بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ العقيقة "
٩٣٩ - " بَابُ تسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ وَتحْنِيكِهِ "
١٠٨٦ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:
"وُلِدَ لِي غُلامٌ، فأتَيْتُ بِهِ النبي ﷺ ، فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ،
ــ
" كتاب العقيقة "
والعقيقة لغة: الشعر الذي يخرج على رأس المولود، كما عرفها أبو عبيد، وسميت بذلك شرعاً لأن المولود يحلق عنه وقيل: إنها من عق بمعنى قطع، ومنه عق والديه، رجحه ابن بعد البر. أما العقيقة شرعاً: فهي كما في " الإِرشاد " ذبح شاة عن المولود سابع ولادته، قال عطاء: " ولا يحسب اليوم الذي ولد (١) فيه إن سبق الفجر، وهي مؤقتة باليوم السابع ولا تشرع قبله ولا بعده، وقيل تجزىء بعد السابع (٢) أيضاً (٣).
٩٣٩ - " باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه "
١٠٨٦ - معنى الحديث: يقول أبو موسى الأشعري ﵁: " ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ " يعني فبادرت بإحضاره إلى النبي ﷺ
стр. 1752
وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وكانَ أكْبَرَ وَلَدِ أبي مُوسَى".
ــ
بعد ولادته مباشرة " فسماه إبراهيم " أي فسماه النبي ﷺ بهذا الاسم في يوم مولده، " فحنكه بتمرة " أي فمضغ في فمه تمرة، وجعلها في فم الصبي كي تحل به البركة " ودعا له بالبركة " أي ودعا له النبي ﷺ أن يجعل الله فيه الخير والصلاح، ويوفقه في دينه ودنياه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري على مشروعية التعجيل بتسمية المولود يوم مولده لمن لم يعق عنه (١) لأن النبي ﷺ سمّى غلام أبي موسى بعد ولادته مباشرة، ولم يؤخر تسميته إلى يوم سابعه، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه يستحب تسميته في يوم سابعه إن عق عنه، وإلّا فإنه يُسَمَّى قبل ذلك قال: في " منهج السالك على مذهب مالك " ويسمى يوم السابع إن عق عنه، وإلّا سمي قبل ذلك، ولو ومن يوم الولادة. والتسمية يوم السابع سنة مستحبة، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تُسَنّ التسمية يوم السابع. قال ابن قدامة (١): ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى، لحديث سمرة عن النبي ﷺ أنّه قال: " كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمّى فيه ويحلق رأسه ". وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، لما روي أن النبي قال لفاطمة لما ولدت الحسن: " احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض " وهم أهل الصفة. قال ابن قدامة: " وإن سمّاه قبل السابع جاز (٢)، لأن النبي ﷺ قال: " ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ". ثانياًً: دل هذا الحديث على استحباب تحنيك الصبي عند تسميته وقد تقدم معناه أثناء شرح الحديث، والأفضل أن يكون التحنيك بالتمر، فإن لم يتيسر فبالرطب وإلّا فبشيء حلو، وأولاه عسل النحل.
стр. 1753
٩٤٠ - " بَابُ إمَاطَةِ الأذَى عَنِ الصَّبِيِّ في العَقِيقَةِ "
١٠٨٧ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَبِّي ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأهْرِيقُوا عَنْهُ دَمَاً، وأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى ".
ــ
قال الحافظ: والحكمة في التحنيك: أن يتمرن الصبي على الأكل ويقوى عليه، ويستحب أن يختار لتحنيكه الصالحون كما تدل عليه أحاديث الباب. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم " حيث سماه بعد الولادة مباشرة وهو ما ترجم له البخاري.
٩٤٠ - " باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة "
١٠٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا سلمان بن عامر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " مع الغلام عقيقة " أي أن الله شرع لكم مع كل غلام يولد عقيقة تذبح في اليوم السابع من ولادته " فأهريقوا عنه دماً " أي فأسيلوا عنه في يوم سابعه دماً، وذلك بذبح العقيقة المشروعة عنه " وأميطوا عنه الأذى " أي أزيلوا عنه الأذى بغسل جسمه، وإلباسه ثياباً نظيفة وحلق شعره في اليوم الذي تذبحون فيه عقيقته، وهو اليوم السابع من ميلاده.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية العقيقة، وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم السابع من ميلاده لقوله ﷺ : " مع الغلام عقيقة " واختلف في حكمها، فذهب الحسن البصري والظاهرية إلى أنّها واجبة، حتى قال ابن حزم: إنها فرض يجبر عليها إذا فضل له من قوته مقدارها، وتمسكوا في ذلك بظاهر قوله ﷺ في حديث الباب: " فأهريقوا عنه " حيث حملوا الأمر على الوجوب، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إنها سنة مؤكدة، ولو كان الأب معسراً، وحملوا الأمر على الندب، قال أحمد: العقيقة سنة عن
стр. 1754
رسول الله ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي ﷺ " الغلام مرتهن بعقيقته " وهو بإسناد جيد، وقال مالك في " الموطأ " ليست العقيقة بواجبة، ولكنها يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا، فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك والضحايا. وقال ابن رشد: وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضاً ولا سنة، وقد قيل: إن تحصيل مذهبه أنها عنده تطوع، وقد صرح محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بأن العقيقة تطوع. واستدل الجمهور على أن الأمر بالعقيقة للندب والاستحباب لا للوجوب بقوله ﷺ : " من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده -أي أن يذبح عنه عقيقة- فليفعل " قال الزرقاني: فإن جعل ذلك موكولاً إلى محبته مع تسميته نسكاً يدل على الاستحباب. واختلقوا في العقيقة، هل هي واحدة في الذكر والأنثى أو أنّها تختلف؟ فذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وهو قول ابن حبيب من المالكية، واستدلوا بما رواه الترمذي في سننه " أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين، وعن الجارية شاة " وقال: حديث حسن صحيح، وقال مالك: الذكر والأنثى سواء، يعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بما ثبت عن النبي ﷺ " أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً " أخرجه أبو داود، لكن جاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ بلفظ " كبشين كبشين " واختلفوا هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، فذهب مالك إلى أنه يشترط، وفيه وجهان للشافعية، أصحها أنه يشترط. ثانياً: دل هذا الحديث على استحباب تنظيف المولود يوم سابعه بإزالة ما به من قذر، لقوله ﷺ : " وأميطوا عنه الأذى " وليس المراد بذلك حلق الرأس فقط، بل هو أعم فيشمل حلق رأسه، وتطهيره من الأوساخ التي علقت بجسمه وإلباسه ملابس نظيفة. ويستحب أن يحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة، قال ابن قدامة: وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، وقال ابن أبي زيد في " الرسالة ": وإن حلق شعر
стр. 1755
رأس المولود، وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب. قال ابن قدامة قال بعض أهل العلم: يستحب للوالد أن يؤذّن في أذن ابنه لما روي عن عبد الله بن رافع ﵁ " أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة " والتهنئة بالمولود مشروعة عرفها السلف في حدود الاعتدال بحيث لا تتعدى الدعاء، قال ابن قدامة: روينا أن رجلاً قال لرجل عند الحسن: ليهنك الفارس، فقال الحسن: وما يدريك أنّه فارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟ فقال قل: بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده ورزقت بره. الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١) أيضاً.
...
стр. 1756
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الصَّيد والذبائح "
٩٤١ - " بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَيْدِ "
١٠٨٨ - عن عَدِيّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ:
سَألتُ النبي ﷺ عَنْ صَيدِ المِعْرَاضِ؟ قَالَ: "ما أصَابَ بِحَدِّهِ
ــ
" كتاب الصيد والذبائح "
الذبائح ما ذكي من الحيوان، والذكاة الشرعية كما قال الفقهاء: هي ذبح الحيوان بقطع حلقومه (١) أو مريئه كما في الغنم والبقر. أو نحره كما في الإِبل وهو أن يضرب البعير بسكين في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، أو عقره: أى عقر الحيوان إذا كان متوحشاً غير مقدور عليه، واقتناصه بالسلاح أو بالجوارح والحيوانات المعلمة. فالعقر أو الصيد. يستعمل في الحيوانات الوحشية غير المقدور عليها، كالطيور والظباء وحمر الوحش، وهو ذكاتها، والذبح والنحر يستعملان في الحيوانات الأليفة المقدور عليها، قال ابن قدامة: " لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإِبل وذبح ما سواها (٢) والمراد بالذبائح: كل ما ذُكِّيَ من الحيوان، سواء ذُكي بالذبح أو بالنحر. أما الصيد فهو في الأصل مصدر صاد يصيد، ولكنه عومل هنا معاملة الأسماء فأطلق على الحيوان المصاد وتعريفه شرعاً: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مملوك ولا مقدور عليه ..
٩٤١ - " باب التسمية على الصيد "
١٠٨٨ - معنى الحديث: لقول عدي بن حاتم: "سألت النبي ﷺ
стр. 1757
فَكُلْهُ، وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ، وسألتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ؟ فَقَالَ: مَا أمسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أخْذَ الكَلْب ذَكَاة، وِإنْ وَجَدْتَ معَ كَلْبِكَ أوْ كِلابِكَ كَلْباً غَيْرَهُ فَخَشِيْتَ أنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وقَدْ قَتَلَهُ، فلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ".
ــ
عن صيد المعراض" هل هو حلال أم لا؟ والمعراض هو سهم محدد الطرفين، غليظ الوسط، يصيب تارة بحده، وتارة بعرضه " قال: ما أصاب بحده " أي كل ما أصابه بطرفه المحدد فكل، فإنه صيد شرعي مباح الأكل، وفي رواية " إذا رميت بالمعراض، وذكرت اسم الله فأصاب فَخَرَق -أي نفذ في المصيد بحده- فكل " أخرجه الستة، وقال الترمذي: حسن صحيح " وما أصاب بعرضه فهو وقيذ " فإنه يحرم كما يحرم الوقيذ، وهو الحيوان المقتول بشيء مثقل من حجر أو خشبة أو نحوها " وسألته عن صيد الكلب " " والمعنى " أنه سأل النبي ﷺ عن الحيوان الذي يصطاده الكلب المعلم " فقال: ما أمسك عليك فكل " أي ما أمسكه كلب الصيد لك: وصاده من أجلك فكل، وفي رواية " ما علَّمت من كلب أو باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك " قلت وإن قتل، قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئاً، فإنما أمسكه عليك " أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي. وأحمد مطولاً ومعنى قوله ﷺ : " ما أمسك عليك فكل " أي ما صاده الكلب المعلم لك، واحتفظ به من أجلك، ولم يأكل منه شيئاً، فإنه صيد شرعي مباح الأكل، فكل منه ما شئت، وأطعم منه من شئت قال ﷺ : " فإنّ أخْذَ الكَلْبِ ذكاة " أي فإن عقره له ذكاة شرعية تبيح أكله كما يبيح الذبح والنحر لحوم الضأن والبقر والإِبل. قال ﷺ : " وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلباً غيره فحسبت أن يكون أخذه، وقد قتله فلا تأكل " أي إن وجدت مع كلابك كلباً آخر وخشيت أن يكون
стр. 1758
قد اشترك معها في قتل الحيوان أو انفرد بقتله، فإنه يحرم أكله، لاحتمال أنه استرسل بنفسه، أو أرسله مجوسي لم يذكر اسم الله عند إرساله " فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكره على غيره " أي فلو صاده الكلب الآخر فإنه يحتمل أنه لم يذكر اسم الله عليه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجوز الصيد بكل محدد فكل حيوان صيد بمحدد فهو مباح الأكل، ولا يحل صيد المثقل وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري، لأنه وقيذ. ثانياًً: دلّ هذا الحديث على أن صيد الكلب وشبهه من ذوات الناب حلال بثلاثة شروط: الأول: أن يكون معلماً إذا أغراه صاحبه بالصيد طلبه، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك الصيد أمسكه على صاحبه، واختلفوا في علامة ذلك ومتى يتحقق كونه معلّماً على صاحبه، فذهب أحمد وأبو يوسف ومحمد والشافعي (١) في أرجح أقواله: أن علامة إمساكه على صاحبه، وكونه معلماً أن لا يأكل من الصيد، فإن أكل منه فلا يجوز الأكل منه، لما في رواية النسائي، " فإن أدركته قد قتل، ولم يأكل فقد أمسكه عليك، وإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئاً فإنما أمسك على نفسه " وفي رواية الترمذي " فإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه "، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن الكلب المعلم يعرف بغالب الرأي، أو بالرجوع إلى أهل الخبرة، فإذا عرف بذلك أنّه معلّم، فإنه يؤكل من صيده ولو أكل منه، لما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الأعرابي قال: يا رسول الله إنّ لي كلاباً مكلّبة أفتني في صيدها قال: " كل مما أمسكن عليك " قال: وإن أكل منه؟ قال: " وإن أكل منه " أخرجه أبو داود، ولا بأس بسنده. اهـ. الثاني: أنه يشترط في صيد الكلب أن يكون قد سمّى الله عليه، لقوله ﷺ : "فإنما ذكرت اسم الله على كلبك" فإن
стр. 1759
مفهومه أنه إذا لم يذكر اسم الله عند إرساله لا يحل صيده، ويؤكد ذلك نصاً وتصريحاً ما جاء في رواية أخرى عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه (١)، فإن أدركته لم يقتل فاذبح، واذكر اسم الله عليه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل " الخ أخرجه النسائي. قال في " الإِفصاح " واختلفوا فيما إذا ترك التسمية على رمي الصيد أو إرسال الكلب. فقال أبو حنيفة: إن ترك التسمية في الحالين ناسياً حلّ الأكل منه، وإن تعمد تركها. لم يُبَح في الحالين " (٢) وقال مالك: إن تعمد تركها لم يبح في الحالين. وإن تركها ناسياً فهل يباح أم لا؟ عنه روايتان، وعنه رواية ثالثة أنه يحل أكلها على الإِطلاق في الحالين سواء تركها عمداً أو ناسياً. وعن أحمد ثلاث روايات أظهرها أنّه إن ترك التسمية لم يحل الأكل منه على الإِطلاق سواء كان تركه التسمية عمداً أو سهواً والثانية: كمذهب أبي حنيفة والثالثة: إن تركها على إرسال السهم ناسياً أكل، وإن تركها على إرسال الكلب أو الفهد ناسياً لم يأكل. الثالث: أنه يشترط في جواز أكل الصيد أن يكون الكلب مرسلاً، لأن سياق الحديث يدل عليه، وقد جاء مصرحاً به في رواية أخرى عن عدي بن حاتم، قال فيها: " إذا أرسلت كلبك " إلخ أخرجه النسائي. ثالثاً: أنّه إذا وجد الصيد مقتولاً، ووجد مع كلبه كلباً آخر لا يعلم هل تتوفر فيه شروط الصيد أم لا، ولم يعلم أيهما قتله أو علم أنهما قتلاه أو قتله الكلب المجهول لا يحل له الأكل منه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فإنما ذكرت اسم الله على كلبك.
...
стр. 1760
٩٤٢ - " بَابُ صَيْدِ القَوْس "
١٠٨٩ - عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ:
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا بِأرْضِ قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ، أفَنَاكلُ في آنِيَتهِمْ؟ وَبِأرْضِ صَيْدٍ أصِيدُ بِقَوْسِي وبِكَلْبِي الذي لَيْسَ بِمُعَلَّم وَبِكَلْبِي الْمُعلَّمِ، فَمَا يَصْلُح لي، قَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ فإنْ وَجَدْتمْ غَيْرَهَا فلا تَأكُلُوا فيها، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وما صِدْتَ
ــ
٩٤٢ - " باب صيد القوس "
١٠٨٩ - ترجمة الراوي: وهو أبو ثعلبة جرثوم بن ناشر الخشني. بالخاء المضمومة والشين المعجمتين نسبة إلى بني خشن بطن من قضاعة صحابي جليل، أسلم يوم خيبر، وشهد بيعة الرضوان وذهب إلى قومه بني خشن فدعاهم إلى الإِسلام فأسلموا، توفي سنة ٧٥ هـ.
معنى الحديث: يقول أبو ثعلبة ﵁: " قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم أهل كتاب " وهي أرض الشام وهم من النصارى " أفنأكل في آنيتهم " أي هل يحل لنا الأكل في أوانيهم التي يأكلون فيها لحم الخنزير وغيره من اللحوم غير المذبوحة، ويشربون فيها الخمور " وبأرض صيد " أي ونحن في أرض تتوفّر فيها الحيوانات البرية ويكثر فيها الصيد " أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي " أي وأنا مولع بالصيد فمرة أصيد بالقوس، ومرة بكلب غير معلم، ومرة بكلب معلم، فما الذي يجوز أكله من الصيد؟ " قال: أمّا ما ذكرت عن أهل الكتاب " يعني أما سؤالك عن حكم آنية أهل الكتاب من الأطباق والقدور ونحوها " فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها " لتتأكدوا من طهارتها " وكلوا فيها " بعد غسلها بالماء
стр. 1761
بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرَ مَعَلَّم فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ".
ــ
الطهور، " وما صِدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل " فإنّه صيد شرعي حلال " وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله " عند إرساله " فكل " لأنه حلال " وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " ومفهومه إنك إذا لم تدرك ذكاته فلا تأكل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الاصطياد بالقوس ومشروعيته، ولا خلاف في ذلك. واتفقوا على أن من قصد صيداً بعينه، فرماه بسهمه فأصابه فإنه مباح (١)، ثم اختلفوا فيما إذا أصاب غيره، فقال أبو حنيفة. وأحمد يباح على الإِطلاق، وقال مالك: لا يباح على الإطلاق وقال الشافعي: إذا كان في السمت الذي رمى سهمه حل، وإن كان في غير السمت فلأصحابه وجهان (٢) أما البنادق المعروفة اليوم، فهل يجوز الصيد بها أم لا؟ فقد قال الصنعاني (٣): وأما البنادق المعروفة الآن، فإنّها ترمي بالرصاص وقد صيرته نار البارود كالميل، فيقتل بحده، فالظاهر حل ما قتلته، وإلى حله ذهب الشوكاني في " نيل الأوطار " والسيد صديق حسن خان والله أعلم. ثانياً: إباحة استعمال أواني الكفار ومثلها ثيابهم عند عدم وجود غيرها بعد غسلها إذا علم استعمالهم لها في المحرمات. ثالثاً: جواز صيد الكلب المعلم بالشروط التي تقدم بيانها في الحديث السابق. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي
стр. 1762
٩٤٣ - " بَابُ مَن اقتنَى كَلبَاً لَيسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَة "
١٠٩٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " مَنْ اقْتَنى كَلْباً لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أو ضَارِيةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْم مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ ".
ــ
وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل ".
٩٤٣ - " باب من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد أو ماشية "
١٠٩٠ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " من اقتنى كلباً " أي من اتخذ كلباً في منزله أو حانوته " ليس بكلب ماشية " أي ليس هذا الكلب لحراسة ماشية ولا زرع " أو ضارية " أي وليس كلب صيد " نقص كل يوم من عمله قيراطان " أي نقص من أعماله الصالحة كل يوم مقدار قيراطين. ومعناه: من اقتناه لغير حاجة من هذه الحاجات المعتبرة شرعاً فإنه ينقص من. أجره شيء عظيم " قرّب النبي ﷺ لنا معناه بالقيراطين، والله أعلم قدر ذلك " وذلك لأنه عصى الله باقتنائه، فإن دعت (١) الحاجة إليه لمنفعة ومصلحة شرعية لحراسة الغنم أو حراسة الحقول الزراعية، أو قصد به الصيد فإنه يجوز.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم اتخاذ الكلب لغير مصلحة معتبرة شرعاً، لكونه من البهائم القذرة التي ينجم عن اقتنائها مضار ومفاسد عظيمة من ابتعاد الملائكة عن المكان الذي هو فيه، وترويع الناس بنباحه الكريه أثناء الليل، وتخويف المارة، وقد صرح الحديث بنقصان أجر صاحبه كل يوم قيراطين، وهذا يدل على تحريمه، لأن مثل هذا الوعيد الشديد لا يترتب
стр. 1763
٩٤٤ - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ المثلةِ والمَصْبُورَةِ وَالمُجَثَّمَةِ "
١٠٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قَالَ:
" لَعَنَ النبي ﷺ مَنْ مَثَّلَ بالْحَيْوَانَ ".
ــ
إلّا على محرم، واختلف العلماء: هل المنع للتحريم أو للكراهة؟ فذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلاّ المستثنى. اهـ. وكذلك الحنابلة، قال النووي، أمّا اقتناء الكلب فمذهبنا أنّه يحرم اقتناؤه لغير حاجة، ويجوز للصيد والزرع والماشية، وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان أصحها جوازه (١). ثانياً: دل الحديث على أن المنافع المشروعة التي يجوز اقتناء الكلب لأجلها أمران، الأول: الصيد، فإنه يجوز اقتناء الكلب المعلّم المدرَّب على الصيد لاصطياد الحيوانات البرية. الثاني: يجوز اقتناء الكلب لحراسة الماشية والزرع ما عدا الكلب الأسود البهيم، فإنه لا يجوز عند أحمد وإسحاق. قال في تيسير العلام (٢): بهذا نعلم مبلغ ما لدى الغربيين من السفاهة وقلة البصيرة، حيث اعتنوا باقتنائها لغير فائدة يلامسونها ويقبلونها، فهل بعد هذا من سفه؟! والعجب أن مثل هذه العادات والأعمال القبيحة مشت عند المستغربين منا. وتدينوا بأعمالهم واعتنقوا كل سفالة عندهم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " نقص كل يوم من عمله قيراطان ".
٩٤٤ - " باب ما يكره من المثلة "
١٠٩١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " لعن النبي ﷺ من مثل بالحيوان " أي قطع أجزاء جسمه وهو حي، لما في ذلك من تعذيب الحيوان، الذي أوجب الشارع الرحمة والرفق به، والعطف والشفقة
стр. 1764
٩٤٥ - " بَابُ ما أنهَرَ الدَّمَ مِنَ القَصَبِ وَالْمَرْوَةِ "
١٠٩٢ - عن رَافِع بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ لَنَا مُدَى؟ فَقَالَ: " مَا أنهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ ليْسَ الظُّفُرَ والسِّنَّ، أمَّا الظّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ، وأمَّا السِّنُّ فَعظْمٌ "
ــ
عليه، حتى في حال ذبحه، حيث قال ﷺ : " إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم تعذيب الحيوان بالتمثيل به وهو حى، أو محاولة الانتصار عليه بخداعه وطعنه بالخناجر والسهام في ظهره استعراضاً لبطولة زائفة في مصارعة كاذبة، كما في مصارعة الثيران التي نرى فيها دعاة الرفق بالحيوان كيف يعذبون الحيوان المسكين، ويتخذون من تعذيبه ملهاة يتسلى بها الجماهير، فإن الإِسلام وهو دين الرحمة قد حرم ذلك أشد التحريم، لما فيه من قسوة ووحشية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون ﷺ لعن من مثل بالحيوان. وهذا يدل على تحريم التمثيل به.
٩٤٥ - " باب ما أنهر الدم من القصب (١) والمروَةِ ".
١٠٩٢ - معنى الحديث: يحدثنا رافع بن خديج ﵁ " أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مُدى " جمع مدية، وهي السكين " فقال: ما أنهر الدم " أي أسأله بكثرة " وذكر اسم الله عليه " عند الذبح حقيقة أو حكماً كما في الناسي فَكُل أي فكل ذبيحته، فإنّ ذبيحته ذبيحة شرعية صحيحة " ليس الظفر والسن " أي ما عدا الظفر والسن، فلا يجوز الذبح بهما وفي رواية أبي داود ما لم يكن سناً أو ظفراً. بضمتين أو بضم الظاء وسكون الفاء. "أما
стр. 1765
ونَدَّ بَعيرٌ فَحَبَسهُ فقالَ: " إِنَّ لِهَذِه الإِبلِ أوابِدَ كأوابِدِ الوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فاصْنَعُوا بِهِ هكَذَا ".
ــ
الظفر فمدى الحبشة" أي أما الظفر فالعلة في تحريمه أنه أداة يذبح بها الحبشة، وهم كفار، وقد نهينا عن التشبه بهم " وأما السن فعظم " أي وأمّا السن فالعلة في تحريمه أنه من العظم الذي هو زاد إخواننا من الجن، فنهينا عن الذبح به، كما نهينا عن الاستنجاء به لئلا يتنجس بالدم، أو بالروث فلا يأكلونه " وندَّ بعيرٌ فحبسه " بفتح النون، وتشديد الدال، أي وهرب بعير على وجهه شارداً فأعياهم إمساكه فرماه ﷺ بسهم " فقال: إن لهذه الإِبل أوابدَ كأوابد الوحش " أي إن الإبل تحدث منها أحياناً أمور غريبة كما يحدث من الحيوانات المتوحشة " فما غلبكم منها " أي فما هرب منكم وعجزتم عن إمساكه " فأصنعوا هكذا " أي فارموه بسهم كما صنعت. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجوز الذبح بكل محدد قاطع، سواء كان مدية أو قصباً أو مروة أو أي محدد. قال النووي: فكلها تحصل بها الذكاة إلاّ السن والظفر والعظام كلها، أما الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات للحديث وأما السن فيدخل فيه سن الآدمي وغيره، الطاهر والنجس، المتصل والمنفصل، ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل، الطاهر والنجس، وبهذا قال جمهور العلماء، وقال الحنفية: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ويجوز بالمنفصلين، وروي عن مالك روايات أشهرها جوازه بالعظم مطلقاً، لا بالسن مطلقاً (١) قال في " تيسير العلام " أما المشهور من المذاهب (٢) فيختص - يعني التحريم بالسن (٣) فقط والله
стр. 1766
٩٤٦ - " بَابُ أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ مِنَ السباعَ "
١٠٩٣ - عن أبي ثَعْلبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁:
" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ أَكْل كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ ".
ــ
أعلم. ثانياًً: اشتراط التسمية في الذكاة لقوله ﷺ : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " وقد اختلف في ذلك الفقهاء فقال الشعبي وابن سيرين وداود الظاهري وأحمد في رواية التسمية على الذبيحة شرط، فلو تركها عمداً أو نسياناً لا تحل لهذا الحديث، ولقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وقال الجمهور: شرط عند الذكر، فإن تركها عمداً لا تحل، وهو مشهور مذهب مالك وأحمد، لظاهر قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وإن تركها نسياناً حلت الذبيحة. لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال " المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم، وليذكر اسم (١) الله، ثم ليأكل " أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفي سنده محمد بن يزيد بن سنان صدوق ضعيف الحفظ (٢)، وذهب الشافعي إلى أن التسمية على الذبيحة سنة مستحبة، وليست شرطاً، فإن تركها عمداً أو نسياناً لا يضر، وهو رواية عن أحمد لحديث عائشة ﵂ أنهم قالوا: يا رسول الله إن قوماً حديثو عهد بجاهلية يأتوننا بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها، فقال رسول الله ﷺ : " سموا الله وكلوا " أخرجه الستة وأحمد والبيهقي والدارمي. - والمطابقة: في قوله ﷺ : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ".
٩٤٦ - " باب أكل كل ذي ناب من السباع "
١٠٩٣ - معنى الحديث: يحدثنا أبو ثعلبة ﵁ "أن رسول
стр. 1767
٩٤٧ - " بَابُ المِسْكِ "
١٠٩٤ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:
ــ
الله ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع" قال ابن الأثير: الناب: السن التي خلف الرباعية، قال ابن سينا: لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معاً، والسبع كما في القاموس المفترس من الحيوان (١)، ومعناه: أن النبي ﷺ نهى عن أكل حيوان مفترس له ناب قوي يصطاد به كالأسد والذئب والنمر ونحوه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم السباع التي لها ناب لقوله في حديث الباب: " نهى عن كل ذي ناب من السباع " قال الترمذي: والعمل (٢) على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ. قال في " تحفة الأحوذى ": وهو قول أبي حنيفة، وقال الحافظ: وحكى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك كالجمهور أي أنه يقول بتحريم كل ذي ناب من السباع، وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. اهـ. واستثنى الشافعي منه الضبع (٣) والثعلب خاصة، لأن نابهما ضعيف. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " نهى عن كل ذي ناب من السباع ".
٩٤٧ - " باب المسك "
١٠٩٤ - معنى الحديث: يقول ﷺ : "مثل الجليس الصالح
стр. 1768
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَثَل الجَلِيسِ الصَّالِحِ والسُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أنْ يحْذِيَكَ، وِإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْه رِيحاً طيِّبةً، وَنَافِخ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وِإمَّا أنْ تَجِدَ ريحاً خَبِيثَةً ".
ــ
والسوء كحامل المسك ونافخ الكير" في هذا الكلام النبوي البليغ لفٌّ ونشرٌ مرتب، وأصل الكلام مثل الجليس الصالح كحامل المسك، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير. والمعنى: أن النبي ﷺ شبه الجليس الصالح في دينه وخلقه بمن يحمل معه مسكاً، وشبه جليس السوء بمن ينفخ كيراً وهو آلة من الجلد ينفخ بها الحداد على النار، ثم بين وجه الشبه في قوله: " فحامل المسك إمّا أن يحذيك " أي فإذا جلست إلى حامل المسك لا بد أن تنتفع منه لأنه إما أن يهديك من الطيب الذي معه " وإما أن تبتاع منه " أي تشترى منه مسكاً " وإما أن تجد منه (أى تشم منه) رائحة طيبة وكذلك الجليس الصالح إما أن يفيدك بعلمه أو بنصحه وتوجيهه، أو حسن سلوكه بالاقتداء به. " ونافخ الكير " إذا صحبته لا بد أن يؤذيك فهو " إما أن يحرق ثيابك " من الشرر المتطاير " وإمّا أن تجد منه ريحاً خبيثة " من الدخان الذي يتصاعد من ناره فتشمّ منه رائحة كريهة تخنق أنفاسك، كذلك جليس السوء إما أن يغريك بالسيئة أو تقتدي بسلوكه السيء فتنحرف عن سواء السبيل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في مجالسة أهل الفضل، لأنهم يسعد بهم جليسهم، فإن كانوا علماء استفاد منهم علماً، وإن كانوا صلحاء استفاد منهم صلاحاً، وإن كانوا أبطالاً استفاد منهم شجاعة، لأن الأخلاق والمواهب والعلوم والمعارف والمهارات والآداب تتلاقح ويتأثر بعضها ببعض، وفي الحديث " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ".
стр. 1769
٩٤٨ - " بَاب الأَرْنبِ "
١٠٩٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
" أنْفَجْنَا أرْنَبَاً وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْم فَلَغِبُوا، فَأخذْتُهَا، فَجِئْت بِهَا إلى أبي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بَوَرِكَيْهَا، أو قَالَ بِفَخِذَيْهَا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهَا ".
ــ
ثانياًً: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من جلساء السوء، لأنهم شر على من يجالسهم، وربما قصدوا أن ينفعوه فيضروه من حيث لا يشعرون. ثالثاً: قال العيني: في الحديث دليل على طهارة المسك، وروينا عن النبي ﷺ بسند جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وعلى هذا جمهور العلماء. وقد كرهه جماعة، منهم عمر ﵁، وقال: لا تحنطوني به، وكذا عمر بن عبد العزيز إلّا أن هذا الخلاف قد انقرض واستقر الإجماع على طهارته، وجواز استعماله. رابعاً: أن المسك من أجمل العطور وأحلاها وأطيبها وأغلاها ولذلك ضرب به المثل في هذا الحديث. " الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه ﷺ شبه بالمسك الجليس الصالح، وهذا يدل على فضله وطهارته، وهو ما ترجم له البخاري.
٩٤٨ - " باب الأرنب "
١٠٩٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " أنفجنا أرنباً " أي هيجنا أرنباً " فسعى القوم " أي فلما أثرناها أخذت تجري أمامنا، فجرى أصحابي خلفها " فلغبوا " بفتح الغين وكسرها أي فأخذوا يطاردونها حتى تعبوا " فأخذتها " وفي رواية للبخاري فأدركتها فأخذتها " فجئت بها إلى أبي طلحة، فذبحها، فبعث بوركيها، أو قال: بفخذيها إلى النبي ﷺ " أي فأرسل
стр. 1770
٩٤٩ - " بَابُ الضَّبِّ " (١)
١٠٩٦ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
قَالَ النبي ﷺ : " الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ ولا أحَرِّمُهُ ".
١٠٩٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ﵁ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأتِيَ بِضَبّ مَحْنُوذٍ، فَأهْوَى إليْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيَده فَقَالَ
ــ
بفخذيها هدية إلى النبي ﷺ " فقبلها " وفي رواية أخرى في الهبة " وأكل منه ". الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز أكل الأرنب، وهو قول عامة العلماء، لأنه ليس من السباع، ولا من أكلة الجيف. والمطابقة: في قوله: " فبعث بوركيها، أو قال بفخذيها إلى النبي ﷺ فقبلها ".
٩٤٩ - " باب الضب "
١٠٩٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " الضب لست آكله ولا أحرّمه " أي أنه ﷺ أهدى إليه ضبٌّ، فامتنع عن أكله فظنوا أنه حرام، فتوقفوا عن أكله فقال: " الضب لست آكله " أي لست آكله طبعاً، لأن نفسي تعافه بسبب أنني لم أتعّود على أكله لأنه ليس من طعام أهل مكة " ولا أحرِّمهُ " ديناً وشرعاً، وفي رواية " كلوا فإنه حلال ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ولا أحرمه ".
١٠٩٧ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يحدثنا عن خالد ﵁ "أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأتي بضب
стр. 1771
بَعْضُ النِّسْوَةِ: أخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بمَا يُرِيدُ أن يَأكُلَ، فقالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أحَرَامٌ هُوَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بأرْضِ قَوْمَي فأجِدُني أعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فاجْتَرَرتُهُ فأكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظرٌ".
ــ
محنوذ" أي مشوي " فأهوى إله رسول الله " أي فمد ﷺ يده إلى اللحم ليأكل منه، وهو لا يعلم أنه لحم ضب " فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده " عن ذلك اللحم، وتوقف عن أكله، " فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي " أي لم يكن في مكة، ولم أتعوّد على أكله " فأجدني أعافه " أي أتقذر منه وأكره لحمه طبعاً ولا أحرمه شرعاً " قال خالد: فاجتررته " أي فنهشت من لحم ذلك الضب وجررته بيدي " فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر " أي ينظر إلي ويشاهدني وأنا آكله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا ".
فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: جواز أكل الضب، وإباحة لحمه لقوله ﷺ في الحديث الأول: " ولست أحرمه " وقوله في الثاني: " فقلت: أهو حرام؟ فقال: لا " وهو مذهب عامة الفقهاء مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وبه قال أهل الظاهر بلا شك (١). ثانياًً: أن من عاف طعاماً أو شراباً وتقذرته نفسه فإنه ينبغي له أن يتركه، ولو كان من المباحات، لأن ذلك قد يؤذيه جسمياً أو نفسياً، وقد ترك النبي ﷺ لحم الضب حين عافته نفسه.
стр. 1772
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الأضاحي "
الأضاحي: جمع أضحية والأضحية شرعاً: ما يذبح أيام عيد الأضحى في أيام النحر، تقرباً إلى الله تعالى بنيّة الأضحية، وهي مشروعة بالكتاب والسنة، لقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقد ثبت في الأحاديث الكثيرة أن النبي ﷺ ضحّى وضحّى المسلمون، وشرعت في السنة الثانية من الهجرة وحكمها: أنها سنة مؤكدة يكره تركها مع القدرة أما الحنفية فإنهم يرون أن الأضحية، واجبة والمالكية يرون أنها سنة مؤكدة يقاتل أهل البلد على تركها كما يقاتلون على ترك الأذان. أما شروط سنيتها: فهى: (أ) القدرة عليها، فلا تسن على عاجز، والقادر عند الشافعية من يملك ثمنها زائداً عن حاجته وحاجة عياله، وعند الحنابلة من يمكنه الحصول على ثمنها، وعند المالكية من لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري (مدة) عامه، وعند الحنفية من يملك مائتي درهم. (ب) الشرط الثاني: الحرية، فلا تسن لعبد، وزاد الحنفية في شروطها الإِقامة، وزاد المالكية أن لا يكون حاجاً، ولو كان من أهل مكة. أما شروط صحتها: فقد اتفقوا على اشتراط سلامتها من العيوب الشرعية، فلا تجزىء العمياء والعوراء والعجفاء - أي الهزيلة التي لا مخّ في ساقها، ولا العرجاء البين عرجها، ولا مقطوعة الأذن، أو اليد، أو نحوها.
***
стр. 1773
٩٥٠ - " بَابُ الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلاةِ "
١٠٩٨ - عن البَرَاءِ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النبي ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: " إنَّ أوَّلَ ما نَبْدأ بِهِ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أن نُصَلِّيَ، ثم نَرجِعَ فَنَنْحَرَ، فمَنْ فَعَلَ هَذَا، فَقَدْ أَصَابَ سُنَتَّنَا، ومَن نَحَرَ فَإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لأهْلِهِ، لَيْسَ من النُّسَكِ في شَيْءٍ " فَقَالَ أبُو بردَةَ: يا رَسُولَ الله: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أُصَلِّيَ، وعنْدي جَذَعَةٌ خَيْرٌ من مُسِنَّةٍ، فَقَالَ: " اجعَلْهَا مَكَانَهَا، ولَنْ تُجْزِىء أو تُوفِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ ".
ــ
٩٥٠ - " باب الذبح بعد الصلاة "
١٠٩٨ - معنى الحديث: يقول البراء بن عازب ﵁ " سمعت النبي ﷺ يخطب " أي سمعته وهو يخطب خطة عيد الأضحى " فقال: إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا " أي إن أول عمل نبدأ به في هذا اليوم " أن نصلّي " أي أن نؤدي صلاة العيد مع الجماعة " ثم نرجع " أي ثم نعود إلى بيوتنا بعد الصلاة " فننحر " ضحايانا بعد الصلاة، لا قبلها " فمن فعل هذا " أي فمن نحر ضحيته، أو ذبحها بعد صلاة العيد " فقد أصاب سنتنا " وكانت أضحيته شرعية صحيحة. وفي رواية: " من صلّى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك " أخرجه الشيخان وأبو داود، ومعناه: فمن صلّى صلاة العيد، وضحى بعدها مثل أضحيتنا فقد أصاب العمل الموافق للسنة، وأجزأته أضحيته. " ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله " يقول ﷺ : ومن نحر أضحيته، أو ذبح ذبيحته قبل صلاة العيد، فإنما هو مجرّد لحم قدمه لأهله ولا يجزىء عن الأضحية لأنه ذبح قبل وقتها " وليس من النسك في شيء " أي
стр. 1774
وليس من الضحية في شيء " فقال أبو بردة " ابن نِيَار بكسر النون: " ذبحت قبل أن أصلي " أي لم أكن أعرف ذلك فذبحت قبل الصلاة " وعندي جذعة " أي وعندي جذعة من المعز، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، فهل تجزئني في الأضحية؟ " فقال: اجعلها مكانها " أي اجعلها ضحية مكان الذبيحة التي ضاعت عليك ولم تحتسب لك " ولن تجزىء أو قال توفي " أي لن تكفي الجذعة " عن أحد بعدك " وإنما هذا الحكم حكم استثنائي لك خاصة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أول وقت الضحية يدخل بعد صلاة العيد، وهو مذهب أحمد ومن وافقه من أهل العلم، قال ابن قدامة: ظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة (١)، والصحيح إن شاء الله تعالى أن وقتها في الموضع الذي يصلي فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر، فأما غير أهل الأمصار، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة. اهـ. وقال مالك: وقتها بعد الصلاة والخطبة وذبح الإِمام، قال الصنعاني (٢): ودليل اعتبار ذبح الإِمام ما رواه الطحاوي من حديث جابر أن النبي ﷺ صلّى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمرهم أن يعيدوا. وقال الشافعي: وقت الذبح إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلي فيه ركعتين وخطبتين بعدهما. وقال أبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل الأمصار إذا صلّى الإمام العيد، أو مضى وقتها بالزوال إن لم تصلَّ لعذر، ويدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر، لعدم وجوب صلاة العيد عليهم (٣). ثانياً: دل الحديث على أن الجذع من المعز لا يجزىء في الأضحية، وهو ما أتمَّ سنة، ودخل في الثانية، لأن النبي ﷺ قال لأبي بردة: "ولن تجزىء أو قال توفي عن أحد
стр. 1775
٩٥١ - " بَابُ وَضْعِ القَدَمِ عَلَى صَفَحِ الذَّبِيحَةِ "
١٠٩٩ - عَنْ أنَسِ ﵁:
أَن النبي ﷺ كانَ يُضحّى بِكَبْشَيْنِ أملَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ على صَفْحَتِهِمَا وَيَذْبَحَهُمَا بِيَدِهِ ".
ــ
بعدك". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ".
٩٥١ - " باب وضع القدم على صفحة الذبيحة "
١٠٩٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين " أي برأسين من الغنم، وهو الضأن " أملحين أقرنين " أي أبيضين، لكل واحد منهما قرنان، " ووضع رجله على صفحتهما " أي وضع قدمه على جانب كل واحد منهما عند ذبحه " ويذبحهما يده " الشريفة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتى: أولاً: أن الأفضل في الأضحية هو الضأن ثم المعز، ثم بقية الأصناف الأخرى، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أبيضين. ثانياً: أنه يسن للذابح أن يضجع ذبيحته على شقها الأيسر، ويضع قدمه على جانبها وشقها الأيمن والحكمة في وضع القدم على صفحتها التقوِّي عليها، ولأنه أسرع في موتها. والمطابقة: في قوله: " وضع رجله على صفحتهما ".
***
стр. 1776
٩٥٢ - " بَابُ التَّكْبِير عِنْدَ الذَّبْحِ "
١١٠٠ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:
" ضَحَّى النبي ﷺ بِكبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ".
ــ
٩٥٢ - " باب التكبير عند الذبح "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية التكبير عند ذبح الأضحية وغيرها.
١١٠٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين " أي برأسين من الضأن أبيضين لكل واحد منهما قرنان " وذبحهما بيده " الشريفة، ولم يوكّل غيره بذبحهما، " وسمّى وكبر " أي وقال عند الذبح: " بسم الله والله أكبر " " ووضع رجله على صفاحهما " أي على صفحتيهما على مذهب من يقول أقل الجمع اثنان (١)، وإضافة المثنى إلى المثنى تفيد التوزيع، أي وضع رجله على صفحة كل منهما (٢). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح، لقوله ﵁: " وسمّى وكبر " وتقدم الكلام على التسمية. ثانياً: أفضلية أن يقوم المضحي بذبح شاته بنفسه. ثالثاً: أن الأفضل في الضحيّة الكبش الأبيض. والمطابقة: في قوله: " وكبر ".
...
стр. 1777
٩٥٣ - " بَابُ مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحْومِ الأضَاحِي وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا "
١١٠١ - عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:
أنَّهُ صَلَّى العيد يَوْمَ الأضْحَى قَبْلَ الخطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَاكمْ عَنِ صِيَامِ هَذَيْنِ العِيدَيْنِ، أَمَّا أحدُهُمَا فَيَوْم فِطركُمْ مِنْ صِيَامِكمْ، وأمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ ".
ــ
٩٥٣ - " باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها "
١١٠١ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ على عهد خلافته " صلى العيد يوم الأضحى قبل الخطبة " كما كان يفعل رسول الله ﷺ اقتداءً بسنته " ثم خطب " خطبة العيد بعد الصلاة " فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ قد نهاكم عن صيام هذين العيدين " وهما عيد الفطر وعيد الأضحى " أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم " أي أما الأوّل فقد شرع الله فيه الفطر من صيام رمضان، فكيف تخالفون شرع الله وتصومونه " وأما الآخر " وهو عيد الأضحى " فيوم تأكلون فيه من نسككم " أي فهو يوم شَرَعَ الله لكم فيه الأكل من ذبائحكم، فكيف تتركون ﷺ منها وتصومون عنها؟.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الأكل من لحوم الأضاحي دون تحديد وتقييد لقوله ﷺ : " وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم " وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كلوا وأطعموا وادخروا " وهذا يدل على مشروعية الأكل، والادخار، والإِطعام الشامل للهدية والصدقة دون تحديد. وقالت الشافعية: يستحب أن يتصدق بمعظمها وأدنى الكمال أن يتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وقالت
стр. 1778
الحنفية: يستحب أن لا ينقص التصدق عن الثلث، أما الأكل والهدية فلا تحديد فيهما. ثانياًً: تحريم صيام العيدين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم ".
***
стр. 1779
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الأشْرِبَةِ "
٩٥٤ - " بَابُ قَوْل الله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) .. إلخ "
١١٠٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أن النبي ﷺ قَالَ: " لا يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ".
ــ
" كتاب الأشربة "
٩٥٤ - " باب قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ)
١١٠٢ - معنى الحديث: ظاهر هذا الحديث أن من ارتكب جريمة الزنا أو السرقة، أو شرب الخمر، يخرج من الإِيمان، لكن هذا الحديث معارض بأحاديث صريحة في أن المعصية مهما عظمت لا تخرج صاحبها عن الإِيمان، ولا تخلده في النار، منها حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل فبشرني أن من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق " قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق " قلت: " وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق " ثم قال في الرابعة: " على رغم أنف أبي ذر " إذن فما معنى قوله
стр. 1780
٩٥٥ - " بَابُ الْخمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَهُوَ البِتْعُ "
١١٠٣ - عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَرَابِ البِتْعِ وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ".
ــ
ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟ " فُسِّر ذلك بمعان متعددة أرجحها معنيان: الأول: أن الإيمان يرتفع عنه عند الزنا وشرب الخمر والسرقة، فيكون على رأسه كالظلة، ثم يعود إليه بعد الفراغ من جريمته. الثاني: أن الزاني والشارب والسارق لا يكون كامل الإِيمان، وإنما يكون مؤمناً فاسقاً، ناقص الإيمان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الزنا والسرقة وشرب الخمر من أكبر الكبائر، لأنه ﷺ نفى الإِيمان عمن فعل ذلك، فدل على أنها من أعظم الموبقات في الإسلام. ثانياًً: تحريم الخمر وسائر المشروبات المسكرة، لأن أقل ما يقتضيه نفي الإِيمان عن شاربها أنه فاسق عاص شارب للحرام، هذا بالإضافة إلى الوعيد الشديد الذي جاء في الأحاديث الأخرى. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".
٩٥٥ - " باب الخمر من العسل وهو البتع "
١١٠٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ سئل عن شرب البتع بكسر الباء وهو نبيذ العسل، فأجاب ﷺ بجواب عام شامل " فقال: كل شراب أسكر فهو حرام " أي لا عبرة باختلاف الأسماء ولا باختلاف مادته الأولى التي يتخذ منها فكل شراب أسكر فهو خمر محرم من أي نوع أخذ. وهذا من جوامع كلمه ﷺ وحسن بيانه.
стр. 1781
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن جميع الأشربة الكحولية المسكرة حرام. مطلقاً من أي نوع كانت، ومن أي مادة صنعت، لأن العلة في التحريم هي الإِسكار، كما يدل علمه قوله ﷺ " كل شراب أسكر فهو حرام " ويدخل في ذلك نبيذ التمر والشعير والعسل والزبيب والتين، وسائر المشروبات الكحولية المسكرة، سواء كانت بنسبة قليلة أو كثيرة لاطلاق هذا الحديث وعمومه، فأما إطلاقه فيدل على تحريم الكثير والقليل منه على حدٍ سواء، ولو كان هذا القليل لا يسكر شربه، كما جاء مصرحاً بذلك في حديث جابر عن النبي ﷺ أنه " قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام " أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان، وأخرجه الترمذي وحسنه، ورجاله ثقات. وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " كل مسكر حرام، ما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام " وفي رواية " الحسوة منه حرام " أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، والفرق (بفتح الراء وسكونها) مكيال يسع ستة عشر رطلاً، والحسوة (بضم الحاء) الجرعة الواحدة من الشراب، وهذا يدل على أن القليل والكثير في التحريم سواء، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. أما عموم هذا الحديث: فإن قوله " كل شراب أسكر فهو حرام " يدل بعمومه وكونه على تحريم كل مادة مسكرة، ولو لم تكن من الأشربة، ولهذا ذهب أهل العلم إلى تحريم الحشيشة وغيرها من المواد التي تشبهها. قال الصنعاني: ويحرم ما أسكر من أي شيء، وإن لم يكن مشروباً كالحشيشة، قال ابن حجر: من قال إنّها لا تسكر وإنما تخدر فهو مكابر، فإنها تحدث ما تحدث الخمر من الطرب والنشوة، وإذا سلم عدم الإِسكار فهي مفترة، وقد أخرج أبو داود أنه " نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر ". قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وحكى العراقي وابن تيمية الإِجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر. قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة
стр. 1782
٩٥٦ - " بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ "
١١٠٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ، الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإنَاءِ وَتَرُوحُ بِآخَرَ ".
ــ
التتار، وهي من أعظم المنكرات، وهي شر من الخمر من بعض الوجوه، لأنها تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر، ويصعب الفطام عنها وقال ابن البيطار: وقبائح خصائها كثيرة، وعدَّ منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار، وقال ابن دقيق العيد: في الجوزة إنها مسكرة، ونقله عنه متأخرو علماء المالكية والشافعية، واعتمدوه. ثانياًً: أنه لا فرق بين ما صنع من العنب، أو غيره في تحريم القليل والكثير منه على السواء، لأن كل مسكر خمر، وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام، فيستوي في ذلك جميع الأشربة المسكرة، ولا عبرة بأصلها، ولا بالمادة التي صنعت منها خلافاً لأبي حنيفة، حيث فرّق بين خمر العنب وغيره. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.
٩٥٦ - " باب شرب اللبن "
١١٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " نعم الصدقة اللقحة " بكسر اللام وفتحها، وسكون القاف وهي الناقة الحلوب قرب الولادة " الصفي " الحلوب التي تحلب لبناً كثيراً " منحة " بكسر الميم، وسكون النون والنصب على التمييز، والمعنى أن من أفضل الصدقات المحمودة أن تعير ناقتك الحلوب قرب ولادتها لغيرك، فتلد عنده، وتبقى لديه يشرب من لبنها، ويتغذى منها، حتى إذا انتهى لبنها ردها عليك " والشاة الصفي منحة " أي وكذلك
стр. 1783
من أفضل الصدقات المحمودة إعارة الشاة الصفي التي " تغدو بإناء، وتروح بإناء " أي التي تحلب في الصباح إناء، وفي المساء إناءاً. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل المنيحة واستحبابها، وكونها من أفضل الأعمال. ثانياًً: دل الحديث على فضل اللبن، وأنه من أفضل المواد الغذائية للإنسان، كما يؤكد ذلك قوله ﷺ : " تغدو بإناء وتروح بإناء " وحسبك أنه شراب المؤمنين الذي اختاره الله لنبيّنا محمد ﷺ ولأمته حيث أخذ اللبن ليلة أسري به فقال جبريل: " الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك " قال ابن القيم: واللبن المطلق أنفع (١) المشروبات للبدن الإنساني، لما اجتمع فيه من التغذية والدموية، ولاعتياده حال الطفولة، وموافقته للفطرة الأصلية. اهـ. ولا شيء من الأغذية يغني غناءه، ومن مزاياه أنّه يغني عن الطعام والشراب، واقرأ إن شئت قوله ﷺ : " من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزىء من الطعام والشراب إلاّ اللبن " أخرجه أصحاب السنن. ولبن اللقاح ينفع من (٢) البواسير والاستسقاء، ويهيج شهوة الغذاء والجماع، ويفتح السدد المتولدة في الكبد من الدم الغليظ، وينفع من الربو والاستسقاء، ولبن الماعز نافع من السعال ونزف الدم والسل ونحول الجسم. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : " نعم الصدقة اللقحة الصفي ".
...
стр. 1784
٩٥٧ - " بَابُ الشُّرْبِ قَائِمَاً "
١١٠٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" شَرِبَ النبي ﷺ قَائِماً مِنْ زَمْزَمَ ".
ــ
٩٥٧ - " باب الشرب قائماً "
١١٠٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ دخل المسجد الحرام، فطاف على بعيره، ثم أناخه بعد طوافه، فصلى ركعتي الطواف خلف المقام، ثم أتى بئر زمزم، فشرب منه حال كونه قائماً، ولم يجلس أثناء شربه ﷺ .
فقه الحديث: قال القسطلاني: استدل بهذه الأحاديث على جواز الشرب قائماً، وهو مذهب الجمهور، وكرهه قوم لحديث أنس عند مسلم أن النبي ﷺ : " زجر عن الشرب قائماً " قال النووي: والصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه. قال ابن القيم: وقالت طائفة: النهي ليس للتحريم بل للإِرشاد يعني فهو إرشاد صحي وتوجيه، فمن يريد وقاية جسمه من الأضرار البدنية والاستفادة التامة من الماء المشروب فعليه أن يحافظ على الشرب جالساً، لأن للشرب قائماً كما قال ابن القيم: آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرّد حرارتها وأما إذا فعله نادراً أو لحاجة لم يضره. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه يدل على جواز الشرب قائماً، وهو ما أراده البخاري من الترجمة.
***
стр. 1785
٩٥٨ - " بَابُ اختِنَاثِ الأسْقِيَةِ "
١١٠٦ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:
" نَهَى النبي ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ " يَعْنِى أنْ - تُكْسَرَ أفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا.
ــ
٩٥٨ - " باب اختناث الأسقية "
١١٠٦ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري: " نهى النبي ﷺ عن اختناث (١) الأسقية " جمع سقاء، وهو وعاء الماء من الجلد، " يعني أن تكسر أفواهها " يعني نهى النبي ﷺ أن تثنى أفواه القرب، " فيشرب منها " أي من أفواهها، والمراد أنه ﷺ نهى عن الشرب من أفواه القرب على طريقة البادية، وقد جرت العادة عندهم أن الشارب يثني فم القربة فيشرب منه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للشارب أن يراعي القواعد الصحية، فلا يشرب من فم السقاء محافظة على سلامته وسلامة غيره، قال ابن القيم: في هذا آداب عديدة، منها أن تردد أنفاس الشارب قد تكسب الماء رائحة كريهة، ومنها أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فيتضرر به، وربما كان به حيوان لا يشعر به فيؤذيه، وربما كانت فيه قذارة لا يراها، ومنها أنه يملأ بطنه من الهواء، فلا يأخذ حظه من الماء. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " نهى النبي ﷺ عن اختناث الأسقية ".
...
стр. 1786
٩٥٩ - " بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أو ثَلَاَثةٍ "
١١٠٧ - عَنْ أنسٍ ﵁:
" أنَّ النبي ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ ثَلَاثاً ".
ــ
٩٥٩ - " باب الشرب بنفسين أو ثلاثة "
١١٠٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث
" أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً " أي يرفع فمه عن الإناء بعد كل دفعة منها فيتنفس خارجه ثم يعاود شربه مرة أخرى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب شرب السوائل على دفعات متعددة، وأن يتنفس أثناء الشرب عدة مرات خارج الإِناء. قال ابن القيم: في هذا الشرب فوائد مهمة نبه النبي ﷺ على مجامعها بقوله: " فإنه أروى وأمرأ وأبرأ " أي أهنأ للشارب وأصح وأسلم عاقبة من الشرب دفعة واحدة، الذي ربما أدّى إلى فساد مزاج المعدة والكبد. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
***
стр. 1787
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب المرضى "
قال ابن القيم: المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وأما مرض الشهوات فقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).
وأما مرض الأبدان: فقد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) وفي هذا يقول الدكتور عادل الأزهرى: " إن هذا القسم فيه من الحكمة الإلهية ما لم يتوصل إليه الأطباء إلّا حديثاً في منتصف القرن الثامن عشر، فقد قسمت الأمراض عموماً إلى قسمين:
الأول: الأمراض العضوية التي تنتج عن عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته كاملة، أو توقفه عن العمل بالكلية، أو تنتج عن دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم، وتصيب أي عضو فيه بالتلف. الثاني: الأمراض النفسية، وهي في الحقيقة أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جداً، يشعر بها المريض مع عدم وجود أي مرض عضوي في جسمه، وهذه الأمراض تحدث عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة مثل الخوف والشك والغرام وعدم الاكتفاء الجنسي، وكثرة الإجهاد وهذا هو مرض القلوب كما ذكره الله تعالى. ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد عالجوا الأمراض النفسية علاجاً ناجحاً لم يصل إليه علماء النفس رغم هذا التطور الكبير الذي وصل إليه هذا العلم، وذلك لأنّ طب القلوب كما يقول ابن القيم مسلم به للرسل صلوات الله عليهم ولا سبيل إليه إلّا
стр. 1788
٩٦٠ - " بَابُ مَا جَاءَ في كفَّارَةِ الْمَرَضِ "
١١٠٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذىً، ولا غَمٍّ، حَتَّى الشوكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطايَاهُ ".
ــ
من جهتهم. وقد أشار النبي ﷺ بالفعل إلى بعض هذه الأمراض النفسية ولفت الأنظار إليها، ومن ذلك أنه استعاذ من النفاق وسوء الأخلاق والجبن والكسل. لينبه أمته إلى وجوب التعرف عليها واتخاذ كل الوسائل الممكنة للوقاية منها، وأنجح هذه الوسائل الالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به من شرّها.
٩٦٠ - " باب ما جاء في كفارة المرض "
والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن " تتغطى " بما يقع له من ألم المرض (١) فيعفى عنه، ولا يؤاخذ بتلك الذنوب، وأسند التكفير إلى المرض لأنه سببه فكأنه قال: " باب ما جاء في تكفير الذنوب بسبب المرض ".
١١٠٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ ما يصيب المسلم من نصب " يعني أن كل ما يصيب المسلم من تعب بدني " ولا وصب " أي ولا مرض عضوي كالحمّى والصداع، وآلام المفاصل، أو آلام العين، أو الأذن، أو غير ذلك. " ولا همّ ولا حزن " أي ولا يصيبه هم، وهو انشغال الفكر من توقع حدوث شيء مكروه، أو فوات شيء محبوب في المستقبل كالخوف من عدوّ، أو مرض، أو مفارقة قريب. " ولا حزن " وهو ألم النفس بسبب وقوع أمر مكروه، في الماضي " ولا أذى " أي ولا يتعدى عليه أحدٌ بأيِّ نوع من
стр. 1789
٩٦١ - " بَابُ شِدَّةِ الْمَرَضِ "
١١٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" مَا رَأيْتُ أحَداً أشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ".
ــ
أنواع التعدي، ولو كان يسيراً " ولا غمّ " يعني ولا يصيبه كرب وضيق نفسي لسبب من الأسباب " حتى الشوكة " أي حتى الشوكة التي يصيبه بها غيره، أو حتى الشوكة التي تصيبه " إلاّ كفر الله بها من خطاياه " أي إلاّ كفر الله بها بعض خطاياه. والمعنى: أنه لا يصاب المسلم بأي مرض نفسي كالهم والغم وغيره، أو مرض بدني كالحمى والصداع ونحوه، أو تعدٍّ أو ظلم من غيره، حتى الشوكة يدْخِلُها غيره في جسده إلاّ كان ذلك غفراناً وتكفيراً لخطاياه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن مجرد الإِصابة بالمرض أو غيره من البلايا كفارة للخطايا كما ترجم له البخاري. قال القرافي: المصائب كفارات جزماً، " سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إذا اقترن بها الرضا عظم التكفير والأجر، وقال الحافظ: والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير، ورفع الدرجات، وإن لم يحصل الصبر، ولم يقع من الجزع ما يندم عليه من: قول أو فعل، فالفضل واسع، ولكن ينحط من منزلة الصابر، وإن حصل الجزع فيكون ذلك سبباً لنقص الأجر أو التكفير. ثانياً: البشارة العظيمة للمؤمن، لأن الله جعل " البلاء مكفِّراً له، وهو كما قال القسطلاني: لا ينفك عنه غالباً، فمن صبر فله أجران، أجر على مصيبته وأجر على صبره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه أفاد أن الوصب وهو المرض كفارة للخطايا، وهو ما ترجم له البخاري.
٩٦١ - " باب شدة المرض " (١)
١١٠٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ "ما رأيت أحداً
стр. 1790
٩٦٢ - " بَابُ وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ "
١١١٠ - عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ ".
ــ
أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ " أي ما رأيت فيمن رأيت من المرضى أحداً أشد مرضاً من رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ قد عانى في مرضه الأخير من الشدائد والآلام ما لم يعانه أحد ممن عرفت. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل شدة المرض (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شدة مرض رسول الله ﷺ وعلى فضل شدة المرض، لأنه لو لم يكن من الأمور المحمودة العاقبة لما ابتلي به أفضل الخلق على الله، مع ما له من الكرامة والمنزلة العالية، وهو أقوى دليل على فضل شدة المرض، وما له من عاقبة محمودة في تكفير السيئات، ومضاعفة الحسنات، ورفع الدرجات، وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك -أي يعاني من شدة آلام المرض- فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً! قال: " أجَل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين، قال: " أجل ذلك كذلك " وفي الحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ".
٩٦٢ - " باب وجوب عيادة المريض "
١١١٠ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " أطعموا الجائع " أي قدموا