ومَا بَطنَ، ولا شَىْءَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، ولِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ".
ــ
وأفعالاً، كالزنا وقذف المحصنات، وأكل الربا، وشرب الخمر. ونحوه، وأن لا نأتي ذلك سراً أو جهراً، ويشمل الباطنُ أعمال القلوب أيضاً من الحسد والكبر (١) والمكر السيء ونحوه.
١٠٢٦ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ " لا أحد أغير من الله " أي إن الله تعالى غيور شديد الغيرة على عباده، لا أحد أشد منه غيرة عليهم، وغيرة الله على العباد معناها أنه لا يرضى أن يمسهم أحد بسوء، ولا أن يلحق بهم أي ضرر أو عدوان أو يصيب أحداً منهم بأذى في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله ويكره أشد الكره أن يُعتدى عليه في حق من حقوقه الإنسانية. فحرّم الزنا غيرة على أعراض الناس وأنسابهم، وحرّم السرقة والغصب والربا غيرة على أموال الناس أن يعتدى عليها، وحرّم شرب الخمر غيرة على عقول الناس، ومحافظة على سلامتها، وجميع ما حرمه الله من الفواحش إنما حرمه غيرة على حقوق عباده وحماية لها، وهو معنى قوله: " ولذلك حرم الفواحش " أي أنه إنما حرم الفواحش غيرة على عباده، وحفظاً لمصالحم، ولا شيء أحب إليه المدح من الله " أي لا أحد أشد حباً للمدح والثناء الصادق الصحيح من الله تعالى، فإنه يحبُّ الثناء والشكر من عباده، ويكافؤهم عليه بزيادة النعمة كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) " ولذلك مدح نفسه " اللام للتعليل أي ومن أجل ذلك أثنى على نفسه بنفسه ليعلّم عباده كيفية الثناء عليه، فقال : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الله تعالى يغار على عباده غيرة شديدة
стр. 1647
٨٨١ - بَابٌ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)
١٠٢٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسَ آمَنْ مَنْ عَلَيْهَا، فذَاكَ حِينَ لا يَنْفع نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ ".
ــ
تظهر آثار هذه الغيرة في تحريم الفواحش من الزنا والقذف والسرقة وغيرها فإن الله إنما حرّمها لما فيها من التعدي على حقوق الناس، والله غيور على عباده. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الحكمة في تحريم الله للفواحش وهي غيرته على عباده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.
٨٨١ - " باب (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) (١) "
١٠٢٧ - معنى الحديث: لا تنتهي الحياة الدنيا على سطح هذه الأرض لتبدأ الحياة الأخرى حتى تظهر أهم العلامات الكبرى لقيام الساعة، وهي طلوع الشمس من مغربها، وهي آخر أشراط الساعة كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم والبيهقي أن أول الآيات ظهوراً الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها وكما يدل عليه قوله ﷺ " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها " بمعنى أن طلوع الشمس من مغربها هو أهم أشراط الساعة، وأخطرها وأقربها إليها، لأنه آخر علاماتها " فإذا رآها الناس آمن من عليها " أي آمن كل من على هذه الأرض من البشر، " فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " أي فذلك هو الوقت الذي لا ينفع فيه الكافر إيمانه إذا لم يسبق له الإِيمان قبل ذلك، ولا عمل صالح
стр. 1648
بعد الطلوع، لأن حكم الإِيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة. ثانياًً: أن التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، فلا ينفع الكافر إيمانه في ذلك اليوم، ولا العاصي توبته، لأنه يغلق باب التوبة، وقد جاء التصريح بعدم القبول كما في حديث معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو مرفوعاً: لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها (١)، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه. ثالثاً: أن من أشراط الساعة الكبرى وأخطرها طلوع الشمس من مغربها وقد اختلفت الأحاديث في أول علامات الساعة ما هي فورد في بعض الروايات: أن أول الآيات خروج الدجال، وفي بعضها أن أوّلها طلوع الشمس من مغربها، وفي بعضها الدابة، وفي بعضها نار تحشر الناس إلى محشرهم، قال الحافظ: وطريق الجمع أن الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في الأرض، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهى ذلك بقيام الساعة. والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أوّل الآيات الكونية المؤذنة بقيام الساعة.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على تفسير الآية.
...
стр. 1649
" تفسير سُورَةِ الأعْرَاف "
٨٨٢ - بَابٌ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
١٠٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ:
" أَمرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقَ النَّاسِ، أو كَمَا قَالَ ".
ــ
٨٨٢ - " باب (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١)) "
١٠٢٨ - معنى الحديث: أن الزبير ﵁ يفسر لنا قوله تعالى: " (خُذِ الْعَفْوَ) " فيقول: " أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس " أي أمره ﷺ أن يتسامح مع الناس ويتساهل في معاملتهم ويتغاضى عن هفواتهم وأن يرضى بالميسور من أفعالهم وأخلاقهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وأن المراد به أن الله أمر نبيه ﷺ بالتسامح مع الناس ومعاشرتهم بالحسنى، وقبول ما أَتى من أفعالهم بسهولة ويسر دون إحراجهم، أو التكليف عليهم، بما يشق على نفوسهم، كما دلت الآية الكريمة على وجوب التناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإِعراض عن الجهلاء، والحمقى والسفهاء، وعدم مجاراتهم أو مجازاتهم، والصفح عنهم، والتغاضى عن زلاتهم، وهو معنى قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولا شك أن هذه الأمور الثلاثة هي دعائم الخلق الكامل الذي تكتسب به محبة الناس، وتجمع به القلوب المتنافرة، وتتوثق به الروابط الاجتماعية. والمطابقة: في كون الحديث دل على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وهو ما ترجم به البخاري. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود.
стр. 1650
" تفسير سُورَةِ بَراءَة "
٨٨٣ - " بَابُ قَولِهِ (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) "
١٠٢٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابْتَعَثَانِى، فانتهَيَا بِي إلى
ــ
٨٨٣ - " باب قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) "
معنى الآية الكريمة: روى في سبب نزول هذه الآية أن جماعة تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة (١)، ووديعة بن خذام، فندموا على ما فعلوا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وأقسموا لا يحلهم إلاّ رسول الله ﷺ ، فلما قدم رسول الله ﷺ ، وعلم بخبرهم، أقسم أن لا يحلهم حتى ينزل فيهم قرآن، فأنزل الله فيهم هذه الآية الكريمة ومن أهل المدينة أناس آخرون غير المنافقين وهم أبو لبابة، ومن معه، هؤلاء اعترفوا بذنوبهم، ولم ينكروها كما فعل المنافقون وخلطوا عملاً صالحاً، وهو خروجهم مع النبي ﷺ في جميع الغزوات السابقة وآخر سيئاً وهو هذا التخلف الذي وقع منهم بدون عذر، هؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم، ويقبل عذرهم، والله يقبل التوبة، ويعفو ويصفح، وهو الغفور الرحيم.
١٠٢٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يقص علينا في هذا الحديث رؤيا منامية غريبة فيحدثنا أنه جاءه ملكان وهو نائم فذهبا به إلى مدينة فاخرة
стр. 1651
مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانا رِجَالٌ، شَطر مِنْ خَلْقِهِمْ كَأحسَنِ ما أنْتَ رَاء، وشَطر كأقْبَحِ ما أنْتَ رَاءٍ، قالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فيه، ثم رَجَعُوا إلَيْنَا، فَذَهَبَ ذلكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْن، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قالا: أمَّا القَوْمُ الَّذِيْنَ كَانُوا شَطر مِنْهُمْ حَسَنٌ، وشَطر مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحَاً وآخَرَ سَيِّئاً تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ".
ــ
عظيمة البنيان مشيدة بالذهب والفضة، قال ﷺ : " فتلقانا رجال شطر من خلقهم " بسكون اللام " كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ " أي نصف خلقتهم وصورتهم كأجمل صورة تراها العين، والنصف الآخر كأقبح صور تراها العين " فقالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر " أي فقال لهم الملكان اذهبوا إلى ذلك النهر، وهو نهر الحياة واغسلوا أجسامكم فيه. " فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، فذهب ذلك السوء عنهم " أي زال عنهم ما كان فيهم من القبح والبشاعة " قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك " يعني وأطلعاه ﷺ على جنة عدن، وعلى منزله فيها. " قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملاً صالحاً " أي أما القوم الذين نصفهم حسن والنصف الآخر قبيح فإنهم جمعوا بين الحسنات والسيئات معاً، فظهرت الحسنات في صورتهم الجميلة، وظهرت السيئات في صورتهم القبيحة " تجاوز الله عنهم " أي وقد عفا الله عنهم، وأدخلهم الجنة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الذين خلطوا أعمالاً صالحة وأعمالاً سيئة يرجى لهم عفو الله تعالى لقول الملكين كما في الحديث: "أما القوم الذين شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح فأولئك الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم. ثانياً: أن الأعمال الصالحة تمثل يوم القيامة
стр. 1652
" تفسير سُورَةِ الإِسْرَاءِ "
٨٨٤ - " بَابُ قَولِهِ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)
١٠٣٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
إِنَّ النَّاسَ يَصِيْرُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثاً، كُلُّ أمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنتهِيَ الشَّفَاعَةُ إلى النَّبِي ﷺ ، فذلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللهُ الْمَقَامَ المَحْمُودَ.
ــ
بالصور الجميلة وعكسها الأعمال القبيحة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) كما أفاده العيني.
٨٨٤ - " باب قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) "
ومعنى الآية: أن الله قد أمر نبيه ﷺ في هذه الآية بإحياء بعض الليل بالصلاة وقراءة القرآن، ووعده فيها بالشفاعة العظمى في قوله: " (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) " والمقام المحمود الذي وعده الله به، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، ووعد الله لا يتخلف.
١٠٣٠ - معنى الحديث: أن الناس يشتد عليهم الكرب في المحشر فيبحثون عن من يخلصهم من ذلك الموقف الشديد، وينقسمون (١) إلى جماعات، وتذهب كل جماعة إلى نبيها تسأله الشفاعة فيعتذر كل واحد منهم عن الشفاعة قائلاً نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضباً شديداً، ويذكر خطيئته، ويقول: اذهبوا إلى غيري، فينتقلون من واحد إلى آخر حتى يأتوا محمداً ﷺ فيقول: أنا لها وهو معنى قول ابن عمر: " إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً "
стр. 1653
" تفسير سُورَةِ النُّورِ "
٨٨٥ - " بَابٌ (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) "
ــ
أي جماعات جماعات " كل أمة تتبع نبيها " أي تذهب إليه تسأله الشفاعة فيعتذر عنها " حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ " أي حتى يصل إليه طلب الشفاعة، فيقول: أنا لها " فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " أي ففي ذلك اليوم يبعث الله محمداً ﷺ المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على إثبات الشفاعة العظمى لنبينا محمد ﷺ وهي التي تكون لفصل القضاء وإراحة الناس من ذلك الموقف الشديد الذي تشتد فيه الأهوال وتتفاقم، ويلجأ الناس إلى الأنبياء، فيقولون نفسي نفسي، فيتصدى ﷺ للشفاعة ويبتهل إلى الله ويخرّ ساجداً تحت العرش، فيقول الله تعالى له كما في حديث أبي هريرة: " سل تعطه، واشفع تشفع " الخ أخرجه البخاري وجميع هذه الأحاديث تدل على إثبات الشفاعة كما يدل عليه حديث الباب، وعلى أنّها هي المقام المحمود الذي وعده الله به في قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فقد أطمع الله نبيه ﷺ وأعطاه الشفاعة فأصبح ما أطمعه فيه حقيقة ثابتة لا يتخلف أبداً، ولهذا قال بعض المفسرين: الرجاء من الله بعسى ولعل وعد محقق. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على معنى المقام المحمود.
٨٨٥ - " باب (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) "
وهي تكملة لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ
стр. 1654
١٠٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ هِلالَ بْنَ أمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْد النَّبِي ﷺ بِشرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النبي ﷺ : "البَيِّنةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ" فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِذَا رَأى أحَدُنَا على امْرَأتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنةَ، فَجعلَ النبي ﷺ يقولُ:
ــ
إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) والمعنى أنه إذا رمى الرجل زوجته بالزنا دون بينة فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم تسأل المرأة فإن أقرت رجمت، وإن أنكرت أمرت أن تشهد أربع شهادات بالله أن زوجها لمن الكاذبين فيما رماها به من الفاحشة، وفي الشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيم اتهمها به، فإذا فعلت سقط عنها الحد، وهو معنى قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا (١) الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) إلخ.
١٠٣١ - معنى الحديث: أن هلال بن أمية ﵁ اتهم زوجته بشريك بن سحماء، فقال له النبي ﷺ : إما أن تقيم عليها البينة أو أقيم عليك حد القذف في ظهرك، فقال متعجباً: " إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً يذهب يلتمس البينة " أي كيف أكلف بالبينة وأنا لا يمكنني ذلك، لأنني متى ذهبت لاحضار الشهود فرَّ الرجل من البيت " فجعل النبي ﷺ يقول البينة " بالنصب أي أحضر البينة، أو الرفع على تقدير إما البينة " أو حدّ في ظهرك " يعني أو جزاؤك الحد في ظهرك، " فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد " أي ما يخلصني منه "فنزل جبريل وأنزل عليه
стр. 1655
" البَيِّنةُ وِإلَّا حَدّ في ظَهْرِكَ " فَقالَ هِلال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إني لَصَادِق، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّىءُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فنزَلَ جِبْرِيلُ، وأنْزَلَ عَلَيهِ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فَقَرأ حَتى بَلَغَ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فانْصَرَفَ النبي ﷺ فأرسَلَ إليْهَا، فجاءَ هِلال فَشَهِدَ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّ أحدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فلمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ، وقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَة، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأت ونكَصَتْ حتى ظَنَنَّا أنَّهَا تَرْجِعُ، ثم قَالَتْ: لا أفضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَومِ، فَمَضَتْ، فقال النبي ﷺ :
ــ
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) حتى بلغ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) " أي فنزل عليه جبريل بآيات الملاعنة التي تبرىء ظهره من الحد، وهي الآيات المذكورة " فأرسل ﷺ إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب " يعني فلما نزلت آيات الملاعنة أحضرهما النبي ﷺ ووعظهما قبل إجراء الملاعنة، وحذرهما من غضب الله تعالى على من كان منهما كاذباً، وأخبرهما أن الله مطلع عليهما، عالم بالكاذب منهما، وسيجازيه على ذلك وعذاب الدنيا أهون من عذاب يوم القيامة، ولكنهما أصرا على موقفهما، فتقدم هلال، فشهد وقال في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت زوجته فشهدت. " فلما كانت عند الخامسة أوقفوها " أي أوقفوها عن النطق بهذه الشهادة " وقالوا: إنها موجبة " أي احذري أن تؤدي الشهادة الخامسة وأنت كاذبة، فإنها موجبة للعذاب الشديد يوم القيامة " فتلكأت " أي توقفت وترددت وتأخرت بعض الوقت في أدائها " ونكصت " أي رجعت إلى الوراء والمعنى أنها سكتت مدة من الزمن قبل أن تنطق بالشهادة
стр. 1656
" أبصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أكحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابغَ الألْيَتَيْنِ خدَلَّجَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ " فجاءَتْ به كَذَلِكَ، فقَالَ النَّبِيُ ﷺ : " لَوْلا مَا مَضى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي ولَهَا شَأنٌ ".
ــ
الخامسة " حتى ظننا أنها سترجع " يعني عن إتمام الملاعنة، وتعترف بجريمتها " ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم " أي لا أجلب الفضيحة والخزي والعار لقومي مدى الحياة " فمضت " أي فاستمرت وأتمت الملاعنة حرصاً منها على سمعة قومها " فقال النبي ﷺ أبصروها " أي انظروا إلى ولدها وتأملوا في صورة وجهه وجسمه " فإن جاءت به أكحل العينين " يعني أسود الجفون " سابغ الأليتين " بفتح الهمزة أي ضخم الأليتين " خدلّج الساقين " أي عظيم الساقين " فهو لشريك بن سحماء " أي فهو ابنه " فجاءت به كذلك " أي ولدت ولداً يشبه شريكاً في الصفات المذكورة " فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن " أي لولا ما سبق من حكم الله تعالى بدرء الحد عن المرأة بلعانها، أي لأقمت الحد عليها. قال النووي: اختلفوا في نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر أم بسبب هلال، والأكثرون على أنها نزلت في هلال ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان سبب نزول آيات الملاعنة وتفسيرها تفسيراً عملياً، فإن هذه الآيات نزلت في قصة هلال بن أمية وزوجته على الأصح كما رجحه النووي، ولما نزلت طبق النبي ﷺ الملاعنة المذكورة في الآية عليهما تطبيقاً عملياً كما في الحديث. ثانياً: دل الحديث على أن القذف بالزنا من الكبائر، وأن من قذف زوجته بذلك لزمه أحد أمرين، إما البينة وهي أربعة شهداء كما ذكر، أو اللعان، فإن عجز عن إقامة البينة، وامتنع عن اللعان، حُدَّ حَدَّ القذف ثمانين جلدة، وحكم بفسقه، ورد شهادته،
стр. 1657
وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، لحديث الباب، ولعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وقال أبو حنيفة: إن عجز عن البينة لزمه اللعان فإن لم يلاعن حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحدُّ للقذف، وإذا امتنعت المرأة عن الملاعنة أقيم عليها حد الزنا وهو قول مالك والشافعي (١)، وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنها تحبس حتى تلاعن أو تقرّ بالزنا فتحد. أما الأحكام التي تترتب عليها بعد الملاعنة فهي كما يلي: (أ) يفرّق بينهما فرقة مؤبدة، ويفسخ نكاحهما فسخاً يقتضي التحريم كالرضاع عند مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف، فلا تحل له أبداً، لما جاء في حديث سهل " فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً " أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني، فلا يجتمعان ولو أكذب أحدهما (٢) نفسه.
وقال أبو حنيفة: الفرقة الناشئة عن اللعان طلاق بائن لا يتأبد بها التحريم، وإن أكذب نفسه جاز له تزوجها. لما جاء في حديث عويمر أنه قال بعد الملاعنة: " كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ " وأجاب أبو حنيفة عن قوله ﷺ في حديث سهل " لا يجتمعان أبداً " بأن معناه لا يجتمعان ما داما على لعانهما، فإن أكذب الرجل نفسه جازت له زوجته وحاصل الخلاف أن مالك والشافعي وأحمد في رواية يرون أن اللعان يستوجب الفسخ والفرقة الأبدية بين الزوجين بنفس اللعان، إما بعد فراغ الرجل من شهادته كما يقول الشافعي، أو بعد فراغ المرأة من شهادتها كما يقول مالك، أما أبو حنيفة فإنه يرى أن اللعان يستوجب الطلاق البائن، ولا يتم الطلاق إلّا إذا أوقعه الزوج على نفسه، أو أوقعه الحاكم عليه نيابة عنه. (ب) أن الولد
стр. 1658
إذا نفاه الزوج ألحق بأمه، ونسسب إليها، وانقطع نسبه بأبيه وميراثه منه، واقتصرت علاقته على أمّه فيرثها وترثه، وبه قال مالك ومن وافقه من أهل العلم والدليل على انقطاع نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمّه حديث ابن عمر أن رجلاً لاعن امرأته في زمن رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة. أخرجه البخاري ومالك في " الموطأ " وإنما يؤثر اللعان في رفع حد القذف، وثبوت زنا المرأة فله أن يعتمد اللعان لانتفائه وذهب الحنابلة إلى أن الولد يلحق بأمّه ولو لم ينفيه الزوج لما جاء في حديث سهل أن النبي ﷺ قضى أن لا يدعى ولدها لأب ولم يذكر فيه أن الزوج قد نفاه، وأجيب عن ذلك بما جاء في بعض الروايات من حديث سهل " أنها كانت حاملاً فأنكر حملها " أخرجه البخاري. ثالثاً: بيان ألفاظ الملاعنة وكيفيتها أن يبدأ الإِمام بالزوج فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرات أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور إلى تسميتها، وإن كانت غائبة أسماها ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، فإذا شهد أربع مرات أوقفه الحاكم، وقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله، ويأمر رجلاً يضع يده على فيه قبل الخامسة حتى لا يبادر بالخامسة، فإذا رآه يمضي في ذلك قال له قل: إن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه، وإن كان غائباً أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات، أوقفها، ووعظها كما ذكرنا في الرجل، ويأمر امرأة تضع يدها على فمها، فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي: وأنّ غضب الله عليَّ إن كان زوجي هذا من الصادقين، ثم إن هذه الشهادات الخمس شرط، فإن أخل بواحدة منها، لم يصح اللعان، ولو أبدل لفظ أشهد بقوله أحلف فإنه لا يعتد بها عند الحنابلة، وللشافعي وجهان،
стр. 1659
" تفسير سُورَةِ الأحْزَابِ "
٨٨٦ - " بَابُ قَوْلِهِ تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
١٠٣٢ - عَنْ كَعبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ:
قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أمَّا السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فكيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ ﷺ : "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ،
ــ
والصحيح أنّه لا يصح، كما أفاده ابن قدامة. رابعاً: الجمهور على أن اللعان يمين لا شهادة كما أفاده الحافظ خلافاً لأبي حنيفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على سبب نزول الآية الكريمة.
٨٨٦ - " باب قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) "
ومعنى الآية: أن الله تعالى شرّف رسوله ونوّه بشأنه، وأعلن في هذه الآية الكريمة أنه صلّى عليه بنفسه، وصلّت عليه ملائكته، وأمر عباده بالصلاة عليه فأما صلاة الله عليه فهي رضوان وثناء عليه في الملأ الأعلى، وأما الملائكة فصلاتهم دعاء واستغفار له، وأما أمته فصلاتهم تحية وتكريم وشكر له وثناء عليه بما له عليهم من منة الهداية إلى الصراط المستقيم ثم قال: " وسلّموا تسليماً " فأمرنا أن نتبع الصلاة بالسلام عليه تحية له.
١٠٣٢ - معنى الحديث: أن كعب بن عُجْرَة -راوي الحديث- سأل النبي ﷺ بعد نزول الآية المذكورة فقال: إن الله قد أمرنا بالصلاة والسلام عليك، فأما لفظ السلام فقد عرفناه منك، بما علمتنا أن نقول في التشهد،
стр. 1660
كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد، اللَّهُمَّ بَارِك على مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما بَارَكْتَ على آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
ــ
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فعلمنا كيف نصلّي عليك وماذا نقول؟ " قال: قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " أي فعلَّمنا النبي ﷺ أن نصلّي عليه بهذه الصلاة الإبراهيمية المأثورة. ومعنى قوله: " وعلى آل محمد " أي وصل على آل محمد، وهم على أصح الأقوال آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس كما أفاده الصنعاني، والمراد بقوله: " آل إبراهيم " إبراهيم نفسه، ومعنى قوله: " اللهم بارك على محمد " أي أكثر له من الخيرات، وأسبغها عليه في الدنيا والآخرة. وقوله: " إنك حميد مجيد " صيغة مبالغة من الحمد والمجد أي كثير الحمد والثناء والعظمة والجلال.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الصلاة الإبراهيمية في كل صلاة بعد التشهد، واختلفوا في حكم الصلاة على النبي ﷺ فذهب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى وجوبها في التشهد الأخير، لقوله ﷺ : " قولوا اللهم صل على محمد " لأن الأمر هنا للوجوب، قال ابن عبد البر: قال الشافعي: إذا لم يُصَلّ على النبي ﷺ في التشهد الأخير أعاد الصلاة (١). اهـ. وإنما خُصَّ الوجوب بالصلاة لما في حديث أبي مسعود البدري ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد " أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والحاكم. ثانياً: أن الحديث تفسير لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 1661
" تفسير سُورَةِ الزُّمَرِ "
٨٨٧ - " بابُ قَوْلِهِ تعَالَى (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) "
١٠٣٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّ نَاساً مِنْ أهْلِ الشركِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأكْثَرُوا، وزَنَوْا وَأكْثَرُوا، فأتَوْا مُحَمَّداً ﷺ فقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إليهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الآية،
ــ
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لأن الآية تضمنت الأمر بالصلاة مجملاً، والحديث تضمن تفسير هذه الصلاة، وبيان صيغتها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث تفسيراً للآية المذكورة.
٨٨٧ - " باب قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) "
١٠٣٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث " أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا " إلخ. أي أن جماعة من المشركين رغبوا في الإِسلام غير أنهم خافوا من الذنوب الكثيرة التي ارتكبوها من القتل والزنا أن يعاقبوا عليها حتى بعد إسلامهم، " فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن " أي قد عرفنا أن الدين الذي تدعو إليه حق " لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة " أي لو نجد في دينك ما يكفر عنا ذنوبنا إذا نحن دخلنا فيه لأسرعنا إلى الإيمان وبادرنا إليه "فنزل (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
стр. 1662
ونَزَلَ (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
ــ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الآية" أي فنزل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية أنّهم إن أسلموا وتابوا من ذنوبهم، وعملوا الأعمال الصالحة، كفّر الله عنهم سيئاتهم، وأبدلها حسنات، وغفر لهم ما سلف منهم في جاهليتهم، " ونزل (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) " أي ونزلت هذه الآية التي يأمر الله تعالى فيها نبيّه أن يقول لعباده الذين أفرطوا في المعاصي " (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) " أي لا تيأسوا من رحمة الله وتظنوا أن الله لا يغفر لكم، فإن الله يغفر بالتوبة الصادقة كل ذنب، فتوبوا إلى الله يقبل توبتكم " إنه هو الغفور الرحيم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان سبب نزول قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وهو ما تضمنه حديث الباب. ثانياً: أن التوبة الصادقة المقترنة بالإخلاص والعمل الصالح تكفّر جميع الكبائر بما فيها الكفر بالله تعالى، لأن الآية وإن نزلت في الكفار إذا أسلموا إلاّ أن حكمها عام يشمل الكافر والمسلم، لأن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قال تعالى فيها: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية الكريمة.
стр. 1663
٨٨٨ - " بَابُ قَولِهِ (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) "
١٠٣٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: " يَقْبِضُ اللهُ الأرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَواتِ بِيَمِنِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا الْمَلِكُ أينَ مُلُوكِ الأرْضِ؟ ".
ــ
٨٨٨ - " باب قوله (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) "
١٠٣٤ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحدثنا في هذا الحديث أنه سمع النبي ﷺ وهو يتحدث عن صفات ربّ العزة والجلال فيقول ﷺ " يقبض الله الأرض " أي يقبض الأرضين السبع يوم القيامة كما قال تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) " ويطوي السموات بيمينه " وهو بمعنى قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ) " ثم يقول أنا الملك " أي أنا المنفرد بالملك وحدي في هذا اليوم " أين ملوك الأرض " يعني أين ذهب ملوك الأرض الآن، وهو كقوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات الصفات والأفعال الإِلهية المذكورة في قوله ﷺ : " يطوي السموات بيمينه " وقوله: " يقبض الأرض " وكل ذلك من صفات الله وأفعاله التي يجب الإِيمان بها، وتصديقها، كما جاءت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والبشر عاجزون عن إدراك كيفية صفات الباري عز
стр. 1664
" سُورَةُ التَّحْرِيمِ "
٨٨٩ - " بَابُ قَولِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) "
١٠٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
"كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش ويَمْكُثُ عِنْدَهَا، فوَاطَأتُ أنا وَحَفْصَةُ عَنْ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أكَلْتَ
ــ
وجل، لأن إدراك الصفات فرع عن إدراك الذات، قال في " فتح المجيد " (١) وهي تدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة. ثانياً: انفراد الله سبحانه بالملك في ذلك اليوم حيث تفنى جميع الملوك ولا يبقى سوى الملك الحق، كما قال ﷺ : " ثم يقول: أنا الملك أنا الديان " وهو مصداق قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) والله أعلم. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " ويطوي السموات بيمينه ".
٨٨٩ - " باب تفسير قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) "
١٠٣٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، وكانت زينب بنت جحش قد أهدِيَ إليها بعض العسل من أقاربها، فكان رسول الله ﷺ يتردد عليها، فتسقيه من ذلك العسل، فغارت منها عائشة، وأوعزت إلى حفصة أن تقول للنبي ﷺ إذا دخل عليها: إني أشم منك أو معك ريح مغافير، وهو صمغ كريه الرائحة، واتفقت معها على أنه إذا دخل على أي واحدة
стр. 1665
مَغَافِيرَ، إِنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: لا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أشْرَبُ عَسَلاً عِندَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أعودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ لا تُخْبِري بذلك أحَداً".
ــ
منهما تقول له ذلك، وهو معنى قولها: " فواطأت أنا وحفصة " أي اتَّفقنا معاً " على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلتَ مغافير، إني أجد منك ريح مغافير " أي أشم منك رائحة هذا، الصمغ الكريه الرائحة " قال: لا " أي فلما دخل عليها، وقالت له: أكلت مغافير، قال: لا، لم آكل مغافير " ولكنني كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فلن أعود إليه، وقد حلفت " على أن لا أشربه " لا تخبري بذلك أحداً " أي فلا تخبري بهذا السر أحداً، وقد اختلفت الروايات فيمن شرب عندها، ففي بعضها أنها حفصة، ولكن الأرجح أنها زينب، لأن نساء النبي كن حزبين عائشة وحفصة وسودة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، لأنها المنافسة لها. قال المفسرون: فلما حلف النبي ﷺ أن لا يشرب عسلاً ولا يعود إليه إرضاءً لعائشة وحفصة، أنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ومعناها: أن الله تعالى عاتبه على تحريم ما أحل الله له، فقال لم تمتنع عن شرب العسل الذي أحله الله لك، تريد من وراء ذلك إرضاء عائشة وحفصة ثم ختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تعظيماً لشأن النبي ﷺ وتنبيهاً على علو مكانته حيث جعل ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه الكريم يعد كالذنب، وإن لم يكن في نفسه ذنباً. " قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم " أي شرع لكم كفارة اليمين لتتحللوا وتتخلصوا منها بها، فافعل ما حرمته على نفسك، وكفّر عن يمينك
стр. 1666
" سُورَةَ وَيْل لِلمُطَفِّفينَ "
٨٩٠ - " بَابُ قَوْلِهِ (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
١٠٣٦ - عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) حَتَّى يَغيبَ
ــ
بما شرع الله من كفارة اليمين المذكورة في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) إلخ " (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) " أي حافظكم وناصركم، " (وَهُوَ الْعَلِيمُ) " بمصالحكم " (الْحَكِيمُ) " فيما يشرعه لكم من الأحكام التي تتحقق بها مصالحكم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في دلالة الحديث على سبب نزول الآية (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ثانياً: أن من حلف على ترك شيء من الطيبات مأكولاً كان أو مشروباً أو ملبوساً فإنه ينبغي له أن يحنث في يمينه، ويكفر عنها، ويأتي بذلك الشيء الذي حلف عليه. ثالثاً: قوة الغيرة وشدة تأثيرها لا سيما على النساء وخاصة بين الضرائر.
٨٩٠ - "
سورة ويل للمطففين (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) "
ومعنى هذه الآية وما قبلها: أن الله تعالى يقول: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ) الذين يرتكبون المعاصي مغترين بدنياهم، غافلين عن آخرتهم " (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
стр. 1667
أحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أذُنَيْهِ".
ــ
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) ومحاسبون على أعمالهم في ذلك اليوم (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي يوم يحشرون في صعيد واحد، ويقفون أمام رب العالمين لمحاسبتهم ومحاكمتهم، فيطول قيامهم حتى يبلغ ثلاثمائة عام، كما قال بعض المفسرين.
١٠٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا النبي ﷺ أن الناس يحشرون من قبورهم إلى أرض المحشر فيجمعون في صعيد واحد لانتظار محاكمتهم ومحاسبتهم في يوم عظيم، يبلغ طوله مئات السنين " حتى يغيب أحدهم في رشحه " أي في عرقه " إلى أنصاف أذنيه " أي حتى يصل العرق إلى أنصاف أذنيه. وعن المقداد بن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً " أخرجه أحمد في مسنده. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تفسير الآية الكريمة وبيان الحالة التي يكون عليها الناس في الموقف من الكرب، والضيق، وكثرة العرق، وشدة الحر، وطول القيام، حتى أن رسول الله ﷺ " كان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " أخرجه أبو داود. ثانياًً: أن طول القيام وكثرة العرق يكونان لكل واحد كما جاء مصرحاً بذلك في حديث ابن مسعود حيث قال: " قد ألجم العرق كل بر وفاجر " ولكن الله يخففه على العبد الصالح. والمطابقة: في كون الحديث مشتملاً على الآية الكريمة ومتضمناً لتفسيرها.
***
стр. 1668
" تفْسيرُ سُورَةِ الكَوْثَرِ "
٨٩١ - " بَابُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) "
١٠٣٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
" لَمَّا عُرِجَ بالنَّبِيِّ ﷺ إلى السَّمَاءِ، قَالَ: أتيْتُ عَلَى نَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ، فقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذا الكَوْثر ".
ــ
٨٩١ - "
تفسير سورة الكوثر قوله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) "
١٠٣٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما أكرمه الله تعالى " بالمعراج " ووصل إلى الملأ الأعلى، ورأى الجنة والنار وما فيهما. شاهد فيما شاهد من العجائب " نهر الكوثر " ووصفه لأمته كما رآه فقال: " أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفاً " أي مررت على نهر في الجنة تنتشر على ضفتيه قباب من اللؤلؤ المجوف " فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر " أي هذا هو نهر الكوثر الذي وعدك الله به في كتابه. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وبيان معنى الكوثر وأنه نهر أكرم الله به نبيه ﷺ ووعده به في الدار الآخرة وهو موجود الآن، والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة (١) فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج " وعن مسروق قال: قلت لعائشة: "يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر، قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان
стр. 1669
٨٩٢ - سُورَةُ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)
١٠٣٨ - عَنْ أبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ:
سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ قَالَ: " قِيلَ لِي " فَقُلْتُ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ .
ــ
الجنة؟ قالت: وسطها حصباؤه الدر والياقوت" أخرجه ابن (١) جرير.
ويتضح من هذا أن الكوثر شيء والحوض المورود شيء آخر، فالحوض في الموقف يشرب منه هو وأمته قبل دخول الجنة " والكوثر في بطنان الجنة، أي في وسطها، وكلاهما مما أكرم الله به نبيّه ﷺ وهذه الأمة. والمطابقة: في كون الحديث دل على معنى الكوثر، فأصبح تفسيراً للآية.
٨٩٢ - " سورة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) "
ْ١٠٣٨ - معنى الحديث: أن راوي الحديث كما في الأصل من صحيح البخاري يقول: سألت أُبي بن كعب قلت له: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا " أي يقول إن المعوذتين ليستا من القرآن، فقال أبي " سألت رسول الله ﷺ عن المعوذتين " يعني سألته هل هما من القرآن؟ " قال: " قيل لي " فقلت: " أي فقال ﷺ : قال لي جبريل إنهما من القرآن، فقلت كما قال جبريل، لأنه أمين على وحي السماء: قال كعب: " فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ : " أي نقول أن المعوذتين من القرآن.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن بعض الصحابة ومنهم ابن مسعود ﵁ كانوا يقولون: إن المعوذتين ليستا من
стр. 1670
القرآن (١). ثانياًً: أن المعوذتين من القرآن، لأن جبريل قال للنبي ﷺ ذلك وانعقد عليه إجماع المسلمين ودلت عليه الأحاديث الصحيحة، فلو أنكر اليوم أحد قرآنيتهما كفر. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كونه يدل على أن المعوذتين من القرآن.
стр. 1671
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب فضائل القرآن "
وفضائل القرآن: هي المزايا والمنافع التي تترتب على قراءته وسماعه، أو المزايا التي يختص بها أهل القرآن، أو الصفات العظيمة التي يمتاز بها القرآن عن غيره وكما أن القرآن كتاب هداية وتشريع، يتعبد بأحكامه والعمل بما فيه، كذلك هو كتاب يتعبد بتلاوته، وتنال المثوبة والأجر بقراءته فقد روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال: " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. وهناك فضائل خاصة تتعلّق بآية أو سورة معينة، فإن القرآن يتفاضل بعضه عن بعض على الأصح من أقوال أهل العلم، لدلالة ظواهر النصوص على ذلك، منها حديث أُبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال له: يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: آية الكرسي، فضرب في صدري وقال: " ليهنك العلم يا أبا المنذر " أما معنى الأفضلية أو التفاضل: فقد يكون بزيادة الأجر والثواب، وقد يرجع إلى معنى الآية ومضمونها، فما تضمنته آية الكرسي والحشر وسورة الإِخلاص والفاتحة من المعاني لا يوجد في سورة المسد مثلاً، وقد تكون الأفضلية من جهة أنها تحفظ قارئها كما في آية الكرسي والمعوذتين، أو من جهة كونها رقية وشفاء كما في سورة الفاتحة.
***
стр. 1672
٨٩٣ - " بَاب كيفَ نَزَلَ الوحيُ وأول ما نَزِلَ "
١٠٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " ما مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوُتِيتُهُ وَحْياً أوحَاهُ اللهُ إليَّ، فأرْجُو أَنْ أَكُونَ أكثَرَهُمْ تَابعاً يَوْمَ القِيَامَةِ ".
ــ
١٠٣٩ - معنى الحديث: أن من سنة الله في الأنبياء جميعاً أن يمدهم بالمعجزات فلا يبعث نبياً إلاّ أعطاه معجزة يستدل بها على نبوته ويثبت بها رسالته، ويتحدى بها كل من عارضه وكذب به، فالمعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدّعي الرسالة ليكون شاهد إثبات له، كما أعطى الله موسى العصى وكما أعطى عيسى إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله. وهذا هو معنى قوله: " ما من الأنبياء نبي إلاّ أعطي ما مثله آمن عليه البشر " أي ليس هناك نبي إلا وقد أعطي من المعجزات ما يكفي لإثبات رسالته فلا ينظر أحد إلى المعجزة التي ظهرت على يديه من أهل النفوس السليمة من العناد والاستكبار إلا بادر إلى الإيمان به كما فعل سحرة فرعون لما شاهدوا معجزة موسى " وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ " أي وإنما كانت المعجزة العظمى التي أعطاها الله لي هي هذا الكتاب الخالد الباقي إلى يوم القيامة، فما من أحد يقرأه بتأمل وتدبّر دون عناد أو حسد أو تكبر إلاّ عرف أنه كلام الله، وأني رسول الله لما فيه من أنباء الغيب التي لا تأتي إلاّ من خبر السماء، وما اشتمل عليه من الأحكام والقوانين الإلهية التي تصانُ بها حقوق الإنسان من دين ونفس ومال ونسب وعقل وعرض. والقرآن لا تنتهي معارفه عند حد، وإنما هي تتجدد وتنكشف على مر العصور والأزمان. وليس معنى هذا أنه ﷺ لم يؤت معجزة أخرى غير القرآن كلا فلقد أوتي ﷺ من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله، ومن ذلك
стр. 1673
٨٩٤ - " بَابُ فضلِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) "
١٠٤٠ - عنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ قَالَ:
ــ
نبع الماء من بين أصابعه، وهي أبلغ من معجزة موسى، لأن نبع الماء من الصخر أمر مشاهد مألوف، أما نبع الماء من بين اللحم والعظم والأصابع فإنه لا يخطر على البال، ولكن معنى قوله: " وإنما كان الذي أوتيته وحياً " أن معجزة القرآن أعظم معجزاته ﷺ لأن تلك المعجزات لا يعرفها إلاّ من عاصرها أما القرآن فإنّه العجزة الدائمة الباقية إلى يوم القيامة يعرفها ويراها ويقرأها كل من أرادها، ويستدل بها على صدقه ﷺ وصحة رسالته ﷺ " فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً " أي وبما أني قد أعطيت هذه المعجزة العظمى، وهي هذا الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإني أرجو أن يقرأه الناس على مر العصور، فيدخلوا في دين الله أفواجاً، فأكون أكثر الأنبياء أتباعاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من فضائل القرآن كونه المعجزة الخالدة لنبينا ﷺ في جميع العصور والأزمان، ولهذا اقتصر على ذكره في هذا الحديث، حتى كأن النبي ﷺ لم يأت بمعجزة أخرى سواه، لا لأنه ﷺ لم يأت بمعجزات أخرى غيره، ولكن لأن تلك المعجزات لا تأثير لها إلاّ في زمنه ﷺ ، أما هذه المعجزة فإنها يستدل بها على صدق رسالته ﷺ مدى الحياة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثانيأ: كثرة أتباع نبينا ﷺ يوم القيامة لقوله ﷺ : " فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه يدل على أن القرآن أعظم المعجزات على الإِطلاق وهذا من أشرف فضائله ومزاياه.
٨٩٤ - " باب فضل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) "
١٠٤٠ - معنى الحديث أن الصحابة ﵃ سمعوا النبي
стр. 1674
قَالَ النَّبِيّ ﷺ لأصْحَابِهِ: " أيعْجِز أحدُكُمْ أن يَقْرأ ثُلُثَ القُرآنِ في لَيْلَةٍ؟ " فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أيُّنَا يطِيق ذَلِكَ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: " الله الوَاحِدُ الصَّمَد ثُلُثُ القُرآنِ ".
٨٩٥ - " بَاب فضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ "
١٠٤١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أوَى إلى فِرَاشِهِ كلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثمَّ
ــ
ﷺ يقول: " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة " وهو استفهام استخباري، معناه ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة واحدة " فشق ذلك عليهم " أي فصعب عليهم ذلك، لأنهم فهموا أن النبي ﷺ يدعوهم إلى قراءة ثلث القرآن في ليلة واحدة " فقالوا: أينا يطيق ذلك " أي لا يقدر على هذا العمل إلا القليل من الناس. " فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن " أى سورة قل هو الله أحد تساوي ثلث القرآن في مضمونه ومعناه، لأن القرآن ثلاثة أقسام توحيد، وأحكام، وأخبار، وسورة الإخلاص تضمنت التوحيد.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل سورة الإخلاص، وامتيازها بأنها تحوي في معناها ومضمونها ثلث القرآن لاشتمالها على التوحيد الذي هو أحد مقاصد القرآن الثلاثة، وقال بعض أهل العلم: إنها تساوي ثلث القرآن في أجرها وثوابها (١). اهـ. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " الله الواحد الصمد ثلث القرآن ".
٨٩٥ - " باب فضل المعوذات "
١٠٤١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ " كان إذا أوى إلى فراشه
стр. 1675
نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَد، يَبْدَأ بِهِمَا علَى رَأسِهِ وَوَجْهِهِ ومَا أقبَلَ مِنْ جَسَد، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَاتٍ ".
ــ
كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما " أي ألصق الكف اليمنى باليسرى وهما مفتوحتان، ونفخ فيهما بفمه مع شيء خفيف من ريقه " فقرأ فيها " أي قرأ في كفيه (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أي قرأ السور الثلاثة على كفيه، قال القسطلاني: قال الطبري: وظاهره أنه ﷺ نفث في كفيه أولاً، ثم قرأ، وهذا لم يقل به أحد، ولعل هذا سهو من الكاتب أو الراوي (١) لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة " ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ويبدأ من رأسه وما أقبل من جسده " أي ثم يمسح بكفيه ما وصلتا إليه من جسده، بادئاً برأسه وبالجزء الأمامي من بدنه. اهـ. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن في قراءة هذه السور الثلاثة قبل النوم صيانة للإنسان وحفظ له من المكاره، ولأنها تعويذة مباركة مأثورة أرشدنا النبي ﷺ إليها، ودلنا عليها (٢). ثانياًً: أنه يستحب قراءة هذه السور الثلاثة قبل النوم والتعوذ بها، وكيفية ذلك أن يجمع كفّيه ثم يقرأ هذه السور الثلاث فيها ثم ينفث من ريقه عليهما، ثم يمسح بكفيه ما وصل إليه من
стр. 1676
٨٩٦ - " بَاب خيْرُكمْ مَنْ تعَلَّمَ الْقرْآنَ وَعَلَّمَهُ "
١٠٤٢ - عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ الله "عَنْهُ:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ".
ــ
جسده وذلك كما قال ابن القيم: لأن الرقية تخرج من قلب الراقي، فإذا صحبها شيء من الريق والهواء كانت أتم تأثيراً. والمطابقة: في كونه ﷺ كان يتعوذ بهذه السور الثلاثة، وهذا يدل على فضلها من حيث إنها تعويذة مباركة.
٨٩٦ - " باب خيركم من تعلّم القرآن وعلمه "
١٠٤٢ - معنى الحديث: أن أفضل المسلمين وأرفعهم ذكراً وأعلاهم عند الله درجة من تعلّم القرآن تلاوة وحفظاً وترتيلاً، أو تعلمه فقهاً وتفسيراً، فأصبح عالماً بمعانيه فقيهاً في أحكامه، وعلَّم غيره ما عنده من علوم القرآن مع عمله به، وإلّا كان القرآن حجة عليه، كما قال ﷺ : " والقرآن حجة لك أو عليك " أو كما قال.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان فضل حامل القرآن ومعلمه، وأنه خير المؤمنين، لأنه أعظمهم نفعاً وإفادة، ولذلك شبهه بالسفرة، لأن السفرة من الملائكة يحملون الوحي إلى الأنبياء، وهو يحمل كلام الله إلى الناس، ولأنه من أكثر الناس أجراً حيث إن له بكل حرف يقرأه حسنة. ثانياً: أن أشرف العلوم علوم القرآن وقد قيل: شرف العلم بشرف متعلقه، وليس هناك أشرف ولا أفضل من كلام الله تعالى. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة والحديث لفظهما واحد.
***
стр. 1677
٨٩٧ - " بَابُ اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وتعَاهُدِهِ "
١٠٤٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنَّمَا مَثَلُ صَاحبِ القُرآنِ كَمَثَل صَاحبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَد عَلَيْهَا أمْسَكَهَا، وَإِنْ أطْلَقَهَا ذهَبَتْ ".
٨٩٨ - " بَابُ حُسْنِ الصَّوْتٍ بالْقِرَاءَةِ لِلْقُرآنِ "
١٠٤٤ - عن أبِي مُوسَى ﵁:
ــ
٨٩٧ - " باب استذكار القرآن وتعاهده "
١٠٤٣ - معنى الحديث: شبه النبي ﷺ حافظ القرآن وحامله بصاحب الإِبل المربوطة المشدودة بالحبال، وهو معنى قوله ﷺ : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإِبل المعقلة " أي التي عقلها صاحبها بالحبال، لأنها شرود " إن عاهد عليها " أي راقبها، وأبقاها مربوطة، " أمسكها " أي بقيت عنده " وإن أطلقها اذهبت " أي وإن فكها من حبالها وهي شرود هربت، وصعب عليه إعادتها مرة أخرى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الحث الشديد والترغيب الأكيد لحملة القرآن وحفاظه أن يعنوا بتعهده وتكراره وكثرة قراءته وترديد تلاوته محافظة عليه، وحذراً من ضياعه لأن صاحب القرآن كما في الحديث كصاحب الإِبل المربوطة، إن حافظ عليها وأبقاها في رباطها بقيت عنده، وإلّا هربت منه. ثانياًً: أن القرآن إذا نسي صَعُبَ استرجاعه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إن عاهد عليها أمسكها ".
٨٩٨ - " باب حسن الصوت بالقراءة "
١٠٤٤ - معنى الحديث: أن أبا موسى يحدثنا "أن النبي ﷺ قال
стр. 1678
أنَّ النبي ﷺ قَالَ لَهُ: " يا أبَا مُوسَى لَقَدْ أوتيْ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلَ دَاوُدَ ".
ــ
له: " " يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً (١) " ومعناه .. لقد وهبك الله في قراءة القرآن صوتاً جميلاً كصوت داود في قراءة الزبور. قال القسطلاني: لأنه لم يذكر أحد أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود، وقال الخطابي قوله: " آل داود " يريد داود نفسه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن صوت داود كان من أعذب الأصوات الجميلة وأحلاها، قال القسطلاني: " كان داود يقرأ الزبور بسبعين لحناً، كما أن صوت أبي موسى كان يشبه صوت داود في عذوبته وحلاوته، وكان ﷺ يستمع إلى قراءته كثيراً، ووصف أبو عثمان النهدي صوت أبي موسى فقال: " دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صنج (بفتح الصاد) ولا بربط (بفتح الباء) ولا ناي أحسن من صوته " قال الحافظ: سنده صحيح، وهو في الحلية لأبي نعيم. قال الحافظ: والصَّنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم، آلة تتخذ من النحاس، والبربط بوزن جعفر هو آلة تشبه العود، فارسي مُعَرَّب. ثانياًً: استدل البخاري بهذا الحديث على استحباب حسن الصوت في قراءة القرآن، وحكى النووي الإِجماع عليه، لأنه أوقع في النفس، وأشد تأثيراً وأرقُّ لسامعه، قال: فإن لم يكن القارىء حسن الصوت فليحسنه ما استطاع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كونه يدل على استحباب حسن الصوت في القراءة.
стр. 1679
٨٩٩ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرآنَ مِنْ غَيْرِهِ "
١٠٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهَ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
قَالَ في النبي ﷺ : " اقْرأْ عَلَيَّ القُرآنَ " قُلْتُ: آقْرا عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ! قَالَ: " إِنِّي أحِب أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ".
٩٠٠ - " بَاب في كَمْ يُقْرأُ الْقُرآنُ "
١٠٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ:
ــ
٨٩٩ - " باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره "
١٠٤٥ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن مسعود ﵁: " قال لي النبي ﷺ اقرأ علي القرآن " أي اقرأ عليَّ بعض الآيات من القرآن الكريم " قلت: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ " أي لماذا أقرأه عليك، وأنت في غنى عن سماعه مني، لأنه عليك أنزل، تلقيته من ربك، وحفظته في قلبك وبلغته إلى الناس. " قال: إني أحب أن أسمعه من غيري " أي إنما سألتك أن تقرأه عليَّ، لأنني أحب سماعه من غيري رغبة في تدبره، وزيادة تفهمه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ كان يجب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، وذلك لأجل تدبره وزيادة تفهمه، لأن المستمع أقوى على ذلك من القارىء وأنشط منه. ثانياًً: أنه يستحب الاستماع إلى قارىء القرآن، ولو كان المستمع من حفاظه، اقتداءً بالنبي ﷺ واتباعاً لسنته. الحديث: أخرجه الستة إلا النسائي. والمطابقة: في قوله: " فإني أحب أن أسمعه من غيري "
٩٠٠ - " باب في كم يقرأ القرآن "
١٠٤٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال لابن عمرو رضي الله
стр. 1680
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اقْرَأ القُرْآنَ في شَهْرٍ " قُلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، حتَّى قَالَ: " فاقْرَأهُ في سَبْعٍ، ولا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ".
٩٠١ - " بَاب إِثْمُ مَنْ رَاءى بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ وتأكَّلَ بِهِ أو فَخر بِهِ "
١٠٤٧ - عن أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁:
عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " المُؤْمِنُ الذي يَقْرأ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كالأترجَّةِ، طَعْمُهَا طيَبٌ، وَرِيحُهَا طيَبٌ، والمؤْمِنُ الِّذي لا يَقْرأ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ
ــ
عنهما " اقرأ القرآن في شهر " أي اختم القرآن مرة واحدة في الشهر، لأن ذلك يساعد على ترتيله، وتدبر معانيه " قلت: إني أجد قوة " أي أجد في نفسي قدرة ونشاطاً على قراءة أكثر من ذلك في الشهر " حتى قال: فاقرأه في سبع " أي فما زال يقول في ﷺ اقرأه في كذا، اقرأه في كذا، وأنا أقول له: " إني أجد قوة " حتى قال لي: أخيراً اقرأه في سبع ليال، " ولا تزد على ذلك " فنهاه ﷺ أن يختم القرآن في أقل من سبع. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: عدم تقدير وقت محدود لختم القرآن، لأن النبي ﷺ أمره أولاً أن يختمه في شهر، ثم في كذا، ثم في كذا حتى قال له أخيراً: فاقرأه في سبع، وإنما هو بحسب نشاط القارىء واستعداده، وعليه أكثر العلماء كما قاله النووي. ثانياًً: استدل بعض أهل العلم بقوله ﷺ : ولا تزد على ذلك على أنه يستحب للقارىء أن يقتصر على قدر يحصل معه كمال فهم ما يقرأ، ليجمع بين التعبد بالتلاوة وحسن الترتيل، وتدبر الآيات. والمطابقة: في قوله: " فاقرأه في سبع ".
٩٠١٠ - " باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكّل به أو فخر به "
١٠٤٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ شبّه كل صنف من هذه
стр. 1681
كالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طيَبٌ، ولا رِيحَ لَهَا، وَمثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرأ القُرْآنَ كالرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طيَبٌ، وطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لا ْ يَقْرأ القُرْآنَ كالحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ أو خَبِيثٌ، ورِيحُهَا مُرٌّ".
ــ
الأصناف الأربعة من البشر، بشيء يماثله في الحسن والقبح الأول: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، وقد شبهه بالأترجة (١) في حلاوة مذاقها وطيب رائحتها، لأنه يجمع بين حسن الظاهر والباطن. والثاني: المؤمن الذي لا يقرأ القرآن لكنه يعمل به، فهو يشبه التمرة في حلاوة مذاقها، وإن كانت لا ريح لها، لأنه زين باطنه بالعمل بالقرآن، وإن لم يزين ظاهره بتلاوته. والثالث: المنافق الذي يقرأ القرآن رياءً وسمعة، ولا يعمل به في حياته أو يطبقه في سلوكه، فهذا يشبه الريحانة في طيب رائحتها، ومرارة طعمها، لأنه زين ظاهره بحسن التلاوة، وقّبح باطنه بسوء العمل. الرابع: المنافق الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به، وهذا يشبه الحنظلة في مرارة طعمها وقبح رائحتها، فهو قبيح الظاهر والباطن معاً.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن. القرآن جمال لأهله على أي حال، فإن عمل به صاحبه جمَّله ظاهراً وباطناً، وسعد به في الدنيا والآخرة، وإن لم يعمل به وقرأه رياءً جمّله ظاهراً، ونفعه في الدنيا فقط. ثانياًً: أن المراءي لا يثاب على قراءة القرآن، لأن النبي ﷺ شبهه بالريحانة التي طعمها مرٌ، وهذا يدل على قبح عمله، وعدم انتفاعه به في الآخرة. الحديث: أخرجه
стр. 1682
٩٠٢ - " بَابٌ اقْرؤوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ "
١٠٤٨ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اقْرَؤوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فإذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ".
ــ
الستة. والمطابقة: في قوله: " ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ".
٩٠٢ - " باب إقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم "
١٠٤٨ - معنى الحديث: قال العيني: معناه، اقرؤوه على نشاط منكم، فإذا حصل لكم ملل وسآمة فاتركوه، فإنه أعظم من أن يقرأه أحدٌ من غير حضور القلب وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف، لئلا يجحد أحدهم ما يقرأه الآخر، فيكون جاحداً لما أنزل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحري قراءة القرآن عند توفر النشاط والرغبة النفسية في تلاوته، لأن القراءة مع حضور القلب لها أثرها العميق في نفس القارىء ووجدانه. ثانياًً: أنه إذا وقع الاختلاف في معنى من معاني القرآن أو قراءة من قراءَاته، واشتد حتى أوشك أن يؤدي إلى النزاع والشقاق وجب الإِمساك عنه، وضبط النفس قدر الإِمكان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
***
стр. 1683
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب النكاح "
النكاح لغة: الضم والتداخل، ثم أطلق على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازاً، وقال الزجاجي: النكاح في كلام العرب هو الوطء والعقد جميعاً وأما النكاح شرعاً: ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية. الثاني: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وهو القول الراجح، لكثرة وروده في الكتاب والسنة بمعنى العقد، حتى قيل: لم يرد في القرآن إلاّ للعقد، قال الحافظ: ولا يرد مثل قوله: " حتى تنكح زوجاً غيره " لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة. الثالث: أنه لفظ مشترك بين العقد والوطء. قال الحافظ: وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. أما الحكمة في مشروعية النكاح: فإنه لما كان وجود الجنسين وحاجة كل منهما إلى الآخر سنة الحياة، التي أرادها الله، وأودع في كل منهما هذه الغريزة التي تدعوه إلى الآخر. ليتحقق بذلك بقاء النوع البشري على هذه الأرض. شرع له النكاح للتنفيس عن غريزته بطريقة سليمة يتسامى فيها عن غيره من الحيوانات، لأنه أكرم المخلوقات، وحقق بالنكاح منافع عظيمة، منها غض البصر، وكف النفس عن جريمة الزنا محافظة "على أنساب الناس، وصيانة لأعراضهم ومنها: استبقاء النوع البشري على هذه الأرض بالتوالد والتناسل فينتج جيلاً صالحاً نافعاً لبلاده وأمته كما قال ﷺ " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم " ومنها تنظيم الأسرة وصيانتها، حيث جعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صحيحة قائمة على نكاح شرعي موثق بشهادة الشهود، معلن عنه عند الناس فكل منهما قد أصبح زوجاً للآخر، وارتبط به
стр. 1684
٩٠٣ - "بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ استطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ "
١٠٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
لَقَدْ قَالَ لَنَا النبي ﷺ : "يا مَعْشَرَ الشَبّاَبِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ".
ــ
ارتباطاً شرعياً يحفظ له حقوقه، ويصون سمعته وكرامته، ويثبت نسله منه حتى تقوم الأسرة على أسس قوية متينة. ومن أغراض النكاح المحافظة على صحة الزوجين جسمياً ونفسياً (١) وقد جاء في تقرير هيئة الأمم المتحدة الذي نشرته صحيفة الشعب الصادرة يوم السبت ٦/ ٦/١٩٥٩ م أن المتزوجين يعيشون مدة أطول مما يعيشها غير المتزوجين سواء كان غير المتزوجين أرامل أم مطلقين، أم عزاباً من الجنسين.
٩٠٣ - " باب قول النبي ﷺ : " من استطاع منكم الباءة فليتزوج "
١٠٤٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يوجه نداءه إلى الشباب فيقول لهم: " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج " أي من وجدت لديه القدرة الجنسية على الجماع والرغبة فيه مع قدرته على مؤونته ونفقته فليتزوج. ليغضَّ بصره، ويحفظ فرجه عن محارم الله، كما جاء في رواية أخرى حيث قال: " فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج " " ومن لم يستطع فعليه بالصوم " أي ومن لم يستطع الزواج لعجز مالي عن المؤونة والنفقة، ولديه رغبة في الجماع " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أي فليلجأ إلى الصوم لكسر شهوته وإضعاف رغبته الجنسية " فإنه له وجاء " أي فإن الصوم يقطع الشهوة
стр. 1685
كما يقطعها الوجاء. والوجاء رض الخصيتين (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن النكاح لكل من قدر على نفقاته وتاقت نفسه إليه، وهو مذهب الجمهور، وقالت الظاهرية بوجوبه، لظاهر الأمر به في الكتاب والسنة، وأما من رغب عن الزواج دون عذر، وظن أن البعد عنه فضيلة، وفضل الرهبانية، فقد قال ﷺ في حقه: " وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " أي فليس من طريقتي الرهبانية، قال ابن قدامة: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في المحظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة العلماء، الثاني من يستحب له، وهو من له شهوة ويأمن الوقوع في محظور، فهذا التزوج له أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول الحنفية، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، قال ابن مسعود ﵁: لو لم يبق من أجلي إلاّ عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها ولي طول النكاح فيهن لتزوجت، مخافة الفتنة، وقال ابن عباس ﵄ لسعيد بن جبير: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال أحمد: ليست العزوبة من أمر الإِسلام في شيء، وقال أنس: كان النبي ﷺ يأمرنا بالباءة ويقول: " تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ". الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم تخلق له شهوة أو كانت شهوة فذهبت بكبر أو مرض أو نحوه، ففيه وجهان أحدهما: يستحب له النكاح، لعموم ما ذكرنا. الثاني: التخلي للعبادة له أفضل، لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضربها بحبسها على نفسه ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. ثانياً: أنه ينبغي لمن لا قدرة له، ولا يجد لديه مؤنة النكاح أن يترك التزوج ويكثر الصوم لإضعاف شهوته أما إذا كان قادراً عليه ولكنه لا يرغب فيه، فقد قال الدردير المالكي: