم. عند ذلك قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، أي هذا اليوم مقابل يوم بدر، وكان النبي ﷺ قد أصاب منهم يوم بدر سبعين قتيلاً وأصابوا من المسلمين يوم أحد سبعين شهيداً: فكانت هذه بهذه " والحرب سجال " أي نوب، نوبة لك ونوبة لنا، مرة تغلبنا، ومرة نغلبك فأقر النبي ﷺ أبا سفيان على ذلك ولم يجبه، لأنه الحقيقة والواقع، ثم قال أبو سفيان: " وتجدون مثلة " بضم الميم وسكون الثاء أي وتجدون في قتلاكم بعض التمثيل بهم من جدع أنوفهم، وقطع آذانهم، قال: " لم آمر بها " أي لم آمر بهذه المثلة قبل وقوعها، " ولم تسؤني " بعد وقوعها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجب على الجند طاعة القائد فيما يأمرهم به، لأن مخالفة أوامره من أعظم أسباب الهزيمة، فإن المسلمين لم ينهزموا في أحد إلاّ بسبب مخالفتهم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا
стр. 1545
٩٨٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
" قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أرَأيْتَ إِنْ قُتِلْت فَأيْنَ أنَا؟ قَالَ: في الْجَنَّةِ، فألْقَى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ".
ــ
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس ﵄: وإنما عنى بهذا (١) الرماة. قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب المنهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه.
ثانياًً: قال الحافظ: فيه من الفوائد (٢) منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ وخصوصيتهما به، بحيث كان أعداؤه لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما. والمطابقة: في كون الحديث دل على بعض ما وقع في غزوة أحد مما يتعلق بالترجمة. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.
٩٨٩ - معنى الحديث: أن رجلاً أراد أن يتأكد يوم أحد من مصيره إذا قتل في ذلك اليوم، فسأل النبي ﷺ أن يخبره أين هو إن قتل في هذه المعركة فقال النبي ﷺ : " في الجنة " لأن الشهيد في سبيل الله قد بشره الله بالجنة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فلما سمع الرجل من النبي ﷺ هذه البشارة العظيمة، كانت في يده بعض تمرات، فألقاها، وقاتل حتى قتل. أما من هو هذا الرجل؟ فقد قال بعضهم: إنه عمير ابن الحمام لكن رجح الحافظ أنه رجل آخر غيره، لأن عمير بن الحمام وإن وقع منه ذلك أيضاً، لكنه وقع منه في غزوة بدر كما صرح بذلك أنس في حديثه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال الحافظ: فيه ما كان عليه الصحابة من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة