إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فلما جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ مِنْ تَوبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى اللهِ وإلى رَسُولِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِّي بِالصِّدْقِ، وِإنَّ مِنْ تَوْبَتي أن لا أحَدِّثَ إلَّا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَواللهِ ما أعْلَمُ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ أبلاهُ اللهُ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسُولَ اللهَ ﷺ أحسَنَ مِمَّا أبلانِي، ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذَا كَذِباً، وَإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فيما بَقِيتُ، وأنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
ــ
أي أبشر يا كعب بخير يوم مرَّ عليك في حياتك كلها " قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله " لعله أراد هل أنزل الله تعالى في توبته عَليَّ قرآناً يتلى أم لا؟ فأجابه النبي ﷺ بأن الله أنزل في توبته عليه وعلى صاحبيه قرآناً "وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار" أي ظهر السرور على محيّاه فأضاء وجهه الشريف إضاءة القمر المنير " قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي " أي أن أتصدق بكل مالي في سبيل الله " قال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك " أي تصدق بالبعض فقط، وأبق عندك شيئاً من مالك لكي تنفق به على نفسك وعيالك، " فقلت: يا رسول الله إن الله نجَّاني بالصدق " أي بسبب أني صدقت القول معك واعترفت لَكَ أن لا عذر لي " فوالله ما أعلم أحداً من السلمين أبلاه الله في صدق الحديث " أي لا أعلم أحداً اختبره الله في الصدق
стр. 1612
فَوَاللهِ مَا أنْعَمَ اللهُ عليَّ مِنْ نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي للإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِى مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الذَّينَ كَذَبُوا، فَان اللهَ تَعَالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أنزلَ الْوَحْيَ شَرَّ ما قَالَ لأحدٍ، فَقال اللهُ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إِلى قَوْلِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
ــ
" أحسن مما أبلاني " أي أحسن مما اختبرني " وأنزل الله على رسوله (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) " يعني وأنزل الله فينا قوله تعالى (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذه منقبة كبرى، وشرف عظيم لنا، حيث أعلن الله تعالى توبته علينا في هذه الآيات الكريمة، وأنزل في حقنا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة مكافأة لنا على صدقنا مع النبي ﷺ ، وخلد ذكرنا وجعلنا مثلاً يحتذى، وأمر المؤمنين أن يكونوا صادقين مثلنا، فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ثم قال كعب " فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله للإِسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا " يعني ما أعطاني الله نعمة بعد نعمة الإِسلام -في حياتي كلها- أعظم وقعاً في نفسي من كونه وفقني إلى الصدق مع رسول الله ﷺ وعصمني من الكذب فلم أهلك كما هلك الذين كذبوا على النبي ﷺ من المنافقين " فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي
стр. 1613
شرَّ ما قال لأحد" أي قال فيهم شر كلام قاله في أحد من البشر، ووصفهم بأقبح الصفات القبيحة " فقال الله (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) " يعني فقال الله في حقهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه. حيث أمر بالإِعراض عنهم وعدم معاتبتهم احتقاراً لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، لأنهم " رجس "، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول ﷺ وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الإِمام إذا استنفر المسلمين للغزو لزمهم النفير، ولحق اللوم من تخلف منهم، ولذلك اشتد الغضب على من تخلف عن غزوة تبوك، وإن كان الجهاد في حد ذاته فرض كفاية، ولكن لما أمر ﷺ بالنفير العام تعيّن الخروج على كل قادر عليه. ثانياًً: جواز ترك السلام على المذنب، وهجره أكثر من ثلاثة أيام. ثالثاً: فائدة الصدق وعاقبته الحميدة، فإن الله تعالى تاب على هؤلاء الثلاثة، وعفا عنهم بسبب صدقهم كما قال كعب: " إنما نجَّاني الله بالصدق ". رابعاً: شؤم الكذب وعاقبته الوخيمة، فإن المنافقين الذين اختلقوا الأعذار الكاذبة سرعان ما فضحهم الله وهتك سترهم، ووصفهم بأقبح الصفات في قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). خامساً: أن الخطأ لا يعالج بخطأ آخر، وِإلا تفاقم الشر، وتضاعف الخطأ، وأصبحت المعصية معصيتين، ولذلك آثر كعب الصدق لئلا يجمع بين ذنبين. سادساً: مشروعية التبشير بالخير والتهنئة بالنعمة كما فعل
стр. 1614
أصحاب النبي ﷺ في هذه القصة. سابعاً: استحباب سجود الشكر عند حدوث نعمة من النعم. ثامناً: استحباب المبادرة إلى الصدقة وأعمال البر والإِحسان عند التوبة لقول كعب ﵁: " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ". تاسعاً: قال ابن القيم: وقول كعب لامرأته الحقي بأهلك دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة طلاق ما لم ينوه. عاشراً: أن أمرهم باعتزال نسائهم في آخر المدة كما قال ابن القيم فيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، وفي هذا إيذان بقرب الفرج. الحادي عشر: قال ابن القيم: وفيه دليل على أن إعطاء البشير من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف، وعلى تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، والأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام. الثاني عشر: قال ابن القيم: فيه (١) دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق، وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله توبته، لقول النبي ﷺ " أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمّك ". الثالث عشر: في قوله ﷺ : " أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك " دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى منه بقية، ولم يعين له ﷺ قدراً، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وفي الحديث فوائد كثيرة، فقد قال العيني: " فيه أكثر من خمسين فائدة " وما لا يدرك كله لا يترك جله. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث المذكور هو حديث كعب المنصوص عليه في الترجمة.
стр. 1615
٨٦٣ - " بَابُ مَرَض النَّبِيِّ ﷺ وَوَفَاتِهِ "
١٠٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ انَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَّ في بَيْتي، وَفي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وأنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأنا مُسْنِدَة رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَرأيْتُهُ
ــ
٨٦٣ - " باب مرض النبي ﷺ ووفاته "
١٠٠٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما مَرِضَ مَرَضَ موته (١) استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له تلبية لرغبته ﷺ ، فانتقل إلى بيته لتمرّضه، وتشرف على خدمته، وتشمله بعطفها وحنانها، وما زال في حجرتها حتى توفي على صدرها كما قالت ﵂ في هذا الحديث " إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي " أي في حجرتي الخاصة بي " وفي يومي " أي وفي اليوم الذي هو يوم نوبتي كما جاء توضيح ذلك في رواية أخرى عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا غداً، يريد عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها " وبين سحري ونحري " بإسكان الحاء في الكلمتين، والسحر بسكون الحاء هو أعلى البطن، والنحر موضع العقد من الصدر، والمعنى: أنه ﷺ فاضت روحه وهي محتضنة له ﷺ على صدرها، ورأسه الشريف عند ذقنها، كما جاء في رواية أخرى " وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي " أي ما بين بطني وذقني، " وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته " أى مزج بين الريقين معاً، فجعل ريقها ﵂ يصل إلى فمه، وريقه
стр. 1616
يَنْظر إليْهِ، وَعَرَفْتُ أنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخذُهُ لكَ؟ فأشارَ بِرأسِهِ أنْ نَعَمْ، فتَنَاوَلْتُهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وقُلْتُ: أليِّنهُ لكَ؟ فَأشَارَ بِرأسِهِ أنْ نَعَمْ، فَلَيَّنتهُ، وَبَيْنَ يَدَيه رَكْوَة -أوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَر- فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدخِل ﷺ يَدَيْه في الْمَاءِ، فَيمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ ﷺ : " لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوتِ سَكَراتٍ " ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فجعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الأعْلَى حتى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ﷺ "
ــ
ﷺ يصل إلى فمها قبيل وفاته بلحظة قصيرة، وسبب ذلك قصة السواك التي ذكرتها في قولها: " دخل علي عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ " أي مسندة له بصدري " فرأيته ﷺ ينظر إليه " يعني إلى السواك " وعرفتُ أنه يحب السواك " أي عرفت من نظراته أنه يرغب أن يستاك في تلك اللحظة " فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم " أي فأشار برأسه إشارة معناها نعم " فتناولته " أي فأخذت السواك لكي أعطيه إياه " فاشتد عليه " أي السواك " فقلت: ألينه لك " أي هل تريد أن أليّن لك السواك فأمضغه بأسناني " فأشار برأسه أن نعم فلينته " أي فمضغته بأسناني حتى صار ليناً " وكان بين يديه رَكوةٌ (١) فيها ماء " أي قربة من جلد مملوءة ماء " فجعل يدخل يده، فيمسح بها وجهه " أي فيمسح وجهه بالماء ليخفف من شدة الألم الذى يعانيه " ويقول: لا إله إلا الله إنّ للموت سكرات " أي شدائد وأهوال وآلام عظيمة " ثم نصب يده " مدها على الأرض " فجعل يقول في الرفيق الأعلى " والرفيق الأعلى: الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وقيل هو الجنة. وفي النهاية: هو جماعة
стр. 1617
الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين. اهـ. كما أفاده الزبيدي (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه ﷺ أقام أثناء مرضه في بيت عائشة، وقضى أيامه الأخيرة في حجرتها كما قالت ﵂: " إن من نعم الله تعالى عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري " إلخ. وقد روى أحمد في " مسنده " عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إنه ليهون على (يعني الموت) أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة " قال في المواهب اللدنية: فقد كان ﷺ يحب عائشة حباً شديداً وإنما اختار النبي ﷺ أن يمرّض في بيت عائشة، لأن المريض يكون أثناء مرضه أحوج ما يكون إلى من يرتاح إليه نفسياً، وهي أحب الناس إليه. ثانياًً: أن للموت سكرات، وأن سكرات الموت أشد ما تكون على نفوس أحباب الله من أنبيائه وأوليائه وأصفيائه كما وقع لرسول الله ﷺ ، ولهذا قالت عائشة ﵂ لا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبي ﷺ أخرجه البخاري، قال القرطبي (٢): لتشديد الموت على الأنبياء فائدتان، إحداهما: تكميل فضائلهم، ورفع درجاتهم، وليس ذلك نقصاً ولا عذاباً، بل هو كما نجاء أن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. والثانية: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت، لأنه باطن، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في (خبرهم) شدة ألمه عليهم مع كرامتهم على الله تعالى قطع الخلق بشدة الموت التي يقاسيها الميت. ثالثاً: أنه يجوز للإِنسان أن يشكو لزوجته أو لصديقه أو طبيبه ما يعانيه من شدة أو ألم أو مرض لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: " لا إِله إلا الله إن للموت سكرات " فاشتكى من سكرات الموت، وأما ما روي عن جماعة من الشافعية "أن تَأوَّهُ المريض مكروهٌ، فقد قال النووي: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت
стр. 1618
فيه نهي مخصوص (١)، وهو لم يثبت فيه ذلك. والحاصل أن إخبار المريض عن مرضه لا بأس به، وهو لا ينافي الرضا بقضاء الله وقدره، فكم من شاك وهو راض، وكم من ساكت وهو ساخط، والمعول في ذلك على عمل القلب اتفاقاً، لا على نطق اللسان، ا. هـ كما أفاده الحافظ. رابعاً: أن آخر كلمة قالها ﷺ وهو على فراش الموت: اللهم في الرفيق الأعلى، قال السهيلي: وجدت في بعض (٢) كتب الواقدي أن أول كلمة تكلم بها وهو مسترضع عند حليمة: الله أكبر، وآخر كلمة تكلم بها " في الرفيق الأعلى "، وفي رواية: " مع الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً " وعلى هذه الكلمة فاضت روحه ﷺ ، ووَدَّع الحياة الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى. وقد كانت وفاته ﷺ كما قال صاحب المواهب
: يوم الإِثنين بلا خلاف وقت دخول المدينة في هجرته حين اشتد الضحى، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء، وعند ابن سعد عن ابن شهاب: توفي ﷺ يوم الإثنين حين زاغت الشمس ورثته عمته صفية ﵂ بمراثي كثيرة، منها قولها:
ألَا يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ رَجَاءَنَا ... وَكُنْتَ بِنَا بَرَّاً وَلَمْ تَكُ جَافِيَا
وَكُنْتَ رَحِيْماً هَادِياً وَمُعَلِّمَاً ... لِيَبْكِ عَلَيْكَ اليَوْمَ مَنْ كَانَ بَاكيا
فِدىً لِرَسُوْلِ اللهِ أُمِّي وَخَالَتِي ... وَعَمِّي وَخَالِي ثُمَّ نَفْسِي ومَآليا
ورثاه حسان بن ثابت ﵄ بقوله:
كُنْتَ السَوَادَ لِنَاظِري ... فَعَمَى عَلَيْكَ النَاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ (٣)
стр. 1619
١٠٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ ﵃:
" أنَّ أبَا بَكْير ﵁ قَبَّلَ النبي ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ ".
٨٦٤ - " بَاب آخِرُ مَا تكَلَّمَ بِهِ النبي ﷺ - "
١٠١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
ــ
ورثته السيدة فاطمة الزهراء ﵁ بقولها:
مَاذَا عَلى مَنْ شَمَّ تربَةَ أحْمَدٍ ... أنْ لا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِب لَو أنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الأيامِ صِرْنَ لَيَالِيَا
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قول عائشة ﵂: " من نعم الله تعالى عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحَري ونحري " إلخ.
١٠٠٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة وابن عباس ﵃ في هذا الحديث: " أن أبا بكر ﵁ قبل النبي ﷺ بعد موته " أي أن أبا بكر دخل حجرة عائشة والنبي ﷺ مسجى بثوبه، وقد فاضت روحه، والتحق بالرفيق الأعلى، فكشف الغطاء عن وجهه، وقبّله مودعاً له الوداع الأخير، وبكى كما رواية أخرى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية توديع الميت وتقبيله وكشف الغطاء عن وجهه لتوديعه الوداع الأخير، لأن أبا بكر الصديق دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، وكشف الثوب عن وجهه وقبله. ثانياً: جواز البكاء على الميت عند موادعته بشرط أن لا يكون فيه نياحة، فإن كان فيه نياحة فلا. والمطابقة: كما قال العيني في قوله: " بعد موته ". الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجة.
٨٦٤ - " باب آخر ما تكلم به النبي ﷺ "
стр. 1620
كَانَ النبي ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: " إنَّهُ لَمْ يُقْبَضُ نَبِي حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَير " فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: " الفهُمَّ الرفِيقَ الأعْلَى " فَقُلْتُ: إِذَاً لا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: " اللَّهُمَّ الَّرفِيقَ الأعلَى ".
ــ
١٠١٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " كان النبي ﷺ يقول وهو صحيح " أي في حال صحته وسلامة جسمه " إنه لم يقبض نبي " أي لا يموت نبي " حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر " بين البقاء في هذه الدنيا، والانتقال إلى الرفيق الأعلى " فلما نزل به " أي فلما صار في حال الاحتضار وأوشكت روحه أن تفيض إلى مولاها " غشي عليه " أي أغمي عليه " ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت " أي رفع بصره إلى سقف الحجرة، وثبت نظره إليه، وصار لا يطرف جفنه، ولا تتحرك عيناه " ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى " أي أسألك الجنة ومرافقة عبادك الصالحين من الملائكة والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين " فقلت: إذن لا يختارنا (١) " أي فعلمت أنّه ﷺ آثر الآخرة على الدنيا، وأنه خيّر فاختار كما كان يحدثنا.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن آخر ما تكلّم به ﷺ قبل أن يفارق الدنيا قوله " اللهم الرفيق الأعلى ". ثانياً: أنه ﷺ خُيّر قبل وفاته كغيره من الأنبياء فاختار الانتقال إلى الدار الآخرة. والمطابقة: في قولها: فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
стр. 1621
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب التفسير "
التفسير لغة: كما قال الحافظ: التفْصيل، من الفسْر، وهو البيان، تقول: فسرت الشيء بالتخفيف، أفسِرُهُ (١) فسراً، وفسَّرته بالتشديد أفسِّره تفسيراً إذا بينته، وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء -أي البول- ليعرف العلة.
والتفسير في لسان الشرع: كما قال بعضهم: علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، واستمدادُه من علم النحو والصرف واللغة والبيان وأصول الفقه والقراءات والناسخ والمنسوخ إلى آخره.
ويقول شيخ الإِسلام ابن تيميّة: الاختلاف في التفسير على نوعين، منه ما مستنده المنقول فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، فما كان منه منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ قُبِل، وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب، ككعب ووهب، توقفنا عن تصديقه وتكذيبه، وما نقل عن الصحابة فالنفس إليه أسكن مما نقل عن التابعين، لاحتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ . وأما التفسير بغير المنقول فهو بيان مقاصد القرآن استناداً إلى الفهم الصحيح القائم على معرفة لغة العرب وأساليبها، وعلوم القرآن ووجوه الإِعراب، والناسخ والمنسوخ، وأصول الفقه، والتشريع الإِسلامي إلى غير ذلك من العلوم والمعارف، ولا يقتصر هذا التفسير على مجرد النص الحرفي المنقول عن الصحابة والتابعين، وإنما يعتمد على الفهم الشخصي المستند إلى الكتاب والسنة.
أما التفسير الذي عناه البخاري: وترجم له بقوله " كتاب التفسير " فهو النوع الأوّل، وهو التفسير المأثور المنقول عن النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك إلَّا النزر اليسير، ومن أشهر مفسري الصحابة
стр. 1622
٨٦٥ - " بَابُ مما جَاءَ في فَاتِحَةِ الْكِتَابِ "
١٠١١ - عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قالَ:
كُنْتُ أُصَلِّي في الْمَسْجدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ أجبه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كَنْتُ أصَلي، قَالَ: " ألمْ يَقُلْ اللهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ ثُمَّ قَالَ لِي: " لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أعظَمُ السُّوَرِ في الْقُرآنِ قَبْلَ أن تَخرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ " ثُمَّ أَخذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ
ــ
علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عباس وكان تفسيرهم للقرآن إما سماعاً من النبي ﷺ أو اجتهاداً منهم والله أعلم.
٨٦٥ - " باب ما جاء في فاتحة الكتاب "
١٠١١ - ترجمة الراوي: وهو أبو سعيد الحارث بن المعلّي (١) الأنصاري (٢). قال ابن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلَّا بحديثين (٣)، توفي سنة ٧٤ من الهجرة.
معنى الحديث: أنه بينما كان أبو سعيد بن المعلى يصلي في مسجد رسول الله ﷺ ناداه النبي ﷺ -أثناء الصلاة، فلم يجبه، فلما انتهى من صلاته لامه ﷺ ، وسأله: أي شيء منعك عن الإِجابة، فاعتذر للنبي ﷺ أنه كان في صلاة، والمصلي لا يتكلم في صلاته، فقال له ﷺ : ألم تعلم أن إجابة النبي واجبة، لأن الله أمر بإجابته قي قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثم قال: " لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن
стр. 1623
أنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: ْ ألمْ تَقُلْ: " لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أعْظَمُ سُورَةٍ في الْقُرآنِ " قَالَ: " (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ المثَانِي والْقُرآنُ العَظِيمُ الذِي أوُتِيتُهُ ".
ــ
قبل أن تخرج من المسجد" ومعنى تعليمه إياها أنه يخبره بأنها سورة كذا " فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة ... إلخ " أي فلما أراد الخروج ذكّرته بالوعد الذي وعدني به " قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) " يعني أن السورة التي هي أفضل سور القرآن وأعظمها شأناً، هي سورة الفاتحة " وهي السبع المثاني والقرآن العظيم " أي وهي السورة العظيمة التي قال الله تعالى فيها (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فسماها بالسبع المثاني، لأنها سبع آيات تتكرر قراءتها في كل ركعة وفي كل صلاة، وسماها بالقرآن العظيم، لاشتمالها على وجازتها وقلة ألفاظها على أهم مقاصد القرآن الكريم من إثبات التوحيد، والنبوة، والمعاد، والعبادة المتضمنة لأركان الإِسلام.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب إجابة الرسول ﷺ حتى في الصلاة، لأن النبي ﷺ قال لأبي سعيد لما لم يجبه وهو في الصلاة: " ألم يقل الله تعالى (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) " فدل ذلك على أن إجابته واجبة في جميع الأحوال، ولا تبطل صلاته عند بعض الشافعية وبعض المالكية، لأن إجابته ﷺ في الصلاة حكم استثنائي خاص به. ثانياًً: أن للفاتحة أسماء كثيرة فمن أسمائها السبع المثاني والقرآن العظيم، وسورة الحمد، والشكر، والشافية، وأم القرآن وغيرها. ثالثاً: أن هذه السورة هي أفضل السور القرآنية في أهميتها، وكثرة ثوابها، وعظم نفعها، عاها الله بالسبع المثاني لأنها السورة الوحيدة التي تتكرر قراءتها في الصلوات الخمس دون غيرها، ولولا فضلها وأهميتها لما أوجب الله قراءتها في كل صلاة، وفي كل ركعة من الصلاة حيث
стр. 1624
" سُورَةُ الْبَقَرَةِ "
٨٦٦ - " بَابُ قَولِهِ تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) "
١٠١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
سَأَلْتُ النبي ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: " أن تَجْعَلَ للهِ نِدَّاً وهوَ خَلَقَكَ " قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيم، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: " أن تَقْتُلَ وَلَدكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " قُلْتُ: ثمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ".
ــ
لا تصح الصلاة إلَّا بها لقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وأما فائدتها ونفعها فإنها رقية يستشفى بها، لقوله ﷺ لأبي سعيد الخدري: " وما أدراك أنها رقية " ولذلك تسمى الشافية إلى غير ذلك من الفوائد. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وهي السبع المثاني والقرآن العظيم " حيث ذكر بعض أسمائها.
" سورة البقرة "
٨٦٦ - " باب قوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) "
ومعنى الآية: كما قال ابن عباس ﵄: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من التوحيد هو الحق الذي لا يشك فيه أحد، وحذف المفعول به ليكون المعنى أعم، ويقدر تقديرات كثيرة.
١٠١٢ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ سأل النبي
стр. 1625
٨٦٧ - قَوْلُهُ تعَالَى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)
ــ
ﷺ عن أكبر الكبائر وأعظمها عقوبة عند الله تعالى فقال له: أكبر الكبائر على الإِطلاق الشرك بالله تعالى، ومعناه أن تجعل لله شريكاً أو نظيراً أو شبيهاً في عبادته أو أفعاله أو صفاته، أو تُشَبِّه الله بمخلوقاته، فتجعل له ولداً أو زوجة كما فعلت النصارى، فسأله ابن مسعود عن أكبر الكبائر بعد الشرك، فقال ﷺ : " أن تقتل ولدك، تخاف أن يطعم معك " أي لئلا يضايقك في معيشتك، ويشاركك في طعامك، وذلك غاية الخسة وقسوة القلب، " قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك " أي زوجته، لأنّك بذلك تجمع بين جريمتين الزنا والتعدي على حق الجار وخيانته في عرضه. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " أن تجعل لله نداً ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الأصل الأوّل في جميع الأديان السماوية هو التوحيد، وهو ما يقتضيه العقل والفطرة السليمة، ويؤدي إليه العلم الصحيح، كما يدل عليه قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). ثانياًَ: أن الشرك أكبر الكبائر على الإِطلاق. ثالثاً: أن أكبر الكبائر بعد الشرك قتل الأولاد والزنا بحليلة الجار.
٧٦٧ - " قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) "
ومعنى الآية: أن الله امْتَنَّ على بني إسرائيل بوقايتهم من حرارة الشمس حيث سخّر لهم السحاب يتظلَّلون به وأَمَّنَ لهم طعامهم دون عناء، فأنزل عليهم المنّ يتساقط عليهم كالثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأنزل عليهم السلوى، وهو طائر كالسُّماني، فكانوا
стр. 1626
١٠١٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْكَمْاة مِنَ المَنِّ وَمَاؤهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ ".
٨٦٨ - " بَابٌ (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) "
١٠١٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا
ــ
ينعمون بذلك الغذاء دون مشقة أو عناء.
١٠١٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " الكمأة من المن " وهي نبْتَة خلوية تنبت في الصحراء دون استنبات وتكثر في الربيع عند نزول الأمطار، وتتابع العواصف الرعدية، ويسميها العرب نبات الرعد، وهي أنواع كثيرة، منها ما يسمونه " الفقع " ويكثر في الأراضي النجدية وأواسط الجزيرة العربية، وتؤكل نيئةً ومطبوخة، وقد أخبرنا النبي ﷺ في هذا الحديث أنها من المن، قال الكثيرون شبهها بالمن الذي أنزل عليهم لأنّها تنبت دون استنبات.
فقه الحديث: دل الحديث على أن الكمأة من النعم التي أنعم الله بها على هذه الأمة، فيسر لهم الحصول عليها دون عناء، كما سخر المن لبني إسرائيل دون تعب أو مشقة. والمطابقة: في قوله: " من المن ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨٦٨ - " باب (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ) "
١٠١٤ - معنى الحديث: أن بني إسرائيل أمروا أن يدخلوا بيت
стр. 1627
حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ علَى أسْتَاهِهِمْ فبدلوا، وَقَالُوا: حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِى شَعَرَةٍ".
٨٦٩ - بَابُ (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)
١٠١٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقرَؤونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ
ــ
المقدس ساجدين شاكرين قائلين حطة. أي اللهم حط عنا ذنوبنا، فدخلوا زاحفين وهم يقولون مستهزئين ساخرين: حبة في شعيرة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير هذه الآية الكريمة. ثانياً: إمعان بني إسرائيل في الضلال والاستخفاف بأوامر الله واستهتارهم بأحكامه. والمطابقة: في قوله: " فبدلوا وقالوا: حبة في شعير ".
٨٦٩ - " باب (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) "
أي قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٦].
ومعنى هذه الآية إجمالاً: أن الله تعالى أمرنا أن نقول لأهل الكتاب إننا آمنا بالله وبرسولنا ﷺ وكتابنا، كما آمنا بما أنزل على الأنبياء السابقين من الكتب السماوية، وصدقنا بأنّها منزلة من عند الله تعالى.
١٠١٥ - معنى الحديث: أن بعض علماء اليهود بالمدينة كانوا يقرؤون على المسلمين بعض نصوص التوراة، ويترجمونها لهم إلى العربية، ولعل ذلك أسلوب من أساليب التبشير بالدين اليهودي فلما سمع بذلك النبي ﷺ أمر
стр. 1628
الإِسْلَام، فَقَالَ رسَولُ اللهِ ﷺ : " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذبُوهُمْ (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) " الآيَة.
ــ
أصحابه أن يقفوا من ذلك موقف الحيطة والحذر، فلا يُصدقُونهم فيه ويأخذونه منهم قضية مسلمة لأن التوراة قد أدخل عليها الكثير مما ليس فيها، ولا يكذبونهم فيه لاحتمال أن يكون من بقية الوحي السماوي الذي أنزل على موسى، وهو معنى قوله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " لأنه يحتمل الصدق والكذب، هذا إذا لم يكن مخالفاً للقرآن والسنة الصحيحة، وإلا فإنه في هذه الحالة يرفضُ تماماً، لأنه كذب صريح، أو كان موافقاً لهما موافقة صريحة، فإنه يقبل ويصدق، ثم قال ﷺ : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) أي (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
فقه الحديث دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن التوراة التي كانت على عهد النبي ﷺ والتي هي موجودة في زماننا هذا، والنصوص والأخبار التي فيها ليست كلها صحيحة منزلة من عند الله تعالى، لأنها لم تبق على حالتها الأصلية التي كانت عليها عندما ما أنزلت على موسى، كما أنها ليست كلها باطلة، لأن فيها بقايا صحيحة مما أنزل على موسى، ونحن معاشر المسلمين نقف منها موقف الحق والعدل والإنصاف، فأما ما وافق القرآن فهو حق لا شك فيه، وهو من الوحي الذي أنزل على موسى، وقدْ أوجب الله علينا في الآية الكريمة أن نؤمن به، وأما ما خالف القرآن فهو باطل، وأمّا ما لم يخالف ولم يوافق فيحتمل الصدق والكذب. ثانياًً: هذا الحديث أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور (١) فلا نحكم عليه بصحة ولا بطلان، ولا بتحليل
стр. 1629
٨٧٠ - " بَابُ قَوْلِهِ تعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) "
١٠١٦ - عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيقُولُ: لَبيكَ وسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيقولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لأمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّد وَأمَتّهَ، فَيشْهَدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
ــ
ولا تحريم، وقد كان السلف يتوقفون في بعض ما أشكل عليهم، فلما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين، قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولما سئل ابن عمر عن رجل نذر أن يصوم كل اثنين، فوافق ذلك اليوم يوم عيد، فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر، ونهى النبي ﷺ عن صوم يوم العيد، فهذا مذهب من يسلك طريق الورع. اهـ. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: وقولوا (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) الآية.
٨٧٠ - " باب قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) "
١٠١٦ - معنى الحديث: أن الله يوم القيامة ينادي نوحاً فيجيبه بقوله: لبيك وسعديك، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعاد، فيكرر الإجابة مرتين للتأكيد، على أنه طوع أمره، فيسأله : هل بلغ رسالته لقومه؟ فيقول: نعم، فيسأل قومه، فينكرون، فيطالبه بالبينة، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيسأل رب العزة والجلال أمة محمد أن يدلوا بشهادتهم، فيشهدون على أن نوحاً بلّغ رسالة ربه، فيقال لهم: وما علمكم
стр. 1630
شَهِيداً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) وَالْوَسَطُ: العَدْلُ ".
" تفسير سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ "
٨٧١ - " بَابُ قَوْلِهِ (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) "
١٠١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
تَلا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآية (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
ــ
بذلك، فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقنا، وهكذا تشهد هذه الأمة للأنبياء بالتبليغ، ويشهد الرسول ﷺ لها بالعدالة، فيزكيها، فذلك قول الله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي ومن جملة النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم يا أمة محمد أن جعلكم عدولاً أمناء لتشهدوا على الناس يوم القيامة بتبليغ الرسل لهم ما أنزل عليهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة. ثانياًً: عدالة هذه الأمة واختيارها للشهادة على الأمم الأخرى، وهذا شرف عظيم. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في قوله: " فيشهدون أنه قد بلغ ".
٨٧١ - " باب قوله : (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) "
ذكر البخاري هنا من الأحاديث ما يتعلق بتفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
стр. 1631
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) إلي قَوْلِهِ: (أُولُو الْأَلْبَابِ) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِذَا رَأيْتُ الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ، فأولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ ".
ــ
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ومعنى الآية كما قال السعدي (١) أن الله أنزل القرآن محتوياً على المحكم الواضح المعنى، وعلى المتشابه الذي يحتمل معان متعددة لا يتعين أحدهما حتى يضم إلى المحكم، فأمّا أهل الزيغ والضلال فإنهم يعمدون إلى المتشابه فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وأما أهل العلم الراسخ واليقين الثابت، فإنهم لا يأخذون إلَّا بالآيات المحكمة، ويردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرونه به لأنهم يعلمون أن القرآن كله من عند الله، فإذا خفيت عليهم آية متشابهة فسروها بآية أخرى محكمة.
١٠١٧ - معنى الحديث: أن الرسول ﷺ قرأ قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) إلخ الآية، ثم حذر علماء أمته أن يعتمدوا على الآيات المتشابهة، ويستدلوا بها على العقائد والأحكام، لأنها تحتمل معان مختلفة، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال، وقد بالغ ﷺ في التحذير والتنفير من ذلك وأمر باجتناب من يفعله فقال ﷺ : " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه " أي إذا رأيت الذين يتقصدون الآيات المتشابهة ليستدلوا بها على مذاهبهم الباطلة، كما يفعل الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع والأهواء " فأولئك الذين سمّى الله فأحذروهم " أي فأولئك الذين وصفهم الله بالزيغ والضلال في قوله تعالى:
стр. 1632
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الزيغ والضلال الاعتماد على المتشابه في العقائد والأحكام، لأن الله تعالى قد وصف من يفعل ذلك بالزيغ، فقال : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) وقال ﷺ مؤكداً ذلك، إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله. ثانياً: التحذير الشديد من الإِصغاء إلى الذين يتبعون المتشابه وسماع كلامهم لقوله فاحذروهم، قال الحافظ: وأول ما ظهر ذلك في الإِسلام من الخوارج. ثالثاً: أن الاعتماد في العقائد والتشريع على المحكم من آيات القرآن الكريم، لأنه ﷺ لما حذر من الاعتماد على المتشابه دل ذلك على أن المحكم هو الأصل الذي يعتمد عليه، ويحتج به في الأحكام اعتقادية كانت أو عملية، كما قال تعالى: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله (١) الذي يعتمد عليه. والقول الصحيح الذي عليه أهل السنة كما قال العلامة السعدي (١) إن المتشابه إذا وجدنا في مقابله نصاً محكماً، وجب أن نرده إليه، ونحمله عليه، ونفسره به، كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فإن قوله: (فَنَسِيَهُمْ) من المتشابه الذي يقابله من المحكم قوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) فنرد المتشابه إلى المحكم، ونفسره بمقتضاه، فيكون معنى قوله: (فَنَسِيَهُمْ) أي حرمهم من فضله، ومنعهم من رحمته، لأن الله لا ينسى، كما دلت عليه الآية المحكمة، فوجب صرف النسيان إلى معنى يتفق معها، ويليق بجلال الله . اهـ. وإن لم نجد ما يقابله من المحكم كأوائل السور فإننا نتوقف عن تفسيره، ونقول: الله أعلم بمراده، لأنه مما استأثر الله بعلمه، فإنما وقع في الزيغ والضلال من وقع من الكفار وأهل البدع والأهواء بسبب احتجاجهم بالآيات المتشابهة دون الرجوع إلى المحكمات التي هي أم الكتاب،
стр. 1633
٨٧٢ - " بَاب (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) "
١٠١٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشيطانِ إِيَّاهُ، إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا " ثُمَّ يَقُولُ
ــ
أو تفسير ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، دون خلقه، فمن الأول ما رواه ابن جرير عن الربيع أن الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى نجران خاصموا النبي ﷺ قالوا: ألست تزعم أنّه -أي عيسى- كلمة الله وروح منه، قال: بلى، قالوا: فحسبنا، فأنزل الله (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)، ثم إن الله جل ثناؤه أنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية: ومن الثاني: ما روي أن أبا ياسر بن أخطب وحيي بن أخطب ونفراً من اليهود ناظروا رسول الله ﷺ في قدر مدة أجله وأجل أمته وأرادوا علم ذلك (١) من قوله تعالى: (الم) و (المص) و (الر) فقال جل ثناؤه فيهم (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) يعني فأما هؤلاء اليهود الذين قلوبهم مائلة عن الهدى والحق فيتبعون ما تشابه منه من معاني هذه الحروف المقطعة المحتملة للوجوه المختلفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ".
٨٧٢ - " باب. (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) "
١٠١٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "ما من مولود يولد إلّا
стр. 1634
أبو هُرَيرَة: واقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
٨٧٣ - بَابُ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)
١٠١٩ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
(حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ ألقِيَ
ــ
والشيطان يمسه " أي ينخسه ويطعنه في جنبه " فيستهل صارخاً " أي فيرفع صوته بالبكاء عقب الولادة مباشرة بسبب ذلك النخس الذي نخسه به الشيطان " إلاّ مريم وابنها " عيسى، فإن الله عصمهما منه عند الولادة، لدعوة امرأة عمران إذ قالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فاستجاب الله دعوة امرأة عمران، فحفظ مريم وابنها " المسيح " من نخس الشيطان، كما جاء في رواية مسلم أن النبي ﷺ قال: " ما من مولود يولد إلاّ نخسه الشيطان إلّا ابن مريم وأمه " ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وفي رواية البخاري: " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب، وهو غشاء الجنين. فقه الحديث: قال القرطبي في تفسيره: أفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء (١) إلَّا مريم وابنها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث مفسِّراً للآية الكريمة.
٨٧٣ - " قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) "
١٠١٩ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده المتصل هذا
стр. 1635
في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ".
٨٧٤ - " بَابٌ (لَا تَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) "
١٠٢٠ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:
أن رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ
ــ
الحديث " عن ابن عباس " ﵄ أنّه قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار " أي أن هذه الكلمة العظيمة قالها: نبيان هما أشرت الأنبياء في أشد المواقف محنة وابتلاءً حيث قالها إبراهيم الخليل وهو يلقى في النار، فأنجاه الله منها، وكانت برداً وسلاماً " وقالها محمد حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم " أي عندما تجهّز إلى بدر الصغرى، فأتاه المنافقون، وقالوا: نهيناكم عن الخروج في أحد فعصيتمونا فظفروا بكم، وأنتم في دياركم والآن وهم في ديارهم، وقد جمعوا الجموع الكثيرة " فاخشوهم " أي احذروا الخروج إليهم، وإلا لم يرجع منكم أحدٌ " فقالوا حسبنا الله " أي كافينا الله إياهم. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على سبب نزول الآية، وعلى أنّ من توكل على الله كفاه. والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية الكريمة.
٨٧٤ - " باب (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) "
أي هذا باب ما جاء في تفسير قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
стр. 1636
رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الْغَزْوِ، تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهَ ﷺ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهَ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وأَحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) الآيَة.
ــ
بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
١٠٢٠ - معنى الحديث: أن جماعة من المنافقين كانوا يقعدون عن الغزو معه ﷺ فرحين بتغيبهم عن المعركة التي خرج إليها النبي ﷺ حتى إذا عاد ﷺ إلى المدينة اعتذروا إليه بالأعذار الكاذبة، وحلفوا على ذلك الأيمان الفاجرة، فقبل منهم النبي ﷺ أعذارهم، فازدادوا فرحاً وسروراً لما حصلوا عليه من الحمد والثناء لأنهم يحبون المديح دون عمل مقابل، فنزل (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) إلى آخر الآية، والمعنى لا تظنن أيها الرسول الكريم أن هؤلاء المنافقين الذين يفرحون بما فعلوه من التخلف عن الغزو معك، ومخادعتك بالأعذار والأيمان الكاذبة، ويحبون الحصول على ثنائك عليهم، دون عمل صالح يستحقون عليه هذا الثناء، لا تظنن أنهم بمنجاة من عذاب الله، فإنهم سيلقون عذاباً شديداً بالنار وبئس القرار. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان سبب نزول الآية وتفسيرها. ثانياً: الوعيد الشديد لكل من يريد أن يمدحه الناس بما ليس فيه، وأنها صفة ذميمة من صفات المنافقين والمرائين في كل عصر ومصر. ثالثاً: قال الشيخ السعدي في تفسيره: دلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين في الأعمال
стр. 1637
" تفسير سُورَةِ النِّسَاءِ "
٨٧٥ - " بَابٌ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) "
١٠٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّهَا سَألهَا عُرْوَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) قَالَتْ: يَا ابْنَ أخْتِي، هَذِهِ اليَتيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ في مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أن يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا فَيُعْطِيْهَا مِثلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فنُهوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنَّتِهِنَّ في الصَّدَاقِ، فَأمِرُوا أن يَنْكِحُوا ما طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ.
ــ
والأقوال (١)، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه كما قال إبراهيم ﵇: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ). والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية.
٨٧٥ - " باب (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) "
١٠٢١ - معنى الحديث: أن عروة سأل عائشة ﵂ عن معنى قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) فقالت: معناها أن تكون الفتاة في كفالة رجل من أوليائها، وتكون شريكة له في ماله، وهي وسيمة جميلة فيرغب في جمالها، ويريد أن يتزوجها، ولكن لا يريد أن يعدل في صداقها فيعطيها مهر مثيلاتها، فأمره الله تعالى بأحد أمرين: إما أن ينصفها من نفسه، فيتزوجها بأعلى مهر
стр. 1638
٨٧٦ - " بَابُ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) الآيَة "
١٠٢٢ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ نَاساً مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فَيُقْتَلَ فأنزلَ اللهُ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ).
ــ
مثيلاتها، أو يتركها ويتزوج غيرها من النساء، والنساء كثيرات.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة وبيان سبب نزولها. ثانياًً: أن اليتيمة إذا كانت في حجر وليها لا يجوز له أن يتزوجها بأقل من مهر المثل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث تفسيراً للآية.
٨٧٦ - " باب (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) الآية "
١٠٢٢ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يفسّر لنا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)، ويبيّن سبب نزولها، فيقول ﵄ إن جماعة من المسلمين كانوا قد تخلفوا في مكة، ولم يهاجروا إلى المدينة، فكانوا إذا وقعت غزوة خرجوا مع المشركين فيها، فإذا أطلق المسلمون سهامهم أصيب هؤلاء بتلك السهام، فقتلوا في صفوف المشركين، فأنزل الله تعالى في حقهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ
стр. 1639
" تفسير سُورَةِ المَائِدَةِ "
٨٧٧ - " بَابٌ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) "
١٠٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّداً كَتَمَ شَيْئَاً مِمَّا أنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ
ــ
أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وأخبرنا أن الذين قبضت الملائكة أرواحهم، وهم في دار الشرك، حالة كونهم ظالمي أنفسهم، برضاهم الإقامة هناك، وإيثارهم الدنيا على الهجرة مع رسول الله ﷺ ، هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخاً وتأنيباً: في أي مكان كنتم؟ قالوا معتذرين: كنا مستضعفين مستذلّين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، فقالت لهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم فيها القيام بواجبات الدين واسعة فتهاجروا فيها، ولكنكم رضيتم، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق، فأولئك جزاؤهم جهنم وبئس المصير مصيرهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة وسبب نزولها. ثانياً أنه يجب على المسلم أن يهاجر من البلاد التي لا يتمكن فيها من إقامة شعائر دينه. فالهجرة في هذه الحالة واجبة ولا يستثنى من ذلك سوى الشيوخ والعجزة من النساء والولدان الذين لا يستطيعون الهجرة، وقد ضاقت بهم الحيل. ثالثاً: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل الفتح لأنها لم تكن دار إسلام. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في كون الحديث تفسيراً للآية الكريمة وبياناً لسبب نزولها.
٨٧٧ - " باب (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) "
١٠٢٣ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تقول: من أخبرك أن محمداً ﷺ أخفى شيئاً من الوحي عن أمته فقد كذب على النبي ﷺ أشد
стр. 1640
يَقْول (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية.
ــ
الكذب، واتهمه بالخيانة ومخالفة أمر الله تعالى، لأنّ الله قال لنبيه ﷺ في محكم كتابه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وذلك هو قولها " من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل عليه فقد كذب " أي فقد كذب على النبي ﷺ أشد الكذب حيث اتهمه بالكتمان الذي هو مخالفة لأمر الله تعالى له بالتبليغ، وحاشاه ﷺ أن يكتم شيئاً بعد أن أمره الله تعالى بتبليغ جميع ما أنزل عليه.
فقه الحديث: دل فذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من شهادة أن محمداً رسول ﷺ الإيمان بأنه ﷺ قد أدى الأمانة وبلّغ الرسالة، ولم يترك شيئاً من الوحي إلاّ بلغه لأمته امتثالاً لأمر ربه حيث أمره الله تعالى بذلك في قوله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ثانياًً: أن من أشد الكذب على رسول الله وأعظم الافتراء عليه القول بأنه ﷺ كتم شيئاً من الوحي، لأن من قال هذا فقد نسب النبي إلى مخالفة أمر الله بكتمان الوحي الذي أمر بتبليغه، وهذا طعن في عصمته ورسالته، ومن شروط الرسالة العصمة في التبليغ، ولعل عائشة ﵂ علمت بوجود بعض الفرق التي تقول بذلك، فإن بعض غلاة الشيعة كانوا يتحدثون أن عند علي وآل بيته من الوحي ما خصهم به النبي ﷺ دون الناس، وقد سئل علي ﵁ كما في الصحيحين: " هل خصكم الرسول بشيء فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قال السائل: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ ما دام قد أمر أن يبلغ ما أنزل إليه فإنه لا بد أن يبلغ كل شيء من الوحي، ومن ادّعى أنه كتم شيئاً
стр. 1641
٨٧٨ - " بَابُ قَولِهِ تعالى (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) "
١٠٢٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
" كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ولَيْسَ مَعَنَا نِسَاء، فَقُلْنَا: ألا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأةَ بالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) ".
ــ
من ذلك فقد كذب عليه.
٨٧٨ - " باب قوله تعالى: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) "
١٠٢٤ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " كنا نخرج مع النبي ﷺ وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك " أي كنا نخرج إلى الغزو مع النبي ﷺ فنفارق نساءنا فنعاني كثيراً، فسألنا النبي ﷺ واستأذناه في الاختصاء " فنهانا عن ذلك " لا فيه من القضاء على شهوة الجنس، وتعطيل النسل الذي يتوقف عليه بقاء النوع الإنساني، " فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب " أي وأباح لنا نكاح المتعة، وقد كان ذلك مشروعاً، ثم نسخ في آخر حياة النبي ﷺ " ثم قرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) " ومعنى هذه الآية الكريمة أن الله نهى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله لهم من طيبات هذه الحياة سواء كانت من المأكولات، أو الملبوسات أو المشروبات المباحة، أو المنكوحات المشروعة، ونهاهم أن يتخذوا من الأسباب ما يحول بينهم وبين الرغبة في النساء، من الاختصاء وغيره، وحرّم عليهم ذلك لما فيه من القضاء على التناسل الذي يتوقف عليه بقاء النوع الإِنساني في هذه الأرض وهو جريمة تتعارض مع شريعة الله في المحافظة على النسل، فإن
стр. 1642
الله قد خلق هذه الغرائز في الإنسان، وأراد لها أن تبقى لتؤدي دورها في هذه الحياة بما يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة، فالغرائز هي مقومات الحياة، وإذا استعملت على الوجه الصحيح الذي يتفق مع منهج الشريعة كانت محبباً لجميع الطاعات، والأعمال الصالحة، فلولا تغذية الجسد بالمأكولات والمشروبات لفقد الجسم قدرته على عبادة الله، ولولا النكاح لما كان هناك تناسل ولا نوع من البشر يعبد الله، ويجاهد في سبيله، ولهذا قال ﷺ : " تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم " ولهذا قال بعضهم: الاعتداء المنهي عنه في قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا) هو محاولة بعض الصحابة الاختصاء كما جاء في الحديث. والحاصل أن الاعتداء يشمل أمرين: الاعتداء في الشيء نفسه بالإِسراف فيه والاعتداء بتجاوزه إلى غيره مما ليس من جنسه وهو الخبائث. اهـ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن نكاح المتعة كان موجوداً، وأن النبي ﷺ قد رخص لأصحابه فيه عندما خرجوا إلى الغزو وتركوا نساءهم في المدينة فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما يعانونه، واستأذنوه في الاختصاء فنهاهم عنه، ورخص لهم في نكاح المتعة، ثم نسخ في آخر حياة النبي ﷺ . ثانياً: أنه يحرم الغلو في الدين، والتضييق على النفس البشرية وحرمانها من طيبات الحياة التي أحلّها الله، وقد كان ذلك من العبادات المأثورة عند قدماء اليهود واليونان، قلدهم فيها النصارى فشددوا على أنفسهم، وحرموا عليها ما لم تحرمه الكتب المقدسة. ولما جاء الإِسلام أباح للبشر الزينة والطيبات، وأرشدهم إلى إعطاء البدن حقه، والروح حقها، ولذلك كانت الأمة الإسلامية وسطاً بين جميع الأمم. وروى ابن عباس ﵄ في تفسير الآية الكريمة " أن نفراً من الصحابة حرّموا على أنفسهم الطيبات بأيمان حلفوا بها، فقالوا: كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، فأنزل الله تعالى ذكره (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الآية، وفي هذا حجة ظاهرة لمن يقول من حلف على ترك جنس من
стр. 1643
٨٧٩ - " بَابُ قَولِهِ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) "
١٠٢٥ - عَنْ أنسٍ بْنٍ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
"مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غيْرُ فَضِيخِكُمْ هذا الذي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيْخَ فإنِّي
ــ
المباحات يجب عليه أن يحنث في يمينه، ولا كفارة عليه، لأنها يمين لغو لا كفارة فيها. ثالثاً: أن تهذيب النفس لا يكون بالغلو والحرمان من الطيبات وإنما بإيقافها عند حد الاعتدال دون إفراط ولا تفريط لأنه تعالى لم يخلق هذا الإِنسان ملكاً مجرداً عن النوازع البشرية وإنما خلقه مركباً من روح وجسد، ولا سلامة للعقل والروح وسائر القوى إلاّ بسلامة البدن، وصحة الجسم، كما أنه لا عبادة ولا طاعة إلا في جسم سليم وعقل سليم، ولذلك حرم على الإِنسان كل ما يضر بجسمه، لأن من ضعف جسمه عجز عن الطاعات وسائر العبادات، وربما قصر في أداء واجباته الاجتماعية فلا بد من إعطاء الجسم حقه من الحياة والتمتع بالطيبات المباحة ليقوم بواجباته الدينية والاجتماعية التي هو مكلف بها لئلا يضعف عن أدائها. والمطابقة: في قوله: " فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك " حيث دل ذلك على أن الاعتداء المنهى عنه في الآية هو الاختصاء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٨٧٩ - " باب قوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) "
ومعناها: أن الله تعالى يخبرنا وهو أصدق القائلين أن الخمر من أي مادة كانت، والقمار بجميع أنواعه، والأصنام التي تعبد من دون الله، كل ذلك أشياء قذرة خبيثة ضارة بأصحابها، وإنما يزينها الشيطان لذوي النفوس الضعيفة والعقول السخيفة، ولذلك حرّمها الله وحذر منها أشد التحذير بقوله:
стр. 1644
لَقَائِمٌ أسْقِي أبا طَلْحَةَ وَفُلاناً وفُلاناً، إذ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُم الخَبرُ؟ قَالُوا: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قَالُوا: أهْرِقْ هَذِهِ القِلَالِ يَا أنسُ، فَمَا سَألوا عَنْهَا، ولا رَاجَعُوها بَعْدِ خَبَرِ الرَّجُل".
ــ
" (فَاجْتَنِبُوهُ) " أي ابتعدوا عن مجرد القرب منها، فضلاً عن شرب الخمر، أو لعب القمار، أو عبادة الأصنام " (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) " أي لكي تفوزوا بدخول الجنة والنجاة من النار.
١٠٢٥ - أما معنى الحديث: فيقول أنس ﵁: " ما كان لنا خمر غير فضيخكم " " يعني " أن الخمر التي كانوا يشربونها بالمدينة على عهد النبي ﷺ وحرمها الله بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) كانت من ثمار النخل على اختلاف أنواعها رطباً وتمراً، ومنها الفضيخ وهو يصنع من الرطب ثم ذكر ﵁ اليوم الذي حرمت فيه الخمر بالمدينة، وأنه بينما كان قائماً يسقي أبا طلحة وضيوفه من شراب الفضيخ هذا (١). إذ قدم عليهم رجل فأخبرهم بتحريم الخمر، فأمره أبو طلحة أن يريق تلك الجرار الكبيرة التي كانت مملوءة بالشراب، أما النفر الذين كانوا يشربون عند أبي طلحة، وهم أبو دجانة وسهيل ابن بيضاء وأبو عبيدة وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو أيوب ﵃ فإنهم لما وصلهم خبر تحريمها والكؤوس في أيديهم كفّوا عن شربها حالاً وأراقوا ما فيها ... فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا قال أنس: " ولا راجعوها بعد خبر الرجل " أي انتهوا عنها إلى الأبد ولم يعودوا إليها بعد نزول الآية الكريمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان معنى الخمر المحرَّمة في الآية الكريمة. وأنها كل شراب مسكر من أي مادة كانت، سواء كان من العنب أو
стр. 1645
" تفسير سورة الأنعام "
٨٨٠ - " بَابُ قَوْلِهِ تَعالَى (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) "
١٠٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
"لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ، ولذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا
ــ
من غيره، وأنه لا يلزم أن تكون من العنب، فإن الخمر التي كانت موجودة في المدينة، والتي حرمت على عهد النبي ﷺ لم تكن مصنوعة من العنب، وإنما كانت من البسر. ولهذا قال الجمهور: كل مسكر خمر، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: " الخمر ما كان من العنب خاصة ". وقد جاء التصريح في الأحاديث الصحيحة: أن الخمر يكون من أنواع متعددة غير العنب، فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر " أخرجه أحمد في مسنده (١) وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: " نزل تحريم الخمر وإن في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب " أخرجه البخاري، والأشربة الخمسة التي كانت بالمدينة. كما قال القسطلاني: هي شراب (٢) العسل والتمر والحنطة والشعير والذرة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه دل على تفسير الآية الكريمة.
٨٨٠ - " باب قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) "
والمعنى: أن الله ينهانا أن نقترب مما عظم قبحه من كبائر الذنوب أقوالاً
стр. 1646
ومَا بَطنَ، ولا شَىْءَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، ولِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ".
ــ
وأفعالاً، كالزنا وقذف المحصنات، وأكل الربا، وشرب الخمر. ونحوه، وأن لا نأتي ذلك سراً أو جهراً، ويشمل الباطنُ أعمال القلوب أيضاً من الحسد والكبر (١) والمكر السيء ونحوه.
١٠٢٦ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ " لا أحد أغير من الله " أي إن الله تعالى غيور شديد الغيرة على عباده، لا أحد أشد منه غيرة عليهم، وغيرة الله على العباد معناها أنه لا يرضى أن يمسهم أحد بسوء، ولا أن يلحق بهم أي ضرر أو عدوان أو يصيب أحداً منهم بأذى في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله ويكره أشد الكره أن يُعتدى عليه في حق من حقوقه الإنسانية. فحرّم الزنا غيرة على أعراض الناس وأنسابهم، وحرّم السرقة والغصب والربا غيرة على أموال الناس أن يعتدى عليها، وحرّم شرب الخمر غيرة على عقول الناس، ومحافظة على سلامتها، وجميع ما حرمه الله من الفواحش إنما حرمه غيرة على حقوق عباده وحماية لها، وهو معنى قوله: " ولذلك حرم الفواحش " أي أنه إنما حرم الفواحش غيرة على عباده، وحفظاً لمصالحم، ولا شيء أحب إليه المدح من الله " أي لا أحد أشد حباً للمدح والثناء الصادق الصحيح من الله تعالى، فإنه يحبُّ الثناء والشكر من عباده، ويكافؤهم عليه بزيادة النعمة كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) " ولذلك مدح نفسه " اللام للتعليل أي ومن أجل ذلك أثنى على نفسه بنفسه ليعلّم عباده كيفية الثناء عليه، فقال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الله تعالى يغار على عباده غيرة شديدة
стр. 1647
٨٨١ - بَابٌ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)
١٠٢٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسَ آمَنْ مَنْ عَلَيْهَا، فذَاكَ حِينَ لا يَنْفع نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ ".
ــ
تظهر آثار هذه الغيرة في تحريم الفواحش من الزنا والقذف والسرقة وغيرها فإن الله إنما حرّمها لما فيها من التعدي على حقوق الناس، والله غيور على عباده. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الحكمة في تحريم الله للفواحش وهي غيرته على عباده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨٨١ - " باب (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) (١) "
١٠٢٧ - معنى الحديث: لا تنتهي الحياة الدنيا على سطح هذه الأرض لتبدأ الحياة الأخرى حتى تظهر أهم العلامات الكبرى لقيام الساعة، وهي طلوع الشمس من مغربها، وهي آخر أشراط الساعة كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم والبيهقي أن أول الآيات ظهوراً الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها وكما يدل عليه قوله ﷺ " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها " بمعنى أن طلوع الشمس من مغربها هو أهم أشراط الساعة، وأخطرها وأقربها إليها، لأنه آخر علاماتها " فإذا رآها الناس آمن من عليها " أي آمن كل من على هذه الأرض من البشر، " فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " أي فذلك هو الوقت الذي لا ينفع فيه الكافر إيمانه إذا لم يسبق له الإِيمان قبل ذلك، ولا عمل صالح
стр. 1648
بعد الطلوع، لأن حكم الإِيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة. ثانياًً: أن التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، فلا ينفع الكافر إيمانه في ذلك اليوم، ولا العاصي توبته، لأنه يغلق باب التوبة، وقد جاء التصريح بعدم القبول كما في حديث معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو مرفوعاً: لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها (١)، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه. ثالثاً: أن من أشراط الساعة الكبرى وأخطرها طلوع الشمس من مغربها وقد اختلفت الأحاديث في أول علامات الساعة ما هي فورد في بعض الروايات: أن أول الآيات خروج الدجال، وفي بعضها أن أوّلها طلوع الشمس من مغربها، وفي بعضها الدابة، وفي بعضها نار تحشر الناس إلى محشرهم، قال الحافظ: وطريق الجمع أن الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في الأرض، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهى ذلك بقيام الساعة. والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أوّل الآيات الكونية المؤذنة بقيام الساعة.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على تفسير الآية.
...
стр. 1649
" تفسير سُورَةِ الأعْرَاف "
٨٨٢ - بَابٌ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
١٠٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ:
" أَمرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقَ النَّاسِ، أو كَمَا قَالَ ".
ــ
٨٨٢ - " باب (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١)) "
١٠٢٨ - معنى الحديث: أن الزبير ﵁ يفسر لنا قوله تعالى: " (خُذِ الْعَفْوَ) " فيقول: " أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس " أي أمره ﷺ أن يتسامح مع الناس ويتساهل في معاملتهم ويتغاضى عن هفواتهم وأن يرضى بالميسور من أفعالهم وأخلاقهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وأن المراد به أن الله أمر نبيه ﷺ بالتسامح مع الناس ومعاشرتهم بالحسنى، وقبول ما أَتى من أفعالهم بسهولة ويسر دون إحراجهم، أو التكليف عليهم، بما يشق على نفوسهم، كما دلت الآية الكريمة على وجوب التناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإِعراض عن الجهلاء، والحمقى والسفهاء، وعدم مجاراتهم أو مجازاتهم، والصفح عنهم، والتغاضى عن زلاتهم، وهو معنى قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولا شك أن هذه الأمور الثلاثة هي دعائم الخلق الكامل الذي تكتسب به محبة الناس، وتجمع به القلوب المتنافرة، وتتوثق به الروابط الاجتماعية. والمطابقة: في كون الحديث دل على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وهو ما ترجم به البخاري. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود.
стр. 1650
" تفسير سُورَةِ بَراءَة "
٨٨٣ - " بَابُ قَولِهِ (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) "
١٠٢٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابْتَعَثَانِى، فانتهَيَا بِي إلى
ــ
٨٨٣ - " باب قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) "
معنى الآية الكريمة: روى في سبب نزول هذه الآية أن جماعة تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة (١)، ووديعة بن خذام، فندموا على ما فعلوا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وأقسموا لا يحلهم إلاّ رسول الله ﷺ ، فلما قدم رسول الله ﷺ ، وعلم بخبرهم، أقسم أن لا يحلهم حتى ينزل فيهم قرآن، فأنزل الله فيهم هذه الآية الكريمة ومن أهل المدينة أناس آخرون غير المنافقين وهم أبو لبابة، ومن معه، هؤلاء اعترفوا بذنوبهم، ولم ينكروها كما فعل المنافقون وخلطوا عملاً صالحاً، وهو خروجهم مع النبي ﷺ في جميع الغزوات السابقة وآخر سيئاً وهو هذا التخلف الذي وقع منهم بدون عذر، هؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم، ويقبل عذرهم، والله يقبل التوبة، ويعفو ويصفح، وهو الغفور الرحيم.
١٠٢٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يقص علينا في هذا الحديث رؤيا منامية غريبة فيحدثنا أنه جاءه ملكان وهو نائم فذهبا به إلى مدينة فاخرة