١٧٠ - وَعَنْهُ ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: " بَيْنَا أيوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانَاً فخرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ من ذَهَب فجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَُّبهُ يا أيوبُ ألمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى، قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ ".
ــ
١٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " بينا أيوب يغتسل عرياناً " أي بينما كان يغتسل وحده عرياناً " فخر عليه جراد من ذهب " أي فسقط عليه جراد من الذهب اختباراً له، ومعجزة من معجزاته ﵇، " فجعل أيوب يحتثي (١) في ثوبه " أي يجمع تلك القطع الذهبية التي تساقطت عليه في ثوبه " فناداه ربه " معاتباً له " ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك! ولكن لا غنى لي عن بركتك " أي فأجاب أيوب بذلك الجواب السديد. -ونعم الناصر الجواب الحاضر- فقال: بلى أغنيتني بفضلك الواسع فأنعمت على بالصحة بعد المرض، وبالغنى بعد الفقر، وبالسلامة من العاهات البدنية التي كنت أعانيها مدة من الزمان، فطهّرت جسمي منها ولكن هذا الذهب نعمة من نعمك، وخيرٌ من عندك، فكيف أستغني عن خيرك ونعمتك، وأنا لما أنزلت إلي من خير فقير. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في قوله: " بينا أيوب يغتسل عرياناً ".
ويستفاد من الحديثين: جواز التعرّي عند الخلوة، لأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل الدليل على نسخه، وقد قال : (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).
стр. 317
١٤١ - " بَابُ التَّسَتُّرِ في الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ "
١٧١ - عن أمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أبي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ:
ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ؟ " فقُلْتُ: أنا أمُّ هَانِىءٍ.
ــ
١٤١ - " باب التَّستر في الغُسْل عند الناس "
١٧١ - ترجمة راوية الحديث: هي أم هانىء " فاختة " بنت أبي طالب عم رسول الله ﷺ وأخت عليّ ﵄، روت ستة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديث، ولها في البخاري حديثان.
معنى الحديث: تقول أم هانىء ﵂: " ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح " أي ذهبت للسلام عليه عندما قدم إلى مكة في غزوة الفتح " فوجدته ﷺ يغتسل وفاطمة تستره " أي تضع له ستاراً كثيفاً يحجبه عن الناس " فقال من هذه " وفي رواية الموطأ: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ " فقلت أنا أم هانىء " أي فعرّفته بنفسي، وذكرت له اسمي.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب التستر أثناء الغسل عن أعين الناس، وتحريم الاغتسال أمامهم دون ستار، وقد قال ابن بطال: من دخل الحمام بغير مئزرٍ تسقط شهادته، وهو قول الجمهور. ثانياًً: جواز الاغتسال بحضرة المحرم إذا حال بينهما ساتر من ثوب ونحوه. والمطابقة: في قوله: " وفاطمة تستره ".
***
стр. 318
١٤٢ - " بَابُ عَرَقِ الْجُنُبِ وأنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ "
١٧٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بَعْض طُرُقِ الْمَدِيْنَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْتُ، فَذَهَبْتُ فاْغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ (١) فَقَالَ: " أيْنَ كُنْتَ؟ "، قَالَ: كُنتُ جُنُبَاً فَكَرِهْتُ أن أجَالِسَكَ وأنا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقاَل: " سُبْحَانَ اللهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ".
ــ
١٤٢ - " باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس "
١٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب " أي والحال أن أبا هريرة كان في ذلك الوقت جنباً " قال فانخنست " بالخاء المعجمة من الخنوس، وهو الاختفاء أي فتغيبت عن وجهه، وأخفيت شخصي لئلا ألقاه بجنابتي ظناً منه أنّ الجنابة نجاسة ذاتية تمنعه عن مقابلة النبي ﷺ " فقال أين كنت؟ قال: كنت جنباً فكرهت. أن أجالسك. وأنا على غير طهارة " أي فكرهت أن أجالسك وأنا نجس " فقال: سبحان الله " أي فسَبَّحَ النبي ﷺ تعجباً من ظن أبي هريرة أن الجنابة نجاسة تمنعه عن مقابلته أو مقابلة غيره، وتحول دون مجالسته ﷺ أو مجالسة سواه، لأنّه ظن غير صحيح، فالجنابة إنما تمنع من الصلاة ومس المصحف ودخول المسجد، ولا تمنع من مجالسة المسلمين ومقابلتهم، ولا يصير بها الجنب نجساً، فإن المؤمن طاهر الذات أبداً، سواء كان جنباً أو غير جنب ولهذا قال ﷺ : " إن المؤمن لا ينجس " أي لا
стр. 319
١٤٣ - " بَابُ كَيْنُونةِ الْجُنُبِ في الْبَيتِ إذَا توَضَّأ قَبلَ أنْ يَغتسِلَ "
١٧٣ - عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:
أنَّهُ سَأل النَّبِيَّ ﷺ : أيَرْقُدُ أحَدُنَا وَهُوَ جُنب؟ قَالَ: " نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ ".
تَتَنَجَّسُ ذاته ولا تصيّره الجنابة نجساً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: طهارة المسلم في جميع الأحوال، فهو طاهر الذات ولو كان جنباً أو ميتاً وجسمه ولعابه وعرقه كله طاهر، سواء كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، وسواء كان حياً أو ميتاً، وذهب الشافعي في أحد قوليه: إلى نجاسة الميت، وكذلك الكافر طاهر عند الجمهور، خلافاً للظاهريّة. ثانياًً: أنه ينبغي أن لا يلام المرء على شيء حتى يسأل عنه أولاً.
والمطابقة: في قوله: " إن المؤمن لا ينجس ".
١٤٣ - " باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل "
أي هذا باب يذكر فيه أنه يجوز للجنب أن يبقى بجنابته في البيت مكتفياً بالوضوء، وأن ينام بذلك دون أن يغتسل.
١٧٣ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ " سأل النبي ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ " أي هل يجوز للمسلم أن ينام على جنابة دون أن يغتسل " قال: نعم " يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل " إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب " أي لا مانع من أن ينام بجنابته دون غسل، ما دام قد توضأ قبل نومه، وهذا الوضوء أيضاً مستحب لا واجب. فلو نام دون وضوء لا حرج عليه.
стр. 320
١٤٤ - " بَاب إِذَا الْتَقَى الْخِتَانانِ "
١٧٤ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأرْبَع ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ".
ــ
ويستفاد منه: جواز نوم الجنب دون غسل لأنّ الغسل إنما يلزم للصلاة ونحوها، وإن كان النوم على غسل أفضل ويستحب له -إن لم يغتسل- وأراد نوماً أو أكلاً أو شرباً أو معاودة جماع أن يتوضأ عند الجمهور، وقالت الظاهرية: يجب عليه الوضوء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
والمطابقة: في قوله ﷺ : " نعم " في جواب قوله أيرقد أحدنا وهو جنب.
١٤٤ - " باب إذا التقى الختانان "
١٧٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا جلس بين شعبها " أي إذا جلس بين أطرافها الأربعة " ثم جهدها " أي جامعها بإدخال تمام الحشفة في الفرج " فقد وجب الغسل " على كِلا الزوجين أنزلا، أم لم ينزلا.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه: أن الجماع يوجب الغسل مطلقاً، ولو لم ينزلا. أما قوله ﷺ : " إنّما الماء من الماء " الذي يدل على أنه لا يجب الغسل إلاّ من نزول المنى فإنه منسوخ. والمطابقة: في قوله: " ثم جهدها فقد وجب الغسل " كما أفاده العيني.
***
стр. 321
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحيض
والحيض لغة: من حاض السيل: إذا فاض، والماء التدفق بغزارة. ويطلق أيضاً على نفس الجريان، سواء كان الجاري ماءً أو عيره من السوائل، تقول العرب: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشجرة سال منها الصمغ، وحاضت المرأة سال منها دم الحيض، فهو مصدر يطلق على السيلان، واسم يطلق على المادة السائلة. أما الحيض شرعاً: فهو كما في " تيسير العلام ": دم جعله الله من رحمته وحكمته في رحم المرأة غذاء لجنينها، فإذا وضعت تحول إلى لبن يرضعه طفلها، فإذا كانت غير حامل ولا مرضع برز الزائد منه في أوقات معلومة وله ألوان مختلفة حمرة وصفرة وكدرة، ولهذا عرفه خليل بقوله: " الحيضُ دَمٌ كَصُفْرَةٍ أو كُدْرَةٍ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُل مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً " قال الحطاب: يخرج بهذا التعريف دم النفاس لأنّه بسبب الولادة، ودم البكارة لأنه بسبب الافتضاض، ودم الاستحاضة لأنه بسبب علة أو فساد. اهـ.
فإن هذه الأنواع ليست حيضاً لأنّها لا تخرج بنفسها، وإنما بأسباب أخرى، وإنما قال: " من قُبُلِ من تحمل عادة " لأن الصغيرة واليائس لا تحيضان.
أما الحامل، فإنها تحيض عند المالكية والشافعية، خلافاً للحنفية والحنابلة.
والحكمة في الحيض: تغذية الإِنسان في بطن أمه جنيناً وتغذيته باللبن رضيعاً، قال ابن قدامة: فإذا حملت -المرأة- انصرف الحيض لتغذية الجنين بإذن الله تعالى، فإذا وضعت الولد قلبه الله بحكمته لبناً يتغذى به الطفل اهـ. ومن
стр. 322
١٤٥ - " بَاب كَيْفَ كَانَ بَدءُ الحَيْض وقَولُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا شَيءٌ كتبَهُ اللهُ على بَنَاتِ آدَمَ "
١٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
- خَرَجْنَا لا نَرَى إلَّا الْحَجَّ، فَلمَّا كُنْتُ بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَليَّ النَّبِيُّ ﷺ وأنَا أبْكِى فَقَالَ: " مَا لَكِ أنَفِسْتِ؟ " قَلْتُ: نَعَمْ، قَال: " إِنَّ هذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَنَاتِ آدَمَ، فاقْضِ ما يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لا تَطُوفي بالبَيْتِ "، وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بالْبَقَرِ.
ــ
فوائده الدينية كونه علامةً لعدّة المطلقة وبلوغ الأنثى، ولهذا قال ﷺ : " لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار ".
١٤٥ - " باب كيف كان بدء الحيض وقول النبي ﷺ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم "
١٧٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " خرجنا لا نرى إلا الحج " أي خرجنا في حجة الوداع محرمين بالحجِّ فقط " فلما كنا بسرف " بفتح السين وكسر الراء ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وهي على عشرة أميال من مكة " حضت فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي " حُزْناً لأننى ظننت أن الحيض يفسد علي حجي " قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم " أي لا داعي للبكاء، لأَنَّكِ إذا كنت تخافين الملامة على ذلك الحيض الذي أصابك في الحج، فإنّك معذورة، لأن الحيض ظاهرة طبيعية في المرأة منذ بدء هذا العالم البشري، لا قدرة للمرأة على دفعه أو تأجيله، فهو عذر شرعي لا ملامة فيه، وإن كنت تخافين من فساد الحج، فإنه لا
стр. 323
١٤٦ - " بَابُ غَسْلِ الحَائِض رَأسَ زَوْجِهَا وترجِيله "
١٧٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كُنْتُ أغْسِلُ رَأسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأنا حَائِضٌ.
ــ
يفسده الحيض، وعليك أن تستمري في أفعال الحج " فاقضي ما يقضي الحاج " أي افعلي ما يفعله الحاج من المناسك " غير أن لا تطوفي بالبيت " طواف الإِفاضة حتى تطهري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الحيض ظاهرة طبيعية في المرأة منذ وجودها على هذه الأرض كما قال ابن عباس ﵄: إن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة. أخرجه الحاكم بإسناد صحيح، فهو عذر شرعي. ثانياً: أنه لا يفسد الحج، وإنما يمنع الطواف فقط.
والمطابقة: في قوله: إنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ".
١٤٦ - " باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله "
١٧٦ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أرجِّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض " أي كنت أسَرِّح شعر رسول الله ﷺ أثناء حيضي أحياناً في البيت وأحياناً وهو في المسجد لما جاء في رواية أخرى أنها كانت ترجل تعني رأس رسول الله ﷺ وهي حائض ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض.
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
ويستفاد من الحديث: أنه يجوز للحائض تسريح رأس زوجها وغسل شعره سواء كان في البيت أو في المسجد بأن يُخْرِج إليها رأسه فتسرحه.
والمطابقة: ظاهرة من لفظ الحديث.
стр. 324
١٤٧ - " بَابُ قِراءَةِ الرَّجُلِ في حِجْرِ امْرَأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ "
١٧٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِيءُْ في حِجْرِي وأنا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرأ الْقُرْآنَ.
١٤٨ - " بَابُ مَنْ سَمَّى النفاسَ حَيْضَاً "
١٧٨ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:
بَيْنَا أنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةٌ في خَميصَةٍ، إِذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ
ــ
١٤٧ - " باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض "
١٧٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يتكىء في حجري " بتثليث الحاء وسكون الجيم وهو ما بين الإِبط والكشح (١) أي كان يستند ﷺ إلى حجري ويضع رأسه في حضني " وأنا حائض " أي أثناء حيضي " ثم يقرأ " أي يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض.
ويستفاد منه: جواز قراءة القرآن في حجر الزوجة الحائض لأنّها طاهرة الذات. والمطابقة: ظاهرة من لفظ الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
١٤٨ - " باب من سمّى النفاس حيضاً "
أراد البخاري بهذه الترجمة ذكر الأحاديث الدالة على تسمية الحيض نفاساً، ولكنه قلب العبارة، وكان حقه أن يقول " باب من سمّى الحيض نفاساً "، كما أفاده الحافظ.
стр. 325
فأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضِي فقَالَ: " أنَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ: فاضْطَجَعْتُ مَعَهُ في الْخَمِيلَةِ.
١٤٩ - " بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ "
١٧٩ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كُنْتُ أغْتَسِلُ أنا والنَّبِيُّ ﷺ من إنَاء وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ
ــ
١٧٨ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: " بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة " بكسر الميم وفتح الصاد كساء مربع من صوف أسود اللون " إذ حضت " أي فاجأني الحيف. والمعنى .. بينما كنت مضطجعة مع النبي ﷺ على الفراش في كساء صوفي واحد لم أشعر إلاّ وقد أتاني الحيض فجأة " فانسللت " أي فانسحبت من الفراش خفية " فأخذت ثياب حيضتي " بكسر الحاء أي الثياب الخاصة بالعادة الشهرية " فقال: أنفست " أي فتَنَبه النبي ﷺ فقال لي: هل أتاك الحيض، وسمى الحيض نفاساً، لأنّ النفاس في الأصل هو خروج الدم مطلقاً كما أفاده القاضي عياض " قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة " أي فعدت إليه مرة أخرى واضطجعت معه في الكساء المذكور. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه: أن الحيض كما ترجم له البخاري يسمّى نفاساً لغة وشرعاً وأنه يجوز مباشرة الحائض والاستمتاع بها أثناء الحيض بما فوق الإِزار وسيأتي تفصيله والمطابقة: في قوله ﷺ : " أنفست " حيث سمي الحيض نفاساً.
١٤٩ - " باب مباشرة الحائض "
١٧٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: "كنت
стр. 326
يَأمُرُنِي فأتَّزِرُ فيُبَاشِرُنِي وأنا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأسَهُ إليِّ وهُوَ مُعْتَكِفٍ فأغسِلُهُ وأنا حَائِضٌ.
١٨٠ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ:
كَانَتْ إحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضَاً فأرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُبَاشِرَهَا أمَرَهَا
ــ
أغتسل أنا والنبي ﷺ (١) من إناء واحد " أي أغتسل معه من الإناء الواحد وأشاركه فيه فيأخذ غرفة، وآخذ غرفة كما تقدم في بابه " وكان يأمرني فأتزر " بفتح الهمزة وتشديد التاء كما رواه الحافظ، وأصله فأأتزر بهمزة ساكنة بعد همزة مفتوحة فأدغمت الهمزة في التاء على مذهب الكوفيين " فيباشرني وأنا حائض " أي أنه ﷺ كان يأمر السيدة عائشة أثناء حيضها أن تشد الإِزار على وسطها وتستر ما بين السرة والركبة، ثم يباشرها ويستمتع بجميع جسدها ما عدا ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة قال الحافظ في " الفتح " وهو الجاري على قاعدة المالكية في باب سد الذرائع، وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وذكر الأدلة الصحيحة الواردة في ذلك " وكان يخرج رأسه وهو معتكف " أي وكان يخرج رأسه لي من المسجد أثناء اعتكافه " فأغسله وأنا حائض " أي وأنا في حال الحيض وقد تقدم شرحه في " باب غسل الحائض رأس زوجها ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " فيباشرني وأنا حائض ".
١٨٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ في هذه الرواية: " كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد النبي ﷺ أن يباشرها " أي كان
стр. 327
أن تَئْزِرَ في فوْرِ حَيْضِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وأيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ.
١٥٠ - " بَابُ ترْكِ الْحَائِضِ الصوم "
١٨١ - عَنْ أبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أضْحى أو فِطرٍ إلى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدِّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكنَّ أكثَرَ أهْل
ــ
النبي ﷺ إذا أراد أن يستمتع بإحدى زوجاته أثناء حيضها " أمرها أن تتزر " أي أمرها أن تشد الإِزار على وسطها " في فور حيضتها " أي في ابتداء حيضها " ثم يباشرها " فيما فوق الإِزار وما عدا ما بين السرة والركبة " قالت وأيكم يملك إربه " بكسر الهمزة أي لا أحد. منكم يملك شهوته مثله، ومع ذلك كان يباشر فوق الإِزار لا تحته. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " ثم يباشرني ".
ويستفاد من الحديثين: أنه لا يجوز مباشرة الحائض إلاّ فيما فوق الإزار وما عدا ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الجمهور خلافاً لصاحبي أبي حنيفة وبعض الشافعية حيث قالوا يجوز كل شيء إلاّ الجماع (١) لقوله ﷺ : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " أخرجه مسلم.
١٥٠ - " باب ترك الحائض الصوم "
١٨١ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁ " خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر " أي خرج النبي ﷺ من مسجده
стр. 328
النَّارِ"، فَقُلْنَ: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأيْتُ مِنْ ناقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أذْهَبَ لِلُبْ الرجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُن "، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِنَا وَدِيْننَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ:
ــ
في صلاة عيد الأضحى أو الفطر " فمَّر " في طريقه " على النساء " أي فأراد أن ينتهز الفرصة في هذا اليوم في وعظهن وتذكيرهن وترغيبهن في الصدقة، لأنهن كن في أمس الحاجة إليها لوقايتهن من النار، فإن الصدقة تطفىء غضب الرب. ولهذا قال لهن: " يا معشر النساء تصدقن فإنِّي أُريتكن أكثر أهل النار " أي أكْثِرْنَ من الصدقة لوقاية أنفسكن من عذاب الله، لأني اطلعت على النار وشاهدتها بعيني، فرأيت أكثر أهلها النساء لسوء أعمالهن فتصدقن فإن الصدقة تطفىء الخطيئة، وتطفىء غضب الرب " فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن " أي توجهن اللعنة إلى الناس كثيراً، وهي شر دعاء يوجه إلى إنسانِ، لأنّ معناها الطرد من رحمة الله، والإبعاد عن الخير في الدنيا والآخرة " وتكفرن العشير " أي تسترن نعمة الزوج وتجحدن فضله وتنكرن المعروف وتَنْسَيْنَ الجميل " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " أي لا أحد أقدر على سلب عقول الرجال من المرأة لقوة تأثيرها العاطفي وسحر جمالها ودلالها وإغرائها، ولهذا قال ﷺ " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " وقال الشاعر (١):
إنَّ العُيُوْنَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِيْنَ قَتْلَانَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبَّ حَتَى لَا حَرَاكَ بِهِ ... وَهُنَّ أضعَفُ خَلْقِ اللهِ إنْسَانَا
"فقلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله، قال: أليست شهادة
стр. 329
" أليْسَ شَهَادَةُ الْمَرأةِ مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ! " قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أليْسَ إذَا حَاضَتِ الْمَرْأةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ " قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينهَا".
١٥١ - " بَابُ الْاستحَاضَةِ "
١٨٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْش لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لا أطْهُرُ أفَأدَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ
ــ
المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها " أي فإن اعتبار شهادتها بنصف شهادة الرجل من أجل نقصان عقلها " قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها " لأنه يفوتها ثواب الصلاة التي تركتها أثناء حيضها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه: من الفوائد أنه يجب على المرأة ترك الصوم أثناء حيضها.
فلا يجب عليها ولا يصح منها لأن من شروط وجوب الصوم وصحته الطهارة من الحيض والنفاس. والمطابقة: في قوله: " أليس إذا حاضت لم تصل ".
١٥١ - " باب الاستحاضة "
١٨٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في حديثها هذا عن حكم دم الاستحاضة فتقول " قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر " وفي رواية " إني امرأة أُستحاض فلا أطهر "
стр. 330
وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فاتْرُكِى الصَّلَاةَ فإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلي".
ــ
أي لا ينقطع عني الدم، كَنَّتْ بعدم الطهر (١) عن استمرار جريان الدم، لأنّها ظنت أنّ الحائض لا تطهر إلاّ إذا انقطع دمها فشكّت في أنه يمنع الصلاة، ولذلك قالت: " أفأدعُ الصلاة " وهو عطف على مقدّر أي هل يكون ذلك الدم في حكم الحيض فأتْرك الصلاة إلى انقطاعه " فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق " أي إنما ذلك الدم دم استحاضة، وهو دم مرضي ينشأ عن انقطاع عرق في الرحم يسمى العاذل كما في حديث الدارقطني حيث قال: " إنما ذلك عرق انقطع وانفجر (٢) " وليس بالحيضة " أي وليس ذلك الدم الذي تسألين عنه حيضاً شرعياً، ولا تجري عليه أحكام الحيض الشرعية، وإنما هو دم مرض حكمه حكم الحدث الدائم (٣) من سلس البول والغائط وغيره، لا يمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً ونحو ذلك " فإذا أقبلت الحيضة " بفتح الحاء وكسرها كما أفاده النووي، أي فإذا جاء وقت عادتك الشهرية، وهو الوقت الذي كنت تحيضين فيه عادة قبل أن تصابي بالاستحاضة " فاتركي الصلاة " عند حلول ذلك الوقت من أوّل الشهر أو وسطه أو آخره " فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي " أي وامكثي تاركة للصلاة والصوم وغيرها من ممنوعات الحيض مدة عادتك الشهرية التي كنت تحيضين فيها قبل إصابتك بالاستحاضة، فإذا انتهي مقدار تلك المدة، وانقضت عدة أيامها فإنك قد طهرت من الحيض، فاغسلي موضع الدم تنطيفاً له واغتسلي وإن لم يذكر الاغتسال إلاّ أنه مراد كما أفاده ابن دقيق العيد،
стр. 331
وقد جاء الأمر به في رواية أبي أسامة عن هشام حيث قال ﷺ : " ثم اغتسلي وصلّي (١) " وهكذا اختلفت الروايات عن تلامذة هشام (٢) ففي بعضها ذكر الاغتسال، وفي بعضها غسل الدم، وكلهم ثقات فتحمل الروايات بعضها على بعض، ويجمع بينها كلها فيقال: إن النبي ﷺ أمر بالاغتسال وغسل الدم معاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن دم الاستحاضة ليس حيضاً شرعياً وإنما هو كالحدث الدائم لا يمنع شيئاً من ممنوعات الحيض والنفاس، فالمستحاضة تصلي وتصوم فرضاً أو نفلاً، ولا يمنعها ذلك عن شيء، ويجوز لها كل ما يجوز لغير الحائض من طواف وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد.
والمستحاضة يجوز وطؤها عند الجمهور وهو قول أحمد في رواية، وقال في رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة: لا توطأ المستحاضة إلاّ أن يخاف على نفسه الوقوع في محظور لما روى الخلال في إسناده عن عائشة أنّها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها - ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض (٣).
ثانياًً: أنّ المستحاضة -إذا كانت معتادة- ترد لعادتها ميزت أم لا وافق تمييزها عادتها أو خالفها عملاً بحديث الباب لأنّ النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تعمل بعادتها وأن تعتمد عليها عند الدخول في الحيض والخروج منه، فإذا جاء وقت عادتها الشهرية تنقطع عن الصلاة وتدخل في الحيض وتجري أحكامه عليها وإذا انتهت مدة عادتها تغتسل وتصلّي، وتدخل في الطهر وتجري أحكامه عليها، فإن قوله ﷺ " فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم " صريح في أنه ﷺ أمرها أن تعمل بعادتها ومما يؤكد ذلك، ويدل دلالة صريحة على أنّ المعتادة ترد إلى عادتها حديث أم سلمة ﵂ أن امرأة كانت
стр. 332
نهراق الدماء -بضم التاء وفتح الهاء وتسكينها- أي يتصبب منها الدم دون انقطاع في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفِرْ بثوب " أي تشد خرقة عريضة على فرجها " ثم لتصلِّ " أخرجه أبو داود والنسائي فإنّ الحديث صريح في أن المعتادة تعمل بعادتها، فتمكث ممتنعة عن الصلاة وغيرها مدة عادتها، فإذا انتهت تلك الأيام التي كانت تعهدها، وجاوزت مدة الحيض التي كانت معتادة عليها قبلِ إصابتها بالاستحاضة، فإنها تطهر وتغتسل وتصلّي. ومما يدل على ذلك أيضاً حديث أسماء عند أبي داود وغيره ولفظه: " فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل " وحديث أم حبيبة أنها سألت النبي ﷺ عن الدم فقال لها رسول الله ﷺ : " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي. فإن هذه الأحاديث ليس فيها إلاّ الرد إلى العادة لا سيما حديث أم سلمة. قال ابن قدامة: وحديث أم سلمة ﵂ إنما يدل على العادة بلا نزاع فيه .. اهـ. ولهذا قال أكثر أهل العلم " المستحاضة ترد إلى عادتها ولو كانت مميزة " فلا اعتبار للتمييز، وإنما تعتبر العادة. قال الزرقاني: " وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد " (١) اهـ. قال ابن قدامة: وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة وهو قول أكثر الأصحاب (٢) لأن النبي ﷺ رَدَّ أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة ولم يستفصل بين كونها مميزة أو غيرها. وذهب الشافعي على الأصح إلى أنّ المميزة تعمل بالتمييز ولا تعمل بالعادة، إلاّ إذا كانت غير مميزة. وأما المالكية: فقد نسب الزرقاني إليهم أن المستحاضة تعمل بتمييزها
стр. 333
١٥٢ - " بَابُ الاعتكاف للمستحاضة "
١٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
اعتَكَفَتْ معَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأةٌ مِنْ أزْوَاجِهِ فكَانَتْ تَرَى الدَّمَ والصُّفْرَةَ والطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي ...
ــ
مثل الشافعية، ولكن المسألة عندهم فيها تفصيل فهم يفرقون بين الدخول في الحيض والخروج منه فيعتبرون التمييز في الأول والعادة في الثاني. ويقولون: لا تنتقل المستحاضة بن الطهر إلى الحيض إلا باجتماع ثلاثة أمور. الأول: أن تكون مميزة. الثاني: أن ترى تغير الدم من (١) لون إلى آخر وتغير رائحته. الثالث: أن يحدث هذا التغيُّر بعد انقضاء أقل الطهر وهو خمسة عشر يوماً. وأما بالنسبة إلى الخروج من الحيض فإن المستحاضة في مشهور المذهب تنتقل من الحيض إلى الطهر بانقضاء مدة عادتها وزيادة ثلاثة أيام عليها للاستظهار. قال الباجي: فإن تمادى بها الدم فعن مالك روايتان إحداهما أنها تقيم أيام عادتها ثم تستظهر ثلاثة أيام (٢)، والثانية تقيم أكثر الحيض وما يظهر من كتب الفروع أن المالكية اختاروا الاستظهار ومعناه أن تمكث أيام عادتها مع إضافة ثلاثة أيام استظهاراً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
والمطابقة: في قوله: " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ".
١٥٢ - " باب الاعتكاف للمستحاضة "
١٨٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه " أي إن إحدى أمهات المؤمنين اعتكفت
стр. 334
١٥٣ - " بَاب هَلْ تُصَلِّي الْمَرأةُ في ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ "
١٨٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
ما كَانَ لِإحْدَانَا إلَّا ثَوْب وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أصَابَهُ شَيء مِنْ دَمٍ قالَت بِرِيقهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا.
ــ
مع النبي ﷺ وهي مستحاضة "فكانت ترى الدم والصفرة " أي فكانت ترى ألواناً مختلفة من الدم فأحياناً ترى الدم الأحمر، وأحياناً ترى الدم الأصفر (١)، حسب قلته وكثرته "والطست تحتها وهي تصلي" أي والحال أن الطست موضوع تحتها يسيل فيه الدم المتدفق منها، وإنما كانت تضعه تحتها لئلا تلوث المسجد وكان الدم يتدفق منها وهي قائمة تصلي. أما التي اعتكفت مع النبي ﷺ أثناء استحاضتها فقد اختلفت الأقوال، ورجح الحافظ أنّها أمّ سلمة لحديث سعيد بن منصور عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها.
يستفاد منه: أنه يصح اعتكاف المرأة المستحاضة في المسجد كما تصح صلاتها، ويجوز لها المكث في المسجد إن أمن تلويثه، ومثلها دائم الحدث كما أفاده في "المنهل العذب". الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود (٢) والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه " أي امرأة مستحاضة.
١٥٣ - "باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه "
١٨٤ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " ما كان
لِإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه " هذا النفي عام شامل لجميع زوجاته ﷺ
стр. 335
١٥٤ - " بَابُ الطِّيبِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْحَيْض "
١٨٥ - عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:
ــ
أي لم تكن زوجة واحدة من أمهات المؤمنين تملك أكثر من ثوب واحد، فكانت تلبس ذلك الثوب أثناء حيضها وطهرها معاً. " فإذا أصابه شيء من دم " أي فإذا أصاب ثوبها شيء من دم الحيض " قالت بريقها فقصعته بظفرها " قال العيني: يعني صبت عليه من ريقها، فقصعته أي دلكته بظفرها، وإنما تكتفي بدلكه بريقها عن غسله إذا كان قليلاً، لأنه معفوٌ عنه، وأما الكثير فقد صح عن عائشة أنها كان تغسله (١) كما أفاده القسطلاني.
الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قولها: " ما كان لِإحدانا إلا ثوب واحد ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن نساء النبي ﷺ مرت عليهن في أوّل الإِسلام فترة من الزمن كانت الواحدة منهن لا تملك إلاّ ثوباً واحداً كما يدل عليه قول عائشة ﵂ " ما كان لِإحدانا إلاّ ثوب واحد " قال العيني: فإنهم كانوا حينئذٍ في شدة وقلة، ولما فتح الله الفتوح واتسعت أحوالهم اتخذت النساء ثياباً للحيض سوى ثياب لباسهن، كما يدل عليه حديث أم سلمة حيث قالت " فأخذت ثياب حيضتي ". ثانياًً: استدل به البخاري وغيره من أهل العلم على أنه يجوز للمرأة أن تصلي في الثوب الذي تحيض فيه. ثالثاً: جواز إزالة النجاسة بغير الماء إجماعاً.
١٥٤ - " باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض "
١٨٥ - ترجمة راوية الحديث: هي أم عطية نُسَيْبَة -بالتصغير- بنت الحارث الأنصارية من فضليات الصحابة ﵂ كانت تمرّض
стр. 336
كُنَّا نُنهَى أنْ نَحُدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراًَ، ولَا نَكْتَحِلُ، ولا نَتَطَيَّبُ، ولا نلْبَسُ ثَوْبَاً مَصْبُوغاً إلَّا ثَوْبَ عَصَبٍ، وقَدْ رُخِصِّ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيْضِهَا في نُبْذَةٍ مِن كُستِ أظْفَارٍ وكُنَّا نُنْهَى عنِ اتِّباعِ الْجَنَائِزِ.
ــ
المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، روى لها البخاري خمسة أحاديث.
معني الحديث: تقول أم عطية ﵂: " كنا ننهي أن نحد على ميت فوق ثلاثة " أيام أي كان النبي ﷺ ينهانا عن ترك الزينة حزناً على ميت من أقاربنا مدة تزيد عن ثلاثة أيام، يقال أحدَّت المرأة إذا لبست ثياب الحزن هجرت الزينة والطيب لفقد عزيز عليها " إلاّ على زوج " أي إلاّ لفقد زوجها، فإن الشارع أوجب عليها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً " ولا تكتحل " إلاّ لمرض " ولا تتطيب ولا تلبس ثوباً مصبوغاً " بالألوان الخلابة الجذابة كالأحمر والأصفر والأزرق الصافي " إلاّ ثوب عصب " وهو المصبوغ بالنبت اليمني المعروف بالعصب، لأنه لا يلفت النظر ولا يخلب البصر. " وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار " " بضم الكاف وسكون السين ويقال له القسط والكسط، وهو نوع من الطيب على شكل ظفر الإِنسان يوضع في البخور، فرخص النبي ﷺ للحائض الحادة أن تضع شيئاً منه بعد غسلها لتطييب الموضع وإزالة الرائحة الكريهة.
ويستفاد منه: أنه يستحب للحائض أن تضع شيئاً من الطيب عند غسلها، أو تتبخر بالعود، لأنه لما رخص للحادّة أن تفعل ذلك عند طهرها، دل ذلك على استحبابه لغيرها. ومشروعيته لسواها من باب أولى. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: "رخص لنا
стр. 337
١٥٥ - " بَابُ دلْكِ الْمَرأةِ نفسَهَا إِذَا تطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيض وكَيْفَ تغتسِل، وتأخذ فِرصة ممسَّكة فتتبع بها أثر الدم "
١٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله وعَنْهَا:
أنَّ امْرأةً سَألتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غسْلِهَا مِنَ الْمَحِيض، فأمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: " خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّرِي بِهَا "، قالَتْ: كيْف أتُطَهَّر؟ قَالَ: " سبحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِي! " فَاجْتَذَبتُها إِليَّ، فقلْتُ: تَتَبَّعِي بهَا أثَرَ الدَّمَ.
ــ
عند الطهر ... في نبذة من كست أظفار ".
١٥٥ - " باب دلك المرأة نفسها إِذَا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم "
١٨٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض " أي أن امرأة من الصحابة وهي أسماء بنت شكل -بفتح الشين والكاف- سألت النبي ﷺ عن كيفية الغسل، " فأمرها كيف تغتسل " أي فوصف لها النبي ﷺ كيفية الغسل وأمرها أن تغتسل على هذه الكيفية، فقال لها كما في رواية مسلمٍ: " تطهري فأحسني الطهور، ثم صبي على رأسك ماءً فادلكيه دلكاً شديدا، حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم صبي الماء عليك، ثم " قال خذي فرصة من مسك " أي خذي قطعة من القطن فاغمسيها في المسك " فتطهري بها " .. فلما قال لها ذلك " قالت: كيف أتطهر بها؟ " فأعاد عليها اللفظ مرة أخرى " قال: تطهري بها " ولم يشرح لها ذلك " قالت: كيف أتطهر؟ قال: سبحان الله تطهري!! " أي فسبح الله تعجباً من عدم فهمها ثم أعاد الكلمة نفسها،
стр. 338
١٥٦ - " بَابُ نقْض الْمَرأةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمحِيض "
١٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمرةٍ فَلْيُهْلِلْ، فإِنِّي لَوْلا أني أهدَيت لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ "،
ــ
ولم يشرحها، لأنه أراد أن يسلك مسلك الإِيجاز في الأمور التي يستحيا منها، ولا يحسن التفصيل عنها إلَّا عند الضرورة، ولعله ترك ذلك لعائشة، فأدركت عائشة ما أراد، فاستجابت لرغبة النبي ﷺ ، فشرحت لتلك السائلة ما خفي عليها كما قالت ﵂ " فأجتذبتُها إليَّ " أي جذبتها إلي " فقلت لها: تتبعي بها أثر الدم " أي امسحي بتلك القطنة المغموسة في المسك موضع الدم من الرحم لِإزالة الرائحة منه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه: أنه يستحب للمرأة عند غسلها من الحيض، وفراغها منه أن تأخذ قطنة فِتغمسها في المسك (١) ثم تمسح بها موضع الدم لتطييب المكان وإزالة الرائحة القبيحة منه. والمطابقة: في قوله ﷺ : " خذي فرصة من مسك فتطهري بها ".
١٥٦ - " باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض "
١٨٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في حديثها هذا عن حجة الوداع، فتقول: " خرجا موافين لهلال ذي الحجة " أي خرجنا في آخر ذي القعدة مستقبلين لهلال ذي الحجة وذلك لخمس بقين من ذي القعدة " فقال رسول الله ﷺ من أحب أن يهل بعمرة فليهلل " أي فقال النبي ﷺ حين اقتربوا من مكة: من أحب أن يهل بعمرة فليهلل، وأمر من
стр. 339
فأهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وأهلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍ، وكنُتُ أنا مِمَّنْ أهلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأدرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأنا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إلى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضِي رَأسَكِ، واْمْتَشِطي وَأهلِّي بِحَجِّ "، فَفَعْلتُ حتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أَخِي عْبدَ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرٍ إلى الْتَنْعِيمِ، فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَان عُمْرَتِي.
ــ
لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة. وأكد ذلك بقوله: " فإِني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة " أي لولا أني سقت الهدي لفسخت الحج وأهللت بالعمرة " فأهل بعضهم بعمرة وأهل بعضهم بحج " أي فأما الذين لم يسوقوا الهدي فإنهم فسخوا الحج، وأهلوا بالعمرة، وأما الذين ساقوا الهدي فإنهم استمروا على إحرامهم بالحج، لأنّه لا يجوز لمن ساق الهدي أن يتحلل حتى ينحر هديه " وكنت أنا ممن أهل بعمرة " أي وكنت أنا من الذين لم يسوقوا الهدي ففسخت الحج، وأهللت بالعمرة " فأدركني يوم عرفة وأنا حائض " أي فجاء يوم عرفة وأنا لا زلت حائضاً، وذلك لأن الحيض جاءها عند دخول مكة بعد إهلالها بالعمرة، واستمر معها إلى يوم عرفة ومنعها من أداء مناسك العمرة، لأن الحائض لا تطوف، قالت " فشكوت إلى النبي ﷺ " ما حل بي، وكيف أن الحيض استمر معي إلى يوم عرفة، ومنعني من المناسك، وأفسد عليَّ عمرتي " فقال: دعي عمرتك " ومعناه كما يدل عليه ظاهر الحديث أنه ﷺ أمرها بإلغاء عمرتها ورَفْضِها، لعدم تمكنها من أداء مناسكها، فألغتها كما أمرها النبي ﷺ ، ومما يؤكد ذلك أنها أتت بعمرة منفردة بعد حجها، ولو كانت عمرتها هذه باقية لم تبطل، لما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد الحج والله أعلم، " وانقضي رأسك " أي واغتسلي للحج، وحُلِّي شعرك عند الغسل، " وأهلِّي بحج " أي وأحرمي بالحج، وارفعي صوتك ملبية به
стр. 340
" ففعلت حتى إذا كان ليلة الحصبة " بفتح الحاء وسكون الصاد، ويجوز في ليلة الرفع على أن كان تامة، أي حتى إذا جاءت ليلة الحصبة، وهي ليلة النزول من منى كما يجوز فيها النصب على أن كان ناقصة، والمعنى حتى إذا كان الوقت ليلة الحصبة " أرسل معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فخرجت إلى التنعيم " وهو موضع على طريق المدينة، على بعد فرسخ من مكة " فأهللت بعمرة مكان عمرتي " أي فأحرمت من التنعيم بعمرة بدلاً عن العمرة التي أفسدها الحيض، وإنما أحرمت من التنعيم لأنه أول الحل، ولا يتعين، وإنما يجب الإحرام من الحل من أي جهة أو موضع كان. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ متعددة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية نقض المرأة شعرها عند الغسل أي حل شعرها، واختلف في ذلك الفقهاء، فذهبت الحنابلة إلى أنّه يجب نقضه في الحيض والنفاس دون الجنابة، وهو قول الحسن وطاووس لقوله ﷺ لعائشة عند غسلها: " وانقضي رأسك " أمّا الجمهور فقالوا يستحب للمرأة نقض شعرها، ولا يجب، سواء كان الغسل من الحيض والنفاس أو من الجنابة، لحديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: إني امرأة أشد ضفر (١) رأسي أوَ أنقضه للجنابة؟ قال: " لا " أخرجه مسلم ولا فرق بين الجنابة والحيض، فلا يجب عليها حله إِلَّا إذا كان عليه طيب يمنع من وصول الماء. ثانياًً: استدل به الحنابلة على أفضلية التمتع لقوله ﷺ : " لولا أني أهديت لأهللت بعمرة " ثالثاً: استدل به الكوفيون على رفض العمرة أي إلغائها قبل تمامها، والخروج منها إلى الحج، وجواز ذلك للمرأة إذا حاضت قبل الطواف لقوله ﷺ : " دعي عمرتك " وقال الجمهور: لا يجوز لها ذلك وإنما تردف عليها الحج فتكون قارنة (٢)، وحملوا الحديث عليه. والمطابقة: في قوله ﷺ :
стр. 341
١٥٧ - " بَابٌ لا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ "
١٨٨ - عن عَائِشَة ﵂:
أنَّ امْرأَةً قَالَتْ: أَتَجْزِىء إِحْدَانَا صَلَاَتهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ:
أحرُورِيَّةٌ أنتِ، كُنَّا نَحِيضُ معَ النَّبِيِّ ﷺ فلَا يأمُرُنَا بِهِ، أو قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ.
ــ
" وانقضي شعر رأسك ".
١٥٧ - " باب لا تقضي الحائض الصلاة "
١٨٨ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن امرأة " وهي "مُعاذة " بضم الميم العدوية " قالت لها: أيجزىء إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ " أي أتكفيها صلاتها الحاضرة، ولا يجب عليها قضاء الصلوات الفائتة التي فاتَتْها أثناء حَيضِها " فقالت: أحرورية أنت " أي فقالت عائشة ﵂ مستنكرة عليها قولها هذا: هل أنت أيتها المرأة من الخوارج الذين يشددون في الدين، وينسبون إليه ما ليس منه، لأنها لما سألت هذا السؤال الغريب ظنت عائشة أنها حرورية، أي خارجية نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة نشأ الخوارج فيها، " كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به " أى فلا يأمرنا عند انتهاء الحيض بقضاء الصلاة. الحديث: أخرجه الخمسة.
ويستفاد منه: أن الحائض إنما تقضي الصوم فقط، ولا تقضي الصلاة، وهو مذهب سائر فقهاء الأمصار عدا الخوارج. والمطابقة: في قولها: " كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به ".
***
стр. 342
١٥٨ - " بَابُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِض وَهِيَ في ثِيَابِهَا "
١٨٩ - عَن أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:
حِضْتُ وأَنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الْخَمِيلَةِ، فانْسَلَلْتُ، فخَرَجْتُ مِنْهَا فأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أنُفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فأدخَلَنِي مَعَهُ في الْخَمِيلَةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، قَالت: وكنتُ أغْتَسِلُ أنا والنَّبيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.
١٥٩ - " بَابُ شُهُودِ الحَائِضِ الْعِيدَيْن ودَعْوَة المُسلِمين، ويعْتَزِلْنَ المُصَلَّى "
١٩٠ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:
ــ
١٥٨ - " باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها "
١٨٩ - معنى الحديث: تقدم قريباً في " باب من سمَّى الحيض نفاساً، وإنما أعاده للمناسبة ".
ويستفاد منه: جواز النوم مع الحائض، والاستمتاع بها فيما عدا ما بين السرة والركبة، وما عدا الفرج عند البعض، لأن النبي ﷺ باشر أم سلمة ﵂ ونام معها وهي حائض، وأدخلها معه في الخميلة، والله أعلم.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: " وأدخلني معه في الخميلة ".
١٥٩ - " باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى "
١٩٠ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂ "سمعت
стр. 343
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. " يَخْرُجُ الْعَواتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، أوْ العَوَاتِقُ وَالحُيَّضْ ولْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى "، قيل لَهَا: آلحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ: أليْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وكَذَا وَكَذَا.
ــ
رسول الله ﷺ يقول: يخرج العواتق" أي يخرج لصلاة العيد وسماع الخطبة النساء جميعاً بما فيهن البنات الأبكار، " وذوات الخدور " وهما شيء واحد، يقال لهن: العواتق، لأنهن لم يملكهن زوج بعد، ولعتقهن من الخدمة في بيوت آبائهن، ويقال لهن ذوات الخدور لصيانتهن في خدورهن، وبعدهن عن الأنظار، " والحيض " أي وكذلك يخرج إليها النساء الحيض، والحاصل أنه يخرج لحضور صلاة العيد النساء جميعاً صغاراً وكباراً ولو كن في حالة الحيض " وليشهدن الخير، ودعوة المؤمين " أي ليحضرن خطبة العيد، ودعاء المؤمنين أثناءها " ويعتزل الحيض المصلى " أي يبقين خارج المصلى، لأنه بمثابة المسجد " قيل: آلحيض؟ " بهمزة الاستفهام ممدودة، أي فقالت حفصة متعجبة: حتى الحيض يحضرن صلاة العيد والخطبة " فقالت: أليس تشهد عرفة " أي قالت أم عطية: وأي غرابة في هذا ألسن يقفن في عرفة " وكذا وكذا " أي ويقفن أيضاً بمنى ومزدلفة.
ويستفاد منه: أن الحائض تخرج إلى المصلى في العيدين، وتشهد الخطبة والدعاء، وتبقى خارج المسجد، لأن النبي ﷺ أمرها بالحضور للمصلى فيستحب لها ذلك. الحديث: أخرجه الخمسة أيضاً. والمطابقة: في قوله: " والحيّض "
***
стр. 344
١٦٠ - " بَابُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدرَةِ في غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ "
١٩١ - وعَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيئَاً.
ــ
١٦٠ - " باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض "
١٩١ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: " كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً " أي كانت أمهات المؤمنين على عهد رسول الله ﷺ لا يعتبرن الدم الأصفر أو الدم الذي بين البياض والسواد في غير وقت العادة شيئاً " وهنا اختلف الفقهاء ".
ويستفاد منه: كما قال الجمهور: اعتبار التمييز باللون في وقت الطهر - بمعنى أن المرأة إذا جاءها الدم في غير وقت العادة فإنها تميزه بلونه وتعرف إن كان حيضاً أو لا. فإن كان الدم أحمر أو أسود فإنّها تعتبره حيضاً، وتمتنع عن الصلاة والصوم وغيره، وإن كان كدرة أو صفرة اعتبرته دم استحاضة ولا تمتنع عن شيء من الصلاة أو غيرها لقول عائشة: " كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً " (١) وقال مالك: لا اعتبار لِلَّوْنِ أصلاً بل الدم بجميع ألوانه يعتبر حيضاً شرعياً سواء كان في وقت العادة أو في وقت الطهر، لأن معنى قول عائشة " كنا لا نعُد الصفرة والكدرة شيئاً " أي لا نعتبره شيئاً مميزاً للدم (٢) ولا علامة فَارِقةً بين دم الاستحاضة ودم الحيض، لأن اللون لا اعتبار له، بهذا فسر مالك قول عائشة هذا، ولكل وجهه والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قولها: " لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً ".
стр. 345
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب التيمم "
تمهيد: جرياً على عادة المصنفين فقد وضع البخاري التيمم في المكان الملائم له بعد الوضوء والغسل وما يتعلق بهما، وقد فُرض التيمم سنة ستٍ من الهجرة على الأرجح. والتيمم لغة: قصد الشيء، ومنه قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وشرعاً: كما قال ابن قدامة: " مسح الوجه واليدين بالصعيد "، وقال الحافظ: " هو القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة. اهـ. وهو من خصائص هذه الأمة التي يسر الله لها أمورها، وجعل لها من الحرج فرجاً، كما قال تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم). والحكمة في التيمم: أن الله جعله حلاً لمشكلة فقدان الماء، أو عدم القدرة عليه، وشرعه تقديراً لظروف الإِنسان، ومراعاةً لأحواله، ومحافظةً على صحته البدنية، حيث جعله بالنسبة للمريض بديلاً عن الماء، ورخص فيه عند وجود المرض بالفعل، أو خشية حدوثه، وقد يعيب بعض المغرضين على المسلمين استعمال التراب لأنّه ناقل للميكروب، ونسوا أنّه يشترط فيه أن يكون طاهراً نقيَّاً، وذلك مما يضمن السلامة التامة. وينوب التيمم عن الوضوء والغسل عند الجمهور. ويجزىء في دخول المسجد ومس المصحف والصلاة فرضاً أو نفلاً، فيستباح به عند الجمهور الفرض الواحد وما شاء من النوافل، ولا يجمع بين فريضتين، وإن
стр. 346
١٦١ - " كتَابُ التَيّمَّمَ وَقَولُ اللهِ تعَالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)
١٩٢ - عَن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْض أسُفَارِهِ حَتَّى إِذا كُنَّا بالبَيْدَاءِ، أو بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطعَ عِقْدٌ لِي، فأقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلى الْتِمَاسِهِ، وأقامَ النَّاسُ مَعَهُ، ولَيْسُوا على ماءٍ، فَأتى النَّاسُ إلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق فَقَالُوا: ألا ترى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أقامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاس ولَيْسُوا
ــ
تيمم لفرض صلى بعده نفلاً دون العكس خلافاً لأبي حنيفة (١).
١٩٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره " وهي غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة، كما ذكره ابن عبد البر وابن سعد وابن حبان، وقيل: إنها غزوة أخرى بعد غزوة المريسيع التي وقعت فيها قصة الإِفك، وأن العقد ضاع في الغزوتين " حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش " موضعان بعد ذي الحليفة " انقطع عقد لي " وكان من جَزْعِ ظفار بفتح الجيم وسكون الزاي وهو خرز يماني يجلب من ظفار على ساحل البحر، " فأقام رسول الله ﷺ على التماسه " أي نزل ﷺ هناك للبحث عنه " وليسوا على ماء " إلخ، أي ولا يوجد في ذلك المكان ماء، ولا يحملون معهم ماءً " فأتى الناس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة " إلخ، أي فجاء الناس إلى أبي بكر يشتكون إليه ما صنعتْ بهم عائشة، حيث كانت السبب في إقامتهم بذلك
стр. 347
عَلىَ مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء، فجاءَ أبو بَكْرٍ ورَسُولُ اللهِ ﷺ واضِعٌ رَأسَهُ عَلَى فخِذِي قَدْ نَامَ، فقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ والنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ في خَاصِرَتِي، فلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فأنزلَ اللهُ آيَةَ التيمُّمِ، فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَير: مَا هِيَ بأوَّلِ بَركَتِكُم يا آل أبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذي كُنْتُ عَلَيْهِ، فأصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
ــ
المكان على غير ماء (١) " فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس " أي فقال أبو بكر لعائشة مؤنباً لها: لقد كنت السبب في إقامة الناس هنا، وتأخيرهم عن السفر" وقال ما شاء الله " من ألفاظ التأنيب القاسية " وجعل يطعنني " أي ينخسني بيده " فلا يمنعني من التحرك إلَّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي " أي فنخسني بيده كثيراً، حتى آلمني ألماً شديداً، وهممت أن أقوم من مكاني، ولم يمنعني من ذلك إلَّا وجود رأس النبي ﷺ على فخذي " فأنزل الله تعالى آية التيمم " التي في سورة المائدة لما جاء في رواية الحميدي عن عائشة أنها ذكرت الحديث ثم قالت فيه: فأنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) إلخ، "قال أسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم
стр. 348
١٩٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁:
أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أُعْطِيتُ خَمْسَاً لَمْ يُعْطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فأيُّمَا رَجُلٍ
ــ
يا آل أبي بكر" أي أن بركاتكم كثيرة، وهذه إحداها " قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته " أي فأقمنا البعير الذي كنت راكبة عليه، فوجدنا العقد الضائع تحته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: " نزلت آية التيمم ".
ويستفاد منه: بيان مشروعية التيمم، وسبب مشروعيته، وأنه بدل عن الوضوء والغسل لقوله تعالى في الآية المشار إليها (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتموهن (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فإن قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) يدل على أنه يقوم مقام الوضوء، وقوله: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) يدل على أنه يقوم مقام الغسل.
١٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي " أي خصني الله تعالى من بين النبيين والمرسلين وسائر البشر أجمعين بخصائص كثيرة، ومزايا عديدة - ذكر السيوطي أنها تزيد على المائتين، لكن أبرزها وأهمها وأعظمها وأشملها له ولأمته هذه الخصائص الخمسة: أولها: هذه الخصلة، بل هذه المعجزة العظيمة المذكورة في قوله ﷺ : " نصرت بالرعب " أي نصرني الله تعالى بإلقاء الخوف في نفوس الأعداء " مسيرة شهر " أي إلى مسافة شهر، وهي أقصى مسافة في عصره بينه وبين أعدائه. ثانيها: هذه الرخصة الاستثنائية التي انفرد بها محمد ﷺ وأمته، دون سائر الأنبياء والأمم الأخرى، وهي التي ذكرها في قوله: " وجعلت لي الأرض مسجداً " أي جعل الله لي ولأمتي هذه الأرض كلها مكاناً صالحاً للعبادة والصلاة فيها بعد أن كان الْمَعْبَدُ في اليهودية والمسيحية شرطاً في صحة
стр. 349
مِنْ أمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأحِلَّت لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وأعْطِيتُ الشفاعةَ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاس عَامَّةً".
ــ
الصلاة، كما قال ﷺ : " وكان من قَبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم " " وطهوراً " أي وجعلت لي الأرض مطهرة من الحدث الأصغر والأكبَرْ، فيتيمم المسلم عند عدم الماء بدلاً عن الوضوء والغسل، " فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل " أي فلا شيء يمنعُه من الصلاة، لأنّه سيجد في أرض الله مسجده، وفي صعيدها طهوره، إن فقد الماء فيصلي بالتيمم حيث كان، كما في حديث أبي أمامة " فأيما رجل أدركته الصلاة فلم يجد ماءً وجد الأرض طهوراً ومسجداً ". ثالثها: أنه " أحلت لي الغنائم " وقد كان الأنبياء السابقون على قسمين، منهم من لم يؤذن له في القتال أصلاً، ومنهم من أذن له، فإن غنم شيئاً أخذته نار من السماء فأحرقته. رابعها: " وأعطيت الشفاعة " العظمى لفصل القضاء، وإراحة الناس من شدة ذلك الموقف الرهيب. خامسها: أني " بعثت إلى الناس عامة " بل إلى الثقلين جميعاً.
ويستفاد منه ما يأتي:
أولاً: أن من خصائص هذه الأمة التي أنعم الله عليها بالإِسلام أن جعل لها الأرض مسجداً وطهوراً، أي مطهرة للمسلم من الحدث والجنابة، فيتطهر بالتيمم بها عند عدم الماء، كما يتطهر بالوضوء والغسل عند وجود الماء، وفيه دليل على أن التيمم بدل مطلق عن الوضوء والغسل، حكمه حكمهما في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنوافل ما لم يحدث أو يجد الماء. قال العيني: وهو قول أصحابنا (١) -أي الحنفية- وبه قال إبراهيم وعطاء وابن المسيب
стр. 350
والزهري والليث وداود بن علي، والمنقول عن ابن عباس ﵄، قال ابن حزم: " وروينا عن حماد بن سلمة عن الحسن البصري قال: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث. اهـ، وذلك لأنَّ التيمم بدل مطلق يرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة لقوله ﷺ : " التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يُحْدِثْ " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي ذر، وقال الترمذي حديث حسن صحيح (١) ولقوله ﷺ في حديث الباب: " جُعِلَتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً " والطهور اسم للمطهر، فيدل على أن الحدث يزول بالتيمم زوالاً مؤقتاً إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد الحدث (٢). وقال الجمهور " المالكية والشافعية والحنابلة ": التيمم بدل ضروري تستباح به الصلاة مع قيام الحدث بصاحبه كطهارة المستحاضة، لحديث أبي ذر الذي جاء فيه: " فإذا وجدتَ الماء فأمِسَّه جلدك فإنَّه خير لك " ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إن وجده، فهذا يدل على أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة كما في المستحاضة، ومما استدلوا به على أن الحدث والجنابة لا يزالان باقيين بعد التيمم ما رواه البخاري عن عمرو ابن العاص ﵁ أنَّه تيمم من الجنابة في شدة البرد فقال له رسول الله ﷺ : " صليت بأصحابك وأنت جنب "، فقال: بل سمعت الله يقول: (ولا تَقتلوا أنفسكم) الآية فضحك النبي ﷺ : ولم ينكر عليه. ومحل الشاهد قوله ﷺ : " صليت بأصحابك وأنت جنب " فإنَّه أثبت بقاء جنابته مع التيمم. ولكن هذا الحديث ليس نصاً على بقاء الجنابة بعد التيمم، فقد قال فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي " يمكن أن يجاب عن قوله ﷺ لعمرو ابن العاص ﵁: " صليت وأنت جنب " بأنه قال له ذلك قبل
стр. 351
أن يعلم عذره بخوف الموت إن اغتسل، وبعد أن علم عذره أقره وضحك (١) اهـ. وأما احتجاجهم بقوله ﷺ "فإِذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك" فإنّه لا يدل على أن التيمم لا يرفع الحدث أصلاً، وإنما يدل على أنه لا يرفعه نهائياً، وإنما يرفعه مؤقتاً لحين وجود الماء، وهذا هو عين ما يقوله الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم، وحاصل الخلاف بين الفريقين أنهم اختلفوا هل التيمم بدل مطلق أو بدل ضروري. فذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أنّه بدل مطلق وطهارة مطلقة لها حكم الوضوء والغسل تماماً، ولذلك فإنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، لأن التوقيت لا يكون إلَّا بدليل سمعي ولا دليل فيه فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت (٢) ويجوز أيضا أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل، فيتيمم لأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل، لأنه طهور عند عدم الماء، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض معاً. وله أن يصلي بالتيمم الواحد فرضين معاً أو أكثر وما شاء من نافلة لأنَّ التيمم عندهم كالوضوء يصلي به من الحدث إلى الحدث، أو وجود الماء (٣) اهـ. وقال الجمهور: لا يعدو التيمم عن كونه بدلاً ضرورياً، ولذلك فإنّه لا يصح التيمم إلَّا بعد دخول وقْتِ ما يتيمم له من الصلوات، وقد قال ﷺ : "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره " أخرجه أحمد فجعل ﷺ الأرض طهوراً عند إدراك الصلاة - أي عند دخول وقتها، وإنما جاز الوضوء قبل الوقت لكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم، فإنه لا يجوز قبله، لكونه طهارةٌ ضرورية (٤) كطهارة المستحاضة، فلا يجوز قبل الوقت. كما
стр. 352
١٦٢ - " بَابُ التَيّمُّمِ في الْحضرَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وخاف فوت الصَّلاةِ "
١٩٤ - عن أبي جُهَيْم ﵁ قَالَ:
أقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ -مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَل فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ
ــ
لا يجوز للمتيمِّم أن يصلي فرضين بتيمم واحد، ولو كانت الفريضتان مَجموعتين في وقت واحد -عند المالكية والشافعية- كالظهر والعصر، ويجوز عند الحنابلة الجمع بين عدة فرائض إن كانت فوائت خلافاً للمالكية والشافعيّة، ويجوز له عند الجمهور أن يجمع بين النوافل وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية وإن نوى نفلا، أو نوى استباحة الصلاة لم يصل إلَّا نفلاً، قال العثماني الشافعي " ويجوز للمتيمم أن يؤم المتوضئين والمتيممين بالإجماع، وحكِيَ النفي عن ربيعة ومحمد بن الحسن. ثانياًً: أن التيمم يكون بكل أجزاء الأرض من تراب وحجر وحَصىً وغيره، وسيأتي تفصيله قريباً (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ".
١٦٢ - " باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة "
١٩٤ - راوي الحديث: هو أبو جهيم - بضم الجيم وفتح الهاء عبد الله بن الحارث الأنصاري النجاري من كبار الصحابة روى له البخاري ومسلم حديثين.
معنى الحديث: يقول أبو جهيم ﵁ "أقبل النبي ﷺ من
стр. 353
يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى أقْبَلَ علَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
ــ
نحو بئر جمل" أي من جهة الموضع المسمى ببئر جمل - بفتح الجيم، وهو موضع قرب المدينة " فلقيه رجل " وهو أبو جهيم راوي الحديث نفسه، " فسلم عليه " أي فسلم الرجل - وهو أبو جهيم على النبي ﷺ " فلم يرد عليه " أي فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام " حتى أقبل على الجدار " أي حتى توجه النبي ﷺ إلى أقرب جدار إليه، فتيمم عليه " فمسح بوجهه ويديه " أي فضرب ﷺ الجدار بيديه الشريفتين ضربة واحدة مسح بهما وجهه ويديه إلى الكوعين لأن لفظ اليدين وإن كان مجملاً يحتمل أن يكون إلى المرفقين أو إلى الكوعين إلَّا أنه يفسره حديث عمار ﵁ حيث قال: " فضرب ﷺ بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه وكفيه "، قال الصغاني: ولم يصح من أحاديث صفة التيمم سوى حديثين حديث أبي جهيم وهو مجمل، وحديث عمار في الصحيحين وهو مبين بذكر الكفين، فينبغي أن يفسر هذا بهذا، والله أعلم.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز التيمم في الحضر عند عدم وجود الماء أو فقدان القدرة عليه، وهو ما ترجم لها البخاري. ثانياًً: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومن وافقه من أهل العلم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى لحديث أبي جهيم هذا، حيث دل على أنّه ضربة واحدة، وحديث عمار الذي قال فيه " فضرب ﷺ بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه " وقوله ﷺ لعمّار " التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين " (١) ولأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة،
стр. 354
١٦٣ - " بَابُ الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا "
١٩٥ - عَن عَمَّارِ بْنِ يَاسِر (١) ﵄:
" أنه قَالَ لِعُمرَ ﵁: أما تَذْكُر أنَّا كُنَّا في سَفَرٍ أنا وَأنْتَ،
ــ
والأكمل عند المالكية والحنابلة خروجاً من خلاف من أوجبه ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح أن يُمِرَّ اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق ثم على باطن المرفق إلى الكوع، أما الحنفية والشافعية فإنهم يقولون التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين لما رواه أبو أمامة وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " ولأن اليد عضو في التيمم فوجب استيعابه كالوجه (٢). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
والمطابقة: في كونه ﷺ تيمم وهو بالمدينة.
١٦٣ - " باب المتيمم هل ينفخ فيهما " (٣)
١٩٥ - سبب الحديث ومعناه: جاء في سبب هذا الحديث أن
стр. 355
فَأمَّا أنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وأمَّا أنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا " فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْههُ وَكفَّيْهِ.
ــ
رجلاً قال لعمر ﵁: ربما نمكث الشهر والشهرين فتصيبنا الجنابة ولا ماء ثمةَ أفنتيمَّم؟ فقال له عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء " أخرجه أبو داود والنسائي. فقال له عمار: " أما تذكر أنّا كنا في سفر " أي أما تذكر أنا كنا معاً في سفر فأصابتنا جنابة، وليس معنا ماء فأدركَتْنَا الصلاة ولم نجد ما نغتسل به، فاختلفنا فيما نفعل إزاء الصلاة " فأما أنت يا عمر فلم تصَل " لأنك لم تجد ماءً تتطهر به من الجنابة " وأما أنا فتمعكت " أي وأما أنا فهداني الله تعالى إلى عمل آخر يقوم مقام الغسل وهو التيمم، فتيممت بدلاً عن الغسل، فمرغت جسمي كله بالتراب ظناً مني أن صفة التيمم كصفة الغسل تماماً، وأنه كما يعمم المغتسل جسمه بالماء، كذلك يجب على المتيمم أن يعمم جسمه كله بالتراب، وإنما عملت باجتهادي لعدم وجود نص شرعي في التيمم، ولذلك اجتهدت رأيي. " فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا " أي إنما كان يكفيك في التيمم أن تقتصر على هذه الكيفية التي أبينها لك عملياً " ضرب بكفيه الأرض فنفخ فيهما " أي فنفخ في كفيه تخفيفاً للتراب الذي علق بهما " ثم مسح بهما وجهه وكفيه " إلى الكوعين.
الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن التيمم ضربة واحدة فقط للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومكحول وعطاء، قال ابن قدامة في العمدة (١): وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد ضربة واحدة، فيمسح بهما وجهه