← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مِنْهُ، فَقَالَ: ابغِني أحْجاراً أسْتَنْفِضْ. بِهَا أو نَحْوَهُ، ولا تأتِني بعَظْمٍ ولا رَوْثٍ، فَأتَيْتُهُ بأحْجَارٍ بِطرَفِ ثِيابِي فَوَضَعْتُهَا إلَى جَنْبِهِ، وأعْرَضْتُ عنه، فلَمَّا قَضَى أتْبعَهُ بِهِنَّ". ــ سلوكه أنه لا يلتفت أثناء سيره إلاّ لضرورة وحاجة لأن كثرة الالتفات دون سبب أو عذر يقتضيه لون من ألوان العبث، وأفعال العُقلاء تصان عن العبث، ثم هو يدل على الحماقة والطيش والرعونة، وحاشاه ﷺ من ذلك " فقال ابغني أحجاراً أستنفض بها " بالجزم على أنه جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف، والاستنفاض الاستخراج قال في القاموس: استنفضه استخرجه، وبالحجر استنجي. فالاستنفاض هنا كناية عن الاستنجاء بالحجارة، أي اطلب لي ثلاثة أحجار وأحضرها لكي أستنجي بها " ولا تأتي بعظم ولا روث " أي وأنهاك عن أن تحضر لي شيئاً من العظم أو الروث (١) لأنه لا يجوز الاستنجاء بهما لنجاسة الروث، وعدم صلاحية العظم للانقاء وإزالة النجاسة وتنظيف المحل، قد يكون هذا هو سبب النهي عنهما - أو لأنهما طعام المؤمنين من الجن كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، فقد روي عن ابن مسعود ﵁ أن وفد الجن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد إنه أمتك عن الاستنجاء بالعظم والروث، لأن الله تعالى جعل لنا فيه رزقاً، فنهاهم عن ذلك، وقال: " إنّه زاد إخوانكم من الجن " رواه أبو داود (٢). قال: " فأتيتهُ بأحجار طرف ثيابي " أي فأتيته ببعض الأحجار أحملها في طرف ثوبي " وأعرضت عنه " أي ابتعدت عنه " فلما قضى " أي فلما انتهي من قضاء حاجته " أتبعه بهن " وهو كناية عن الاستجمار أي فلما

стр. 247

٩٠ - " بَاب لا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ " ١١٠ - عنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أتَى النَّبيُّ ﷺ الْغَائِطَ فأمَرَنِي أنْ آتِيَهِ بِثَلاثَةِ أحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، فالتَمَسْتُ الثَّالِثَ، فَلَمْ أجدْهُ، فأخَذْتُ رَوْثَةً فأتَيْتُهُ بهَا، فأخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وألْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ". ــ فرغ من حاجته استنجى واستجمر بتلك الأحجار التي أحضرتها لديه. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الاستجمار وجواز الاستغناء بالحجارة عن الماء لقوله ﷺ " ابغني أحجاراً أستنفض بها " وقد ذهب أحمد وأهل الظاهر إلى أن الاستجمار لا يكون إلاّ بالأحجار خاصة، لأنها هي المنصوص عليها في لفظ الحديث، والجمهور على جواز الاستجمار بكل جامد طاهر منق غير مطعوم ولا محترم، لأن النبي ﷺ لم ينه إلاّ عن العظم والروث، وذلك لكونهما مطعومين للجن، ولكون العظم غير منق، فكل ما كان مطهراً منقياً غير مطعوم لآدمي فإنّه يجوز الاستجمار به. ثانياً: لا يجوز الاستجمار بالعظم والروث وما في معناهما. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قولة ابغني أحجاراً. ٩٠ - " باب لا يستنجي بروث " ١١٠ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود رضي الله " أتى النبي ﷺ الغائط " أي ذهب لقضاء حاجته " فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين فالتمست الثالث فلم أجده " أي وبحثت عن حجر ثالث فلم أعثر عليه " فأخذت روثة " أي قطعة من رجيع بعض الحوافر كالحمار وغيره " فأتيته بها " أي فأتيته بالحجرين والروثة " فأخذ الحجرين وألقى

стр. 248

الروثة، وقال: هذا ركس" أي الروث نجس، أو لا يجوز استعماله لأنّه طعام الجن، وهو الثابت في الأحاديث الصحيحة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لا يجوز الاستجمار بالروث إمّا لنجاسته، أو لأنه طعام المؤمنين من الجن، ويلحق به في النهي كل ما يشبهه من المطعومات أو النجاسات، فلا يجوز الاستنجاء بكل مطعوم للآدمي لحرمته، فإن اختص بالبهائم أو غلب فيها لم يحرم. وكذلك لا يجوز الاستجمار بالنجس، وما عدا ذلك فإنه يجوز، سواء كان من الأحجار أو غيرها، وإنما خَصَّ الأحجار بالذكر لكثرة وجودها ولهذا قالوا: يجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منق غير محترم. وإنما نبه النبي ﷺ بنهيه عن الروث على تحريم الاستنجاء بكل نجس أو بكل مطعوم لآدمي كما ورد النهي عن العظم في الحديث السابق حيث قال ﷺ : "ولا تأتني بعظم ولا روث " والمراد بالعظم، العظم وكل ما شابهه من الأشياء اللزجة الملساء التي لا تزيل النجاسة، كالزجاج الأملس، فإنها لا يجوز الاستنجاء بها. ثانياًً: مشروعية التثليث في الاستجمار لقوله ﵁ " فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار " وهو شرط عند الشافعيّة، فلا بد أن يكون، بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة رؤوس، قال في " كفاية الأخيار ": والواجب ثلاث مسحات فإن حصل الإنقاء بها وإلّا وجبت الزيادة إلى الانقاء، وهدو مذهب الظاهرية أيضاً، وقال الجمهور: التثليث سنة، والواجب الانقاء، وسبب اختلافهم تعارض المفهوم وظاهر اللفظ (١) في الأحاديث التي ذكر فيها العدد، فمن كان المفهوم عنده من الأمر إزالة عين النجاسة، لم يشترط العدد، ومن صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم قال بوجوب العدد في الاستجمار وغيره مما ذكر فيه العدد. الحديث: أخرجه النسائي وابن ماجة أيضاً. والمطابقة: في قوله " وألقى الروثة ".

стр. 249

٩١ - " بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً " ١١١ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: تَوَضَّأ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةَ. ٩٢ - " بَابُ الُوضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ " ١١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الأنْصَارِيِّ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. ــ ٩١ - " باب الوضوء مرة مرة " ١١١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " توضأ النبي ﷺ مرة مرة " أي أن النبي ﷺ توضأ في بعض الأوقات مرة مرة فغسل كل عضو مرة واحدة وتمضمض مرة واحدة واستنشق مرة واحدة. الحديث: أخرجه أيضاً الأربعة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٩٢ - " باب الوضوء مرتين مرتين " ١١٢ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ توضأ في بعض الأوقات مرتين مرتين، فغسل كل عضو مرتين، وتمضمض واستنشق مرتين. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ***

стр. 250

٩٣ - " بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثاً ثَلاثَاً " ١١٣ - عنْ عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: أنَّهُ دَعَا بإنَاء فَأفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثمَّ أدْخَلَ يَمِيْنَهُ في الإنَاءِ فَمَضْمَضَ، واستنْثَرَ، ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرارٍ، وَيَدَيْه إلى المِرْفَقَيْن ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرارٍ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأ نَحْوَ وُضُوئِي ــ ٩٣ - " باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً " ١١٣ - ترجمة راوي الحديث: هو الخليفة الراشد عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أسلم رابع أربعة، ولقب بذي النورين لأنّه تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي النبي ﷺ ، وكان ﷺ يعظمه، ويستحي منه ويقول: " ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة " كان ﵁ جواداً كريماً، جهز جيش العسرة بألف دينار، واشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ولي الخلافة أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين وقتل شهيداً يوم الجمعة ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة، روى (١٤٦) حديثاً أخرج البخاري منها أحد عشر حديثاً، ﵁ وأرضاه. معنى الحديث: أن عثمان ﵁ " دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما " أي فغسل يديه مجتمعتين أو متفرقتين ثلاث مرات، كما أفاده ابن دقيق العيد " ثم أدخل يمينه فمضمض واستنشق " أي ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فأخذ غرفة واحدة من الماء فتمضمض واستنشق من تلك الغرفة " واستنثر " أي أخرج الماء من أنفه بقوة النفس، " ثم غسل وجهه ثلاث مرار ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار " أي وغسل يديه إلى المرفقين ثلاث

стр. 251

هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". ــ مرات " ثم غسل رجَليه ثلاث مرار إلى الكعبين " أي ثم كرر غسل رجليه ثلاث مرات أيضاً " ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا " أي ثم نسب ﵁ هذه الكيفية التي توضأ بها إلى النبي ﷺ وأسندها إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ : " من توضأ مثل وضوئي هذا "، أي في الإِسباغ والإِتقان والإِتمام، وتكرار الغسل ثلاث مرات " ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه " أي لا يفكر أثناءهما في شيء من أمور الدنيا " غفر له ما تقدم من ذنبه " أي كان ذلك سبباً في غفران ذنوبه السابقة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ غسل وجهه ويديه ورجليه ثلاثاً. ويستفاد من الأحاديث الثلاثة: أولاً: أن الفرض في الوضوء هو غسل العضو مرة واحدة كما جاء في حديث ابن عباس ﵄، لأنه لو كانت المرة الواحدة لا تكفي لما اقتصر عليها النبي ﷺ ، وأن غسْل الأعضاء مرتين أو ثلاثاً سنة لما في حديث ابن زيد وعثمان ﵄ من أن النبي ﷺ غسل مرتين وثلاثاً. ثانياً: مشروعية غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإِناء، وهو سنة. ثالثاً: مشروعية الترتيب في الوضوء، ولولا ذلك لا أدخل الرأس بين اليدين والرجلين، وهما مغسولتان. ***

стр. 252

٩٤ - " بَابُ الاستنثارِ في الْوُضُوءِ " ١١٤ - عن أبي، هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر ". ٩٥ - " بَابُ الاسْتِجْمَارِ وِتراً " ١١٥ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ مَاءً، ثمَّ لِيَنْثُرْ، ومَنِ اسْتَجْمَرَ فلْيُوتِر، وإذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْل أنْ يُدْخِلَهَا في وَضُوئِهِ، فإنَّهُ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ". ــ ٩٤ - " باب الاستنثار في الوضوء " ١١٤ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: " أن النبي ﷺ قال: من توضأ فليستنثر " أي فليخرج الماء من أنفه بقوة النفس لتنقيته من الأقذار الموجودة فيه، " ومن استجمر فليوتر " أي فليستجمر وتراً، وسيأتي إيضاحه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه: مشروعية الاستنثار في الوضوء، وهو سنة اتفاقاً. قال العيني: والإِجماع قائم على عدم وجوبه. والمطابقة: في قوله: من توضأ فليستنثر. ٩٥ - " باب الاستجمار وتراً " ١١٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: " أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر " أي

стр. 253

٩٦ - " بَابُ غَسْلِ الإِعْقَابِ " ١١٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنهُ قَالَ: أسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ أبَا القَاسِمِ ﷺ قَالَ: " وَيْل لِلأعْقَابِ مِنَ النَّار ". ــ فليستنشق في أنفه بالماء ثلاث مرات " ومن استجمر فليوتر " أي ومن استنجى بالحجارة فليوتر بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو نحو ذلك " وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه " أي فليغسل يده خارج الإِناء لينظفها من الأقذار قبل أن يدخلها في الماء الذي يتوضأ به " فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " أي فلعل يده قد أصابتها النجاسة أثناء نومه وهو لا يدري. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الاستجمار وتراً بثلاثة أحجار أو خمسة أو نحوها، كما ترجم له البخاري، وهو سنة عند الجمهور، والواجب هو الإِنقاء، وقال أحمد والشافعى: التثليث واجب (١). ثانياً: مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء لمن استيقظ من النوم استحباباً، وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " من استجمر فليوتر ". ٩٦ - " باب غسل الأعقاب " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على وجوب غسل الأعقاب في الوضوء، جمع عقب بكسر القاف، وهو العظم المرتفع عند مفصل الساق والقدم. ١١٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " أسبغوا

стр. 254

الوضوء" أي اجتهدوا في إتمام الوضوء، واحرصوا كل الحرص على غسل جميع الأعضاء غسلاً كاملاً، واستيعاب كل عضو منها بحيث يصيب الماء ذلك العضو كله من أوله إلى آخره، ولا يبقى شيء منه لا يمسه الماء، ولاحظوا المواضع التي لا يصل إليها الماء، وفي مقدمتها الأعقاب، لأن النبي ﷺ أوجب غسلها، وحذر من تركها دون غسل فقال ﷺ " ويل للأعقاب من النار " أي العذاب الشديد يوم القيامة للذين لا يغسلون أعقابهم -عمداً- عند غسل أقدامهم وقيل: ويل اسم لوادٍ في جهنم والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن استيعاب الأعضاء المغسولة، وغسلها كلها من أولها إلى آخرها فرض من فروض الوضوء، فيجب غسل اليدين من رؤوس الأصابع إلى آخر المرفقين، وغسل الوجه من منابت الشعر إلى آخر الذقن، وغسل الرجلين من رؤوس الأصابع إلى آخر الكعبين فمن ترك شيئاً من العضو دون غسل، فقد ترك الفرض الذي عليه، لأنّ النبي ﷺ توعد الذين يتركون غسل أعقابهم عند غسل أقدامهم بالعذاب الشديد يوم القيامة، والعذاب لا يترتب إلاّ على ترك فرض، ولهذا قال الفقهاء: من ترك شيئاً من العضو المغسول عمداً ولم يغسله كله بطل وضوءه، لأنه ترك فرضاً. ثانياً: ان ترك أي شيء من العضو المغسول في الوضوء عمداً كبيرة من الكبائر لأن هذا الوعيد لا يكون إلاّ لمن ارتكب كبيرة. والمطابقة: في قوله " ويل للأعقاب من النار " لأن هذا العقاب المترتب على ترك غسل الأعقاب يدل على وجوب غسلها، وهو ما ترجم له البخاري. ***

стр. 255

٩٧ - " بَابُ الْتَيَمُّنِ في الوُضُوءِ والْغسْلِ " ١١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَيّمَّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وفي شَأنِهِ كُلِّهِ. ــ ٩٧ - " باب التيمن في الوضوء والغسل " ١١٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يعجبه التيمن " أي كان ﷺ -ّ يسرُّه ويطيب له أن يبدأ باليمين في جميع الأعمال الشريفة، فيبدأ بالجهة اليمنى " في تنعله " أي في لبس نعله، فُيلْبسُ رجله اليمنى قبل اليسرى. " وترجله " أي ويبدأ باليمين أيضاً عند تسريح شعر رأسه. " وطهوره " أي ويبدأ باليمين في طهارة الحدث من وضوء أو غسل، فيقدم اليد اليمنى على اليسرى في الوضوء والميامن على المياسر في الغسل " وفي شأنه كله " أي وكذلك يتيامن في جميع الأعمال الشريفة كلبس الخف. والاكتحال، ونحو ذلك. ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: استحباب تقديم الميامن على المياسر في الوضوء والغسل وغيره من الأعمال الشريفة. قال ابن المنذر، وأجمعوا على أنَّه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، ونص الشافعي على أن الابتداء باليسار مكروه، كما أفاده النووي. ثانياًً: قال النووي: وأما ما كان بضد التكريم فإنه استحب فيه التياسر، كالاستنجاء والامتخاط والخروج من المسجد. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها كان النبي ﷺ يعجبه التيمن. ***

стр. 256

٩٨ - "بَاب الْتِماس الْوضوءِ إذَا حَانت الصَّلَاة " ١١٨ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: رَأيْت النَّبِيَّ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصرِ، فالْتَمَس النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوه، فأتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ في ذَلِكَ الإناءِ، وَأمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّؤوا مِنْه، فَرَأيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أصَابِعِهِ حتَّى تَوضَّؤوُا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ". ــ ٩٨ - " باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة " ١١٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " رأيت النبي ﷺ وحانت صلاة العصر " أي وقد دخل وقت صلاة العصر، " فالتمس الناس الوضوء " بفتح الواو أي فطلب الصحابة الماء بعد دخول الوقت، ليتوضؤوا به، فلم يجدوه، وكان ذلك بالزوراء عند المسجد المعروف بمسجد السيدة فاطمة كما رجحه فضيلة الشيخ عطية محمد سالم في تكملة " أضواء البيان " (١) " فأتي رسول الله ﷺ بوضوء " أي فجيء إلى - النبي ﷺ بإناء صغير فيه ماء قليل يصلح للوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء المذكور " فرأيت الماءَ ينبع من تحت أصابعه حتى توضؤوا عن آخرهم " أي فلما وضع ﷺ يده في الإناء حدثت المعجزة العظيمة، فشاهدت الماء يتدفق بقوة من بين أصابعه الشريفة، وتكاثر الماء حتى كفاهم جميعاً فتوضؤوا منه من أوَّلِهم إلى آخرهم، قال قتادة لأنس: كم كنتم قال ثلاثمائة أو زُهاء -بضم الزاي- ثلاثمائة أبي ما يقارب هذا العدد. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.

стр. 257

٩٩ - " بَاب إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ في إِناءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغسِلْهُ سَبْعَاً " ١١٩ - عن أبي هريْرَة ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَاً ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لا يجب طلب الماء للوضوء، إلاّ بعد دخول الوقت لأن النبي ﷺ لم ينكر على أصحابه التأخير في طلب الماء إلى ما بعد دخول الوقت، وقد فرّع الفقهاء على ذلك عدم جواز التيمم قبل دخول الوقت، وهو مذهب مالك والشافعي، وأجازه الحنفية. ثانياًً: وجوب المواساة عند الضرورة. ثالثاً: إثبات " المعجزات لنبينا ﷺ ". والمطابقة: في كونهم لم يطلبوا الماء إلاّ لما حان وقت العصر، وإقرار النبي لهم على ذلك. ٩٩ - " باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً " ١١٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إذا شرب الكلب في إناء أحدكم " أي إذا شرب الكلب من أي إناء فيه سائل، ماء أو غيره، مملوكاً له أو لسواه، كما في رواية أخرى: " إذا ولغ الكلب في الإِناء " أي شرب منه بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه وحركه، وهذا شامل لجميع الكلاب، سواء كان كلب صيد أو غيره " فليغسله سبعاً " أي فإنه مأمور أن يغسله سبع مرات قبل أن يستعمله في وضوء أو غسل أو غيره. وهذا الحديث وإن اقتصر على الأمر بغسله إلاّ أنه جاء الأمر في حديث آخر بتتريبه كما في رواية أبي داود حيث قال: فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب " وفي رواية عند أحمد ومسلم وأبي داود " وعفروه الثامنة بالتراب ". الحديث: أخرجه الستة.

стр. 258

ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، وان التسبيع أمر لا بد منه، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يجب التسبيع وإنما يجب غسله فقط، والحديث في دلالة ظاهرة على وجوب غسل الإناء سبعاً كما ذهب إليه الجمهور (١) من الصحابة والتابعين وسائر فقهاء الإسلام، إلاّ أن الحنفية حملوا السبع على الندب (٢) واختلفوا في التتريب، فذهب الجمهور إلى وجوبه لقوله ﷺ : " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب " خلافاً لأبي حنيفة. والحكمة في تتريبه أن ريق الكلب فيه لزوجة فأمر ﷺ بغسله بالتراب لأن فيه طهورية وإزالة لها ويجزىء عن التراب الاشنان والصابون ونحوهما والصابون ونحوه أبلغ (٣) وأقوى في الإزالة والإنقاء. ثانياً: نجاسة الكلب ونجاسة سؤره وكل ما خرج منه، وبهذا قال الجمهور، لأن العلة عندهم في غسل الإناء تنجسه بسؤر الكلب الذي وقع فيه، ومما يؤكد أن النجاسة هي العلة الشرعية في الأمر بغسله ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب " (٤) فإن قوله ﷺ " طهور إناء أحدكم " يدل على نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب -لأن الطهور والطهارة معناهما إزالة النجاسة، فيكون معنى الحديث أن تطهير الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وإزالة النجاسة منه لا تكون إلّا بغسله سبعاً، ومعنى ذلك أن الإناء قد تنجس، وأنه لا يطهر إلاّ بغسله سبعاً، فالعلة إذن هي النجاسة. وذهب مالك إلى طهارة الكلب وسؤره، وقال: العلة في الأمر بغسل- الإناء من شربه فيه شيء آخر غير النجاسة، وأن

стр. 259

١٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتِ الكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ في الْمَسْجِدِ في زمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئَاً مِنْ ذَلِكَ. ــ هذا الأمر بغسله سبعاً إنما هو أمر تعبدي لم نَطّلِع على حكمته، وسر مشروعيته، ولم تظهر لنا العلة فيه، هذا هو قول مالك وقد كشف الطب عن وجود جرثومة مرضية في الكلب هي جرثومة الكلب التي تنتقل عن طريق العدوى من الكلب المصاب بهذا المرض إلى الإِنسان فيصاب بهذا المرض الخبيث، وبذلك فقد أصبحت العلة في غسل الإناء إنما هي أمر صحي وهو الوقاية من العدوى ولا علاقة لذلك بالنجاسة. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ١٢٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد " أي تمر في المسجد وتسير فيه وتقطعه ذهاباً وإياباً على عهد النبي ﷺ بل كانت تبول فيه كما في رواية أبي نعيم والبيهقي " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " أي فما كانوا يرشون شيئاً من مواضع بولها. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. ويستفاد منه: كما قال مالك: أن الكلب طاهر، وكذلك سؤره، وكل ما خرج منه، قال مالك: ولولا طهارة الكلاب لما تركها الصحابة تسير في المسجد وتبول فيه على مرأى من النبي ﷺ ، ولما أقرهم ﷺ على ذلك دون أن يأمرهم بإخراجها من المسجد وتطهير مواضع بولها فيه: وقالت الحنفية: إن النبي ﷺ وأصحابه لم يتركوا الكلاب في المسجد لطهارتها وطهارة أبوالها، ولكن لأن أرض المسجد كانت معرّضةً للشمس والريح، فهما تطهرانها كما عليه أكثر أهل العلم. قال (١) شيخ الإِسلام وغيره: إذا أصابت الأرض

стр. 260

١٠٠ - " باب مَنْ لَمْ يَرَ الوضوءَ إلا من الْمَخرَجَيْنِ مِنَ الْقبلِ والدُّبرِ " ١٢١ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبِيُّ ﷺ : لا يَزَال الْعَبْد في صَلَاةٍ مَا كَانَ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصلَاةَ مَا لَمْ يُحدِثْ، فَقَال رَجل أعْجَمِي (١): ما الْحَدَث يَا أبا هرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْت -يَعْنِي الضرطَة-. ــ نجاسة فذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة فمذهب الأكثر طهارة الأرض، وجواز الصلاة عليها، هذا مذهب أو حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، والقول القديم للشافعي، وهذا القول أظهر من قول من لا يطهرها بذلك " اهـ. ويدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ " أن الأرض إذا جفت بالشمس طهرت " والله أعلم. والمطابقة: في قولها كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد ". ١٠٠ - " باب من لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين من القبل أو الدبر " ١٢١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث " أبي يعتبر العبد المسلم في صلاة ويحتسب، له أجرها وثوابها مدة كونه داخل المسجد، ما لم يقع منه حدث، أو ما دام لم ينتقض وضوءه بحدث " فقال رجل أعجمي (١) ما الحدث؟ " أي ما هو الحدث الذي ينقض الوضوء، " قال الصوت " أي فأجابه أبو هريرة. بأن الحدث الموجب للوضوء هو ما خرج من أحد

стр. 261

١٠١ - " بَابُ الرَجُلَ يُوَضِّأُ صَاحِبَه " ١٢٢ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِى اللهُ عَنْهُ: أنهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لحَاجَةٍ لَهُ، وأَنَّ ــ السبيلين، ومثل له بالريح، لأنه لا يقع في المسجد غيره. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجة. ويستفاد منه: كما قال بعضهم: أنه لا يجب الوضوء إلاّ فيما خرج من أحد السبيلين القبل أو الدبر خاصة، كما ترجم له البخاري، وهو مذهب مالك والشافعي. إلاّ أن الشافعي عمم الوضوء في كل ما خرج منهما سواء كان معتاداً أو غير معتادٍ على وجه الصحة أو المرض. ولذلك قال ينقض الوضوء بما خرج منهما، ولو كان غير معتاد كالدود والحصى، ولو خرج على سبيل المرض كسلس البول والغائط. واعتبر مالك الخارج والخرج وصفة الخروج فقال: لا يجب الوضوء إلاّ من الخارج المعتاد، من المخرج المعتاد، على سبيل الصحة والاعتياد، ولذلك أوجب الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي إذا خرجت من الخرجين في حال الصحة، ولم يوجبه في سلس البول والغائط والريح لأنّه خرج في حال المرض، وكذلك قال مالك: لا يجب الوضوء من الدود والحصى إذا خرجا من المخرجين لأنّه خارج غير معتاد. والمطابقة: في قول أبي هريرة لما سئل عن الحدث فقال الصوت. حيث فسر الحدث بما خرج من السبيلين، ومثل له بالصوت أي خروج الريح. ١٠١ - " باب الرجل يوضأ صاحبه " ١٢٢ - ترجمة راوي الحديث: هو المغيرة بن شعبة أسلم عام الخندق وشهد الحديبية، روى (١٣٦) حديثاً اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري

стр. 262

مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُب الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ــ بواحد، ومسلم بحديثين، توفي بالكوفة سنة خمسين من الهجرة. معنى الحديث: يحدثنا المغيرة ﵁ " أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر " أي في غزوة تبوك " وأنه ذهب لحاجة له، وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ " أي أن النبي ﷺ ذهب لقضاء حاجته، فرافقه المغيرة يحمل له الماء الذي يستنجي منه ويتوضأ به، كما في رواية مسلم عن المغيرة ﵁ قال: " فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر " فلما فرغ النبي ﷺ من قضاء حاجته، وأراد الوضوء، جعل المغيرة يصب عليه الماء وهو يتوضأ " فغسل وجهه " ثلاثاً، كما في رواية أحمد، " ومسح رأسه ومسح على الخفين " بدلاً منْ غسل الرجلين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وأن يوضأ الرجل صاحبه كما ترجم له البخاري، وذلك بأن يصب عليه الماء أثناء وضوئه كما فعل المغيرة مع النبي ﷺ في هذا الحديث. وهل يجوز الاستعانة بالغير مطلقاً في الصب والدلك، أو في صب الماء فقط، كما جاء في نص الحديث، ذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني أبو حنيفة. ثانياً: أن من الآداب الإسلامية التي سنها النبي ﷺ لهذه الأمة خدمة الصغير للكبير، ويدخل في ذلك خدمة الطالب لشيخه، والولد لأبيه، لأنّ النبي ﷺ إنما أمر المغيرة لخدمته تشريعاً لأمته. والمطابقة: في قوله: جعل يصب الماء عليه. ***

стр. 263

١٠٢ - " بَابُ قِراءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ " ١٢٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄: أنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوج النَّبِيِّ ﷺ فَنَام رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انتصَفَ اللَّيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيل أو بَعْدَهُ بِقَلِيل، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَواتِمَ مِنْ سُورَةِ آلَ عِمْرَانَ" (١). ــ ١٠٢ - "باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره " أي هذا باب يذكر فيه جواز قراءة القرآن بعد الحدث - أي جواز قراءته على غير وضوء، وأن الوضوء لا يجب على من يريد قراءة القرآن. ١٢٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ " أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ﷺ " أي نام عندها في بيت رسول الله ليلة من الليالي وهو غلام صغير " حتى إذا انتصف الليل " أي فلما كان نصف الليل " استيقظ رسول الله ﷺ " من نومه ليصلي صلاة التهجد كعادته كل ليلة " فجعل يمسح النوم عن وجهه " أي يمسح بيده على وجهه وعينيه ليطرد النوم عنها ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران " أي ثم قرأ العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران وهي من قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إلى آخر السورة على غير وضوء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز قراءة القرآن بغير وضوء كما ترجم

стр. 264

١٠٣ - " بَابُ مَسْحِ الرَّأس كُلِّهِ " ١٢٤ - عَنْ عبْدِ اللهِ بْنِ زَيدٍ ﵁: أنَّهُ قالَ لَهُ رَجُل: أتستطِيعُ أنْ تُرِيني كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأ؟ فَدَعَا بماءٍ فَأفْرَغَ عَلَى يَدَيْه فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثم غَسَلَ يَدَيْه مَرَّتَيْنِ إلى الْمِرْفَقَيْنِ، ثم مَسَحَ رَأسَهُ بِيَدَيْه، فَأقْبَلَ بِهِمَا وأدْبَرَ، بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلى المَكَانِ الذِّي بَدَأ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. ــ له البخاري " بشرط أن يكون بدون مس المصحف " وهو مذهب الجمهور. ثانياًً: استحباب قراءة العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران عند الانتباه من النوم في الليل. والمطابقة: في قوله " ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ". ١٠٣ - " باب مسح الرأس كله " ١٢٤ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي عن ابن زيد ﵁ " أنه قال له رجل أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ " أي هل بامكانك أن تتوضأ أمامي مثل وضوء النبي ﷺ فتعلمني كيفية وضوئه عملياً " فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل " أي غسل كفيه خارج الإناء " مرتين " قبل أن يدخلهما فيه " ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين " يعني أنه ﷺ غسل بعض الأعضاء ثلاثاً وبعضها مرتين " ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر " أي مسح رأسه كله من أوله إلى آخره مقبلاً بيديه ومدبراً، ثم فسر ذلك بقوله " بدأ بمقدم رأسه حى ذهب بهما إلى قفاه " أي مسح رأسه بكفيه من أول رأسه

стр. 265

١٠٤ - " بَابُ اسْتِعْمَالِ فضلِ وَضُوءِ النَّاس " ١٢٥ - عن أبِي جُحَيْفَةَ (١) ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بالْهَاجِرَةِ فأتي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْه عَنَزَة. ــ إلى آخره " ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه " أي ثم مسحه من آخره إلى أوله ورجع بكفيه من قفاه إلى ناصيته. الحديث: أخرجه الخمسة. ويستفاد منه: أن الفرض في الوضوء مسح الرأس كله، ولا يجزىء مسح بعضه وهو مذهب مالك وأحمد لقوله: " فأقبل بهما وأدبر " وفي رواية ابن زيد الأخرى " مسح رسول الله ﷺ من ناصيته إلى قفاه ثم ردّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله " أخرجه ابن خزيمة، وقال أبو حنيفة: يجزىء ربع الرأس، وقال الشافعي يجزىء أقل ما يقع عليه اسم المسح " (٢) اهـ كما في الإِفصاح (٣). والمطابقة: في قوله " فأقبل بهما وأدبر ". ١٠٤ - " باب استعمال فضل وضوء الناس " ١٢٥ - معنى الحديث: يقول أبو جحيفة ﵁: " خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة " أي عند الزوال " فأتي بوضوء " أي بماء

стр. 266

١٢٦ - عن السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ ﵄ قَالَ: ذَهَبَتْ بي خَالَتِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأسِي ودَعَاْ لِي بالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظرتُ إلى خَاتَمِ النبوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. ــ يتوضأ به " فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه " أي فصار الصحابة يأخذون من بقية الماء الذي يتوضأ منه " فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين والعصر ركعتين " لأنه كان مسافراً " وبين يديه عنزة " أي وأمامه عصا صغيرة اتخذها سترة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله " فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه. ١٢٦ - ترجمة راوي الحديث: هو السائب بن يزيد الكندي حج به أبوه مع النبي ﷺ وعمره سبع سنين، وتوفي سنة إحدى وثمانين من الهجرة. معنى الحديث: يقول السائب ﵁: " ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وقع " (١) بكسر القاف أي مصاب بوجع في قدميه " فمسح رأسي ودعا لي بالبركة " أي بكثرة أنواع الخير والنعم، ومنها الصحة " ثم توضأ فشربت من وضوئه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة " أي بيضة النعامة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله شربت من وضوئه. ويستفاد من الحديثين: طهارة الماء المستعمل في الوضوء، لأنهم أخذوا من فضل وضوئه ﷺ وهو طاهر مطهر عند مالك وأحمد، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه طاهر غير مطهر والله أعلم.

стр. 267

١٠٥ - " بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ وَفضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأةِ " ١٢٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوضَّؤُونَ في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعَاً. ــ ١٠٥ - " باب وضوء الرجل مع المرأة " ١٢٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً " أي كان الرجل من الصحابة على عهد النبي ﷺ يتوضأ ويغتسل مع زوجته من إناء واحد، ويغترفان من الإِناء، ويدخلان أيديهما في الماء كما في الرواية الأخرى حيث قال: " كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله ﷺ ندلي فيه أيدينا " أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي ومالك. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في زمنه ﷺ ويقرهم عليه. ثانياً: جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل وطهوريته (١)، لأنهم كانوا يتوضؤون ويغتسلون من إناء واحد فكانوا يدخلون أيديهم فيه، وذلك يؤكد أن كل واحد من الرجل والمرأة قد توضأ أو اغتسل بالماء المستعمل، ولو كان غير مطهر لما تطهروا به. والمطابقة: في قوله " يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً " ...

стр. 268

١٠٦ - "بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ -وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ " ١٢٨ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وأنا مَرِيض لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ، وصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ المِيرَاثُ؟ إِنَّما يَرِثُنِي كَلَالَة، فَنزَلَتْ آيَةُ الْفَرائِض. ــ ١٠٦ - " باب صب النبي ﷺ وضوءه على المغمي عليه " ١٢٨ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل " (١) أي جاء النبي ﷺ يزورني في مرض شديد ألم بي حتى فقدت الوعي، فصرت لا أفهم شيئاً " فتوضأ وصب عليّ من وضوئه " أي وأفرغ على جسمي من الماء الذي توضأ منه، فأفقت وشعرت ببعض النشاط " فقلت: لمن الميراث إنما يرثني كلالة " أي لمن يكون الميراث من بعدي وأنا لم أخلف ولداً، وليس لي أب ولا أم وإنما يرث إخوتي كل مالي، فكيف يكون ميراثهم " فنزلت آية الفرائض " التي في آخر سورة النساء، وهي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ (٢) إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية رقية المريض، وصب ماء الوضوء

стр. 269

١٠٧ - " بَابُ الْغسْلِ والْوُضُوءِ في الْمِخضَبِ والْقَدَحِ " ١٢٩ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَان قَرِيبَ الدَّارِ إلى أهلِهِ، وبقي قَوْمٌ، فَأُتي رَسُولُ اللهَ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فيه كَفَّهُ، فَتَوَضَّأ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمانِينَ وَزيادَةً. ــ عليه، لأن النبي ﷺ فعل ذلك بجابر ﵁، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: قال ابن بطال: فيه دليل على طهورية الماء المستعمل وفضل الوضوء لأنه لو لم يكن طاهراً لما صب عليه. ثالثاً: بيان ميراث الكلالة في آية الفرائض التي نزلت بسبب سؤال جابر ﵁. والمطابقة: في قوله " وصب عليه من وضوئه ". ١٠٧ - " باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح " ١٢٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " حضرت الصلاة " أي بينما كان الصحابة مع النبي ﷺ بالمدينة حضرت صلاة العصر " فقام من كان قريباً من المسجد " أي فذهب الذين دارهم قريبة من ذلك المكان إلى الدار ليتوضؤا منها " وبقي قوم " أي وبقي الذين دارهم بعيدة مع النبي ﷺ "فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء" أي فأحضر إلى النبي ﷺ إناء صغير من حجر فيه قليل من الماء، " فصغر المخضب أن يبسط كفه فيه " أي فضاق ذلك الإِناء الصغير على كف رسول الله ﷺ حين أراد أن يمدها في وسطه. " فتوضأ القوم كلهم، قلنا كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة " أي ثمانين فأكثر. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة:

стр. 270

١٣٠ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِقَدَح فِيهِ مَاء، فَغَسَلَ يَدَيْه وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ. ــ في قوله " فأتي بمخضب من حجارة ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الأواني كلها، سواء كانت حجرية أو خشبية أو من أي جوهر من جواهر الأرض طاهرة لا كراهة في استعمالها. ثانياًً: دل الحديث على معجزة مادية كبيرة لنبينا ﷺ وهي تكاثر الماء ونبعه من بين أصابعه، حتى إن هذا الإناء الصغير كفى لوضوء. هذا العدد الكثير الذي يبلغ ثمانين أو أكثر، وفي رواية أخري قال أنس: كان النبي ﷺ وأصحابه بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد، دعا بقدح فيه ماء فوضع كفيه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه قال: قلت كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة. أخرجه مسلم. ١٣٠ - معنى الحديث: يحدثنا أبو موسى ﵁ " أن النبي ﷺ دعا بقدح فيه ماء "أي طلب قدحاً فيه ماء. " فغسل يديه ووجهه (١) " من الماء الموجود في ذلك القدح " ومج فيه " أي طرح الماء من فمه في ذلك الإناء " ثم قال لهما: خذا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما (٢) يخاطب بذلك أبا موسى وبلالاً ﵄ وكان ذلك بالجعرانة كما أفاده الحافظ في الفتح. ويستفاد منه يأتي: أولاً: جواز استعمال القدح وغيره من الأواني الخشبية، لأن النبي ﷺ استعمل القدح، وهو كما قال ابن الأثير: الإناء الذي يؤكل فيه، وأكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه. ثانياًً: جواز

стр. 271

١٠٨ - " بَابُ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ " ١٣١ - عَنْ أنس ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ، أو كَانَ يَغْتَسِلُ بالصَّاعِ إلى خمسةِ أمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأ بِالْمُدِّ. ــ الشرب من الماء الذي مجّ فيه والإِفراغ منه على الوجوه والنحور. لما جاء في رواية أخرى أنه ﷺ قال لهما (١): اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. ثالثاً: تبرك الصحابة بآثاره ﷺ كما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة. والمطابقة: في قوله " دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ". الحديث: أخرجه الشيخان. ١٠٨ - " باب الوضوء بالمد " ١٣١ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " أي كان يقتصد في الماء الذي يتطهر به، فغالباً ما كان يقتصر في غسله على قدر صاع من الماء، وهو أربعة أمداد، وربما زاد على ذلك، فاغتسل بخمسة أمداد على حسب حاجة جسمه، " ويتوضأ بالمد " وهو رطل وثلث عند الجمهور. وقال فقهاء العراق وأبو حنيفة، هو رطلان، قال في عون المعبود: المد بالضم: ربع الصاع لغة، وقال في " القاموس ": أو ملء كفيَّ الإِنسان المعتدل إذا ملأهما، ومد يده بهما، ومنه سمي مداً، وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة، مع اختلاف بعض الألفاظ.

стр. 272

١٠٩ - "بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخفيْنِ " ١٣٢ - عنْ سَعْدِ ابْنِ أبي وَقَّاص ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مَسَحَ عَلى الْخُفَّيْنِ وأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ سَألَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فقَالَ: نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئَاً سَعْدٌ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فلا تَسْألْ عَنْهُ غَيْرَهُ. ــ ويستفاد منه: كما قال الفقهاء: استحباب تقليل الماء في الوضوء بلا حد، والاقتصار على القدر الكافي لحاجة الجسم دون إسراف، ولا نقصان ولا إجحاف. قال في عون المعبود: وليس الغسل بالصاع والوضوء بالمد للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله ﷺ ربما اقتصر على الصاع وربما زاد. روى مسلم من حديث عائشة ﵂: " أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد هو الفرق " قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع. وروى مسلم أيضاً من حديثها أنه ﷺ كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمدادٍ، فهذا. يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة. ويكره الإسراف في الماء لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد قال: أفي الوضوء سرف، قال: نعم وإن كنت على نهر جار " أخرجه أحمد وابن ماجة. والمطابقة: في قوله " ويتوضأ بمد ". ١٠٩ - باب المسح على الخفين " ١٣٢ - معنى الحديث: أنّ سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يمسح على خفيه، ويروي " عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين " وأن ذلك من السنة الثابتة عن النبي ﷺ " وأن عبد الله بن عمر ﵄ سأل عمر عن ذلك فقال: نعم " أي وأن عبد الله بن عمر لما رأى سعداً يمسح على الخفين، وسمعه يروي ذلك عن النبي ﷺ أنكر عليه، فلما اجتمع

стр. 273

١٣٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أمَيَّةَ الضَّمْرِي ﵁ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ. ــ هو وسعد عند عمر ﵃ سأله عن المسح على الخفين هل هو مشروع وثابت عن النبي ﷺ بحديث صحيح فقال عمر، نعم. الحديث الذي يرويه سعد حديث صحيح، ثم قال لولده عبد الله " إذا حدثك شيئاً سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره " أي فخذ حديثه دون تردد، فإنه حديث صحيح ولست في حاجة إلى أن تسأل غيره من الصحابة لثقته وعدالته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله " انه مسح على الخفين ". ١٣٣ - ترجمة راوي الحديث: وهو عمرو بن أمية الضمري - بفتح الضاد صحابي جليل من فرسان الصحابة روى عشرين حديثاً، وتوفي بالمدينة سنة ستين من الهجرة. معنى الحديث: أن عمرو بن أمية " رأى النبي ﷺ " بعينه " يمسح على الخفين " ولم يُخبره بذلك غيره والمعاينة أقوى من السماع. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين ". ويستفاد من الحديثين: مشروعية المسح على الخفين، وأنه سنة ثابتة عن النبي ﷺ وقد روى أصحاب النبي ﷺ في ذلك أربعين حديثاً كما قال ابن قدامة، ولهذا صرح جمع من الحفاظ أن المسح على الخفين متواتر ولم يثبت إنكاره إلاّ عن الرافضة (١) والخوارج.

стр. 274

١١٠ - " بَابٌ إذَا أدْخلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتانِ " ١٣٤ - عنِ الْمغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَأهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أدْخلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. ــ ١١٠ - " باب باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان " ١٣٤ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁ " كنت مع النبي ﷺ في سفر " وذلك في غزوة تبوك بعد نزول آية الوضوء " فأهويت لأنزع خفيه " أي فأراد النبي ﷺ أن يتوضأ، فمددت يدي لأخلع خفيه عن قدميه ليتمكن من غسلهما " فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " أي فقال لي: اتركهما فإني أريد أن أمسح عليهما بدلاً من غسل الرجلين، لأني لبستهما على طهارة كاملة، فيجوز لي أن أمسح عليهما، ولا حاجة إلى خلعهما، وهو معنى قوله: " فإني أدخلتهما طاهرتين " وفي رواية " فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود. والمطابقة: في قوله " فإني أدخلتهما طاهرتين ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن المسح على الخفين رخصة شرعية وسنة نبوية ثابتة عن رسول الله ﷺ لأنه ﷺ مسح خفيه بعد نزول آية الوضوء، فدل ذلك على أن المسح عليهما باقٍ لم تنسخه الآية المذكورة، خلافاً للخوارج. ثانياًً: أن من أهم شروط المسح على الخفين. أن يلبسهما على طهارة لقوله ﷺ " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " ويشترط أن تكون طهارة مائية كاملة " عند الجمهور " وأجاز أبو حنيفة والمزني والثوري المسح عليهما ولو كانت الطهارة ناقصة، فلو غسل إحدى قدميه وأدخلها، ثم غسل الأخرى

стр. 275

١١١ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيق " ١٣٥ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أمَيَّةَ ﵁ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شاةٍ فَدُعِيَ إلى الصَّلَاةِ فَألقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. ــ وأدخلها جاز، وأما بقية الشروط فهي أن يكون الخف من جلد ساتراً للكعبين صحيحاً مباحاً، ويحدد المسح عند الجمهور بيوم وليلة خلافاً لمالك حيث أطلق مدة المسح بلا حد. ١١١ - " باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق " ١٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن أمية ﵁ " أنه رأى النبي ﷺ يحتز من كتف شاة " أي يقطع اللحم من كتف شاة ويأكله " فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ " أي فقام إلى الصلاة بعد الأكل من لحم تلك الشاة، وصلى دون أن يتوضأ، لأن الأكل من لحم الشاة ليس موجباً للوضوء. ويستفاد منه: أنه لا يجب الوضوء من أكل اللحم، وقد كان ذلك واجباً في أول الإِسلام حيث كانوا يتوضؤون - مما مست النار، ثم نسخ بعد ذلك بهذه الأحاديث الصحيحة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كونه ﷺ " احتز من لحم الشاة ثم صلّى ولم يتوضأ ". ***

стр. 276

١١٢ - " بَابُ مَنْ مَضْمَضَ مِن السَّوِيق وَلَمْ يَتَوَضَّأ " ١٣٦ - عَنْ سُوِيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁: أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كَانُوا بالصَّهْبَاء، وهِيَ أدْنَى خَيْبَرَْ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بالأزْوَادِ، فَلَمْ يُؤتَ إلَّا بالسَّويقِ، فأمرَ بِهِ فَثُريَ، فَأكلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأكلْنَا، ثم قَامَ إلى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. ــ ١١٢ - " باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ " ١٣٦ - ترجمة الراوي: هو سويد. بضم السين وفتح الواو ابن النعمان الأنصاري الأوسي من أصحاب بيعة الرضوان شهد أحداً وما بعدها من المشاهد. روى سبعة أحاديث ليس في البخاري منها سوى هذا الحديث فقط. معنى الحديث: يحدثنا سويد ﵁ " أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر " أي خرج مع النبي ﷺ في غزوة خيبر " حتى إذا كان بالصهباء وهي أدنى خيبر " أي والصهباء أول قرى خيبر بالنسبة إلى القادم من المدينة " فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلاّ بالسويق " أي أمر بإحضار أطعمة المسافرين، فلم يحضروا بين يديه سوى السويق، " وهو ما يطحن من الحنطة والشعير وُيتزود به في السفر " " فأمر به فثُرِّي " أي رش بالماء " فأكل رسول الله ﷺ ، وَأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضضنا ثم صلّى ولم يتوضأ " أي ثم صلى بعد أكل السويق دون أن يتوضأ. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة. ويستفاد منه: أنه لا يجب الوضوء من أكل السويق وغيره مما مست النار،

стр. 277

١١٣ - " بَاب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ " ١٣٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنَاً فَمَضْمَضَ وَقَال: " إِنَّ لَهُ دَسَمَاً ". ــ وقد كان الوضوء من ذلك واجباً في أوّل الإسلام، ثمَ نسخ بهذا الحديث وأمثاله. والمطابقة: في كونه ﷺ أكل السويق ثم صلى المغرب بعده من غير وضوء. ١١٣ - " باب هل يمضمض من اللبن " ١٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ " أن رسول الله ﷺ شرب لبناً فمضمض " أي أن النبي ﷺ شرب شيئاً من اللبن فلما أراد أن يقوم إلى الصلاة، مضمض فمه بالماء ونظفه من ذلك اللبن " وقال: إنّ له دسماً " أي إن لِلَّبن دسماً يَعْلَق بالفم، فينبغي لمن شربه أن ينظف فمه منه خشية أن يُحْدِثَ ذلك الدسم في الفم رائحة كريهة يتأذى بها الشارب. أو يبقى منه شيء في الفم فيصل إلى المعدة أثناء الصلاة. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب لمن شرب لبناً أو تناول غيره من الأطعمة وأراد الصلاة أن يغسل يديه ويتمضمض قبل أن يصلي سواء كان ذلك الطعام مطبوخاً أو غير مطبوخ تنظيفاً لليد والفم من آثار ذلك الطعام. ولئلا يصل منه شيء إلى المعدة أثناء الصلاة. ثانياً: أنه لا يجب الوضوء من اللبن وغيره من الأطعمة الدسمة لأنّه ﷺ شرب اللبن، ثم صلى ولم يتوضأ كما في الحديث. والمطابقة: في قوله " شرب لبناً فمضمض ".

стр. 278

١١٤ - " بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ " ١٣٨ - عن أنس ﵁: أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتَوَضَأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجزِىءُ أحَدَنَا الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ. ــ ١١٤ - " باب الوضوء من غير حدث " ١٣٨ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن النبي ﷺ كان يتوضأ عند كل صلاة "، أي يجدد الوضوء لكل صلاة فرضاً أو نفلاً تطوعاً لا وجوباً رغبة منه ﷺ وترغيباً لأمّته في فضائل الوضوء، وما فيه من تكفير السيئات، واكتساب الحسنات، ورفع الدرجات، " وكان يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث " وهذا استدراك معناه: ولم يكن الوضوء لكل صلاة واجباً، وإنما هو مستحب فقط، فقد كان يكفي أحدنا الوضوء الواحد لعدة صلوات، ولا يجب عليه وضوء آخر حتى يحدث. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الوضوء الواحد يجزىء لعدة صلوات ما لم يحدث، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لعكرمة وابن سيرين وغيرهم، حيث أوجبوا الوضوء لكل صلاة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الخ حيث علّق الأمر بالوضوء على القيام إلى الصلاة، فدل على وجوب تكرار الوضوء لكل صلاة. واستدل الجمهور بحديث الباب وغيره (١) على أن الوضوء إنما يجب على من أحدث وأراد الصلاة دون غيره. وأن هذا هو معنى الآية، لأنّ السنة تفسِّر القرآن، قال الترمذي:

стр. 279

١١٥ - " بَاب مِنَ الكبَائِرِ أنْ لا يَسْتَتِرَ مِنَ بَوْلِهِ " ١٣٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أو مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يُعَذَّبَانِ! وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ "، ثُمَّ قَالَ: " بَلَى كَانَ أحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وكانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ ــ والعمل على هذا عند أهل العلم. ثانياً: استحباب الوضوء لكل صلاة، لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وفي الحديث عن ابن عمر ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: " من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات " أخرجه الترمذي ويكره الوضوء لغير صلاة، وحديث " الوضوء على الوضوء نور على نور " ضعيف ضعفه ابن حجر. والمطابقة: في قوله " كان ﷺ يتوضأ عند كل صلاة ". ١١٥ - " باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله " أي من الكبائر أن لا يحافظ المسلم على طهارة بدنه، ولا يحترز من النجاسة. ١٣٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ " مرّ النبي ﷺ بحائط " أي ببستان مسوّر " فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما " أي سمع صراخهما من شدة ما يقاسيان من العذاب الشديد " فقال النبي ﷺ يعذبان " أي إنهما يعذبان عذاباً شديداً، وقد سمعت صراخهما من شدة الآلام التي يشعران بها " وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى " أي وما يعذبان من أجل فعل شيء له قدر وقيمة بحيث ترغب فيه النفس وتشتهيه، وإنما هو شيء

стр. 280

قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرةً، فَقِيلَ لَهُ.: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: " لَعَلَّهُ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسا ". ١١٦ - " بَابُ ما جَاءَ في غَسْلَ الْبَوْلَ " ١٤٠ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أتَيْتُه بِمَاءٍ يَغْسِلُ بِهِ. ــ حقير لا شأن له، ولكنه مع ذلك هو ذنب عظيم، وكبيرة تؤدي بصاحبها إلى عذاب القبر " كان أحدهما لا يستتر من البول " أي لا يحترز منه، ولا يتطهر من نجاسته (١) " وكان الآخر يمشي بالنميمة " أي ينقل الحديث بين الناس بقصد الإِفساد بينهم " ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منها كسرة " أي نصفاً لأنّه ﷺ سأل لهما الشفاعة، فأجيب بالتخفيف عنهما حتى ييبسا. الحديث: أخرجه الستة. ما يستفاد منه: دل الحديث على أن الطهارة من نجاسة البدن واجبة وأن تركها كبيرة من الكبائر، يترتب عليها. عذاب القبر وكذلك النميمة. والمطابقة: في قوله " ثم قال بلى " أي بلى إنّه ذنب كبير. ١١٦ - " باب ما جاء في غسل البول " ١٤٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان رسول الله ﷺ إذا تبرز لحاجته " أي إذا ذهب لقضاء حاجته " أتيته بماء يغسل به " أي يغسل بذلك الماء ذكره، قال القسطلاني: وحذف المفعول به لظهوره، أو للاستحياء من ذِكْرِه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله يغسل به.

стр. 281

١١٧ - " بَابُ صَبّ المَاءِ على البول في المَسجِدِ " ١٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ أعرَابٌِّي فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ". ــ ويستفاد منه: وجوب غسل البول عن الذكر بالماء حتى لا يبقى منه شيء وهو ما ترجم له البخاري. ١١٧ - " باب صب الماء على البول في المسجد " ١٤١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس " أي سلطوا عليه ألسنتهم، وأغلظوا له في القول وفي رواية فزجره الناس " فقال لهم النبي ﷺ : دعوه " أي اتركوه حتى يتم بوله، ولا تقطعوه عنه، لأنه ربما أدّى ذلك إلى الإِصابة بحصر البول، أو أدّى انتقاله من مكان لآخر إلى تلويث عدة مواضع من المسجد بدل موضع واحد " وأهريقوا على بوله سجلاً " بفتح السين وسكون الجيم " من ماء " أي وصبوا على موضع بوله دلواً كبيراً من الماء. " إنما بعثتم ميسرين " في تعليم الناس أمر دينهم. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه: أن الأرض تطهر من النجاسة بكثرة صب الماء، وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا تطهر حتى تحفر إلى المكان الذي وصلت إليه القذارة إن كانت رخوة يتسرب الماء إلى داخلها. والمطابقة: في قوله: " وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء ".

стр. 282

١١٨ - " بَابُ بَوْلَ الصبيَانَ " ١٤٢ - عنْ أمِّ قَيْس بِنْتِ مِحْصَن ﵂: أنَّهَا أتَتْ بابْن لَهَا صَغِيرٍ لمْ يأكلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِْ اللهِ ﷺ فَأجْلَسَهُ رَسولُ الله في حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ. ــ ١١٨ - " باب بول الصبيان " ١٤٢ - ترجمة راوية الحديث: هي أم قيس بنت محصن أخت عكاشة ابن محصن -واسمها جذامة- صحابية جليلة أسلمت قديماً ودعا لها ﷺ بطول العمر فلم تعرف امرأة من عصرها عمرت مثلها، روت (٢٤) حديثاً. معنى الحديث: أن أم قيس ﵂ " أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره " بفتح الحاء وقد تُكْسَر، أي فوضعه النبي ﷺ في حجره " فبال على ثوبه فنضحه ولم يغسله " أي فاكتفى النبي ﷺ برش ذلك الثوب بالماء، ولم يغسله. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لا يجب غسل الثوب من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام إذا كان ذكراً، وإنما يكفي رشه بالماء فقط. لأن النبي ﷺ كما في حديث الباب نضح الثوب من بول الصبي، ولم يغسله ويجب غسله من بول الأنثى، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم لهذا الحديث، ولقوله ﷺ : "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام " أخرجه ابن خزيمة والحاكم، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى وجوب غسل الثوب من بول الصبي مطلقاً ذكراً كان أو أنثى وأجابوا عن حديث الباب أن المراد من النضح الغسل، والعرب تسمي الغسل نضحاً كما أكد ذلك الطحاوي واستشهد عليه ببعض كلامهم، وقد استعمل النضح بمعنى الغسل في الأحاديث الصحيحة كما قال ﷺ في الثوب يصيبه الحيض "تحته ثم تقرصه بالماء

стр. 283

١١٩ - "بَابُ الْبَوْلِ قَائِمَاً وَقَاعِدَاً " ١٤٣ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: أتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُباطَةَ قَوْم، فَبَالَ قَائِمَاً، ثمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ. ــ وتنضحه (١) وأمّا قوله: " ولم يغسله " فقد قال الأصيلي إنه من قول ابن شهاب. ثانياً: استدل به أحمد واسحاق على طهارة بول الصبي. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " فنضحه ". ١١٩ - " باب البول قائماً وقاعداً " أى هذا الباب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز البول قائماً وقاعداً، وإن كان يستحب البول قاعداً، ويكره البول قائماً كراهة تنزيه لا تحريم. ١٤٣ - ترجمة الراوي: هو حذيفة بن اليمان ﵁ من السابقين إلى الإسلام، شهد أحداً والخندق وفتوح العراق، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره، روى مائة حديث، اتفقا على اثنى عشر حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، توفي سنة (٣٦) من الهجرة. معنى الحديث: يقول حذيفة ﵁: " أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم " وهي المكان الذي تُلقى فيه الزبالة، وكانوا يجعلونها قريبة من بيوتهم لتكون مرفقاً لهم " فبال قائماً " أي فبال واقفاً على خلاف عادته المعروفة وسنته المألوفة، فإنه كان ﷺ غالباً ما يبول قاعداً ويبول أحياناً وفي النادر

стр. 284

١٢٠ - " بَاب غَسْلَ الدَّمَ " ١٤٤ - عنْ أسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأة إلى النّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: أرَأيْتَ إحْدَانَا تَحِيض في الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَع؟ قَالَ: " تَحُتُّه، ثُمَّ تَقْرضه وَتَنْضَحُه وَتصَلي فِيهِ ". ــ اليسير قائماً لبيان الجواز. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز التبول قائماً مع الكراهة، بمعنى أنه لا يأثم فاعله، لأن النبي ﷺ فعله إلا أنه خلاف الأولى لأن النبي ﷺ كاان يبول غالباً جالساً، ولا يبول قائماً إلاّ نادراً. أهـ كما أفاده ابن القيم في زاد المعاد. والمطابقة: في قوله فبال قائماً. ١٢٠ - " باب غسل الدم " ١٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء ﵂: " جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب: كيف تصنع " أي أخبرني عن حكم المرأة يصيب ثوبها دم الحيض ماذا يجب عليها أن تصنع به؟ " قال: تحته " أي تحكه بيدها أولاً " ثم تقرصه " بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء. أي ثم تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل ويخرج " وتنضحه " أي تغسله بالماء " والمعنى " أنها تزيل ذلك الدم من ثوبها بحكه أولاً ثم بدلكه وغسله حتى تزول آثاره من ثوبها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " وتنضحه " أي تغسله بالماء، وهو ما ترجم له البخاري. ويستفاد منه: وجوب غسل ما أصابه الدم من الثوب، سواء كان هذا الدم قليلاً أو كثيراً، وهو مذهب الشافعي في جميع النجاسات دماً أو غيره،

стр. 285

١٢١ - " بَابُ غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأةِ " ١٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ خْرُجُ إلى الصَّلَاةِ، وإنَّ بُقَعَ الْمَاءِ في ثَوْبِهِ. ــ حيث قال: لا يعفى عن شيء من النجاسة، بل يغسل الدم وغيره قليلاً كان أو كثيراً استدلالاً بهذا الحديث، لأن النبي ﷺ أمر أسماء ﵂ بغسل الثوب من دم الحيض، ولم يفرق بين قليله وكثيره. قال الشافعي، ولا فرق بين الدم وغيره، لأنه كله نجاسة. وفرق مالك بين الدم وغيره من النجاسات، فقال: أما غير الدم، فيجب غسله مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، وأما الدم فيغسل كثيره ويعفى عن يسيره لحديث عائشة ﵂ قالت: " ما كان لِإحدانا إلاّ ثوب واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها فقصعته بظفرها أخرجه البخاري وأبو داود، وقال أبو حنيفة: يعفى عن اليسير في سائر النجاسات ويغسل الكثير منها. ١٢١ - " باب غسل المني وفركه " ١٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ " أي أغسل المني بالماء من ثوب رسول الله ﷺ " فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه " أي فيخرج مسرعاً إلى الصلاة قبل أن يجف ثوبه حتى إن آثار الماء لا تزال بادية عليه. ويستفاد منه: نجاسة المني لأنها ﵂ كانت تزيله من ثوب النبي ﷺ بغسله بالماء، ولو لم يكن نجساً لما فعلت ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة أن المني نجس. وقال الشافعى وأحمد وداود الظاهري: المني طاهر
следующие страницы →