← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، فيرى فيه آفة دون الموت" أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي (١)، وفي رواية عن أنس: " من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله لم يضره " أخرجه ابن السني (٢). والحاصل: أنه من خاف على نفسه قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك " لي في كذا، ويذكر اسم الشيء الذي خاف عليه، وإن خاف على غيره قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك له في كذا ويذكر اسم الشيء الذي يخاف عليه. ثالثاً: دل هذا الحديث على مشروعية رقية العين المريضة، لقولها ﵂: " أمر النبي ﷺ أن نسترقي من العين " فإنه يحتمل أنه ﷺ أمر أمته برقية العين المصابة بالرمد، وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال لامرأته زينب، وقد اشتكت عينها: " لو فعلت كما فعل رسول الله ﷺ كان خيراً لك تنضحين في عينك الماء ثم تقولين: أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلاّ شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: " أمر النبي ﷺ أن نسترقي من العين ". ...

стр. 1822

٩٧٤ - " بَابُ رُقْيةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ " ١١٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " رَخَّصَ النبي ﷺ الرُّقْيَةَ من كُلِّ ذِي حُمَةٍ ". ــ ٩٧٤ - " باب رقية الحية والعقرب " ١١٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " رخص النبي ﷺ " يعني أذن لأمته " الرقية من كل ذي حُمَة " بضم الحاء وفتح الميم المخففة، أي أذن ﷺ لأمته في معالجة لدغة الحية والعقرب وغيرهما من الحشرات السامة بالرقية الشرعية المأثورة عن النبي ﷺ . فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز رقية الملدوغ بالعقرب أو الحية بالرُّقية المأثورة عن النبي ﷺ ، وهي أن يقرأ عليه الفاتحة، وينفث عليه كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ثم إن الرقية من العقرب والحية وغيرها من ذوات السموم نوعان: علاجية تنفع من الداء بعد حصوله كالفاتحة مثلاً وكالمعوذات (١)، ووقائية: تحفظ صاحبها من الإصابة بهذه الحشرات السامة كما في حديث أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال: " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك " أخرجه مسلم وأحمد. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ رخص في الرقية من كل ذي حُمَة - أي من كل حية وعقرب. ...

стр. 1823

٩٧٥ - "بَابُ رُقْيةِ النَّبِيِّ ﷺ -" ١١٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلمَرِيضِ: " بِسْمِ اللهِ تربَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا ". ــ ٩٧٥ - " باب رقية النبي ﷺ " ١١٢٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: بسم الله إلخ " أي كان ﷺ يأخذ من ريقه على السبابة، ثم يضعها على التراب، فَيَعْلَق بها شيء منه، فيمسح به الموضع العليل، أو الجريح قائلاً: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفي سقيمنا، بإذن ربنا " " تربة أرضنا " خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه تربة أرضنا " بريقة بعضنا " أي فيها أو عليها شيء من ريقنا المقترن باسم الله تعالى " يشفي سقيمنا بإذن ربنا " أي يشفي مريضنا بهذه الرقية المباركة بإذن الله ومشيئته. فقه الحديث: قال القرطبي: في الحديث دليل على جواز الرقية من كل الآلام، ووضع النبي ﷺ سبابته بالأرض، يدل على استحباب ذلك عند الرقية، فلعله لخاصية في ذلك. قال ابن القيم ﵀: وهل المراد بقوله " تربة أرضنا " جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة، فيه قولان، قال ابن القيم: " ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينتفع بخاصيته من أدواء كثيرة، وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله ﷺ ، واقترنت باسم ربه، وتفويض الأمر إليه، اهـ كما في " الطب النبوي ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في كون النبي ﷺ كان يرقي المريض بهذه الرقية والله أعلم.

стр. 1824

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب اللِّباس " وهو من النعم التي أنعم الله بها على عباده فقال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). وأما حكمه فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو حرام، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح. فالواجب: كما قال ابن جُزَيّ ما يستر العورة، ويقي الحر والبرد، ويستدفع به الضرر في الحرب وغيرها. فعن حكيم بن حزام عن أبيه قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، قال: " احفظ عورتك إلَّا من زوجتك " فتهلت فإن كنت خالياً؟ قال: " فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه " قال ابن قدامة: ويكفي ثوب واحد، وبعضه على عاتقه. والمندوب كالرداء في الصلاة، والتجمل بالثياب في الجمعة والعيدين. والحرام كما قال ابن قدامة نوعان: أحدهما: ما يحرم على الرجال والنساء معاً، وهو النجس والمغصوب وما هو من ألبسة المشركين خاصة حتى صارت سمة لهم كالبُرْنَيْطَة (١) وهل تصح الصلاة في المغصوب على روايتين إحداهما لا تصح، والثانية تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن التحريم لا يخص الصلاة، وثانيهما: ما يحرم على الرجال خاصة، وهو الحرير والمنسوج بالذهب والمموّه به، وهو حرام لبسه عليهم وافتراشه في الصلاة وغيرها. قال ابن عبد البر: هذا إجماع، وكذلك يحرم على الرجال لبس ثياب تشبه ثياب النساء، لقول رسول الله ﷺ : " لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال ". والمكروه كما قال ابن جزيّ: هو التلثم وتغطية الأنف في الصلاة

стр. 1825

٩٧٦ - " بَابُ مَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُو في النَّارِ " ١١٢٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النبي ﷺ قَالَ: " ما أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفي النَّارِ ". ٩٧٧ - " بَابُ الثيابِ البِيضِ " ١١٢٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: ــ ولباس زى الأعاجم ولباس ما فيه شهرة كلباس الصوف - أي الصوف الخشن. والمباح ما عدا ذلك. ٩٧٦ - " باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار " ١١٢٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يحذر أمته من تطويل الثياب تفاخراً فيقول " ما أسفل من الكعبين ففي النار " أي كل ما طال من الثياب حتى تجاوز الكعبين تفاخراً فصاحبه في نار جهنم يوم القيامة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم إسبال الإزار وإطالته حتى يتجاوز الكعبين تكبراً ومباهاة، لأن هذا الوعيد الشديد بالنار يدل على أنه معصية محرمة، أما إذا كان الإِسبال لغير التكبر والمباهاة، فلا يدخل في هذا الوعيد، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " فقال أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ : " لست ممن يصنعه خيلاء " أخرجه البخاري. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٩٧٧ - " باب الثياب البيض " ١١٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ في

стр. 1826

" رَأيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ ". ــ حديثه هذا، أنه رأي يوم أحد عن يمين النبي ﷺ ويساره رجلين عليهما ثياب بيض، لم يسبق له أن رآهما قبل ذلك اليوم، ولم يرهما بعد ذلك اليوم، قال بعض أهل العلم: هما جبريل وميكائيل، ولبسا الثياب البيض لأنّها أحب الثياب إلى نبينا ﷺ . فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب لبس الثياب البيض لكونها من سنته، ومن أحب الثياب إلي نفسه الشريفة، حتى أن الملكين جبريل وميكائيل ارتديا الثياب البيضاء يوم أُحُد لعلمهما أن أحب الألوان إلى نبينا ﷺ البياض، وفي رواية: " البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم " أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم أيضاً، قالوا: وإنما رغب النبي ﷺ في لبس الثياب البيضاء أو البيض ووصفها بأنّها " أطيب " لدلالتها غالباً على التواضع، وعدم (١) الكبر والخيلاء والعجب. أما سبب كونها " أطهر " فلأنها كما قال العيني: أكثر تأثراً من الثياب الملونة، فتغسل أكثر من غيرها، وتَطْهُر أكثر من سواها، وقد تقع في الثياب المصبوغة نجاسة فلا تُرى، أما الثياب البيض فإنها تكشف ما عليها، وفي البياض إشعار بطهارة الباطن من الغش والحقد والعداوة والبغضاء وسائر الأخلاق الذميمة الدنيئة. وفيها تذكير للحي بثوبه الأخير الذي يخرج به من الدنيا، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الملكين لبسا الثياب البيض لمحبته ﷺ لها.

стр. 1827

٩٧٨ - " بَابُ لُبْسِ الْحَرِير وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ " ١١٢٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: " مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنيا فَلَنْ يَلْبَسَهُ في الآخِرَةِ ". ــ ٩٧٨ - " باب لبس الحرير وافتراشه للرجال " ١١٢٧ - معنى الحديث: أن من لبس الحرير الخالص في الدنيا لغير عذر حُرِم منه يوم القيامة، إما لحرمانه من الجنة، إن كان مستحِلاً لذلك، أو لأنه يدخل الجنة، ولكنه يحرم منه فيها، وقال الحافظ السيوطي: تأويل الأكثرين هو أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الفائزين، ويؤيده ما رواه أحمد عن جويرية: " من لبس الحرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوباً من نار " (١). فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم لبس الحرير الخالص للرجال لغير عذر شرعي من جرب أو نحوه، وهو مذهب الجمهور، وكذلك يحرم افتراشه عندهم، وقال أبو حنيفة: لا بأس بافتراش الحرير والديباج والنوم عليهما، وكذا الوسائد والبسط والستور من الديباج والحرير إذا لم يكن فيها تماثيل. وقال أبو يوسف ومحمد: جميع ذلك لا يجوز، والدليل على تحريم افتراش الحرير والديباج حديث حذيفة ﵁ قال: " نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الفضة والذهب، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه " متفق عليه، فالنهي في الحديث محمول على التحريم عند الجمهور، وعلى التنزيه (٢) عند أبي حنيفة وهو مذهب بعض الشافعية وابن الماجشون من

стр. 1828

٩٧٩ - " بَابُ تقْلِيمِ الأظْفَارِ " ١١٢٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مِنَ الفِطرةِ حَلْقُ الْعَانَةِ، وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ". ــ المالكية، وخطاب الذكور لا يتناول المؤنث على الراجح، والقول بمنع افتراش الحرير للنساء هو قول بعض الشافعية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: قال العيني: مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنّه يوضحها. ٩٧٩ - " باب تقليم الأظفار " ١١٢٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يرغبنا في بعض الأعمال التي تتعلق بالنظافة البدنية، والتي لا تتحقق إلَّا بها، فيقول: " من الفطرة " أي من سنة نبينا ﷺ وسنن الأنبياء من قبله " حلق العانة " (١) أي إزالة الشعر الذي فوق الذكر وحواليه والشعر الذي حوالي فرج المرأة، " وتقليم الأظفار " أي إزالة ما طال وتجاوز رؤوس الأصابع، " وقص الشارب " أي والسنة الثالثة " قص الشارب " قال الحافظ، والمراد به ها هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، وقد رواه أبو هريرة بلفظ " تقصير الشارب " وهذا يدل على أن المطلوب هو القص منه حتى يقصر لا إِزالته بالكلية. اهـ. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن حلق العانة، لأنه ﷺ ذكره في هذا الحديث ضمن سنن الفطرة، قال ابن العربي: وشعر العانة أولى الشعر بالإِزالة، لأنه يكثف ويتلبد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإِبط، قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع، وكذا قال الفاكهي في "شرح

стр. 1829

العمدة" وقال أبو شامة: ويستحب إماطة الشعر عن القبل والدبر، بل هو من الدبر أولى خوفاً من أن يعلق بشيء من الغائط، فلا يزيله المستنجى إلَّا بالماء. قال النووي: وذكر الحلق لكونه هو الأغلب، وإلَّا فيجوز الإِزالة بالنورة والنتف وغيرهما، وقال ابن دقيق العيد: والأولى في العانة الحلق، بخلاف الإِبط، فإنه بالعكس. ثانياًً: أنه يسن تقليم الأظافر، وذلك لأنّ الوسخ يجتمع تحتها فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، قال الحافظ: ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، قال النفراوي في شرح " الرسالة ": قص الأظفار سنة للرجل والمرأة إلَّا في زمن الإِحرام، وأفضل زمن قصها الجمعة لطلبه كل يوم جمعة، ويكون بالمقص أو بالسكين لكراهته بالأسنان، ولأنه يورث المرض، ولا يتعين إصبع للبداءة به، كما لا يتعين زمن القص فيه. ثالثاً: أنه يسن قص الشارب، وفيه دليل لما ذهب إليه مالك ﵀ من أن المسنون هو قصهُ لا حلقهُ، ولا إزالته بالكلية، قال في " الرسالة ": ومن الفطرة خمسٌ، قص الشارب، وهو طرف الشعر المستدير على الشَّفة لا إحفاؤه، يعني أن المستحب هو قص طرف الشعر النازل على الشفة، لا جز الشارب واستئصاله. قال يحيى في " الموطأ ": سمعت مالكاً يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإِطار، ولا يجزّه فيمثل بنفسه، وقال أبو حنيفة (١) " وأحمد: هو السنة التمسك برواية: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " وأخذ مالك بخبر قُصّوا الشوارب، وجمع بعض العلماء بين الخبرين بأن يقص من أعلاه، ويحلق من طرفه للجمع بين الحديثين المتعارضين، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإِحفاء أفضل من التقصير، وقال أشهب: سألت مالكاً عمّن يحفي شاربه، فقال: أرى أن يوجع ضرباً، ومعنى الحف الذي ينكره مالك ﵀، أن يستأصل الشعر، ويحلق، ويجز

стр. 1830

حتى يبلغ الجلد، ويرى ما إك أن المستحبَّ هو أن يقص طرف الشعر المستدير على الشفة العليا، أما الحلق، فإنه مُثْلَةٌ لا تجوز، والحاصل أنه اختلف الفقهاء فيما يسن في الشارب، هل هو التقصير أو الحلق والإحفاء؟ فذهب مالك إلى الأول عملاً بحديث الباب، وبه فسر بقية الأحاديث الأخرى. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن السنة هي حلق، الشارب وإحفاؤه كما تقدم، قال ابن القيم في " زاد المعاد ": أما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت الإِمام أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديداً، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يحفي كما قال النبي ﷺ " أحفوا الشوارب "، قال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجل يأخذ من شاربه أو يحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إِن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصاً فلا بأس. اهـ. أما الشافعي ﵀ فقد قال النووي: المختار في الشارب أن يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله، وصرح في " شرح المهذب " أن هذا مذهبنا، وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك شيئاً منصوصاً، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلَّا عنه. اهـ. تتمة وتكملة: اقتصر في هذا الحديث على هذه السنن الثلاث، وزاد في رواية أبي هريرة خصلتين أخريين: أولاهما: نتف الإبط (بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو المشهور)، قال الحافظ ويتأدى أَصل السنة بالحلق، لا سيما لمن يؤلمه النتف، ويستحب البداية باليد اليمنى وهو سنة للرجال والنساء، والنتف أحسن من الحلق. وثانيهما الختان: قال ابن أبي زيد في " الرسالة ": والختان للرجال سنة، يعني سنة مؤكدة في حق الصغير والكبير، قال النفراوي: والزمن المستحب فعله فيه عند أمره بالصلاة ويكره ختنه يوم السابع، وروى ابن حبيب، عدم جواز إمامة وشهادة تاركه عمداً أو اختياراً، وإذا أسلم شيخ كبيرٌ سُنَّ ختنه إلَّا أنْ يَكون يحصل له ضرر، فيرخص له تركه، وقال الباجي: الاختتان عند مالك وأبي حنيفة من السنن كقص الأظفار، وحلق العانة، وقال الشافعي: هو واجب، وهو مقتضى قول سحنون، واستدل

стр. 1831

٩٨٠ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبَ " ١١٢٩ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: " كَانَ النبي ﷺ لا يَرُدُّ الطِّيبَ ". ٩٨١ - "بَابُ عَذَابِ المُصَوِّرِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ " ١١٣٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: ــ القاضي أبو محمد على نفي وجوبه بأن النبي ﷺ قرنه بقص الشارب، ولا خلاف أن هذه ليست بواجبة، والله أعلم. الحديث: أخرجه الخمسة. والطابقة: في قوله: " تقليم الأظفار ". ٩٨٠ - " باب من لم يرد الطيب " ١١٢٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يقبل الطيب الذي يهدى إليه ليُسْره، وقلة مؤونته على صاحبه، ولأنه ﷺ كان يحب الطيب، وكل الروائح العطرية. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة قبول الطيب، وعدم رده على صاحبه، لأنه من الأشياء المفضلة المحببة إلى نفس النبي ﷺ ، ولأنه ﷺ كان لا يرده، فيستحب الاقتداء به ﷺ في ذلك، عملاً بحديث الباب. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل " أخرجه أبو داود والنسائي. الحديث: أخرجه الشيخان وابن حبان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ٩٨١ - " باب عذاب المصورين يوم القيامة " ١١٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "إن أشد الناس عذاباً

стр. 1832

سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أشَدَّ النَّاس عَذَاباً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ ". ــ عند الله" أي في حكم الله تعالى " يوم القيامة المصورون " والمعنى: أن هؤلاء الذين يصنعون الصور لذوات الأرواح من الإنسان والحيوانات هم من أشد الناس عذاباً يوم القيامة سواء كانت من التماثيل المجسّمة أو كانت رسماً باليد على الورق أو القماش والخشب، أو كانت صورة فوتوغرافية لعموم الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: كما قال العيني ظاهرة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم، وأنه من كبائر الذنواب، سواء كان تصويراً مجسماً أو رسماً على الورق والقماش أو صورة فتوغرافية، لعموم الحديث. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أعلم. ***

стр. 1833

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتابُ الأدَبِ " ٩٨٢ - " بَابُ مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ " ١١٣١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُل إلى رَسُولَ اللهَ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ مَنْ أحَقُّ النَّاسِ ــ " كتاب الأَدَبِ " الأدب نوعان: أدب فني، وأدب نفسي؛ فالأدب الفني أو الدراسي هو الأخذ من كل فن بطرف أو الإِجادة في فني النظم والنثر. والأدب النفسي الأخلاقي هو الأخذ بالسلوك الفاضل، والالتزام بمكارم الأخلاق، واجتناب مساوئها وفق تعاليم الشريعة الإِسلامية، فإن المقصود بقوله " كتاب الأدب " الأخذ بكل ما يتلاءم مع السلوك الحسن من الأقوال والأفعال حسب تعاليم الشريعة، سواء في ذلك ما يتعلق بمعاملة الأبوين والأقارب والأطفال والجيران والخدم والأصدقاء والإِخوان، أو بمحاسن الأفعال من الإِحسان إلى الناس، والشفاعة لهم، وحفظ اللسان، والنصيحة لهم، والصدقة على فقرائهم، وتشميت العاطس، أو يتعلق بالصفات الحميدة، كالرحمة، والرفق، والصدق، والحلم، والحياء، والتواضع، والصبر، ولين الجانب، وضبط النفس عند الغضب، إلى غير ذلك من الآداب، وفي صحيح البخاري نماذج عليا لأخلاقيات الإِسلام وآداب السلوك في شريعة نبيّنا ﵊. ٩٨٢ - " باب من أحق الناس بحسن الصحبة " ١١٣١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ "جاء رجل

стр. 1834

بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: " أمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أمُّكَ " قَال: ثُمَ مَنْ؟ قَالَ: " أمُّكَ " قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ أبوكَ ". ــ إلى رسول الله ﷺ " ويحتمل أن يكون هذا الرجل هو معاوية بن حيدة لما جاء في حديث يحيى بن سعيد عن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدّي - يعني معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله من أبَرُّ؟ قال: أمك، إلخ الحديث، والمعنى واحد، إلَّا أنه قال هنا: " فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ " أي منْ أولى الناس بالإحسان إليه والبر به في مصاحبتي له " قال: أمك " أي أولى الناس بحسن المعاملة وطيب المعاشرة الأم " قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ؟ قَال: أمُّك " وهكذا أوصاه بالأم وأكد حقها في حسن المعاملة ثلاث مرات بياناً لفضلها على سائر الأقارب دون استثناء " قال: ثم من؟ قال: أبوك " فكرر حق الأم ثلالاً، وذكر حق الأب مرة واحدة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أعظم الحقوق الاجتماعية بِرُّ الوالدين، فإنه يأتي في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله تعالى، ولهذا جمع الله تعالى بين الأمر بالتوحيد وبر الوالدين، في آية واحدة، فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) لأن الله هو السبب الحقيقي لوجود الإنسان، والأبوان هما السبب الظاهري لوجوده، لكن حق الأم أعظم من حق الأب كثيراً، لكثرة أفضالها على ولدها، وكثرة ما تحملته من المتاعب الجسمية والنفسية أثناء حملها به، ووضعها وإرضاعها له، وخدمتها وشفقتها عليه كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لهذا كرر النبي ﷺ الوصية بها ثلاث مرات، وذكر حق الأب مرة واحدة، لأن الجزاء من جنس العمل، فالتثليث في مقابلة ثلاثة

стр. 1835

٩٨٣ - " بَابٌ لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمكافِىء " ١١٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِىء، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلهَا ". ــ أشياء مختصة بالأم، وهي تعب الحمل، والوضع، والرضاع. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة. ٩٨٣ - " باب ليس الواصل بالمكافىء " ١١٣٢ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " ليس الواصل بالمكافىء " أي ليس الإِنسان الكامل في صلة الرحم والإِحسان إلى الأقارب هو الشخص الذي يقابل الإِحسان بالإِحسان " ولكن الواصل " أي ولكن الإِنسان الكامل في صلة الرحم هو " الذي إذا قطعت رحمه وصلها " أي إذا أساء إليه أقاربه أحسن إليهم ووصلهم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الآداب الشرعية، والحقوق الاجتماعية التي فرضها الإِسلام صلة الرحم، وهم الأقارب الذين بينك وبينهم نسب، ومعنى صلتهم، الإِحسان إليهم بكل ما تقدر عليه من وجوه الإِحسان، قال ابن أبي جمرة (١): تكون صلة الرحم بالمال، والعون على الحاجة، ورفع الضرر، وطلاقة الوجه والدعاء لهم، والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وقد أكد الإِسلام كثيراً على صلة الرحم، ففي الحديث عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت

стр. 1836

٩٨٤ - " بَاب رُحْمَةِ الوَلَدِ وَتقْبِيلهِ وَمُعَانقَتِهِ " ١١٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصبيَانَ! فما نُقَبِّلُهُمْ؟ فَقَالَ النبي ﷺ : " أو أمِلكُ لَكَ إِنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ". ــ الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتُّه" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والمعنى كما قال الحافظ (١): " أن الرحم أثر من آثار الرحمة، مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله، والله أعلم. ثانياً: دل هذا الحديث على أن الصلة إذا كانت نظير مكافأة من الطرف الآخر لا تكون صلة كامل، لأنها من باب تبادل المنافع، وهذا مما يستوي فيه الأقارب والأباعد. ثالثاً: أنه يستحب في معاملة الأقارب مقابلة الإِساءة بالإحسان، وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله إنّ في قرابة أَصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: " لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفُّهم الملُّ، ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " أخرجه مسلم، والمل: الرماد الحار. الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي. والمطابقة: كون الترجمة من لفظ الحديث. ٩٨٤ - " باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته " ١١٣٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " جاء أعرابي " قال العيني: ويحتمل أن يكون هو عيينة بن حصن " فقال: أتقبلون الصبيان؟ " الهمزة للاستفهام الإِنكاري أو التعجبي، ومعنى ذلك أنه عجب

стр. 1837

٩٨٥ - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ " ١١٣٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ". ــ واستغرب من تقبيل الرسول ﷺ وأصحابه لأطفالهم " فما نقبلهم " لأنّهم يتكبرون ويتعاظمون ويحتقرون الصبيان. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال " من لا يرحم لا يُرحَم " " أوَ أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة " أي ماذا أصنع إذا كان الله قد نزع من قلبك عاطفة الرحمة؟ فهل أملك أن أعيدها إليك؟. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية معانقة الأطفال وتقبيلهم، وكونه سنة مستحبّة. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجه. والمطابقة: في كونه يدل على أن النبي ﷺ كان يقبل أولاده (١). ٩٨٥ - " باب ما يُكره من النميمة " ١١٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يدخل الجنة قتات " على وزن فَعّال بالتشديد، من قتّ الحديث يقتّه قتّاً: إذا تسمّع إلى حديث شخص فنقله إلى غيره بقصد الإِفساد بينهما، وفي رواية: " لا يدخل الجنة نمام " وقيل النمام: الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، وينقل حديثهم إلى غيرهم، والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعملون ثم ينم " (٢) والمعنى: لا يدخل الجنة شخص نمّام ينقل الحديث من شخص إلى شخص، أو من جماعة إلى أخرى بقصد الإِفساد، وغرس بذور العداوة والبغضاء

стр. 1838

في النفوس، فمن فعل ذلك مستحلاً لما يفعله فقد حرّم الله عليه الجنة، ومن فعله وهو يعلم أنه حرام تحت تأثير نزعة شيطانية فهو فاسق عاص، لا يدخل الجنة حتى يعاقب على جريمته هذه بالنار، إلاّ أن يعفو الله عنه، أو يتوب من جريمته. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النميمة كبيرة من الكبائر، لأن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلَّا على ارتكاب كبيرة، وذلك لأن " النميمة " ظاهرة عدوانية خطيرة تفكك المجتمع، وتقطع العلاقات وهي وليدة الحقد والحسد، ولهذا كان النمّام بغيضاً إلى نفوس العقلاء منبوذاً عندهم، لا يرتاحون إليه، وقد روي أن بعض الفضلاء زاره أحد هؤلاء، ونقل إليه من غيره ما شاء من حديث، فقال: بئس ما صنعت، أتيتني بثلاث جنايات، بغضت إليَّ أخي، وشغلت قلبي، واتَّهمت نفسك، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يبلِّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " أخرجه أبو داود (١). وقد وصف النبي ﷺ النمامين بأنهم شرار الخلق، فقال ﷺ كما في حديث عبد الرحمن ابن غنم: " خيار عباد الله الذين إذا رأوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة (٢)، المفرقون بين الأحبة " أخرجه أحمد (٣). ثانياًً: أن نقل الحديث إذا ترتب عليه مصلحة شرعية للمنقول إليه كإنقاذه من قاتل، أو لص، أو غير ذلك، أو كان فيه مصلحة للمسلمين، فإنه يكون مستحبّاً، أو واجباً على حسب ما يقتضيه الحال، ولهذا قال البخاري في الترجمة: " باب ما يكره من النميمة " فأتى بكلمة من التبعيضية ليشير بذلك إلى أن المُحرَّم هو بعض النميمة

стр. 1839

٩٨٦ - " بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ " ١١٣٥ - عَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁: أنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فأثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ -يقُولُ مِرَاراً- إنْ كَانَ أحدُكُمْ مَادِحاً لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحسَبُ كَذَا وكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أنَّهُ ــ لا كلها، فالكافر المعادي للمسلمين يستحب نقل حديثه إليهم ليأخذوا حذرهم منه، مع أن في ذلك إضراراً به، وإفساداً لتدبيره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن النمام لا يدخل الجنة، وهذ يقتضي تحريم النميمة. ٩٨٦ - " باب ما يكره من التمادح " ١١٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو بكرة في حديثه هذا " أن رجلاً ذكر عند النبي ﷺ " أي أن رجلاً ذكرت سيرته عند النبي ﷺ وهو عبد الله ذو البِجادَين كما قال: الحافظ " فأثنى عليه رجل خيراً " أي فمدحه رجل من الصحابة، وبالغ في مدحه، والمادح هو محجن بن الأدرع الأسلمي " فقال النبي ﷺ : ويحك " وهي كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في مهلكة لا يستحقها " قطعت عنق صاحبك " أي آذيته في دينه وخلقه، لأنه إذا علم بمدحك هذا داخله الغرور، وأعجب بنفسه، فهلك لا محالة، كما جاء مصرحاً به في رواية أخرى عن محجن بن الأدرع قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فدخل المسجد، فإذا رجل يصلي فقال لي: من هذا؟ فأثنيْتُ عليه خيراً، فقال: " اسكت لا تسمعه فتهلكه " " إذا كان أحدكم مادحاً لا محالة " بفتح الميم أي إذا كان لا بد مادحاً لحاجة تدعو إلى ذلك كالاستشارة أو التزكية "فليقل أحْسب كذا

стр. 1840

كَذَلِك، وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلاْ يُزَكِّي عَلَى اللهِ أحداً". ــ أو كذا" أي أظن أن فيه صفة كذا من صفات الخير " إن كان يرى أنه كذلك " أي إن كان يعتقد أن تلك الصفة موجودة فيه " وحسيبه الله " أي والله وحده المطلع على سريرته العالم بحقيقته، " ولا يزكي على الله أحداً " أي لا يقطع لأحد بكمال الإِيمان أو بالسعادة والجنة إلَّا الذين شهد لهم رسول الله ﷺ . فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يكره المبالغة في المدح والثناء، لأن ذلك ضرب، من التملق الذي لا يقره الإسلام، سيما إذا كانت هذه الصفة لا توجد في الممدوح، فإنه بذلك يجمع بين التملق والكذب معاً. وكذلك يكره المدح مطلقاً إذا كان يخشى على الممدوح أن يركبه الغرور والإعجاب بنفسه، أما المديح بالباطل فإنه حرام ومعصية، كما يدل عليه قوله ﷺ " إن كان يرى أول كذلك " مفهومه أنه إذا لم يكن كذلك، فإنه لا يجوز، لأنه كذب وملق ونفاق، وقدا جاء التحذير الشديد من المداحين بالباطل في قوله ﷺ : " أُحثوا في وجوه المدَّاحين التراب " قال بعض أهل العلم: معناه زجر المادح، ومنعه عن (١) الاسترسال في مديحه، لأن سماع مثل هذا يدفع الممدوح إلى الكِبْرِ والغرور (٢) وقال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة لهم، وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح. ثانياًً: دل الحديث على جواز المدح بثلاثة شروط: الأول: أن يكون المادح صادقاً فيما يقول في ممدوحه حسب اعتقاده (٣)، كما يدل عليه قوله ﷺ " إن كان يرى أنه كذلك "، الثاني: أن لا يخشى على الممدوح أن يغتر بذلك المديح، فتتغير نفسه، وتفسد أخلاقه،

стр. 1841

٩٨٧ - " بَاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) " ١١٣٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، ــ كما يشير إليه قوله ﷺ : " قطعت عنق صاحبك "، ثالثاً: أن يكون المدح مجرّداً عن الغلو والإطراء والقطع بتزكية أحد على الله مهما كان، لقوله ﷺ : " ولا يزكي على الله أحداً ". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " قطعت عنق صاحبك " فإن فيه التحذير من مدح الرجل لئلا يغترّ بنفسه. ٩٨٧ - " باب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) " ١١٣٦ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " إياكم والظن " أي احذروا من سوء الظن بالناس، واعتقاد الشر فيهم، واتّهامهم بالأعمال القبيحة دون دليل، " فإن الظن أكذب الحديث " أما أن يراد بالحديث حديث النفس، بمعنى أن ما يقع في النفس، ويخطر بالقلب من الظنون السيئة هو من أكذب الأحاديث النفسية، فلا تلتفتوا إليه، أو تعتمدوا عليه، لأنه من وسوسة الشيطان أو يراد به " حديث اللسان " بمعنى أن كل قول لا يستند إلَّا إلى مجرد الظن هو من أكذب الأقوال، وأبعدها عن الحقيقة، فإياكم أن تتحدثوا به من غير دليل تستندون إليه، " ولا تحسسوا ولا تجسسوا " (١) أي لا تتبعوا عورات

стр. 1842

وَلا تَبَاغضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً". ــ المسلمين " ولا تناجشوا " أي لا يزد أحدكم على أخيه في ثمن السلعة دون رغبة في شرائها ليخدع المشتري، " ولا تحاسدوا " أي لا يحسد بعضكم بعضاً فيتمنى زوال نعمته، سواء أتمنى انتقالها إليه، أو لا، قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ -إلى أن قال- وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) " ولا تباغضوا " أي اجتنبوا الأسباب المؤدية إلى البغض والتنافر فيما بينكم من الشتم وسوء المعاملة ونحو ذلك، أو لا تستسلموا لمشاعر البغض والكراهية، وتنفذوا ما تدعوكم إليه من إيذاء الناس وظلمهم إلخ، فإنّ ذلك في مقدوركم " ولا تدابروا " أي لا يهجر بعضكم بعضاً من الإِدبار، وهو الإِعراض المؤدي إلى العداوة والقطيعة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم العمل بسوء الظن الذي لا يستند إلى دليل والاستجابة له في توجيه التهمة إلى المسلمين لمجرد خاطر نفسي، قال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، فينبغي للمسلم إذا ظن ظناً سيئاً لا دليل عليه أن لا يحققه بالعمل والقول فقد جاء في الحديث عن حارثة بن النعمان ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لازمات أمتي الطيرة، والحسد، وسوء الظن" فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: " إِذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض " أخرجه الطبراني (١). ثانياًً: قال عياض: استدل قوم بهذا الحديث على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي، وهو زعم باطل، قال: "وليس المراد بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذي يتعلق بالأحكام أصلاً، بل الاستدلال به لذلك

стр. 1843

ضعيف وباطل. ثالثاً: تحريم التجسس على الناس، وتتبع عوراتهم لقوله ﷺ " ولا تجسسوا "، ويستثنى بعض الحالات الاستثنائية كالتجسس على العدو الكافر، لأن النبي ﷺ أرسل في غزوة الخندق الزبير إلى الأعداء ليطلع على أحوالهم، وكذلك إذا أصبح التجسس وسيلة لإنقاذ نفس من الهلاك فهو مندوب إليه. رابعاً: دل هذا الحديث على أنه يجب على المسلم المحافظة على العلاقات الودية بينه وبين إخوانه، وأن يتجنب الأسباب المؤدية إلى العداوة بينه وبينهم من السباب، والشتائم، وسوء المعاملة، والغيبة، والنميمة، واحتقار الآخرين، وجرح مشاعرهم، وعلى وجوب ضبط النفس، والتحكم في مشاعرها، وأن لا يستسلم المسلم لعاطفة البغض والكراهية في إيذاء الناس والتعدي عليهم، كما دل عليه قوله ﷺ : " ولا تباغضوا " خامساً: أنه يحرم على المسلم أن يستجيب لمشاعر الحسد وأن يقاومه ما استطاع، ويستغفر الله منه، فإنه إن فعل ذلك لم يأثم، وصرفه الله عنه، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ حيث قال: " إذا حسدت فاستغفر الله " أخرجه الطبراني، وليس المراد بالاستغفار أن يستغفر بلسانه فقط، وإنما المراد به الإحساس بالندم، والعزم والتصميم على مقاومة هذا الشعور البغيض، والالتجاء إلى الله بقبول التوبة. سادساً: أنه لا يجوز أن يهجر المسلم أخاه المسلم ويقاطعه لغرض من أغراض الدنيا، وقد جاء في الحديث عن أبي أيوب الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " متفق عليه. وأجمع العلماء على أنه من خاف من مكالمة أحدٍ وصلته ما يفسد عليه دينه أو مضرة في دنياه يجوز له مجانبته، ورب هجر خير من مخالطة من يؤذيه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: "إياكم والظن" فإنه مطابق لقوله تعالى (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)، وفي قوله أيضاً: " فإن الظن أكذب الحديث " وهو مطابق لقوله تعالى (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وتوضيح له.

стр. 1844

٩٨٨ - " بابُ سِتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نفْسِهِ " ١١٣٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " كُلُّ أمَّتِي مُعَافَى، إلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وِإنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ (١) أنْ يَعْملَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ، البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ ". ــ ٩٨٨ - " باب ستر المؤمن على نفسه " ١١٣٧ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " كل أمتي مُعافى " (٢) أي كل واحدٍ من هذه الأمة إذا ارتكب معصية يرجى له عفو الله ومغفرته، والنجاة من النار، لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) " إلا المجاهرين " كذا للأكثر بالنصب، وفي رواية مسلم المجاهرين بالنصب (٣)، ويجوز الرفع فيه على مذهب الكوفيين، وتكون " إلَّا " في هذه الحالة بمعنى لكن كما قال ابن مالك، قال الحافظ: والمعنى، لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، والمجاهر الفاسق المعلن بفسقه الذي يأتي بالفاحشة ثم يشيعها بين الناس تفاخراً وتهوراً ووقاحة. " وإن من المجانة " أي الوقاحة والاستهتار بالدين والاستخفاف بحدود الله " أن يعمل الرجل بالليل " أي معصية " ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا " أي يحدث إخوان السوء من أصدقائه بأنه فعل المعصية الفلانية "وقد بات يستره ربه،

стр. 1845

ويصبح يكشف ستر الله عنه" وذلك لأنه لا يريد الستر، وإنما يريد الفضيحة، حيث يراها في نظره مفخرة ومباهاة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يجب على من ابتلي بمعصية أن يستر على نفسه، وهو ما ترجم له البخاري، وقد جاء الأمر الصريح بالستر في حديث آخر، فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله " أخرجه الحاكم (١)، كما أخرجه مالك مرسلاً من حديث زيد بن أسلم (٢). ويدل الحديث على أن ارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها، لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإِلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها، لقوله ﷺ " كل أمتي معافى إلَّا المجاهرون " وذلك لأن المجاهرة وقاحة وجرأة وانتهاك لحدود الله، واستخفاف بالشريعة كما قال ﷺ " وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا " قال ابن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله. ثانياً: أن المجاهر بالمعصية يجوز اغتيابه، لأن النبي ﷺ وصفه بالمجانة، وهي الاستخفاف بمحارم الله، والتباهي بها أمام الناس، ومن كان هذا حاله ينبغي التشهير به فيجوز اغتيابه، لأنه نزع جلباب الحياء، فلا حرمة ولا كرامة له في نظر الإسلام، وأخذ بعضهم جواز غيبة المجاهر من قوله ﷺ " كل أمتي معافى إلَّا المجاهرون " (٣) قال معناه: أن كل واحد من العصاة معافي من الغيبة، فيجب أن يترك عرضه سليماً، ولا يغتابه أحد، إلَّا المجاهر فإنه يجوز انتهاك عرضه بالغيبة، لأنه غير معافى، ولا صيانة لعرضه، ولا كرامة له، وهو استدلال وجيه. الحديث: أخرجه

стр. 1846

٩٨٩ - " بَابُ الحَذَرِ مِنَ الغضَبِ " ١١٣٨ - عَنْ أبِي هرَيْرَة ﵁: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الذِي يَمْلِكُ نَفْسَة عِنْدَ الْغَضَبِ ". ــ الشيخان. والمطابقة: كما قال الحافظ: في كون الحديث مصرّح بذم من جاهر بالمعصية فيستلزم مدح من يستتر. ٩٨٩ - " باب الحذر من الغضب " ١١٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " ليس الشديد بالصُّرعة " وهو من يكثر صرع الأعداء ويتمكن من إسقاطهم، والمعنى: لا تظنوا أن الرجل القوي هو ذلك الرجل الذي يتمتع بقوة بدنية يستطيع بها أن يصرع الفرسان في ميادين القتال، نعم لا شك أن ذلك الرجل رجل قوي، ولكن هناك من ْهو أعظم منه قوة وبأساً، وأجدر منه بهذا اللقب، وهو ذلك الرجل القوي الإرادة الذي يستطيع أن يتغلب على نفسه ويتحكم في غريزته أثناء غضبه " إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " أي إنما الرجل القوي الكامل في قوته هو الرجل القوي في إرادته، " الذي يستطيع أن يتحكم في نفسه عند الغضب، ويمنعها عن تنفيذ ما تدعوه إليه من إيذاء الناس بالشتم والضرب والعدوان أو الإساءة إليهم بالقطيعة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أعظم الأدلة على قوة الشخصية الحلم، وضبط النفس عند الغضب، لقوله ﷺ : " إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " لأن الغضب ثورة نفسية عارمة، فالتصدي لمقاومتها في عنفوانها ليس بالأمر السهل، ولا يستطع ذلك إلَّا من

стр. 1847

قويت إرادته، وكمل إيمانه ودينه وأصبح له السلطان القاهر على جميع انفعالاته النفسية. ثانياً: دل الحديث على أن الغضب وإن كان غريزة نفسية جبارة، إلَّا أنه يمكن مقاومته بعد وقوعه لقوله ﷺ : " إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ويمكن مقاومة الغضب قبل وقوعه ووقاية النفس منه باجتناب الأسباب المثيرة للغضب، كالخصام والجدال، والمزاح، والسخرية، والاستهزاء، إلى غير ذلك. والدليل على ذلك قوله ﷺ لأبي الدرداء: " لا تغضب " ثلاث مرات أي تجنب دواعي الغضب، والأسباب التي تؤدّي إليه لئلا تقع فيه ولهذا قال العلماء: للغضب دواءان: (أ) دواء وقائي: قبل وقوعه: وهو تجنب أسبابه والابتعاد عن المواقف المؤدّية إليه. كمجالسة السفهاء، ومخالطة الأشرار، وتناول المشروبات المهيجة للأعصاب، وأن يكثر من الاستغفار، وقَول: لا حول ولا قوة إلا بالله بصدق وإخلاص، فإن فيها شفاءً من أدواء كثيرة ... (ب) ودواء علاجي بعد وقوعه: وهو مقاومة النفس عن الاستسلام والانقياد له، وكفها عن الظلم والعدوان، ثم هناك وسائل أخرى للتخفيف من حدة الغضب، أو القضاء عليه نهائياً، كالاستعاذة بالله من الشيطان، والغسل، والوضوء، وتغيير الحالة التي يكون عليها الإِنسان، فإن غضب وهو قائم جلس، أو اضطجع. ثالثاً: أن مقاومة الغضب وامتلاك النفس عند وقوعه من أفضل الأعمال الصالحة التي يثاب عليها، ولولا ذلك لما أثنى النبي ﷺ عليها كل هذا الثناء، وفي الحديث عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رأس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء " أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة، وفي رواية: " من كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: من حيث أن فيه (١) الإِغراء على التحذير من الغضب.

стр. 1848

٩٩٠ - " بَابُ مَا يستحَبُّ مِنَ العُطَاس وَمَا يُكْرهُ مِنَ التَّثاَؤبِ " ١١٣٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثاَؤبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ علَى كُلِّ مُسْلِم سَمِعَهُ أن يُشَمِّتَهُ، وأما التَّثَاؤُبُ فإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيَطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ ما استطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ". ــ ٩٩٠ - " باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب " ١١٣٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إن الله يحب العطاس " لما فيه من خروج الأبخرة الفاسدة، والمواد الضارّة التي يؤدي خروجها إلى نشاط الجسم، وخفة البدن والدماغ، والتخفيف من حدة الزكام. " ويكره التثاؤب " وإنما يكره التثاؤب كما قال القاري لأنه يمنع صاحبه من النشاط في الطاعة، ويوجب الغفلة. ": فإذا عطس أحدكم وحمد الله " أي فإذا عطس المسلم وقال بعد عطاسه: الحمد لله شكراً لربه على هذه النعمة " فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته " أي فإنه مطلوب من كل من سمعه من المسلمين أن يدعو له بالخير، لأنه عَمِلَ بالسُّنَّةِ وأدى ما عليه من حمد الله وشكره على نعمته، فيكافىء على ذلك بالدعاء له بالخير، ويقول له سامعه: يرحمك الله. " أما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرد ما استطاع " أي فليغلق فمه قدر استطاعته ليخفف من التثاؤب " فإن أحدكم إذا قال ها " أي فإن المرء إذا تثاءب ورفع صوته بالتثاؤب وقال: " ها " " ضحك منه الشيطان " شماتة فيه حين يراه تابعاً ومسخراً له، واستهزاءً منه لأنه انتصر عليها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن العطاس ظاهرة

стр. 1849

محبوبة عند الله تعالى لأنه ينشأ من خفة الجسم وأن التثاؤب ظاهرة كريهة عند الله تعالى، لأنها من الشيطان، بسبب الفتور والكسل، قال الخطابي: العطاس محمود لأنه يعين العبد على الطاعات، والتثاؤب مذموم، لأنه يثنيه ويصرفه عن الخيرات. اهـ. أي يمنعه عن العبادات من قيام وصيام وقراءة قرآن ونحوه. فالعطاس مستحب، والتثاؤب مكروه كما ترجم له البخاري. ثانياً: أنه يستحب للعاطس أن يحمد الله على عطاسه، لأنه نعمة من الله تعالى عليه، تخرج بسببه الإفرازات الضارة، والأبخرة الفاسدة، كما يشرع لسامعه أن يشمته إذا حمد الله، ومعنى التشميت أن يدعو له بالخير، فيقول له: يرحمك الله لقوله ﷺ : فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته " وقال في " بهجة النفوس ": قال جماعة من علمائنا -أي المالكية- إنه فرض عين، وقوّاه ابن القيم في حواشي السنن بأنه جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي: أمَرنا رسول الله، قال: ولا ريب أن الفقهاء يثبتون وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وقال قوم: التشميت فرض كفاية، ورجحه أبو الوليد بن رشد، وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة، وقال الشافعية: مستحب على الكفاية. ثالثاً: دل هذا الحديث. على أنه إنما يشرع تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، فإذا لم يحمد الله تعالى فلا يشمت. رابعاً: أنه يستحب للمتثائب أن يرد تثاؤبه قدر استطاعته وعن أبي هريرة: " إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإنّ الشيطان يضحك منه ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله ﷺ : " إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ". ***

стр. 1850

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب الاستئذان " ٩٩١ - " بَابُ تسْلِيمِ الرَّاكِبِ على المَاشِي " ١١٤٠ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، والْمَاشِي علَى ــ " كتاب الاستئذان " الاستئذان: هو طلب الإذن في دخول مكان لا يملكه المستأذن، وهو واجب بالإِجماع المستند إلى الكتاب والسنة، أمّا الكتاب فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (١) وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا). وأما السنة: فدليل مشروعية الاستئذان فيها " ما رواه أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش قال: حدثني رجل أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيته فقال لخادمه: " اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل " صححه الدارقطني، وظاهر هذا الحديث تقديم السلام على الاستئذان، بخلاف سياق الآية. والحكمة في مشروعية الإِستئذان: أن لا يهجم الإِنسان على عورات الناس، وينظر منهم ما يكرهون، كما قال ﷺ : " إنما جعل الاستئذان لأجل البصر " ويختلف الاستئذان باختلاف الناس، فالأجنبي الذي لا خلطة له يستأذن ثلاثاً كما في الحديث، وأما الذي له خلطة فاستئذانه أخف. ٩٩١ - " باب تسليم الراكب على الماشي " ١١٤٠ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " يسلم الراكب على الماشي "

стр. 1851

القاعِدُ، والقَلِيلُ على الكَثير". ٩٩٢ - " بَابُ الاستئْذَانِ مِنْ أجْلِ البَصَرِ " ١١٤١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي ﵄ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُل منا حُجْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَ النَّبِي ﷺ مِدْرَىً يَحُكُّ بِهِ رَأسَهُ فَقَالَ: " لَوْ أعْلَمُ إنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنكَ، إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ ". ــ يعني أن الراكب يبدأ بالسلام على الماشي تواضعاً منه، حيث رفعه الله بالركوب " والماشي على القاعد " للسبب نفسه. " والقليل على الكثير " أي والمجموعة القليلة على المجموعة الكثيرة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب تسليم الراكب على الماشي قال ابن بطال: تسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه، فيرجع إلى التواضع. ثانياً: دل هذا الحديث على استحباب تسليم الماشي على القاعد لتطمينه، وإشعاره بالأمان، وإزالة الخوف من قلبه. ثالثاً: استحباب تسليم القليل على الكثير تعبيراً عن الاحترام والإكرام لهذه الجماعة والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " يسلّم الراكب على الماشي ". ٩٩٢ - " باب الاستئذان من أجل البصر " ١١٤١ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: " اطلع رجل من جُحرْ " بضم الجيم وسكون الحاء وهو الثقب الصغير " في حُجَرِ النبي (١) ﷺ " أي في بيوت ﷺ " ومع النبي ﷺ مدرى " بكسر الميم

стр. 1852

وسكون الدال عود يدخله الرجل في رأسه ليضم بعض شعره إلى بعض، وقال الأصمعي وأبو عبيد: هو المشط " فقال: لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك " أي نخست بهذا العود عينك، والمعنى: أنه بينما كان النبي ﷺ في حجرته، وبيده عود يحك به رأسه، إذا برجل ينظر من ثقب الباب، فغضب ﷺ وقال: " لو علمت أنك تنظر إلى داخل بيتي لطعنت بهذا العود في عينك، ثم قال ﷺ : " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " والمعنى: إنما شرع الله الاستئذان لئلا ينظر المسلم إلى ما لا يحل له النظر إليه أو ينظر إلى ما يكره صاحب المنزل أن يطلع عليه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الاستئذان ووجوبه، وقد تظاهرت به دلائل القرآن والسنة، قال الحافظ: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، فقد تكون منكشفة (١) العورة، وقد أخرج البخاري في " الأدب المفرد " عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلاّ بإذن ومن طريق علقمة سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت إنها في حجري! قال: أتحب أن تراها عريانة. اهـ. ويظهر لنا من ذلك أن الحكمة في الاستئذان أن لا ينظر الداخل إلى البيت إلى شيء لا يحل له النظر إليه، أو شيء يكره صاحب المنزل أن يطلع أحد عليه. كما يدل عليه قوله ﷺ في حديث الباب: " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " قال الطيبي " والأفضل أن يجمع بين السلام والاستئذان، واختلفوا: هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان؟ والصحيح تقديم السلام، فيقول السلام عليكم أأدخل. ثانياً: دل هذا الحديث على أن للبيوت قداسة وحرمة، فلا يجوز لأحد أن يسترق النظر إلى عورات المسلمين في بيوتهم وينتهك

стр. 1853

٩٩٣ - " بَابُ زِنا الجَوارِحَ دُونَ الفَرْجَ " ١١٤٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا رَأيْتُ شَيْئاً أشْبَهَ باللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أبو هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ : " إِنَّ اللهُ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزنَا العَيْنِ النَّظر، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ". ــ حرمتهم، ويحرم عليه أن ينظر من ثقب الباب وغيره. ولو فعل ذلك عمداً وطعن في عينه فذهبت فإنها هدر لا دية لها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ٩٩٣ - " باب زنا الجوارح دون الفرج " ١١٤٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ " أي ما علمت شيئاً أقرب إلى صغائر الذنوب مما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ " قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا " قال بعض الشراح: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته، أي إن هناك أهل العفة والاستقامة الذين لم يكتب عليهم ذلك، ولم يفعلوا شيئاً منه بتوفيق الله تعالى، وعلى هذا القول يكون معنى الحديث: إن الله كتب في اللوح المحفوظ على كثير من بني آدم نصيبهم من الزنا أو مقدماته، كالنظرة، واللمسة ونحوها. فالمراد بابن آدم الجنس لا كل فرد من بني آدم " أدرك ذلك لا محالة " أي فمن كتب عليه شيء من ذلك فلا بد أن يصيبه، ولا بد أن يفعله، ولكن ليس مجبراً عليه، بل باختياره " فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق " أي أن الزنا لا يختص بالفرج، وإنما هو

стр. 1854

نوعان: زنا الفرج، وزنا الجوارح، فالجوارح كلها تزني زنى يأثم عليه الإِنسان، ولكنه أقل إثماً من زنا الفرج، فزنا العين النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوة، وزنا اللسان التحدث إليها بشهوة، وقس على ذلك بقية الجوارح. ثم اعلم أن زنا الجوارح هذا هو من مقدمات الزنا، وقد سماه النبي ﷺ زنا لأنه من الأسباب الخطيرة المؤدية إليه، قال ابن بطال: سمي النظر والنطق زنا لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي " والنفس تمنّى وتشتهي " أي وقد ركب الله في النفس غريزة الجنس التي تشتهي أن تشبع رغبتها الجنسية " والفرج يصدّق ذلك ويكذبه " أي ولا يعد زنا الجوارح زنا حقيقياً وكبيرة من الكبائر إلاّ بفعل الفرج فإن الفرج وحده هو الذي يصدّق الزنا ويحققه بالوطء، أو يكذبه بعدمه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير الشديد من جميع أسباب الزنا ومقدماته، كالنظر إلى المرأة الأجنبية، والحديث إليها، وسماع حديثها، ولمسها بشهوة، فإن ذلك محرّم، وإن كان من الصغائر، وقد سماه النبي ﷺ زنا تنبيهاً على خطورته، لأنه يؤدى إلى الزنا، ويسوق إليه، وقد قال ﷺ : " النظرة سهم مسموم من سهام إبليس " (١) وقال الشاعر: كُلُّ المَهَالِكِ مَبْدَاهَا مِنَ النَظَر ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَر ثانياً: أن هذه المقدمات المذكورة في الحديث من النظر، والحديث، واللمس بشهوة، كل ذلك من اللمم - أي من صغائر الذنوب كما قال ابن عباس ﵄. ثالثاً: أن الزنا نوعان: زنا الفرج، وهو من الكبائر، وزنا الجوارح وهو من الصغائر، ولكنه طريق المخاطر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فزنا العين النظر ". ...

стр. 1855

٩٩٤ - " بَابُ التَّسْلِيمِ عَلَى الصِّبيَانِ " ١١٤٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁: أنَّهُ مَرَّ على صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: " كَانَ النبي ﷺ يَفْعَلُهُ ". ٩٩٥ - " بَابٌ لا يُقيم الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ " ١١٤٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يقيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ منْ مَجْلِسِهِ ثمَّ يَجْلِسُ ــ ٩٩٤ - " باب التسليم على الصبيان " ١١٤٣ - معنى الحديث: " أن أنس ﵁ مرّ على صبيان فسلّم عليهم " أي بدأهم بالسلام اقتداءً بسيد الأنام ﷺ " وقال: " أي ثم قال أنس مستدلاً على مشروعية فعله وسنيته: " كان النبي ﷺ يفعله " أي كان ﷺ يبدأ الصبيان حين يمر عليهم بالسلام مثل ما فعلت. فقه الحديث: قال النووي (١): فيه استحباب السلام على الناس كلهم حتى الصبيان المميزين، وبيان تواضعه، وكمال شفقته على العالمين، قال: وأما المرأة مع الرجل فإن كانت زوجته أو جاريته أو محرماً من محارمه فهي معه كالرجل، وإن كانت أجنبية، فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لا يسلم الرجل عليها وإن سلم لم يجز رد السلام. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان النبي ﷺ يفعله " (٢). ٩٩٥ - " باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه " ١١٤٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ يقول: "لا يقيم الرجل

стр. 1856

فِيهِ". ٩٩٦ - " بَاب لا يَتَنَاجى اثنانِ دُونَ الثالِث " ١١٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ " إِذَا كانُوا ثَلاَثةً فلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ ". ــ الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه" أي لا يحل له أن يقيمه من المكان الذي سبق إليه ليجلس فيه، فهو خبر بمعنى النهي. فقه الحديث: أن من آداب السلوك في الإِسلام النهي عن إقامة الشخص عن مكانه في المجالس العامة كالمساجد ومجالس الحكام وغيرها، قال النووي: هذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى موضع مباح من المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره فهو أحقّ به، ويحرم على غيره إقامته إلاّ أن أصحابنا يعني الشافعية استثنوا من ذلك إذا ألف موضعاً من المسجد يفتي به، أو يقرأ قرآناً أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ٩٩٦ - " باب لا يتناجى اثنان بينهما ثالث " ١١٤٥ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " إذا كانوا ثلاثة " أي إذا كان الجالسون في المجلس ثلاثة أشخاص " فلا يتناجى اثنان دون الثالث " قال القرطبي: الرواية المشهورة بألف مقصورة ثابتة في الخط، ساقطة في اللفظ، والتناجي التحادث سراً. والمعنى: أنه إذا اجتمع ثلاثة في مجلس واحد، فإن من آداب الإِسلام، ومحاسن السلوك التي يدعو إليها ديننا الحنيف أن لا يتحادث اثنان سراً فيما بينهما دون أن يشركا الثالث معهما.

стр. 1857

فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه تكره المحادثة سراً بين اثنين معهما ثالث فقط، لأن ذلك يؤذى الشخص الثالث، ويضايقه كما جاء في رواية أخرى عن ابن مسعود أيضاً عن النبي أيضاً " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه " (١) أخرجه مسلم، أي لأنه إذا بقي منفرداً وتناجى من عداه أحزنه ذلك إما لظنه احتقارهم إياه، وإما لأنه قد يقع في نفسه أنّهم يتحدثون في مضرته. اهـ. كما أفاده القسطلاني. أما إذا زاد العدد عن ثلاث فلا بأس أن يتناجى اثنان. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ...

стр. 1858

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الدعوات الدعوات جمع دعوة، هي الدعاء. والدعاء لغة: هو مصدر دعا يدعو، ثم جعل اسماً مستعملاً في لغة العرب لمعان مختلفة منها: التوحيد كقوله تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ومنها الاستعانة كقوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ومنها السؤال والطلب. أما الدعاء شرعاً: فمعناه سؤال الباري ورفع الحاجات إليه، وطلب قضائها منه قال النووي: أجمع أهل الفتوى على استحباب الدعاء، وذهبت طائفة من الزهاد الى أن تركه أفضل استسلاماً ودلائل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة كيف لا، وفي الدعاء تضرع إلى الله والتجاء إليه، ومناجاة له، واتصال روحي بالعلى الأعلى قال الخطابي: وحقيقة الدعاء إظهار الافتقار إليه، والبراءة من الحول والقوة إلا له، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجة والبخاري في " الأدب المفرد " وصححه ابن حبان والحاكم. وعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال، " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي صاغرين، أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الآية المذكورة وعيد شديد لمن ترك الدعاء إعراضاً واستكباراً. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يسأل الله يغضب عليه " أخرجه الترمذي فالدعاء يزيد العبد من ربه قرباً واعترافاً بحقه، ولذا حث ﷺ -

стр. 1859

على الدعاء، وعلّم الله عباده دعاءه بقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) إلى آخر ما ذكر من دعوات الأنبياء ودعواته ﷺ في الصباح والمساء والصلوات وغيرها معروفة. اهـ. وحسبك في فضل الدعاء أنه لا بد أن يعود على صاحبه بفائدة في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معاً، كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما على الأرض مسلم يدعو الله دعوة إلاّ آتاه إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يعجل " أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي والطبراني في الكبير وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد أمر النبي ﷺ به، وبيّن أنه من أجلِّ العبادات التي يحبها الله، فقال ﷺ : " سلوا الله من فضله، فإنه تعالى يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج " رمز السيوطي إلى صحته، وحسنه الحافظ ابن حجر، وعن ابن مسعود ﵁: من نزلت به فاقة، فأنزلها بغير الله لم تسد فاقته، ومن نزلت فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل. رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وصححه. وعن ابن عمر مرفوعاً: " من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الإجابة " أخرجه الترمذي وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد كما أفاده الشوكاني في " تحفة الذاكرين ". ومن الأسباب المؤدية إلى استجابة الدعاء عند الضراء، الإكثار منه في السراء، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء " أخرجه الترمذي وقال فيه: حسن غريب، كما أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي. ومن آداب الدعاء أن يترصد الأوقات المباركة التي يستجاب فيها الدعاء، كيوم عرفة، ورمضان، والجمعة، وعند نزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبين الأذان والإقامة، والسحر وحال السجود. وأن يدعو مستقبلاً الكعبة رافعاً يديه لقوله ﷺ : "إن ربكم حيي كريم يستحي

стр. 1860

٩٩٧ - بَابُ " لِكُلِّ نبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ " ١١٤٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وأرِيدُ أن أخْتَبِىءَ ــ من عباده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردهما صفراً" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة والحاكم. وأن يخفض صوته، ولا يتكلف السجع في الدعاء، وأن يكون في حال خشوع وتضرع ورغبة ورهبة، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). وأن يجزم بالدعاء، ويوقن بالإِجابة، ويصدق في الرجاء واليقين لقوله ﷺ : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة " وأن يلح في الدعاء، ويكرره ثلاثاً لقول ابن مسعود: " كان ﷺ إذا دعا دعا ثلاثاً " رواه مسلم، ولا يستبطىء الإِجابة، وأن يستفتح بذكر الله ، والصلاة على النبي ﷺ . قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما. ومن أهم آداب الدعوة وأسباب قبولها التوبة والاستغفار، ورد المظالم إلى أهلها. لما روي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً " أنه ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، ثم قال: فأنّى يستجاب لذلك " رواه مسلم. وقد قال ﷺ لسعد: " يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك ". ٩٩٧ - " باب لكل نبي دعوة مستجابة " ١١٤٦ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " لكل نبي دعوة " أي أن الله أعطى كل نبي من الأنبياء دعوة واحدة مقطوعاً لها بالإجابة فإجابتها ثابتة محققة
следующие страницы →