← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أقدس العلاقات ولهذا سمّى الله عقد النكاح ميثاقاً. فكل ما يؤدي إلى قطع هذه العلاقة وإلغاء ذلك الميثاق فهو بغيض إلى الله تعالى لما يقضي عليه من منافع مشتركة بين الزوجين لذلك حذّر من الطلاق، وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (١) ومن هنا شدد بعض الفقهاء فيه قال في " تيسير العلام " (٢): والأصل في الطلاق الكراهة للحديث المتقدم، ولأنه حلٌّ لعرى النكاح الذي رغب فيه الشارع، وجعله سبباً لكثير من مصالح الدين والدنيا، فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح، والله لا يحب الفساد " فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة حيث يحصل به الخلاص من العشرة المرَّة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة، وبهذا تعرف جلال هذا الدين وسمو تشريعاته خلافاً للنصارى الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلاًّ في عنق زوجها وإن لم توافقه. اهـ. ويرى الحنابلة أن للطلاق أربعة أحكام، فيكون واجباً وهو طلاق الحكمين، وطلاق المؤلي بعد التربص، ومندوباً عند تفريط المرأة في حقوق الله من صلاة وغيرها (٣)، أو كانت غير عفيفة. قال ابن قدامة: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب، ويكون مباحاً لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها، ويكون محرماً إذا كان لغير حاجة، لأنه ضرر بالزوج وزوجته وإهدار لمصالحهما. اهـ. ...

стр. 1717

٩١٨ - " بَابُ قوْل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) " ١٠٦٥ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وهِيَ حَائِضٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النبي ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمسَكَ بَعْدُ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أن يَمَسَّ، فتلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ". ــ ٩١٨ - " باب قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) " ١٠٦٥ - معنى الحديث: أن ابن عمر طلّق زوجته آمنة بنت غفار حال الحيض، وأثناء العادة الشهرية، فذهب والده عمر ﵁ إلى النبي ﷺ يخبره ويستفتيه " فقال رسول الله ﷺ : مره فليراجعها " يعني فطلب النبي ﷺ من عمر أن يأمره بمراجعة زوجته، وإعادتها إلى عصمته، لأن الطلاق أثناء الحيض طلاق بدعي، وإنما أمر النبي ﷺ بمراجعتها في تلك الحالة لئلا تطول عليها العدة " ثم ليمسكها " بلام مكسورة (١)، ويجوز تسكينها تخفيفاً أي عليه أن يبقيها في عصمته " حتى تطهر " من الحيضة التي طلقها فيها " ثم تحيض ثم تطهر " أي ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر من الحيضة الثانية " ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق " أي إن شاء أبقاها في عصمته بعد الحيضة الثانية وإن شاء طلقها " قبل أن يمس " أي قبل أن يجامع " فتلك " أي فالطلاق حال الطهر الذي لم يجامعها فيه: هو " العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " أي هو الطلاق

стр. 1718

للعدة التي أذن الله أن تطلّق لها النساء في قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن في وقت يصلح لابتداء عدتهن، وهو وقت الطهر الذي لم يجامع فيه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن طلاق المرأة وهي حائض أو في طهر جامعها فيه حرام باتفاق أهل العلم (١)، ويسمى بالطلاق البدعي لمخالفته للصفة المشروعة للطلاق في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وعليه أن يراجعها وجوباً عند مالك وأحمد في رواية (٢)، والمشهور عنه وهو قول الجمهور أن المراجعة مستحبة، لأن ابتداء النكاح غير واجب. ثانياً: أن الصفة المشروعة في الطلاق أن يقع في حال طهر لم يجامعها فيه، وأن يشهد على طلاقه. أما الإشهاد فلقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وأما الطلاق في حال الطهر الذي لم يجامعها فيه فدليله هذا الحديث، لأن ابن عمر لما طلق زوجته في حال الحيض أمره النبي ﷺ أن يعيدها إليه حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، ثم قال فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء. ومن هذا يتضح لنا أن الطلاق قسمان: (أ) طلاق سني وهو ما وافق الصفة المشروعة في هذا الحديث بأن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ويشهد على ذلك. وطلاق بدعي: وهو ما خالف المشروع، كأن يطلقها في حيض أو بعد جماع. أو دون إشهاد. وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم. ثالثاً: دل هذا الحديث على أن الطلاق في الحيض يقع ويصح ويحسب طلقة واحدة، لأنه ﷺ أمر ابن عمر بمراجعتها، والمراجعة لا تكون (٣) إلاّ بعد طلاق (٤)، وهذا قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة،

стр. 1719

٩١٩ - " بَابُ مَنْ أجَازَ طَلاقَ الثَلاثِ " ١٠٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَجُلاً طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثلاثاً، فَتَزَوَّجَتْ فَطلَّقَ، فَسُئِلَ النبي ﷺ أتَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: " لا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأوَّلُ ". ــ وذهب بعض العلماء ومنهم شيخ الإِسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم إلى أن الطلاق لاغ لا يقع، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي " أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض " قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئاً، وقد استنكر العلماء هذا الحديث لمخالفته الأحاديث كلها (١)، وأجاب ابن القيم عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها معناه إمساكها على حالها الأولى، وأمّا الاستدلال بلفظ " فحسبت من طلاقها " فليس فيه حجة، لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ الحديث: أخرجه الستة. ٩١٩ - " باب من أجاز طلاق الثلاث " ١٠٦٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً " أي ثلاث " طلقات دفعة واحدة في لفظ واحد (٢) " فتزوجت " برجل آخر " فطلق " أي فطلقها ذلك الرجل " فسئل النبي ﷺ أتحل للأوّل " أي هل تحل لزوجها الأول وإن لم يجامعها الثاني " قال: لا حتى يذوق عسيلتها " والعسيلة تصغير العسل، والمراد بها حلاوة الجماع -أي أن

стр. 1720

تلك المرأة لا تحل لزوجها الأول حتى يجامعها الثاني، ويجد لذة المباشرة وحلاوتها. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها الأول بمجرد زواجها من الثاني، بل لا بد من جماعه لها، فلا يجوز لها إذا طلقها الثاني أن تعود إلى الأوّل إلاّ إذا جامعها الثاني قبل طلاقها لقوله ﷺ في حديث الباب لما سئل " أتحل للأول؟ قال: " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاقها الأول ". وهو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أي حتى تتزوج غيره، ويذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته كما في حديث الباب، قال الأزهري: ويتحقق ذلك بتغييب الحشفة في الفرج مع الإِنزال، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلّا سعيد بن المسيب. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحداً وافقه عليه إلاّ طائفة من الخوارج. ثانياًً: أن طلاق الثلاث في لفظ واحد يقع ثلاث طلقات عند الجمهور، ولا يجوز للزوجة في هذه الحالة أن تعود إليه حتى تنكح زوجاً غيره ويجامعها، لأن ظاهر هذا الحديث أن الرجل المذكور طلقها ثلاث طلقات مجتمعة في لفظ واحد (١)، فعدّه النبي ﷺ ثلاث طلقات ومنع الزوجة أن تعود إلى زوجها الأوّل حتى تذوق عسيلة الثاني ويذوق عسيلتها، وهو مذهب جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق وكثيرون على أن من طلق امرأته ثلاثاً وقعن، ولكنه يأثم. اهـ. كما أفاده العيني. وقال في " أضواء البيان ": ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني والشافعي والترمذي وابن ماجة وقال أبو داود: هذا حديث صحيح وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، وأخبر النبي ﷺ

стр. 1721

بذلك فقال: " والله ما أردت إلاّ واحدة؟ " فقال ركانة والله ما أردت إلّا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ ، فهذا الحديث صححه أبو داود وابن حبان والحاكم، وهو نص في محل النزاع لأن تحليفه ﷺ ما أردت بلفظ البتة إلاّ واحدة، دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ البتة، لأن البتة كناية، والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة لما كان لتحليفه معنى. وذهب بعضهم إلى أنه يقع طلقة واحدة، واحتجوا كما في " أضواء البيان " بأربعة أحاديث: الأول: حديث ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: " طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله النبي ﷺ كيف طلقتها؟ قال: ثلاثاً في مجلس واحد، فقال النبي ﷺ : إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت، والاستدلال بهذا الحديث مردود لأن داود بن الحصين راوى الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة، قال ابن حجر في " التقريب " داود بن الحصين المدني ثقة إلاّ في عكرمة. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور في روايته غير ثقة، هذا وجه، وهناك وجه آخر وهو ما ذكره ابن حجر في " فتح الباري " أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثاً، وبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس (١). الحديث الثاني: من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثاً فاحتسبت بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة. قال القرطبي في تفسيره ما نصه: "والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض، وكان تطليقه

стр. 1722

إياها واحدة، غير أنه خالف السنة". الحديث الثالث: من أدلتهم ما رواه أبو داود في " سننه " عن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلّا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها ففرَّق بيني وبينه، فأخذت النبي ﷺ حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلاناً يشبه منه كذا وكذا، قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : طلقها، ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) قال في " أضواء البيان ": والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو (١). الحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في " صحيحه " عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم " قال: وادّعاء الجزم بأن معنى الحديث المذكور أن الثلاث بلفظ واحد إدعاء خال من دليل، مع أنه ليس في شيء من روايات الحديث المذكور بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من الشرع ولا من العقل كما ترى. قال النووي: والأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم ينو تأكيداً ولا استئنافاً يحكم بوقوعه طلقة واحدة لقلة إرادتهم الاستئناف، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁ وغلب عليهم إرادة الاستئناف بها حملت عند الاطلاق

стр. 1723

٩٢٠ - " بَابُ الْخلْعِ وَكَيْفَ الطَّلاقُ مِنهُ " ١٠٦٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأةٍ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أتتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْس مَا اعتِبُ عَلَيه في خُلُق وَلا دِين، ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإِسْلامِ، ــ على الثلاث عملاً بالغالب في ذلك العصر، وبهذا خرج حديث ابن عباس عن موضوع طلاق الثلاث بلفظ واحد وأصبح لا علاقة له به. ومما أجاب به عن الحديث المذكور أن رواية طاووس عن ابن عباس المذكورة مخالفة لما رواه الحفاظ عنه فهذا إمام المحدثين أحمد بن حنبل يرفض حديث ابن عباس هذا لمخالفته لرواية بقية الحفاظ عنه، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمداً لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد انتهى ما ذكره الشيخ محمد الأمين في كتابه " أضواء البيان " عن هذا الموضوع بإيجاز واختصار والله أعلم. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله: " طلق امرأته ثلاثاً " فإنه ظاهر في كونها مجموعة - كما قال العيني: فأمضاها النبي ﷺ ثلاث طلقات ومنع الزوجة أن تعود إلى الأول حتى تذوق عسيلة الثاني. ٩٢٠ - " باب الخلع وكيف الطلاق منه " والخلع لغة: نزع الشيء وإزالته. وشرعاً: إزالة الزوجية أو إزالة عصمة النكاح ببدلٍ وعوضٍ مالي تدفعه المرأة لزوجها مقابل مخالعته لها، لأنها تكرهه ولا تريد البقاء في عصمته. ١٠٦٧ - معنى الحديث: " أن امرأة ثابت بن قيس " بن شمّاس بتشديد الميم الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار وامرأة ثابت بن قيس، قيل: إنها جميلة بنت عبد الله بن أبي، وبذلك جزم ابن سعد (١) وقيل: إن زوجته

стр. 1724

فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : " أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ". ــ حبيبة بنت في سهل " أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين " وفي رواية مالك وأبي داود أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك، قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس يجمعنا بيت واحدٌ. يعني لا يكون اجتماع بيني وبينه أبداً لما بيننا من التنافر "ما أعيب عليه في خلق ولا دين " أي لا أطعن فيه ديناً ولا خلقاً ولا أعيبه بشيء ينقصه من جهة دينه أو خلقه " لكني أكره الكفر في الإِسلام " والمعنى: ولكني أبغضه لدمامته (١) وقبح صورته، وأخشى أن يؤدي بي هذا النفور الطبيعي منه إلى كفران العشير، والتقصير في حق الزوج، والإساءة إليه، وارتكاب الأفعال التي تنافي الإِسلام من الشقاق والخصومة والنشوز ونحوه مما يتوقعُّ مثله من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها أن تفعله، فسمّت المعاملة السيئة للزّوج كفراً لما فيها من الاستهانة بالعلاقة الزوجية، وجحود حقوقها المشروعة، وهذا يدخل في كفران العشير، وينافي ما يقتضيه الإِسلام. " فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته " أي إذا كنت تكرهينه كل هذه الكراهية، وتخشين أن يؤدي بقاؤك في عصمته إلى أمر مخالف لدين الإِسلام فهل تخالعينه وتفتدين منه نفسك بمال فتردين عليه حديقته التي دفعها لك مهراً؟ " قالت: نعم " أفعل ذلك، وعن ابن عباس: أول خلع كان في الإِسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي ﷺ

стр. 1725

فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً، وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما. اهـ. " فقال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " وهذا أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب وإلزام. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الخلع ومشروعيته، وهو " فراق زوج يصحُّ طلاقه لزوجته بعوض مالي. وقد أجمع العلماء على جوازه خلافاً لبكر بن عبد الله المزني التابعي ومما يدل على جوازه قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ) ويشترط في الخلع -كالطلاق- أن يكون الزوج مكلفاً والزوج محلاً للطلاق، وأن يكون بصيغة الماضي في الإِيجاب والقبول بأن يقول الزوج: خالعتك على كذا، وتقول الزوجة: قبلت، فإن لم تصرح بالقبول لا يقع الخلع (١) ولا تتحقق الفرقة ولا يستحق العوض. ولا يشترط البدل -أي العوض- عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية وفي رواية أخرى عن أحمد لا يكون خلعاً إلاّ بعوض. ولا يقع الخلع أيضاً بمجرد بذل المال وقبوله، بل لا بد من أن يتلفظ الزوج بالخلع عند أحمد خلافاً للحنفية حيث قالوا: أخذ المال تطليقة بائنة. ثانياًً: استدل بعض أهل العلم بقوله ﷺ : " طلِّقها تطليقة " على أن الخلع لا يُعَدُّ ولا يعتبر طلاقاً إلاّ إذا اقترن بذكر الطلاق، لأنه لو كان الخلع بنفسه طلاقاً لما احتاج النبي ﷺ أن يأمره بطلاقها والمسألة خلافية. قال في " الإِفصاح " اختلفوا (٢) في الخلع هل هو فسخ أو طلاق، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: " في إحدى روايتيه " هو طلاق بائن وعن أحمد

стр. 1726

٩٢١ - " بَابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ " ١٠٦٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ْ" لاعَنَ النبي ﷺ بَيْنَ رَجُل وامْرَأةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ". ــ رواية أخرى أنه فسخ، وليس بطلاق وهي أظهرهما وعن الشافعي قولان كالمذهبين. وقد روى عن الشافعي -كما قال ابن رشد- إنه كناية، فإن أراد به الطلاق كان طلاقاً، وإلّا كان فسخاً. واحتج من جعله طلاقاً بأن الفسخ إنما يكون في الفراق الجبري الذي لا اختيار للزوج فيه، وهذا راجع إلى اختيار الزوج إن شاء خالع وإن شاء لم يخالع، فكيف يسمّى فسخاً. واحتج من لم يره طلاقا ً- كما قال ابن رشد (١) بأن الله ﵎ ذكر في كتابه الطلاق فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) ثم ذكر الافتداء، ثم قال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فلو كان الافتداء طلاقاً لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلاّ بعد زوج هو الطلاق الرابع، واستدل الجمهور على أن الخلع طلقة بائنة بحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة. ويترتب على هذا الخلاف حكم فقهي، وهو كما قال ابن قدامة: " إذا قلنا هو طلقة فخالعها مرّة حسبت طلقة فتنقص عدد طلقاته، وإن خالعها ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: من حيث إن فيه كيف الطلاق في الخلع كما أفاده العيني. ٩٢١ - " باب التفريق بين المتلاعنين " ١٠٦٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄ "لاعن

стр. 1727

٩٢٢ - " بَابٌ يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْمُلاعِنَةِ " ١٠٦٩ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: " أن النبي ﷺ لاعَنَ بَيْنَ رَجُل وامْرَأتهِ، فانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ ﷺ بَيْنَهُمَا، وألْحَقَ الْوَلَدَ بالْمَرْأةِ ". ــ النبي ﷺ بين رجل وامرأة من الأنصار" وذلك لأن الرجل قذف زوجته بالزنا، وأنكرت هي ذلك، فأجرى عليهما ﷺ حكم الله فيهما وهو الملاعنة " وفرق بينهما " أي وفرّق النبي ﷺ بينهما وحكم عليهما بالانفصال والفرقة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب الفرقة بين المتلاعنين بإيقاع الحاكم الشرعي (١) لأنّ النبي ﷺ هو الذي فرق بينهما وهو قول أبي حنيفة والثوري، ورواية عن أحمد (٢) وقال مالك: تقع بعد فراغ المرأة من اللعان، وقال الشافعي: بعد فراغ الزوج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وفرق بينهما ". ٩٢٢ - " باب يلحق الولد بالملاعنة " ١٠٦٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن النبي ﷺ " لاعن بين رجل وامرأته " أي أن رجلاً قذف زوجته بالزنا، فأجرى النبي ﷺ اللعان الشرعي بينهما، "فانتفى من ولدها" أي فقال الزوج: إن هذا الولد ليس ولدي " ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة " أي ونسب الولد إلى أمه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الفرقة لا تحصل بمجرد التلاعن وإنما

стр. 1728

٩٢٣ - " بَابٌ إذا طَلَّقَهَا ثلاثاً ثمَّ تزَوَّجَتْ بَعْدَ العِدَّةِ زَوْجاً غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا " ١٠٧٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رِفَاعَة القُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ لا يأتِيْهَا، وأنه لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةٍ، فَقَالَ: " لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ". ــ تحصل بتفريق الحاكم، وعلى أن الرجل إذا لاعن زوجته ونفي عنه نسب الحمل ينتفي عنه، ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه (١) وهو مذهب جمهور الفقهاء. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " وألحق الولد بالمرأة ". ٩٢٣ - " باب إذا طلقها ثلاثاً ثم تزوجت بعد العدة زوجاً غيره فلم يمسها " ١٠٧٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رفاعة " بكسر الراء " تزوج امرأة " اسمها تميمة بنت وهب " ثم طلقها " أي طلقها ثلاثاً " فتزوجت آخر " اسمه عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء " فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنه لا يأتيها " أي لا يجامعها " وأنه ليس معه إلاّ مثل هدبة " بضم الهاء وسكون الدال وهو طرف الثوب، أي أن الذي معه لا يشتد ولا ينتصب " فقال: لا " أي لا يحل لك أن تعودي إلى زوجك الأول " حتى تذوقي عسيلته " أي حتى يجامعك زوجك الثاني.

стр. 1729

٩٢٤ - " بَابُ الكحل لِلْحَادةِ " ١٠٧١ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ امْرأة تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوْا عَلى عَيْنَيْهَا، فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فاسْتَأذنُوهُ في الكُحْلِ فَقَالَ: " لا تُكَتحلْ، قَدَْ كانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ في شَرِّ أحْلاسِهَا أو شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فلا حَتَّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْر ". ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها الأوّل حتى يطأها الثاني في الفرج لقوله ﷺ : " لا حتى تذوقي عسيلته " وأدناه تغييب الحشفة في الفرج (١) وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " لا حتى تذوقي عسيلته ". ٩٢٤ - " باب الكحل للحادة " ١٠٧١ - معنى الحديث: تحدثنا أم سلمة في هذا الحديث " أن امرأة توفي زوجها فخشوا " بفتح الخاء وضم الشين " عينيها " أي فمرضت عيناها أثناء عدتها وخافوا أن يتضاعف مرضها " فأستأذنوه في الكحل " أي فاستأذنوه أن يرخص لهم في علاج عينيها بالكحل " فقال: لا تكحل " بفتح التاء والكاف والحاء المشددة (٢) وبالجزم بلا الناهية " قد كانت إحداكن تمكث في شرِّ أحلاسها " أي تبقى سنة كاملة مبتعدة عن الزينة لا تلبس إلاّ أردأ ثيابها " فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة " أي فإذا انقضت سنة من وفاة زوجها ترصدت كلباً يمر بها، فرمت ببعرة، وخرجت من إحدادها لتعلن أن إحداد

стр. 1730

سنة على زوجها أهون عليها من رمي تلك البعرة " فلا، حي تمضي أربعة أشهر وعشر " أي فلا يجوز لها الكحلُ حتى تمضي مدة الإِحداد الكاملة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية العدة للمتوفى عنها زوجها، وتحديد مدتها بأربعة أشهر وعشر لقوله ﷺ في آخر الحديث " لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر ". ثانياً: دل الحديث على مشروعية إحداد المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشراً، وهو واجب عند الجمهور، لحديث الباب، وقال الحسن البصري والشعبي: لا يجب (١)، لحديث أسماء بنت عميس قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: " لا تحدي بعد يومك هذا " أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، قال أحمد وإسحاق: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد، ولهذا ترك أهل العلم العمل به، والإحداد واجب على المرأة صغيرة كانت أم كبيرة. بكراً أو ثيباً. أما المطلقة إن كانت بائنة بينونة صغرى أو كبرى فقال مالك والشافعي: لا إحداد عليها خلافاً للحنفية حيث قالوا: يجب عليها الإحداد قياساً على المتوفى عنها زوجها. ثالثاً: ظاهر هذا الحديث النهي عن الاكتحال مطلقاً لضرورة أو لغير ضرورة لما جاء في رواية ابن حزم أنّها قالت له: إني أخشى أن تنفقأ عينها، قال: " لا وإن انفقأت " وسنده صحيح ولكن الذي عليه أهل العلم جواز الاكتحال للضرورة ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي وقال النووي: حديث الباب دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في " الموطأ " وغيره " اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار " ووجه الجمع أنها إن لم تحتج إليه لم يحل، وإن احتاجت إليه لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " فاستأذنوه في الكحل فقال: لا تكحل ".

стр. 1731

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتَاب النَّفقات " ٩٢٥ - " بَابُ فَضلُ النَّفَقَةِ (١) عَلَى الأهْلِ " ١٠٧٢ - عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁: عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " إِذَا أنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أهْلِهِ -وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا- كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ". ــ ٩٢٥ - " باب فضل النفقة (١) على الأهل " ١٠٧٢ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " إذا أنفق المسلم نفقة " أي إذا صرف العبد المسلم شيئاً من ماله " على أهله " سواء كان زوجته أو ولده أو عبده أو أمته، وسواء كانت هذه المؤونة طعاماً أو شراباً أو كساءً أو أجرة منزل أو استهلاك ماء أو كهرباء " وهو يحتسبها " أي والحال أنه يريد بها وجه الله وابتغاء مرضاته " كانت في صدقة " أي كافأه الله تعالى على حسن نيته، فأثابه عليها ثواب الصدقة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية النفقة على الزوجة والولد الصغير والأب والعبد لقوله ﷺ : " إذا أنفق المسلم نفقة على أهله "، وكل هؤلاء يدخلون في الأهل قال المهلب (٢): النفقة على الأهل واجبة

стр. 1732

٩٢٦ - " بَابُ حَبْسِ نفَقَةِ الرَّجُل قُوْت سَنَةٍ عَلَى أهْلِهِ " ١٠٧٣ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: ــ بالإِجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة على صدقة التطوع. وقال في " الإِفصاح " (١) واختلفوا فيما إذا بلغ الولد معسراً أو لا حرفة له، فقال أبو حنيفة: تسقط نفقة الغلام إذا بلغ صحيحاً (٢)، وتسقط نفقة الجارية إذا تزوجت، وقال مالك كذلك، إلاّ أنه لا تسقط نفقة الجارية حتى يدخل بها الزوج، وقال أحمد: لا تسقط نفقة الولد عن أبيه وإن بلغ إذا لم يكن له كسب ولا مال. واتفقوا فيما إذا بلغ الابن مريضاً أن النفقة واجبة على أبيه، أو كانت جارية مزّوجة ثم طلّقها بعد ذلك، فقالوا: تعود النفقة على الأب، إلاّ مالكاً فإنه قال (٣): لا تعود. ثانياًً: دل الحديث على أن النفقة على الأهل إذا قصد بها ابتغاء مرضاة الله وانتظار الثواب والأجر عليها أعطاه الله تعالى أجره كما يعطى المتصدق ثوابه على صدقته، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلاّ مقروناً بالنيّة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل النفقة على الأهل وهو ما ترجم له البخاري. ٩٢٦ - " باب حبس نفقة (٤) الرجل قوت سنة على أهله " ١٠٧٣ - معنى الحديث: أن عمر بن الخطاب ﵁ يروي لنا

стр. 1733

" أن النبي ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ". ــ في هذا الحديث " أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير " أي يبيع كل عام ثمرة النخل الذي يخصه من فيء بني النضير في خيبر " ويحبس لأهله قوت سنتهم " أي ويدخر لأهله ما يكفي لقوتهم مدة سنة كاملة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يجوز للمسلم أن يدّخر لأهله وعياله تموين عام كامل، ولا يعد ذلك احتكاراً ولو كان يخدش في التوكل لما فعله إمام المتوكلين ﷺ ، فإن فعله ﷺ تشريع لأمته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " ويحبس لأهله قوت سنتهم ". ***

стр. 1734

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كِتابُ الأطْعِمَةِ " ٩٢٧ - " بَابُ قَوْل الله تعالى (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) " ١٠٧٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "مَا شَبعَ آل مُحَمَّدٍ مِنْ طَعَام ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ". ــ كتاب الأطعمة ٩٢٧ - " باب قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) " ١٠٧٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين لم يشبعوا من الطعام، أو يأخذوا منه القدر الكافي ثلاثة أيام متوالية مدة حياة النبي ﷺ . قال القسطلاني: أي لقلة الشيء عندهم أو لأن الشبع مذموم، فكانوا يتعمدون أن لا يشبعوا بطونهم إلى حد الامتلاء، "حتى لا تثقل أجسامهم وتكسل عن عبادة الله. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنة النبي ﷺ وآل بيته الكرام الإِقلال من الطعام، وعدم الإِفراط في الشبع، لما يؤدي إليه ذلك من الكسل والفتور، والتقصير في العبادة وتبلد الذهن، وقسوة القلب. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على إقلاله ﷺ من الطعام. ***

стр. 1735

٩٢٨ - " بَابُ التَّسْمِيَةِ على الطَّعَامِ والأكْلِ بِاليَمِينِ " ١٠٧٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ غُلاماً في حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يا غُلامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ". ــ ٩٢٨ - " باب التسمية على الطعام والأكل باليمين " ١٠٧٥ - معنى الحديث: يقول عمر بن أبي سلمة ﵄ " كنت غلاماً " أي كنت ولداً صغيراً دون البلوغ " في حجر رسول الله ﷺ " أي أعيش في بيته تحت كفالته ورعايته " وكانت يدي تطيش في الصحفة " أي تتحرك في آنية الطعام كلها، وتجول في جميع نواحيها " فقال لي رسول الله ﷺ " معلماً وموجهاً: " يا غلام سمّ الله " أي قل بسم الله في بداية الطعام تبركاً بهذا الاسم المبارك " وكل بيمينك " أي وكل بيدك اليمنى " وكل مما يليك " أي من الجهة المقابلة لك من الإناء دون الأطراف الأخرى قال: " فما زالت تلك طعمتي بعد " بكسر الطاء أَي فما زالت تلك الطريقة المهذبة هي طريقتي في الأكل بعد ذلك طيلة حياتي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من آداب الأكل ومستحباته التسمية في بداية الطعام طرداً للشيطان وأصرَحُ مَا وَرَدَ في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعاً " إذا أهل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي فليقل: بسم الله أوله وآخره " قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليُسمع غيره وينبهه عليها، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية

стр. 1736

على الطعام، وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما (١). ثانياًً: دل الحديث على استحباب الأكل باليمين لقوله ﷺ : " وكل بيمينك " وقد اختلف أهل العلم في مقتضى هذا الأمر. وهل الأكل باليمين واجب أو مستحب؟ فذهب بعضهم إلى أنه واجب (٢) كما أفاده العيني لظاهر الأمر، ولورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي " صحيح مسلم " عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال: " كل بيمينك " قال: لا أستطيع، قال: " لا استطعت ما منعه إلاّ الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه ". وروى أحمد بسند حسن عن عائشة مرفوعاً: " من أكل بشماله أكل معه الشيطان " والذي عليه أكثر أهل العلم استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهية ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء، قال القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال، لأنها أقوى، وهي مشتقة من اليمن، وقد شرّف الله أصحاب الجنة إذ نسبهم إلى اليمين. والأصل فيما كان من هذا الباب الترغيب والندب. ثالثاً: استدل به بعض أهل العلم على تحريم الأكل بالشمال، لأنّ النبي ﷺ أمر عمر بن أبي سلمة بالأكل باليمين، والأمر بالشيء نهي عن ضده، واستدلوا أيضاً على تحريم الأكل باليد اليسرى بقوله ﷺ : " فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله " أخرجه مسلم، قال الصنعاني: الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب بالشمال، فإنه علله بأنه فعل الشيطان وخلقه، والمسلم مأمور بتجنب طريق أهل الفسوق فضلاً عن الشيطان. رابعاً: قال النووي: وفيه استحباب الأكل مما يليه (٣)، لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة وهذا في السوائل، فإن كان تمراً وأجناساً فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيد في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي. قال القسطلاني: وقد

стр. 1737

٩٢٩ - " بَابُ الْخبْزِ الْمُرَقِّقِ وَالأَكْل عَلَى الخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ " ١٠٧٦ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: " مَا عَلِمْتُ النبي ﷺ أكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ، ولا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، ولا أكَلَ على خِوَان قَطُّ " قِيلَ لقتادَةَ: فَعَلَى مَا كانُوا يَأكلُونَ؟ قَالَ: عَلى السُّفَرِ ". ــ نص أئمتنا - أي الشافعية على كراهة الأكل مما يلي غيره ومن الوسط والأعلى إلا الفاكهة ونحوها، مما ينتقل به. الحديث: أخرجه الستة وأحمد والدارمي. والمطابقة: في قوله: " يا غلام سم الله ". ٩٢٩ - " باب الخبز المرقق والأكل على على الخوان والسفرة " ١٠٧٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " ما علمت النبي ﷺ أكل على سكرجة قط " (بضم السين والكاف، وتشديد الراء) وهي صحاف أو أطباق توضع فيها الكوامخ أي المخلللات والمشهّيات، ومعناه أنه ﷺ لم يكن يتناول طعامه مصحوباً بهذه المشهيات التي تفتح النفس ولم تكن هذه الأطباق التي فيها الكواخ والمهضمات توضع على مائدته ﷺ ، لأنه لم يكن يشبع من الطعام غالباً، فلا حاجة به إلى هضمه كما أفاده العراقي. " ولا خبز له مرقق " أي ولم يخبز له ﷺ ذلك الخبز الرقيق الفاخر المسمى بالرقاق " ولا أكل على خوان قط " أي ولا أكل في حياته كلها على مائدة من تلك الموائد النحاسية المرتفعة عن الأرض التي يأكل عليها العظماء والمترفون: " قيل لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون " أي على أي شيء يأكل محمد ﷺ وأصحابه " قال: على السفر " التي تمد على الأرض تواضعاً وزهداً في الدنيا ومظاهرها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه ﷺ اختار لنفسه طريق الزهد

стр. 1738

٩٣٠ - " بَابُ طَعَامِ الْوَاحِدِ يَكْفي الإِْثنَيْنِ " ١٠٧٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَعَامُ الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاَثةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثةِ كَافِي الأرْبَعَةِ ". ــ والتقشف، وأعرض عن كل ما في هذه الدنيا من ملاذ الحياة ومظاهر الترف والنعيم، فلم يتناول الأطعمة الشهية، ولا أكل على الموائد الفاخرة، ولا استعمل الكوامخ والمشهيات وإنما قنع من الطعام بلقيمات يقمن صلبه، لا تحريماً منه ﷺ (١) لملاذ الحياة وطيباتها، وإنما ترك ذلك زهداً وإيثاراً للحياة الباقية، وفي هذا دليل واضح على أن الزهد سلوك فاضل من هدى النبيين والصديقين وقد كان ﷺ إمام الزاهدين وقدوتهم لم يترك الدنيا اضطراراً، بل كان في إمكانه أن ينال ما يشاء، ويحصل على ما يريد ولكنه آثر أن يكون عبداً رسولاً، وقال لعمر حين قال له: " ادع الله فليوسع على أمتك فإنّ فارس والروم قد وسّع عليهم، وهم لا يعبدونه " أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " متفق عليه. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قول أنس ﵁: " ولا خُبزَ له مرقَّق ". ٩٣٠ - " باب طعام الواحد يكفي الإثنين " ١٠٧٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " طعام الاثنين كافي الثلاثة " أي أن الطعام الذي يشبع الإثنين يشبع الثلاثة إذا اجتمعوا عليه، وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ "طعام الواحد يكفي

стр. 1739

٩٣١ - " بَابُ مَا عَابَ النبي ﷺ طَعاماً قَطُّ " ١٠٧٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " مَا عَابَ النبي ﷺ طَعَاماً قَطُّ، إِنْ اشْتَهَاهُ أكلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ ". ــ الاثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية" أخرجه مسلم والترمذي والنسائي " وطعام الثلاثة كافي الأربعة " أي أن طعام الثلاثة يشبع الأربعة، وعن سمرة بن جندب ﵄ مرفوعاً: " طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية " أخرجه الطبراني. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب الاجتماع على الطعام لا فيه من بركة عظيمة تجعل من القليل كثيراً فينمو الطعام ويزداد حسّاً ومعنى، وتتضاعف قواه الغذائية ويكفي القليل منه الكثير. ثانياًً: قال النووي: فيه الحث على المواساة في الطعام فإنه وإن كان قليلاً تحصل منه الكفاية وتقع فيه بركة تعم الحاضرين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: ظاهرة. ٩٣١ - " باب ما عاب النبي ﷺ طعاماً قط " ١٠٧٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " ما عاب النبي ﷺ طعاماً قط " أي أنه ﷺ من كمال خلقه، وتواضعه، وشكره لنعمة ربه كان لا يذكر عيباً في أي طعام يقدم إليه، فلا يقول فيه: مالح، ولا غير ناضج، ولا يصفه بأي صفة تعيبه " إن اشتهاه أكله وإن كرهه " كالضب مثلاً " تركه " واعتذر عن أكله بعذر يقبله صاحب الطعام، ولا يؤذيه أو يجرح شعوره. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الآداب الاجتماعية التي شرعها

стр. 1740

٩٣٢ - " بَابُ التلبينة " ١٠٧٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّهَا كَانَتْ إِذا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أهْلِهَا فاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النسَاءُ ثم تَفَرَّقْنَ إلا أهْلَهَا وخَاصَّتَهَا أمَرَتْ بِبُرْمَةٍ من تَلْبِيْنَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصَبَّتِ التَلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ منهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ مَجَمَّة لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ". ــ الإِسلام أن لا يذم الضيف الطعام الذي يقدم إليه، ولا يذكر فيه عيباً، لأن هذا مما يجرح شعور صاحب الطعام أما إذا كان يريد بذلك النصيحة له فلتكن فيما بينه وبينه، هذا إذا كان هناك عيب حقيقي كالملوحة مثلاً ولا يليق بأهل الفضل والدين أن يتكبروا ويترفعوا عن الأطعمة المتواضعة، وقد قال ﷺ : " لو دعيت إلى كراع لأجبت ". اهـ. وذلك إرشاد منه ﷺ لأمته أن لا يحتقروا من الطعام شيئاً، لأنه نعمة من نعم الله التي يجب احترامها وتقديرها وشكرها. وقد روى عنه أنس ﵁ أنه مشى إليه بخبز شعير وإهالة سنخة، أي شحم قديم متغير الرائحة من السناخة، وهي الزناخة، فانظر إلى تواضعه ﷺ وسماحة نفسه ومراعاته لشعور غيره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٩٣٢ - " باب التلبينة " ١٠٧٩ - معنى الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ كانت إذا مات أحد أقاربها، واجتمع النساء للعزاء، ثم خرجن ولم يبق سوى قريباتها وصديقاتها، " أمرت ببرمة من تلبينة " أي أمرت أن يطبخ قدر من تلبينة، وهي حساء من دقيق وعسل، أو من دقيق ولبن " ثم صنع ثريد " أي قطع الخبز قطعاً

стр. 1741

٩٣٣ - " بَابُ الأكْلَ في إناءٍ مُفَضَّضٍ " ١٠٨٠ - عنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: " لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ، ولا الدِّيبَاجَ، ولا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، ولا تَأكلُوا في صِحَافِهَا، فَإنَّها لَهُمْ في الدُّنيا وَلَنا في الآخِرَةِ ". ــ صغيرة " فصبت التلبينة عليها " أي فصبت تلك التلبينة على الثريد " ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: التلبينة مجمة " بفتح الميم الأولى والجيم والميم الثانية مشددة " لفؤاد المريض " أي مريحة لفؤاد المريض مسكنة لآلامه الجسمية والنفسية " وتذهب ببعض الحزن " أي وتخفف عن المصاب أحزانه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن التلبينة تريح القلب الحزين وتسكن آلامه النفسية، وذلك كما قال ابن القيم: لأن الهم والحزن يبردان المزاج، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية، ويذهب ببعض الحزن بخاصية فيه. ثانياًً: دل هذا الحديث على أنه ينبغي لأهل الميت أن لا يستسلموا لأحزانهم، وأن يحاولوا دفعها عنهم قدر المستطاع، أو تخفيفها على الأقل، واتخاذ كل الوسائل التي تعين على تقوية النفس والقلب على تحمل المصيبة ومفارقة الأحبة. إذ لا يملك الإنسان في هذه المواقف سوى الصبر والسلوان واحتساب المصيبة عند الله تعالى، وانتظار الخلف منه. والله مع الصابرين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض ". ٩٣٣ - " باب الأكل في إناء مفضض " ١٠٨٠ - معنى الحديث: أن حذيفة ﵁ يقول: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلبسوا الحرير والديباج " أي أنه نهي ﷺ عن لبس

стр. 1742

الحرير للرجال بجميع أنواعه، سواء كان من النوع المسمى بالديباج (١) أو غيره. " ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة " وهذا نهي صريح عن شرب أي نوع من السوائل في الأواني الذهبية والفضية " ولا تأكلوا في صحافها " قال العيني: جمع صحفة، وهي إناء كالقصعة المبسوطة، والمعنى: أنّه نهى الرجال عن استعمال جميع الأواني الذهبية والفضية في المشروبات والمأكولات سواء كان الإناء من الذهب الخالص أو الفضة الخالصة، أو كان مذهباً أو مفضّضاً مخلوطاً أو مدهوناً أو مضبباً. ثم قال النبي ﷺ : " فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " أى فإن الحرير والفضة والذهب للكفار في الدنيا وللمسلمين في الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث، على ما يأتي: أولاً: أنه يحرم لبس الحرير بجميع أنواعه على الرجال خاصة، والوعيد الشديد لمن لبسه في الدنيا بالحرمان منه في الآخرة، كما يدل عليه قوله ﷺ : " ولنا في الآخرة " (٢) ولهذا ذهب الجمهور إلى تحريم لبسه وافتراشه على الرجال، وذكر المهدي في " البحر " أنه مجمع عليه، واختلفوا هل يجوز لبسه في بعض الأحوال المرضية والظروف الاستثنائية فمنع مالك وأبو حنيفة من استعماله مطلقاً (٣) وقال الشافعي وأبو يوسف يجوز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب. ثانياًً: دل الحديث على تحريم الأكل والشرب (٤) في الأواني الذهبية والفضية، وكذلك يحرم كل ما هو في معنى الآنية كأدوات الطيب والكحل،

стр. 1743

٩٣٤ - " بَابُ الرُّطَبِ بِالقِثاءِ " ١٠٨١ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵄ قَالَ: "رَأيت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأكلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ ". ــ وبهذا قال جمهور أهل العلم خلافاً للشوكاني والصنعاني فإنهما يريان جواز استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب لأن النص لم يرد إلاّ في الأكل والشرب. ثالثاً: أنه يحرم الأكل والشرب في الإناء المفضض سواء كان مخلوطاً أو مطلياً وهو مذهب الجمهور، واستثنى الفقهاء من ذلك ما كان مضبباً بالفضة بضبة صغيرة للحاجة إليها، أما المضبب بالذهب فإنه يحرم مطلقاً. والمطابقة: في كون الحديث يدل على تحريم الأكل من الإناء الفضي ويدخل فيه المفضض. ْ٩٣٤ - " باب الرطب بالقثاء " ١٠٨١ - معني الحديث: يقول عبد الله بن جعفر ﵄ " رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرطب بالقثاء " أي يجمع بينهما في الأكل كما في رواية أخرى عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت في يمين النبي ﷺ قثاء، وفي شماله رطباً، وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة " أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده ضعف. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من سنة النبي ﷺ الجمع بين القثاء والرطب وفائدة ذلك كما قال القرطبي أن في الرطب حرارة وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معاً اعتدلا. ثانياً: ذكر الأطباء أن من فوائد هذا الغذاء المركب تسمين البدن، وورد في بعض الأحاديث ما يؤيد ذلك، فقد أخرج ابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: " أرادت أمي أن تهيئني للسمن لتدخلني على النبي ﷺ فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن السِمَن " ولا شك أن الجمع بين الرطب الحار والقثاء الباردة يدخل

стр. 1744

٩٣٥ - " بَابُ الْعَجْوَةِ " ١٠٨٢ - عَن سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْم سَبْعَ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ في ذلكَ اليَوْمِ سَمٌّ وَلا سِحْرٌ ". ــ في باب إصلاح المواد بعضها ببعض، وهو أصل من أصول الطب قديماً وحديثاً، وذلك أن الأطباء يرون أن غالب المواد تحتوي على مضار ومنافع، وأنه ينبغي عند استعمالها إصلاح بعضها ببعض، وينصحون لمن تناول طعاماً بارداً بطيء الهضم أن يصلحه بطعام حار هاضم ليزيل ضرر هذا بهذا، وهذا ما فعله رسول الله ﷺ قال ابن القيم: " القثاء بارد ورطب في الدرجة الثانية مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة، نافع من وجع المثانة، وهو بطيء الانحدار من المعدة، وبرده مضر ببعضها، فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه كما فعل النبي ﷺ إذ أكله بالرطب، فإنه إذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدله ". اهـ. وقال في " المعتمد ": وهو (١) يبرد ويرطب ويضر المبرودين، ويدفع ضرره بالعسل والزبيب، أي بالمواد السكرية، ومنها التمر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " يأكل الرطب بالقثاء ". ٩٣٥ - " باب فضل العجوة " ١٠٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق " من تصبّح كل يوم سبع تمرات عجوةٍ " بالجر فيهما على التمييز (٢) أو " تمراتٍ عجوةً " أي من أكل كل يوم صباحاً سبع تمرات من التمر المعروف بالعجوة أو

стр. 1745

من عجوة المدينة خاصة " لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر " أي لا يضره شىء من المواد السامة والسحرية، ويُحفظ من جميع الأشياء الضارة جسمياً أو نفسياً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل عجوة المدينة وفائدتها الطبية في مقاومة السموم والسحر ودفع تأثيرهما والوقاية من أذاهما وضررهما جسمياً ونفسياً، فإنها سلاح قوي ضد الإِصابة بالسم أو بالسحر يقضي عليهما، ويبطل مفعولهما، فإذا تناول المرء كل يوم صباحاً سبع تمرات من عجوة المدينة بالذات، لم يضره شيء من السم أو السحر كما قال ﷺ . والتحقيق أن هذه الفائدة الطبية المذكورة في حديث الباب لا توجد إلاّ في عجوة المدينة، لما جاء في حديث عائشة ﵂ " أنّ رسول الله ﷺ قال: " إن في عجوة العالية: شفاءً أو إنها ترياق أول البكرة " أخرجه (١) مسلم، وفي رواية " في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم " أخرجه أحمد في " مسنده ": قال ابن القيم: ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر بحيث يمنع إصابته من الخواص التي لو قالها أبقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإِذعان والانقياد، مع أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن، فمن كلامه كله يقين وقطع أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وقال في موضع آخر: " ولكن من شروط انتفاع العليل بالدواء، قبوله واعتقاد النفع فيه، فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة. حتى إن كثيراً من العلاجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول، وكمال التلقي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فائدة العجوة والله أعلم.

стр. 1746

٩٣٦ - " بَابُ لَعْقِ الأصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبلَ أنْ تُمْسَحَ بِالْمِنَدِيلِ " ١٠٨٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَالَ: " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فلا يَمْسَحْ يَدَهُ حتى يَلْعَقَهَا أوْ يُلْعِقَهَا ". ــ ٩٣٦ - " باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل " ١٠٨٣ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يحدثنا في هذا الحديث " أن النبي ﷺ قال: إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها " أي لا يمسح يده بالمنديل المعد لإزالة الزهومة حتى يلحس يده بفمه، " أو يلعقها " يعني أن يلحسها لغيره من أحبائه الذين لا يتقذرون منه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب لعق الأصابع عند الانتهاء من الطعام دفعاً للكبر وهو مذهب الجمهور، وذهبت الظاهرية إلى وجوبه، لأن النبي ﷺ نهى عن مسح الأصابع قبل لعقها. وقد جاء الأمر الصريح بلعق الأصابع في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه. فإنه لا يدري في أي طعامه البركة " أخرجه الترمذي فحمل الظاهرية هذا الأمر على الوجوب، وحمله الجمهور على الندب وينبغي أن يبدأ بالوسطى والحكمة في لعق الأصابع محاولة الحصول على البركة الموجودة في الطعام، لأنه لا يدري أين هي، هل هي فيما أكله من الطعام؟ أو فيما بقي منه؟ كما أشار ﷺ إلى ذلك صراحة في قوله ﷺ : " إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة " (١) أخرجه مسلم والترمذي وأحمد.

стр. 1747

٩٣٧ - " بَابُ مَا يَقُولُ إذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَامِ " ١٠٨٤ - عَنْ أبي أمَامَةَ ﵁: أَن النبي ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: " الحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً طيَباً مُبَارَكاً فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنَى عَنْهُ رَبُّنَا ". ــ الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة. ٩٣٧ - " باب ما يقول إذا فرغ من الطعام " ١٠٨٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يعلمنا السنة بأقواله وأفعاله، ومن الأذكار المأثورة عنه عند الانتهاء من طعامه أنه " كان إذا رفع مائدته " أي إذا فرغ من أكله، وبدأ في رفع آنية الطعام التي أمامه " قال: الحمد لله " ومعناه أن الثناء (١) والشكر كله في الحقيقة لله وحده دون سواه، " حمداً كثيراً " أي ثناءً كثيراً يليق بجلاله، وجماله وكماله، وشكراً جزيلاً يوازي نعمه التي لا تحصى، ومنته التي لا تستقصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) " طيباً " خالصاً من الرياء والسمعة " مباركاً " أي مقترناً بالقبول الذي لا يرد، لأن البركة معناها الخير. والعمل الذي لا يقبل لا خير فيه " غير مكفي " بنصب " غير " على الحال وإضافته إلى " مكفي " بفتح الميم وكسر الفاء إسم مفعول، أي نحمده حال كونه هو الكافي لعباده، ولا يكفيه أحد من خلقه، ْلأنه لا يحتاج إلى أحد " ولا مودع " حال أخرى أي ونحمده سبحانه حال كونه غير متروك، أي لا يتركه منا أحد لحاجتنا جميعاً إليه.

стр. 1748

٩٣٨ - " بَابُ قَوْلِهِ تعالى (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) " ١٠٨٥ - عَنْ أنسٍِ ﵁ قَالَ: أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْألنِي عَنْهُ، أصبْحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرُوساً بِزَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ، وكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب هذا الذكر المأثور عند الانتهاء من الطعام. ثانياًً: أن الذكر مستحب ومندوب إليه في أوّل الطعام وآخره، لأن الطعام من أجل النعم التي بها قوام الحياة. فإذا اقترن بذكر الله في أوّله، وشكره والثناء عليه في آخره بصدق وإخلاص، وشعور بالنعمة، أدى إلى دوام النعم واستمرارها، كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة والله أعلم. ٩٣٨ - " باب قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يتعلق بقوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) أي إذا دعيتم إلى وليمة عامة أو خاصة، وفرغتم من تناول الطعام، فتفرقوا، وانصرفوا إلى منازلكم تخفيفاً عن صاحب المنزل، ومراعاة لظروفه. ١٠٨٥ - معنى الحديث: أن أنساً يقول: أنا أعلم الناس بسبب نزول آية الحجاب الخاص بأمّهات المؤمنين، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ثم قال أنس: " كان أُبي بن كعب يسألني عنه " أي يسألني عن سبب نزول آية الحجاب فأبينه له، ثم قال: " أصبح رسول الله ﷺ عروساً بزينب بنت جحش " أي أصبح من ليلة زفافه بها " فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار " أي في وقت الضحى "وجلس معه رجال بعدما

стр. 1749

فَدَعَا النَّاسَ لِلطعَامِ بَعْدَ ارتِفَاعَ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهَ ﷺ ، وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَمَا قَامَ الْقَوْمُ، حتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمَشى ومَشَيْتُ مَعَهُ، حتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثم ظَنَّ أنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ فرَجَعْتُ مَعَهُ، فإذا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْيي وبَيْنَهُ سِتراً، وأنْزِلَ الحِجَابُ. ــ قام القوم" أي تأخروا بعد انصراف المدعوين " فمشى ومشيت معه، حتى بلغ حجرة عائشة " أي فقام النبي من مجلسه ومشى حتى وصل إلى حجرة عائشة ليشير إليهم برغبته في انصرافهم " ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت، فإذا هم جلوس مكانهم " فإذا هم ما زالوا جالسين في مواضعهم. " فرجع ورجعت " أي فقام النبي ﷺ مرة أخرى، ومشى كالمرة الأولى " فإذا هم قد قاموا " أي فلما عاد وجدهم قد انصرفوا " فضرب بيني وبينه ستراً " أي فحجب النبي ﷺ نساءه عن الرجال ووضع بيني وبينه غطاء يستر النساء عن الرجال " وأنزل الله آية الحجاب " وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) صدق الله العظيم. وموضع الأمر بالحجاب قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).

стр. 1750

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الآداب الشرعية المطلوبة من الضيف أن ينصرف بعد فراغه من طعام الوليمة مباشرة، وأن لا يتأخر بعد ذلك مستأنساً بالحديث الذي يدور في المجلس لئلا يؤذي صاحب المنزل، ويثقل عليه، ولا يقدر على مصارحته حياءً منه، فقد أمر الله تعالى الضيف بالخروج عقب الانتهاء من الطعام فوراً، فقال تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا). ثانياًً: دل هذا الحديث على سبب نزول قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) وهي هذه القصة التي ذكرها أنس ﵁. ثالثاً: دل هذا الحديث على سبب نزول آية الحجاب وهي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ولهذا حجب النبي ﷺ نساءه عن الرجال عقب نزول هذه الآية مباشرة كما قال أنس ﵁: " فضرب بيني وبينه ستراً ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون القصة المذكورة سبباً في نزول قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا). ***

стр. 1751

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ العقيقة " ٩٣٩ - " بَابُ تسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ وَتحْنِيكِهِ " ١٠٨٦ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: "وُلِدَ لِي غُلامٌ، فأتَيْتُ بِهِ النبي ﷺ ، فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ــ " كتاب العقيقة " والعقيقة لغة: الشعر الذي يخرج على رأس المولود، كما عرفها أبو عبيد، وسميت بذلك شرعاً لأن المولود يحلق عنه وقيل: إنها من عق بمعنى قطع، ومنه عق والديه، رجحه ابن بعد البر. أما العقيقة شرعاً: فهي كما في " الإِرشاد " ذبح شاة عن المولود سابع ولادته، قال عطاء: " ولا يحسب اليوم الذي ولد (١) فيه إن سبق الفجر، وهي مؤقتة باليوم السابع ولا تشرع قبله ولا بعده، وقيل تجزىء بعد السابع (٢) أيضاً (٣). ٩٣٩ - " باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه " ١٠٨٦ - معنى الحديث: يقول أبو موسى الأشعري ﵁: " ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ " يعني فبادرت بإحضاره إلى النبي ﷺ

стр. 1752

وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وكانَ أكْبَرَ وَلَدِ أبي مُوسَى". ــ بعد ولادته مباشرة " فسماه إبراهيم " أي فسماه النبي ﷺ بهذا الاسم في يوم مولده، " فحنكه بتمرة " أي فمضغ في فمه تمرة، وجعلها في فم الصبي كي تحل به البركة " ودعا له بالبركة " أي ودعا له النبي ﷺ أن يجعل الله فيه الخير والصلاح، ويوفقه في دينه ودنياه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري على مشروعية التعجيل بتسمية المولود يوم مولده لمن لم يعق عنه (١) لأن النبي ﷺ سمّى غلام أبي موسى بعد ولادته مباشرة، ولم يؤخر تسميته إلى يوم سابعه، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه يستحب تسميته في يوم سابعه إن عق عنه، وإلّا فإنه يُسَمَّى قبل ذلك قال: في " منهج السالك على مذهب مالك " ويسمى يوم السابع إن عق عنه، وإلّا سمي قبل ذلك، ولو ومن يوم الولادة. والتسمية يوم السابع سنة مستحبة، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تُسَنّ التسمية يوم السابع. قال ابن قدامة (١): ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى، لحديث سمرة عن النبي ﷺ أنّه قال: " كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمّى فيه ويحلق رأسه ". وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، لما روي أن النبي قال لفاطمة لما ولدت الحسن: " احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض " وهم أهل الصفة. قال ابن قدامة: " وإن سمّاه قبل السابع جاز (٢)، لأن النبي ﷺ قال: " ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ". ثانياًً: دل هذا الحديث على استحباب تحنيك الصبي عند تسميته وقد تقدم معناه أثناء شرح الحديث، والأفضل أن يكون التحنيك بالتمر، فإن لم يتيسر فبالرطب وإلّا فبشيء حلو، وأولاه عسل النحل.

стр. 1753

٩٤٠ - " بَابُ إمَاطَةِ الأذَى عَنِ الصَّبِيِّ في العَقِيقَةِ " ١٠٨٧ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَبِّي ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأهْرِيقُوا عَنْهُ دَمَاً، وأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى ". ــ قال الحافظ: والحكمة في التحنيك: أن يتمرن الصبي على الأكل ويقوى عليه، ويستحب أن يختار لتحنيكه الصالحون كما تدل عليه أحاديث الباب. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم " حيث سماه بعد الولادة مباشرة وهو ما ترجم له البخاري. ٩٤٠ - " باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة " ١٠٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا سلمان بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " مع الغلام عقيقة " أي أن الله شرع لكم مع كل غلام يولد عقيقة تذبح في اليوم السابع من ولادته " فأهريقوا عنه دماً " أي فأسيلوا عنه في يوم سابعه دماً، وذلك بذبح العقيقة المشروعة عنه " وأميطوا عنه الأذى " أي أزيلوا عنه الأذى بغسل جسمه، وإلباسه ثياباً نظيفة وحلق شعره في اليوم الذي تذبحون فيه عقيقته، وهو اليوم السابع من ميلاده. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية العقيقة، وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم السابع من ميلاده لقوله ﷺ : " مع الغلام عقيقة " واختلف في حكمها، فذهب الحسن البصري والظاهرية إلى أنّها واجبة، حتى قال ابن حزم: إنها فرض يجبر عليها إذا فضل له من قوته مقدارها، وتمسكوا في ذلك بظاهر قوله ﷺ في حديث الباب: " فأهريقوا عنه " حيث حملوا الأمر على الوجوب، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إنها سنة مؤكدة، ولو كان الأب معسراً، وحملوا الأمر على الندب، قال أحمد: العقيقة سنة عن

стр. 1754

رسول الله ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي ﷺ " الغلام مرتهن بعقيقته " وهو بإسناد جيد، وقال مالك في " الموطأ " ليست العقيقة بواجبة، ولكنها يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا، فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك والضحايا. وقال ابن رشد: وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضاً ولا سنة، وقد قيل: إن تحصيل مذهبه أنها عنده تطوع، وقد صرح محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بأن العقيقة تطوع. واستدل الجمهور على أن الأمر بالعقيقة للندب والاستحباب لا للوجوب بقوله ﷺ : " من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده -أي أن يذبح عنه عقيقة- فليفعل " قال الزرقاني: فإن جعل ذلك موكولاً إلى محبته مع تسميته نسكاً يدل على الاستحباب. واختلقوا في العقيقة، هل هي واحدة في الذكر والأنثى أو أنّها تختلف؟ فذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وهو قول ابن حبيب من المالكية، واستدلوا بما رواه الترمذي في سننه " أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين، وعن الجارية شاة " وقال: حديث حسن صحيح، وقال مالك: الذكر والأنثى سواء، يعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بما ثبت عن النبي ﷺ " أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً " أخرجه أبو داود، لكن جاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ بلفظ " كبشين كبشين " واختلفوا هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، فذهب مالك إلى أنه يشترط، وفيه وجهان للشافعية، أصحها أنه يشترط. ثانياً: دل هذا الحديث على استحباب تنظيف المولود يوم سابعه بإزالة ما به من قذر، لقوله ﷺ : " وأميطوا عنه الأذى " وليس المراد بذلك حلق الرأس فقط، بل هو أعم فيشمل حلق رأسه، وتطهيره من الأوساخ التي علقت بجسمه وإلباسه ملابس نظيفة. ويستحب أن يحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة، قال ابن قدامة: وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، وقال ابن أبي زيد في " الرسالة ": وإن حلق شعر

стр. 1755

رأس المولود، وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب. قال ابن قدامة قال بعض أهل العلم: يستحب للوالد أن يؤذّن في أذن ابنه لما روي عن عبد الله بن رافع ﵁ " أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة " والتهنئة بالمولود مشروعة عرفها السلف في حدود الاعتدال بحيث لا تتعدى الدعاء، قال ابن قدامة: روينا أن رجلاً قال لرجل عند الحسن: ليهنك الفارس، فقال الحسن: وما يدريك أنّه فارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟ فقال قل: بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده ورزقت بره. الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١) أيضاً. ...
следующие страницы →