← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

٩٥٩ - " بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أو ثَلَاَثةٍ " ١١٠٧ - عَنْ أنسٍ ﵁: " أنَّ النبي ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ ثَلَاثاً ". ــ ٩٥٩ - " باب الشرب بنفسين أو ثلاثة " ١١٠٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث " أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً " أي يرفع فمه عن الإناء بعد كل دفعة منها فيتنفس خارجه ثم يعاود شربه مرة أخرى. فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب شرب السوائل على دفعات متعددة، وأن يتنفس أثناء الشرب عدة مرات خارج الإِناء. قال ابن القيم: في هذا الشرب فوائد مهمة نبه النبي ﷺ على مجامعها بقوله: " فإنه أروى وأمرأ وأبرأ " أي أهنأ للشارب وأصح وأسلم عاقبة من الشرب دفعة واحدة، الذي ربما أدّى إلى فساد مزاج المعدة والكبد. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة. ***

стр. 1787

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب المرضى " قال ابن القيم: المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وأما مرض الشهوات فقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ). وأما مرض الأبدان: فقد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) وفي هذا يقول الدكتور عادل الأزهرى: " إن هذا القسم فيه من الحكمة الإلهية ما لم يتوصل إليه الأطباء إلّا حديثاً في منتصف القرن الثامن عشر، فقد قسمت الأمراض عموماً إلى قسمين: الأول: الأمراض العضوية التي تنتج عن عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته كاملة، أو توقفه عن العمل بالكلية، أو تنتج عن دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم، وتصيب أي عضو فيه بالتلف. الثاني: الأمراض النفسية، وهي في الحقيقة أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جداً، يشعر بها المريض مع عدم وجود أي مرض عضوي في جسمه، وهذه الأمراض تحدث عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة مثل الخوف والشك والغرام وعدم الاكتفاء الجنسي، وكثرة الإجهاد وهذا هو مرض القلوب كما ذكره الله تعالى. ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد عالجوا الأمراض النفسية علاجاً ناجحاً لم يصل إليه علماء النفس رغم هذا التطور الكبير الذي وصل إليه هذا العلم، وذلك لأنّ طب القلوب كما يقول ابن القيم مسلم به للرسل صلوات الله عليهم ولا سبيل إليه إلّا

стр. 1788

٩٦٠ - " بَابُ مَا جَاءَ في كفَّارَةِ الْمَرَضِ " ١١٠٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذىً، ولا غَمٍّ، حَتَّى الشوكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطايَاهُ ". ــ من جهتهم. وقد أشار النبي ﷺ بالفعل إلى بعض هذه الأمراض النفسية ولفت الأنظار إليها، ومن ذلك أنه استعاذ من النفاق وسوء الأخلاق والجبن والكسل. لينبه أمته إلى وجوب التعرف عليها واتخاذ كل الوسائل الممكنة للوقاية منها، وأنجح هذه الوسائل الالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به من شرّها. ٩٦٠ - " باب ما جاء في كفارة المرض " والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن " تتغطى " بما يقع له من ألم المرض (١) فيعفى عنه، ولا يؤاخذ بتلك الذنوب، وأسند التكفير إلى المرض لأنه سببه فكأنه قال: " باب ما جاء في تكفير الذنوب بسبب المرض ". ١١٠٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ ما يصيب المسلم من نصب " يعني أن كل ما يصيب المسلم من تعب بدني " ولا وصب " أي ولا مرض عضوي كالحمّى والصداع، وآلام المفاصل، أو آلام العين، أو الأذن، أو غير ذلك. " ولا همّ ولا حزن " أي ولا يصيبه هم، وهو انشغال الفكر من توقع حدوث شيء مكروه، أو فوات شيء محبوب في المستقبل كالخوف من عدوّ، أو مرض، أو مفارقة قريب. " ولا حزن " وهو ألم النفس بسبب وقوع أمر مكروه، في الماضي " ولا أذى " أي ولا يتعدى عليه أحدٌ بأيِّ نوع من

стр. 1789

٩٦١ - " بَابُ شِدَّةِ الْمَرَضِ " ١١٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " مَا رَأيْتُ أحَداً أشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". ــ أنواع التعدي، ولو كان يسيراً " ولا غمّ " يعني ولا يصيبه كرب وضيق نفسي لسبب من الأسباب " حتى الشوكة " أي حتى الشوكة التي يصيبه بها غيره، أو حتى الشوكة التي تصيبه " إلاّ كفر الله بها من خطاياه " أي إلاّ كفر الله بها بعض خطاياه. والمعنى: أنه لا يصاب المسلم بأي مرض نفسي كالهم والغم وغيره، أو مرض بدني كالحمى والصداع ونحوه، أو تعدٍّ أو ظلم من غيره، حتى الشوكة يدْخِلُها غيره في جسده إلاّ كان ذلك غفراناً وتكفيراً لخطاياه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن مجرد الإِصابة بالمرض أو غيره من البلايا كفارة للخطايا كما ترجم له البخاري. قال القرافي: المصائب كفارات جزماً، " سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إذا اقترن بها الرضا عظم التكفير والأجر، وقال الحافظ: والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير، ورفع الدرجات، وإن لم يحصل الصبر، ولم يقع من الجزع ما يندم عليه من: قول أو فعل، فالفضل واسع، ولكن ينحط من منزلة الصابر، وإن حصل الجزع فيكون ذلك سبباً لنقص الأجر أو التكفير. ثانياً: البشارة العظيمة للمؤمن، لأن الله جعل " البلاء مكفِّراً له، وهو كما قال القسطلاني: لا ينفك عنه غالباً، فمن صبر فله أجران، أجر على مصيبته وأجر على صبره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه أفاد أن الوصب وهو المرض كفارة للخطايا، وهو ما ترجم له البخاري. ٩٦١ - " باب شدة المرض " (١) ١١٠٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ "ما رأيت أحداً

стр. 1790

٩٦٢ - " بَابُ وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ " ١١١٠ - عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ ". ــ أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ " أي ما رأيت فيمن رأيت من المرضى أحداً أشد مرضاً من رسول الله ﷺ ، لأنه ﷺ قد عانى في مرضه الأخير من الشدائد والآلام ما لم يعانه أحد ممن عرفت. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل شدة المرض (١). فقه الحديث: دل هذا الحديث على شدة مرض رسول الله ﷺ وعلى فضل شدة المرض، لأنه لو لم يكن من الأمور المحمودة العاقبة لما ابتلي به أفضل الخلق على الله، مع ما له من الكرامة والمنزلة العالية، وهو أقوى دليل على فضل شدة المرض، وما له من عاقبة محمودة في تكفير السيئات، ومضاعفة الحسنات، ورفع الدرجات، وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك -أي يعاني من شدة آلام المرض- فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً! قال: " أجَل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين، قال: " أجل ذلك كذلك " وفي الحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ". ٩٦٢ - " باب وجوب عيادة المريض " ١١١٠ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " أطعموا الجائع " أي قدموا

стр. 1791

٩٦٣ - " بَابُ فضلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ " ١١١١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: ألا أُرِيكَ امْرَأةً من أهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلى، ــ له من الطعام ما يشبعه، ويذهب عنه غائلة الجوع، لأنّ هذا الدين دين الرحمة والتعاطف، ومن أهم ما يقتضيه ذلك إطعام الفقير الجائع " وعودوا المريض " أي وقوموا بزيارة المريض في كل مرض، وفي كل زمن لعموم الأمر وإطلاقه، " وفكوا العاني " بكسر النون أي خلصوا الأسير من يد الأعداء، بدفع الفداء عنه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أمور ثلاث: الأول: مشروعية إطعام الفقير الجائع، وهو واجب إنساني، وواجب شرعي معاً لقوله ﷺ : " أطعموا الجائع " وقد نص الفقهاء على أنه فرض كفاية. الثاني: مشروعية عيادة المريض لقوله ﷺ : " وعودوا المريض " وهي مستحبة عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن عيادة المريض فرض كفاية، وقد جزم البخاري بوجوبها على ظاهر الأمر بالعيادة واستدل بقوله ﷺ : " وعودوا المريض " حيث حمل الأمر على الوجوب، وهو الأصل. وقال الجمهور: عيادة المريض في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. الثالث: فك الأسير من يد العدو، وفداؤه بالمال لقوله ﷺ : وفكوا العاني، وهو فرض كفاية، والله أعلم. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " وعودوا المريض ". ٩٦٣ - " باب فضل من يصرع من الريح " ١١١١ - معنى الحديث: أن الراوي يحدثنا عن ابن عباس ﵄: " أنه قال لبعض أصحابه: ألا أريك امرأة من أهل الجنة " أي ألا تريد

стр. 1792

قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأةُ السَّوْدَاءُ أتَتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ وإِنِّي أَتكَشَّفُ، فادعُ اللهَ لِي، قَالَ: " إِنْ شِئتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وإن شِئْتِ دَعَوْتُ الله أن يُعَافِيَكِ " فَقَالَتْ: إِنِّي أصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أتكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ أن لا أتَكشَّفَ، فَدَعَا لهَا. ــ أن أريك امرأة مقطوعاً لها بالجَنَّةِ (١) فهي من أهلها حقيقة. لا ظناً وتخميناً " قال: بلى " أريد أن أعرف ذلك " قال: هذه المرأة السوداء " واسمها سعيرة الأسدية، وفي رواية عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث " فأراني حبشية صفراء فقال: هذه سعيرة الأسدية " ثم ذكر قصتها، فقال: " أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع " أي أصاب بالصرع، فأفقد وعيي، والصرع كما يقولون: داء يتميز بنوبات فجائية من فقدان الوعي ويقترن غالباً بالتشنج، وسيأتي شرحه "وإني أتكشف" أي يتكشف جسمي أثناء فقدان الوعي " فادع الله لي " بالشفاء من هذا المرض العضال " قال: إن شئت صبرت ولك الجنة " أي وأبشرك بدخول الجنة بغير حساب " قالت إني أصبر " وأؤثر الباقي على الفاني، والآخرة على الدنيا. " فقالت: إني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف " أي فصبرت ﵂ على ما تعانيه من آلام، ولكنها لم تصبر على تكشف جسمها، ونظر الناس إلى عورتها، وسألت النبي ﷺ : أن يدعو الله لها أن يحفظها من التكشف أثناء صرعها " فدعا لها " بذلك. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنّ الصرع من الأمراض الشديدة التي يعظم أجرها وثوابها عند الله تعالى، وقد وعد النبي ﷺ هذه المرأة بالجنة مقابل صبرها عليه ولهذا قال البخاري: باب فضل من يصرع. والصرع نوبات فجائية تقترن بالتشنج وتتفاوت في شدتها ومعدل ترددها، وفي الفترة

стр. 1793

التي تستغرقها، وقد تكون النوبة هينة عابرة لا تكاد تلحظ، وقد تكون بالغة الشدة، وقد تقع النوبة بغتة بلا نذير، وقد ينذر بها حس سابق يعتري أحد الحواس. كأن يرى المريض شبحاً أو يسمع صوتاً، أو يشم رائحة، ويعقب ذلك وقوع المريض على الأرض فاقداً وعيه، وقد يقع صارخاً ثم تتملكه رعدة تشنجية، قد يتوقف فيها التنفس مؤقتاً، ويعض المريض لسانه في أثناء النوبة، وقد تحدث له إصابات أو حوادث مرضية خطيرة من جراء هذه النوبات ويعقب النوبة خور في القوى واستغراق في النوم يصحو منه المريض خالي الذهن من تذكر ما حدث له. ويقول ابن القيم (١): الصرع صرعان، صرع من الأرواح الخبيثة وصرع من الأخلاط، وهو الصرع العضوي أو ما يسمى بالأعصاب، قال ابن القيم: والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء، وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فقال " أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج " وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع بالمرض الإلهي. قال ابن القيم: وعلاج هذا النوع يكون بأمرين " أمر من جهة المصروع " و" أمر من جهة المعالج " فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها والتعوذ الصحيح بالقلب واللسان. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون لديه قوة اليقين وصدق التعوذ بالله تعالى حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله " أخرج منه " أو يقول: " باسم الله " أو يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " والنبي ﷺ كان يقول: اخرج عدو الله أنا رسول الله (٢) وشاهدت شيخنا (٣) يرسل

стр. 1794

٩٦٤ - " بَابُ فضلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ " ١١١٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النبي يَقُولُ: " إِنَّ الله تعالى قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيْبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتَهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ ". ــ إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع. ثانياً: دل هذا الحديث على أن هذه المرأة من أهل الجنة، لأن النبي ﷺ وعدها وبشرها بالجنة إن صبرت فقال لها: " إن شئت صبرت ولك الجنة " فقالت بل أصبر ووفت بوعدها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " وإن شئت صبرت ولك الجنة " فإن هذا يدل على فضل الصرع وثوابه. ٩٦٤ - " باب فضل من ذهب بصره " ١١١٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن الله تعالى قال " في الحديث القدسي: " إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه " أي إذا ابتليته بعينيه اللتين هما أحب حواسه إليه، فذهب عنه نورهما " فصبر " على فقدان بصره محتسباً للثواب والأجر الذي أعده الله للصابرين " عوّضته منهما الجنة " أي جعل الجنة عوضاً وبديلاً له عنهما والله لا يخلف الميعاد. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: البشارة العظمى لمن فقد بصره وتعويضه عنه بالجنة. قال الحافظ: وهذا أعظم العوض، لأن التلذذ بالبصر يفني بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها. ثانياً: دل هذا الحديث على أن حاسّة البصر من أحب الحواس إلى الإِنسان لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خيرٍ يسر به، أو شر فيجتنبه. الحديث:

стр. 1795

٩٦٥ - " بَابُ ما رُخِّصَ لِلمَريضِ أنْ يَقُولَ: إِنِّي وَجِعٌ، أوْ وَارَأسَاهُ " ١١١٣ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ذَاكَ لَوْ كَانَ وَأنا حَيٌّ فأسْتَغْفِرُ لَكِ، وأدْعُو لَكِ " فَقَالَتْ: عَائِشَةُ: "وَاثُكْلَيَاهُ، وَاللهِ إِنِّي لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّساً بِبَعْضِ ــ أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن من فقد بصره عوض بالجنة، وهو ما ترجم له البخاري. ٩٦٥ - " باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع أو وارأساه " ١١١٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أنها قالت: وارأساه " يعني أنّها أحست بصداع أصابها في رأسها، فشكت من ذلك الألم الذي تحسه منه قائلة: وارأساه، قال القسطلاني: وهو تفجّع على الرأس من شدة صداعه، " فقال رسول الله ﷺ " ممازحاً ومداعباً لها: " ذاك لو كان أنا حيٌّ فأستغفر لك، وأدعو لك " أي لو أصابك الموت في حياتي لَفُزْتَ باستغفاري ودعائي لك، وفي رواية عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: " ما ضرك لو مِتِّ قبلي وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " " فقالت عائشة: واثكلياه " بضم المثلثة، وسكون الكاف، وفتح اللام، وأصل الثكل أن يفقد الشخص من يعزّ عليه، ثم صار يجري هذا اللفظ على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها " والله إني لأظن أنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرساً " أي لو وقع موتي وأظن أنّك تتمناه لا يأتي آخر النهار إلاّ وأنت متزوج بامرأة أخرى " فقال ﷺ بل أنا وارأساه " أي لست أنت التي تشتكين من رأسك،

стр. 1796

أزْوَاجِكَ، فقالَ: النبي ﷺ بَلْ أنَا وَارَأسَاهُ لَقَدْ هَمَمْتُ أو أردْتُ أَنْ أرْسِلَ إلَى أبي بَكْرٍ وَابْنِهِ وأعْهدَ أنْ يَقُولَ القَائِلُونَ، أو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثم قُلْتُ: يأبَى اللهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أوْ يَدْفَعُ اللهُ وَيَأبَى المُؤْمِنُونَ". ــ بل أنا الذي أشتكي من هذا الصداع الشديد الذي أصابني " لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد " أي أوصي بالخلافة من بعدي لصاحبها الذي أراد الله أن يتولاها " أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون " أي أوصي بالخلافة إلى أبي بكر كراهة أن يقول القائلون: الخلافة لفلان أو لفلان، أو يتمنّى المتمنون الخلافة، " ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون " أي ثم قلت: أترك أمر الخلافة لله، ولرأي المسلمين، لأنه يأبى الله إلاّ خلافة أبي أبكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الشكوى من المرض، وأنه لا ينافي الرضا بقضاء الله، ولا يعارض الصبر، وقد شكا النبي ﷺ رأسه بقوله: " بل أنا وارأساه " وهو سيد الصابرين. ثانياًً: في الحديث إشارة صريحة إلى خلافة الصديق رضى الله عنه لقوله ﷺ : " لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد ". ثالثاً: دل الحديث على شدة غيرة المرأة على زوجها، حيث كرهت عائشة ﵂ أن تكون له ﷺ زوجة ولو بعد وفاتها. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله ﷺ : " بل أنا وارأساه ". ***

стр. 1797

٩٦٦ - " بَابُ نهْي تمَنِّي المَرِيض المَوْت " ١١١٤ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قالَ النبي ﷺ : " لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمْ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أصابه، فَإن كَانَ لا بدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي، وتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيراً لِي ". ــ ٩٦٦ - " باب تمني المريض الموت " ١١١٤ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " لا يتمنيّن أحدكم الموت من ضر أصابه " وهذا نَهْيٌ في صورة النفي للمبالغة، قال القاري: والنفي بمعنى النهي أبلغ، لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه، وعدم وقوعه بالكلية منه، والمعنى لا يحل للمؤمن أن يتمنّى الموت من أجل ضرر دنيوي لحق به لأن معناه التبرم من قضاء الله " فإن كان لا بد فاعلاً " أي فإن ضاقت به الأحوال واشتدت النوائب حتى اضطرته أن يتمنى. شيئاً تنفيساً عن نفسه وابتغاءً لفرج الله " فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي " أي أبقني حياً إن كان بقائي في هذه الحياة تترتب عليه منفعة في ديني ودنياي وعاقبة أمري " وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً " (١) أي واقبضني إليك على الإيمان والطاعة، إذا كان ذلك خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري. أو كان بقائي في هذه الدنيا يعرضني للفتنة، وسوء الحال والمآل. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز تمني الموت لأي ضرر دنيوي، سواء كان مرضاً بدنياً، أو نفسياً أو خسارة مالية، أو بسبب

стр. 1798

٩٦٧ - " بَاب دُعَاءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ " ١١١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أتَى مَرِيضاً أو أُتِيَ بهِ إِلَيْهِ قَالَ: "أذْهِبِ ــ المعاناة من بعض الانفعالات المؤلمة كالخوف والقلق والهم واليأس أو غيره من الأحوال النفسية المزعجة القاسية، لما في ذلك من التبرم بقضاء الله، وعدم الصبر على بلائه وقد قال ﷺ في حديث أو هريرة " لا يتمنيّن أحدكم الموت إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب " أي يحس بالندم فيتوب إلى الله أما هذه الظروف السيئة والعوارض الدنيوية الكريهة، فإنها سرعان ما تزول، لأن هذا العالم حادث، وكل حادث متغير، والدنيا لا تبقى على حال واحد. والمؤمن القوي لا يقابل المكاره بالجزع، وإنما يقابلها بالصبر، ورباطة الجأش، ويواجهها باتخاذ الأسباب المشروعة لمواجهتها مع اعتقاد أن دوام الحال في الدنيا من المحال. وقد قال الشاعر: الدَّهْرُ لَا يَبْقَى على حَالهِ ... لَا بُدَّ أَنْ يقبِلَ أَو يُدْبِر فإنْ أصِبتَ بمَكْرُوْهه ... فاصْبِرْ فَإِنَّ الدَهْرَ لَا يَصْبر ثانياً: دل الحديث على أَنه يستحب للعبد المؤمن إذا اشتدت وعليه الَكروب أن يصبر، ويلجأ إلى الصلاة والتضرع والدعاء، وأن يقول كما علمه رسول الله ﷺ : " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي "، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه ". ٩٦٧ - " باب دعاء العائد للمريض " ١١١٥ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث " أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضاً " أي كان إذا ذهب لزيارة مريض

стр. 1799

الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشفِ وأنتَ الشَّافِي، لا شِفَاء إلَّا شِفَاؤكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً". ــ عالجه بالدعاء الخالص، وكذلك إذا جيء به إليه وضع يده على موضع الداء منه " وقال: أذهب الباس رب الناس " بحذف حرف النداء، والبأس المرض، أي أسألك بربوبيتك للناس جميعاً أن تكشف الداء وشدة المرض عن عبدك هذا الذي لا رب له سواك، ولا شافي له غيرك، كما قلت في محكم كتابك (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) " اشف وأنت الشافي " أي أكرر الدعاء لك بشفائه، وأنت وحدك القادر عليه " لا شفاء إلا شفاؤك " لأن الدواء لا ينفع إلاّ إذا قدرت للمريض الشفاء " شفاء لا يغادر سقماً " أي شفاءً تاماً كاملاً من جميع الأمراض بحيث يصح الجسم صحةً عامةً شاملة لا تبقى معه في جسمه أي داءٍ. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب لمن يزور المريض أن يدعو له بهذا الدعاء المبارك المأثور، فإن ذلك علاج روحي نافع إذا اقترن باليقين والإخلاص وقوة الإيمان، وذلك بأن يضع يده على موضع الداء منه فيقول: " اذهب الباس رب الناس الخ " وهناك أدعية أخرى مأثورة يرقى بها المريض، من ذلك أن يرقيه بقوله: " بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك " أخرجه مسلم. وهي رقية جبريل للنبي ﷺ . وفي الحديث عن ابن عباس ﵄: " من عاد مريضاً لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلاّ عافاه الله من ذلك المرض " أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبّان، وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان وأخرجه أيضاً النسائي والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

стр. 1800

وقال الشوكاني: والحديث يقيد الشفاء بهذا الدعاء بعدكم حضور الأجل فإذا كان قد حضر، فكما قال أبو ذؤيب الهذلي: وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفَارَها ... ألفَيْتَ كُلَّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ ثانياً: أن قوله ﷺ : " لا شفاء إلاّ شفاؤك " صريح في أن جميع الأدوية أسباب عادية لا تؤثر في المريض، ولا تحقق مفعولها إلاّ بإذن الله، والله هو الشافي وحده، كما قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) فعلى المؤمن أن يتعاطى العلاجات الطبية آخذاً بالأسباب مع إيمانه ويقينه أن لا شفاء إلّا من الله والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ كان إذا عاد مريضاً دعا له بهذا الدعاء. ***

стр. 1801

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ الطِّبِّ " لا شك أنّ الإِسلام قد عني بالناحية الصحية نفسية كانت أو بدنية، واهتم بالطب بسائر أنواعه كما تدل عليه النصوص الإسلامية ففي الحديث الصحيح عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " أخرجه مسلم، وأحمد والحاكم، وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي ﷺ ، وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: " يا عباد الله! تداووا، فإن الله لم يضع داء إلّا وضع له شفاء، غير داء واحد " قالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: " الهرم " أخرجه أحمد في " مسنده " والطب كما يقولون: علم يعرف به أحوال الإِنسان البدنية والنفسية من صحة أو مرض، والوسائل الكفيلة بالمحافظة على صحته وهو ما يسمى بالطب الوقائي. والوسائل اللازمة لإعادة الصحة إلى الإنسان، وإزالة المرض عنه بإذن الله تعالى، وهو ما يسمى بالطب العلاجي .. وهو نوعان: طب نفسي، وطب عضوي أو بدني. فالطب النفسي: تعالج به أمراض النفس من حيرة وقلق وهم وغم، وخوف غير عادي، إلى غير ذلك من الأمراض التي لا علاقة لها بأي عضو من أعضاء البدن، ويدخل في ذلك بعض أنواع الصرع التي لا علاقة لها بأي مرض عضوي، والتي لا حيلة للطب البشري في معالجتها كما اعترف بهذا أبقراط ويلجأ الطبُّ النفساني في علاج النَّفس إلى طريقتين: الأولى: الطريقة العلمية النفسية التي تعتمد على التحاليل والجلسات النفسية المعروفة. والثانية: الطريقة الروحية الدينية: وتعتمد على وسيلتين أو علاجين كما في كتاب " الطب النبوي " لابن القيم، الأولى: إصلاح القلب عن طريق

стр. 1802

تقوية الإيمان والعقيدة، وتقوية الصلة بالله في الشدة والرخاء كما قال ﷺ لابن عباس ﵄: " يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لمن ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك " وفي رواية أخرى " احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً " فهل تعتقد أن إنساناً تغلب على نفسه كل هذه المعاني عقيدة وشعوراً ووجداناً فتملأها صلابة وقوة يمكن أن تجد الأمراض النفسية إلى نفسه سبيلاً، كلا، وقد اعترف بذلك المنصفون من علماء النفس الحديث. وممن نادى بذلك (وليم جيمس) العالم الأمريكي فقال: إن أعظم علاج للقلق ولا شك هو الإيمان، وقال: الرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف. وقال كارل يونج المحلل النفساني: " إن المرء المتدين حقاً لا يعاني قط مرضاً نفسياً " (١) وأشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الأزمة التي يعاني منها الأوربيون في العصر الحديث إنما ترجع في أساسها إلى الفقر الروحي ومن هذا يتضح لنا أن من أهم وسائل الطب النفسي وقايةً وعلاجاً هو تقوية الإيمان والعقيدة واليقين. أما العلاج النفسي الثاني في نظر الإِسلام فهو في الأذكار والأدعية المأثورة، والرقى الصحيحة المشروعة بالآيات القرآنية والأذكار والأدعية النبوية، وقد روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا لله رب العرش الكريم، لا إله إلاّ الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " فهذا ذكر نبوي مأثور لعلاج الإنسان من أزمته النفسية، وكشف همومه القلبية التي يعانيها، ثم هو بالاضافة إلى ذلك دعاء مستجاب لقضاء

стр. 1803

الحاجة التي تهم ذلك الإنسان، وتحقيقها له إن كانت خيراً، أو تعويضه بأحسن منها. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : " من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله " ولكن هذه الأدعية والأذكار لا تعمل عملها في علاج النفس وشفائها إلاّ إذا اقترنت بالعلم بمعناها، واليقين بجدواها ولا شك أن هناك بعض الأعمال كالميكروبات الضارة وهي المعاصي والذنوب، فمن أراد سلامة نفسه من الأمراض النفسية فليجنبها المعاصي والذنوب، ولهذا قال بعض السلف: من أراد عافية القلب فليترك الآثام. أما الطب البشري: فإن الإِسلام قد أثبته، ودعا إلى هذا الطب الذي يعتمد على علاج الجسم بالعقاقير المستخلصة من الأعشاب والمعادن وغيرها، ويدخل في ذلك الفيتامينات " وأشار النبي ﷺ إلى بعض الأدوية النافعة التي تعتبر أصولاً أساسية لجميع أنواع الأدوية الأخرى، فقال ﷺ : " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي " وإذا تصفحنا كتاب الطب من " صحيح البخاري " أو غيره من الصحاح نجد فيه أنواعاً من الأدوية النبوية المأثورة لعلاج الأبدان، فمن ذلك: العسل، والحجامة، والكي، وألبان الإِبل وأبوالها، والحمية، والحبة السوداء، والسعوط، والحجامة على الرأس من الشقيقة والصداع، والكحل بالإِثمد، والكمأة، ودواء ذات الجنب، وتجد فيه من الأدوية الروحية للجسم، رقية الحية والعقرب، والعين. ومن الأدوية الروحية للجسم والنفس معاً الرقية بالمعوذات، وفاتحة الكتاب، واستخراج السحر إلى غير ذلك. قال ابن القيم: وليس طبه ﷺ كطب الأطباء، فإن طب النبي متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس، أي تخمين وظنون وتجارب. ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقد الشفاء به، فهذا القرآن الذي هو شفاء الصدور إن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها. وقد عُني أئمة العلم والحديث

стр. 1804

٩٦٨ - " بَابُ مَا أنْزَلَ اللهُ دَاءً إلا أنزَلَ لَهُ شِفَاءً " ١١١٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إلَّا أنزلَ لَهُ شِفَاءً ". ــ من قديم الزمن بالطب النبوي، واهتم المحدثون برواية ما ورد عن النبي ﷺ من ذلك وجمعه وتدوينه، فهذا مالك في " الموطأ " وأصحاب الكتب الستة قد خصصوا في صحاحهم كتباً وأبواباً خاصة بالطب النبوي ومن علماء الإِسلام من ألف كتباً خاصة بالطب النبوي منهم أبو بكر ابن السني، وابن أبي عاصم الذي سمى كتابه " كتاب الطب والأعراض " وعلاء الدين الكمال المتوفى سنة ٧٢٠ هـ الذي ألف " كتاب الأحكام النبوية في الصناعات الطبية " وممن ألف في الطب النبوي الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعى المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ حيث ذكر في كتابه (زاد المعاد) بحثاً طويلاً في الطب النبوي، وقد أفرد بالطبع. ولا شك أن التداوي لا ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، لأن الدواء أيضاً من قدر الله، ويدل على ذلك ما روي عن أبي خزامة عن أبيه ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أرأيت رقى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً فقال: " هي من قدر الله " أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة وصححه الحاكم في مستدركه " ٩٦٨ - " باب ما أنزل الله من داء إلاّ أنزل له شفاء " ١١١٦ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " ما أنزل الله من داء " أي ما خلق داءً " إلاّ أنزل له شفاء " أي إلاّ خلق له دواء يشفيه بإذن الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى لم يوجد مرضاً من الأمراض الجسمية أو النفسية إلاّ أوجد له دواء يشفيه ويزيله إذا صادفه وأعطي المريض القدر المناسب في الوقت

стр. 1805

المناسب. وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله تعالى لم ينزل داء إلاّ أنزل له دواء، علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل، إلّا السام " قالوا: يا رسول الله وما السام؟ قال: " الموت " (١) أخرجه الحاكم والبزار. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن لكل داء سواء كان نفسياً أو جسمياً دواء يؤثر فيه ويقضي عليه ما عدا الموت كما قال عنترة: وَلَوْ عَرَفَ الطبيْبُ دَوَاءَ دَاءٍ ... يَرُدُّ المَوتَ مَا قَاسَى النِّزَاعا ولكن الطيب قد يصيب الدواء المناسب، ويهتدي إليه فينجح في معالجة الداء بإذن الله، وقد يخطأ الطيب في معرفة الدواء لجهله به، أو في تشخيص المرض فيفشل في العلاج، والحديث صريح في أنه ليس هناك أمراض مستعصية لا دواء لها، حتى هذه الأمراض المستعصية لها أدوية تؤثر فيها، وتقضي عليها، ولكن الأطباء لم يكتشفوها حتى الآن. وقد قال ﷺ : كما في حديث ابن مسعود ﵁: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله " أخرجه النسائي، وابن ماجة، والحاكم، وابن حبان والطبراني، ورجاله ثقات (٢)، قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، أقول: وبعض الأمراض لم تكتشف أدويتها (٣) حتى الآن، وقد دلت التجارب على صدق هذه القضية، فإن السل وبعض الأمراض الصدرية كانت تعد من الأمراض المستعصية، فلما اكتشف البنسلين أصبح من الأمراض العادية التي يسهل علاجها بإذن الله، سيما إذا كان في الدرجة الأولى أو الثانية. ثانياً: دل هذا الحديث على مشروعية العلاج، لأنه ﷺ أخبرنا بأن الذي خلق

стр. 1806

٩٦٩ - " بَابُ الشِّفَاءِ في ثَلاثٍ " ١١١٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " الشفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَل، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكِيَّةِ نَارٍ، وأنهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ " رَفَعَ الحَدِيثَ. ــ الداء خلق الدواء تنبيهاً لنا وإرشاداً وترغيباً في التداوي، وقد أمرنا ﷺ بذلك صراحة في قوله ﷺ : " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاء ". واستعمال الأدوية لا ينافي التوكل إذا اعتقد أنها تنفع بإذن الله وتقديره، وأنها لا تؤثر إلاّ بإرادته ، وفي هذه الأحاديث إثبات للطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس كما قاله الخطابي، ولو كان مكروهاً لما أمر النبي ﷺ بالتداوي في قوله ﷺ : " تداووا فإن الله لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاء .. فإن هذا الحديث لا يدل على جواز التداوي فقط، بل يدل على استحبابه أيضاً، لأن أقل مقتضيات الأمر الاستحباب، والله أعلم. ثالثاً: أن في هذا الحديث وأمثاله تقوية لنفس المرض، ومساعدة له على مكافحة المرض، وتشجيعاً له على مقاومة الداء، لأنه متى استشعرت نفسه أن لدائه دواء تعلق قلبه بالرجاء، وتفتحت له أبواب الأمل، وزال عنه اليأس والاكتئاب وهذه المشاعر في حدّ ذاتها كفيلة له بالشفاء بإذن الله لأن نفسية الإنسان متى قويت تغلبت على المرض وقهرته ومتى ضعفت تغلب عليها. الحديث: أخرجه النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ٩٦٩ - " باب الشفاء في ثلاث " ١١١٧ - معنى الحديث: قال الحافظ: أورد البخاري هذا الحديث موقوفاً، وآخره يشعر بأنه مرفوع، لقوله: " وأنهى أمتي عن الكي " وقد صرح

стр. 1807

برفعه في رواية سريح بن يونس عن النبي ﷺ أنه قال: " الشفاء في ثلاث " أي الشفاء يحصل بأحد ثلاثة أنواع من الأدوية، قال العيني: لم يرد النبي ﷺ الحصر في الثلاثة فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبّه بهذه الثلاثة على أصول العلاج. اهـ. واختلافها باختلاف طبيعة الأمراض من باردة إلى حارة إلى غير ذلك " شربة عسل " أي النوع الأول شربة العسل، إما وحده، أو مخلوطاً بالماء، أو مخلوطاً بالسوائل الأخرى، أو مركباً من غيره، لأنه شفاء، كما قال تعالى: (فيه [شفاء] للنّاس) " وشرطة محجم " أي والنوع الثاني من أنواع الأدوية " شرطة محجم " بكسر الميم، وفتح الجيم، وهو في الأصل الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة، ويراد بها هنا الآلة التي يشرط بها، ومعناه: أن النوع الثاني من الأدوية إخراج الدم الفاسد بواسطة الحجامة " وكية نار " أي والنوع الثالث: الكي بالنار " وأنهى أمتي عن الكي " لما فيه من إيذاء المريض وتعذيب بدنه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أفضل العلاجات والأدوية النافعة بإذن الله ثلاثة: الأول: العسل الذي أخبر الله تعالى عنه أنّه شفاء للناس، ولا يمنع بن اعتباره دواءً ناجحاً كونه يضر ببعض الأمراض الحارّة مثلاً، فإن العبرة بالغالب والنادر لا حكم له. ويكفي لاعتباره من أهم الأدوية ما ثبت علمياً أنه غني بالمعادن: مثل الحديد والكلسيوم، والصوديوم، والكبريت، والبوتاسيوم. والفوسفور، وله خاصية مبيدة للجراثيم، أما الفيتامينات التي يحتويها، وعلى رأسها الفيتامين (ث) فتساعد على تقوية الكلس في العظام، ولذا فهو مفيد جداً للأطفال إذ يساعد عظامهم على التصلب، ويثبت أسنانهم ويقيهم شر الكساح، وتقوس الساقين، ونخر الأسنان، ومن فوائده الطبية أنه ينظم حركة التنفس، وخاصة بالنسبة للمصابين بأمراض الصدر، كما أن له تأثيراً ملطفاً في حالات الجفاف، وصعوبة البلع والسعال. اهـ. كما أفاده الدكتور القباني في كتابه " الغذاء لا الدواء " وقال في " المعتمد " وهو نافع لأصحاب الأمزجة الباردة والشيوخ يقوي جوهر حرارتهم الغريزية ويولد فيهم

стр. 1808

دما جيداً لا سيما في الشتاء. وهو حار يابس يقوّي المعدة، ويلين الطبع، ويحد البصر، ويحفظ على البدن صحته أيام حياته ويزيد في شهوة الباه وينفع من الفالج والاسترخاء وتعجن به الأدوية فيحفظها. اهـ. وقال ابن جريج: قال الزهري: " عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ ". الثاني: الحجامة والفصد أيضاً، وذلك لعلاج الأمراض الدموية. قال ابن القيم: وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله ﷺ : " وشرطة معجم " فإن كان المرض حاراً عالجناه بإخراج الدم بالفصد، أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغاً للمادة، وتبريداً للمزاج، وإن كان بارداً عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : " احتجم وأعطى الحجام أجرة " أخرجه الشيخان. وقال ابن عباس: قال نبي الله ﷺ : " نعم العبد الحجام، يذهب الدم، ويُخِفُّ الصلب، ويجلو عن البصر " قال ابن القيم: وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " الحجامة في الرأس شفاء من سبع: الجنون، والجذام، والبرص، والنعاس ووجع الأضراس، والصداع، والظلمة يجدها في عينيه " أخرجه أبو نعيم (١)، وفي الحديث: " ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله ﷺ وجعاً في رأسه إلاّ قال: احتجم " أخرجه أبو داود. قال العيني: وعن ابن عمر بسند لا بأس به يرفعه: " الحجامة تزيد في الحفظ، وفي العقل، وتزيد الحافظ حفظاً " قال ابن سينا: والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان، والوجه والحلقوم، وقال ابن القيم: الحجامة في أسفل الصدر نافعة من دمامل الفخذ، وجربه، وبثوره، ومن النقرس، والبواسير، ومن حكة الظهر. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه، والأسنان، والأذنين والعينين والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده. قال أنس رضي

стр. 1809

الله عنه: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة وأحمد والحاكم، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: " كان رسول الله ﷺ يحتجم ثلاثاً، واحدة على كاهله، واثنين على الأخدعين " ويقول الدكتور عادل الأزهرى في تعليقه على " الطب النبوي ": الحجامات على نوعين، حجامات جافة، وحجامات رطبة، وتختلف الرطبة عن الجافة بالتشريط قبل وضع الحجامات، وتستعمل الجافة إلى الآن لتخفيف الآلام في العضلات، خصوصاً عضلات الظهر نتيجة إصابتها بالروماتزم، أما الحجامة الرطبة فتستعمل في بعض حالات هبوط القلب المصحوبة بارتشاح في الرئتين. وتعمل على ظهر القفص الصدري. أما الفصد فيستعمل الآن في حالات هبوط القلب الشديد المصحوب بزرقة في الشفتين، وعسر شديد في النفس، ويعمل الفصد بواسطة إبرة واسعة القناة، تدخل في وريد ذراع المريض وهذه العملية البسيطة أنقذت حياة كثير من مرضى هبوط القلب في الحالات الأخيرة. اهـ. واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا، فكرهها صاحب القانون، ابن سينا، وقال إنها تورث النسيان حقاً، كما قال سيدنا وصاحب شريعتنا محمد ﷺ ، فإن مؤخرة الدماغ موضع الحفظ والحجامة تذهبه وقد روى عن ابن سيرين أنه إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم لانحلال قوى جسده، قال الحافظ: وهو محمول على من لم يتعين حاجته إليها. اهـ. ومما يؤيد ذلك أن النبي ﷺ " احتجم بعد هجرته إلى المدينة " وكان قد تجاوز الخمسين من عمره فضلاً عن الأربعين. الثالث من أنواع الأدوية الكي: وذلك كما قال ابن القيم: لأن كل واحد من الأمراض المادية إما أن يكون حاداً فلا يحتاج إليه، وإما أن يكون مزمناً، وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي ثانياًً: دل هذا الحديث على أن الكي مكروهٌ أو خلاف الأولى لنهيه ﷺ عنه في قوله: " وأنهى أمتي عن الكي " وأقل مقتضيات النهي الكراهة. قال بعض أهل العلم: يكره الكي في حالتين: الأولى، أن يفعله من لا يحتاج

стр. 1810

٩٧٠ - " بَابُ الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأسِ " ١١١٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أنَّ النبي ﷺ احْتَجَمَ في رَأسِهِ ". ــ إليه في الحال خوفاً من حدوث داء في المستقبل فهذا الذي قيل فيه: " لم يتوكل من اكتوى " لأنّه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع. الثانية: أن لا يتعين الكي طريقاً للشفاء، بل يوجد دواء آخر يغني عنه، ويقوم مقامه، فهو في هذه الحالة مكروه أيضاً لما فيه من تعذيب الجسم، وتشويه الصورة، سيما إذا كان في الوجه أو الرأس أو اليدين. أما إذا تعين الكي وأصبح ضرورة لا بد منها، فإنه يجوز في هذه الحالة دون أي كراهة، لأن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً وكواه عليه (١) أخرجه مسلم، وابن ماجة وأحمد والحاكم، وفي الحديث: " أن رجلاً من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي ﷺ فكوي " أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة، والأولى تركه إذا لم يتعين، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه، وفضل تركه - عند عدم تعينه - مأخوذ من قوله ﷺ : " وما أحب أن أكتوي " وأيضاً من قوله ﷺ : " وأنهى أمتي عن الكي " والحاصل أن الكي جائز مباح بلا كراهة إذا تعين، ولم يوجد غيره يقوم مقامه ويغني عنه. الحديث: أخرجه أيضاً ابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٩٧٠ - " باب الحجامة على الرأس " ١١١٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث " أن رسول الله ﷺ احتجم في رأسه " أي في وسط رأسه، كما جاء

стр. 1811

٩٧١ - " بَابُ الْجُذَامَ " ١١١٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا عَدْوَى ولا طِيَرةٌ ولا هَامَةٌ، ــ في حديث عبد الله بن بحينة " أن رسول الله ﷺ احتجم بلحي جمل من طريق مكة وهو محرم في وسط رأسه " بفتح السين ويجوز تسكينها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من وسائل العلاج في الطب النبوي التداوي بالحجامة في الرأس خاصة، وفي رواية: " ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله ﷺ وجعاً في رأسه إلاّ قال: احتجم " أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " احتجم في رأسه ". ٩٧١ - " باب الجذام " ١١١٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يقول: " لا عدوى " ومعناه على أرجح الأقوال التي ذكرها الحافظ ابن حجر (١): أنه لا صحة لما كانت الجاهلية تعتقده من أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى، فأبطل النبي ﷺ اعتقاد ذلك ليعلموا أن المرض إنما ينتقل من جسم لآخر بإذن الله ومشيئته، فإذا أراد الله المرض للجسم الآخر انتقل إليه الميكروب من ذلك المريض، وحدثت العدوى، وإلا فلا، لأن الله خلق في الجسم مناعة وأوجد فيه كريات الدم البيضاء وهي تشكل أسلحة مضادة للميكروبات، وتقضي عليها، فإذا أراد الله سلامة الجسم من الميكروبات الوافدة إليه المعبر عنها في الحديث بالعدوى، سلّط الله عليها كريات الدم البيضاء (٢) فقضت عليها، وإذا أراد الله

стр. 1812

وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ". ــ إصابة الجسم بتلك الميكروبات المرضية ضعفت كريات الدم البيضاء عن مقاومتها، وتمكنت من الدخول إلى الجسم، وإصابته، فتحدث العدوى. " ولا طيرة " على وزن (عِنَبَة) بكَسر العين وفتح الياء. أي لا حقيقة للشؤم والنحس الذي كان العرب يعتقدونه في الجاهلية عندما تتوجه الطير شمالاً، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا عملاً أو سفراً زجروا الطير الذي يلاقونه، فإذا انصرف يميناً تفاءلوا، وإلا تشاءموا، ورجعوا عن ذلك العمل، اعتقاداً منهم أنّه شر، والمراد من الحديث نفي مطلق التشاؤم من أي شيء من الأشياء التي يتخيلها بعض الناس نحساً وشراً، كأن يسمع كلمة قبيحة فيكره الشيء الذي هو قادم عليه فينصرف عنه لمجرد وهم كاذب لا أساس له من الصحة. قال القاري: وقوله: " لا طيرة " نفي، معناه النهي، كقوله تعالى: (لا ريب فيه) أي لا تتشاءموا من شيء أبداً، وتعتقدوا فيه الشر والضرر لمجرد خيال كاذب لا أساس له من الصحة، فان ذلك لا يجوز ذرعاً ولا عقلاً .. " ولا هامة " بتخفيف الميم المفتوحة، ويقال له (البوم) وكانت العرب تزعم أن عظام الميت إذا بليت تصير هامة (١)، وتخرج من القبر، وتتردد، وتأتي بأخبار أهله. وقال النووي: إن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل، وقيل هي البومة، كانت إذا سقطت على دار أحدهم يراها ناعية له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. اهـ. فأبطل الله تعالى كل هذه الاعتقادات، ونهانا عنها. " ولا صفر " قال أبو داوود في سننه، قال بقيةُ، سألت محمد بن راشد عنه قال: كانوا يتشاءمون بدخول صفر، فقال النبي ﷺ : " لا صفر " ومعناه أن النبي ﷺ نهاهم عن التشاؤم بشهر صفر، لأنه شهر عادي كسائر الشهور الأخرى، ولا حقيقة لما يعتقدونه

стр. 1813

من الشر والنحس " وفر من المجذوم كما تفرُّ من الأسد " أي ابتعد عنه احتياطاً واحترازاً من العدوى، وطلباً للسلامة من الميكروب الذي قد ينتقل، إليك مصحوباً بذلك المرض الخبيث فإن الله قد ربط الأسباب بمسبباتها، وهو خالقها. وقد شبه النبي ﷺ تلك الميكروبات المرضية التي تنقل الجذام من المريض إلى السليم بالأسد لأنها تفترس الجسم الصحيح، وتقضي عليه كما يقضي الأسد على فريسته، ولعل هذا هو السر في تسمية هذا المرض الخطير بداء الأسد: قال ابن القيم: " الجذام علة رديئة (١) تحدث من انتشار المرة السوداء فتفسد مزاج الأعضاء وشكلها حتى تتآكل الأعضاء وتسقط، ويسمى داء الأسد، لكثرة ما يعتري الأسد، أو لأنه يفترس من يقربه ويدنو منه افتراس الأسد، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ في الحديث: " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ". ويقول الدكتور عادل الأزهري: وخطورة هذا المرض (٢) في إتلاف الأعصاب المتطرفة فيفقد المريض حساسية الأطراف أولاً، ثم تتساقط الأصابع تدريجياً، وهو من الأمراض المعدية التي تنتقل عدواها من النفس مع المخالطة الطويلة، ويعزل الآن جميع مرضى الجذام في مصحات خاصة لهم لمنع انتشار المرض. اهـ. ويتميّز عن (٣) الأمراض المعدية ببطء ظهور أعراضه، وطول فترة الإصابة به، وطول مدة علاجه، وكان يظن أنه ورائي، ثم تبيّن بعد انكشاف ميكروبه أنه مرض ميكروبي معدٍ ينتقل بالملامسة والمعاشرة، والخلطة الطويلة، وتخرج الميكروبات من جلد المريض مع إفرازات الأنف والحنجرة (٤) كما تنتقل العدوى عن طريق الملابس والفراش والأدوات، وتدخل إلى السليم عن طريق الجلد خصوصاً إذا كان به جروح، ثم تأخذ طريقها بواسطة الأوعية إلى الغدد اللمفاوية البلغمية

стр. 1814

فتكمن هناك لمدة تختلف من بضعة أشهر إلى سنوات حتى إذا ما ضعفت مقاومة الجسم الطبيعية إثر مرض عارض كالحميات أو الأمراض التناسلية ينشط الميكروب بعد خموله، ويتكاثر مبتدئاً بالأعصاب أولاً، ثم الجلد ثم الأغشية المخاطية. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات العدوى، ومعناها كما قال القاري: مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. أي سريان المرض وانتقاله من المريض إلى الصحيح عن طريق انتقال الميكروب من جسم لآخر في الأمراض الجرثومية من الجذام والبرص والسل. قال ابن القيم: ومقارب (١) المجذوم وصاحب السل يسقم برائحته، فالنبي ﷺ لكمال شفقته على الأمة، ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول الفساد إلى أجسامهم وقلوبهم. اهـ. والنبي ﷺ إذ يأمرنا بالفرار من المجذوم، فإنما يأمرنا بوجوب الحيطة وإبعاد السليم عن مواطن الخطر على ما جرت به العادة وقد وردت عنه ﷺ كثير من الإرشادات الطبية التي يوجهنا فيها إلى الطب الوقائي ومن ذلك نهيه ﷺ عن دخول الأرض الموبوءة. وقوله ﷺ : " لا يوردن ممرض على مصح " إلى غير ذلك. ثانياً: أن العدوى في الحقيقة من الأسباب الظاهرة التي لا تؤثر بطبعها، فإنه قد يتخلف حدوث المرض مع المخالطة، كما يشاهد ذلك كثيراً، وهذا دليل على أن الميكروب لا يؤثر في السليم بنفسه ولا يتمكن من الدخول إلى جسمه وإصابته إلاّ بإذن الله وهو معنى قوله ﷺ : لا عدوى، أي لا تحدث العدوى، ولا يؤثر الميكروب المرضي إلاّ بإرادة العزيز القدير، ولو كان مؤثراً بطبعه لما تخلف أحياناً، قال ابن القيم: " ولا ريب أنّه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد (٢) كامن لقبول الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانتقال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، لأنها نقالة، وقد تصل

стр. 1815

رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، فلا بد -في العدوى- من وجود استعداد البدن، وقبوله لذلك الداء، وإيضاح ذلك علمياً أن الله أودع في دم الإِنسان ما يسمى بالكرويات البيضاء - وهي على الحقيقة عديمة اللون، وجعل وظيفتها حماية الجسم من الميكروبات، ومحاربة أي ميكروب مرضي يحاول الدخول إلى الجسم البشري، فإذا وقعت الحرب بين الطرفين، وانتصرت الكرويات على الميكروب بمشيئة الله وإرادته لم تحدث العدوى وإن انتصر الميكروب عليها بإذن الله حدثت العدوى. والفاعل في كلتا الحالتين هو الله تعالى. قال في " فتح المجيد ": وأحسن ما قيل فيه قول البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم: أن قوله: " لا عدوى " على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بطعها وإلّا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال: " فر من المجذوم فرارك من الأسد " وقال: " لا يورد ممرض على مصح " وقال في الطاعون: " من سمع في أرض فلا يقدم عليه " وكل ذلك بتقدير الله. ثالثاً: مشروعية الطب الوقائي، واتخاذ أسباب السلامة من الجراثيم والميكروبات، والمحافظة على الصحة العامة، قال في " فتح المجيد " والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في النار مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر، فكذلك اجتناب مقاربة المريض، والقدوم على بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله سبحانه هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره، ولا مقدر غيره رابعاً: دل هذا الحديث على تحريم التشاؤم بجميع أنواعه وصوره، سواء كان تشاؤماً من المرئيات والمسموعات، كأن يرى الطير متوجهاً شمالاً، فيتشاءم من العمل الذي أقدم عليه، أو يسمع كلمة كريهة، فيترك الشيء الذي كان يريده، وهو التطير أو التشاؤم من مشاهدة بعض الطيور، ونزولها على بيته فيعتقد أنها نذير موته، أو موت أحد أقاربه، أو يتشاءم

стр. 1816

من بعض الشهور والليالي والأيام، وهو معنى قوله: " ولا صفر ". فإن التشاؤم بأي نوع من هذا أو غيره محرم شرعاً، لأن النبي ﷺ نهى عنه، قال ابن القيم في قوله: " ولا طيرة " يحتمل أن يكون نفياً أو نهياً، أي لا تطيروا (١)، ولكن قوله في الحديث: " لا عدوى ولا صفر ولا هامة " يدل على أن مراده النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت في الجاهلية. قلت: والنفي هنا يتضمن معنى النهي وزيادة لأنه يكون معناه: لا تعتقدوا هذه الاعتقادات الوهمية، لأن هذه الأشياء التي تعتقدونها باطلة لا وجود. لها في الواقع، ولا أساس لها من الصحة، والواجب على العبد المسلم إذا أحسّ بأي انفعال تشاؤمي أو تخيّل وقوع شر بسبب هذه الأشياء الوهمية كنعيق الغراب، أو صوت البوم، أو نبح الكلاب، أن لا يستسلم لذلك الشعور وأن يستعيذ بالله من الشيطان حتى يصرفه عنه ولا يصده ذلك عن العمل الذي يريده كما روي عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله ﷺ : ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم (٢) فقد أمرهم أن يأتوا الأعمال التي تشاءموا منها، ويفعلوها، ولا يمنعهم هذا الشعور عنها، وأرشدنا ﷺ إلى بعض الأدعية المأثورة لمكافحة التشاؤم، فقد روي عن عروة بن عامر (٣) قال: سئل رسول الله ﷺ عن الطيرة، فقال: أصدقها الفأل، وإذا رأيتم من الطير: شيئاً تكرهونه فقولوا: " اللهم لا يأتي بالحسنات إلاّ أنت، ولا يذهب بالسيئات إلاّ أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله " (٤)، فإن في هذا الدعاء البلسم الشافي من التشاؤم. ويدخل في التشاؤم، التشاؤم ببعض الأشهر والليالي والأيام، ومن ذلك التشاؤم بيوم الأربعاء وبشهر

стр. 1817

٩٧٢ - " بَابُ ما يُذْكَرُ في الطَّاعُون " ١١٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلى الشَّامِ، فلما كَانَ بِسَرْغَ، بَلَغَهُ أنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، فأخْبَرَهُ ــ شوال حيث كانوا يتشاءمون من النكاح فيه خاصة، وأمّا حديث يوم الأربعاء يوم نحس مستمر (١) فهو حديث ضعيف وحديث " آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر " فهو حديث موضوع كما قال ابن الجوزي وغيره. وأما النكاح في شوال فقد قالت عائشة ﵂: " تزوجني رسول الله ﷺ وبني بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تحب أن تدخل نساءها في شوال، وهذا خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. اهـ. الحديث: أخرجه أيضاً مسلم. والمطابقة: في قوله: " فر من المجذوم ". ٩٧٢ - " باب ما يذكر في الطاعون " وهو كما قال ابن سينا " مادة سامَّة تُحدث ورماً قتّالاً في المواضع الرخوة من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإِبط، أو خلف الأذن، وعند الأرنبة (٢). ١١٢٠ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عامر " أن عمر خرج إلى الشام " وذلك في ربيع الثاني سنة ثمان عشرة من الهجرة، وإنما خرج إليها يتفقد رعيته " فلما كان بِسرغ " بفتح السين وسكون الراء منصرفاً وغير منصرف، وهي قريبة في طريق الشام مما يلي الحجاز " بلغه أن الوباء " أي الطاعون " قد وقع بالشام " أي قد أصاب أهل الشام وانتشر فيهم " فأخبره عبد الرحمن بن عوف " بعد نقاش طويل دار بين عمر وبين من معه من الصحابة عندما أمرهم

стр. 1818

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إذَا سَمِعْتُمْ به بِأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وِإذَا وَقَعَ بِأرضٍ وَأنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْهُ ". ــ عمر بالعودة إلى المدينة فقال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إذا رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، فجاء بن عوف فقال: إن عندي أني هذا علماً وأخبره " أن رسول الله ﷺ قال: إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه " بفتح الدال، أي فلا تدخلوا تلك الأرض التي انتشر فيها ذلك الوباء وقاية لكم من الإِصابة بالعدوى، " وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه " أي فلا تنتقلوا منها إلى غيرها، وذلك لتطويق الوباء وحصره في البلاد التي وقع فيها، ومنع انتشاره وانتقال ميكروبه إلى البلاد الأخرى الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: خطورة الطاعون وكونه من الأمراض الخبيثة المعدية، وكان يسمى بالموت الأسود وتحصل الإصابة به بواسطة البرغوث حيث يتغذى من فأرٍ مصاب فيمتص دمه الملوث بالبكتيريا، فيلدغ الإِنسان ويقذف فيه من ذلك الدم فتنتشر البكتيريا في دمه ويصاب (١) بالطاعون. ثانياًً: إرشاد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى ما يسمّى في عصرنا هذا بالحجر الصحي حيث قال ﷺ : " فلا تقدموا عليه " وقال: " فلا تخرجوا منها " فمنع من دخول الأصحاء إلى أرض الوباء، ومنع من انتقال المصابين إلى الأرض السليمة " منه لتطويق المرض وحصره في نطاق محدود حرصاً

стр. 1819

١١٢١ - عنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الطَّاعُونُ شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم ". ٩٧٣ - " بَابُ الرُّقْيةِ مِنَ الْعَيْنِ " ١١٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " أَمرَ النبي ﷺ أن يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ ". ــ على سلامة الآخرين، وقد روى أبو داود أن فروة بن مُسَيْك قال: يا رسول الله أرض عندنا هي أرض ريفنا وميرتنا وإنها وبيئة فقال النبي ﷺ : دعها عنك، فإن من القرف التلف (١)، والقرف كما قال ابن قتيبة، مداناة الوباء والمرض، ومعناه أن النبي ﷺ منعه من دخولها، لأن في الاقتراب من الوباء ما يؤدي إلى العدوى بذلك المرض الخبيث الذي ربما كان سبباً في التلف والموت. والمطابقة: في قوله: " إذا سمعتم به -أي بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليها ". ١١٢١ - معنى الحديث: يقول رسول الله ﷺ " الطاعون شهادة لكل مسلم " أي أن في الإصابة بالطاعون ثواب عظيم يضاهي ثواب الشهادة، وأجرها لكل من يصاب به من المسلمين إذا صبر واحتسب ومكث في بلده. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على عظم أجر من ابتلي بالطاعون فصبر واحتسب ورضي بقضاء الله، ولم يخرج إلى بلد أخرى فله أجر الشهادة سواء مات به، أو سلم منه. والمطابقة: في قوله: " الطاعون شهادة ". ٩٧٣ - " باب الرقية من العين " ١١٢٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: "أمر النبي

стр. 1820

- ﷺ أن يسترقى من العين" أي أمرنا النبي ﷺ أن نطلب الرقية ممن يعرفها لمعالجة العين من الرمد وسائر أمراض العين الأخرى، أو يكون المراد به النفس الخبيثة (١)، والعين بهذا المعنى: قوة سميّة تنبعث من عين العائن فتصيب المعين بإذن الله، فتضره وتؤذيه، وقد تهلكه كما تنبعث من الأفعى تلك المادة السامة التي تهلك من أصابته. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن تأثير العين وإصابتها للمعين -بإذن الله تعالى- حق لا شك فيه، وسببها استحسان الناظر للشيء. ثانياًً: مشروعية رقية المصاب بالعين بالآيات والأذكار والأدعية المأثورة، ومن ذلك قراءة المعوّذات، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والتعاويذ النبوية يقول: " بسم الله، اللهم أذهب حرها وبردها ووصبها " أخرجه النسائي والحاكم في " المستدرك " والوصب بفتح الواو والصاد: دوام الوجع ولزومه، ثم يقول بعد هذه الرقية: قم بإذن الله. وإن كانت دابة نفث في منخرها الأيمن، وفي الأيسر ثلاثاً وقال: لا بأس أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلاّ أنت. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه موقوفاً على ابن مسعود ﵁. ومن رأى شيئاً فاستحسنه، وخاف أن يصاب منه بالعين، وأراد أن يقيه من شر عينه فليدع له بالبركة، لحديث حزام بن حكيم بن حزام (٢) قال: كان النبي ﷺ إذا خاف أن يصيب شيئاً بعينه قال: " اللهم بارك فيه ولا تضره " أخرجه ابن السني، أو فليقل: ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله، فقد روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة من

стр. 1821

أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، فيرى فيه آفة دون الموت" أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي (١)، وفي رواية عن أنس: " من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله لم يضره " أخرجه ابن السني (٢). والحاصل: أنه من خاف على نفسه قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك " لي في كذا، ويذكر اسم الشيء الذي خاف عليه، وإن خاف على غيره قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك له في كذا ويذكر اسم الشيء الذي يخاف عليه. ثالثاً: دل هذا الحديث على مشروعية رقية العين المريضة، لقولها ﵂: " أمر النبي ﷺ أن نسترقي من العين " فإنه يحتمل أنه ﷺ أمر أمته برقية العين المصابة بالرمد، وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال لامرأته زينب، وقد اشتكت عينها: " لو فعلت كما فعل رسول الله ﷺ كان خيراً لك تنضحين في عينك الماء ثم تقولين: أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلاّ شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: " أمر النبي ﷺ أن نسترقي من العين ". ...

стр. 1822

٩٧٤ - " بَابُ رُقْيةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ " ١١٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " رَخَّصَ النبي ﷺ الرُّقْيَةَ من كُلِّ ذِي حُمَةٍ ". ــ ٩٧٤ - " باب رقية الحية والعقرب " ١١٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " رخص النبي ﷺ " يعني أذن لأمته " الرقية من كل ذي حُمَة " بضم الحاء وفتح الميم المخففة، أي أذن ﷺ لأمته في معالجة لدغة الحية والعقرب وغيرهما من الحشرات السامة بالرقية الشرعية المأثورة عن النبي ﷺ . فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز رقية الملدوغ بالعقرب أو الحية بالرُّقية المأثورة عن النبي ﷺ ، وهي أن يقرأ عليه الفاتحة، وينفث عليه كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ثم إن الرقية من العقرب والحية وغيرها من ذوات السموم نوعان: علاجية تنفع من الداء بعد حصوله كالفاتحة مثلاً وكالمعوذات (١)، ووقائية: تحفظ صاحبها من الإصابة بهذه الحشرات السامة كما في حديث أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال: " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك " أخرجه مسلم وأحمد. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ رخص في الرقية من كل ذي حُمَة - أي من كل حية وعقرب. ...

стр. 1823

٩٧٥ - "بَابُ رُقْيةِ النَّبِيِّ ﷺ -" ١١٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلمَرِيضِ: " بِسْمِ اللهِ تربَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا ". ــ ٩٧٥ - " باب رقية النبي ﷺ " ١١٢٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: بسم الله إلخ " أي كان ﷺ يأخذ من ريقه على السبابة، ثم يضعها على التراب، فَيَعْلَق بها شيء منه، فيمسح به الموضع العليل، أو الجريح قائلاً: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفي سقيمنا، بإذن ربنا " " تربة أرضنا " خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه تربة أرضنا " بريقة بعضنا " أي فيها أو عليها شيء من ريقنا المقترن باسم الله تعالى " يشفي سقيمنا بإذن ربنا " أي يشفي مريضنا بهذه الرقية المباركة بإذن الله ومشيئته. فقه الحديث: قال القرطبي: في الحديث دليل على جواز الرقية من كل الآلام، ووضع النبي ﷺ سبابته بالأرض، يدل على استحباب ذلك عند الرقية، فلعله لخاصية في ذلك. قال ابن القيم ﵀: وهل المراد بقوله " تربة أرضنا " جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة، فيه قولان، قال ابن القيم: " ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينتفع بخاصيته من أدواء كثيرة، وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله ﷺ ، واقترنت باسم ربه، وتفويض الأمر إليه، اهـ كما في " الطب النبوي ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في كون النبي ﷺ كان يرقي المريض بهذه الرقية والله أعلم.

стр. 1824

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب اللِّباس " وهو من النعم التي أنعم الله بها على عباده فقال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). وأما حكمه فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو حرام، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح. فالواجب: كما قال ابن جُزَيّ ما يستر العورة، ويقي الحر والبرد، ويستدفع به الضرر في الحرب وغيرها. فعن حكيم بن حزام عن أبيه قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، قال: " احفظ عورتك إلَّا من زوجتك " فتهلت فإن كنت خالياً؟ قال: " فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه " قال ابن قدامة: ويكفي ثوب واحد، وبعضه على عاتقه. والمندوب كالرداء في الصلاة، والتجمل بالثياب في الجمعة والعيدين. والحرام كما قال ابن قدامة نوعان: أحدهما: ما يحرم على الرجال والنساء معاً، وهو النجس والمغصوب وما هو من ألبسة المشركين خاصة حتى صارت سمة لهم كالبُرْنَيْطَة (١) وهل تصح الصلاة في المغصوب على روايتين إحداهما لا تصح، والثانية تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن التحريم لا يخص الصلاة، وثانيهما: ما يحرم على الرجال خاصة، وهو الحرير والمنسوج بالذهب والمموّه به، وهو حرام لبسه عليهم وافتراشه في الصلاة وغيرها. قال ابن عبد البر: هذا إجماع، وكذلك يحرم على الرجال لبس ثياب تشبه ثياب النساء، لقول رسول الله ﷺ : " لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال ". والمكروه كما قال ابن جزيّ: هو التلثم وتغطية الأنف في الصلاة

стр. 1825

٩٧٦ - " بَابُ مَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُو في النَّارِ " ١١٢٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " ما أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفي النَّارِ ". ٩٧٧ - " بَابُ الثيابِ البِيضِ " ١١٢٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: ــ ولباس زى الأعاجم ولباس ما فيه شهرة كلباس الصوف - أي الصوف الخشن. والمباح ما عدا ذلك. ٩٧٦ - " باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار " ١١٢٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يحذر أمته من تطويل الثياب تفاخراً فيقول " ما أسفل من الكعبين ففي النار " أي كل ما طال من الثياب حتى تجاوز الكعبين تفاخراً فصاحبه في نار جهنم يوم القيامة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم إسبال الإزار وإطالته حتى يتجاوز الكعبين تكبراً ومباهاة، لأن هذا الوعيد الشديد بالنار يدل على أنه معصية محرمة، أما إذا كان الإِسبال لغير التكبر والمباهاة، فلا يدخل في هذا الوعيد، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " فقال أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ : " لست ممن يصنعه خيلاء " أخرجه البخاري. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٩٧٧ - " باب الثياب البيض " ١١٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ في
следующие страницы →