موضع بالمعلاة بالقرب من مقبرة مكة، وقد بني هناك مسجد يقال له مسجد الراية كما أفاده الحلبي في " السيرة " " وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء " بفتح الكاف، وهو عند الثنية العليا، " ودخل النبي ﷺ من كُدى " بضم الكاف والقصر، أي من عند الثنية السفلى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ذكر بعض الأحداث التي وقعت في غزوة الفتح، وغزوة الفتح كانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة يناير ٦٣٠ م وسبب ذلك أنه بيت نفر من بني بكر خزاعة على ماء فأصابوا منهم رجالاً وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم أشراف من قريش يستخفون ليلاً، وبذلك نقضت قريش العهد الذي بينها وبين النبي ﷺ حيث حاربت حلفاءه، واعتدت عليهم، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على الرسول ﷺ ، فدخل عليه وأنشده أبياتاً ينشده فيها الحلف الذي بينهم وبينه ويخبره أن قريشاً نقضوا العهد ويسأله النصر والنجدة، فقال ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم فخير قريشاً أن يدفعوا دية قتلى خزاعة أو يبرأوا ممن نقض العهد، أو ينبذ إليهم على سواء الهدنة التي بينه وبينهم، فأجابه بعض زعمائهم، لكن ننبذ إليك على سواء، وبذلك برأت ذمته من قريش، وقامت عليهم الحجة، وقال ﷺ حين بلغه الخبر: " لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي " وأخذ ﷺ يستعد سراً للزحف على مكة وخرج لليلتين خلتا من رمضان، وخرج أبو سفيان من مكة يصحبه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، فرآهم حرس النبي ﷺ ، وألقوا عليهم القبض وأخذوهم إلى رسول الله ﷺ فأسلموا، وعقد النبي ﷺ الرايات بقديد، فأعطى لكل قبيلة لواءً ورايةً، وكانت راية النبي ﷺ يحملها الزبير بن العوام، وهي سوداء، أما اللواء فقد كان أبيض اللون، وأوصى رؤساء الجيمش أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ودخل ﷺ من أسفل مكة، ودخل خالد من أعلاها، ولم يلق مقاومة
стр. 1577
٨٥٧ - " بَاب قَوْلِ اللهِ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إِلَى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) "
ــ
تذكر إلا ما وقع لخالد حيث تصدى له جماعة من بكر وهذيل ورموه بالنبل فقاتلهم، فانهزموا، وقتل أربعة وعشرون من قريش، وأربعة من هذيل، ودخل ﷺ مكة، فطاف وسعى، واستلم الحجر، ودخل الكعبة، وقال وهو واقف على باب الكعبة: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبايع رسول الله ﷺ أهل مكة رجالاً ونساءً في الصفا، وهدم الأصنام التي كانت على الكعبة وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). ثانياً: أن فتح مكة لم يكن حرباً انتقامية وإنما كان يوماً مباركاً تعظّم فيه الكعبة، وتعز فيه قريش بالإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " وأمر رسول الله ﷺ أن تركز الراية بالحجون ".
٨٥٧ - " باب قول الله (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ... ) "
أقول وبالله المستعان: الكلام على هذه الترجمة يتلخص في الحديث عن غزوة حنين، وتفسير الآية الكريمة، وحنين وادٍ في طريق الطائف من جهة عرفة على بعد بضعة عشر ميلاً من مكة، وقال في " دائرة المعارف الإسلامية ": حنين واد عميق غير منتظم، به أحراج من شجر النخيل على مسيرة يوم من مكة على طريق من الطرق الممتدة إلى الطائف، وكانت غزوة حنين في العاشر من شوّال عام ثمان من الهجرة الموافق لفبراير سنة ٦٣٠ م، وذلك أنّ هوازن لما سمعت بفتح مكة أغاظها ذلك، وأرادت أن يكون لها الفضل في استئصال شأفة الإِسلام،
стр. 1578
فقام مالك بن عوف سيد هوازن، ونادى بالحرب، واجتمع إليه ثقيف وجُشم وسعد بن بكر، وأجمع السير إلى النبي ﷺ بهذه القبائل، ومعهم أموالهم ونساؤهم وذراريهم، ليستميتوا في الدفاع عن أرضهم وعرضهم، وأمرهم أن يكسروا جفون سيوفهم وأن يشدوا شدة رجل واحد، وخرج النبي ﷺ ومعه ألفان من مكة حديثو عهد بالإِسلام، وعشرة آلاف من المدينة، فأعجب أناس بكثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، ورتب النبي ﷺ أصحابه، وقسم الألوية، فسلم علياً لواء المهاجرين، وأسد بن حضير لواء الأوس، والحباب بن المنذر لواء الخزرج، واستقل المسلمون عدد هوازن، وانتصروا عليهم أوّل الأمر، غير أنهم أكبوا على الغنائم يأخذونها، وكانت هوازن قد كمنت لهم في شعاب الجبل، فلما رأوا انشغالهم بالغنائم فاجؤهم بهجوم خاطف، فما راع المسلمين إلَّا وقد رشقوهم بالنبال، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، وكانوا مهرة في الرماية، فانهزم المسلمون، وطار في الناس - وشاع فيهم أنَّ النَّبي ﷺ قد قتل وانحسر عنه المسلمون، حتى تم ما أراده الله من تأديب المسلمين على إعجابهم بكثرتهم، عند ذلك ردّ الله لهم الكرة على الأعداء، رحمة بهم، ونصراً لدينه، وإكراماً لنبيه ﷺ وللَّذين ثبتوا معه من المؤمنين، وقد كان النبي ﷺ صامداً في موقفه على بغلته الشهباء يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
ولما استقبلته كتائبهم أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيونهم فملئت أعين القوم، وأنزل الله ملائكته لنصرة المسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة هوازن، وغنم المسلمون كثيراً، فأسروا نحو ٦٠٠٠ امرأة، و٢٤٠٠ بعير وأكثر من ٤٠٠٠٠ أربعين ألف شاة و٤٠٠٠ أوقية من الفضة. وقسم ﷺ الغنائم، فَمنَّ على السبي، وأطلق سراحهم إكراماً لوفد هوازن الذي كان فيه أبو برقان عمه ﷺ من الرضاعة. وهكذا نصر الله المسلمين بعد إدبارهم وهزيمتهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ
стр. 1579
عَنْكُمْ شَيْئًا) إلى آخر الآية الكريمة، التي يمن الله تعالى فيها على المسلمينَ، ويذكرهم بأنه قد نصرهم في وقائع كثيرة فيقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) أي في غزوات كثيرة ما كنتم تؤمّلون فيها بالظفر لقلة عددكم وعتادكم، ونصَركُمْ أيضاً في غزوة حنين الذي أعجبتكم فيها كثرتكم (١)، إذ كنتم اثني عشر ألفاً، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط فقال قائلكم: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي ﷺ ، فكانت الهزيمة لكم عقوبة على هذا الغرور، والعُجب، (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) أي فلم تكن تلك الكثرة التي غرتكم كافية لانتصاركم (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) أي واشتد عليكما الخوف (٢) حتى ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعاً تلجؤون إليه (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أي ثم وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلون على شيء، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي ثم أنزل الله تعالى من سماء عزته على قلب نبيه والمؤمنين من حوله الشعورَ بالأَمن والهدوء والطمأنينة والارتياح النفسي بعد ما عَرَض لهم من الحزن والقلق عند وقوع الهزيمة لِإخوانهم. أما رسول الله ﷺ وبعض المؤمنين الذين أحاطوا به وهم قلة لا يتجاوزون التسعة، فإنهم ثبتوا كالأَطواد الراسيات. قال الحافظ في الفتح: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: " لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولين (٣)، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل "، قال الحافظ: " وهذا أكثر ما وقفت عليه (٤)، وقال بعض المفسرين معنى قوله تعالى: (وَعَلَى
стр. 1580
١٠٠١ - عَنِ البرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ وَقَدْ سَألهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ: أفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْن؟ فقَالَ:
"لَكِنَّ رسول الله ﷺ لَمْ يَفرَّ، كانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، وِإنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فأكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فاسْتُقْبِلْنَا بالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأيتُ
ــ
الْمُؤْمِنِينَ) أن الله أنزل السكينة على الفارين وأعاد إليهم ما زال عنهم من الصبر والثبات ورباطة الجأش، ولا سيما عندما سمعوا نداء العباس يدعوهم إلى نبيهم " (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) " أي أنزل جنوداً روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم " وعذب الذين كفروا " بالقتل والأسر والسبي " وذلك جزاء الكافرين " في الدنيا ما داموا يستحبّون الكفر على الإِيمان ويقاتلون أهله.
١٠٠١ - معنى الحديث: أن رجلاً من قيس سأل البراء بن عازب هل فرّ أصحاب النبي ﷺ يوم غزوة حنين " فقال لكن رسول الله ﷺ لم يفر " يعني أما النبي ﷺ فإنه ثبت ومعه قليل من أصحابه، قال الحافظ: تضمن جواب البراء هذا إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، " كانت هوازن رماة " أي وسبب فرار المسلمين يوم حنين وهزيمتهم أن هوازن كانوا مهرة في رماية السهام " لما حملنا عليهم " أي لما هجمنا عليهم هجوماً عنيفاً " انكشفوا " أي انهزموا هزيمة ظاهرة " فأكببنا على الغنائم " أي فأسرعنا إلى الغنائم، وفي رواية " فأقبل الناس على الغنائم " أي فأقبلوا إليها يأخذونها كما وقع في أحد " فاستُقْبلنا بالسهام " أي فلما أقبلنا على الغنائم، فاجأتنا هوازن بهجوم خاطف، وأمطرتنا بوابل من السهام حيث هجموا عليهم بالنبال فهزموهم، وكان ذلك تأديباً لهم، قال جابر: وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في جوانبه ومضايقه، فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد قال: "ولقد رأيت النبي ﷺ على
стр. 1581
النَّبِي ﷺ على بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وِإنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِزَمَامِهَا وَهُو يَقُولُ: أنَا النبي لا كَذِبْ".
ــ
بغلته البيضاء" التي أهداها إليه الجذامي " وإن أبا سفيان " ابن الحارث " آخذ بزمامها " أي ممسك بزمام بغلة النبي ﷺ قال جابر: وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: إِليَّ، أيها الناس، هلم إليَّ أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، وبقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين وأهل بيته، وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيتة علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه الفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ، قال " وهو يقول " أي والنبي ﷺ يقول:
" أنا النبي لا كذب " ... أنا ابن عبد المطلب
ولم يذكر الشطر الثاني في هذه الرواية، وذكره في رواية مسلم حيث قال:
" ودعا واستنصر، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (١)
اللهم أنزل نصرك.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن حب الدنيا كان دائماً، وفي جميع الظروف والأحوال هو رأس كل خطيئة، وسبب كل هزيمة، فإن المسلمين انهزموا في أحد وفي حنين بسبب إسراعهم إلى الغنائم وانكبابهم عليها، كما قال البراء. " لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببْنا على الغناثم فاسْتُقْبلنا بالسهام " فكانت الهزيمة لنا، ودارت الدوائر علينا، وهناك أيضاً سبب آخَر لهزيمتهم يوم حنين، وهو إعجابهم وغرورهم بكثرتهم كما قال تعالى: (وَيَوْمَ
стр. 1582
٨٥٨ - " بَابُ وَفْدِ بَني حَنِيفَةَ وَحَديثِ ثُمَامَةَ بْنِ أثالٍ "
١٠٠٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
بَعَثَ النبي ﷺ -خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُل مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيةٍ مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النبي ﷺ فَقَالَ: " ما عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " قَالَ: عِنْدِي خَيْر يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وِإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شاكِرٍ، وإِنْ كُنْتَ ترِيدُ الْمَالَ
ــ
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا). ثانياًً: أن قوله ﷺ " أنا النبي لا كذب " لا يقتضي كونه شاعراً، لأنّه خرج منه هكذا موزوناً ولم يقصد به الشعر، أو أنه لغيره وتمثل به، وإنه كان:
أنت النبي لا كذب ... أنت ابن عبد المطلب (١)
والمطابقة: في قوله ﷺ : " لكن رسول الله ﷺ لم يفرَّ " الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨٥٨ - " باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (٢) "
١٠٠٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان قد أرسل فرساناً إلى نجد بقيادة محمد بن مسلمة في العاشر من محرم سنة ست من الهجرة ليقاتلوا أحياء بني بكر الذين منهم بنو حنيفة، فأغاروا عليهم، وهزموهم، وأسروا ثمامة بن أثال وأتوا به إلى المدينة، وربطوه إلى سارية من سواري المسجد النبوي، فقال له النبي ﷺ : ما عندك: أي ماذا تظن أني فاعل بك " قال: عندي خير " أي لا أظن بك، ولا أؤمل منك إلا الخير، مهما فعلت معي "إن تقتل تقتل
стр. 1583
فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَى كَانَ بَعْدَ الغَدِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: أطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فانْطَلَقَ إلى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فاغْتَسَلَ، ثُمَّ دخَلَ الْمَسْجِدَ فقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اْللهُ، وَأشْهَدُ أن مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ ما كَانَ عَلَى الأرْضِ، وَجْهٌ أبغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أصبَحَ وَجْهُكَ أحَبَّ الْوُجُوهِ إلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِين أبغَضَ إِليَّ مِنْ دِينكَ، فأصْبَحَ دِينُكَ أحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أبغَضَ إِلَيَّ
ــ
ذا دم" أي إن تقتلني فذلك عدل منك، ولم تعاملني إلَّا بما أستحق، لأني مطلوب بدم، فإن قتلتني قتلتني قصاصاً، ولم تظلمني أبداً " وإن تُنْعِمْ تنعم على شاكر " أي وإن تحسن إليَّ بالعفو عني فالعفو من شيم الكرام، ولن يضيع معروفك عندي، لأنك أنعمت على كريم يحفظ الجميل، ولا ينسى المعروف أبداً " وإن كنت تريد المال " يعني وإن كنت تريد أن افتدي نفسي بالمال " فسل منه ما شئت " ولك ما طلبت " فتركه حتى كان من الغد، قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك " يعني فتركه مربوطاً إلى السارية حتى كان اليوم الثاني فأعاد عليه سؤاله الأوّل، وأجابه ثمامة بنفس الجواب الأوّل، ثم تركه اليوم الثالث، وأعاد عليه النبي ﷺ السؤال، وأجابه ثمامة بالجواب نفسه " فقال: أطلقوا ثمامة " أي فكوه من رباطه " فانطلق إلى نجل قريب من المسجد " أي فذهب إلى ماء قريب من المسجد " فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إِله إِلَّا الله " أي وأعلن إسلامه ونطق بالشهادتين، ثم قال: " والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إلي من وجهك " أي ثم عبّر ﵁ عن
стр. 1584
مِنْ بَلَدِكَ، فَأصْبَحَ بَلَدُكَ أحبَّ الْبِلادِ إِلَيَّ، وإن خَيْلَكَ أخَذَتْنِي، وَأنَا أرِيدُ الْعُمْرَةَ، فماذا تَرَى؟ فبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأمَرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ، فلمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِل: صَبَوْتَ، قَالَ: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ولا وَاللهِ لا يَأتِيَكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
شعوره نحو النبي ﷺ ، ونحو دينه الحنيف، ونحو بلده الحبيب المدينة المنورة، فقال: ما كان هناك وجه أكرهه مثل وجهك " فقد أصبح وجهك " أي فلما أسلمت أصبح وجهك " أحب الوجوه إليَّ " حيث تحول البغض والكراهية إلى محبة شديدة لا تعدلها أي محبة أخرى " والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ " وهكذا عاطفة الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب " والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ " لأن محبتي لك دفعتني إلى مزيد الحب لبلادك، وقد قال الشاعر:
دَارُ الحَبِيْبِ أحقُّ أن تهْوَاهَا ... وَتَحِنُّ مِنْ طَرَب إلَى ذِكْرَاهَا
ثم قال: " وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى " أي فهل تأذن لي في العمرة " فبشره " بغفران ذنوبه كلها، وبخيري الدنيا والآخرة " وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت " أي خرجت من دين إلى دين " قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله " أي ولكني تركت الدين الباطلَ ودخلت في دين الحق. " ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن بها رسول الله " أي حتى يأذن رسول الله في إرسالها إليكم، فانصرف إلى اليمامة، وكانت ريف مكة، فمنع الحنطة عنهم حتى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، ففعل ﷺ .
стр. 1585
١٠٠٣ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
قَدِمَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: إنْ جَعَلَ لي مُحَمَّد الأمْرَ مِنْ بَعْد تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا في بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فأقْبَلَ
ــ
والمطابقة: في كون الحديث عن ثمامة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ذكاء " ثمامة " ورجاحة عقله، وفصاحته وبلاغته العظيمة، التي تجلت في جوابه الحاضر، وسرعة بديهته، فإن ثمامة في جوابه الشافي الكافي قد أحاط بالموضوع من أطرافه، وأجاب عن كل ما يتوقع السؤال عنه في كلمات قصيرة، حيث وصف النبي ﷺ بالعدل إذا حكم، وأمل فيه العفو والكرم، ووعده بحفظ الجميل، وصدق الوفاء، واستعد لمفاداة نفسه بالمال، إن طلب منه الفداء، فأعجب النبي ﷺ بحسن جوابه، واستدل به على فضله ونبله، فأنعم عليه بإطلاق سراحه دون فداء، مكافأة له على حسن جوابه. ثانياً: فائدة العفو عند المقدرة، فهو أقرب طريق إلى قلوب الرجال. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
١٠٠٣ - معنى الحديث: أنه لما فتحت مكة وأسلمت ثقيف، وسقط أكبر حصن من حصون المقاومة أمام دين الله بدأ رسول الله ﷺ يكتبُ إلى الملوك والأمراء، ورؤساء القبائل يدعوهم إلى الإسلام، وكانت السنة التاسعة من الهجرة حافلة بقدوم الوفود على رسول الله ﷺ حتى سميت عام الوفود، وكان من هذه الوفود التي قدمت إلى المدينة وفد بني حنيفة، ومعهم مسيلمة الكذاب، هو معنى قوله " قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته " أي إن جعل لي الخلافة من بعده دخلت في دينه كما أفاده الحافظ " وقدمها في بشر كثير من قومه " بني حنيفة، وكان عددهم سبعة عشر رجلاً كما قال الواقدي " فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس " خطيب رسول الله ﷺ ، وكان في يده ﷺ -
стр. 1586
إِلَيْهِ رَسول اللهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِث بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس، وَفي يَدِ رَسولِ اللهِ ﷺ قَطْعَة جَرِيدٍ حتى وقَفَ علَى مسَيْلَمَةَ في أصْحَابِهِ فَقَالَ: لَوْ سَألتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ ما أعْطَيْتكَهَا، ولنْ تَعْدُوَ أمْرَ اللهِ فِيكَ، ولَئِنْ أدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وَإنِّي لأرَاكَ الذِي أرِيت فيهِ مَا رَأيْت، وهَذَا ثَابِت يُجِيْبكَ عَنِّي، ثمَّ انْصَرَفَ عَنْه.
ــ
قطعة من الجريد كما في الحديث " فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها " أي فلما قابله النبي ﷺ طلب منه أن يشركه في النبوة كما أفاده القسطلاني، فقال: لو سألتني هذه الجريدة لما أعطيتك إياها فضلاً عن النبوة " ولن تعدو أمر الله فيك " أي لن تخرج عن حكم الله فيك أنك كذاب ومقتول " ولئن أدبرت ليعقرنك الله " أي ولئن خرجت عن الطاعة، وفارقت الجماعة ليهلكنك الله " وإني لأراك الذي أريت فيه " أي وأعتقد أنك الشخص الذي رأيت فيه في منامي ما رأيت، وذلك أنه رأى ﷺ في منامه سوارين من ذهب، فقال له جبريل: انفخهما فنفخهما، فطارَا، فأولهما كذابين يخرجان بعده أحدهما مسيلمة، والآخر العنسي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان قصة قدوم مسيلمة الكذاب إلى المدينة في جماعة من قومه في السنة التاسعة من الهجرة فكلم النبي ﷺ أن يشركه في النبوة، فقال له ﷺ : لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك، فرجع عدو الله إلى اليمامة، وتنبأ، ثم جعل يسجع السجعات، وظاهر حديث البخاري أنه لم يسلم أصلاً إلَّا أن المؤرخين يذكرون أنه أسلم عند التقائه بالنبي ﷺ في المدينة، ثم ارتد بعد عودته إلى اليمامة كما في زاد المعاد نقلاً عن ابن إسحاق. ثانياًً: قال ابن القيم: في هذه القصة أن للإِمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار، وتوكيل العالم بعض أصحابه
стр. 1587
٨٥٩ - " قِصَّةُ أهْلِ نجْرَانَ "
ــ
أن يتكلم عنه. ثالثاً: قال الحافظ في " الفتح " يؤخذ منه أن السوار وسائر أنواع الحلي تعبر للرجال بما يسوءهم، قال ابن القيم: " ومن ها هنا دل لباس الحلي للرجل على نكد يلحقه وهمّ يناله ". قال أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المقدسي المعروف بالشهاب العابر: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالاً، فقلت له تخلخل رجلك بألم، فكان كذلك، وقال لي آخر رأيت كأن في أنفي حلقة ذهب، وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رعاف شديد فجرى كذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون مسيلمة الكذاب إنما قدم في وفدٍ من بني حنيفة كما أفاده.
٨٥٩ - " قصة أهل نجران "
أي قصة قدوم وفد نجران إلى النبي ﷺ بالمدينة في السنة التاسعة من الهجرة، وذلك أن نصارى نجران لما كتب رسول الله ﷺ إليهم كتاباً يدعوهم إلى الإسلام بعثوا وفداً إلى رسول الله ﷺ مكوناً من ستين رجلاً منهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم ثلاثة يؤول إليهم أمرهم، وهم العاقب أمير القوم، والسيد مستشارهم، وأبو حارثة أسقفهم، فقال النبي ﷺ للحبرين " أسلما: قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما، قالا: بل قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإِسلام ادّعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالوا: فمن أبوه يا محمد، فصمت رسول الله، فلم يجبهما حتى أنزل الله تعالى عليه صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي ﷺ لمناقشتهم، فقاله لهم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلَّا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قال: فهل يملك
стр. 1588
عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلَّا ما علمه الله، قالوا: لا، قال: فإن الله صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء، فهل تعلمون ذلك، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذّي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم في يشرب ويُحْدث، قالوا: بلى، قال: وكيف يكون هذا؟ فسكتوا، وعجزوا عن الجواب، فلما لم تنفع معهم الحجة والبرهان، وأبوا أن يقروا، أمر الله تعالى نبيه بمباهلتهم، وأنزل عليه قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فدعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة. قال ابن كثير: " فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة فقال شرحبيل لصاحبه: لئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً، فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك، فقال: وما هو؟ فقال: نحكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمت بيننا فهو جائز " ا. هـ. فصالحهم ﷺ على أن يدفعوا له ألف حلة في رجب وألف حلة في صفر، مع كل حلة أوقية، وعليهم إعارة ثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً لمن يقاتلون من المسلمين في أرض اليمن، وكتب لهم أن تكون لهم الحرية في ملتهم.
стр. 1589
١٠٠٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:
جَاءَ الْعَاقِبُ، والسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدَانِ أنْ يُلاعِنَاهُ، قالَ: فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيَّاً فلاعَننَا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالا: إنَّا نُعْطِكَ مَا سَأَلتَنَا، وابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً أمِيناً ولا تَبْعَثْ مَعَنَا إلَّا أمِيناً، فَقَالَ: "لأبعَثَنَّ مَعَكُمْ
ــ
١٠٠٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل نجران كتاباً قال فيه: " من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام " فقدم إليه وفد من أشرافهم منهم " العاقب " أميرهم و" السيد " مستشارهم فسألهم وسألوه عن عيسى، فأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي ﷺ بعد نزول هذه الآيات لمناقشتهم، وأقام عليهم الحجة والدليل القاطع على أن عيسى ليس إلهاً ولا ابناً لله تعالى كما يزعمون، ولكنه عبد الله ورسوله (١)، فلما أصرّوا على عقيدتهم أمره الله تعالى بمباهلتهم، ومعنى " المباهلة " أن يجتمع الطرفان رجالاً ونساءً وأطفالاً ويبتهلا إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، ولذلك عبّر عنها في الحديث بالملاعنة حيث قال " يريدان أن يلاعناه " أي يلاعنا النبي ﷺ حين طلب منهم ذلك، فقال أحدهما لصاحبه وهو العاقب: لا تفعل، والله لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، وما لاعن قوم نبياً قط فيبقى كبيرهم أو ينبت صغيرهم، " لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا " أي نهلك نحن وأبناؤنا و" قالا: إنا نعطيك ما سألتنا " أي نعطيك
стр. 1590
رَجُلاً أمِيناً حَقَّ أمِين، فاسْتَشْرَفَ لَهُ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَال: " قم يَا أبَا عُبَيدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ " فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَذَا أمِينُ هَذ الأمَّةِ ".
ــ
ما تطلبه منا " وابعث معنا رجلاً أميناً " قال ابن كثير (١): فأتوا النبي ﷺ فقالوا: قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا فقال رسول الله ﷺ : " ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين " فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ " أي فتطلع لهذا المنصب أصحاب النبي ﷺ لا رغبة في الإمارة، ولكن حرصاً على هذه الصفة الكريمة صفة الأمانة " فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة " فوصفه بهذه الصفة الكريمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: عزم النبي ﷺ وتصميمه على مباهلة وفد نجران تنفيذاً لأمر الله تعالى في قوله (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، أما نصارى نجران فإنهم أحجموا وَوَجَمُوا عن المباهلة خشية أن يصابوْا بسوء، قال الإمام محمد عبده (٢): وهذا الطلب -أي طلب النبي ﷺ المباهلة- يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب على امترائهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين. ثانياً: أن في الحديث منقبة عظيمة لأبي عبيدة ﵁ حيث وصفه بأنه أمين هذه الأمة، وتلك صفة عظيمهَ أشرأبت لها أعناق كبار الصحابة. ثالثاً: جواز صلح أهل
стр. 1591
٨٦٠ - " بَابُ حِجَّةِ الْوَدَاعَ "
١٠٠٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵁:
أنَّ النبي ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَأنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً، لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ.
ــ
الكتاب -كما قال ابن القيم (١) - على ما يريد الإمام من الأموال والثياب وغيرها، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزيّة عليهم. رابعاً: أن للإِمام أن يبعث الرجل العالم إلى أرض الهدنة في مصلحة الإِسلام، وأنه ينبغي أن يكون أميناً، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مراده مجرد مرضاة الله تعالى ورسوله. اهـ. كما أفاده ابن القيم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على قصة أهل نجران مع النبي ﷺ كما ترجم له البخاري.
٨٦٠ - " باب حجة الوداع "
١٠٠٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ حضر بنفسه تسع عشرة معركة إسلامية تسمى كل واحدة منها غزوة، لأن النبي ﷺ حضرها بنفسه، وكل معركة يحضرها بنفسه تسمى " غزوة " وجمعها غزوات. قال: " وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة " يعني وأنه ﷺ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلَّا حجة واحدة " لم يحج بعدها " أي لم يحج بعدها حجة أخرى غيرها " حجة الوداع " بالنصب على أنه بدل من حجة واحدة، ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ، والتقدير هي حجة الوداع. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ لم يحج بعد هجرته ﷺ سوى حجة واحدة، هي حجة الوداع، فهي حجته الوحيدة
стр. 1592
بعد الهجرة (١)، وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة الموافق لشهر مارس سنة ٦٣٢ م، فما كاد ﷺ يعلن عن حجه حتى قدم مَنْ حول المدينة، وخرج ﷺ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فوافاه في الطريق بشر كثير، فكانوا بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله مد البصر حتى زاد عددهم عن مائة ألف، وخرج ﷺ يوم السبت بعد أن صلّى الظهر بالمدينة أربعاً، وسار إلى ذي الحليفة، فأحرم منها قارناً ملبياً، ثم نزل بذي طوى، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل، ودخل مكة نهاراً من أعلاها، ووصل المسجد ضحى، وعمد إلى البيت، وحاذى الحجر الأسود، واستلمه ولم يزاحم عليه، وجعل البيت عن يساره، ورمل في الثلاثة الأشواط الأولى واضطبع بردائه فجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن (٢) وطرفيه على كتفه الأيسر، وكان كلما حاذى الحجر أشار إليه واستلمه بمحجنه، فلما فرغ من طوافه، وقف خلف المقام، وقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلّى ركعتين، ثم أقبل على الحجر فاستلمه ثم خرج إلى الصفا، فسعى بين الصفا والمروة سبعاً، وأقام بمكة أربعة أيام من الأحد إلى الأربعاء، فلما كان يوم الخميس توجه إلى منى فنزل بها، وصلّى الظهر والعصر، وبات بها، وكانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار إلى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل حتى زالت الشمس، فرحل على ناقته القصواء حتى أَتى بطن عرنة، فخطب الناس على راحلته، ثم أمر بلالاً فأذن، وأقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين ثم أقام فصلى العصر ركعتين، فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف،
стр. 1593
وأخذ في الدعاء والابتهال، وللحاج أن يدعو بما تيسر، ولا بأس أن يقول: " اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني (١) وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفي عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقرُّ بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً " وهناك أنزلت عليه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فلما غربت الشمس أفاض من عرفة إلى مزدلفة، وهو يقول: " أيها الناس عليكم بالسكينة " ولم يقطع التلبية حتى أَتى المزدلفة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، فصلى المغرب، قيل: حط الرحال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء، ثم نام حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم سار من مزدلفة عند الإسفار حتى أَتى منى، فرمى جمرة العقبة راكباً بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية، ثم رجع إلى منى، فخطب في الناس خطبة بليغة أعلن فيها وجوب المحافظة على حقوق الإِنسان، حيث قال فيها: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا .. إلخ ثم نحر ﷺ ثلاثاً وستين بدنة بيده، وأمر علياً أن ينحر الباقي من المائة، ثم استدعى الحلاق، فحلق شعره، ثم أفاض إلى مكة راكباً، وطاف طواف الإِفاضة، ثم أتى زمزم، فشرب منه وهو قائم، ثم رجع إلى منى من يومه، فقضى فيها ثلاثة أيام يرمي الجمرات الثلاث كل يوم عند الزوال حتى أكمل أيام التشريق الثلاثة، فنهض إلى مكة، فطاف طواف الوداع من الليل سحراً، وأمر الناس بالرحيل والتوجه إلى المدينة (١). والله أعلم. ثانياً: أن عدد غزواته ﷺ تسع عشرة غزوة. والمطابقة: في قوله: " وإنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، حجة الوادع ".
стр. 1594
منار القاري
شرح مختصر
صحيح البخاري
تأليف حمزة محمد قاسم
راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
عني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون
الجزء الخامس
مكتبة دار البيان
ص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥
دمشق - الجمهورية العربية السورية
مكتبة المؤيد
ص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١
الطائف - المملكة العربية السعودية
стр. 1595
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
بيروت
١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
стр. 1596
٨٦١ - " بَابُ غَزْوَةِ تبوك وهي غَزْوةُ العُسْرَةِ "
١٠٠٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص ﵁:
"أن رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إلى تَبُوكَ واسْتَخْلَفَ عَلِيَّاً ﵁،
ــ
وأخيراً ختم المصنف رحمه الله تعالى الغزوات بغزوة تبوك، لأنها آخر الغزوات الإِسلامية الكبرى فقال:
٨٦١ - " باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة "
١٠٠٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ خرج إلى تبوك وحضرها بنفسه، كما يحضر المعارك الإسلامية الكبرى، ولذلك سميت غزوة كما هو معروف عند أصحاب السير والتاريخ. وقد وقعت غزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة، الموافق لشهر سبتمبر سنة ٦٣٠ م (١) حيث يشتد الصيف، وتقوى الحرارة، ويلتهب الجو، وتتوقد أشعة الشمس، وحيث يقل الزاد، وتشح المؤونة، ولا يبقى من التمور إلا النزر (٢) اليسير، واستقبل النبي ﷺ سفراً بعيداً، ومفازاً وعدداً كثيراً، فكانت غزوة تبوك عسيرة حقاً في زمنها، وفي عدم توفر المؤونة الكافية، وقلة الماء، حتى أنهم كانوا ينحرون البعير ليعتصروا فَرثه يبلّون به ألسنتهم، وكان الركاب قليلاً حتى أن العشرة يتعاقبون على بعير واحد، ولكن لا بد مما ليس منه بد، فقد وصلت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن الروم تهيؤوا لغزو حدود العرب الشمالية، وأجْلَبَتْ معها غسان وغيرها من متنصرة العرب، حتى وصلت مقدمتهم إلى البلقاء، فاهتم رسول الله ﷺ بالأمر، وأعلن الجهاد، وجدّ في السفر، وحضّ أهل الغنى على النفقة في سبيل الله فبادر عثمان بالإِجابة وجهز جيش العسرة، وأنفق ألف دينار، قال ابن
стр. 1597
فَقَالَ: أتُخَلِّفُنِي في الصِّبْيَانِ والنِّسَاءِ؟ فَقَالَ: ألا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أنَّهُ لَيْسَ نَبِيّ بَعْدِي ".
ــ
إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قلّ ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد المشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو، ليتأهب الناس لذلك أهبته، وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفاً، وهو أكبر جيش خرج به رسول الله ﷺ في غزوة، وكان الجيش منظّماً مرتباً موزّع الألوية والرايات، ولما انتهى النبي ﷺ إلى تبوك بلغه خبر انسحاب الروم، ولم يقابل الروم هذا الزحف بزحف مقابل، وبتحركات عسكرية مضادة، بل كان هناك انسحاب مقابل هذا التحدي السافر، وصاروا يحسبون لهذه القوة الناشئة حساباً لم يحسبوه من قبل، وقد روى لنا سَعْدٌ في هذا الحديث " أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك " وذلك في شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة كما ذكرنا وتقع تبوك في شمال الحجاز، على بعد ٧٠٠ كم من المدينة " واستخلف عليَّاً ﵁ " أي تركه في المدينة ليكون نائباً عنه في الإِشراف على أهله ونسائه والقيام عليهن " فقال أتخلفني في الصبيان والنساء " أي أتتركني في المدينة مع النساء والصبية، ولا أخرج معكم إلى الجهاد، ولا أشارككم في القتال؟! " فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " أي أما ترضى أن تكون خليفة عني في سفري هذا، بمنزلة استخلاف موسى أخاه هارون على بنى إسرائيل حين توجه إلى الطور. اهـ. كما أفاده العيني.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ذكر غزوة تبوك، وخروج النبي ﷺ فيها لغزو الروم، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أن علي بن أبي طالب ﵁ أبَتْ عليه شجاعته وبطولته وإقدامه أن يبقى في المدينة بعيداً عن مواطن الجهاد والاستشهاد فقال: أتخلفني في الصبيان
стр. 1598
٨٦٢ - " حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَقَوْلُ اللهِ (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)
١٠٠٧ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
لَمْ أتخَلَّفْ عَنْ رَسُول الله ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْر، وَلَمْ يُعَاتِبْ أحَداً تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْش، حتى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وبيْنَ
ــ
والنساء. ثالثاً: استدل الشيعة بهذا الحديث على أن الخلافة لعلي ﵁، واعتبروه نصاً صريحاً على خلافته، قال القسطلاني: ولا متمسك لهم فيه، لأنه ﷺ إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لأنّه توفي قبل موسى بنحو أربعين سنة.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك "
٨٦٢ - " حديث كعب بن مالك ﵁، وقول الله : (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) "
١٠٠٧ - معنى الحديث: أن كعب بن مالك يقصّ علينا قصة تغيبه عن غزوة تبوك، فيمهد لذلك بقوله " لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش " أي أنه ﵁ لم يكن من عادته التخلف عن الجهاد، فهو ﵁ قد حضر جميع غزوات الرسول، ولم يتغيب عن غزوة منها عدا غزوة بدر، ولا يعد من غاب عنها متخلفاً، لأن النبي ﷺ عندما خرج من المدينة لم يخرج لقتال، وإنما خرج ليتصدّى لقافلة
стр. 1599
عَدُوِّهِمْ على غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا على الإسْلامِ، وما أحبُّ أنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وِإنْ كَانَتْ بَدْر أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا، كانَ مِنْ خَبَرِي أني لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ حينَ تَخَلفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، والله مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتانِ قَط حَتى جَمَعْتُهمَا في تِلك الْغَزْوَةِ، ولمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إلا وَرى بِغَيْرِهَا حتى كَانَتْ، تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللهَ ﷺ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً وعَدُوَّاً كَثِيراً، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ، لِيَتَأهَّبُوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كثِيرٌ، ولا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ
ــ
قريش التجارية ويستولي عليها لمصلحة المسلمين، ولكن رسول الله ﷺ أراد العير، واختار الله له النفير فكان القتال، ولذلك لم يعاتب ﷺ أحداً غاب عن بدر، ثم ذكر أنه إذا كان قد غاب عن غزوة بدر، فإن الله قد عوضه عنها بحضور بيعة العقبة التي كان يعتز بها كثيراً، قال كعب " وما أحب أن لي بها مشهد بدر " أي ولو خيرت بين حضورها أو حضور غزوة بدر لاخترتها، وفضلتها عليها " وإن كانت بدر أذكر في الناس " أي وإن كانت بدر أشهر منها عند غيرى من الناس " وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني " أي لم أكن في حياتي كلها أقوى جسماً، ولا أحسن صحة، ولا أيسر حالاً، مني في هذا الوقت الذي كانت فيه غزوة تبوك، " ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلَّا ورّى بغيرها " أي إلا أظهر للناس أنه يريد جهة أخرى حرصاً على الكتمان " حتى كانت تلك الغزوة " أي حتى حدثت تلك الغزوة، فلم يخفها، لأنها كانت " في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً " أي وعلم
стр. 1600
الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللهِ، وغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةِ حينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظلالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُول اللهِ المسلمُونَ مَعَهُ، فَطفِقْتُ أغدُو لِكَيْ أتجَهَّزَ مَعَهُمْ فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شَيْئَاً، فَأقولُ في نَفْسِي أَنا قَادِر عَلَيْهِ، فَلم يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقض مِنْ جِهَازِي شَيْئَاً، فَقُلْتُ: أتجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْم أوْ يَوْمَيْنِ، ثم ألحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لأتَجَهَّزَ،
ــ
أنه سيسير بالمسلمين في فلاة وأراض قاحلة ليس فيها قطرة ماء، حتى إن من يسير فيها يعرّض نفسه للهلاك من شدة العطش " وعدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم " أي فبيّن ﷺ لهم أنه يريد غزو الروم " ليتأهبوا أهبة غزوهم " بضم الهمزة وسكون الهاء أي ليأخذوا معهم ما يحتاجون إليه في تلك الغزوة الصعبة من سلاح وعتاد " والمسلمون رسول الله ﷺ كثير " يبلغ عددهم ثلاثين ألفاً " ولا يجمعهم كتاب حافظ " أي لم تقيد أسماؤهم في سجل حتى يعرف الحاضر من الغائب " فما رجل يريد أن يتغيّب إلَّا ظن أن سيخفى له " أي إلَّا اعتقد أنه لا يظهر غيابه وأنه سيخفى عن النبي ﷺ " ما لم ينزل فيه وحي الله " فيكشفه ويفضحه أمام رسول الله ﷺ " وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار " أي نضجت الثمار، وحان اجتناؤها " والظلال " أي ورغب الناس في الجلوس تحت الأشجار يستظلون من وهج الشمس " وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت للغزو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً " أي فبدأت أذهب كل صباح إلى سوق المدينة لكي أشتري ما أحتاج إليه في هذه الغزوة من عتاد وزاد، ولكنني أعود إلى بيتي وأنا لم أحضر معي شيئاً أغزو " فأقول في نفسي أنما قادر عليه " أي فأقول لنفسى محاولاً إقناعها
стр. 1601
فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئاً، ثمَّ غَدَوْتُ، ثمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرُ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْد خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهم أحْزَنَنِي أنَّنِي لا أرى إِلَّا رَجُلاً مَغمُوضاً عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أو رَجُلاً مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حتى بَلَغَ تَبُوكَ، فقالَ وهُوَ جَالِسٌ في الْقَوْمِ بِتَبُوكٍ:
ــ
إذا كنت لم أخرج اليوم فإنَّ في إمكان الخروج غداً " فلم يزل يتمادى بي " أي فلم يزل هذا الحال مستمراً بي " حتى اشتد بالناس الجِدُّ " حتى ضاعف الناس من جدهم واجتهادهم في التهيؤ والاستعداد لهذه المعركة، ولا زلت أنا كما كنت لم أفعل شيئاً " فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه " أي أصبحوا وقد جهزوا أنفسهم " ولم أقض من جهازي، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين " أي فلجأت إلى التسويف، وصرت أمنّي نفسي، وأحاول إقناعها بأن الفرصة لا زالت مواتية لم تفت بعد، وإن ما لم أفعله اليوم أفعله غداً، والأيام تمر، والوقت يجري " فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز " أي فخرجت إلى السوق بعد أن خرج محمد ﷺ وأصحابه من المدينة لأتجهز " ولم أقض شيئاً " أي ولم أفعل شيئاً " ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئاً، ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط القوم " أي ثم صرت أذهب كل يوم صباحاً إلى السوق لأجهز نفسي فأعود إلى بيتي وأنا لم أصنع شيئاً حتى انتهت غزوة تبوك، وأسرع الناس بالرجوع إلى المدينة " فهممت أن أرحل وأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك " أي ولكن لم يرد الله تعالى في الخروج " فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم " أي فكنت إذا مررت بالناس بعد خروج النبي ﷺ من المدينة وتجولت بينهم " لا أرى إلا رجلاً مغموضاً عليه النفاق " أي
стр. 1602
" ما فَعَلَ كَعْبُ؟ " فَقَالَ رَجُلْ مِنْ بَنِي سَلِمةَ: يا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظرهُ في عِطْفَيْهِ، فقالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَل: بِئْسَمَا قُلْتَ: واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيراً، فَسَكتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فلما بَلَغَنِي أنَّهُ تَوَجَهَ قَافِلاً حَضَرَنِي هَمِّي، فَطَفِقْتُ أتذَكَّرُ الْكَذِبَ، وأقولُ: بماذَا أخرُجُ من سَخَطِهِ غَداً، واسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأيٍ مِنْ أهْلِي، فلمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أظَلَّ قَادِماً زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أنَّي لَنْ أخرُجَ مِنْهُ أبداً بِشَيءٍ فِيه كَذِب، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأصبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَادِماً، وكانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأ بالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثم جَلَسَ لِلنَاسِ، فلمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ
ــ
لا أرى إلَّا رجلاً متهماً في دينه " أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء " يعنى أو رجلاً معذوراً شرعاً لمرض بدني أو عجز جسمي كالأعمى والمقعد والمريض ونحوهم " ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك " أي ولم يتذكرني النبي ﷺ ولم أخطر بباله ولم يتحدث عني حتى وصل إلى تبوك " فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب " يعني أي شيء فعل كعب ولماذا تأخر عنا " فقال رجل من بني سلمة " وهو عبد الله بن أنس، قال الحافظ، وهو غير الجهني الصحابي المشهور: " حبسه برداه " تثنية بُرْد وهو ثوب مخطط، ويجمع على أبرَاد وأبرد وبُرُد " ونظره في عطفيه " تثنية عِطف وهو الجانب، وكنى بالجملتين عن إعجابه بلباسه، وإعجابه بنفسه " فقال معاذ: بئسما قلت " أي ما أقبح هذا القول الذي نطقت به، فإنك قد اغتبت الرجل في مجلس النبي ﷺ " فلما بلغني أنه توجه قافلاً " أي فلما وصلتني الأخبار عن توجهه من تبوك عائداً إلى المدينة " حضرني همّي " أي بَدَأتِ الأفْكار والهموم تسيطر على نفسي
стр. 1603
الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَة وثمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلانِيتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرائِرَهُمْ إلى اللهِ تَعَالى، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَيْهِ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثم قَالَ: " تَعَالَ " فجِئْتُ أمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: " مَا خَلَّفَكَ ألمْ تَكُنْ قَد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ "، فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللهِ يا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنيا لَرَأيْتُ أنْ سَأخرُجَ
ــ
" فطفقت أتذكر الكذب " أي فخطر في بالي أن أعتذر إليه بعذر كاذب " وأقول في نفسي بماذا أخرج من سخطه غداً " وفي رواية ابن أبي شيبة: وطفقت أعد العذر لرسول الله ﷺ إذا جاء وأهيىء الكلام " واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهْلي " أي وصرت أستشير كل صاحب رأي سديد من أقاربي مستعيناً برأيه " فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظَلَّ قَادماً " يعني قد دنا قدومه من المدينة " زاح عني الباطل " أي زالت من رأسي جميع الأفكار السيئة " وعرفت أني لن أخرج منه أبداً " أي لن أتخلص وأنجو حقيقة " بشيء فيه كذب " لأن حبل الكذب قصير " فأجمعت صدف " لأن النجاة في الصدق " وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس " أي لاستقبالهم والحديث معهم وإرشادهم وتعليمهم، والحكم بينهم " فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون، فطفقوا يعتذرون " بالأعذار الكاذبة " ويحلفون له " الأيمان الباطلة " وكانوا بضعة وثمانين رجلاً " والبضع على المشهور ما بين ثلاث إلى تسع " فقبل منهم علانيتهم " أي قبل منهم ظاهر أمرهم " ووكل سرائرهم إلى الله تعالى " أي ترك الحكم على ما أضمروه وأخفوه في نفوسهم إلى الله تعالى يحكم فيهم بما يشاء " فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسّم المغضب " أي تبسم لي ولكن آثار الغضب بادية على وجهه، لأنه ﷺ لا يقابل إنساناً بما يكره "ثم
стр. 1604
مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أعْطِيتُ جَدَلاً، ولكنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، ليوشِكَنَّ اللهُ أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْق تَجِدُ عليَّ فِيهِ أنَّي لأرجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أما هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ " فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَبّعَونِي،
ــ
قال: تعال " أي تقدم إليَّ، واقترب مني " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ " أي ما هو سبب تغيبك عن هذه الغزوة وما عُذْرك في ذلك؟ " ألم تكن قد ابتعت ظهرك " أي اشتريت راحلتك " فقلت: بلى والله يا رسول الله، ولو جلست عند غيرك من أهل الدنيا " أي لو جلست عند الناس العاديين من الحكام والملوك والأمراء " لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر " أي لوجدت عذراً كاذباً يرضيه، وتخلصت منه بهذا العذر الكاذب " ولقد أعطيت جدلاً " أي ولقد أعطيت منطقاً قوياً " ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب " أي لو اعتذرت لك اليوم بعذر كاذب " ترضى به عني ليوشكن الله، يسخطك عليّ " أي ليأتينك الوحي قريباً فيفضح كذبي عندك، فتسخط عليّ وتغضب مني " ولئن حدثتك حديث صدق " واعترفت لك بالحقيقة، وقلت لك قولاً صادقاً مطابقاً للواقع " تجد عليّ فيها " أي تغضب علي اليوم بسببه " إني لأرجو فيه عفو الله " أي فإني حين أقول الصدق الذي يغضبك اليوم مني أنتظر أن يعفو الله عني مكافأة لي على صدقي، ثم قال: "والله ما كان لي من عذر " فاعترف أنه لا عذر " فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد صدق " وأخبر بالواقع " فقم حتى يقضي الله فيك " أي فقم الآن من مجلسي هذا، وانتظر حتى يحكم الله فيك "وثار رجال
стр. 1605
فَقَالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، ولَقَدْ عَجَزْتَ أن لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولَ اللهِ ﷺ بما اعْتَذَرَ بِهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، وَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنبكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ لَكَ، فَواللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حتى أردْتُ أن أرجِعَ فَأكَذِّبَ نَفْسِي، ثم قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعي أحدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قَالا مِثْلَ مَاْ قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيعِ العَمْرِي وهِلَالُ ابْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، فذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْراً، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، ونَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغيَّرُوا لنا، حتَّى
ــ
من بني سلمة" أي فقمت من مجلسه، وقام معي رجال من بني سلمة " فقالوا لي: ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا " أي لم يسبق أن أذنبت ذنباً أو ارتكبت معصية قبل هذه المرة " ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت " أي فلماذا لم تخلص من غضبه ﷺ بعذر من الأعذار التي اعتذر بها المتخلفون " وكان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك " أي ولو اعتذرت إليه لأستغفر لك، فكان استغفاره لك كافياً لمحو خطيئتك وتكفير ذنبك " وما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فَأًكذِّبَ نفسي " أي فأكذّب نفسي عند رسول الله ﷺ في قولي السابق " ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك " أي قال لهما النبي ﷺ قم حتى يقضي الله فيك " فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الوافقي " وكلاهما أنصاريان من الأوس " فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً " وفازا بقول الله تعالى لهم: "يا أهل بدر، اعملوا ما شئتم فقد
стр. 1606
تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ، فَمَا هِيَ التَّي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا على ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فاسْتَكَانَا وقَعدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأمَّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأطوفُ في الأسْوَاقِ، ولا يُكَلمُنِي أحدٌ، وآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ في مَجْلسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأقولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أصَلي قَرِيباً مِنْهُ، فَأسَارِقُهُ النَّظر، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلَاِتي أقبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ من جَفوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَورْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قُتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأحبُّ النَّاسِ إِليَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قَتَادَةَ أنشُدُكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُنِي أَُحبُّ الله وَرَسُولَهُ،
ــ
غفرت لكم" " فيهما أسوة " أي لي فيهما قدوة صالحة وأسوة حسنة " فمضيت حين ذكروهما لي " أي فلم سمعت بهما قررت الاستمرار فيما أنا عليه من الالتزام بالصدق " نهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة " برفع الثلاثة على أنها خبر لأي، والمعنى فمنع رسول الله ﷺ الناس عن التكلم معنا نحن الثلاثة المذكورون " فاجتنبنا الناس " أي قاطعونا وهجرونا " حتى تنكرت في نفسي الأرض " أي حتى تغير في عيني كل شيء على هذه الأرض " فأمّا صاحبي فاستكانا " أي اعتزلا في دارهما " وأما أنا فكنت أشبَ القوم " أي أصغرهم سِنَّاً " وأجلدهم " أي أقواهم جسماً " فكنت أخرج فأشهد الصلاة " أي صلاة الجماعة " فأسلّم عليه " أي على النبي ﷺ " فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه يرد السلام عليَّ أم لا؟ " أي أشك في كونه رد السلام أو لم يرده " فأسارقه النظر " أي أنظر إليه خفية "فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا
стр. 1607
فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتْ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أنَا أمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أنباطِ أهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً من مَلِكِ غَسَّانَ، فَإذا فِيهِ أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أن صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأتُهَا: وَهَذَا أيْضاً مِنَ الْبَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ ليْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -يَأتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ
ــ
التفت نحوه أعرض عني" أي صرف نظره عني ليظهر لي الغضب والمقاطعة " حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس " أي من مقاطعتهم وهجرانهم " مشيت حتى تسورت جدار حائط " أي بُسْتان " أبي قتادة وهو ابن عمّي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ " أي أسألك بالله تعالى هل تعلم محبتى لله ورسوله " فسكت " ولم يجبه بشيء، ثم أعاد عليه هذا السؤال مرَّةً أخرى كما قال: " فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم " وتخلص من الجواب برد العلم إلى الله ورسوله " فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي " بفتح النون وكسر الطاء، أي فإذا في أفاجأ بفلاح من الشام، " فطفق الناس يشيرون له " فبدأ الناس يشيرون إليَّ، ويدلونه عليَّ " حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتاباً من ملك غسان " وهو جبلة بن الأيهم " فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أنْ صاحبك " يعني النبي ﷺ " قد جفاك " أي قد هجرك هو وأصحابه،
стр. 1608
اللهِ ﷺ يَأمُرُكَ أن تَعْتَزِلَ امْرأتَكَ، فَقُلْتُ: أطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا، وأرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَتكُونِي عِنْدَهُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ، قَالَ كَعْبُ: فَجَاءَتْ امْرأةُ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِم، فَهَلْ تَكْرَهُ أن أخدِمَهُ، قَالَ: لا، وَلَكِنْ لا يَقرَبْكِ، قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ ما بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنذُ كَانَ مِنْ أمرِهِ مَا كَانَ إلى يَوْمِهِ هذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لو استَأذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في امْرَأتِكَ، كما أذِنَ لامْرأةِ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ أن تَخْدِمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لا اسْتَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وما يُدْرِيني مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا، وأَنا رَجُلٌ شَابٌ، فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً من حِينِ نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلامِنَا، فلما صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صُبح خَمْسِينَ
ــ
وأصبحوا يعاملونك بعداوة وجفاء" ولم يجعلك الله بدار هوان " أي ولست ممن يقبل الضيم، أو يرضي الإِقامة بأرض يهان فيها "ولا مضيعة " أي ولست ممن يضيع حقه، أو تهدر كرامته " فألحق بنا نواسك " أي فاحضر إلينا تجد كل مواساة وعون وإكرام " فقلت لما قرأتها: وهذا والله من البلاء " أي وهذا امتحان آخر يَبْتَلِيني الله به، لأن ملك غسان أراد بذلك أن ينتهز هذه الفرصة ليفتن كعب بن مالك عن دينه " فتيممت بها التنور " أي فقصدت بها التنور فألقيتها فيها " فسجرته بها " أي فأشعلت ناره بها " حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك " أي أن لا تقربها ولا تباشرها "فقلت لامرأتي الحقي
стр. 1609
لَيْلَةً، وأَنا على ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَينَا أنَا جَالِسٌ علَى الْحَال الذي ذَكَرَهُ اللهُ تعالى: قَدْ ضَاقَتْ علَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عليَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أوفَى على جَبَلِ سَلْعٍ بأعلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أبشِرْ، قَالَ: فخَرَرْتُ سَاجِداً، وعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ، فذهَبَ النَّاسَ يُبَشَرونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشَرُونَ، وَرَكَض إليَّ رَجُلٌ فرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فأوْفَى علَى الْجبَلَِ، فكَانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ
ــ
بأهلك" بفتح الحاء أي اذهبي إلى دار أهلك " فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنَّ هلال بن أمية شيخ " أي رجل عجوز، وشيخ كبير طاعن في السن، " ضائع " أي غير قادر على خدمة نفسه لضعف جسمه " فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك " أي لا يباشرك أي مباشرة زوجية " قالت: إنه والله ما به حركة " أي ليس له أي رغبة أو حركة إلى النساء لسوء حالته النفسية " فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة " أي من صبح الليلة المكملة للخمسين ليلة " فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله " أي على الصفة التي وصفنا الله تعالى بها في قوله (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت) " قد ضاقت عليَّ نفسي " لما كنت أشعر به من ضيق الصدر، وامتلاء القلب بالهموم والغموم " وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت " أي وشعرت بأن هذه الأرض الواسعة قد ضاقت عليَّ من شدة الألم والحزن والخوف الذي أصابني " سمعت صوت صارخ " أي صوت رجل ينادي بأعلى صوته " أوفى على جبل سلع " أي صعد فوق جبل سلع، وصار ينادي " يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً " حمداً لله تعالى وشكراً له على توبته عليه " وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا " أي أعلن
стр. 1610
الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَي فَكَسَوْتُهُ إِيَاهُمَا بِبُشْرَاهُ، واللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوجاً يُهَنِّؤُونِي بالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبُ: حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إليَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صافَحَنِي، وَهَنَّأنِي، وَاللهِ مَا قَامَ إليَّ رَجُل مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبُ: فَلمَّا سَلَّمْتُ على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ وَهُو يَبْرقُ وَجْهُهُ مِنَ السرورِ: أبشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عليكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ، قَالَ قُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
في الناس توبة الله علينا، " وركض إليَّ رجل فرساً " أي وامتطى رجل جواداً واستحثه على الإِسراع إليَّ، فجاء يجري بسرعة كي يبشرني بهذه البشارة " وسعى ساع من أسلم " أي وجاء رجل آخر يجري بسرعة " فأوفى على الجبل " أي صعد فوق جبل سلع، فجعل ينادي بأعلى صوته يبشرني بالتوبة " فلما جاءني الذي سمعت صوته نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه " أي كسوته ثَوْبيَّ اللذين لا أملك غيرهما، مكافأة له على بشارته لي " وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجاً فوجاً " أي جماعة جماعة " يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك " بكسر النون كما رجحه الحافظ، وقال السفاقسي: الأصوبُ فتح النون لأنه من الهناء " فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور " أي يتلألأ وجهه تلألؤ البرق من شدة الفرح: " أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك "
стр. 1611
إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فلما جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ مِنْ تَوبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى اللهِ وإلى رَسُولِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِّي بِالصِّدْقِ، وِإنَّ مِنْ تَوْبَتي أن لا أحَدِّثَ إلَّا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَواللهِ ما أعْلَمُ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ أبلاهُ اللهُ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسُولَ اللهَ ﷺ أحسَنَ مِمَّا أبلانِي، ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذَا كَذِباً، وَإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فيما بَقِيتُ، وأنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
ــ
أي أبشر يا كعب بخير يوم مرَّ عليك في حياتك كلها " قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله " لعله أراد هل أنزل الله تعالى في توبته عَليَّ قرآناً يتلى أم لا؟ فأجابه النبي ﷺ بأن الله أنزل في توبته عليه وعلى صاحبيه قرآناً "وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار" أي ظهر السرور على محيّاه فأضاء وجهه الشريف إضاءة القمر المنير " قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي " أي أن أتصدق بكل مالي في سبيل الله " قال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك " أي تصدق بالبعض فقط، وأبق عندك شيئاً من مالك لكي تنفق به على نفسك وعيالك، " فقلت: يا رسول الله إن الله نجَّاني بالصدق " أي بسبب أني صدقت القول معك واعترفت لَكَ أن لا عذر لي " فوالله ما أعلم أحداً من السلمين أبلاه الله في صدق الحديث " أي لا أعلم أحداً اختبره الله في الصدق
стр. 1612
فَوَاللهِ مَا أنْعَمَ اللهُ عليَّ مِنْ نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي للإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِى مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الذَّينَ كَذَبُوا، فَان اللهَ تَعَالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أنزلَ الْوَحْيَ شَرَّ ما قَالَ لأحدٍ، فَقال اللهُ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إِلى قَوْلِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
ــ
" أحسن مما أبلاني " أي أحسن مما اختبرني " وأنزل الله على رسوله (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) " يعني وأنزل الله فينا قوله تعالى (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذه منقبة كبرى، وشرف عظيم لنا، حيث أعلن الله تعالى توبته علينا في هذه الآيات الكريمة، وأنزل في حقنا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة مكافأة لنا على صدقنا مع النبي ﷺ ، وخلد ذكرنا وجعلنا مثلاً يحتذى، وأمر المؤمنين أن يكونوا صادقين مثلنا، فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ثم قال كعب " فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله للإِسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا " يعني ما أعطاني الله نعمة بعد نعمة الإِسلام -في حياتي كلها- أعظم وقعاً في نفسي من كونه وفقني إلى الصدق مع رسول الله ﷺ وعصمني من الكذب فلم أهلك كما هلك الذين كذبوا على النبي ﷺ من المنافقين " فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي
стр. 1613
شرَّ ما قال لأحد" أي قال فيهم شر كلام قاله في أحد من البشر، ووصفهم بأقبح الصفات القبيحة " فقال الله (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) " يعني فقال الله في حقهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه. حيث أمر بالإِعراض عنهم وعدم معاتبتهم احتقاراً لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، لأنهم " رجس "، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول ﷺ وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الإِمام إذا استنفر المسلمين للغزو لزمهم النفير، ولحق اللوم من تخلف منهم، ولذلك اشتد الغضب على من تخلف عن غزوة تبوك، وإن كان الجهاد في حد ذاته فرض كفاية، ولكن لما أمر ﷺ بالنفير العام تعيّن الخروج على كل قادر عليه. ثانياًً: جواز ترك السلام على المذنب، وهجره أكثر من ثلاثة أيام. ثالثاً: فائدة الصدق وعاقبته الحميدة، فإن الله تعالى تاب على هؤلاء الثلاثة، وعفا عنهم بسبب صدقهم كما قال كعب: " إنما نجَّاني الله بالصدق ". رابعاً: شؤم الكذب وعاقبته الوخيمة، فإن المنافقين الذين اختلقوا الأعذار الكاذبة سرعان ما فضحهم الله وهتك سترهم، ووصفهم بأقبح الصفات في قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). خامساً: أن الخطأ لا يعالج بخطأ آخر، وِإلا تفاقم الشر، وتضاعف الخطأ، وأصبحت المعصية معصيتين، ولذلك آثر كعب الصدق لئلا يجمع بين ذنبين. سادساً: مشروعية التبشير بالخير والتهنئة بالنعمة كما فعل
стр. 1614
أصحاب النبي ﷺ في هذه القصة. سابعاً: استحباب سجود الشكر عند حدوث نعمة من النعم. ثامناً: استحباب المبادرة إلى الصدقة وأعمال البر والإِحسان عند التوبة لقول كعب ﵁: " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ". تاسعاً: قال ابن القيم: وقول كعب لامرأته الحقي بأهلك دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة طلاق ما لم ينوه. عاشراً: أن أمرهم باعتزال نسائهم في آخر المدة كما قال ابن القيم فيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، وفي هذا إيذان بقرب الفرج. الحادي عشر: قال ابن القيم: وفيه دليل على أن إعطاء البشير من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف، وعلى تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، والأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام. الثاني عشر: قال ابن القيم: فيه (١) دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق، وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله توبته، لقول النبي ﷺ " أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمّك ". الثالث عشر: في قوله ﷺ : " أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك " دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى منه بقية، ولم يعين له ﷺ قدراً، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وفي الحديث فوائد كثيرة، فقد قال العيني: " فيه أكثر من خمسين فائدة " وما لا يدرك كله لا يترك جله. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث المذكور هو حديث كعب المنصوص عليه في الترجمة.
стр. 1615
٨٦٣ - " بَابُ مَرَض النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ "
١٠٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ انَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَّ في بَيْتي، وَفي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وأنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأنا مُسْنِدَة رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرأيْتُهُ
ــ
٨٦٣ - " باب مرض النبي ﷺ ووفاته "
١٠٠٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما مَرِضَ مَرَضَ موته (١) استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له تلبية لرغبته ﷺ ، فانتقل إلى بيته لتمرّضه، وتشرف على خدمته، وتشمله بعطفها وحنانها، وما زال في حجرتها حتى توفي على صدرها كما قالت ﵂ في هذا الحديث " إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي " أي في حجرتي الخاصة بي " وفي يومي " أي وفي اليوم الذي هو يوم نوبتي كما جاء توضيح ذلك في رواية أخرى عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا غداً، يريد عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها " وبين سحري ونحري " بإسكان الحاء في الكلمتين، والسحر بسكون الحاء هو أعلى البطن، والنحر موضع العقد من الصدر، والمعنى: أنه ﷺ فاضت روحه وهي محتضنة له ﷺ على صدرها، ورأسه الشريف عند ذقنها، كما جاء في رواية أخرى " وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي " أي ما بين بطني وذقني، " وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته " أى مزج بين الريقين معاً، فجعل ريقها ﵂ يصل إلى فمه، وريقه