← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

كالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طيَبٌ، ولا رِيحَ لَهَا، وَمثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرأ القُرْآنَ كالرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طيَبٌ، وطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لا ْ يَقْرأ القُرْآنَ كالحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ أو خَبِيثٌ، ورِيحُهَا مُرٌّ". ــ الأصناف الأربعة من البشر، بشيء يماثله في الحسن والقبح الأول: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، وقد شبهه بالأترجة (١) في حلاوة مذاقها وطيب رائحتها، لأنه يجمع بين حسن الظاهر والباطن. والثاني: المؤمن الذي لا يقرأ القرآن لكنه يعمل به، فهو يشبه التمرة في حلاوة مذاقها، وإن كانت لا ريح لها، لأنه زين باطنه بالعمل بالقرآن، وإن لم يزين ظاهره بتلاوته. والثالث: المنافق الذي يقرأ القرآن رياءً وسمعة، ولا يعمل به في حياته أو يطبقه في سلوكه، فهذا يشبه الريحانة في طيب رائحتها، ومرارة طعمها، لأنه زين ظاهره بحسن التلاوة، وقّبح باطنه بسوء العمل. الرابع: المنافق الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به، وهذا يشبه الحنظلة في مرارة طعمها وقبح رائحتها، فهو قبيح الظاهر والباطن معاً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن. القرآن جمال لأهله على أي حال، فإن عمل به صاحبه جمَّله ظاهراً وباطناً، وسعد به في الدنيا والآخرة، وإن لم يعمل به وقرأه رياءً جمّله ظاهراً، ونفعه في الدنيا فقط. ثانياًً: أن المراءي لا يثاب على قراءة القرآن، لأن النبي ﷺ شبهه بالريحانة التي طعمها مرٌ، وهذا يدل على قبح عمله، وعدم انتفاعه به في الآخرة. الحديث: أخرجه

стр. 1682

٩٠٢ - " بَابٌ اقْرؤوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ " ١٠٤٨ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اقْرَؤوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فإذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ". ــ الستة. والمطابقة: في قوله: " ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ". ٩٠٢ - " باب إقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم " ١٠٤٨ - معنى الحديث: قال العيني: معناه، اقرؤوه على نشاط منكم، فإذا حصل لكم ملل وسآمة فاتركوه، فإنه أعظم من أن يقرأه أحدٌ من غير حضور القلب وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف، لئلا يجحد أحدهم ما يقرأه الآخر، فيكون جاحداً لما أنزل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحري قراءة القرآن عند توفر النشاط والرغبة النفسية في تلاوته، لأن القراءة مع حضور القلب لها أثرها العميق في نفس القارىء ووجدانه. ثانياًً: أنه إذا وقع الاختلاف في معنى من معاني القرآن أو قراءة من قراءَاته، واشتد حتى أوشك أن يؤدي إلى النزاع والشقاق وجب الإِمساك عنه، وضبط النفس قدر الإِمكان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ***

стр. 1683

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب النكاح " النكاح لغة: الضم والتداخل، ثم أطلق على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازاً، وقال الزجاجي: النكاح في كلام العرب هو الوطء والعقد جميعاً وأما النكاح شرعاً: ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية. الثاني: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وهو القول الراجح، لكثرة وروده في الكتاب والسنة بمعنى العقد، حتى قيل: لم يرد في القرآن إلاّ للعقد، قال الحافظ: ولا يرد مثل قوله: " حتى تنكح زوجاً غيره " لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة. الثالث: أنه لفظ مشترك بين العقد والوطء. قال الحافظ: وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. أما الحكمة في مشروعية النكاح: فإنه لما كان وجود الجنسين وحاجة كل منهما إلى الآخر سنة الحياة، التي أرادها الله، وأودع في كل منهما هذه الغريزة التي تدعوه إلى الآخر. ليتحقق بذلك بقاء النوع البشري على هذه الأرض. شرع له النكاح للتنفيس عن غريزته بطريقة سليمة يتسامى فيها عن غيره من الحيوانات، لأنه أكرم المخلوقات، وحقق بالنكاح منافع عظيمة، منها غض البصر، وكف النفس عن جريمة الزنا محافظة "على أنساب الناس، وصيانة لأعراضهم ومنها: استبقاء النوع البشري على هذه الأرض بالتوالد والتناسل فينتج جيلاً صالحاً نافعاً لبلاده وأمته كما قال ﷺ " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم " ومنها تنظيم الأسرة وصيانتها، حيث جعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صحيحة قائمة على نكاح شرعي موثق بشهادة الشهود، معلن عنه عند الناس فكل منهما قد أصبح زوجاً للآخر، وارتبط به

стр. 1684

٩٠٣ - "بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ استطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ " ١٠٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: لَقَدْ قَالَ لَنَا النبي ﷺ : "يا مَعْشَرَ الشَبّاَبِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ". ــ ارتباطاً شرعياً يحفظ له حقوقه، ويصون سمعته وكرامته، ويثبت نسله منه حتى تقوم الأسرة على أسس قوية متينة. ومن أغراض النكاح المحافظة على صحة الزوجين جسمياً ونفسياً (١) وقد جاء في تقرير هيئة الأمم المتحدة الذي نشرته صحيفة الشعب الصادرة يوم السبت ٦/ ٦/١٩٥٩ م أن المتزوجين يعيشون مدة أطول مما يعيشها غير المتزوجين سواء كان غير المتزوجين أرامل أم مطلقين، أم عزاباً من الجنسين. ٩٠٣ - " باب قول النبي ﷺ : " من استطاع منكم الباءة فليتزوج " ١٠٤٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يوجه نداءه إلى الشباب فيقول لهم: " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج " أي من وجدت لديه القدرة الجنسية على الجماع والرغبة فيه مع قدرته على مؤونته ونفقته فليتزوج. ليغضَّ بصره، ويحفظ فرجه عن محارم الله، كما جاء في رواية أخرى حيث قال: " فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج " " ومن لم يستطع فعليه بالصوم " أي ومن لم يستطع الزواج لعجز مالي عن المؤونة والنفقة، ولديه رغبة في الجماع " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أي فليلجأ إلى الصوم لكسر شهوته وإضعاف رغبته الجنسية " فإنه له وجاء " أي فإن الصوم يقطع الشهوة

стр. 1685

كما يقطعها الوجاء. والوجاء رض الخصيتين (١). فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن النكاح لكل من قدر على نفقاته وتاقت نفسه إليه، وهو مذهب الجمهور، وقالت الظاهرية بوجوبه، لظاهر الأمر به في الكتاب والسنة، وأما من رغب عن الزواج دون عذر، وظن أن البعد عنه فضيلة، وفضل الرهبانية، فقد قال ﷺ في حقه: " وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " أي فليس من طريقتي الرهبانية، قال ابن قدامة: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في المحظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة العلماء، الثاني من يستحب له، وهو من له شهوة ويأمن الوقوع في محظور، فهذا التزوج له أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول الحنفية، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، قال ابن مسعود ﵁: لو لم يبق من أجلي إلاّ عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها ولي طول النكاح فيهن لتزوجت، مخافة الفتنة، وقال ابن عباس ﵄ لسعيد بن جبير: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال أحمد: ليست العزوبة من أمر الإِسلام في شيء، وقال أنس: كان النبي ﷺ يأمرنا بالباءة ويقول: " تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ". الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم تخلق له شهوة أو كانت شهوة فذهبت بكبر أو مرض أو نحوه، ففيه وجهان أحدهما: يستحب له النكاح، لعموم ما ذكرنا. الثاني: التخلي للعبادة له أفضل، لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضربها بحبسها على نفسه ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. ثانياً: أنه ينبغي لمن لا قدرة له، ولا يجد لديه مؤنة النكاح أن يترك التزوج ويكثر الصوم لإضعاف شهوته أما إذا كان قادراً عليه ولكنه لا يرغب فيه، فقد قال الدردير المالكي:

стр. 1686

٩٠٤ - " بَابُ نِكَاحِ الأبكَارِ " ١٠٥٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أرَأيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِياً، وفِيهِ شَجَرَة قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرَاً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، أيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: " في التي لم يُرْتَعْ مِنْهَا " تَعْنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْراً غَيْرَهَا. ــ " وغير الراغب إن أداه إلى قطع مندوب كره وإلا أبيح، إلا أن يرجو نسلاً، أو خيراً من نفقة على فقيرة فيندب ما لم يؤد إلى حرام وإلا حَرُمَ. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج ". ٩٠٤ - " باب نكاح الأبكار " ١٠٥٠ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ أرادت أن تزهو بنفسها، وتفخر على غيرها بفضل بكارتها، فقالت: " أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ " بضم التاء الأولى، وكسر التاء الثانية، وإسكان الراء فيها، وهو مضارع أرتع تقول ﵂ له ﷺ : أخبرني لو نزلت وادياً فيه أشجار قد رعاها غيرك وأشجار لم يرعها أحد قبلك، ماذا كنت تختار لبعيرك أن يرعاهُ " قال: في التي لم يرتع (١) منها " أي أختار لبعيري أن يأكل من الشجرة التي لم يأكل منها غيره فلما قال ﷺ ذلك " قالت ﵂: فأنا هيه " كما في رواية أبي نعيم، " تعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكراً غيرها " أي تقصد ﵂ من هذا المثل أنها أفضل نسائه، لأنها البكر

стр. 1687

٩٠٥ - " بَابُ الأكفَاءِ في الدِّينْ " ١٠٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ أبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْن رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَْمسٍ، وكان مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَنَّى سَالِماً وأنْكَحَهُ بِنْتَ أخيهِ هِند بنْتَ الوَلِيدِ بْن عُتْبَةَ وَهُوَ مَوْلى لامْرأة مِنَ الأنْصَارِ كمَا تَبَنَّى النبي ﷺ زَيداً، وَكَانَ ــ الوحيدة بينهن فينبغي أن يحبها أكثر من نسائه جميعاً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الأبكار والترغيب في نكاحهن، لأن البكر مثل الشجرة التي لم يؤكل منها، فهي أرغب وأحب إلى النفس من الشجرة التي أكل منها، وقد جاء الترغيب في نكاح الأبكار في أحاديث كثيرة. منها: حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير " أخرجه ابن ماجة، والحديث وإن كان راويه عبد الرحمن بن سالم وهو مجهول إلا أنه يؤيده حديث جابر حيث قال له ﷺ هلا بكراً تلاعبها " وفي رواية: " هلا جارية تلاعبها وتلاعبك ". ثانياً: أن حب المباهاة من طبيعة المرأة في كل العصور لم يسلم من ذلك حتى أمهات المؤمنين ﵅، كما يدل عليه هذا الحديث. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله ﷺ : " في التي لم يرتع منها " حيث يدل على تفضيل البكر، وهو ما ترجم له البخاري. ٩٠٥ - " باب الأكفاء في الدين " ١٠٥١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدراً مع النبي

стр. 1688

من تَبَنَّى رَجُلاً في الجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إليهِ، وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهُ حتَّى أنْزَلَ اللهُ (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ -إلى قوله- وَمَوَالِيكُمْ) فرُدُّوا إلى آبَائِهِمْ، فمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُْ أبٌ كَانَ مَوْلَى وأخَاً في الدِّينِ". ــ ﷺ تبنى سالماً وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة" أي أن هذا الصحابي الجليل الحسيب النسيب الذي جمع بين شرف النسب وشرف الدين وشهد بدراً مع رسول الله ﷺ قد تبنى سالم بن معقل وزوّجه ابنة أخيه " هنداً " الحرة الشريفة الكريمة النسب العريقة الأصل " وهو مولى لامرأة من الأنصار " أي والحال أنّه عبد مملوك لامرأة من الأنصار اسمها ثبيتة بنت يعار " كما تبنى النبي ﷺ زيداً " أي زيد بن حارثة، فكان يدعى زيد بن محمد " وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه " أي ألحقوه به نسباً، وأصبح ولداً كأولاده من صلبه " وورث من ميراثه " كولد الصلب تماماً " حتى أنزل الله : (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) " أي استمر ذلك حتى أنزل الله تعالى قوله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ (١) فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فأبطل التبني. فقه الحديث: دل هذا الحديث علي ما يأتي: أولاً: استدل به ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم على أن المعوّل عليه في كفاءة النكاح هو الإيمان والدين فقط لأن أبا حذيفة لم تمنعه عراقة نسبه، وشرف منزلته في الجاهلية والإِسلام من تزويج ابنة أخيه الحسيبة النسيبة لعبد مملوك. ولهذا قال ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم: لا كفاءة إلاّ في الدين، فلا يجوز للمسلمة أن تتزوج كافراً، أمّا ما عدا ذلك فأي مسلم له الحق أن يتزوج أية مسلمة ما لم تكن زانية أو يكن زانياً ولم يتوبا توبة نصوحاً. وهو مذهب البخاري ورواية عن مالك في

стр. 1689

" المدونة " كما في شرح العبدري على متن خليل (١) وهي التي اعتمد عليها الحافظ في قوله: " وجزم مالك باعتبار الكفاءة في الدين خاصة (٢). لكن المعتمد عند المالكية أن الكفاءة تعتبر في الدين والحرية والسلامة من العيوب. لقول خليل (٣): " والكفاءة في الدين والحال " أي في الدين والسلامة من العيوب. وقال ابن رشد (٤): " وأما الحرية فلم يختلف المذهب أنها من الكفاءة. اهـ. ولهذا قال في " الإِفصاح " واختلف الفقهاء في شروط الكفاءة (٥)، فقال أبو حنيفة: هي النسب والدين والحريّة وإسلام الآباء والقدرة على المهر والنفقة والصناعة، وقال الشافعي " الكفاءة " ستة: الدين والنسب والحرية والصناعة والبراءة من العيوب والمال في أحد الوجهين، وقال أحمد في الرواية المشهورة عنه، هي خمسة النسب والدين والحرية والصناعة والمال، وعن أحمد رواية أخرى هي النسب والدين فقط. قال ابن قدامة: والدليل على اعتبار النسب في الكفاءة قول عمر ﵁: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء قيل له: وما الأكفاء؟ قال: في الأحساب. اهـ. واختلفوا في التفاضل بين القرشيين والهاشميين فالأحناف يرون أن القرشي كفء للهاشمية خلافاً للشافعية لأن النبي ﷺ زوّج ابنتيه عثمان بن عفان وأبا العاص بن الربيع وهما من بني عبد شمس. قالوا: وشرف العلم دونه كل نسب وكل شرف، فالعالم كفء لأي امرأة مهما كان نسبها وإن لم يكن له نسب معروف لقوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وقوله ﷺ : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا "

стр. 1690

١٠٥٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " تُنْكَحُ الْمَرأةُ لأرْبَع: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينهَا، فاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ". ــ فجعل الفقه في الدين أعلى الفضائل واستدل الجمهور على اشتراط الحرية في الكفاءة بما ثبت في السنة الصحيحة من تخيير الأمة إذا أعتقت (١) كما أشار إليه ابن رشد. ثانياً: إبطال التبني الذي كان معروفاً ومعمولاً به في الجاهلية وذلك بنزول قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ). الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في كون أبي حذيفة زوج ابنة أخيه لمولى مع عراقة نسبها وشرفها في الجاهلية والإِسلام. ١٠٥٢ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " تنكح المرأة لأربع " أي أن من أهم الأشياء التي ترغب الرجل في الزواج من المرأة أربع صفات: الأولى أن تكون غنية فيتزوجها " لمالها " أي طمعاً في ثروتها إما لأنه قد يستغني بها عن الإنفاق عليها، أو لتمكنه من التصرف في مالها، أو لأنه يود أن ينجب منها أولاداً فيعود المال إليهم. الثانية: أن تكون ذات نسب وحسب فينكحها " لحسبها " لكي ينعكس هذا الحسب (٢) والنسب على أولادها فتحسن تربيتهم ولأن العرق دساس وللوراثة أثرها الثالثة: أن تكون المرأة جميلة فينكحها " لجمالها " أي لكي يستمتع بحسنها وجمالها. الرابعة: أن تكون المرأة ذات دين وصلاح، فيتزوجها " لدينها " وصلاحها، وهو أسمى المقاصد، لأن المرأة

стр. 1691

الصالحة من أعظم نعم الدنيا، ولذلك أمر ﷺ بالمبادرة إليها وتفضيلها على غيرها، حيث قال: " فاظفر بذات الدين " أي فاحرص على أن تفوز بالمرأة الصالحة المتدينة لأنها خير متاع الدنيا إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك وعرضها. " تربت يداك " ومعناه في الأصل افتقرت يداك، والمراد به هنا التحذير الشديد من مخالفة هذه النصيحة الغالية، وأن من خالفها وتزوج بغير ذات الدين. خسر كل المزايا التي لا تتوفر إلاّ في المرأة الصالحة من سعادة وطاعة وإخلاص، ووفاء وأمانة، واحترام لزوجها، ومراعاة لمشاعره، وحسن تربية لأولادها، ومحافظة على مال زوجها، وصيانة لعرضها، وهذا هو المقصود بقوله: " تربت يداك ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أهم الصفات والمزايا التي يطلبها الرجل في المرأة المال والحسب والجمال والدين، فمن رغب في امرأة طمعاً في مالها، فإن هذا غرض خسيس تأباه النفوس الكريمة أما الرغبة في المرأة لحسبها ونسبها، فإنه لا شك أنه غرض نبيل، لأن العرق دساس، وللوراثة أثرها دون شك، أما الجمال فإن النفس البشرية تميل إليه بطبيعتها وفطرتها، وقد يكون سبباً للوفاق بين الزوجين. ثانياً: الترغيب في الزوجة الصالحة، وتفضيلها على غيرها، لأن من فقد المرأة الصالحة فقد كل شيء كما يدل عليه قوله ﷺ : " فاظفر بذات الدين تربت يداك " فقد سمّى النبي ﷺ نكاح ذات الدين ظفراً - أي فوزاً وفلاحاً، وحذر من نكاح المرأة التي لا دين لها، لأن نكاحها فقرٌ وإن حسبه غنى، وخسارة وإن ظنه كسباً. وفي الحديث عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من تزوج المرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلاّ دناءة، ومن تزوج امرأة لم يتزوجها إلاّ ليغض بصره، أو يحصن فرجه، أو يصل رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها فيه " أخرجه الطبراني في

стр. 1692

٩٠٦ - " بَابُ يُتَّقَى من شُؤْمِ الْمَرْأةِ وقوله تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) " ١٠٥٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أنَّ النبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجَالَ مِنَ النِّسَاءِ ". ــ الأوسط (١). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يردِيَهُنُّ، ولا تزوجوهن لمالهن فعسى مالهن أن يطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرقاء سوداء ذات دين أفضل " أخرجه ابن ماجة (٢). وعن أبي أمامة ﵁ أنه ﷺ كان يقول: ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله " أخرجه ابن ماجة (٣). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فاظفر بذات الدين تربت يداك ". ٩٠٦ - " باب ما يتقى من شؤم (٤) المرأة وقوله تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) " ١٠٥٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "ما تركت بعدى فتنة

стр. 1693

٩٠٧ - " بَابٌ (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ " ١٠٥٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِن في بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِن في بَيْتِكَ، فَقَالَ النبي ﷺ : " أراهُ فلاناً " ــ أضر على الرجال من النساء" أي لا أحد أقدر على فتنة الرجل وإغوائه من المرأة السوء، لقوة تأثيرها عليه عاطفياً، ولذلك فإن المرأة إذا كانت صالحة أصلحت زوجها غالباً، أو زادته صلاحاً، أو خففت من فساده وإن كانت فاسدة أفسدته غالباً إلاّ من عصمه الله بقوة الدين والعزيمة والإرادة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المرأة تملك من التأثير على الرجل ما لا يملكه سواها، وتستخدم أقوى سلاح لها في التأثير عليه والهيمنة على تصرفاته وسلوكه، وهو قوة حبه لها، ولذلك قدم الله النساء على سائر الشهوات الأخرى، فقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) فقدَّمهن على الولد الذي هو مهجة القلب، ثانياً: التحذير الشديد من الانقياد للمرأة والاستجابة لكل رغباتها، لأنها أشد الفتن، وأخطرها على الرجال، فإذا استجاب لرغباتها كلها أضلته عن سواء السبيل لنقصان عقلها وشدة اندفاعها، وانسياقها مع عواطفها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على شدة ضرر المرأة. ٩٠٧ - " باب (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ١٠٥٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا في هذا الحديث " أنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة " أي يطلب الإذن

стр. 1694

لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فسألتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلانٌ حَيَّاً لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، الرَّضاعَةُ تُحَرمُ مَا تُحَرِّمُْ الوِلادَةُ ". ــ بالدخول إلى بيت حفصة ﵂ " قالت: فقلت يا رسول الله سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقال النبي ﷺ أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة " أي أظنه فلاناً الذُي هو عم حفصة من الرضاعة " قالت عائشة: لو كان فلان حياً لعمها من الرضاعة دخل علي " أي لو كان فلان ... الذي هو عمي من الرضاعة موجوداً على قيد الحياة لجاز له الدخول عليَّ قال بعض أهل العلم: أرادت بقولها لو كان فلان حياً " أفلح " أخا أبي القعيس عمها من الرضاعة، " قال نعم " أي لو كان عمك من الرضاعة حياً لدخل عليك " الرضاعة تحرّم ما تحرم الولادة " وفي رواية يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة .. أخرجه مسلم وأبو داود والشافعي ومعناه: يحرم من أجل الرضاعة ما يحرم من أجل الولادة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يحرم من الرضاع الأصناف المحرمة من الولادة والنسب، فتحرم الأم من الرضاعة والجدّة والأخت الشقيقة (١)، والأخت لأب والأخت لأم، والعمة من الرضاعة، والخالة من الرضاعة، وغيرهم وهكذا يحرم من الرضاع كل ما يحرم من النسب. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ". ...

стр. 1695

٩٠٨ - " بَابُ مَنْ قَالَ لا رَضَاعَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ " ١٠٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النبي ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فكأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إنَّهُ أخِي، فقَالَ: انْظرنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ ". ــ ٩٠٨ - " باب من قال لا رضاع بعد الحولين " ١٠٥٥ - معنى الحديث: تروي عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل " قال الحافظ: وأظنه ابناً لأبي القعيس " فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك " وفي رواية أبي داود " فشق ذلك عليه، فتغير وجهه " فقال: يا عائشة ما هذا؟ " فقالت: إنه أخي " وفي رواية أبي داود: إنه أخي من الرضاعة " فقال رسول الله ﷺ : انظرن من إخوانكن " أي دققن النظر في سبب هذه الأخوة، وكيف وقعت هذه الرضاعة، فليست كل رضاعة تحرِّم، " إنما الرضاعة من المجاعة " أي إنما الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، ما تكون من المجاعة، حين يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته، وينبت لحمه بذلك، فيصير كجزء من أجزاء المرضعة ويصبح كسائر أولادها في الحرمة. قال الخطابي: معناه أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة ما كانت في الصغر، والرضيع طفل يقويه اللبن، ويسد جوعه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الرضاعة المعتبرة شرعاً في تحريم الرضيع هي المغنية من المجاعة التي تكون في مدة الرضاع قبل تمام الحولين، ويؤيده حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ : قال: " لا يحرم من الرضاع إلاّ ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام " أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: أن

стр. 1696

الرضاعة لا تحرّم إلاّ ما كان دون الحولين (١) وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم شيئاً، وهو مذهب الجمهور في اختلف العلماء في حد الصغر (٢) فقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: مدة الرضاع المحرِّم حولان، ولا يحرم ما وقع بعدهما، ورواه ابن وهب عن مالك، ودليل أن مدة الرضاع حولين قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: " مدة الرضاع المؤثرة في التحريم ثلاثون شهراً من وقت الولادة واستدل له بقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) حيث أفادت الآية أن مدة كل منهما ثلاثون شهراً، وأجاب الجمهور أن ظاهر الآية يدل على أن الثلاثين شهراً هي مدة للحمل والفصال معاً. وذهب الظاهرية إلى أنه يثبت التحريم برضاع الكبير، مستدلين بقوله ﷺ لامرأة أبي حذيفة في حق سالم: " أرضعيه فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، وأجاب الجمهور بأن هذه رخصة استثنائية خاصة لهم دون غيرهم. ثانياً: أن مجرد التغذية بلبن المرضعة يحرّم سواء كان بشرب أو مص أو حقن أو سعوط أو غيره، وهو قول الجمهور: وقالت الظاهرية: الرضاعة المحرمة بالتقام الثدي ومص اللبن منه (٣)، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فإنما الرضاعة من المجاعة ". ...

стр. 1697

٩٠٩ - " بَابُ نِكَاحِ الشِّغارِ " ١٠٥٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أن النبي ﷺ نَهَى عن الشِّغَارِ، والشِّغَارُ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أن يُزَوّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاق ". ــ ٩٠٩ - " باب نِكاح الشِّغار " والشغار لغة: الخلو، من شغر البلد، إذا خلا، فسمى هذا النكاح شغاراً لخلوه من المهر، ولذلك نجد أنّ الشغار شرعاً هو أن ينكح الرجل المرأة التي تحت ولايته (١) لرجل آخر على أن ينكحه الآخر المرأة التي تحت ولايته بدون صداق، وهو من الأنكحة التي كانت مستعملة معروفة في الجاهلية فأبطلها الإسلام. ١٠٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر في هذا الحديث " أن النبي ﷺ نهى عن نكاح الشغار " أي أنّه ﷺ نهى عن نكاح الشغار، " والشغار أن يزوج الرجل ابنته " أو أخته مثلاً لرجل آخر " على أن يزوجه " الرجل " الآخر ابنته " أو أخته مثلاً " ليس بينهما صداق " أي ليس بينهما مهر. قال الشافعي: " لا أدري تفسير الشغار في الحديث بهذا التفسير من النبي ﷺ أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم نكاح الشغار، لأن النهي للتحريم، وهو قول الجمهور، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وذهب الحنفية إلى صحته، ووجوب مهر المثل، وهو رواية عن أحمد، وقول على مذهب

стр. 1698

٩١٠ - " بَابٌ نَهْي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ آخِراً " ــ الشافعي (١) ومنشأ الخلاف هل النهي معلل بعدكم العوض أو غير معلل، فإن كان غير معلل لزم الفسخ على الإِطلاق، وإن كان معللاً بعدم الصداق صح بفرض صداق المثل (٢) وهو مذهب الحنفية، لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد (٣)، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، لأن النهي عن الشغار محمول على عدم مشروعيته اتفاقاً لقوله ﷺ : لا شغار في الإِسلام (٤)، وما دام غير مشروع فهو باطل. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قول ابن عمر ﵄: "نهى ﷺ عن الشغار". ٩١٠ - " باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة آخراً " قال الحافظ: وقول البخاري " آخراً " يفهم منه أنه كان مباحاً، وأن النهي عنه وقع آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك. قال الحافظ: وقد وردت عدة أحاديث صحيحة صريحة بالنهى عنها بعد الأذن فيها، وأقربها عهداً بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود عن طريق الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع. وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: " رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها، أخرجه مسلم وأحمد (٥).

стр. 1699

١٠٥٧ - عَنْ عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِب ﵁: أَنَّهُ قَالَ لاْبنِ عَبَّاسٍ ﵄: " إِنَّ النبي ﷺ نَهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ ". ــ ١٠٥٧ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده المتصل " عن علي ﵁ أنه قال لابن عباس: إن النبي ﷺ نهى عن المتعة " أي عن نكاح المتعة، وهو النكاح المؤقت (١) بأن يقول لامرأة: أتمتع بك لمدة كذا، فيتزوجها لمدة عشرة أيام أو عشرين يوماً مثلاً " وعن لحوم الحمر الأهلية " أي ونهى ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية كما جاء في رواية أخرى للبخاري " وعن أكل الحمر الأنسية " " زمن خيبر " أي وكان النهي عن المتعة والحمر الأهلية في غزوة خيبر وقد اختلفت الروايات في وقت تحريمها، ففي بعض الروايات أن المتعة حُرّمت يوم خيبر، وفي بعضها حرمت في فتح مكة، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء ولذلك ذهب بعضهم إلى إنكار بعض الروايات حتى قال ابن عبد البر: وذكر النهي عن المتعة يوم خيبر غلط، وقال السهيلي: النهي عن المتعة يوم خيبر لا يعرفه أحد من أهل السير، ولكن التحقيق في ذلك ما ذهب إليه الإِمام النووي: واختاره من الجمع بين هذه الروايات حيث قال رحمه الله تعالى: " والصواب المختار أن التحريم والإِباحة كانا مرتين كانت حلالاً قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة،

стр. 1700

وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة". فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن نكاح المتعة كان مباحاً مشروعاً أول الإِسلام ثم حرّم. أما كيف كانت مشروعيته، وهل كان حكماً عاماً أو خاصاً فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن نكاح المتعة كان رخصة استثنائية في حال السفر فقط. كما جاء في حديث قيس بن حزام قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصى، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجلٍ بالثوب. ولهذا قال الحازمي: وإنما كان ذلك في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة، وأباحه لهم في أوقات مختلفة، حتى حرّمه عليهم في فتح مكة، وهو أصح الأقوال حيث حرمه تحريم تأبيد لا تأقيت فيه، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار إلا شيئاً ذهب إليه الشيعة، ويروى أيضاً عن ابن جريج، وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بجواز نكاح المتعة، فالصحيح أنه رجع عن رأيه هذا، قال الترمذي: وإنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة، ثم رجع عن قوله حيث أخبر عن النبي ﷺ (١). اهـ. وقال الخطابي: وكان ابن (٢) عباس ﵄ يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزوبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به، فعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: هل تدري ما صنعت وبما أفتيت؟ قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء قال: وما قالت؟ قلت قالوا: قَدْ قُلْتُ للشيخ لَمَا طَاْل مَجْلِسُهُ ... يَا صَاحِ هَل لَكَ في فُتْيَا اْبنِ عَبَّاسِ هَلْ لَكَ في بَيْضاءَ بَهْكَنَةٍ ... تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ

стр. 1701

٩١١ - " بَابُ النَّظَرِ إلى المَرْأةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ " ١٠٥٨ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ ــ فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، ولا حللت إلاّ مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وقد جزم بعض أهل العلم بإجماع المسلمين على تحريم المتعة. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم -أي حرم نكاح المتعة- ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلاّ من لا يلتفت إليه من الروافض، وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإِجماع إلاّ عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صح عن عليٍّ أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد الصادق أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه (١) هذا وقد اختلف العلماء فيمن نكح نكاح المتعة هل يقام عليه الحد أم لا؟ فعند أكثر أهل العلم لا يجب الحد في نكاح المتعة كما أفاده ابن قدامة حيث قال: " لا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة وغيرها، وهذا قول أكثر أهل العلم، فإن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ الشبهات (٢)، وروي عن مالك أنه قال: فيه الحد، ويعاقب إن كان عالماً بمكروه ذلك (٣). اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : " قد أذن لكم أن تستمتعوا ". ٩١١ - " باب النظر إلى المرأة قبل التزويج " ١٠٥٨ - معنى الحديث: أن سهل بن سعد يحدثنا "أن امرأة (٤) جاءت

стр. 1702

لأهبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظرَ إليْهَا وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طَأطَأ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأت الْمَرأة أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فيها شَيْئَاً جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ من أصْحَابِهِ فَقَالَ: أيْ رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: " وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ "، قَالَ: لا واللهِ يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " اذْهَبْ إلى أهْلِكَ فانْظر هَلْ تَجِدُ شَيْئاً " فَذَهَبَ ثم رَجَعَ فَقَالَ: لا واللهِ يا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئَاً، قَالَ: انْظر وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثم رَجِعَ فقالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ولا خَاتَماً مِنْ ــ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي" أي لأعرض عليك نفسي بدون مهر " فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعّد النظر إليها وصوّبه " أي فرفع إليها بصره، وشخص فيها بعينيه، وتفحصها جيداً، ثم خفض بصره عنها، " ثم طأطأ رأسه " أي أرخى رأسه ولم يرد عليها بشيء لم تعجبه، " فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً " أي فلما لم يجاوبها بشيء " جلست " تنتظر ما يقول لها، أو ما يتصرف في شأنها " فقام رجل (١) من أصحابه فقال: أي رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها " أي إذا لم تكن لك فيها رغبة فإني أرغب في زواجها " فقال: وهل عندك شيء " أي هل يوجد لديك ما تقدمه صداقاً لها كما في رواية " الموطأ " حيث جاء فيها: " هل عندك شيء تصدقه إياها " " قال: لا والله يا رسول الله " أي لا يوجد لدي شيء من المال أقدمه صداقاً " قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً " أي لعلهم يعينونك فيعطونك شيئاً من المال تقدمه صداقاً " فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله مما وجدت شيئاً " أي لم يعطوني شيئاً من المال أستعين به على صداقها "قال:

стр. 1703

حَدِيد، ولكنْ هَذَا إزارِي فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وِإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيءٌ" فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثم قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهَ ﷺ مُوَلِّياً، فأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فلمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدهَا، قَالَ: " أتقْرؤهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " اذهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنَ ". ــ انظر ولو خاتماً من حديد" وفي رواية " فالتمس ولو خاتماً من حديد " " فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد " أي لم أجد شيئاً ولا خاتماً من حديد " ولكن هذا إزاري فلها نصفه " صداقاً لها وفي رواية ليس عندي إلاّ إزاري هذا " فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك شيء " أي فلا يجوز لك أن تسلم إزارك لها لما يؤدي إليه ذلك من كشف العورة وهو محرم شرعاً " فرآه رسول الله ﷺ مولياً " أي فرآه ﷺ منصرفاً من المجلس بعد أن يئس من المرأة " فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن، قال: معي سورة كذا وسورة كذا " وفي رواية أبي هريرة قال: " ما تحفظ من القرآن " قال سورة البقرة أو التي تليها. أخرجه أبو داود والنسائي " فقال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " أي زوجتك إياها بتعليمك لها بعض ما تحفظه من القرآن، لما جاء في رواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قال له: " فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك " أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجوز للرجل النظر

стр. 1704

لمن يريد أن يتزوج بها، ولو بلا إذنها، قال في تكملة المنهل العذب: ولا نعلم في ذلك خلافاً. والحكمة فيه أنّه أدعى لحسن العشرة، وبقاء الزوجية، وروى المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي ﷺ " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم (١) بينكما " أخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، وإليه ذهب بعض أهل العلم فقالوا: لا بأس أن ينظر إليها ما لم ير منها محرّماً، وهو قول أحمد وإسحاق. قال النووي: فيه استحباب النظر إلى من يريد تزوجها، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة، ثم إنه إنما يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال، وبالكفين على خصوبة البدن، أو عدمها هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها، وهذا خطأ ظاهر، منابذ لأصول السنة والإجماع، ثم مذهبنا -أي الشافعية- ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها مخافة من وقوع نظره على عورة. ثانياً: دل الحديث على أنه لا بد في النكاح من الصداق لقوله: " وهل عندك شيء " وعلى أنه يكفي في المهر أقل ما يتمول (٢)، ولهذا قال الشافعي وأحمد: لا حد لأقل المهر، وكل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون مهراً، وقال (٣) أبو حنيفة ومالك: يقدر بما تقطع فيه يد السارق مع اختلافهما في قدره، فهو عند أبي حنيفة عشرة دراهم أو دينار، وعند مالك ربع دينار، واختلفوا هل يفسد النكاح بفساد الصداق أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسد النكاح بفساد المهر

стр. 1705

٩١٢ - " بَابُ مَنْ قَالَ: لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ " ١٠٥٩ - عَنْ مَعْقَل وبْنِ يَسَار ﵁ قَالَ: زَوَّجْتُ أخْتَاً لِي مِنْ رَجُل، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، جَاءَ يخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ، وَفَرَّشْتُكَ، وأكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا واللهِ لا تَعُودُ إليْكَ أبداً، وَكَانَ رَجُلاً لا بَأسَ بِهِ، ــ وعن مالك وأحمد روايتان. ثالثاً: دل الحديث على جواز جعل تعليم القرآن صداقاً، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد (١)، واستدلوا بقوله ﷺ : " فقد ملكتكها بما معك من القرآن. وقال أبو حنيفة ومالك والليث وأحمد في رواية: لا يجوز، بل لا بد أن يكون الصداق مالاً لقوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) والطول المال. الحديث: أخرجه الستة مع اختلاف في بعض ألفاظه. والمطابقة: في قوله: " فنظر إليها رسول الله ". ٩١٢ - " باب من قال لا نكاح إلا بولي " والولي: هو كل ذكر مسلم حرٍّ مكلف، يحق له أن يقوم بعقد نكاح المرأة على غيرها، بعد إذنها لسبب من الأسباب الشرعية التي تخول في ذلك، وهي القرابة والولاء والإِمامة. ١٠٥٩ - معنى الحديث: يقول معقل بن يسار " زوجت أختاً لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها، جاء يخطبها " أي فلما انتهت عدتها، وبانت منه جاءني يطلب إرجاعها " فقلت له: زوجتك وفرشتك " أي جعلتها لك فراشاً " فطلقتها " وأهنت كرامتها "ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود

стр. 1706

وكَانَتْ الْمَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إليْهِ، فأنْزَلَ اللهُ هَذه الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ: الآنَ أفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إيَاهُ". ــ إليك أبداً" وفي رواية الترمذي فقال: " يا لكع أكرمتك بها، وزوجتك إياها فطلقتها، والله لا تعود إليك أبداً " الخ " وكان رجلاً لا بأس به " أي حسن السمعة لا عيب في دينه أو خلقه " وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه " أي ترغب في العودة إليه، لأنها تحبه " فأنزل الله " (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) أن ينكحن أزواجهن، أي لا تمنعوهن من العودة إلى أزواجهن عند انقضاء عدتهن. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم العضل، فلا يجوز لولي المرأة المطلقة أن يمنعها من العودة إلى زوجها بعد انقضاء عدتها إذا طلب الزوج عودتها إليه، ورغبت المرأة في ذلك. ثانياًً: أنه لا يجوز نكاح المرأة سواء كانت بكراً أو ثيباً إلا بولي، لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيباً، واحتاجت في رجوعها لزوجها إلى موافقة وليها، ولو كان لها أمر نكاحها بدون وليها لزوجت نفسها دون حاجة إليه، وإنما خاطب الله في الآية الأولياء بقوله: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) لأن أمر الزواج بيد الأولياء مع موافقة المرأة، قال الحافظ: والآية أصلح دليل على اعتبار الولي في النكاح، وإلّا لما كان لعضله معنى، وقد وردت في ذلك أحاديث صريحة تدل على توقف النكاح على وجود الولي، فقد روى أبو موسى عن النبي ﷺ أنه قال: " لا نكاح إلّا بولي "، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة - نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له " إلخ أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. قال ابن رشد: (١) واختلف العلماء هل الولاية شرط لصحة النكاح، فذهب

стр. 1707

٩١٣ - " بَاب لا يُنْكِحُ الأبُ ولا غَيْرُهُ البِكْرَ والثَّيِّبَ إلَّا بِرِضَاهُمَا " ١٠٦٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن النبي ﷺ قَالَ: " لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتى تُسْتَأذَنَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ ". ــ مالك إلى أنه لا يكون نكاح إلاّ بولي، وأنه شرط في صحة النكاح في رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري: إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفأ جاز. اهـ. وهذا الحديث أقوى حجة على اعتبار الولي والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة كما أوضحناه. ٩١٣ - " باب لا ينكح الأب ولا غيره البكر والثيب إلاّ برضاهما " ١٠٦٠ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " لا تنكح الأيّمُ " بالبناء للمجهول وبكسر الحاء على أن لا ناهية، ويجوز رفع الفعل على أنّها نافية، وفي رواية أخرى: " لا تنكح الثيب حتى تستأمر " أخرجه الترمذي، والأيم والثيب معناهما واحدٌ، وهي التي ليست بكراً. " حتى تستأمر " أي حتى تستأذن استئذاناً صريحاً، إذ (١) الاستئمار طلب الأمر، والأمر لا يكون إلاّ بالنطق، والمعنى: لا يجوز للولي أن يُزَوّجَ الثيب إلاّ بعد أخذ موافقتها الصريحة بصريح القول بأن تقول رضيت أو قبلت، أو أي عبارة تدل على الموافقة " ولا تنكح البكر حتى تستأذن " بالبناء للمجهول. وكسر " (٢) الحاء كما في الجملة

стр. 1708

السابقة. والبكر هي التي لم تُزَل بكارتها أصلاً، أو زالت بوثبة أو حيضة، أي ولا يجوز للولي أن يزوّج البكر البالغة إلاّ بإذنها وموافقتها ولكن لا يلزم أن تأذن بصريح القول، لأنها يغلب عليها الحياء بل يكفي منها كل ما يدل على رضاها ولو بإشارة، أو سكوت، ولهذا لمّا " قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ " أي وكيف يكون إذنها؟ وهل يلزم أن يكون بصريح القول كالثيب؟ " قال: أن تسكت " كذا في رواية البخاري وأبي داود وغيره من الصحاح، وفي رواية الترمذي: " وإذنها الصموت " أي السكوت أي أنه يكتفى منها بسكوتها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز للولي أن يزوج المرأة التي تحت ولايته إلاّ بإذنها سواء كانت بكراً أو ثيباً، فإن كانت ثيباً عبّرت عن رضاها بصريح القول، بأن تقول أي كلمة صريحة تدل على الرضا، حتى كأنها تأمر وليها بتزويجها منه، لأن قوله ﷺ : تستأمر .. معناه حتى يؤخذ أمرها بذلك. وإن كانت بكراً فإنها تستأذن بكل ما يدل على رضاها ولو بالسكوت. لاستحيائها، لأنها (١) لو تكلمت صريحاً لظن أنها راغبة في الرجال، وهذا لا يليق في البكر واستحب العلماء أن تعلم أن صماتها إذن. اهـ. فيستدل على رضاها بسكوتها، أما رفضها فلا بد فيه من اللفظ الصريح كما أفاده ابن رشد. هذا وقد اتفق أهل العلم على وجوب استئذان الثيب، وأنها لا تزوج إلاّ برضاها كما اتفقوا على أن البكر إذا كان وليها غير أبيها لا بد من رضاها وإذنها، إلا أن إذنها سكوتها، واختلفوا في البكر البالغة التي يكون وليها أبوها، فقال الشافعي وابن أبي يعلى (٢) وأحمد وإسحاق وغيرهم: إن كان الولي أباً أو جدَّاً كان الاستئذان مندوباً إليه، ولو زوجها بغير استئذانها صَحَّ، وإن كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان، ولم يصح نكاحها قبله، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة

стр. 1709

وغيرهما: يجب الاستئذان في كل بكر بالغة. اهـ. كما أفاده النووي، ومذهب مالك كالشافعي فقد روى مالك في " الموطأ " عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهما كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن، ثم قال مالك بعد هذا: وعلى ذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار وأما العانس فاختلف قول مالك في إجبارها وقال الحسن البصري: نكاح الأب جائز على ابنته، ولو ثيباً كرهت، والصحيح قول جمهور العلماء أن الثيب إذا زوّجها أبوها بدون إذنها فكرهت ذلك فسخ نكاحها لما أخرجه البخاري عن خنساء بنت خذام الأنصارية ﵂ أن أباها زوجها وهي ثيّب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ْفرد نكاحه، وإن وافقت على ذلك فقال أبو حنيفة يصح نكاحها، وذهب الشافعي وأحمد إلى بطلانه واختلفوا في البكر البالغة فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن لأبيها إجبارها (١) وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق ودليلهم ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها " فحيث قسم النساء قسمين، وأثبت لاحداهما الحق، دل على نفيه عن الأخرى وهي البكر، فيكون وليها أحق فيها، الرواية الثانية عن الإمام أحمد ليس له إجبارها، وهو مذهب الإمام أحمد والأوزاعي والثوري وأبي ثور واختار هذه الرواية ابن تيمية وابن القيم والعلامة السعدي والشيخ بابطين مفتى الديار النجدية في عصره (٢) ودليل عدم إجبار البكر نهيه ﷺ عن تزويجها بدون إذنها فلو لم يكن إذنها معتبراً ما جعله غاية لإِنكاحها في قوله ﷺ : " لا تنكح البكر حتى تستأذن " فإن زوّجها أبوها بدون إذنها فالمشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد أن النكاح صحيح وإن كرهت ذلك وقال أبو حنيفة ومن وافقه: إذا لم ترض بذلك فالنكاح مفسوخ

стр. 1710

٩١٤ - " بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أتى أهْلَهُ " ١٠٦١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَا لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأتِي أهْلَهُ: بِسْمَ اللهَ، اللَّهُمَّ جَنبنِي الشَّيْطَانَ، وَجنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا في ذَلِكَ، أو قضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أربداً ". ــ لما في حديث ابن عباس ﵄ " أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ ، وقال ﷺ : " والبكر تستأذن " أخرجه أبو داود وابن ماجة. والله أعلم. اهـ. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة. ٩١٤ - " باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله " ١٠٦١ - معنى الحديث: يرغبنا النبي ﷺ أن نأتي بالبسملة وهذا الدعاء المبارك عند الجماع صيانة لأنفسنا وأولادنا من إيذاء الشياطين، فيقول: " أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله " أي عندما يجامع زوجته " بسم الله اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا " أي اللهم باعد بيني وبين الشيطان، وباعد بينه وبين كل ما أعطيتنا إياه في هذه الليلة من الولد " ثم قدر بينهما في ذلك " أي فإن قال ذلك ثم قدر الله لهما من ذلك الجماع ولداً " لم يضره شيطان أبداً " أي فإن ذلك الولد يكون في عصمة الله محفوظاً من الشيطان مدة حياته، فلا يمسّه بأذى. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب التسمية، وذكر الدعاء المأثور عند الجماع، لأن المولود الذي ينشأ عن ذلك لا يضره الشيطان ولا يقربه ولا يكون له عليه أي سلطان، وفيه بشارة بأنه يموت على

стр. 1711

٩١٥ - " بَابُ الوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ " ١٠٦٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ: " مَا رَأيتُ النبي ﷺ أولَمَ عَلَى أحدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أوْلَمَ بِشَاةٍ ". ــ الإِيمان والتوحيد ولا يصاب (١) بالصرع مدة حياته. وقيل: لا يضره في بدنه جسمياً ولا نفسياً. ثانياًً: أن الشيطان ملازم لابن آدم لا يطرده عنه إلاّ ذكر الله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة والترمذي، والنسائي في " عمل اليوم والليلة ". والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترغيب في التسمية وذكر هذا الدعاء المأثور. ٩١٥ - " باب الوليمة ولو بشاة " ١٠٦٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يولم في كل أعراسه أي يقدم للناس طعاماً بعد دخوله على عروسه، لكن " ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة " أي ما صنع النبي ﷺ طعاماً لعرس من أعراسه مثل الطعام الذي صنعه في عرسه على زينب بنت جحش حيث أولم النبي ﷺ في عرسه عليها بشاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الوليمة، وهل هي واجبة أو سنة؟ اختلف الفقهاء في حكمها، فقال بعضهم: الوليمة واجبة لقوله ﷺ في حديث آخر: " أولم ولو بشاة " حيث أمر بالوليمة، والأمر يقتضي الوجوب، وهو ما حكاه ابن حزم عن أهل الظاهر، ورواه القرطبي

стр. 1712

٩١٦ - " بَابُ حَقِّ إِجَابَةِ الَولِيمَةِ والدَّعْوَةِ " ١٠٦٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: " إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأتِهَا ". ــ عن مالك وابن التين عن أحمد، وحكاه في " البحر " عن أحد قولي الشافعي، قالوا: " ومما يؤكد وجوبها حديث بريدة عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁ لما خطب فاطمة ﵂: " أنه لا بد للعروس من وليمة " وسنده لا بأس به كما قال الحافظ، لكن الذي عليه جمهور السلف والخلف أن الوليمة سنة، وأن الأمر في قوله: " أولم ولو بشاة " للاستحباب لكونه أمر بشاة، وهي غير واجبة اتفاقاً، ولأن الوليمة كالأضحية فتقاس عليها. ثانياً: أن هذا الحديث يفيد أن النبي ﷺ أولم في بقية نسائه بغير لحم، وهذا يدل على أنه لا يلزم في الوليمة أن تكون بشاة، وأنه لا حد لأقل الوليمة لأن النبي ﷺ لم يولم بشاة إلّا في زوجته زينب ﵂، أما في غيرها فقد أولم على صفية بحيس، وعلى بعض نسائه بمدين من شعير، ولهذا قال جمهور أهل العلم: لا حد لأكثر الوليمة ولا لأقلها، ومهما تيسر أجزأ. والمطابقة: في كونه ﷺ : أولم على نسائه، وهذا يدل على مشروعية الوليمة. ٩١٦ - " باب حق إجابة الوليمة والدعوة " ١٠٦٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها " أي إذا دعاه أحد المسلمين إلى طعام عرس فليجب دعوته كما جاء عن ابن عمر ﵄ " إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب " أخرجه مسلم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس خاصة، وهو قول المالكية والحنفية والحنابلة، أما الولائم الأخرى والدعوات

стр. 1713

٩١٧ - " بَابٌ إِذَا تزَوَّجَ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ " ١٠٦٤ - عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁: وَلَوْ شِئْتُ أنْ أقُولَ: قَالَ النبي ﷺ : " وَلَكِنْ، قَالَ أنَسُ: السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أقامَ عِنْدَهَا سَبْعَاً، وِإذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أقَامَ عِنْدَهَا ثلاثاً ". ــ الأخرى فلا يجب إجابة الدعوة إليها، لأن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس فقط. قال الزرقاني (١): المراد وليمة العرس كما حمله مالك في " المدونة " وغيره، لأنها المعهودة عندهم (٢) وذهب بعض الشافعية إلى وجوب الإِجابة لكل دعوة، وهو مذهب ابن حزم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود و" الموطأ ". والمطابقة: في قوله ﷺ : " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ". ٩١٧ - " باب إذا تزوج البكر على الثيب " ١٠٦٤ - معنى الحديث: أن أبا قلابة قال: لو شئت (٣) أن أقول إن هذا الأثر هو من قول رسول الله ﷺ لقلت ذلك، ولكنت صادقاً فيما قلت: ولكني لم أقل هذا تمسكاً مني بلفظ أنس حيث " قال: السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً " أي أن من سنة المصطفى إذا تزوج الرجل المرأة البكر على المرأة الثيب أقام عندها سبع ليال بأيامهن، ثم قسم بينها وبين الأخرى بالعدل كما في رواية أخرى للبخاري " وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً " أي أقام

стр. 1714

عندها ثلاث ليال بأيامهن ثم قسم بينها وبين الأخرى بالعدل. فقه الحديث: قال النووي (١): فيه أن حق الزفاف ثابت للزوجة، فإن كانت بكراً لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثيباً كان لها الخيار، إن شاءت سبعاً ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثاً، ولا يقضي، وهذا مذهب الشافعي، وممن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجماهير العلماء، وهو الذي ثبتت به الأحاديث الصحيحة. اهـ. " قلت " أما مالك وأصحابه (٢) فإنهم يقولون: للثيب ثلاث بدون تخيير، وذهب الحنفية إلى أنه لا فرق بين القديمة والجديدة، وليس هناك حق للزفاف تختص به الجديدة بكراً أو ثيباً إلاّ بالبداءة بها فقط (٣)، فإن أقام عند البكر سبعاً قضى لكل واحدة من نسائه سبعاً، وإن أقام عند الثيب ثلاثاً قضى لكل واحدة من نسائه ثلاثاً لعموم الأدلة على وجوب العدل بين الزوجات، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني (٤) أن النبي ﷺ قال لأم سلمة: " إن شئت أقمت عندك ثلاثاً خالصة لك " أي بدون قضاء أما استدلال أبي حنيفة بعموم الأحاديث الواردة في العدل بين الزوجات، فإن حديث أنس وأم سلمة ﵃ مخصّصة لعموم تلك الأحاديث، والله أعلم. واختلفوا في الإقامة عند (٥) البكر سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً إذا كانت له زوجة أخرى هل هي واجبة أو مستحبة؟ فذهب الشافعي وموافقوه إلى أنها واجبة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وروى عنه ابن عبد الحكم أنها على الاستحباب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً ".

стр. 1715

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب الطلاق " والطلاق لغة: عبارة عن حل القيد الحسي كقيد الأسير أو الدابة، ثم أطلق على حل القيد المعنوي كقيد النكاح، يقال: طَلَقَتِ المرأة وطَلُقت المرأة، بتخفيف اللام المفتوحة، والمضمومة إذا بانت. والطلاق مصدر طلَق أو طلُق بفتح اللام المخففة وضمها، أما التطليق فهو مصدر طلق. والطلاق شرعاً: حل رابطة الزواج (١)، وإنهاء العلاقة الزوجية وقال الإِمام محمد عبده: " هو عبارة عن مفارقة (٢) المرأة المدخول بها بحل الرجل عقدة الزوجية التي تربطهما معاً " والطلاق ظاهرة اجتماعية ودينية قديمة كانت معروفة في الأديان السابقة من شريعة إبراهيم وغيرها، ومعروفة عند العرب في الجاهلية حيث استعملوا الطلاق دون حدٍّ ولا عدٍّ، حتى جاء الإِسلام فقضى على هذه المضارّة كما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان الرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني، ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذلك، قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنتهى راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي ﷺ فسكت حتى نزل القرآن (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وهكذا كان الطلاق يستعمل وسيلة للتشفي والانتقام من الزوجة، فلما جاء الإسلام قضى على ذلك كله، ووضع حداً لعدد مرات الطلاق، ونظمه تنظيماً صحيحاً يحفظ لكل من الطرفين كرامة الإنسان. حكمه: لما كانت العلاقة الزوجية من

стр. 1716

أقدس العلاقات ولهذا سمّى الله عقد النكاح ميثاقاً. فكل ما يؤدي إلى قطع هذه العلاقة وإلغاء ذلك الميثاق فهو بغيض إلى الله تعالى لما يقضي عليه من منافع مشتركة بين الزوجين لذلك حذّر من الطلاق، وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (١) ومن هنا شدد بعض الفقهاء فيه قال في " تيسير العلام " (٢): والأصل في الطلاق الكراهة للحديث المتقدم، ولأنه حلٌّ لعرى النكاح الذي رغب فيه الشارع، وجعله سبباً لكثير من مصالح الدين والدنيا، فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح، والله لا يحب الفساد " فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة حيث يحصل به الخلاص من العشرة المرَّة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة، وبهذا تعرف جلال هذا الدين وسمو تشريعاته خلافاً للنصارى الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلاًّ في عنق زوجها وإن لم توافقه. اهـ. ويرى الحنابلة أن للطلاق أربعة أحكام، فيكون واجباً وهو طلاق الحكمين، وطلاق المؤلي بعد التربص، ومندوباً عند تفريط المرأة في حقوق الله من صلاة وغيرها (٣)، أو كانت غير عفيفة. قال ابن قدامة: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب، ويكون مباحاً لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها، ويكون محرماً إذا كان لغير حاجة، لأنه ضرر بالزوج وزوجته وإهدار لمصالحهما. اهـ. ...

стр. 1717

٩١٨ - " بَابُ قوْل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) " ١٠٦٥ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وهِيَ حَائِضٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النبي ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمسَكَ بَعْدُ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أن يَمَسَّ، فتلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ". ــ ٩١٨ - " باب قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) " ١٠٦٥ - معنى الحديث: أن ابن عمر طلّق زوجته آمنة بنت غفار حال الحيض، وأثناء العادة الشهرية، فذهب والده عمر ﵁ إلى النبي ﷺ يخبره ويستفتيه " فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها " يعني فطلب النبي ﷺ من عمر أن يأمره بمراجعة زوجته، وإعادتها إلى عصمته، لأن الطلاق أثناء الحيض طلاق بدعي، وإنما أمر النبي ﷺ بمراجعتها في تلك الحالة لئلا تطول عليها العدة " ثم ليمسكها " بلام مكسورة (١)، ويجوز تسكينها تخفيفاً أي عليه أن يبقيها في عصمته " حتى تطهر " من الحيضة التي طلقها فيها " ثم تحيض ثم تطهر " أي ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر من الحيضة الثانية " ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق " أي إن شاء أبقاها في عصمته بعد الحيضة الثانية وإن شاء طلقها " قبل أن يمس " أي قبل أن يجامع " فتلك " أي فالطلاق حال الطهر الذي لم يجامعها فيه: هو " العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " أي هو الطلاق

стр. 1718

للعدة التي أذن الله أن تطلّق لها النساء في قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن في وقت يصلح لابتداء عدتهن، وهو وقت الطهر الذي لم يجامع فيه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن طلاق المرأة وهي حائض أو في طهر جامعها فيه حرام باتفاق أهل العلم (١)، ويسمى بالطلاق البدعي لمخالفته للصفة المشروعة للطلاق في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وعليه أن يراجعها وجوباً عند مالك وأحمد في رواية (٢)، والمشهور عنه وهو قول الجمهور أن المراجعة مستحبة، لأن ابتداء النكاح غير واجب. ثانياً: أن الصفة المشروعة في الطلاق أن يقع في حال طهر لم يجامعها فيه، وأن يشهد على طلاقه. أما الإشهاد فلقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وأما الطلاق في حال الطهر الذي لم يجامعها فيه فدليله هذا الحديث، لأن ابن عمر لما طلق زوجته في حال الحيض أمره النبي ﷺ أن يعيدها إليه حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، ثم قال فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء. ومن هذا يتضح لنا أن الطلاق قسمان: (أ) طلاق سني وهو ما وافق الصفة المشروعة في هذا الحديث بأن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ويشهد على ذلك. وطلاق بدعي: وهو ما خالف المشروع، كأن يطلقها في حيض أو بعد جماع. أو دون إشهاد. وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم. ثالثاً: دل هذا الحديث على أن الطلاق في الحيض يقع ويصح ويحسب طلقة واحدة، لأنه ﷺ أمر ابن عمر بمراجعتها، والمراجعة لا تكون (٣) إلاّ بعد طلاق (٤)، وهذا قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة،

стр. 1719

٩١٩ - " بَابُ مَنْ أجَازَ طَلاقَ الثَلاثِ " ١٠٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَجُلاً طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثلاثاً، فَتَزَوَّجَتْ فَطلَّقَ، فَسُئِلَ النبي ﷺ أتَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: " لا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأوَّلُ ". ــ وذهب بعض العلماء ومنهم شيخ الإِسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم إلى أن الطلاق لاغ لا يقع، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي " أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض " قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئاً، وقد استنكر العلماء هذا الحديث لمخالفته الأحاديث كلها (١)، وأجاب ابن القيم عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها معناه إمساكها على حالها الأولى، وأمّا الاستدلال بلفظ " فحسبت من طلاقها " فليس فيه حجة، لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ الحديث: أخرجه الستة. ٩١٩ - " باب من أجاز طلاق الثلاث " ١٠٦٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً " أي ثلاث " طلقات دفعة واحدة في لفظ واحد (٢) " فتزوجت " برجل آخر " فطلق " أي فطلقها ذلك الرجل " فسئل النبي ﷺ أتحل للأوّل " أي هل تحل لزوجها الأول وإن لم يجامعها الثاني " قال: لا حتى يذوق عسيلتها " والعسيلة تصغير العسل، والمراد بها حلاوة الجماع -أي أن

стр. 1720

تلك المرأة لا تحل لزوجها الأول حتى يجامعها الثاني، ويجد لذة المباشرة وحلاوتها. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها الأول بمجرد زواجها من الثاني، بل لا بد من جماعه لها، فلا يجوز لها إذا طلقها الثاني أن تعود إلى الأوّل إلاّ إذا جامعها الثاني قبل طلاقها لقوله ﷺ في حديث الباب لما سئل " أتحل للأول؟ قال: " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاقها الأول ". وهو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أي حتى تتزوج غيره، ويذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته كما في حديث الباب، قال الأزهري: ويتحقق ذلك بتغييب الحشفة في الفرج مع الإِنزال، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلّا سعيد بن المسيب. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحداً وافقه عليه إلاّ طائفة من الخوارج. ثانياًً: أن طلاق الثلاث في لفظ واحد يقع ثلاث طلقات عند الجمهور، ولا يجوز للزوجة في هذه الحالة أن تعود إليه حتى تنكح زوجاً غيره ويجامعها، لأن ظاهر هذا الحديث أن الرجل المذكور طلقها ثلاث طلقات مجتمعة في لفظ واحد (١)، فعدّه النبي ﷺ ثلاث طلقات ومنع الزوجة أن تعود إلى زوجها الأوّل حتى تذوق عسيلة الثاني ويذوق عسيلتها، وهو مذهب جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق وكثيرون على أن من طلق امرأته ثلاثاً وقعن، ولكنه يأثم. اهـ. كما أفاده العيني. وقال في " أضواء البيان ": ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني والشافعي والترمذي وابن ماجة وقال أبو داود: هذا حديث صحيح وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، وأخبر النبي ﷺ
следующие страницы →