← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١١٧ - " بَابُ صَبّ المَاءِ على البول في المَسجِدِ " ١٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ أعرَابٌِّي فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ". ــ ويستفاد منه: وجوب غسل البول عن الذكر بالماء حتى لا يبقى منه شيء وهو ما ترجم له البخاري. ١١٧ - " باب صب الماء على البول في المسجد " ١٤١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ " قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس " أي سلطوا عليه ألسنتهم، وأغلظوا له في القول وفي رواية فزجره الناس " فقال لهم النبي ﷺ : دعوه " أي اتركوه حتى يتم بوله، ولا تقطعوه عنه، لأنه ربما أدّى ذلك إلى الإِصابة بحصر البول، أو أدّى انتقاله من مكان لآخر إلى تلويث عدة مواضع من المسجد بدل موضع واحد " وأهريقوا على بوله سجلاً " بفتح السين وسكون الجيم " من ماء " أي وصبوا على موضع بوله دلواً كبيراً من الماء. " إنما بعثتم ميسرين " في تعليم الناس أمر دينهم. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه: أن الأرض تطهر من النجاسة بكثرة صب الماء، وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا تطهر حتى تحفر إلى المكان الذي وصلت إليه القذارة إن كانت رخوة يتسرب الماء إلى داخلها. والمطابقة: في قوله: " وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء ".

стр. 282

١١٨ - " بَابُ بَوْلَ الصبيَانَ " ١٤٢ - عنْ أمِّ قَيْس بِنْتِ مِحْصَن ﵂: أنَّهَا أتَتْ بابْن لَهَا صَغِيرٍ لمْ يأكلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِْ اللهِ ﷺ فَأجْلَسَهُ رَسولُ الله في حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ. ــ ١١٨ - " باب بول الصبيان " ١٤٢ - ترجمة راوية الحديث: هي أم قيس بنت محصن أخت عكاشة ابن محصن -واسمها جذامة- صحابية جليلة أسلمت قديماً ودعا لها ﷺ بطول العمر فلم تعرف امرأة من عصرها عمرت مثلها، روت (٢٤) حديثاً. معنى الحديث: أن أم قيس ﵂ " أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره " بفتح الحاء وقد تُكْسَر، أي فوضعه النبي ﷺ في حجره " فبال على ثوبه فنضحه ولم يغسله " أي فاكتفى النبي ﷺ برش ذلك الثوب بالماء، ولم يغسله. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لا يجب غسل الثوب من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام إذا كان ذكراً، وإنما يكفي رشه بالماء فقط. لأن النبي ﷺ كما في حديث الباب نضح الثوب من بول الصبي، ولم يغسله ويجب غسله من بول الأنثى، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم لهذا الحديث، ولقوله ﷺ : "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام " أخرجه ابن خزيمة والحاكم، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى وجوب غسل الثوب من بول الصبي مطلقاً ذكراً كان أو أنثى وأجابوا عن حديث الباب أن المراد من النضح الغسل، والعرب تسمي الغسل نضحاً كما أكد ذلك الطحاوي واستشهد عليه ببعض كلامهم، وقد استعمل النضح بمعنى الغسل في الأحاديث الصحيحة كما قال ﷺ في الثوب يصيبه الحيض "تحته ثم تقرصه بالماء

стр. 283

١١٩ - "بَابُ الْبَوْلِ قَائِمَاً وَقَاعِدَاً " ١٤٣ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: أتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُباطَةَ قَوْم، فَبَالَ قَائِمَاً، ثمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ. ــ وتنضحه (١) وأمّا قوله: " ولم يغسله " فقد قال الأصيلي إنه من قول ابن شهاب. ثانياً: استدل به أحمد واسحاق على طهارة بول الصبي. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله " فنضحه ". ١١٩ - " باب البول قائماً وقاعداً " أى هذا الباب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز البول قائماً وقاعداً، وإن كان يستحب البول قاعداً، ويكره البول قائماً كراهة تنزيه لا تحريم. ١٤٣ - ترجمة الراوي: هو حذيفة بن اليمان ﵁ من السابقين إلى الإسلام، شهد أحداً والخندق وفتوح العراق، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره، روى مائة حديث، اتفقا على اثنى عشر حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، توفي سنة (٣٦) من الهجرة. معنى الحديث: يقول حذيفة ﵁: " أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم " وهي المكان الذي تُلقى فيه الزبالة، وكانوا يجعلونها قريبة من بيوتهم لتكون مرفقاً لهم " فبال قائماً " أي فبال واقفاً على خلاف عادته المعروفة وسنته المألوفة، فإنه كان ﷺ غالباً ما يبول قاعداً ويبول أحياناً وفي النادر

стр. 284

١٢٠ - " بَاب غَسْلَ الدَّمَ " ١٤٤ - عنْ أسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأة إلى النّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: أرَأيْتَ إحْدَانَا تَحِيض في الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَع؟ قَالَ: " تَحُتُّه، ثُمَّ تَقْرضه وَتَنْضَحُه وَتصَلي فِيهِ ". ــ اليسير قائماً لبيان الجواز. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز التبول قائماً مع الكراهة، بمعنى أنه لا يأثم فاعله، لأن النبي ﷺ فعله إلا أنه خلاف الأولى لأن النبي ﷺ كاان يبول غالباً جالساً، ولا يبول قائماً إلاّ نادراً. أهـ كما أفاده ابن القيم في زاد المعاد. والمطابقة: في قوله فبال قائماً. ١٢٠ - " باب غسل الدم " ١٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء ﵂: " جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب: كيف تصنع " أي أخبرني عن حكم المرأة يصيب ثوبها دم الحيض ماذا يجب عليها أن تصنع به؟ " قال: تحته " أي تحكه بيدها أولاً " ثم تقرصه " بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء. أي ثم تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل ويخرج " وتنضحه " أي تغسله بالماء " والمعنى " أنها تزيل ذلك الدم من ثوبها بحكه أولاً ثم بدلكه وغسله حتى تزول آثاره من ثوبها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " وتنضحه " أي تغسله بالماء، وهو ما ترجم له البخاري. ويستفاد منه: وجوب غسل ما أصابه الدم من الثوب، سواء كان هذا الدم قليلاً أو كثيراً، وهو مذهب الشافعي في جميع النجاسات دماً أو غيره،

стр. 285

١٢١ - " بَابُ غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأةِ " ١٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ خْرُجُ إلى الصَّلَاةِ، وإنَّ بُقَعَ الْمَاءِ في ثَوْبِهِ. ــ حيث قال: لا يعفى عن شيء من النجاسة، بل يغسل الدم وغيره قليلاً كان أو كثيراً استدلالاً بهذا الحديث، لأن النبي ﷺ أمر أسماء ﵂ بغسل الثوب من دم الحيض، ولم يفرق بين قليله وكثيره. قال الشافعي، ولا فرق بين الدم وغيره، لأنه كله نجاسة. وفرق مالك بين الدم وغيره من النجاسات، فقال: أما غير الدم، فيجب غسله مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، وأما الدم فيغسل كثيره ويعفى عن يسيره لحديث عائشة ﵂ قالت: " ما كان لِإحدانا إلاّ ثوب واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها فقصعته بظفرها أخرجه البخاري وأبو داود، وقال أبو حنيفة: يعفى عن اليسير في سائر النجاسات ويغسل الكثير منها. ١٢١ - " باب غسل المني وفركه " ١٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ " أي أغسل المني بالماء من ثوب رسول الله ﷺ " فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه " أي فيخرج مسرعاً إلى الصلاة قبل أن يجف ثوبه حتى إن آثار الماء لا تزال بادية عليه. ويستفاد منه: نجاسة المني لأنها ﵂ كانت تزيله من ثوب النبي ﷺ بغسله بالماء، ولو لم يكن نجساً لما فعلت ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة أن المني نجس. وقال الشافعى وأحمد وداود الظاهري: المني طاهر

стр. 286

١٢٢ - " بَابُ أبوَالَ الإِبلَ والدَّوَابِ وَالْغنَمَ وَمَرَابِضِهَا " ١٤٦ - عن أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْل أوْ عُرَيْنَةَ فاجْتَوَوُا الْمَدِينة فأمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وأنْ يَشْرَبُوا مِنْ أبوَالِهَا وألبَانِهَا، فانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا الرَّاعِي واستَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبرُ فِي أوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جيءَ بِهِمْ، فأمَرَ بِقَطعِْ أيدِيهِم وأرجُلِهِم، وسُمِّرَتْ أعيُنُهُمْ، وألقُوا في الحَرَّةِ يَستَسقُونَ فلا يُسْقَونَ. ــ لما جاء في الرواية الأخرى عن عائشة ﵂ أنها كانت تفركه من ثوب النبي ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قول عائشة ﵂ " كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ ". ١٢٢ - " باب أبوال الإِبل والدواب والغنم ومرابضها " ١٤٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " قدم ناس من عكل " وهي قبيلة من تيم " أو عرينة " وهي حيٌّ من قضاعة، أي جاء إلى النبي ﷺ جماعة من هاتين القبيلتين متظاهرين بالإِسلام " فاجتووا المدينة " أي فأقاموا مدة مع النبي ﷺ في المدينة ثم شكوا المرض وأنّ جو المدينة لا يلائمهم صحياً " فأمرهم النبي ﷺ بلقاح " بكسر اللام جمع لقوح، وهي الناقة الحلوب من الإِبل، أي فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بنياق حلوب له خارج المدينة، وأن يذهبوا إليها، ويقيموا عندها " وأن يشربوا من أبوالها وألبانها " لأنّها علاج وشفاء " فلما صحّوا " أي فلما شفوا من مرضهم " قتلوا الراعي، واستاقوا النعم " بفتح النون والعين أي ساقوا الإِبل، وهربوا بها،

стр. 287

فقابلوا الإحسان بالإساءة، والمعروف بالنكران " فأمر النبي ﷺ بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم " أي كحلت بالمسامير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ أمرهم أن يشربوا من أبوالها، - وهذا دليل طهارتها. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: قال العيني: استدل مالك بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، سواء كان من الإبل أو الغنم أو غيرها من الدواب، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن والاصطخري والروياني الشافعيان، وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والثوري، وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وآخرون كثيرون: الأبوال كلها نجسة إلاّ ما عفي عنه، وأجابوا عنه بأن ما في حديث العُرَنيين قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه يباح في غير حال الضرورة، لأنّ ثمة أشياء أبيحت في الضرورات ولم تبح في غيرها كما في لبس الحرير، فإنه حرام على الرجال، وقد أبيح لبسه في الحرب أو للحكة أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع. وقال ابن حزم صح يقيناً أن رسول الله ﷺ إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي (١) من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة، وقد قال : (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب. ثانياً: مشروعية معاقبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا) ... إلخ. ...

стр. 288

١٤٧ - عَنْ أنس ﵁ قَالَ: كَانَ النبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ في مَرَابِضِ الْغَنَمِ. ــ ١٤٧ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان النبي ﷺ يصلي قل أن يبني المسجد " أي قبل أن يتم بناء مسجده الشريف " في مرابض الغنم " أي في مواضع نومها ليلاً، أو في أماكن شربها، يعني أنه كان ﷺ لا يرى مانعاً من الصلاة في مباركها عند نومها، أو في المواضع التي تشرب فيها، علماً بأنها لا تخلو من بعرها وبولها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان النبي ﷺ يصلي في مرابض الغنم " لأنّه يدل على جواز الصلاة في مرابضها، وطهارة أبوالها كما ترجم له البخاري. ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة في مرابض الغنم مطلقاً، وهو مذهب الجمهور. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلاّ الشافعي فإنه قال: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليماً من أبعارها وأبوالها، وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي ﵁ (١)، لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر والبول، فدل على الإباحة. ثانياً: طهارة أبوال الغنم - لأن النبي ﷺ أباح الصلاة في مرابضها وهي كما قال ابن بطال " لا تسلم من البعر والبول " فدل على الإباحة، وعلى طهارة البول والبعر. وقال ابن حزم: هذا الحديث منسوخ، لأنّ فيه أن ذلك كان قبل أن يبني المسجد، فاقتضى أنه في أوّل الهجرة، ولكن يرد عليه ما جاء في حديث أبي زرعة عن النبي ﷺ أنّه: قال " الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها " أخرجه البيهقي.

стр. 289

١٢٣ - " بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاساتِ في السَّمْنِ وَالمَاءِ " ١٤٨ - عَنْ مَيْمُونَة (١) ﵂: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأرَةٍ سَقَطَتْ في سَمْنٍ فَقَالَ: " ألْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ " (٢). ــ ١٢٣ - " باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء " ١٤٨ - معنى الحديث: تحدثنا ميمونة ﵂ " أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في دمه " أي سأله بعض الصحابة عن حكم الفأرة إذا سقطت في سمن جامدٍ " فقال: ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم " أي وكلوا بقية سمنكم، فإنّه طاهر مباحٍ الأكل، لأن النجاسة لا تسري فيه ما دام جامداً. الحديث: أخرجه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة. ويستفاد منه: أن الزيت والسمن وغيره إذا وقعت فيه النجاسة من فأرة ونحوها وكان جامداً طرحت النجاسة وما حولها، وأكل الباقي لأنه طاهر مباح الأكل، أما إذا كان سائلاً فإنه ينجس كله.

стр. 290

١٢٤ - " بَابُ الْبَوْلَُ في الْمَاءِ الدَّائِمَ " ١٤٩ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنهُ قَالَ: " لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِم لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ". ــ ١٢٤ - " باب البول في الماء الدائم " ١٤٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري " (١) أي أنه ﷺ نهانا عن التبول أو التغوط في الماء الساكن الذي لا يتحرك ولا يجري سواء كان قليلاً أو كثيراً " ثم يغتسل فيه " بالرفع على المشهور، وقال ابن مالك: يجوز الجزم عطفاً على يبولن. فعلى " الرفع " يكون معناه النهي عن البول في الماء الساكن، لأنه قد يحتاج إليه في وضوء أو غسل، فيمنع منه، أو يكره له استعماله وعلى الجزم يكون معناه أنه ﷺ نهانا عن التبول أو التغوط في الماء الساكن لئلا يؤدي إلى نجاسته أو كراهته، ونهانا أيضاً عن الاغتسال والانغماس فيه لئلا يسلبه ذلك طهوريته، أو يؤدي إلى كراهته. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: النهي عن التبول " أو التغوط " في الماء الراكد. وقد اختلفوا في حكمه، فقال مالك: يكره التبول في الماء القليل إذا كان لا يتغير به (٢) ويحرم إذا كان يؤدي إلى تغييره قليلاً كان أو كثيراً. وفرّق الجمهور بين القليل والكثير، فقالوا: يحرم في القليل مطلقاً، غيّره أو لم يغيره، ويكره في الكثير إذا لم يغيره، فإن غيره يحرم. ثانياًً: استدل به

стр. 291

١٢٥ - " بَابٌ إذَا ألْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أو جيفَة لم تفْسُد صَلَاتهُ " ١٥٠ - عنْ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وأبو جَهْل وأصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لبَعْضٍ: أيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلا جَزُورِ بَنِي فُلانٍ، فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إذا سَجَدَ، فانبعَثَ أشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بهِ، فَنَظر حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وأنا أَنْظرٌ ــ الحنفية والشافعية على أن الماء المستعمل في وضوء أو غسل هو ماء غير مطهر، فلا يجوز الوضوء أو الاغتسال فيه، لأن النبي ﷺ إنّما نهي عن استعماله لئلا يسلب طهوريته، وحمل المالكية النهي عن الاغتسال فيه على الكراهة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: قي قوله ﷺ : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ". ١٢٥ - " باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذرٌ أو جيفة لم تفسد عليه صلاته " ١٥٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ " أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت. وأبو جهل وأصحاب له " وهم السبعة المذكورون في الحديث الذين دعا عليهم النبي ﷺ " إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يأتي بسلا جزور بني فلان " وهو الجلد الذي يكون فيه ولد الماشية أثناء حملها به. " فانبعث أشقى القوم " أي فتصدى للقيام بهذا العمل الدنيء أشقى هؤلاء الرجال، وهو عقبة بن أبي معيط " فجاء " أي فأتى بسلا ذلك الجزور، " فنظر " أي فانتظر " حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على

стр. 292

لا أُغْنِي شَيئاً، لَوْ كَانَ لي مَنَعَة، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأسَهُ. حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ ﵂، فَطرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ ﷺ ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثمَّ سَمَّى فَقَال: " اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأبِي جَهْل، وَعَليْكَ بعُتبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وأمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أبي مُعَيْط "، وَعَدَّ السَّابعَ، فَلَمْ نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأيْتُ الَّذِيْنَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ. ــ ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئاً" أي لا أستطيع أن أدفع عن النبي ﷺ أو أحميه منهم، أو أرد عنه شيئاً " لو كانت لي منعة " أي وكم تمنيت في ذلك الوقت أن لو كانت لي أسرة قوية في مكة، تساعدني على أن أقوم بحماية النبي ﷺ والذود عنه، وأداء واجبي نحوه " قال: فجعلوا يضحكون " سخرية بالنبي ﷺ وفرحاً بما يفعلونه به " ويحيل بعضهم على بعض " بالحاء كما عليه أغلب الروايات، قال الحافظ: يحتمل أن يكون من حال يحيل بفتح الياء إذا وثب على ظهر دابته أي يثب بعضهم على بعض من المرح والبطر، وفي مسلم من رواية زكريا، ويميل بالميم أي من كثرة الضحك، وكذا للمصنف من رواية اسرائيل والله أعلم " فرفع رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات " أي فلما رفع النبي ﷺ رأسه من الركوع دعا على هذه الفئة الخبيثة من قريش بالهلاك لجرأتهم عليه، وإمعانهم في إيذائه، ولأنّ الله تعالى أخبره بأنه لا مطمع في إيمانهم، لأنه قد طبع على قلوبهم فلا

стр. 293

خير فيهم، بل في هلاكهم الخير كل الخير لقريش وغيرها من العرب. " فشق عليهم إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة " أي فصعب على نفوسهم أن يدعو عليهم النبي ﷺ في ذلك البلد الأمين، وتملكهم الخوف والفزع الشديد، لأنّهم كانوا يعتقدون أن دعوة المظلوم في البلد الحرام مستجابة، سيما إذا كانت في ذلك المقام. " ثم سمّى " أي ثم عيّن النبي ﷺ هؤلاء الأشرار، فدعا عليهم بأسمائهم " فقال: اللهم عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط " أي دعا على هؤلاء واحداً واحداً بالهلاك، فاستجاب الله دعاءه، فلم يمض إلا زمن يسير حتى هلكوا عن آخرهم، وأصبحوا كأمس الذاهب. " قال " ابن ميمون: " وعد السابع، فلم نحفظه " أي وعد رسول الله ﷺ السابع، أو عده عبد الله بن مسعود فلم يحفظ اسمه عمرو بن ميمون راوي الحديث والله أعلم. " قال " ابن مسعود ﵁: " فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الَّذِيْنَ عدّ رسول الله ﷺ صرعى بالقليب قليب بدر " أي رأيتهم موتى، قد ألقيت جثثهم في بئر بدر. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الطهارة من النجاسة واجبة مع القدرة، ساقطة عند العجز، وهو مذهب مالك ﵀ لأن النبي ﷺ لما ألقيت عليه النجاسة في الصلاة، ولم يكن قادراً على إزالتها، أتم صلاته، ولم يقطعها، ولو كانت النجاسة عند عدم القدرة تفسد الصلاة لقطعها، وقال الجمهور: الطهارة من النجاسة شرط في صحة الصلاة مطلقاً في جميع الأحوال لقوله تعالى: (وثيابك فطهر) وللمالكية فيها قولان مشهوران: الوجوب والسنيّة حال التذكر والقدرة والتمكن. فإن صلى بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها أعاد صلاته وجوباً لبطلانها، وعلى القول بأن إزالة النجاسة سنة تندب الإِعادة، وعلى كلا القولين تندب الإِعادة للناسي والعاجز عنها عند المالكية. ثانياً:

стр. 294

١٢٦ - " بَابُ الْبُزَاقِ وَالْمخاطِ وَئحْوِهِ في الثَّوْبِ " ١٥١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ في ثَوْبِهِ. ١٢٧ - بَابُ غَسْلِ الْمَرأةِ أباهَا الدَّم عَنْ وَجْهِهِ " ١٥٢ - عنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄: ــ استدل به البخاري (١) على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً لا تبطل صلاته لو تمادى فيها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ لم يقطع الصلاة حين ألقيت عليه النجاسة. ١٢٦ - " باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب " ١٥١ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " بزق النبي ﷺ في ثوبه " روي بالزاي، والصاد والسين، وهي رواية ضعيفة أي بصق ﷺ في ثوبه أثناء الصلاة، ولم يغسله من البصاق. ويستفاد منه: طهارة البصاق والمخاط ونحوه، لأنه ﷺ لم يغسل ثوبه منه، فدل ذلك على طهارته. ويؤخذ منه أيضاً أن الحركة اليسيرة لا يفسد الصلاة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: بزق النبي ﷺ في ثوبه. ١٢٧ - " باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه " ١٥٢ - الراوي: هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري روى عن

стр. 295

أنَّهُ سَألهُ النَّاسُ بأيِّ شَيءٍ دُوْوِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ أحَدٌ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلى يَجِيءُ بِتُرسِهِ فِيه ماء، وفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأخذ حَصِيْرٌ، فأحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ. ــ رسول الله ﷺ (١٣٨) حديثاً أخرج البخاري منها تسعة وثلاثين حديثاً، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة (٩١) هـ. معنى الحديث: أن الناس سألوا سهل بن سعد ﵁ " بأي شيء دووي جرح رسول الله ﷺ " أي بأي شيء دووي جرحه عندما شُجَّ في غزوة أحد " فقال ما بقي أحد أعلم به مني " أي لم يبق أحدٌ من أهل المدينة أعلم بذلك مني لأنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة " كان علي يجيءُ بترسه فيه ماء " أي يحضر الماء في ترسه " وفاطمة تغسل عن وجهه الدم، فأخذ حصير فأحرق فحشي به جرحه " أي أن فاطمة ﵂ غسلت وجهه ﷺ بالماء، ثم أحرقت حصيراً، وأخذت رماده، وحشت جرحه، فوقف الدم في الحال. ويستفاد منه: أولاً: جواز مباشرة المرأة أباها وذا رحمها إذا كان مريضاً أو جريحاً بتمريضه وعلاجه وخدمته، وهو ما عناه البخاري بالترجمة. ثانياًً: أن من الأدوية الطبية المعروفة عند العرب لايقاف الدم الرماد المستخرج من الحصير المحروق، حيث يحشى به الجرح، فيقف النزيف حالاً، لأنه مادة مجففة للدم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: وفاطمة تغسل عن وجهه الدم. ***

стр. 296

١٢٨ - " بَابُ السِّوَاكِ " ١٥٣ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجْدتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ أُعْ أُعْ والسِّوَاكُ في فِيهِ، كَأنَّهُ يَتَهَوَّعُ. ١٥٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ. ــ ١٢٨ - " باب السواك " ١٥٣ - معنى الحديث: يقول أبو موسى ﵁ " أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك " أي ينظف أسنانه بالسواك، ويبالغ في ذلك حتى يسمع منه صوت " ويقول: أُعْ أُعْ " بضم الهمزة وسكون العين " كأنه تهوع " أي يتقيىء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي أيضاً. والمطابقة: في قوله: يستن بسواك. ١٥٤ - معنى الحديث: يقول حذيفة ﵁: " كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه " أي إذا قام من نوم الليل يَدْلُك أسنانه بالسواك يزيل الرائحة التي تحدث عادة في الفم بعد النوم الطويل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " يشوص فاه ". ويستفاد من الحديثين: أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته ﷺ عليه ليلاً ونهاراً حتى أنه كان يستاك عند استيقاظه من النوم ليلاً، مما يدل على مواظبته عليه في جميع الأوقات.

стр. 297

١٢٩ - "بَابُ دَفْع السِّوَاكِ إلى الأكْبَرِ " ١٥٥ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄: أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أرانِي أتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فجَاءَنِي رَجُلانِ أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي: كَبِّر، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكبر، مِنْهُمَا. ــ ١٢٩ - " باب دفع السواك إلى الأكبر " ١٥٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أراني أتسوك بسواك " أي رأيت نفسي في المنام أني أستاك بسواك " فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر " في السن " فناولت السواك الأصغر " أي فلما انتهيت من السواك ناولته أصغرهما سناً " فقيل لي كبّر " أي فقال لي جبريل ﵇: إدفع السواك إلى الأكبر، وقدمه على من هو أصغر منه سناً. الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد منه: أنه يستحب دفع السواك إلى أكبر الحاضرين سناً، وتقديمه على غيره احتراماً له، وتكريماً وتقديراً لسنِّه، فإن من السنة تقديمه على غيره في كل شيء، قال القسطلاني: يستفاد منه تقديم ذي السن في السواك والطعام والشراب والمشي والركوب والكلام، نعم إذا ترتب القوم في الجلوس فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " كبّر ". ***

стр. 298

١٣٠ - " بَابُ فَضل مَنْ بَات عَلى الوُضُوءِ " ١٥٦ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عِازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقِّكَ الأيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ وَجْهِي إليْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وألجَأتُ ظَهْرِي إليْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إليْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا مِنْكَ إلَا إِلْيكَ، اللَّهُمَّ آمْنتُ بِكِتَابِكَ الَّذي أنزلْتَ، وَنَبِيِّكَ الذي ــ ١٣٠ - " باب فضل من بات على الوضوء " ١٥٦ - معنى الحديث: يرغّب النبي ﷺ أمته في الوضوء قبل النوم، والدعاء بهذا الدعاء المأثور، فيقول ﷺ للبراء بن عازب: " إذا أتيت مضجعك " أي إذا أردت أن تذهب إلى فراش نومك " فتوضأ وضوءك للصلاة " أي فتوضأ قبل أن تذهب إلى الفراش وضوءاً كاملاً، كما لو كنت تتوضأ للصلاة، حتى تنام وأنت على طهارة تامة " ثم اضطجع على شقك الأيمن "، لأنه أدعى إلى النشاط والاكتفاء بالقليل من النوم، وأعون على الاستيقاظ في آخر الليل، وأنفع للقلب لأنّه أخف عليه حيث يكون في الجهة العليا " ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك " أي أسلمت روحي عند نومي، وأودعتها ثم أمانة لديك، " وفوضت أمري إليك " أي توكلت في جميع أموري عليك، راجياً أن تكفيني كل شيء، وتحميني من كل سوء، لأنك قلت، وقولك الحق (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) " وألجأت ظهري إليك " أي وتحصنت بجوارك، ولجأت إلى حفظك، فاحرسنِي بعينك التي لا تنام، " رغبة ورهبة إليك " أي وإنما فعلتُ ذلك كله " رغبةً " أي طمعاً في رحمتك " ورهبة " أي خوفاً منك، فامنن علي برحمتك، وقني عذابك " لا ملجأ

стр. 299

أرْسَلْتَ، فإنْ متَّ من لَيْلَتِكَ فَأنتَ عَلَى الفِطرةِ، وَاجْعَلهنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّم بِهِ " قَالَ فَرَدَّدتهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغْت اللهمَّ آمَنْت بِكِتَابِكَ الذي أنزلْتَ قلْت: وَرَسولكَ، قَالَ: لا! وَنَبيِّكَ الذي أرْسَلْتَ". ــ ولا منجا منك إلاّ إليك" أي فإنه لا مفر منك إلاّ إليك، ولا ملاذ من عقوبتك إلاّ بالالتجاء إلى عفوك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. " آمنت بكتابك الذي أنزلت " وهو القرآن الكريم " ونبيك الذي أرسلت " وهو نبينا محمد ﷺ ثم قال له ﷺ بعد أن علمه هذا الذكر المبارك " فإن مِتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة " أي فإن متَّ في تلك الليلة التي نمت فيها على وضوء، واضطجعت على شقك الأيمن، وتحصنت فيها بهذا الذكر فإنّك تموت على دين الإِسلام وسنة خير الأنام. ويستفاد منه: استحباب الوضوء عند النوم، والاضطجاع على الشق الأيمن وتلاوة هذا الذكر المأثور، وأن من قرأه قبل نومه وبات على وضوء ثم مات من ليلته مات على الإِيمان والسنة، قال العسقلاني: وإنما ندب الوضوء عند النوم لأنه قد يقبض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد عن تلاعب الشيطان به في منامه. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: " متّ على الفطرة " لدلالته على أن من مات على وضوء مات على السنة. ***

стр. 300

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب الغسل " الغسل لغةً: إن كان بضم الغين فهو إراقة الماء على البدن مع الدلك، وأما بكسرها فهو ما يغسل به من ماء وصابون ونحوه، وبفتح الغين اسم للماء الذي يغسل به خاصة، ونقل القاري (١): أنه بالضم مشترك بين الفعل المعروف، والماء الذي يغسل به، ومنه قول ميمونة: " وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً ". أما الغسل شرعاً فهو كما في " المنهل العذب " (٢) إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد مع داخل الفم والأنف بنية رفع الحدث، ومع الدلك عند المالكية. ومن أسبابه: الجنابة وانقطاع دم الحيض والنفاس. والحكمة في الغسل: إزالة الفتور الذي يعقب الجنابة واستعادة القوة والنشاط البدني، ولهذا قال أبو ذر ﵁ بعد اغتساله: " كأني ألقيت عني حملاً " قال ابن القيم (٣) " وفي الغسل والوضوء بعد الوطءِ من النشاط وطيب النفس، وإخلاف ما تحلل من الجماع وكمال الطهر، والنظافة، واجتماع الحار الغريزي إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصول النظافة التي يحبها الله. اهـ. أمّا من الناحية النفسية فإن الإنسان بعد الجماع يحصل له نوع من التبلد الذهني الذي ينشأ عن ركود الدم (٤)، ومن رحمة الحكيم الخبير أنه

стр. 301

١٣١ - " بَابُ الْوُضُوءِ قَبلَ الْغسْلِ " ١٥٧ - عن عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأ كما يَتَوَضَّأ للصَّلَاةِ، ثمَّ يُدْخِلُ أصَابِعَهُ في الْمَاءِ، فَيُخَلَل بِهَا أصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ يفيضُ الْمَاءَ على جِلْدِهِ كُلِّهِ. ــ شرع هذا الغسل الذي يعيد للبدن قوته وللدم حركته، وللنفس الإنسانية نشاطها من جديد، وأما غسل الحائض والنفساء فهو لِإزالة القذارة والرائحة الكريهة. ١٣١ - " باب الوضوء قبل الغسل " ١٥٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه " قبل إدخالهما في الإِناء لتنظيفهما، مما يحتمل أنه علق بهما من الأقذار، وفي رواية ثم يغسل فرجه، وذلك لئلا يحتاج إلى غسله بعد الوضوء فينتقض وضوءه " ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة " أي مثل وضوئه للصلاة، " ثم يدْخِل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر " أي ثم يبلل أصابعه بالماء، فيحرك بها أصول الشعر ليصل الماء إلى بشرة الرأس، " ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات " أي يغسل رأسه ثلاث مرات، كل مرة بغرفةٍ مستقلة " ثم يفيض الماء على جلده كله " أي ثم إذا انتهي من الوضوء وتخليل الشعر وغسل الرأس ثلاثاً يصب الماء على جسده فيعممه بالماء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي ومالك أيضاً. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: بيان كيفية غسله ﷺ وأنه يبدأ بغسل

стр. 302

١٥٨ - عَنْ مَيمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَوَضَّأ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وما أصَابَهُ مِنَ الَأذَى، ثُمَّ أفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذَا (١) غُسلُهُ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ". ــ اليدين، ثم الفرج، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يخلل شعر رأسه ويغسله ثلاثاً، ثم يعمم جسده بالماء. ثانياً: مشروعية أو استحباب الوضوء قبل الغسل كما ترجم له البخاري. ثالثاً: مشروعية تخليل شعر الرأس واللحية، قال الزرقاني: ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقاً، إلاّ إذا كان الشعر ملبداً. بمعنى أنه مستحب، ولكن هذا في الحقيقة هو مذهب الجمهور، أمّا المالكية فمشهور مذهبهم وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما كما أفاده الخطاب، حيث نقل عن ابن الحاجب أنه قال: الأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما. والمطابقة: في قولها: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة". ١٥٨ - معنى الحديث: تصف لنا أم المؤمنين السيدة ميمونة ﵂ غُسْل رسول الله ﷺ فتقول: " توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه " الواو لمطلق الجمع، وليست للترتيب، والمعنى: أنه ﷺ بدأ أولاً بغسل فرجه، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة إلّا أنه لم يغسل رجليه، وإنما أخر غسلهما إلى نهاية غسْله. والمراد أنه ﷺ كان يبدأ بغسل الفرج قبل الوضوء، كما يدل عليه حديث ابن عمر عن النبي ﷺ " أنّه كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى، ثم غسل فرجه " إلخ " ثم أفاض عليه الماء " أي ثم بعد الفراغ من الوضوء غسل جسده

стр. 303

١٣٢ - " بَابُ غُسْلَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ " ١٥٩ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا والنَّبِيُّ ﷺ من إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ. ــ كله وصب عليه الماء. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الوضوء قبل الغسل كما ترجم له البخاري وهو سنّة عند الجمهور لهذه الأحاديث، وليس بواجب لقوله ﷺ لأم سلمة: " يكفيك أن تفيضي عليك الماء " وذهب داود وأبو ثور إلى وجوبه، ولا دليل عليه في هذا الحديث. ويكون بعد غسل الفرج. ثانياً: تأخير غسل القدمين إلى ما بعد نهاية الغسل لقول ميمونة " ثم أفاض عليه الماء، ثم نحّى رجليه فغسلهما " وهو مذهب الجمهور وبعض المالكية كما أفاده الزرقاني، وذهب الشافعي ومالك في المشهور عنه إلى تقديم غسل الرجلين وفعله في الوضوء، وقالت الحنفية: يؤخرهما إن كان المغتسل يجتمع فيه الماء كما أفاده في " فيض الباري ". ١٣٢ - " باب غسل الرجل مع امرأته " ١٥٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد " الواو واو المعيّة، ويحتمل أن تكون عاطفة والمراد أن النبي ﷺ كان يغتسل مع السيدة عائشة من إناءٍ واحد، يغترف منه وتغترف منه، قال الحافظ يحتمل أن يكون " النبي " مفعولاً معه، ويحتمل أن يكون عطفاً على الضمير " من قدح يقال له الفرَق " بفتح الراء كما رواه الحافظ، وقال ابن التين باسكان الراء. وهو ثلاثة آصع. الحديث:

стр. 304

١٣٣ - " بَابُ الْغسْلِ بالصَّاعِ وَئحْوِه " ١٦٠ - عن عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا سُئِلَتْ عنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَتْ بإنَاءٍ نَحْوٍ مِنْ صَاع فاغْتَسَلَتْ وأفَاضَتْ عَلَى رَأسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَاب. ــ أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز اغتسال الرجل مع زوجته من إناء واحد. قال الترمذي، وهو قول عامة الفقهاء أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، وقد نقل القرطبي والطحاوي والنووي الاتفاق على جوازه. ثانياً: جواز اغتسال المرأة بفضل طهور الرجل، وجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة لأن النبي ﷺ وعائشة ﵂ اجتمعا في الغسل من إناء واحد وذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه إلى المنع من التطهر بفضل طهور المرأة إذا خلت به (١) لحديث الترمذي " نهي رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة " قال أبو عيسى: وهو قول أحمد وإسحاق كرها فضل طهورها. اهـ. والمطابقة: في قولها: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد (٢). ١٣٣ - " باب الغسل بالصاع ونحوه " ١٦٠ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " سئلت عن غسل رسول الله ﷺ " أي سألها عبد الله بن يزيد، وهو أخوها من الرضاعة،

стр. 305

١٦١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁: أنَّهُ سَألهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُل: مَا يَكْفِيني! فَقَالَ جَابِرُ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أوْفَى مِنْكَ شَعْراً وخَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أمَّنَا في ثَوْبٍ. ــ ورجح العيني أنه عبد الرحمن بن أبي بكر والله أعلم " فدعت بإناءٍ نحو (١) من صاع " أي فطلبت أن يُحْضِروا لها إناءً يسع مقدار صاع من الماء، والصاع عند الجمهور خمسة أرطال وثلث " فاغتسلت وأفاضت على رأسها " أي فاغتسلت بذلك الماء الذي يبلغ مقداره صاعاً وصبت الماء على رأسها، وعَمَّتْ جسدها كله بالماء، ولم يذكر في هذا الحديث أنها توضأت قبل الغسل إما اختصاراً أو اقتصاراً على القدر الواجب الذي لا يصح الغسل إلاّ به، وهذا يحتمل وجهين: إما أن تكون عائشة اقتصرت على مجرد الغسل ولم تتوضأ بياناً للجواز واقتصاراً على القدر الواجب وإما أن تكون قد توضأت، ولكن الراوي اختصر الحديث. ويستفاد منه: استحباب الاقتصاد في الماء عند الغسل، والاكتفاء بقدر الصاع إذا أجزأ الجسم وكفى لغسل جيع أعضائه، وإلّا فالقدر الكافي بلا حد. دون إسراف في الماء، أو تقتير في غسل بعض الأعضاء بتركها دون غسل أو عدم استيعابها وإتمام غسلها. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فدعت بإناءٍ نحو من صاع ". ١٦١ - معنى الحديث: أن جابر بن عبد الله ﵄ " سأله رجل عن الغسل " أي سأله عن قدر الماء الذي يستحب له أن لا يزيد عليه في الغسل إن أمكنه وكفاه: " فقال: يكفيك صاع " وهو خمسة أرطال

стр. 306

١٣٤ - " بَابُ مَنْ أفَاضَ علَى رَأسِهِ ثَلَاَثاً " ١٦٢ - عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَّا أنا فأُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلَاثاً " وأشَارَ بِيَدَيْه كِلْتَيْهِمَا. ــ وثلث، أي قال جابر لهذا السائل وهو أبو جعفر محمد الباقر: يكفيك هذا القدر من الماء " فِقال رجل " وهو الحسن بن محمد بن الحنفية " ما يكفيني " هذا القدر " فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً وخير منك " أي كان الصاع من الماء يكفي في الغسل من هو أكثر منك شعراً، وأفضل منك، وهو رسول الله ﷺ . " ثم أمّنا " أي صلى بنا إماماً " في ثوب " أي صلى بنا وهو في ثوب واحد فقط. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب تقليل الماء في الغسل بلا حدٍ كما تقدم شرحه في الحديث السابق. ثانياً: جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا كان ساتراً. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: يكفيك صاع. ١٣٤ - " باب من أفاض على رأسه ثلاثاً " ١٦٢ - ترجمة راوي الحديث: هو جبير بن مطعم بكسر العين النوفلي من سادات قريش، وكبار نسابيها، أسلم عام خيبر، وروى ستين حديثاً، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد، توفي بالمدينة سنة أربع وعشرين هـ. معنى الحديث: أن بعض القوم كما في رواية مسلم قال: أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا - أي أغسله مرات كثيرة تزيد على ثلاث مرات فأجابه

стр. 307

١٣٥ - " بَابُ مَنْ بَدأ بالْحِلَابِ عِنْدَ الغسل " ١٦٣ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ من الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأ بِشِقِّ رَأسِهِ الأيْمَنِ، ثمَّ الأيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأسِهِ. ــ النبي ﷺ بقوله " أما أنا فأفيض (١) على رأسي ثلاثاً " أي إذا كنت تغسل رأسك أكثر من ثلاث مرات، فليس ذلك من سنتي، لأنني إنما أغسل رأسي ثلاث مرات فقط، ولا أزيد على ذلك، فإن زدتَ فقد خالفت السنة، ولا ينبغي. ذلك. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي. والمطابقة: في قوله: " فأفيض على رأسي ثلاثاً ". ويستفاد منه: أنه يستحب التثليث في غسل الرأس وسائر الأعضاء وهو مذهب الجمهور، قال العيني: ويستنبط منه (٢) أن المسنون في الغسل أن يكون ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأمّا الفرض منه فغسل سائر البدن بالإجماع - أي مرةً واحدة، وقال ابن بطال: العدد في ذلك مستحب عند العلماء وما عم وأسبغ أجزأ. ١٣٥ - " باب من بدأ بالحلاب عند الغسل " ١٦٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب " أي كان ﷺ إذا أراد الغسل من الجنابة استعد له، فأمر بإحضار ما يلزمه من إناء وماء، وطلب

стр. 308

١٣٦ - " بَاب هَلْ يُدخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِناءِ قبلَ أنْ يَغسِلَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ " ١٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا والنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أيدِينَا فِيهِ. ــ إناءً مثل الحلاب، وهو إناء يسع ثمانية أرطال، وسمى حلاباً لأنه يسع قدر حَلْبَةِ الناقة كما أفاده الخطابي، ومنه قول الشاعر: صَاحِ هَلْ رَأيت أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرعِ مَا بقِيَ مِنْ حِلابَ (١) " فأخذ بكفيه " الماء " فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر " أي فبدأ بغسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الأيسر منه، " فقال بهما على وسَط رأسه " قال العيني: أي قلب بكفيه على وسط رأسه، والظاهر أن معناه أنّ النبي ﷺ غسل شق رأسه، الأيمن أولاً، ثم الأيسر، ثم قلب الماء بكفيه على وسط رأسه، فغسله أخيراً والله أعلم. ويستفاد منه: استحباب الاستعداد للغسل من الجنابة قبل الشروع فيه وإحضار ما يلزم له من إناء وماء، وأن يبدأ بالميامن قبل المياسر في الرأس وسائر الأعضاء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: بدأ بالحِلاَب. ١٣٦ - " باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة " ١٦٤ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد " يجوز في النبيّ الرفع على العطف،

стр. 309

فيكون المعنى كنت أشترك أنا والنبي ﷺ في الاغتسال من الماء الموجود في الإِناء الواحد، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه فيكون معناه كنت أغتسل مع النبيّ من إناء واحد " تختلف أيدينا فيه " أي فأدخل يدي في الإِناء مرة لأغترف منه، ويدخل يده ﷺ في الإِناء مرة ليغترف منه، كما جاء في رواية للبخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، نغرف منه جميعاً " أخرجه البخاري في باب تخليل اللحية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها: " تختلف أيدينا فيه ". ويستفاد من الحديث: كما قال الحافظ: جواز اغتراف الجنب من الماء (١) القليل وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء، ولا بما يفضل منه. " قال ": وتوجيه الاستدلال به للترجمة أن الجنب لما جاز له أن يدخل يده في الإِناء ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة. اهـ. ...

стр. 310

١٣٧ - " بَابٌ إذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَد، وَمْن دَارَ عَلَى نِسَائِهِ في غُسلٍ وَاحِدٍ " ١٦٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أطيَبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ على نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمَاً يَنْضَحُ طِيباً. ١٦٦ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ في السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ ــ ١٣٧ - " باب إذا جامع ثم عاود، ومن دار على نسائه في غسل واحد " ١٦٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أطيب رسول الله ﷺ ليطوف على نسائه " أي فيجامعهن كلهن بغسل واحدٍ كما في رواية أنس ﵁: " أنه ﷺ كان يطوف على نسائه بغُسلٍ واحد " أخرجه البخاري " ثم يصبح محرماً ينضح طيباً " أي تفوح منه رائحة الطيب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز معاودة الجماع بغسل واحد لزوجة واحدة أو لعدة زوجات، وعدم كراهية الإكثار من الجماع عند القدرة عليه. ثانياً: استحباب الطيب عند الجماع، لأنه يزيد الرغبة، قال ابن القيم (١) القوى تزيد بالطيب، كما تزيد بالطعام والشراب. والمطابقة: في قوله: " فيطوف على نسائه ". ١٦٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: "كان رسول

стр. 311

والنهَارِ، وَهُنَّ إحْدَى عَشرَةَ -وفي رِوَاية تِسْعُ نِسْوةٍ- قِيلَ: أوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاِثينَ. ــ الله ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار " أي يباشرهن جميعاً في ساعة واحدة، إما بغسل واحد كما في رواية الترمذي أنه ﷺ " كان يطوف على نسائه في غسل واحد أو يغتسل عند هذه وهذه كما كان يفعل أحياناً " " وهن إحدى عشرة وفي رواية تسع نسوة " وهي الأرجح كما أفاده الحافظ، لأنه ﷺ لم يجتمع عنده أكثر من تسع، وتحتمل رواية إحدى عشرة، أنه عد منهن مارية، وريحانة. وهما جواريه لا زوجاته " قيل " أي فقال بعضهم لأنس ﵁ " أو كان يطيقه قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين " رجلاً، وفي رواية أبي نعيم " وأعطي قوة أربعين من رجال أهل الجنة ". والرجل منهم كما في الحديث " يعطى قوة مائة في الأكل والشرب والشهوة " أخرجه النسائي وأحمد والحاكم وصححه. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " كان يدور على نسائه ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يجوز للرجل أن يطوف على نسائه جميعاً في وقت واحد لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وأنه لا بأس بكثرة الجماع لمن يطيقه، كما يجوز له أن يطوف عليهن بغسل واحد لما في حديث الترمذي الذي مرَّ بنا إلاّ أنه يستحب الغسل لكل جماع. ثانياًً: ما أعطي ﷺ من قوة الجماع، وتلك فضيلة من الفضائل. قال ابن العربي المالكي: كان العرب وغيرهم من الأمم يتمدحون بقلة الأكل وكثرة الجماع. ***

стр. 312

١٣٨ - " بَابُ تخلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتهُ، أفَاضَ عَلَيْهِ " ١٦٧ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وتَوَضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلل بِيَدِهِ شَعْرَهُ، حَتَّي إِذَا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. وَقَالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعَاً. ــ ١٣٨ - " باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه " ١٦٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل " وقد تقدم شرحه في باب الوضوء قبل الغسْلِ " ثم يخلل بيده شعره " وفي رواية للبخاري ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره - أي يغمس أصابع يديه في الماء حتى تبتل، ثم يدخلها في شعره، فيحرك بها أصول الشعر ليروي بشرته ويبلها بالماء، " حتى إذا ظنّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء " أي فإذا غلب على ظنه أنه أوصل الماء إلى جلدة رأسه صب الماء على رأسه " ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده " أي ثم غسل بقية بدنه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: " ثم يخلل بيده شعره ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية تخليل الشعر في الغسل، وهو

стр. 313

١٣٩ - " بَابٌ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخرُجُ كما هُوَ ولا يَتَيَمَّمُ " ١٦٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُفُوفُ قِياماً، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فلمَّا قَامَ في مُصلَّاهُ ذكر أنَّه جُنُبٌ فقال لنا: مَكَانَكُمْ، ثم رَجَعَ فاغْتَسَلَ ثم خَرَجَ إليْنَا ورَأسُهُ يَقْطرٌ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. ــ مستحب أثناء صب الماء أو بعده عند الحنفية والشافعية والحنابلة في الرأس واللحية (١) إذا أمكن وصول الماء إلى البشرة بدونه، وإلّا وجب. وذهبت المالكية إلى وجوبه في الرأس (٢) واللحية سواء كان الشعر خفيفاً أو كثيفاً كما أفاده الحطاب. ثانياً: مشروعية التثليث في غسل الرأس، وهو سنة اتفاقاً وألحق به الشافعي سائر الجسد. ١٣٩ - " باب إذا ذكر في السجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يَتَيَمَّم " ١٦٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياماً " أي أقيمت صلاة الجماعة، وسويت الصفوف واعتدل الناس قياماً " فلما قام في مصلاه " أي فلما وقف النبي ﷺ في المكان الذي يصلي فيه " ذكر أنه جنب فقال فما: مكانكم " أي قفوا مكانكم وانتظروني حتى أعود إليكم، " ثم رجع " أي ثم خرج النبي ﷺ من المسجد: وعاد إلى بيته " فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر

стр. 314

١٤٠ - " بَابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَاناً وَحْدَهُ في الْخلْوَةِ وَمَنْ تسَتر فالتَّسَتُّرُ أفضل " ١٦٩ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينْظرٌ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْض، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فقالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ موسَى أنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أنه آدَرُ، فذَهَبَ مَرَّة يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فخرَجَ مُوسَى في إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ ثَوْبِى يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظرتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ ــ فكبر" تكبيرة الإحرام ولم يعد الإقامة " وصلينا معه " صلاة الفجر. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن من تذكر الجنابة في المسجد فإن عليه أن يخرج منه، ولا يجب عليه التيمم قبل الخروج، وهو مذهب الجمهور كما ترجم له البخاري ودل عليه الحديث خلافاً للثوري وأبي حنيفة حيث قالوا: يجب عليه التيمم قبل الخروج. ثانياً: جواز الفصل بين الإِقامة والصلاة بفعل أو قول يتعلق بمصلحة الصلاة، ولا تجب إعادة الإقامة، وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ ذكر الجنابة فخرج من المسجد دون أن يتيمم. ١٤٠ - " باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة ... إلخ " ١٦٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة " أي يغتسل بعضهم مع بعض عراة فيرى كل واحد منهم عورة الآخر، ولا يرون في ذلك بأساً " وكان موسى يغتسل وحده " أي يختلي وينفرد وحده عند الاغتسال يستر عورته عن الناس حياءً واحتشاماً وامتثالاً

стр. 315

مَا بِمُوسَى من بَأْسٍ، وأخَذَ ثَوْبَهُ فَطفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْباً". فَقَالَ أبو هُرَيرَةُ: واللهِ إنَّهُ لنَدَبٌ بالْحَجَرِ سِتَّة أوْ سَبْعَة ضَرْباً بالحْجَرِ". ــ لأمر الله لأن شريعته كانت تأمر بذلك " فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنه آدر " أي فقالوا بناءً على ظنهم الكاذب: والله لم يعتزل موسى عنا عند اغتساله إلاّ لأنه آدر - أي منتفخ الخصيتين، فهو يستتر ليخفي عن الناس هذه العاهة الجسمية الموجودة خشية الفضيحة، " فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر " أي فأراد الله تعالى أن يبرأ موسى ﵇ مما قالوا، ويكشف لهم عن سلامة جسمه من جميع العيوب البدنية، فذهب موسى كعادته ليغتسل وحده، فخلع ثوبه ووضعه على حجر، فهرب الحجر بثوبه، ليتم ما أراده الله " فخرج موسى في إثره " بكسر الهمزة وسكون الثاء، وحكى فتحمها، أي فخرج موسى من المكان الذي كان يغتسل فيه يسير وراء الحجر، وهو " يقول ثوبي يا حجر " أي أعطني ثوبى يا حجر، ورأى اليهود موسى وهو عار من ثيابه، وظهرت لهم براءته وسلامته من العيوب الجسمية، والأمراض البدنية " فقالوا: والله ما بموسى من بأس " أي فتبين لهم كذب ظنهم في موسى فأقسموا على خلوه من كل عيب وعاهة. " فطفق بالحجر ضرباً " أي فأخذ موسى بضرب ذلك الحجر ضرباً شديداً لأنه كان سبباً في ظهور عورته " والله إنه لَنَدَبٌ " (١) أي والله إن آثار الضرب ظاهرة على الحجر " ستة أو سبعة " أي بحيث يتبين للناظر عددها ستة آثار أو سبعة آثار. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه اغتسل وحده عرياناً.

стр. 316

١٧٠ - وَعَنْهُ ﵁: عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: " بَيْنَا أيوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانَاً فخرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ من ذَهَب فجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَُّبهُ يا أيوبُ ألمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى، قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ ". ــ ١٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " بينا أيوب يغتسل عرياناً " أي بينما كان يغتسل وحده عرياناً " فخر عليه جراد من ذهب " أي فسقط عليه جراد من الذهب اختباراً له، ومعجزة من معجزاته ﵇، " فجعل أيوب يحتثي (١) في ثوبه " أي يجمع تلك القطع الذهبية التي تساقطت عليه في ثوبه " فناداه ربه " معاتباً له " ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك! ولكن لا غنى لي عن بركتك " أي فأجاب أيوب بذلك الجواب السديد. -ونعم الناصر الجواب الحاضر- فقال: بلى أغنيتني بفضلك الواسع فأنعمت على بالصحة بعد المرض، وبالغنى بعد الفقر، وبالسلامة من العاهات البدنية التي كنت أعانيها مدة من الزمان، فطهّرت جسمي منها ولكن هذا الذهب نعمة من نعمك، وخيرٌ من عندك، فكيف أستغني عن خيرك ونعمتك، وأنا لما أنزلت إلي من خير فقير. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في قوله: " بينا أيوب يغتسل عرياناً ". ويستفاد من الحديثين: جواز التعرّي عند الخلوة، لأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل الدليل على نسخه، وقد قال : (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).

стр. 317

١٤١ - " بَابُ التَّسَتُّرِ في الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ " ١٧١ - عن أمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أبي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ؟ " فقُلْتُ: أنا أمُّ هَانِىءٍ. ــ ١٤١ - " باب التَّستر في الغُسْل عند الناس " ١٧١ - ترجمة راوية الحديث: هي أم هانىء " فاختة " بنت أبي طالب عم رسول الله ﷺ وأخت عليّ ﵄، روت ستة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديث، ولها في البخاري حديثان. معنى الحديث: تقول أم هانىء ﵂: " ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح " أي ذهبت للسلام عليه عندما قدم إلى مكة في غزوة الفتح " فوجدته ﷺ يغتسل وفاطمة تستره " أي تضع له ستاراً كثيفاً يحجبه عن الناس " فقال من هذه " وفي رواية الموطأ: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ " فقلت أنا أم هانىء " أي فعرّفته بنفسي، وذكرت له اسمي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب التستر أثناء الغسل عن أعين الناس، وتحريم الاغتسال أمامهم دون ستار، وقد قال ابن بطال: من دخل الحمام بغير مئزرٍ تسقط شهادته، وهو قول الجمهور. ثانياًً: جواز الاغتسال بحضرة المحرم إذا حال بينهما ساتر من ثوب ونحوه. والمطابقة: في قوله: " وفاطمة تستره ". ***

стр. 318

١٤٢ - " بَابُ عَرَقِ الْجُنُبِ وأنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ " ١٧٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بَعْض طُرُقِ الْمَدِيْنَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْتُ، فَذَهَبْتُ فاْغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ (١) فَقَالَ: " أيْنَ كُنْتَ؟ "، قَالَ: كُنتُ جُنُبَاً فَكَرِهْتُ أن أجَالِسَكَ وأنا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقاَل: " سُبْحَانَ اللهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ". ــ ١٤٢ - " باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس " ١٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب " أي والحال أن أبا هريرة كان في ذلك الوقت جنباً " قال فانخنست " بالخاء المعجمة من الخنوس، وهو الاختفاء أي فتغيبت عن وجهه، وأخفيت شخصي لئلا ألقاه بجنابتي ظناً منه أنّ الجنابة نجاسة ذاتية تمنعه عن مقابلة النبي ﷺ " فقال أين كنت؟ قال: كنت جنباً فكرهت. أن أجالسك. وأنا على غير طهارة " أي فكرهت أن أجالسك وأنا نجس " فقال: سبحان الله " أي فسَبَّحَ النبي ﷺ تعجباً من ظن أبي هريرة أن الجنابة نجاسة تمنعه عن مقابلته أو مقابلة غيره، وتحول دون مجالسته ﷺ أو مجالسة سواه، لأنّه ظن غير صحيح، فالجنابة إنما تمنع من الصلاة ومس المصحف ودخول المسجد، ولا تمنع من مجالسة المسلمين ومقابلتهم، ولا يصير بها الجنب نجساً، فإن المؤمن طاهر الذات أبداً، سواء كان جنباً أو غير جنب ولهذا قال ﷺ : " إن المؤمن لا ينجس " أي لا

стр. 319

١٤٣ - " بَابُ كَيْنُونةِ الْجُنُبِ في الْبَيتِ إذَا توَضَّأ قَبلَ أنْ يَغتسِلَ " ١٧٣ - عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: أنَّهُ سَأل النَّبِيَّ ﷺ : أيَرْقُدُ أحَدُنَا وَهُوَ جُنب؟ قَالَ: " نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ ". تَتَنَجَّسُ ذاته ولا تصيّره الجنابة نجساً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: طهارة المسلم في جميع الأحوال، فهو طاهر الذات ولو كان جنباً أو ميتاً وجسمه ولعابه وعرقه كله طاهر، سواء كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، وسواء كان حياً أو ميتاً، وذهب الشافعي في أحد قوليه: إلى نجاسة الميت، وكذلك الكافر طاهر عند الجمهور، خلافاً للظاهريّة. ثانياًً: أنه ينبغي أن لا يلام المرء على شيء حتى يسأل عنه أولاً. والمطابقة: في قوله: " إن المؤمن لا ينجس ". ١٤٣ - " باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل " أي هذا باب يذكر فيه أنه يجوز للجنب أن يبقى بجنابته في البيت مكتفياً بالوضوء، وأن ينام بذلك دون أن يغتسل. ١٧٣ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ " سأل النبي ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ " أي هل يجوز للمسلم أن ينام على جنابة دون أن يغتسل " قال: نعم " يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل " إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب " أي لا مانع من أن ينام بجنابته دون غسل، ما دام قد توضأ قبل نومه، وهذا الوضوء أيضاً مستحب لا واجب. فلو نام دون وضوء لا حرج عليه.

стр. 320

١٤٤ - " بَاب إِذَا الْتَقَى الْخِتَانانِ " ١٧٤ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأرْبَع ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ". ــ ويستفاد منه: جواز نوم الجنب دون غسل لأنّ الغسل إنما يلزم للصلاة ونحوها، وإن كان النوم على غسل أفضل ويستحب له -إن لم يغتسل- وأراد نوماً أو أكلاً أو شرباً أو معاودة جماع أن يتوضأ عند الجمهور، وقالت الظاهرية: يجب عليه الوضوء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " نعم " في جواب قوله أيرقد أحدنا وهو جنب. ١٤٤ - " باب إذا التقى الختانان " ١٧٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا جلس بين شعبها " أي إذا جلس بين أطرافها الأربعة " ثم جهدها " أي جامعها بإدخال تمام الحشفة في الفرج " فقد وجب الغسل " على كِلا الزوجين أنزلا، أم لم ينزلا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه: أن الجماع يوجب الغسل مطلقاً، ولو لم ينزلا. أما قوله ﷺ : " إنّما الماء من الماء " الذي يدل على أنه لا يجب الغسل إلاّ من نزول المنى فإنه منسوخ. والمطابقة: في قوله: " ثم جهدها فقد وجب الغسل " كما أفاده العيني. ***
следующие страницы →