← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

- ﷺ أصحابه في الخروج، فرأى كبار المهاجرين والأنصار التحصن بالمدينة، وهو رأي عبد الله بن أبي أيضاً، وكان ﷺ قد رأى رؤيا أفزعته، وقصها على أصحابه، فقال: والله إني قد رأيت بقراً تذبح، ورأيت في ذباب سيفي -أي في طرفه- ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم فهو رجل من أهل بيتي يقتل وأوّلت الدرع الحصينة بالمدينة وقال: امكثوا في المدينة، فإن دخل القوم قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت وكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان، فهي كالحصن، ولكن حمزة بن عبد المطلب وجماعة من شباب الصحابة اختاروا الخروج لئلا تظن قريش أنهم لم يخرجوا جبناً وخوفاً منهم فوافق رسول الله ﷺ رأيهم فصلى الجمعة ووعظ الناس وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ثم صلى العصر، ودخل بيته، ولبس لأمته وخرج متقلداً سيفه، فندم الذين اختاروا الخروج، وقالوا: ما كان ينبغي لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها فخرج يوم الجمعة، فأصبح في الشعب من أحد يوم السبت منتصف شوال، وجعل لواء الأوس بيد أسيد بن حضير ولواء الخزرج بيد حباب بن المنذر، ولواء المهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وكان في المسلمين مائة دارع، وكان عددهم ألف مقاتل، فانخذل عبد الله بن أبي ورجع ومعه ثلثمائة، وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وعلي المشاة صفوان بن أمية. وجعل النبي ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير الأوسي، وكان عددهم خمسين رامياً أقامهم النبي ﷺ على الجبل المعروف بجبل الرماة وقال لهم: احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، ونشب القتال، ولم يزل حملة اللواء يقتلون واحداً بعد الآخر حتى أصبح اللواء طريحاً على الأرض فحملته امرأة، وهي عمرة بنت علقمة الحارثية وكان عدد الذين قتلوا من حملة اللواء أحد عشر رجلاً، فتفرّق جيشهم إلى كتائب متعددة، وانهزم المشركون. غير أن المسلمين اهتموا بالغنائم، وقال أصحاب عبد الله بن جبير

стр. 1542

٩٨٨ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَسَ النبي ﷺ جَيْشاً مِنَ الرُّمَاةِ، وأمَّرَ ــ وهم الرماة: الغنيمة الغنيمة، تاركين مؤخرة الجيش، ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل، فوجده خالياً، فكر بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتلوا أميرهم وارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضاً، ووقعت الهزيمة وثبت رسول الله وبعض أصحابه، وذاع في الناس وشاع أن رسول الله ﷺ قد قتل، وأصيب النبي ﷺ بالحجارة حتى أغمي عليه، وخدشت ركبتاه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشجّ وجهه، وجرحت شفته السفلى، وثبت معه أربعة عشر رجلاً من أصحابه، والتفوا حوله، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلاً وعدد القتلى من المشركين ثلاثة وعشرين رجلاً، والله أعلم. ٩٨٨ - معنى الحديث: أن البراء بن عازب ﵁ يقصّ علينا بعض ما وقع في غزوة أحد، فيذكر لنا أنّ النبي ﷺ أقام جماعة من الرماة على الجبل المعروف بجبل الرماة، يبلغ عددهم خمسين رامياً تحت إمارة عبد الله بن جبير وكان ﷺ قد أراد من ذلك أن يحمي بهم مؤخرة الجيش كما جاء في رواية أخرى أنّ النبي ﷺ قال لهم: " انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتنا من خلفنا " وأمرهم أن لا يتركوا أماكنهم مهما كانت الأحوال والظروف، فلما التقى الجيشان انهزم المشركون حتى أسرع النساء هاربات من أرض المعركة، وقد ارتفعت ثيابهن عن سوقهن من شدة الجري، وظهرت خلاخلهن، فعند ذلك طمع الرماة في الغنيمة، وأسرعوا إلى الغنائم يأخذونها قائلين الغنيمة الغنيمة، وذكَّرهم أميرهم بأمر رسول الله ﷺ لهم أن لا يبرحوا الجبل، فلم يلتفتوا إليه، وذهبوا لجمع الغنائم فلما وقع ذلك منهم، نظر خالد بن الوليد إلى مؤخرة الجيش،

стр. 1543

عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ، وقَالَ: لَا تَبْرَحُوا إنْ رَأيتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فلا تَبْرَحُوا، وِإنْ رَأيْتُموهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فلا تُعِينُونَا، فَلمَّا لَقِينَاهُمْ هَرَبُوا حتَّى رَأيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ في الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قد بَدَتْ خلاخِلُهُنَّ، فأخذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنيمَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: عَهِدَ إِليَّ النبي ﷺ أن لا تَبْرَحُوا، فَأبَوْا، فلمَّا أُبوْا صُرِفَ وُجُوهَهُمْ، فَأصِيبَ سَبْعُونَ قَتيلاً، وأشْرَفَ أبو سُفْيَانَ فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ مُحَمَّد؟ فَقالَ: لا تُجيبُوهُ، فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ ابْنُ أبي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لا تُجِيبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّاب؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أحْيَاءً لأجابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ أبقَى اللهُ عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ، قَالَ ــ فرأى الجبل خالياً، ولم يبق عليه سوى القليل فكر بخيله عليهم، فقتل عبد الله بن جبير ومن معه، وهاجم مؤخرة الجيش فارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضاً، ووقعت الهزيمة فيهم، فأصيب منهم سبعون قتيلاً، وشاع أن النبي ﷺ قد قتل (١) ووصلت هذه الإشاعة إلى أبي سفيان، فأراد أن يتأكد من ذلك، فنادى بأعلى صوته أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟ فأمرهم النبي ﷺ أن لا يجيبوه، فلما لم يسمع منهم جواباً قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يقدر عمر أن يسيطر على نفسه، ويمنعها عن الإِجابة، فقال لأبي سفيان: " كذبت يا عدوَّ الله " أي كذَّب الله ظنك، وخيَّب أملك " وأبقى الله عليك ما يحزنك " وهو بقاء النبي ﷺ ، فأراد أبو سفيان أن يعبر عن فرحه وسروره واعتزازه بآلهتهم الباطلة، فقال:

стр. 1544

أبو سُفْيَانَ: أعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: الله أعْلَى وَأجَلُّ، قَالَ أبُو سُفْيَانَ: لَنا الْعُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النبي ﷺ : أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا الله مَوْلانا ولا مولى لَكُمْ، قَالَ أبو سُفْيَانَ: يَوْم بِيَوْمِ بَدْرٍ، والْحَرْبُ سِجالٌ، وتجِدُونَ مُثْلةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤنِي". ــ أعل هبل؟ أي زدت عزاً ورفعة وعلواً يا هبل بانتصارنا على محمد وأصحابه، فأمر النبي ﷺ المسلمين أن يجيبوه بقولهم: الله أعلى وأجل. فأراد أبو سفيان أن يفاخر المسلمين ببعض أسماء آلهتهم، وأنهم ليس لهم مثلها " فقال: لنا العزى ولا عزى لكم " فأمرهم النبي ﷺ أن يجيبوه بقولهم: " الله مولانا ولا مولى لكم "، أي الله ناصرنا ولا ناصر لكم. عند ذلك قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، أي هذا اليوم مقابل يوم بدر، وكان النبي ﷺ قد أصاب منهم يوم بدر سبعين قتيلاً وأصابوا من المسلمين يوم أحد سبعين شهيداً: فكانت هذه بهذه " والحرب سجال " أي نوب، نوبة لك ونوبة لنا، مرة تغلبنا، ومرة نغلبك فأقر النبي ﷺ أبا سفيان على ذلك ولم يجبه، لأنه الحقيقة والواقع، ثم قال أبو سفيان: " وتجدون مثلة " بضم الميم وسكون الثاء أي وتجدون في قتلاكم بعض التمثيل بهم من جدع أنوفهم، وقطع آذانهم، قال: " لم آمر بها " أي لم آمر بهذه المثلة قبل وقوعها، " ولم تسؤني " بعد وقوعها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجب على الجند طاعة القائد فيما يأمرهم به، لأن مخالفة أوامره من أعظم أسباب الهزيمة، فإن المسلمين لم ينهزموا في أحد إلاّ بسبب مخالفتهم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا

стр. 1545

٩٨٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: أرَأيْتَ إِنْ قُتِلْت فَأيْنَ أنَا؟ قَالَ: في الْجَنَّةِ، فألْقَى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ". ــ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس ﵄: وإنما عنى بهذا (١) الرماة. قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب المنهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه. ثانياًً: قال الحافظ: فيه من الفوائد (٢) منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ وخصوصيتهما به، بحيث كان أعداؤه لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما. والمطابقة: في كون الحديث دل على بعض ما وقع في غزوة أحد مما يتعلق بالترجمة. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود. ٩٨٩ - معنى الحديث: أن رجلاً أراد أن يتأكد يوم أحد من مصيره إذا قتل في ذلك اليوم، فسأل النبي ﷺ أن يخبره أين هو إن قتل في هذه المعركة فقال النبي ﷺ : " في الجنة " لأن الشهيد في سبيل الله قد بشره الله بالجنة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فلما سمع الرجل من النبي ﷺ هذه البشارة العظيمة، كانت في يده بعض تمرات، فألقاها، وقاتل حتى قتل. أما من هو هذا الرجل؟ فقد قال بعضهم: إنه عمير ابن الحمام لكن رجح الحافظ أنه رجل آخر غيره، لأن عمير بن الحمام وإن وقع منه ذلك أيضاً، لكنه وقع منه في غزوة بدر كما صرح بذلك أنس في حديثه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال الحافظ: فيه ما كان عليه الصحابة من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة

стр. 1546

٩٩٠ - عَنْ أنسٍ ﵁: " أن عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلَ قِتَالَ النَّبِيِّ ﷺ لَئِنْ أشْهَدَنِي اللهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أجِدُّ، فَلَقِىَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ النَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وأبرَأ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: أيْنَ يَا سَعْدُ؟ إِنِّي أجِدُ ريحَ الْجَنَّةِ دُونَ أحُدٍ، فَمَضَى فقُتِلَ، فما عُرِفَ حتَّى عَرَفَتْهُ أخْتُهُ بِشامَةٍ أو بِبَنَانِهِ، وبِهِ بِضْعٌ وثمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ".

стр. 1547

٨٤٩ - " بَابُ ذِكْرِ أمِّ سَلِيطٍ " ٩٩١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ قَسَمَ مُرُوطاً بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ أهلِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِىَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ أعْطِ هذَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ، يُرِيدُونَ أمَّ كُلْثُوم بِنْتِ عَليٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: أمُّ سَلِيطٍ أحقُّ بِهِ مِنْهَا، وأمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أحُدٍ. ــ الجنة " فمضى فقتل فما عرف " من كثرة جروحه " حتى عرفته أخته بشامة " أي بالخال الموجود فيه أو ببنانه " وبه بضع وثمانون من طعنة " برمح " وضربة " بسيف. فقه الحديث: دل هذا الحديث على وفاء أنس بن النضر بالعهد الذي قطعه على نفسه بالاستبسال في القتال، عند أول غزوة إسلامية وما أظهره في غزوة أحد من شدة النضال، وصدق الجهاد، حتى استشهد في سبيل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فلقي يوم أحد " إلخ. ٨٤٩ - " باب ذكر أم سليط " ٩٩١ - معنى الحديث: يقول ثعلبة بن مالك راوي الحديث " إن عمر ابن الخطاب ﵁ قسم مروطاً " جمع مرط، وهو كساء من صوف يؤتزر به، أو تلقيه المرأة على رأسها " فبقي منها مرط " بكسر الميم وسكون الراء " فقال له بعض من عنده: أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك " أي التي هي زوجتك " فقال عمر: أمّ سليط أحق به منها " فآثر أم سليط الأنصارية على زوجته، ورأى أنها أولى بهذا الكساء منها "قال عمر: فإنها كانت

стр. 1548

٨٥٠ - " بَابُ قتلِ حَمْزَةَ ﵁ " ٩٩٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ لِوَحْشِيٍّ: ألا تُخْبِرنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلايَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاس عَامَ عَيْنَيْنِ -وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ ــ تزفر لنا القرب يوم أحد" أي كانت تحمل القرب ملأى على ظهرها فتسقي الناس منها. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل أم سليط تلك الصحابية الجليلة التي ساهمت في الجهاد بخدمة المسلمين يوم أحد، وحمل الماء على ظهرها لتسقي المجاهدين، فسجل لها التاريخ ذلك وشهد لها عمر ﵁ بهذه المنقبة العظيمة، التي فضّلها بها على آل بيت رسول الله ﷺ . ثانياًً: توجيه النصح وتقديم المشورة إلى إمام المسلمين، لا سيما ممن حوله من الوزراء والكتاب ونحوهم. والمطابقة: في قوله: " أم سليط (١) أحق بها منها ". ٨٥٠ - " باب قتل حمزة ﵁ " ٩٩٢ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبيد الله - بالتصغير ابن عدي بن الخيار النوفلي القرشي، ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال العجلي: تابعي ثقة من كبار التابعين، روى عن عمر وعثمان وعلي، وتوفي بالمدينة في خلافة الوليد ابن عبد الملك. معنى الحديث: أن عبيد الله بن الخيار سأل وحشياً أن يحدثه عن قتل حمزة ابن عبد المطلب ﵁، فقال وحشي: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي

стр. 1549

أُحُدٍ، بَيْنَه وبَيْنَه وَادٍ- خَرَجْت مَعَ الناسِ إلى القِتَالِ، فَلَمَّا أنْ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ من مُبَارِزٍ؟ قَال: فَخَرَجَ إليْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يا ابْنَ أمِّ أنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ، أتحَادُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ قَالَ: ثمَّ شَدَّ عَلَيْهِ، فَكَانَ كأمْس الذَّاهِبِ، قَالَ: وَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فأضَعُهَا في ثُنَّتِهِ، حتى خَرَجت مِنْ بَيْن وَرِكَيْهِ، قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ، فلمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْت مَعَهُمْ، فأقَمْتُ بِمَكَّةَ حتَّى فشا فيها الإسْلامُ، ثمَّ خَرَجت إلى الطَّائِفِ، فأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَسُولاً، فَقِيْلَ لي: إِنَّه لا يَهِيجُ الرُّسُلَ، فخَرَجُتُ مَعَهُمْ حتى قَدِمْتُ على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فلما رَآنِي قَالَ: آنْتَ وَحْشِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أنْتَ قَتَلْتَ ــ في غزوة بدر، وهو عم جبير بن مطعم وكان وحشي عبداً له قال: " فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر " أي فوعده سيده بعتقه إن قتل حمزة ﵁ " قال: فلما أن خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بجيال أحد " أي فلما خرج الناس للقتال في غزوة أحد " خرجت مع الناس " أي خرجت معهم وأنا حريص على قتل حمزة، لكي أظفر بعتق رقبتي " فلما أن اصطفوا للقتال، خرج سباع " أي سباع بن عبد العزى بكسر السين وفتح الباء المخففة " فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا ابن أم أنمار مقطعة البظور (١) " يعيره بأمه، وكانت جارية مملوكة تختن النساء " أتحاد الله ورسوله " أي أتتجرأ على معاداتهما " فشد عليه فكان كأمس الذاهب " أي فهجم عليه فأزاله عن الحياة زوال الأمس عن اليوم "قال:

стр. 1550

حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ بَلَغَكَ، قالَ: فَهَل تَسْتَطِيعُ أنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ قُلْتُ: لأخْرُجَنَّ إلى مُسَيْلَمَةَ لَعَلِّي أقْتُلُهُ فأكَافِىءَ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ من أمْرِهِ مَا كَانَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ في ثَلْمَةِ جِدَارٍ كَأنَّهُ جَمَلٌ أوْرَقُ، ثَائِرُ الرَّأسِ، قَالَ: فرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فأضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثب إلَيْهِ رَجُل مِنَ الأنْصَارِ، فَضَرَبَهُ بالسيفِ على هَامَتِهِ". ــ وكمنت لحمزة" أي اختبأت له " فأضعها في ثُنَّتِه " أي فرميته بالحربة فوضعها في ثُنَّته أي ما بين السرة والعانة " حتى خرجت من وركيه " تثنية ورك، بفتح الواو وكسر الراء " (١)، قال في " المصباح ": وهما وركان فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين، قال: " ثم خرجت إلى الطائف " وذلك بعد فتح مكة " فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسولاً " أي فأرسل أهل الطائف إلى النبي ﷺ رسولاً، وفي رواية أخرى رسلاً " فقيل لي إنه لا يهيج الرُّسل " (٢) أي لا يصيبهم بمكروه " فخرجت معهم " إليه، "قال: أنت قتلت حمزة " مرتين " قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك " أي قد وقع مني قتل حمزة كما بلغك عني " قال: فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني " يعني: فطلب منه أن لا يواجهه خوفاً من أن يثير مشاعره عليه، قال: " فخرج مسيلمة الكذاب فقلت لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافىء وبه حمزة " أي أقابل السيئة بالحسنة، فتكون هذه بهذه. " فخرجت مع الناس " إلى اليمامة "فإذا رجل قائم في ثلمة

стр. 1551

جدار" أي في ثقب جدار متهدم " وكأنه جمل أورق " أي كأنه في سماره جمل رمادي اللون " فأضعها بين ثدييه " أي فرميته بالحربة فأصبته في صدره بين ثدييه، قال: " ووثب إليه رجل من الأنصار " وهو عبد الله بن زيد " فضربه بالسيف على هامته " أي على رأسه فكانت القاضية عليه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان مقتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁، وهو عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، كان ﵁ فارساً عظيماً في الجاهلية والإِسلام (١) وكانت قصة إسلامه مثلاً رائعاً للبطولة الفذة، فقد اعترض أبو جهل النبي ﷺ عند الصفا وشتمه، ونال منه، فسمع حمزة بذلك، فأقبل نحوه حتى إذا أقام على رأسه ضربه بقوسه، فشجه شجَّةً منكرة، فقام رجال من بني مخزوم يناصرون أبا جهل وقالوا: ما نراك يا حمزة إلاّ قد صبوت، قال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي الحق، أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين، وهكذا تحداهم البطل جميعاً، وجبن أبو جهل فقال: دعوا أبا عمارة، وأسلم حمزة في السنة الثانية من البعثة، ولازم نصر رسول الله ﷺ ، وشهد بدراً وأبلى في ذلك بلاء عظيماً، وقتل شيبة بن ربيعة وطعيمة ابن عدي، وهو الذي أوغر عليه صدر جبير بن مطعم، وهند بنت عتبة، ودفعهما لأخذ الثأر منه، فأوعز جبير إلى مولاه وحشي بقتل حمزة، ووعده بعتق رقبته مكافأة له على ذلك، فتم أمر الله، ونفذ قضاؤه، فاستشهد البطل على يد ذلك العبد الحبشي، ولم يقتل مواجهة ولا مبارزة، فما كان لوحشي أن ينال من سيد الفوارس شعرة لو واجهه، ولكن حمزة كما قال الدكتور هيكل لم يُصرع كما تصرع (٢) الأبطال، وإنما كما يغتال الكرام في حلك الظلام، وما

стр. 1552

٨٥١ - " بَابُ غَزْوَةِ الْخنْدَقِ " ــ عسى أن تغني الشجاعة حين يختبىء الاغتيال في حندس الليل، فيورد صاحبه حتفه، وهكذا شاء القدر (١) أن يستشهد البطل على يد ذلك العبد الحبشي الذي هاب حمزة وهو مجندل على الأرض، فلم يجرأ على الاقتراب " لأخذ حربته منه. ثانياً: أن الإِسلام يجب ما قبله، وأن نبينا ﷺ لا يعرف التشفي والانتقام وإلّا فقد وقع " وحشي " قاتل عمه بعد فتح الطائف في قبضة يده، فما مد إليه يده بسوء، وما زاد على أن قال له: " فهل تستطع أن تغيب وجهك عني " فلم يثأر منه لعمه حمزة، مع شدة حزنه عليه، لأن الإِسلام يغفر لصاحبه ما قد سلف. ثالثاً: أن المرء لا يلام على شعوره بالاستياء، وعدم الارتياح لمقابلة من أساء إليه، أو إلى أحد أقاربه، لأن ذلك من الانفعالات النفسية الخارجة عن إرادته، وإلا لما قال النبي ﷺ : " فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ". الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث متضمن لقصة قتل حمزة ﵁. ٨٥١ - " باب غزوة الخندق " وقد كانت هذه الغزوة في شوال من السنة الخامسة من الهجرة الموافق لشهر فبراير ٦٢٧ م، وذلك أنه ﷺ لما أجلى بني النضير خرج نفر من أشرافهم، منهم حيي بن أخطب إلى مكة يحرضون قريشاً على حرب النبي ﷺ ، ووعدوهم بأنهم سيكونون معهم حتى يستأصلوه، وما زالوا بهم حتى وافقوا على محاربته، ثم ذهبوا إلى سليم وغطفان، ودعوهم إلى مشاركتهم في هذه الحرب، وأعلموهم أن قريشاً بايعوهم، فوافقوا، فجهزت قريش أربعة آلاف مقاتل وخرجوا بقيادة أبي سفيان، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران بسبعمائة بقيادة سفيان بن عبد شمس، وخرجت بنو أسد وغطفان وفزارة وبنو مُرَّة حتى بلغ المجموع عشرة آلاف

стр. 1553

مقاتل. حفر الحندق: ولما بلغ رسول الله ﷺ نبأ هذه الجموع التي جاءت لمحاربته ﷺ ندب الناس، وشاورهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق تجاه العدو ليكون بمثابة خط دفاعي يتحصنون به من عدوهم، فأعجب النبي ﷺ بذلك، وضرب الخندق على المدينة، قال الأستاذ الأنصاري: وقد تم حفره من شمالي المدينة الشرقي إلى غربها، فالخندق كما نتخيل كان يشكل نصف دائرة، طرفها الغربي يقع غربي مسجد المصلى " مسجد الغمامة " والشرقي عند مبدأ حرة واقم. قال المطري: وقد عفا أثره اليوم، أي في القرن الثامن الهجري. لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار مسيله في الخندق. وقد شارك فيه النبي ﷺ . قال ابن هشام: " فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيباً للمسلمين في الأجر، فدأب فيه ودأبوا كما سيأتي تفصيله في الأحاديث الآتية: وكان النبي ﷺ قد عقد عهداً مع بني قريظة أن لا يظاهروا عليه أحداً، فأغرتهم بنو النضير على نقض العهد، وخرج حيي بن أخطب سيد بني النضير إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة، فلما سمع صوته أغلق باب الحصن دونه، فلم يزل يلح عليه حتى فتح له، وما زال يستميله ويحاول معه حتى نقض العهد، وانضم إلى قبائل قريش وغطفان وغيرها من القبائل التي جاءت لمحاربته ﷺ . وخرج رسول الله ﷺ يوم الإثنين لثمان مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد ابن حارثة، ولواء الأنصار سعد بن عبادة، وكان عددهم ثلاثة آلاف، وأقبلت قريش فنزلت بمجتمع الأسيال بين الجرف والغابة، وأقبلت غطفان ومن تابعها ونزلت بذنب نقمي (١) بجانب أحد، وكانت تلك الظروف ظروفاً قاسية اشتد فيها الحصار وتفاقم البلاء، سيما بعد أن نقضت قريظة عهدها، وانضمت إلى العدو فكانت هذه مفاجأة أليمة للنبي ﷺ ، قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون

стр. 1554

كل ظن، وهمّ بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة، أي مكشوفة للعدو، مهددة بالخطر، لأنهم كانوا خارج المدينة في الجهة الغربية منها، وهي المنطقة الواقعة غربي سلع إلى القبلتين، وحاول النبي ﷺ مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، واستشار ﷺ سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة فقالا للنبي ﷺ : أمر تحبه فتصنعه، أم شيء أمرك الله به، ولا بد لنا من العمل به أم شيء تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رَمَتْكُمْ عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : فأنت وذاك: ودام الحصار شهراً ووقعت بين الفريقين بعض المناوشات الحربية واقتحم بعضهم الخندق، فتورط، وقتل، كما وقع لعبد الله بن المغيرة المخزومي. وكان مما أنعم الله به على المسلمين إسلام نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁، والخدعة التي قام بها، ويحدثنا ﵁ (١) عن ذلك فيقول: لما سارت الأحزاب سرت مع قومي حتى قذف الله في قلبي الإِسلام فكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي، فلما رآني جلس، ثم قال: ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق، فمرني بما شئت يا رسول الله، فوالله لا تأمرني بأمر إلاّ مضيت له، وقومي لا يعلمون بإسلامي ولا غيرهم، قال: ما استطعت أن تخذل الناس فخذل، قال: قلت أفعل، ولكن يا رسول الله فأذن لي أقول ما أقول من المكر والحيلة، قال: قل ما بدا لك، فأنت في حل، قال: فذهبت حتى جئت بني قريظة، فلما رأوني

стр. 1555

رحبوا بي، وأكرموا وحيوا، وعرضوا عليَّ الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفاً عليكم لأشير عليكم برأيي، وقد عرفتم ودي إياكم، فقالوا: قد عرفنا ذلك، وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والخير، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن هذا الرجل يعني محمداً ﷺ صنع ببني قينقاع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم، وأرى الأمر قد تطاول، وإنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، فإنهم إن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم، وأنتم لا تقدرون على ذلك، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم مخافة أن لا يستمروا في مواصلة قتاله، وأن ينسحبوا ويتركوكم معه وحدكم، قالوا: أشرت بالرأي علينا، ونحن فاعلون، قال: ولكن اكتموا عني، قالوا: نعم نفعل. ثم خرج إلى أبي سفيان فقال: يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني، قال: أفعل، قال: تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأرادوا صلح محمد، وأرسلوا إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلاً نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد أجنحتنا التي كسرت إلى ديارهم، يعني بني النضير، ونكون معك على قريش، إن بعثوا إليكم يسألونكم رهناً، فلا تدفعوا إليهم أحداً، ولكن اكتموا عني، قالوا: لا نذكره، ثم خرج حتى أَتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكان رجلاً منهم فصدقوه، وأرسلت اليهود إلى أبي سفيان غزال بن السموأل ليقول له: إن ثواءكم -أي إقامتكم- قد طال، ولم تصنعوا شيئاً، لو وعدتمونا يوماً تزحفون فيه إلى محمد ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم يكونون عندنا، فإنا نخاف إن مستكم الحرب، أو أصابكم ما تكرهون تركتمونا، وقد نابذنا محمداً بالعداوة، فلم يُرجعوا إليهم - أي لم يردوا عليهم جواباً، وقال أبو سفيان لقريش: هذا ما قاله نعيم. ونجح نعيم بن مسعود في خطته، وزال شبح الخطر، وبدت بوادر

стр. 1556

الفرج، وأراد الله تعالى أن يمد المسلمين بقوة سماوية، فأرسل إليهم جنداً من عنده، وأرسل على قريش وغطفان عاصفة شديدة في ليلة شاتية باردة أكفأت قدورهم وقوّضت خيامهم، وأصيبوا بالمرض، متأثرين بذلك البرد القارس، وأنزل الله في قلوبهم الرعب، كما قال تعالى في سورة الأحزاب: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) قال ابن إسحاق: " وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة، فلما رأى أبو سفيان ما رأى قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف أي الخيل والإِبل. وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. ***

стр. 1557

٩٩٣ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، رَأيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهُو يَنْقُلُ مِنَ التُّرابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا فَأنْزِلَنْ سكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا إِنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وِإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بآخِرِهَا. ــ ٩٩٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما سمع ما أجمعت عليه قريش وغطفان من محاربته ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه ﷺ بيده الشريفة، وشارك المسلمين في حفره ترغيباً لهم في الأجر والثواب، وكان ينشد شعر ابن رواحة وغيره في تشجيعهم وحثهم على مواصلة الحفر، وكان ينقل التراب معهم حتى غطى الغبار جلدة بطنه، ومما أنشده ﷺ من شعر ابن رواحة قوله: " اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا " وفي هذا ثناء على الله تعالى، وشكر له على نعمة الهداية والتوفيق لجميع الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وغيرها، فإنه لا توفيق إليها إلَّا بالله: " فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا "

стр. 1558

٩٩٤ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ يَوْمَ الأحْزَابِ: " نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا ". ــ وفي هذا تضرع إلى الله تعالى أن يمدهم بالطمأنينة والصبر وثبات الأقدام عند ملاقاة العدو. "إن الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا" أي إن هؤلاء المشركين الذين اعتدوا علينا، وتجمعوا لقتالنا ليفتنونا عن ديننا، سيخيب الله آمالهم لأننا جند الله، ونأبى أن نخضع لأي قوة تصرفنا عن دين الله. ولينصرن الله من ينصره. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أمره ﷺ بحفر الخندق بعد أن استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفره، ليكون خطاً دفاعياً ضد العدو، ففيه أنه ينبغي أن نأخذ من غيرنا ما فيه مصلحة لنا ما دام لا يتعارض مع أحكام شريعتنا، سيما فيما يتعلق بالأمور العسكرية والعمرانية والزراعية وغيرها. ثانياًً: مشاركة النبي ﷺ لأصحابه في الأعمال الكبيرة تشجيعاً لهم، وهكذا ينبغي للرؤساء أن يشاركوا في الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين. ثالثاً: أن من السنَّة إنشاد بعض الشعر الحماسي أثناء العمل تشجيعاً للعاملين، وترغيباً لهم كما فعل ﷺ . والمطابقة: في قوله: " وخندق رسول الله ﷺ ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٩٩٤ - معنى الحديث: يحدثنا سليمان بْن صرد ﵁ في حديثه هذا عن تبدل حال المسلمين من ضعف إلى قوة بعد غزوة الخندق، فيقول: مستشهداً بكلام النبي ﷺ " قال النبي ﷺ يوم الأحزاب " أي بشر النبي ﷺ المسلمين بعد انصرافه من غزوة الخندق بقوله " نغزوهم ولا يغزوننا " أي يصبح لكم من الشوكة العزة والمنعة، وينزل الله الرعب في

стр. 1559

٩٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أوفَى ﵁ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأحْزَاب فَقَالَ: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأحزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ". ــ قلوبهم، فلا يجرؤون على مبادأتكم بالغزو والحرب بعد غزوة الخندق لما حقق الله فيها من النصر على الأحزاب المختلفة من المشركين واليهود واستئصال قريظة من المدينة، وقطع دابرهم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن غزوة الخندق كانت نقطة تحول في تاريخ المسلمين، وبداية عهد جديد، تهيأت فيه لهم كل أسباب القوة والمنعة، حيث انتصروا على الأحزاب، وقضوا على اليهود في المدينة، وأمنوا على أنفسهم من الفتن والحروب الخارجية والداخلية وأصبحت لهم دولة إسلامية قوية عزيزة الجانب، يرهبها الأعداء، ويحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا في غزوها ومحاربتها. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب. ٩٩٥ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن أبي أوفي " دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب " أي على طوائف الكفار التي اجتمعت لقتال المسلمين من اليهود والمشركين " فقال: اللهم منزل الكتاب " أي يا منزل الكتاب الذي وعدت فيه المسلمين بالنصر على أعدائهم، في قولك الحق: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) " سريع الحساب " أي ويا سريع الانتقام من أعدائه " اهزم الأحزاب " أي اجعل لنا الغلبة عليهم ومكنَّا منهم " وزلزلهم " أي وسلط عليهم من أنواع البلاء ما تضطرب له قلوبهم، وترتجف له نفوسهم خوفاً وقلقاً ورعباً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: " دعا على الأحزاب ".

стр. 1560

٨٥٢ - " بَابُ مرْجِعَ النبي ﷺ من الأحزاب ومخرَجِهِ إلى بَنِي قُريْظَةَ " ٩٩٦ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: " نَزَلَ أهلُ قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأرسَلَ النبي ﷺ إلى سَعْدٍ فأتَى عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسجِدِ، قَالَ للأنْصَارِ: قومُوا إلى سَيِّدِكُمْ أو خَيْرِكُمْ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، فَقَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمُ وتَسْبِي ذَرَارِيَّهمْ، قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللهِ، وَرُبَّمَا قَالَ: بِحُكْمَ الْمَلِكِ ". ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الدعاء على الأعداء بالهزيمة وللمسلمين بالنصر عليهم، لا سيما في ميادين القتال، فإن الدعاء فيها إذا خلصت النية مستجاب، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة. ٨٥٢ - " باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته لهم " ٩٩٦ - معنى الحديث: أن بني قريظة لما نقضوا العهد، وانتهت غزوة الخندق بانتصار النبي ﷺ ، وهزيمة المشركين، فعادُوا إلى ديارهم خائبين، خرج النبي ﷺ لمقاتلة بني قريظة، وحاصرهم مدة من الزمن حتى استسلموا، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، أي وافقوا على قبول حكمه فيهم، وكان حليفاً لهم، فأرسل النبي ﷺ إليه فأتى راكباً على حمار، لأنه كان يعاني من الجرح الذي أصيب به في أكحله يوم الخندق، فأتوا به راكباً على حمار، فلما اقترب من المسجد أمر النبي الأنصار أن يخفوا لاستقبال سيدهم، والترحيب به، وإعانته على النزول، ثم أخبره أن بني قريظة قد وافقت على حكمه فيهم، فحكم فيهم

стр. 1561

سعد أن يقتل رجالهم القادرين على القتال منهم، وأن تُصادر أموالهم، وتكون نساؤهم وصبيانهم غنيمة للمسلمين، فأعلن النبي ﷺ في الناس أن سعداً قد وفق في حكمه هذا، وأنه قد حكم بحكم الله من فوق سبع سموات، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استسلام بني قريظة للنبي ﷺ ، ونزولهم على حكم سعد بن معاذ بعد أن حاربهم النبي ﷺ بأمر الله تعالى، حيث جاءه جبريل بعد انتهاء غزوة الخندق في بيت عائشة معتجراً (١) بعمامة من إستبرق (٢) على بغلة عليها قطيفة من ديباج فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عائدٌ إليهم، فمزلزل بهم، وكانت منازل بني قريظة بالحرّة الشرقية الجنوبية من العوالي شرقي " حاجزة " (٣) الحديقة المعروفة التي يقع على بابها مسجد بني قريظة وتنتهي هذه الحرة عند مشربة أم إبراهيم، فلما أمر ﷺ بالخروج أمر بلالاً أن يؤذن في الناس: إن الله يأمركم أن لا تصلوا العصر إلَّا في بني قريظة، وأعطى اللواء لعلي، وخرج إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، فحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى جهدهم الحصار، وألقى الله في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة، فعرض عليهم أموراً أخرى فرفضوها، ولما شدد النبي ﷺ عليهم الحصار استسلموا له، ونزلوا على حكمه، فحاولت الأوس وهم حلفاؤهم تخفيف الحكم في حقهم وشفعوا إلى رسول الله ﷺ فيهم، فأجابهم النبي ﷺ بقوله: أما ترضون أن يحكم فيهم

стр. 1562

رجل منكم، قالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، وكان سعد ﵁ إذ ذاك في خيمة بالمسجد، تمرضه امرأة من أسلم، وتداوي الجرح الذي أصيب به، فحمله قومه على حمار، وهم يقولون له: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال قريظة، فلما انتهي سعد إلى النبي ﷺ قال: قوموا إلى سيدكم، ثم قال لسعد: هؤلاء نزلوا على حكمك، فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد ﵁ فقال: إني أحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وتقسم أموالهم " أخرجه أحمد. وهكذا كان حكم سعد صارماً حيث حكم بتصفيتهم نهائياً. ثانياً: أن حكم سعد باستئصال بني قريظة كان موافقاً لحكم الله تعالى كما قال ﷺ : قضيت بحكم الله ، ولا مجال لمناقشة هذا الحكم، فهو حكم الله العادل وقد نفذ فيهم النبي ﷺ حكم الله، فألقى القبض على رجالهم وسجنوا في دار بنت الحارث النجارية الأنصارية، وهي في موضع الحديقة الرومية (١) التي أنشأ في مكانها فندق التيسير، ثم هدم وأدخل في مشروع الحرم النبوي، وقال الشريف العياشي (٢): الذي أراه أنها ما فيه مدرسة آل مظهر، وما يقع في شرقيها، حيث كان مربد غنم الأغوات، وهذا الموضع في اتساع ما يكفي لأسرى قريظة، وأقل ما عُدَّ هو خمسمائة رجل، وأكثر ما قيل ثمانمائة، ولما حُبَسَ هؤلاء في دار بنت الحارث خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، وأمر أن تحفر الخنادق، وأخرجوا أرسالاً أي أفواجاً، فضربت أعناقهم، ومنهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، وكان عددهم ستمائة، وتولى ضرب أعناقهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام،

стр. 1563

٨٥٣ - " بَابُ غَزْوَةِ الحُدَيْبيَّةِ " ــ وذلك بحضور النبي ﷺ فصاحت نساؤهم عند قتلهم، وشققن جيوبهن، ونشرن شعورهن، وضربن خدودهن، وملأت المدينة نواحاً، وجمعت ما في حصونهم، فخمس النبي ﷺ ذلك مع النَّخل والسبي، ثم بعث بالسبايا فباعها في نجد، واشترى بثمنها خيلاً وسلاحاً، واصطفي لنفسه ريحانة بنت عمرو، ولما استأصل بنو قريظة لم تقم لليهود بعد ذلك قائمة، وخضع المنافقون لرسول الله ﷺ ، وطهرت المدينة من الخونة والغادرين. ثالثاً: استغل بعض المغرضين قصة مقتل بني قريظة في إثارة الشبهات ضد النبي ﷺ ، قال في فيض الباري: اتفق لي مرة أن أسقفاً من النصارى سأل مسلماً إن نبيكم لو كان صادقاً فلم قتل ستمائة نفس من اليهود، وأنا أنظر ما يجيب، فرأيت المسلم عاجزاً عن الجواب، فبادرت إليه قائلاً: وهل تخبرني كم مرة عفا عنهم مع غدرهم؟ فما جزاء الغدر في شريعتكم، فسكت، وسكوته يدل على أن جزاءه القتل، ثم قلت: أنا أعلم بكتابكم منكم. والمطابقة: كما قال العيني: تفهم من معنى الحديث، وذلك أن نزولهم على حكم سعد ﵁ كان بعد خروج النبي ﷺ إليهم (١). ٨٥٣ - " باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) " أما أسبابها: فقد كان النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل مكة، وطاف بالبيت معتمراً، فأخبر أصحابه فاستبشروا بذلك، فتاقت نفوسهم إلى الطواف بالكعبة، واشتد حنينهم لمكة وخرج ﷺ من المدينة في ذي القعدة سنة ست

стр. 1564

معتمراً لا يريد حرباً، ومعه ألف وخمسمائة، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليعلم الناس أنه خرج زائراً للبيت، معظماً له، حتى كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقالوا: خلأت القصواء، أي وقفت ناقة النبي ﷺ فقال: ما خلأت القصواء -أي ما وقفت بنفسها عن سوء طبع فيها، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل- إشارة إلى فيل أبرهة، الذي حبسه الله عن دخول مكة، والَّذِي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله، ويسألونني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها فوثبت به تعدو حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، وفزعت قريش لنزوله ﷺ عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه، فعرض على عمر أن يذهب إليهم فقال: يا رسول الله ليس بمكة أحدٌ من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها وإنه مبلغ ما أردت، فأرسل إليهم عثمان ليخبرهم أنه ﷺ لم يأت لقتال، وإنما جاء معتمراً، وتأخر عثمان في مكة، وبلغ النبي ﷺ أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله ﷺ : لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، وأخذ النبي ﷺ بيد نفسه، وقال: هذه عن هذه عن عثمان، فكانت هذه هي بيعة الرضوان التي وقعت تحت شجرة سمرة في الحديبية، فأنزل الله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ولعل هذا أيضاً من أسباب تسميتها بغزوة الحديبية، لأن النبي ﷺ لما بلغه مقتل عثمان عزم على مناجزتهم وقتالهم، وبايع أصحابه على أن لا يفروا، وبينما هو كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة يسأله عما جاء به، فقال ﷺ : " إنا لم نجىء لقتال، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد أنهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددتهم، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلَّا القتال، فوالذي نفسي بيده

стр. 1565

٩٩٧ - عَنِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: "تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وقد كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحاً، ونَحْنُ ــ لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي والسالفة صفحة العنق، فلما بلغهم ذلك قال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فدعا الكاتب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله على أن تخلوا ما بيننا وبين البيت فنطوف، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب، أننا أخذنا ضغطة ولكن ذلك في العام المقبل، ثم اصطلح الفريقان على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وعلى أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد، لم يردوه إليه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وكان لهذه الشروط وقع أليم على نفوس أصحاب رسول الله ﷺ ، ودخل على الناس من ذلك أمرٌ عظيم، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلح، قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وعظم ذلك على المسلمين، لكن لما رأوا رسول الله ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) فقد أصبح هذا الصلح فتحاً عظيماً. ٩٩٧ - معنى الحديث: أن البراء بن عازب ﵁ لما سمع الصحابة يتحدثون عن فتح مكة، ويفسرون به الفتح المبين في قوله تعالى: (إِنَّا

стр. 1566

نَعدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، والْحُدَيْبِيَةُ بِئْر، فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيْهَا قَطرةً، فَبلَغَ ذَلِكَ النبي ﷺ ، فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ على شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضَّأ، ثمَّ مَضْمَضَ ودَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثمَّ إنَّهَا أصْدَرَتنا ما شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا". ــ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: إنكم ترون أن الفتح المذكور في الآية هو فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً عظيماً للمسلمين، حيث أصبحت به مكة دار إسلام، وطهر الله فيه بيته الحرام من الشرك وعبادة الأصنام، وصدق الله وعده، ونصر عبده، ولكننا نرى أن الفتح المبين المذكور في الآية هو صلح الحديبية، ثم ذكر البراء في بقية حديثه أن عدد الذين خرجوا مع النبي ﷺ في الحديبية ألف وأربعمائة، وقد نزلوا على بئر الحديبية، فلم يجدوا فيه إلاّ القليل من الماء، فلم يلبثوا حتى شربوه، ولم يبق فيه قطرة ماء، فجلس النبي ﷺ على حرفها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ منه، ودعا الله تعالى، ثم أفرغ ما تبقى منه في البئر، فصار الماء يتفجر فيها بغزارة قال حتى شربنا منها جميعاً، وسقينا دوابنا، ورجعنا عنها، وقد روينا كما في رواية زهير حيث قال: فأرووا أنفسهم وركابهم، وهذا كله، بفضل بركته ﷺ . الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن صلح الحديبية كان فتحاً عظيماً للمسلمين، ولذلك سماه الله تعالى فتحاً مبيناً، وأنزل فيه قوله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال الزهري: فما فتح في الإِسلام فتح قبله كان أعظم منه، حيث كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس، وكلّم بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فلم يُكَلَّمْ أحد في الإِسلام يعقل (١) شيئاً إلَّا دخل فيه،

стр. 1567

ولقد دخل في تينك السنتين مثلما كان دخل في الإِسلام قبل ذلك أو أكثر، قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله ﷺ خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف، وقال ابن القيم: هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإِسلام جهرة آمنين، ولهذا سماه الله فتحاً مبيناً، وكان هذا الصلح في الصورة الظاهرة ضيماً وهضماً للمسلمين، وفي الباطن عزاً وفتحاً ونصراً، وكان رسول الله ﷺ ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق. قال الندوي (١): ودلت الحوادث الأخيرة على أن صلح الحديبية الذي تنازل فيه رسول الله ﷺ بقبول كل ما ألحت عليه قريش كان فتح باب جديد لانتصار الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب، وكان باباً إلى فتح مكة، ودعوة ملوك العالم كقيصر وكسرى والمقوقس والنجاشي وأمراء العرب كما كان من مكاسب هذا الصلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين كفريق قوي كريم، تبرم معه المعاهدات، ثم كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة التي استراح فيها المسلمون من الحروب التي لا أوَّل لها ولا آخر، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية أن يقوموا بدعوة الإِسلام في جو من الهدوء والسكينة. ثانياً: معجزته ﷺ الظاهرة التي تبدو لنا واضحةً في تواجد الماء في البئر بعد أن لم يبق منه شيءٌ. والمطابقة: في قوله: " ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ". ...

стр. 1568

٨٥٤ - " بَابُ غَزْوَةِ خيْبَرَ " ــ ٨٥٤ - " باب غزوة خيبر " وخيبر مدينة في شمال المدينة المنورة، على بعد سبعين ميلاً وغزوة خيبر كانت جائزة (١) من الله لأهل الحديبية وأصحاب بيعة الرضوان، فبشرهم بالفتح القريب في قوله تعالى (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وكانت مقدمة هذه الفتوح والمغانم غزوة خيبر، وكانت خيبر كما يقول الأستاذ الندوي (٢) مستعمرة يهودية، وكانوا يتآمرون مع القبائل العربية لغزو المدينة، فأراد النبي ﷺ أن يأمن من جهتهم، فخرج إليهم في شهر المحرم من السنة السابعة، وأقبل ﷺ بجيشه وكانوا ألفاً وأربعمائة، ونزل ﷺ بالرجيع بين اليهود وغطفان، ليحول بين هؤلاء وهؤلاء، فقد كانوا مظاهرين لهم، وكان ﷺ إذا غزى قوماً لم يغزهم حتى يصبح، فإذا جمع أذاناً أمسك، فبات ﷺ حتى إذا أصبح لم يسمع أذاناً، فركب وركب القوم، واستقبلوا عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وبمكاتلهم، فلما رأوا النبي ﷺ قالوا: محمد والخميس معه، فأدبروا هرباً، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، ونازل رسول الله ﷺ حصون خيبر حتى فتحها حصناً حصناً، وأتى عليٌّ ﵁ حصن القموص، فخرج مرحب ملك اليهود يرتجز فاختلفا ضربتين فبدره علي بضربة فَفَلَقَ مغفر رأسه ووقع في الأفراس، وكان الفتح، وفتحت الحصون واحداً بعد الآخر بعد قتال دام أياماً، حتى سألوا رسول الله ﷺ الصلح، فصالحهم ﷺ على أن لهم الشطر من كل زرع وثمر مقابل عملهم فيها، وخدمتهم لها، ما بدا لرسول ﷺ أن يقرهم فيها، وكان من بين المغانم التي

стр. 1569

٩٩٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أتَى خَيْبَرَ لَيْلاً، وكانَ إِذَا أَتَى قَوْماً بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِح، فَلَمَّا أصْبَحَ خَرَجَتِ الْيَهُودُ بِمَساحِيهم وَمَكَاتِلِهِمْ، فلما رَأوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدُ وَاللهِ، مُحَمَّدُ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النبي ﷺ : " خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". ــ غنمها المسلمون صحائف من التوراة فجاء اليهود يطلبونها فسلمها إليهم، وكان آخر الحصون التي افتتحها المسلمون السلالم والبطيح، ووجد المسلمون فيهما ٤٠٠ سيف و١٠٠٠ رمح و٥٠٠ فرس وبعد انتهائه ﷺ من خيبر صالحه أهل فدك، وكانوا يشكلون حكومة مستقلة في أعالي الحجاز من اليهود على نصف فدك، فقيل ذلك منهم، فكان ﷺ يقسمه حيث يرى من مصالحه ومصالح المسلمين. ٩٩٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة خيبر لم يدخلها بالليل، لأنه كان من سنته ﷺ إذا غزا قوماً لم يغزهم حتى يصبح. قال ابن إسحاق: إنه ﷺ نزل بواد يقال له الرجيع، بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم، قال أنس: " وكان ﷺ إذا أتى قوماً بليل لم يغربهم حتى يصبح " بضم الياء وكسر الغين المعجمة، أي لا يغير عليهم حتى يصبح، كما في الجهاد، وفي رواية أخرى في الأذان، فإن سمع أذاناً كفَّ عنهم، وِإلَّا أغار " فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم " أي فبات رسول الله ﷺ تلك الليلة هناك، فلما طلع الصبح صلّى صلاة الصبح عند أول طلوع الفجر، ولم يسمع أذاناً، فركب وركب القوم، ودخلوا خيبر، واستقبلوا عمالها ذاهبين إلى أعمالهم وبأيديهم مساحيهم ومكاتلهم - جمع مكتل، وهو القفة الكبيرة " فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس " أي هذا محمدٌ وجيشه قد

стр. 1570

٨٥٥ - " بَابُ غَزْوَةِ مُؤتةَ " ــ أقبل علينا يريد قتالنا " فقال النبي ﷺ : خربت خيبر " والمراد بخرابها القضاء على الدولة اليهودية فيها، وإزالة نفوذهم منها، لأن خيبر كانت مستعمرة يهودية وإنما قال ﷺ ، ذلك بطريق الوحي أو تفاؤلاً لما رآه في أيديهم من الآلات المشعرة بتقويض دولتهم وكسر شوكتهم، لأن لفظ مسحاة مأخوذ من السحو، وهو إزالة الشي " إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " أي إنّا معشر المسلمين إذا نزلنا بديار قوم لقتالهم، ومحاربتهم فبئس الصباح صباحهم، لأنه شر ووبال عليهم، فالساحة هي فناء الدار، والمراد بها هنا الدار والبلد نفسُها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: غزوه ﷺ لمدينة خيبر التي كانت مستعمرة يهودية في جزيرة العرب للقضاء على دولتهم، وكسر شوكتهم، لأنها كانت معقلاً وقاعدة حربية لهم، ولهذا كان فتحها من أعظم الفتوحات الإِسلامية، وقد كان يهود خيبر، لا سيما رؤساء بني النضير، التي أجلاها النبي ﷺ يضمرون أشد الحقد والعداوة لمحمد وأصحابه، ويحاولون بكل الوسائل حمل القبائل العربية على محاربة المسلمين، وإثارة الفتن والقلاقلِ ضد بني الإِسلام. ثانياًً: أن من سياسته ﷺ الحكيمة الموفقة أنه لا يغزو عدواً بليل حتى يصبح، ويصلي الصبح، فإن جمع أذاناً كفَّ عنهم، وإلَّا قاتلهم كما فعل ﷺ في خيبر، وذلك ليفاجىء العدوَّ، ويأخذه بغتة وعلى غير انتظار. والمطابقة: في قوله: " أتي خيبر ليلاً ". ٨٥٥ - "باب غزوة مؤتة " وموتَة بضم الميم وسكون الواو دون همز، كما أفاده القسطلاني: قرية على بعد ١٢ كم جنوب اليرموك وكانت غزوة موتة في جمادى الأولى من السنة الثامنة

стр. 1571

٩٩٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أمَّرَ النبي ﷺ فِي غَزْوَةِ مُوْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ، وِإنْ قُتل جَعْفَرٌ فعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيهِمْ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طَالِبٍ، فوَجَدْنَاهُ في الْقَتْلَى، وَوَجَدْنَا في جَسَدِهِ بِضْعَاً وتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ. ــ من الهجرة، الموافق لشهر سبتمبر سنة ٦٢٩ م. أما سببها فهو أن النبي ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب فأوثقه وضرب عنقه، فاشتد الأمر على النبي ﷺ وندب الناس للقتال. وقال: " زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض الناس رجلاً "، وعقد النبي ﷺ لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل، فلما فصل المسلمون سمع العدو فجمع لهم مائة ألف مقاتل، فلما التقى المسلمون بالمشركين أخذ زيد اللواء حتى قتل، ثم أخذه جعفر فقاتل حتى قتل، فأخذه عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، فأخذه ثابت بن الأرقم، وقال: يا معشر الناس اصطلحوا على رجل منكم فاصطلحوا على خالد، فأخذه ونظر إليهم النبي ﷺ وهو بالمدينة، فقال: الآن حمي الوطيس، أي جدت الحرب، فانحاز خالد بالجيش حتى خلصهم من أيدي الأعداء وألقى الله الرعب في قلوبهم. ٩٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " أمر النبي ﷺ في غزوة موتة زيد بن حارثة " أي عيّنه أميراً على الجيش " فقال: إن قتل زيد فجعفر " يتولى القيادة بعد استشهاده " وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة " أي فعبد الله يتولاها من بعده، فلما وقعت المعركة قتل هؤلاء الثلاثة على الترتيب المذكور، "فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى،

стр. 1572

" غَزْوَةُ الْفَتْحِ " ٨٥٦ - " بَاب أيْنَ رَكَزَ النبي ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحَ " ١٠٠٠ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: "سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فبَلَغَ ذَلِكَ قُريْشاً، خَرَجَ أبو ــ ووجدنا في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية" (١) أي وجدنا فيه أكثر من تسعين إصابة ما بين طعنة رمح، ورمية سهم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إسناده ﷺ قيادة هذا الجيش لزيد بن حارثة فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. ثانياً: أن قوله ﷺ إن قتل زيد فجعفر ... إلخ صريح في أن هؤلاء الثلاثة يكرمهم الله بالشهادة، وقد روي (٢) أن نعمان اليهودي لما جمع ذلك من النبي ﷺ قال: يا أبا القاسم، إن كنت نبياً فسميت من سميت قليلاً أو كثيراً أصيبوا جميعاً، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمي مائة أصيبوا جميعاً. والمطابقة: في قوله: " أمر النبي ﷺ في غزوة مؤتة ". الحديث: أخرجه البخاري. ٨٥٦ - " باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح " يعني أين نصب رايته يوم فتح مكة، والراية علم الجيش كما أفاده في " المصباح " وكان اسم رايته ﷺ العُقاب. ١٠٠٠ - معنى الحديث: يحدثنا عروة بن الزبير في هذا الحديث عن غزوة الفتح، فيقول: " سار رسول الله ﷺ عام الفتح " وفي رواية ابن عباس

стр. 1573

سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ وَحكِيمُ بْنُ حِزَام، وَبُدَيلُ بنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأقبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بنِيرَان كأنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأنَّهَا نيرانُ عَرَفَةَ! فَقَالَ بُدَيلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نيرَانُ بَني عَمْروٍ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ: عَمْرو أقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولَ اللهَ ﷺ فأدْرَكُوهُمْ، فأخَذُوهُمْ فأتوْا بِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فأسْلَمَ أبو سُفْيَانَ، فَلمَّا سَارَ قَالَ للْعَبَّاسِ: احْبِس أبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْل حَتَّى يَنْظُرَ إلَى الْمُسْلِمينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كَتِيبَةً كَتِيبَةً على أبِي سُفْيَانَ، فمَرَّتْ كَتِيبَة قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هذه غِفَارُ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارٍ، ثم مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْم، ــ ﵄، أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة " خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر " أي فخرج هؤلاء الثلاثة يتحسسون الأخبار، ويحاولون الاطِّلاع على حقيقة ذلك " فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة " أي فإذا هم يفاجؤن بمشاهدة نيران كثيرة، كأنها نيران عرفة في موسم الحج " فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو" أي ظنها نيران بني عمرو قبيلة من خزاعة " فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك " أي فاستبعد أبو سفيان ذلك " فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأخذوهم " أي فألقوا عليهم القبض " فأتوا بهم رسول الله ﷺ " أي فساقوهم حتى أوصلوهم إلى النبي ﷺ " فأسلم أبو سفيان " قال الحافظ: وفي رواية: فدخل بديل وحكيم على رسول الله ﷺ فأسلما، ومعنى ذلك أن هؤلاء الثلاثة أسلموا جميعاً فِي

стр. 1574

فقال مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْم، فقال مِثْلَ ذَلِكَ، حتى أقْبَلَتْ كتِيبَةٌ لم يرَ مِثْلَها، قَالَ: مَنْ هَذه؟ قَالَ هَؤُلاءِ الأنْصَارُ عَلَيْهِمُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَه الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يا أبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: يا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثم جَاءَتْ كَتيبَة، وَهِيَ أقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ــ هذا اليوم قبل دخول مكة " فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند حطم الخيل " أي في الموضع الذي تزدحم فيه الخيل لكي يستعرض الكتائب العظيمة ويطلع على قوة المسلمين وكثرة عددهم " فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ كتيبة كتيبة على أبي سفيان " وهكذا تحركت كتائب الفتح الإسلامي زاحفة نحو البلد الحرام أمام أبي سفيان، وهو يسأل عنها كتيبة كتيبة " حتى أقبلت كتيبة لم يرَ مثلها " أي لم ير أبو سفيان لها مثيلاً في الكتائب الأخرى التي سبقتها " قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار " أي هذه كتيبة الأنصار، وكانت كثيرة العدد، قوية العدة، مدججة بالسلاح، فلما رأى ما هم عليه قال: ما لأحد بهؤلاء من طاقة، " وعليهم سعد بن عبادة ومعه الراية " أي وقائدهم سعد بن عبادة ومعه راية الأنصار " فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة " أي هذا يوم مذبحة قريش الكبرى، " اليوم تستحل الكعبة " أي وهذا هو اليوم الذي يحل لنا القتال عند الكعبة، فنشفي صدورنا من قريش وننتقم منها أشد الانتقام وفي رواية اليوم أذل الله قريشاً. " فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار " أي فأثّرت هذه الكلمات التي قالها سعد بن عبادة في نفس أبي سفيان، وهيّجت مشاعره، وأثارت فيه الحمية لبلده وقومه، والحرص على الدفاع عنهم، والذود عن كرامتهم، فقال " حبذا يوم الذمار " قال الخطَّابي تمنى أبو سفيان أن تكون له يد أي قوة فيحمي قومه ويدفع عنهم، قال: "ثم

стр. 1575

- ﷺ معَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بأبِي سُفْيَانَ قَالَ: ألمْ تَعْلَمْ ما قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَاَدَةَ؟ قَالَ: ما قَالَ؟ قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، قَالَ: وأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بالْحَجُونِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلزُّبَيْرْ: يَا أبَا عَبْدِ اللهِ هَا هُنَا أمرَكَ رَسُولُ اللهِ أن تَرْكُزَ الرَّايَةَ، قَالَ: وَأمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ أن يَدْخُلَ مِنْ أعلَى مَكَّةَ من كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النبي ﷺ مِنْ كُدَىً، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ وخَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ حُبَيْشُ بْنُ الأشْعَرِ وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ ". ــ جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه " أي ومر رسول الله ﷺ في كتيبة خضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلَّا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء، قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قال: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال فنعم إذاً " فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا، فقال: كذب سعد " أي أخطأ سعد في مقالته هذه، وقال خلاف الواقع " هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة " وأعلن للناس جميعاً أنَّ فتح مكة ليس احتلالاً لها، ولا حرباً انتقامية من قريش، وإنما هو نصر لهذا البيت وإعلاء لدين الله، وما يوم الفتح إلَّا يوم تعظم فيه الكعبة، وتطهر من الشرك وعبادة الأصنام، ويعز الله فيه مكة وأهلها بالإسلام كما جاء في رواية أخرى أنه ﷺ قال: " اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله فيه قريشاً، ويعظم الله الكعبة " وأرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس. قال " وأمر النبي ﷺ أن تركز رايته بالحجون " وهو

стр. 1576

موضع بالمعلاة بالقرب من مقبرة مكة، وقد بني هناك مسجد يقال له مسجد الراية كما أفاده الحلبي في " السيرة " " وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء " بفتح الكاف، وهو عند الثنية العليا، " ودخل النبي ﷺ من كُدى " بضم الكاف والقصر، أي من عند الثنية السفلى. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ذكر بعض الأحداث التي وقعت في غزوة الفتح، وغزوة الفتح كانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة يناير ٦٣٠ م وسبب ذلك أنه بيت نفر من بني بكر خزاعة على ماء فأصابوا منهم رجالاً وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم أشراف من قريش يستخفون ليلاً، وبذلك نقضت قريش العهد الذي بينها وبين النبي ﷺ حيث حاربت حلفاءه، واعتدت عليهم، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على الرسول ﷺ ، فدخل عليه وأنشده أبياتاً ينشده فيها الحلف الذي بينهم وبينه ويخبره أن قريشاً نقضوا العهد ويسأله النصر والنجدة، فقال ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم فخير قريشاً أن يدفعوا دية قتلى خزاعة أو يبرأوا ممن نقض العهد، أو ينبذ إليهم على سواء الهدنة التي بينه وبينهم، فأجابه بعض زعمائهم، لكن ننبذ إليك على سواء، وبذلك برأت ذمته من قريش، وقامت عليهم الحجة، وقال ﷺ حين بلغه الخبر: " لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي " وأخذ ﷺ يستعد سراً للزحف على مكة وخرج لليلتين خلتا من رمضان، وخرج أبو سفيان من مكة يصحبه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، فرآهم حرس النبي ﷺ ، وألقوا عليهم القبض وأخذوهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا، وعقد النبي ﷺ الرايات بقديد، فأعطى لكل قبيلة لواءً ورايةً، وكانت راية النبي ﷺ يحملها الزبير بن العوام، وهي سوداء، أما اللواء فقد كان أبيض اللون، وأوصى رؤساء الجيمش أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ودخل ﷺ من أسفل مكة، ودخل خالد من أعلاها، ولم يلق مقاومة

стр. 1577

٨٥٧ - " بَاب قَوْلِ اللهِ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إِلَى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) " ــ تذكر إلا ما وقع لخالد حيث تصدى له جماعة من بكر وهذيل ورموه بالنبل فقاتلهم، فانهزموا، وقتل أربعة وعشرون من قريش، وأربعة من هذيل، ودخل ﷺ مكة، فطاف وسعى، واستلم الحجر، ودخل الكعبة، وقال وهو واقف على باب الكعبة: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبايع رسول الله ﷺ أهل مكة رجالاً ونساءً في الصفا، وهدم الأصنام التي كانت على الكعبة وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). ثانياً: أن فتح مكة لم يكن حرباً انتقامية وإنما كان يوماً مباركاً تعظّم فيه الكعبة، وتعز فيه قريش بالإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " وأمر رسول الله ﷺ أن تركز الراية بالحجون ". ٨٥٧ - " باب قول الله (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ... ) " أقول وبالله المستعان: الكلام على هذه الترجمة يتلخص في الحديث عن غزوة حنين، وتفسير الآية الكريمة، وحنين وادٍ في طريق الطائف من جهة عرفة على بعد بضعة عشر ميلاً من مكة، وقال في " دائرة المعارف الإسلامية ": حنين واد عميق غير منتظم، به أحراج من شجر النخيل على مسيرة يوم من مكة على طريق من الطرق الممتدة إلى الطائف، وكانت غزوة حنين في العاشر من شوّال عام ثمان من الهجرة الموافق لفبراير سنة ٦٣٠ م، وذلك أنّ هوازن لما سمعت بفتح مكة أغاظها ذلك، وأرادت أن يكون لها الفضل في استئصال شأفة الإِسلام،

стр. 1578

فقام مالك بن عوف سيد هوازن، ونادى بالحرب، واجتمع إليه ثقيف وجُشم وسعد بن بكر، وأجمع السير إلى النبي ﷺ بهذه القبائل، ومعهم أموالهم ونساؤهم وذراريهم، ليستميتوا في الدفاع عن أرضهم وعرضهم، وأمرهم أن يكسروا جفون سيوفهم وأن يشدوا شدة رجل واحد، وخرج النبي ﷺ ومعه ألفان من مكة حديثو عهد بالإِسلام، وعشرة آلاف من المدينة، فأعجب أناس بكثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، ورتب النبي ﷺ أصحابه، وقسم الألوية، فسلم علياً لواء المهاجرين، وأسد بن حضير لواء الأوس، والحباب بن المنذر لواء الخزرج، واستقل المسلمون عدد هوازن، وانتصروا عليهم أوّل الأمر، غير أنهم أكبوا على الغنائم يأخذونها، وكانت هوازن قد كمنت لهم في شعاب الجبل، فلما رأوا انشغالهم بالغنائم فاجؤهم بهجوم خاطف، فما راع المسلمين إلَّا وقد رشقوهم بالنبال، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، وكانوا مهرة في الرماية، فانهزم المسلمون، وطار في الناس - وشاع فيهم أنَّ النَّبي ﷺ قد قتل وانحسر عنه المسلمون، حتى تم ما أراده الله من تأديب المسلمين على إعجابهم بكثرتهم، عند ذلك ردّ الله لهم الكرة على الأعداء، رحمة بهم، ونصراً لدينه، وإكراماً لنبيه ﷺ وللَّذين ثبتوا معه من المؤمنين، وقد كان النبي ﷺ صامداً في موقفه على بغلته الشهباء يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب ولما استقبلته كتائبهم أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيونهم فملئت أعين القوم، وأنزل الله ملائكته لنصرة المسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة هوازن، وغنم المسلمون كثيراً، فأسروا نحو ٦٠٠٠ امرأة، و٢٤٠٠ بعير وأكثر من ٤٠٠٠٠ أربعين ألف شاة و٤٠٠٠ أوقية من الفضة. وقسم ﷺ الغنائم، فَمنَّ على السبي، وأطلق سراحهم إكراماً لوفد هوازن الذي كان فيه أبو برقان عمه ﷺ من الرضاعة. وهكذا نصر الله المسلمين بعد إدبارهم وهزيمتهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ

стр. 1579

عَنْكُمْ شَيْئًا) إلى آخر الآية الكريمة، التي يمن الله تعالى فيها على المسلمينَ، ويذكرهم بأنه قد نصرهم في وقائع كثيرة فيقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) أي في غزوات كثيرة ما كنتم تؤمّلون فيها بالظفر لقلة عددكم وعتادكم، ونصَركُمْ أيضاً في غزوة حنين الذي أعجبتكم فيها كثرتكم (١)، إذ كنتم اثني عشر ألفاً، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط فقال قائلكم: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي ﷺ ، فكانت الهزيمة لكم عقوبة على هذا الغرور، والعُجب، (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) أي فلم تكن تلك الكثرة التي غرتكم كافية لانتصاركم (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) أي واشتد عليكما الخوف (٢) حتى ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعاً تلجؤون إليه (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أي ثم وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلون على شيء، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي ثم أنزل الله تعالى من سماء عزته على قلب نبيه والمؤمنين من حوله الشعورَ بالأَمن والهدوء والطمأنينة والارتياح النفسي بعد ما عَرَض لهم من الحزن والقلق عند وقوع الهزيمة لِإخوانهم. أما رسول الله ﷺ وبعض المؤمنين الذين أحاطوا به وهم قلة لا يتجاوزون التسعة، فإنهم ثبتوا كالأَطواد الراسيات. قال الحافظ في الفتح: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: " لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولين (٣)، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل "، قال الحافظ: " وهذا أكثر ما وقفت عليه (٤)، وقال بعض المفسرين معنى قوله تعالى: (وَعَلَى

стр. 1580

١٠٠١ - عَنِ البرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ وَقَدْ سَألهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ: أفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْن؟ فقَالَ: "لَكِنَّ رسول الله ﷺ لَمْ يَفرَّ، كانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، وِإنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فأكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فاسْتُقْبِلْنَا بالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأيتُ ــ الْمُؤْمِنِينَ) أن الله أنزل السكينة على الفارين وأعاد إليهم ما زال عنهم من الصبر والثبات ورباطة الجأش، ولا سيما عندما سمعوا نداء العباس يدعوهم إلى نبيهم " (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) " أي أنزل جنوداً روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم " وعذب الذين كفروا " بالقتل والأسر والسبي " وذلك جزاء الكافرين " في الدنيا ما داموا يستحبّون الكفر على الإِيمان ويقاتلون أهله. ١٠٠١ - معنى الحديث: أن رجلاً من قيس سأل البراء بن عازب هل فرّ أصحاب النبي ﷺ يوم غزوة حنين " فقال لكن رسول الله ﷺ لم يفر " يعني أما النبي ﷺ فإنه ثبت ومعه قليل من أصحابه، قال الحافظ: تضمن جواب البراء هذا إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، " كانت هوازن رماة " أي وسبب فرار المسلمين يوم حنين وهزيمتهم أن هوازن كانوا مهرة في رماية السهام " لما حملنا عليهم " أي لما هجمنا عليهم هجوماً عنيفاً " انكشفوا " أي انهزموا هزيمة ظاهرة " فأكببنا على الغنائم " أي فأسرعنا إلى الغنائم، وفي رواية " فأقبل الناس على الغنائم " أي فأقبلوا إليها يأخذونها كما وقع في أحد " فاستُقْبلنا بالسهام " أي فلما أقبلنا على الغنائم، فاجأتنا هوازن بهجوم خاطف، وأمطرتنا بوابل من السهام حيث هجموا عليهم بالنبال فهزموهم، وكان ذلك تأديباً لهم، قال جابر: وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في جوانبه ومضايقه، فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد قال: "ولقد رأيت النبي ﷺ على
следующие страницы →