أن يعلم عذره بخوف الموت إن اغتسل، وبعد أن علم عذره أقره وضحك (١) اهـ. وأما احتجاجهم بقوله ﷺ "فإِذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك" فإنّه لا يدل على أن التيمم لا يرفع الحدث أصلاً، وإنما يدل على أنه لا يرفعه نهائياً، وإنما يرفعه مؤقتاً لحين وجود الماء، وهذا هو عين ما يقوله الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم، وحاصل الخلاف بين الفريقين أنهم اختلفوا هل التيمم بدل مطلق أو بدل ضروري. فذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أنّه بدل مطلق وطهارة مطلقة لها حكم الوضوء والغسل تماماً، ولذلك فإنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، لأن التوقيت لا يكون إلَّا بدليل سمعي ولا دليل فيه فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت (٢) ويجوز أيضا أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل، فيتيمم لأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل، لأنه طهور عند عدم الماء، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض معاً. وله أن يصلي بالتيمم الواحد فرضين معاً أو أكثر وما شاء من نافلة لأنَّ التيمم عندهم كالوضوء يصلي به من الحدث إلى الحدث، أو وجود الماء (٣) اهـ. وقال الجمهور: لا يعدو التيمم عن كونه بدلاً ضرورياً، ولذلك فإنّه لا يصح التيمم إلَّا بعد دخول وقْتِ ما يتيمم له من الصلوات، وقد قال ﷺ : "جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره " أخرجه أحمد فجعل ﷺ الأرض طهوراً عند إدراك الصلاة - أي عند دخول وقتها، وإنما جاز الوضوء قبل الوقت لكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم، فإنه لا يجوز قبله، لكونه طهارةٌ ضرورية (٤) كطهارة المستحاضة، فلا يجوز قبل الوقت. كما
стр. 352
١٦٢ - " بَابُ التَيّمُّمِ في الْحضرَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وخاف فوت الصَّلاةِ "
١٩٤ - عن أبي جُهَيْم ﵁ قَالَ:
أقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ -مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَل فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ
ــ
لا يجوز للمتيمِّم أن يصلي فرضين بتيمم واحد، ولو كانت الفريضتان مَجموعتين في وقت واحد -عند المالكية والشافعية- كالظهر والعصر، ويجوز عند الحنابلة الجمع بين عدة فرائض إن كانت فوائت خلافاً للمالكية والشافعيّة، ويجوز له عند الجمهور أن يجمع بين النوافل وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية وإن نوى نفلا، أو نوى استباحة الصلاة لم يصل إلَّا نفلاً، قال العثماني الشافعي " ويجوز للمتيمم أن يؤم المتوضئين والمتيممين بالإجماع، وحكِيَ النفي عن ربيعة ومحمد بن الحسن. ثانياًً: أن التيمم يكون بكل أجزاء الأرض من تراب وحجر وحَصىً وغيره، وسيأتي تفصيله قريباً (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ".
١٦٢ - " باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة "
١٩٤ - راوي الحديث: هو أبو جهيم - بضم الجيم وفتح الهاء عبد الله بن الحارث الأنصاري النجاري من كبار الصحابة روى له البخاري ومسلم حديثين.
معنى الحديث: يقول أبو جهيم ﵁ "أقبل النبي ﷺ من
стр. 353
يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى أقْبَلَ علَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
ــ
نحو بئر جمل" أي من جهة الموضع المسمى ببئر جمل - بفتح الجيم، وهو موضع قرب المدينة " فلقيه رجل " وهو أبو جهيم راوي الحديث نفسه، " فسلم عليه " أي فسلم الرجل - وهو أبو جهيم على النبي ﷺ " فلم يرد عليه " أي فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام " حتى أقبل على الجدار " أي حتى توجه النبي ﷺ إلى أقرب جدار إليه، فتيمم عليه " فمسح بوجهه ويديه " أي فضرب ﷺ الجدار بيديه الشريفتين ضربة واحدة مسح بهما وجهه ويديه إلى الكوعين لأن لفظ اليدين وإن كان مجملاً يحتمل أن يكون إلى المرفقين أو إلى الكوعين إلَّا أنه يفسره حديث عمار ﵁ حيث قال: " فضرب ﷺ بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه وكفيه "، قال الصغاني: ولم يصح من أحاديث صفة التيمم سوى حديثين حديث أبي جهيم وهو مجمل، وحديث عمار في الصحيحين وهو مبين بذكر الكفين، فينبغي أن يفسر هذا بهذا، والله أعلم.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز التيمم في الحضر عند عدم وجود الماء أو فقدان القدرة عليه، وهو ما ترجم لها البخاري. ثانياًً: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومن وافقه من أهل العلم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى لحديث أبي جهيم هذا، حيث دل على أنّه ضربة واحدة، وحديث عمار الذي قال فيه " فضرب ﷺ بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه " وقوله ﷺ لعمّار " التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين " (١) ولأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة،
стр. 354
١٦٣ - " بَابُ الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا "
١٩٥ - عَن عَمَّارِ بْنِ يَاسِر (١) ﵄:
" أنه قَالَ لِعُمرَ ﵁: أما تَذْكُر أنَّا كُنَّا في سَفَرٍ أنا وَأنْتَ،
ــ
والأكمل عند المالكية والحنابلة خروجاً من خلاف من أوجبه ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح أن يُمِرَّ اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق ثم على باطن المرفق إلى الكوع، أما الحنفية والشافعية فإنهم يقولون التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين لما رواه أبو أمامة وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " ولأن اليد عضو في التيمم فوجب استيعابه كالوجه (٢). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
والمطابقة: في كونه ﷺ تيمم وهو بالمدينة.
١٦٣ - " باب المتيمم هل ينفخ فيهما " (٣)
١٩٥ - سبب الحديث ومعناه: جاء في سبب هذا الحديث أن
стр. 355
فَأمَّا أنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وأمَّا أنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا " فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْههُ وَكفَّيْهِ.
ــ
رجلاً قال لعمر ﵁: ربما نمكث الشهر والشهرين فتصيبنا الجنابة ولا ماء ثمةَ أفنتيمَّم؟ فقال له عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء " أخرجه أبو داود والنسائي. فقال له عمار: " أما تذكر أنّا كنا في سفر " أي أما تذكر أنا كنا معاً في سفر فأصابتنا جنابة، وليس معنا ماء فأدركَتْنَا الصلاة ولم نجد ما نغتسل به، فاختلفنا فيما نفعل إزاء الصلاة " فأما أنت يا عمر فلم تصَل " لأنك لم تجد ماءً تتطهر به من الجنابة " وأما أنا فتمعكت " أي وأما أنا فهداني الله تعالى إلى عمل آخر يقوم مقام الغسل وهو التيمم، فتيممت بدلاً عن الغسل، فمرغت جسمي كله بالتراب ظناً مني أن صفة التيمم كصفة الغسل تماماً، وأنه كما يعمم المغتسل جسمه بالماء، كذلك يجب على المتيمم أن يعمم جسمه كله بالتراب، وإنما عملت باجتهادي لعدم وجود نص شرعي في التيمم، ولذلك اجتهدت رأيي. " فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا " أي إنما كان يكفيك في التيمم أن تقتصر على هذه الكيفية التي أبينها لك عملياً " ضرب بكفيه الأرض فنفخ فيهما " أي فنفخ في كفيه تخفيفاً للتراب الذي علق بهما " ثم مسح بهما وجهه وكفيه " إلى الكوعين.
الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن التيمم ضربة واحدة فقط للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومكحول وعطاء، قال ابن قدامة في العمدة (١): وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد ضربة واحدة، فيمسح بهما وجهه
стр. 356
١٦٤ - " بَابُ الصَّعِيدِ الطيَبِ وَضُوءُ الْمُسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ "
١٩٦ - عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ:
ــ
وكفيه. قال: وإنْ تَيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر جازَ. قال المقدسي: وذلك لحديث ابن الصمة، فإنه دل على جواز التيمم بضربتين وحديث عمار يدل على الإِجزاء بضربة، ولا تنافي بينهما، لأن الله سبحانه قال: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولم يذكر عدداً فمن ضرب ضربتين أو مسح أكثر من اليد إلى الكوع فقد وفَّى بموجب النص (١). اهـ. وذهب أبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى أن التيمم ضربتان واجبتان، الأولى للوجه، والثانية لليدين إلى المرفقين، لحديث ابن عمر ﵄: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين " رواه الدارقطني (٢). وأما المالكية فقد قال ابن جُزَيّ: " يسن تجديد ضربة لليدين إلى المرفقين (٣)، وقيل يجب " قال النفراوي " وعلى كل لو اقتصر على كوعيه فصلى يستحب له الإِعادة في الوقت (٤). ثانياً: أن النفخ في الكفين بعد ضربهما بالأرض أو غيرها سنة أو مستحب كما أفاده العيني، والحكِمة فيه إزالة التلويث عن الوجه والكفين، خشية أن يكون علق بهما شيء فيصيب الوجه. والمطابقة: في قوله: " ونفخ فيهما ".
١٦٤ - " باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء "
١٩٦ - ترجمة الراوي: هو عمران بن حصين ﵁ الخزاعي أسلم عام خيبر، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وهو من فضلاء
стр. 357
كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، وَإنَّا أسْرَيْنَا حتَّى إِذَا كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً، لَا وَقْعَةَ أحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْها، فَمَا أيقَظَنَا إلَّا حَرُّ الشَّمس، وكانَ أوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ وَفُلانٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرابعُ، وَكَان النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأنَّا لا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ في نوْمِهِ، فلمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأى مَا أصَابَ النَّاسَ، وكَانَ رَجُلاً جَلِيداً، فَكَبَّر، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بالتَّكْبِير، فما زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ
ــ
الصحابة وفقهائهم، ومن مزاياه ومناقبه المشهورة أنه كانت الملائكة تسلم عليه، ويرى الحفظة وتكلمه، وكان مجاب الدعوة، روى ﵁ مائة وثمانين حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة، قال الذهبي، وكان ممن اعتزل الفتنة، وقال ابن سيرين سقى بطن عمران ابن حصين ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى حتى كان قبل موته بسنتين فاكتوى، وتوفي عمران سنة اثنتين وخمسين (١) من الهجرة، وله مسند من مائة وثمانين حديثاً. اهـ.
معنى الحديث: يقول عمران بن حصين ﵁: " كنا في سفر مع النبي ﷺ وأنَّا أسرينا " أي سرنا في آخر الليل " حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة لا وقعة أحلى عند المسافر منها " أي فسرنا مسافة طويلة، فأجهدنا السير وطال علينا السهر، فنزلنا في آخر الليل، ونحن في أشد الحاجة إلى النوم والراحة فنمنا نومة لذيذة حلوة، ليس لدى المسافر أحلى منها " وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ فإنا لا ندري ما يحدث له في نومه " أي لا نحب أن نوقظه من نومه، لأننا لا ندري ما يقع فيه من الرؤى، فقد يرى ﷺ رؤيا، والرؤيا من الوحي فكيف نوقظة "فلما استيقظ عمر رأى ما أصاب
стр. 358
بالتَّكْبِيرِ حتى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أصَابَهُمْ، قالَ: لا ضَيْرَ -أوْ لا يَضِيرُ- ارْتَحِلُوا، فارْتَحَلَوا، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأ، ونُودِيَ بالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس، فلما انْفَتَلَ مِنْ صَلَاِتهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قال: مَا مَنَعَكَ يا فُلَانُ أن تُصَلِّىَ معَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ولا مَاء، قَالَ: عَلَيْكَ بالصَّعِيدِ فإنَّهُ يَكْفِيكَ، ثمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، فاشْتكَى
ــ
الناس" من النوم عن صلاة الصبحٍ حتى طلعت الشمس " وكان رجلاً جليداً " أي وكان عمر رجلاً قوياً صلباً حازماً " فما زال يكبر " أي فكبر وتابع التكبير، وما زال يتابع التكبير " حتى استيقظ رسول الله ﷺ بصوته " على صوت عمر ﵁ وعرف ما حدث لهم " قال لا ضَيْر " أي فطمأنهم النبي ﷺ وقال لهم: لا ضير ولا حرج، ولا إثم عليكم في تأخيركم لصلاة الصبح عن وقتها بسبب النوم الذي غلب عليكم، لأن النوم عذر شرعي " ارتحلوا، فارتحلوا، فسار غير بعيد ثم نزل، فدعا بالوضوء " أي فأمرهم النبي ﷺ فانتقلوا من ذلك المكان، ثم طلب ماء يتوضأ به " فلما انفتل من صلاته " أي فلما انتهي النبي ﷺ من صلاته نظر، وتفقد الصحابة، فلما تفقدهم " إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم " فلفت ذلك انتباه النبي ﷺ إليه، ودفعه إلى التساؤل عن حاله، وسبب اعتزاله لذلك " قال " للرجل " ما منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد " أي إذا كنت لم تجد الماء، فإن هذا لا يمنعك من الصلاة، بل تيَمَّم بالصعيد الطاهر وصلِّ، " فإنه يكفيك " أي فإن التيمُّمَ بالصعيد الطاهر يكفيك عن الغسل بالماء عند عدم وجوده، لأنَّ الله قد شرع لعباده التيمم بدلاً عن الغسل عند عدم الماء أو عدم القدرة عليه. والصعيد
стр. 359
إليْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فنَزَلَ فَدَعَا فُلَاناً، كَانَ يُسَمِّيهِ أبُو رَجَاءٍ، نَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلَيَّاً فَقَال: اذْهَبَا فابْتَغِيَا الْمَاءَ، فانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرأَة بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أو سَطِيحَتَيْن مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فقالا لَها: أيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بالْمَاءِ أمْسِ هَذ السَّاعةَ، ونَفَرُنَا خُلُوفٌ، قالا لَهَا: انطَلِقِي إذَنْ، قَالَت: إلى أين؟ قَالا: إلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِىءُ؟ قالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فانطَلِقِي، فجاءَا بِهَا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وحَدَّثَاهُ الحدِيثَ، قَالَ: فاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، ودَعَا النَّبِيُّ ﷺ
ــ
كل ما صعد على وجه الأرض من تراب أو حجارة أو حصى أو غيره " فدعا فلاناً كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف " وهو عمران بن حصين راوي الحديث نفسه " ودعا علياً، فقال: اذهبا فابتغيا الماء " أي ابحثا عنه " فانطلقا " أي فذهبا يبحثان عن الماء " فتلقيا امرأة بين مزادتين " أي فوجدا امرأة راكبة على بعير مدلية رجليها بين قربتين " فقالا لها: أين الماء؟ فقالت - عهدي بالماء أمس هذه الساعة " أي عهدي بمكان الماء أمس في مثل هذه الساعة " ونفرنا خلوف " أي ورجالنا مسافرون وغائبون، ولا يوجد في ديارنا إلَّا النساء " فقالا لها انطلقي إذن " أي اذهبي معنا " قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له الصابىء؟ " أي أتعنون برسول الله ذلك الرجل الذي تصفه قريش بالصابىء أي الخارج على دينه، وكانوا يصفونه بذلك ذماً له وطعناً فيه، ونسبة له إلى الكفر والضلال بمفارقة دينه، وحاشاه ﷺ من ذلك، لأنه ﷺ إنما خرج عن دينهم الباطل إلى الدين الحق الذي بعثه الله به، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الحق " فجاءا بها إلى رسول الله ﷺ وحدثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها " أي فطلبوا منها أن تنزل عن بعيرها تنفيذاً لأمر النبي ﷺ "ودعا
стр. 360
بإنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيِه مِنْ أفْوَاهِ الْمزَادَنَيْنِ أو السَّطِيْحَتَيْنِ، وأوكأ أفْوَاهَهمَا، وأطْلَقَ العَزَالِي، ونودِيَ في النَّاسِ: اسْقوا واسْتَقُوا، فَسَقَا مَنْ شَاءَ، واستقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أنْ أعْطى الَّذِي أصَابَتْه الْجَنَابَة إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قالَ: اذْهَبْ فافرِغْهُ عَلَيْكَ، وَهِي قَائِمَةٌ تَنْظر إلى ما يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وأيم اللهِ لَقَدْ أقْلِعَ عَنْهَا، وإِنَّه لَيخَيَّل إِلَيْنَا أنهَا أشَدُّ مِلأة مِنْهَا حين ابْتَدَأ فيهَا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْمَعوا لَهَا، فجَمَعُوا لها مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيْقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَاماً، فَجَعَلُوهَا في ثَوْبٍ، وَحَمَلُوْهَا عَلى بَعِيرِهَا، وَوَضَعوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَها: تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ
ــ
النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين" أي ففرغ الماء في ذلك الإِناء من أفواه المزادتين " وأوكأ أفوههما " أي ربط أفواه القربتين العليا " وأطلق العزَالِي " بفتح الزاي وكسر اللام، أي وفتح أفواه القربتين السفلى لكى يخرج الماء منها، " ونودي في الناس اسقوا واستقوا " أي اسقوا دوابكم واشربوا من هذا الماء الذي ساقه الله إليكم " فسقا من شاء، واستقى من شاء " أي فشربوا وسقوا دوابهم ومواشيهم " وهي قائمة تنظر " أي وهي واقفة تشاهد هذه الحوادث العجيبة بعينيها " وايم الله " وهو لفظ من ألفاظ القسم، أصله أيمن الله بضم الميم والنون، فحذفت النون تخفيفاً " قد أقلع عنها " بضم أوله وكسر ثالثه والبناء للمجهول، أي تُركتْ وكف الناس عنها " وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلْأةً " بكسر الميم وسكون اللام أي امتلاءً " منها حين ابتدأ فيها " ومعنى ذلك أن الراوي يقسمٍ بالله تعالى على أن هاتين القربتين لم ينقصْ من مائهما بعد الشرب منهما شيئاً، بل إنه ليتراءى لأعينهم أن الماء قد زاد بعد شربهم منه عما كان عليه قبل أن يشربوا منه "فجمعوا من بين عجوة
стр. 361
شَيئَاً، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أسْقَانَا، فَأتتْ أهلَهَا، وَقَدْ احتبست عَنْهُمْ قَالُوا: مَا حبسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ، لَقِيَني رَجُلَانِ فَذَهَبَا بي إلى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَه الصَّابِىءُ، ففعل كَذَا وكَذَا، فواللهِ إِنَّهُ لأسْحَرُ النَّاس من بين هذِه وَهَذِه، وقَالَتْ بأصْبَعَيْهَا الْوُسْطى والسَّبَّابَةِ فَرفَعَتُهُمَا إِلى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ والأرْضَ، أو إِنَّهُ لَرَسُولُ الله حِقاً، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ
ــ
ودقيقة وسويقة" أي فجمعوا لها من أصناف الطعام، والأزواد الموجودة لديهم " وحملوها على بعيرها " أي وأركبوها على بعيرها " قال: تعلمين ما رزئنا (١) من مائك شيئاً " أي لقد علمت يقيناً، وشاهدت ببصرك، ورأيت رأي العين أننا لم ننقص من مائك شيئاً فنكون سبباً في إيذائك وإلحاق الضرر بك " ولكن الله هو الذي سقانا " أي ولكننا قد شربنا من الماء الذي ساقه الله إلينا وسقانا منه وقد أراد ﷺ من كلامه هذا أن يلفت نظر تلك المرأة إلى أنّهم حين شربوا من القربتين لم يضروها بشيء وإنما شربوا من الماء الذي سقاه الله لهم، حيث أن ماء القربتين زاد ولم ينقص، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي ﷺ نبهها إليها لتحدث قومها عنها، وهذا ما وقع منها عند رجوعها إليهم كما قال الراوي " فأتت أهلها وقد احتبست عنهم " أي تأخرت عنهم بعض الشيء " فقالوا ما حبسك يا فلانة، قالت: العجب " أي الذي أخرني عنكم أمرٌ عجيب، وقصة غريبة، ثم حكت لهم قصتها فقالت: " لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابىء " أي فذهبا بي إلى محمد بن عبد الله الذي تسميه قريش " الصابىء " أي الخارج عن دينه، وكانوا يصفونه بذلك طعناً فيه وتشنيعاً عليه كما ذكرنا " ففعل كذا وكذا " أي فسقى الجيش كله من هاتين المزادتين دون أن ينقص من مائهما شيئاً، إلى غير ذلك
стр. 362
بَعْدَ ذَلِكَ، يُغِيرُونَ على مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ ولا يُصيبُونَ الصِّرْمَ الذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْماً لِقَوْمِهَا: ما أرَى أنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمداً، فهلْ لكُمْ في الإِسْلامِ؟ فأطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ.
ــ
من العجائب التي شاهَدَتْها، وحدثتهم عنها " فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه (١)، أو إنه لرسول الله حقاً " أي إنه لا يخلو من أمرين: إما أن يكون أسحر شخص موجود بين السماء والأرض، أو يكون نبياً ورسولاً صادقاً في نبوته ورسالته، لأن هذه الخوارق إما أن تكون سحراً، أو معجزةً " فكان المسلمون بعد ذلك يغزون مَنْ حولها من المشركين، ولا يصيبون الصِّرم " بكسر الصاد " التي هي فيه " أي ولا يغيرون على بيوت الشعر التي يسكنها قومها " فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً " أي الذي أراه وأعتقده أن المسلمين قد تركوا قتالكم متعمدين قاصدين ذلك حفظاً للجميل ووفاءً لصحبتي معهم، لا صدفة ولا خوفاً منكم " فهل لكم في الإسلام " أي فإني أرغبكم في الإِسلام، وأحثكم عليه وأنصح لكم به ما دامت هذه هي أخلاق المسلمين وشيمهم وهذه معجزات نبيهم ﷺ " فأطاعوها فدخلوا في الإِسلام " أي وشرح الله صدورهم لدين الإِسلام.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التيمُّم بجميع أجزاء الأرض من تراب ورمل وحجارة وغيرها متى كانت طاهرة لأنّ هذا ما يعنيه الصعيد الطيب في لغة العرب وقد أمر النبي ﷺ بالتيمم بالصعيد في قوله: " عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك " وهو مصداق قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وفيه حجة للجمهور على جواز التيمم بكل أجزاء الأرض لا
стр. 363
١٦٥ - " بَابٌ إِذَا خاف الْجُنُبُ علَى نفْسِهِ الْمَرضَ أو الْمَوْت، أو خاف الْعَطَشَ تيَمَّمَ "
١٩٧ - قَالَ الْبُخَارِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
ــ
فرق بين تراب وغيره، خلافاً للشافعي فالصعيد يشملها جميعاً كما ترجح عند أهل اللغة حتى قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً عند أهل اللغة، ويؤكد ذلك قوله ﷺ في حديث جابر ﵁ " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " قال النووي: احتج به مالك وأبو حنيفة في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وعند مالك يجوز بالتراب والرمل والحشيش والشجر والثلج، والمطبوخ كالجص والآجر. وقال الثوري والأوزاعي: يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج، ونُقِل عن ابن علية جوازه بالمسك والزعفران.
ويجوز التيمم عند الحنفية بالتراب والرمل والحجر الأملس المغسول والجص والنورة، والزرنيخ، والكحل والكبريت والتوتياء والحائط المطيّن والمجصص والياقوت والزمرد، والفيروزج والمرجان والملح الجبلي، ولا يجوز بالزجاج ولا بالذهب والفضة .. إلخ، كما أفاده العيني. ثانياً: معجزة النبي ﷺ الظاهرة التي تجلّت في تكاثر الماء، حتى شرب منه الجيش كله. ثالثاً: تقدير الصحبة وحفظ الجميل الذي يتضح لنا من فعل هؤلاء الصحابة الأوفياء حيث كانوا يغيرون على من حولها ولا يغيرون على قومها. الحديث: أخرجه الشيخان والدارقطني. والمطابقة: في قوله: " عليك بالصعيد الطيب ".
١٦٥ - " باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم "
أي هذا باب يذكر فيه أن الجنب يجوز له أن يتيمم عند وجود الماء إذا
стр. 364
ويُذْكَرُ أن عَمْرو بْنَ الْعَاصِ أجنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّف.
ــ
خاف أن يحدث له من الماء ضرر في نفسه إما بحدوث مرض متلف، أو موت محقق أو عطش بأن لا يكون لديه إلاّ قليل من الماء، فإذا اغتسل به عطش ولم يجد غيره، فإنه يجوز له التيمم في هذه الحالات، ولو مع وجود الماء لفقده القدرة على استعماله.
١٩٧ - معنى الحديث: أن البخاري ﵀ يروي هذا الحديث عن عمرو بن العاص معلقاً بدون سند (١) فيقول: " ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة " أي أصابته الجنابة في غزوة ذات السلاسل بسبب الاحتلام وكان ذلك في ليلة باردة شديدة البرد، فخاف على نفسه إن هو اغتسل بالماء البارد في هذا البرد القارس أن يصيبه المرض لا محالة، أو يهلك برودة الماء " فتيمم " بدل أن يغتسل خوفاً على نفسه من المرض أو الموت، وصلّى بالصحابة صلاة الصبح " وتلا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) أي وقرأ قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ولذلك فإنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، واستدل عمرو بهذه الآية على أنه يجوز له في هذه الحالة التيمم بدلاً عن الغسل وقاية لنفسه من الهلاك، لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) " فذكر ذلك للنبي ﷺ " أي فذكر عمرو ذلك للنبي ﷺ وأخبره بما حدث له، ورُوي بضم الذال، أي فذكر ذلك الصحابة للنبي
стр. 365
- ﷺ عند رجوعهم، وأخبروه بما وقع من عمرو بن العاص " فلم يُعنف " أي فلم يَلُمْهُ بعد أن سأله وعرف حقيقة أمره ووجهة نظره وصحة فعله، كما جاء في رواية أخرى أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلك، فتيمَّمْتُ ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ "، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً " أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أنه يجوز للجنب التيمم مع وجود الماء عند الخوف من حدوث المرض أو زيادته (١) لأن عمراً تيمم بدلاً عن الغسل بسبب شدة البرد، خوفاً على نفسه من الهلاك، وأقره النبي ﷺ على فعله هذا، ولم يعنفه. ثانياًً: جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ . الحديث: أخرجه موصولاً أبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي. والمطابقة: في قوله: " فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنفه ".
...
стр. 366
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الصلاة "
وهي من البدهيات المعروفة عند عموم المسلمين، فلا حاجة إلى تعريفها.
ومن مزاياها أنها عماد الدين، وَملاك الفضائل كلها، لما تؤدي إليه من تهذيب النفس، ووقايتها من الخطايا كما قال (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) بالإضافة إلى أن للصلاة أثرها الواضح في مقاومة الشدائد، وتفريج الكروب، والتغلب على الأزمات النفسية، وقد كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وما من حركة من حركات الصلاة إلاّ وفيها تدريب للنفس على فضيلة من الفضائل. كما قال بعض أهل العلم. وفي بعض الآثار أن الله تعالى يقول: " إنما أقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وقطع نهاره بذكري، وكف نفسه عن الشهوات من أجلي، يطعم الجائع، ويؤوي الغريب، ويرحم المصاب فذلك الذي يضىء نوره في السموات كالشمس، إن دعاني لبيته، وإن سألني أعطيته. وفرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بعام، كما جزم به النووي من بين عشرة أقوال.
стр. 367
١٦٦ - " بَابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَات في الإِسْرَاءِ "
١٩٨ - عنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أبو ذَرٍ ﵁ يُحَدِّث أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتي وَأنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ " فَفَرجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ
ــ
١٦٦ - " باب كيف فرضت الصلوات في الإِسراء "
١٩٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " كان أبو ذر ﵁ يحدث أنّ النبي ﷺ قال: فرج " بضم الفاء وكسر الراء " عن سقف بيتي " أي بينما كان النبي ﷺ تلك الليلة في بيت أم هانىء بمكة لم يشعر إلاّ وقد فُتح السقف، ونزل منه الملك - وهو جبريل ﵇، ودخل عليه، وكان ذلك إشارة واضحة إلى قدومه من الملأ الأعلى.
أما ما جاء في رواية مالك بن صعصعة ﵁ أن نبي الله حدثهم ليلة أسري به قال: " بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً إذ أتاني آت، فشق ما بين هذه وهذه " وكيف الجمع بينهما؟ فقد قال العيني: أما على كون العروج مرتين فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة فلعله ﷺ بعد غسل صدره دخل بيت أم هانىء، ومنه عُرِجَ به إلى السماء. " قلت " وهذا الاحتمال الأخير يتعارض مع حديث الباب في السياق، والاحتمال الأقرب أن النبي ﷺ جاءه جبريل في بيت أم هانىء، فخرج به إلى الحجر أو الحطيم، فشق صدره هناك الخ ما جاء في الحديث حيث قال النبي ﷺ " فنزل جبريل ففرج صدري " بفتح الفاء الأولى والثانية، وفتح الراء، أي فشق جبريل صدر النبي ﷺ من ثغرة نحره إلى شِعْرته بكسر الشين " "فاستخرج
стр. 368
ذَهَبٍ مُمْتَلىءٍ حِكْمَةً وإيمَاناً، فأفْرَغَهُ في صَدْرِي، ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي، فَعرَجَ بِي إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، فَلَمَّا جِئْتُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِى مُحَمَّدٌ ﷺ ، فقَالَ: أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَم، فلمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنيا، فإِذَا رَجُلٌ قَاعِد عَلَى يَمِنيهِ أسْوِدَة،
ــ
قلبي" (١) أي فأخرج الملك قلبه الشريف ﷺ حقيقة لا مجازاً، ولا حاجة إلى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق المصدوق، ولا عجب في ذلك، فإن المعراج معجزة من معجزاته ﷺ والمعجزات كلها أمور خارقة للعادة، خارجة عن نظام العالم، والسنن الكونية، وما هي إلاّ تحديات لقدرة البشر بقدرة الله تعالى. " ثم غسله بماء زمزم " أي ثم غسل الملك قلبه ﷺ بماء زمزم تطهيراً وتقوية له بهذا الماء المبارك، لما فيه من غذاء روحي ومادي معاً " ثم جاء بطست من ذهب " وكان هذا الطست من الأواني الذهبية الموجودة في الجنة فأتى به من هناك تكريماً للنبي ﷺ وإعلاءً لشأنه، وحفاوة به " ممتلىء حكمة " بالنصب، على أنه تمييز ملحوظ، أي جاءه بطست ذهبي من الجنة، ممتلىء بالعلم الرباني النافع، المؤدي إلى التوفيق والصواب في القول والعمل " فأفرغه في صدره، ثم ختمه " أي ثم ختم صدره الشريف بعد غسله وتطهيره وإفراغ ذلك الطست فيه، وضمه على العلم الرباني والنور الإِلهي الذي أودعه فيه، لئلا يجد الشيطان إليه سبيلاً. قال ﷺ " فعرج بي إلى السماء الدنيا " أي فأسرى بي أولاً على البراق من مكة إلى بيت المقدس، ثم صعد بي الملكُ من بيت المقدس على المعراج إلى السماء الدنيا، والبراق
стр. 369
وعَلَى يسَارِهِ أسْوِدَة، إِذَا نَظرَ قِبَلَ يَمِينهِ ضَحِكَ، وِإذَا نَظرَ قِبَل يَسارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بالنبي الصَّالِحِ والْابنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيْلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وشَمَالِهِ نَسَمُ بَنِيْهِ فَأهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أهْلُ الْجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عَنْ شِمَالِهِ أهْلُ النِّارِ، فَإِذَا نَظرَ عَنْ يَمِينهِ ضَحِكَ، وِإذَا نَظر قِبَلَ شِمَالِهِ بكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَقَالَ لخَازِنِهَا: افْتَحْ! فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أنَسٌ: فذكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ في السَّمَواتِ آدَمَ وِإدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وِإبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلَهُمْ، غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ وَجَدَ آدَمَ في السَّمَاءِ الدُّنيا، وإبْراهِيمَ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أنسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْريل بالنَّبيِّ ﷺ بإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَباً بالنَّبِيِّ الصَّالِح
ــ
دابة من دواب الجنة (١) دون البغل وفوق الحمار. أما المعراجِ فهو كما قال ابن سيده: شبه سلم تعرج عليه الأرواح وقد اختاره الله مصعداً لنبيه إلى السماء " فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة " أي أشخاص " قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه " بفتح النون والسين أي أرواحهم، حيث تشكلت على صورة أجسامهم (٢) " حتى عرج بي إلى السماء الثانية " أي وبعد الأولى صَعِد بي الملك إلى الثانية، وانتقلت من سماء إلى سماء، والتقيت بالأنبياء، " ولم يثبت منازلهم " أي لم يعين ﷺ السماء التي فيها كل نبي منهم إلا السماء الدنيا والسادسة، وفي مسلم فذكر آدم في السماء الأولى، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون
شَطرهَا، فَرَجَعْتُ إليْهِ فَقَالَ: ارجِعْ إلى رَبِّكَ فإنَّ أمَتّك لا تُطيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وهيَ خَمْسُونَ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى فقَالَ: رَاجِع رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي حَتَّى انتهَى بِي إلى سِدْرَةِ الْمُنْتَهي وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدرِي ما هِيَ، ثُمَّ أدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فيها حبَائلُ اللؤلُؤِ وِإذَا تُرابُهَا المِسْكُ".
ــ
شطرها" أي نقَّصَ جزءاً منها، وما زال ﷺ يراجع ربه، والرب يُنقِصُ من عدد الصلوات حتى صارت خمساً، " فقال: هي خمسٌ " أي خمس في عددها " وخمسون " في مضاعفة ثوابها " لا ييدل القول لديَّ " أي هذا هو قضاء الله تعالى ووعده الذي لا يقبل التخلف " ثم أدخلتُ الجنة، فإذا في حبائل اللؤلؤ " أي أسلاك اللؤلؤ المنظوم. الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الصلوات الخمس فرضت في السموات ليلة المعراج، كما ترجم له البخاري، وأجمع عليه أهل العلم، إلاّ أنهم اختلفوا في تاريخه، فقيل قبل الهجرة بعام ورجحه النووي، وقال: الزهري وابن اسحاق قبل الهجرة بخمسة أعوام ورجحه القاري. حتى وصلت إلى عشرة أقوال. ثانياًً: إثبات الإِسراء والمعراج، والراجح الذي عليه الجمهور أنه كان يقظة لا مناماً، وبالروح والجسد معاً لقوله ﷺ "فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم" فإن هذا لا يكاد يسمعه أحد إلاّ تبادر إلى ذهنه أن الإِسراء والمعراج بالروح والجسد. والمطابقة: في قوله: " ففرض على أمتي خمسين صلاة ".
***
стр. 372
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
فرض اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في الْحَضَرِ والسَّفَرِ، فأُقرَّت صلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ.
ــ
١٩٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " فرض الله تعالى الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر " أي أوجب الله تعالى جميع الصلوات المكتوبة في أول الأمر ركعتين ركعتين في الحضر والسفر معاً عدا المغرب فإنها ثلاث ركعات، ثم غيّر بعض الصلوات في الحضر " فأقرت صلاة السفر " أي فأبقى الله تعالى الصلاة في السفر ركعتين كما فرضها أول مرة، " وزيد في صلاة الحضر " في الظهر والعصر والعشاء فصارت أربعاً في الحضر، بعد أن كانت ركعتين، وأصبحت رباعية بعد أن كانت ثنائية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: ظاهرة حيث بَيّنَ في الحديث كيف فرضت الصلاة ركعتين وهو ما ترجم له البخاري.
ويستفاد منه: أن الصلاة فرضت في أول الأمر ركعتين، وقد استدل به أبو حنيفة على أن قصر الرباعية في السفر واجب، لأن صلاة المسافر فرضت من أول الأمر ركعتين.
***
стр. 373
١٦٧ - " بَابُ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفاً "
٢٠٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَة ﵄:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في ثَوْب وَاحِدٍ قَدْ خَالفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
٢٠١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ:
رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ وَاضِعاً طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
ــ
١٦٧ - " باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به "
٢٠٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ صلى الصلاة في ثوب واحد فقط هو إزاره ورداؤه " قد خالف بين طرفيه " أي وضع طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه: جواز صلاة الرجل في ثوب واحد ساترٍ لعورته، فإن كان واسعاً التحف به ووضع طرفيه على عاتقيه، وإن كان ضيقاً اتزر به، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في قوله: " صلى في ثوب واحد ".
٢٠١ - معنى الحديث: يقول عمر بن أبي سلمة ﵄، " رأيت رسول الله ﷺ يصلى في ثوب واحدٍ مشتملاً به في بيت أمِّ سلمة " (١) أي رأيت النبي ﷺ بعيني يصلي في بيت أمّ سلمة ﵂ في ثوب واحدٍ فقط هو إزاره ورداؤه حال كونه ملتحفاً به ساتراً به جسمه " واضعاً طرفيه على عاتقيه " أي واضعاً طرف ثوبه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة:
стр. 374
٢٠٢ - عَنْ أبَي هُرَيرَةَ ﵁:
أنَّ سائِلاً سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ".
ــ
في قوله: مشتملاً به، لأنّ معنى مشتملاً به، أي ملتحفاً به، وهو ما ترجم له البخاري.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة في الثوب الواحد دون كراهة، وهو مذهب الجمهور، وذهب طاووس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية - كما أفاده العيني إلى أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادراً على ثوبين، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإنّ الله أحق من تزين له " أخرجه البيهقي. ثانياًً: أنه إذا صلى في ثوب واحدٍ، فإنْ كان واسعاً اشتمل به، وإن كان ضيقاً اتزر به وهو مذهب الجمهور، خلافاً لطاووس والنخعي (١) وابن وهب، ومحمد بن جرير حيث قالوا: السنة أن يأتزر به ولو كان واسعاً.
٢٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ في حديثه هذا " أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد " أي سأله عن حكم الصلاة في الثوب الواحد هل هي جائزة وصحيحة أم لا؟ " قال: أو لكلكمْ ثوبان؟! " وهو استفهام إنكاري يتضمن الجواب والفتوى، ومعناه أنه إذا لم يكن لكل شخص ثوبان، والصلاة واجبة، فإنها تصح في الثوب الواحد ما دام ساتراً للعورة لأنّ هذا الدين يسر، ولا يكلف الله نفساً إلّا وسعها.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة في الثوب الواحد بشرط
стр. 375
١٦٨ - " بَاب إذَا صَلَّى في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلى عَاتِقَيْهِ "
٢٠٣ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شيءٌ ".
ــ
أن يكون ساتراً للعورة وأن يكون غير قادر على ثوبين لقوله ﷺ : " أو لكلكم ثوبان ". ثانياً: يسر هذا الدين وسماحته ومراعاته لظروف الناس وأحوالهم، حيث إنه لما كان بعض الناس لا يجدون ثوبين أجاز لهم الصلاة في ثوب واحد. ثالثاً: في الحديث دليل لمن يقول: إن الصلاة في الثوب الواحد مكروهة لمن يقدر على ثوبين، لأن مفهوم قوله ﷺ : " أو لكلكم ثوبان " ان من وجد ثوبين لا يصلي في ثوب واحد، وهو مذهب طاووس والنخعي وغيرهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وأحمد والدارمي والبيهقي والطحاوي. والمطابقة: في قوله: " أو لكلكم ثوبان ".
١٦٨ - " باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه "
٢٠٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس كل عاتقيه شيء " ومعناه أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة في الثوب الواحد الذي لا يستر العاتقين، لأنهما وإن لم يكونا عورة، إلّا أن سترهما أمكن من ستر العورة، لأنه إذا ائتزر بالثوب ليس على عاتقه شيء، لم يأمن أن تنكشف عورته كما أفاده الحافظ. الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. والمطابقة: ظاهرة لأنه ﷺ نهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء.
стр. 376
٢٠٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
أشْهد - أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ".
ــ
٢٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "من صلى في ثوب واحد " أي وليس عليه إلاّ ثوب واحد وهو " الإِزار " " فليخالف بين طرفيه " بأن يجعل طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن.
الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. والمطابقة: في قوله: " فليخالف بين طرفيه ".
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، لأن النبي ﷺ أمر بسترهما في الحديث الثاني حيث قال: " فليخالف بين طرفيه " ونهي عن كشفهما في الحديث الأول فقال: " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء " واختلفوا في ذلك. فذهب الجمهور إلى أنه يستحبُّ ستر العاتقين، ويكره كشفهما لمن يقدر على سترهما، وحملوا الأمر على الندب، والنهي على الكراهة (١). وذهب أحمد إلى وجوب سترهما، وتحريم كشفهما للقادر على ذلك، ومن صلى مكشوف العاتقين مع قدرته على سترهما لا تصح صلاته، لأن سترهما مع القدرة شرط في صحة الصلاة.
قال ابن قدامة (٢): يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئاً من اللباس إن كان قادراً على ذلك، وهو قول ابن المنذر. وقال أكثر الفقهاء لا يجب ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأنهما ليسا بعورة، فأشبها بقية
стр. 377
١٦٩ - " بَابٌ إِذَا كَانَ الثَوْبُ ضَيِّقَاً "
٢٠٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فاشْتَمَلْتُ بِهِ، وصَلَّيْتُ إلى جَانِبِهِ، فلمَّا انْصَرفَ قَالَ: " مَا السُّرَى يَا جَابِرُ، فَأخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فلمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الاشْتَمَالُ الذِي رَأيتُ؟ قَلتُ: كَانَ ثَوْبٌ (١)، قَالَ: فَإِنْ كَان وَاسِعاً فَالْتَحِفْ بِهِ، وِإنْ كَانَ ضَيِّقَاً فاتَّزِرْ بِهِ ".
ــ
البدن، قال: ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يصّلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وغيرهم " قال ابن قدامة ": وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس، ويشترط ذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب، قال القاضي: وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه ليس بشرط. اهـ. والله أعلم.
ثانياًً: أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة مع ستر العاتق، وهو مذهب الجمهور، والله أعلم.
١٦٩ - " باب إذا كان الثوب ضيقاً "
٢٠٥ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁ " خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره "، وذلك في غزوة بواط بالقرب من المدينة " فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي " أي فوجدت النبي ﷺ قائماً يصلي " وعليَّ ثوب واحد " أي وكنت لابساً ثوباً واحداً، وهو الإِزار " فاشتملت به " أي التحفت به ووضعْت طرفيه على عاتقي "فصليت إلى
стр. 378
٢٠٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ ﵄ قَالَ:
كَانَ رِجَال يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أزرِهِمْ على أعناقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصبيَانِ وَيُقَالُ للنِّسَاءِ: لا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسَاً.
ــ
جانبه، فلما انصرف قال: ما السُرّى" أي ما هو السبب الذي دعاك إلى السير في هذه الساعة المتأخرة من الليل " فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، قال: ما هذا الاشتمال " استفهام إنكاري معناه أنه ﷺ أنكر عليه التحافه بالثوب، لأنه ضَيَق وقال له: " فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به " لأنه إذا التحف بالثوب الضيق يخشى أن تنكشف عورته.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضاً. والمطابقة: في قوله: " وإن كان ضيقاً فاتزر به ".
٢٠٦ - ترجمة الراوي: وهو سهل بن سعد الساعدي الخزرجي الأنصاري، صحابي ابن صحابي، له ﵁ ولأبيه صحبة، وهو من المعمرين المشهورين عاش حتى أدرك الحجاج، وامتحن معه، وتوفي سنة ثمان وثمانين من الهجرة، وقد بلغ مائة سنة، وكان آخر من مات بالمدينة من الصحابة، قال أبو حازم: سمعت سهل بن سعد يقول: لو مت لم تسمعوا أحداً يقول: قال رسول الله ﷺ أي لم تسمعوا محدثاً يرفع الحديث إلى النبي ﷺ فيقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، أو قال: رسول الله ﷺ كذا، أو رأيت النبي ﷺ يفعل كذا من أهل المدينة.
معنى الحديث: يقول سهل ﵁: " كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزُرِهم " أي كان بعض أصحاب النبي ﷺ قد بلغوا من الفقر والفاقة مبلغاً عظيماً حتى إنهم لا يملكون غير ثوب واحد يأتزرون به، ويرتدونه في الصلاة، فيربطونه حول أعناقهم ليكون رداءً وإزاراً لهم وثوباً
стр. 379
١٧٠ - " بَابُ الصَّلَاَةِ في الجُبَّةِ الشامِيَّةِ "
٢٠٧ - عنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ:
كُنْتُ مَعَ النبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فقالَ: يَا مغُيرَةُ! خُذِ الإدَاوَةَ،
ــ
شاملا يستر جسمهم. " كهيئة الصبيان " أي كما كان يفعل الصبيان الصغار في ذلك الزمن " ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حى يستوي الرجال جلوساً " أي ويؤمر النساء أن لا يرفعْن رؤوسهن من السجود حتى ينهض الرجال من السجود، ويعتدلوا في جلوسهم، لئلا يرين عورات الرجال إذا رفعن رؤسهن من السجود قبلهم، كما جاء مصرحاً به في رواية أحمد حيث قال: " كراهية أن يرين عورات الرجال ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " عاقدي أزرهم ".
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنْ كان واسعاً اشتمل به، أي لفَّ جسمه به، وخالف بين طرفيه، فوضع طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم عقد طرفي الثوب على صدره. وإن كان ضيقاً اتزر به، ولا يلتحف به، لئلا تظهر عورته عند الركوع أو السجود كما قال ﷺ " وإن كان ضيقاً اتزر به ".
ثانياً: ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الفقر والفاقة، وخشونة العِيش حتى أنهم لا يجدون إلاّ ثوباً واحداً لا يكاد يستر عوراتهم.
١٧٠ - " باب الصلاة في الجبة الشامية "
٢٠٧ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁ " كنت مع النبي ﷺ في سفر " أي كنت مسافراً مع النبي ﷺ في غزوة من غزواته، وهي غزوة تبوك، وكانت في السنة التاسعة من الهجرة " قال: يا مغيرة خذ الإداوة " بكسر الهمزة، وفتح الدال، وهي وعاء صغير يوضع فيه الماء للوضوء
стр. 380
فأخَذْتهَا، فانْطَلَقَ رَسول اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَه، وَعَلَيْهِ جبَّة شَامِيَّة، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَة مِنْ كُمِّهَا فضَاقَتْ، فأخْرَجَ يَدَة مِنْ أسْفَلِهَا فَصَبَبْت عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأ وضوءَة لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خفَّيْهِ (١) ثمَّ صَلَّى.
ــ
ونحوه " فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عنِّي " أي فسار رسول الله ﷺ سيراً طويلاً وقطع مسافة كبيرة، حتى ابتعد عني واختفى عن عيني، فأصبحتُ لا أراه، " فقضى حاجته " هناك بعيداً عني، " وعليه جبة شامية " أي وكانت عليه جبة منسوجة في بلاد الشام، وهي من تلك الثياب التي يلبسها النصارى، لأنّ بلاد الشام حينذاك كانت تحت حكم الروم، وأهلها من النصارى " فذهب ليخرج يده من كمِّها فضاقت " أي فحاول النبي ﷺ أن يخرج يده من كُمِّها فلم يستطع ذلك لشدة ضيقه " فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة " أي فتوضأ وضوءه الشرعي الذي يفعله للصلاة.
الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة في ملابس الكفار سواء كانت جبة أو ثوباً أو عباءة أو سروالاً أو سواه ما لم يتحقق من نجاستها، لأنّ النبي ﷺ صلّى في الجبة الشامية التي كانت في ذلك العصر من لباس النصارى، فدل ذلك على جواز الصلاة في ملابسهم، والمسألة خلافية بين الفقهاء، فروي عن مالك أنه لا يصلى في ثيابهم، وأنه إن صلى فيها أعاد في الوقت، وروي عن أبي حنيفة كراهية الصلاة فيها ما لم تغسل وأجاز غيرهم الصلاة فيها كما أفاده الحافظ. ثانياً: مشروعية التستر عند قضاء الحاجة، والابتعاد عن الناس، وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي ﷺ
стр. 381
١٧١ - " بَابُ كَراهِيَةِ التَّعَرِّي في الصَّلَاةِ وَغَيرها "
٢٠٨ - عنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُحَدِّثُ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ للكَعْبَةِ وعَلَيْهِ إِزَارَهُ فقالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يا ابْنَ أخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ على مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ (١)، قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فسَقَطَ مَغْشِياً عَلَيْهِ، فمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَاناً ﷺ .
ــ
كان إذا ذهب المذهب أبعد" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والترمذي، وقال: حسن صحيح (٢) ومعناه أنه ﷺ إذا ذهب لقضاء حاجته سار إلى مكان بعيد عن الناس، لئلا يروه فيستحب الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة لئلا يروه ولا يسمعوا له صوتاً، ولا يجدوا رائحة. والمطابقة: في قوله: " وعليه جبة شامية ".
١٧١ - " باب كراهية التعرّي في الصلاة وغيرها "
٢٠٨ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ " أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة " أي يحمل الحجارة مع أعمامه أثناء بناء الكعبة عندما عمرتها قريش قبل الإِسلام وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون عاماً كما نص عليه ابن اسحاق " فقال له العباس عمه " خوفاً عليه من الحجارة أن تؤذي منكبيه: " لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك " أي ليتك تفك الإِزار من وسطك، وتضعه على منكبيك وتعقد طرفيه على صدرك ملتحفاً به ليحول بين الحجارة وبين منكبيك "قال فحله فجعله على منكبيه فسقط
стр. 382
١٧٢ - " بَابُ مَا يَسْتُر مِنَ الْعَوْرَةِ "
٢٠٩ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
أَنَّهُ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنِ اشْتِمَالِ الصَّمَاءِ وأن يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ علَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ ".
ــ
مغشياً عليه" أي فسقط الإِزار، وظهر شيء من عورته ﷺ دون قصد منه، فاشتد عليه الأمر حتى أغمي عليه من شدة خجله وحيائه وخر مغشياً عليه، وعند ذلك نزل الملك فشدّه عليه كما في رواية أخرى في غير الصحيحين.
الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب ستر العورة، وتحريم التعرّي مطلقاً في الصلاة أو في غير الصلاة، كما ترجم له البخاري، وذلك لأن ستر العورة كما في " فيض الباري ": " أول فرائض الإيمان، وهو شرط لصحة الصلاة، وفرض عين في خارجها ". ثانياًً: عصمته ﷺ عن القبائح قبل البعثة وبعدها، وأنه كان محمياً عن مساوىء الجاهلية قبلِ النبوة. والمطابقة: في قوله: فسقط مغشياً عليه فما رؤي بعد ذلك عرياناً.
١٧٢ - " باب ما يستر العورة "
٢٠٩ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁: " نهي رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء " وهو كما يقول أهل اللغة أن يلف بالثوب جسده كله ويسد المنافذ جميعها فلا يبقى ما يخرج منه يده حتى يصير كالصخرة الصماء، أما الفقهاء فيقولون اشتمال الصماء هو أن يلتحف المرء بالثوب الضيق ثم يضع طرفيه على منكبيه فتنكشف عورته أثناء الصلاة، وهذا الفعل هو المنهي عنه في الحديث. أي أن النبي ﷺ نهي عن الالتحاف بالثوب الضيق
стр. 383
٢١٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
" نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَن بَيْعَتَيْنِ عَنِ اللِّمَاس والنِّبَاذِ، وأنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأن يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ ".
٢١١ - عَن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:
بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ ﵁ في تِلْكَ الْحَجَّةِ في مُؤَذِّنين يَوْمَ النَّحْرِ
ــ
في الصلاة، لما يؤدي إليه من انكشاف العورة أثناءها سيما في الركوع " وأن يَحْتَبي الرجل في ثوب واحد ليس على فَرجِهِ منه شيء " وكذلك نهي النبي ﷺ على أن يجلس الرجل على إليتيه وينصب ساقيه ملتحفاً بثوب واحد ضيق فتظهر عورته، أما إذا كان الثوب واسعاً فلا مانع من ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " نهي عن اشتمال الصماء " حيث إنه إنما نهى عن ذلك لئلا تنكشف العورة، فدل ذلك على وجوب ما يسترها من الثياب.
٢١٠ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: " نهي النبي ﷺ عن بيعتين عن اللماس " بكسر اللام، وهو بيع الثوب بمجرد لمسه دون النظر إليه، " والنباذ " أو المنابذة وهو بأن يقول: بعتك من هذه الثياب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أمّا اشتمال الصماء والاحتباء، فقد تقدم شرحهما في الحديث السابق. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كونه ﷺ إنما نهي عن اشتمال الصماء والحبوة لما فيهما من كشف العورة.
٢١١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة " التي كانت في السنة التاسعة من الهجرة، والتي أناب النبي ﷺ فيها أبا بكر ليحج بالناس وعينه أميراً عليهم " في مؤذنين "
стр. 384
نُؤَذِّنُ بِمِنىً: ألا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْركٌ، ولا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَان، ثمَّ أرْدَفَ رَسُولُ اللهَ ﷺ عَلياً ﵁، فأمرَهُ أنْ يؤَذِّنَ بِـ (بَرَاءَةٌ)، قال أبو هُرَيرَةَ: فأذَّن مَعَنَا في أهْلِ مِنىً يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
ــ
أي أرسلني في مجموعة من الرجال نُنادي في الناس، ونعلن لهم الأحكام الجديدة التي شرعها الله لهم وهي " ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف رسول الله ﷺ علياً "، أي ثم أرسل النبي ﷺ علياً وألحقه بنا " فأمره أن يؤذن في الناس ببراءة " أي فأمره أن ينادي في الناس بالآيات المذكورة في أول سورة التوبة والتي تبدأ بقوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وتتضمن إلغاء المعاهدات المطلقة مع الكفار، وعدم تجديد المعاهدات المؤقتة، وأن لا يحج بعد العام مشرك إلى غير ذلك من الأحكام " فأذن معنا عليّ في أهل مني يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " كما كانت قريش تفرض على غيرها من القبائل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
والمطابقة: في قوله: " ولا يطوف بالبيت عُرْيان ".
ويستفاد من أحاديث الباب ما يأتي: أولاً: أن ستر العورة فرض مطلقاً وشرط لصحة الصلاة والطواف، لأن النبي ﷺ نهي عن اشتمال الصماء لما فيه من كشف العورة، وكذلك نهي عن الحبوة للسبب نفسه، والنهي عن الشيء أمرٌ بضده، ولأنه نهى عن التعري في الطواف، وهذا يدل على أن ستر العورة شرط لصحة الطواف. ثانياً: تحريم الحبوة واشتمال الصماء في الثوب الضيق إذا أدّى ذلك إلى كشف العورة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها كما أفاده العيني. ثالثاً: النهي عن كل عمل يؤدّي إلى كشف العورة قياساً على اشتمال الصماء والحبوة.
стр. 385
١٧٣ - " بَابُ مَا يُذْكَرُ في الْفَخِذِ "
٢١٢ - عنْ أنَس ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغداة بغلسٍ، فركِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ وأنا رَدِيفُ أبي طلحة، فأجرى نَبيُّ اللهِ ﷺ في زُقَاق خَيْبَرَ، وِإنَّ ركْبَتَي لَتَمَسُّ فَخِذَ نبِّي الله ﷺ ثم حَسَر الإِزارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إنِّي أنظرٌ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ نبيِّ ﷺ فلما دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: "اللهُ أكبَرُ، خَرُبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا نزلنا بساحة
ــ
١٧٣ - " باب ما يذكر في الفخذ "
٢١٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن رسول الله ﷺ غزا خيبر " أي غزا يهود خيبر في بلادهم، وهي على بعد ستة مراحل شمالي المدينة " فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس " أي فصلينا صلاة الصبح في ضواحيها عند أول طلوع الفجر، ولا زالت ظلمة آخر الليل موجودة (١) " فأجرى نبي الله في زقاق خيبر " أي فأسرع النبي ﷺ بدابته في شوارع خيبر " ثم حسر الإِزار عن فخذه " أي رفع الإِزار عن فخذه، ليتمكن من الإِسراع بدابته، فانكشف فخذه " فلما دخل القرية قال: الله أكبر، خربت خيبر " أي فلما دخل مدينة خيبر، أخبر عن خرابها، ولم يرد بذلك خراب عمرانها. فإن الإِسلام ما زاد خيبر إلاّ عمراناً وازدهاراً، ولكن المراد بخرابها القضاء على الكيان اليهودي، وسقوط دولة اليهود، وتقويض نفوذهم فيها " إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " أي إنّا إذا أغرنا على قوم من أعدائنا ونزلنا بساحتهم صباحاً فما أسوأ صباحهم، وما أشد هزيمتهم
стр. 386
قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرين" قالَهَا ثَلاثاً، قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إلى أعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ والْخَمِيسُ، يَعْنِي الْجِيْشَ قَالَ: فأصَبْنَاها عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فجاء دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا نَبيَّ اللهِ أعْطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فأَخذ صفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يا نَبيَّ اللهِ أعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، ْلَا تَصْلُحْ إلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ فجاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظرَ إليها النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً من السبي غيْرَهَا، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِت: يا أَبا حَمْزَة، ما أصْدَقهَا؟ قَالَ: نَفْسها، أعتقها وتَزَوَجَها، حَتَّى إذَا كَانَ بِالطرَّيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أمُّ سُلَيْمٍ، فأهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فأصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوساً، فَقَالَ: مَنْ كَان عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيءْ بِهِ، وَبَسطَ نِطْعاً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّويقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْساً، فَكَانَتْ وَليمةَ رَسُولَ اللهَ ﷺ .
ــ
" فقالوا: هذا محمد والخميس " أي قال اليهود: هذا محمد، وهذا جيشه العظيم " فأصبناها عنوة " (١) أي فاستولينا على بلادهم بالقوة والحرب " فجمع السبي " أي فجمع الجواري السبايا، وكان من بينهم صفية بنت حيي " فجاء دحية فقال: أعطني جارية: فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي " عظيم اليهود من بني النضير " قال: ادعوه، فجاء بها، فلما نظر إليها " وعرف أنَّها سيدة قومها شرفاً وحسباً ونسباً " قال: خذ جارية من السبي غيرها " لأنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي،
стр. 387
فلما أخذ أفضلهن استرجعها منه، لئلا يتميز بها عن غيره مع أن فيهم من هو أفضل منه " فأعتقها النبي ﷺ وتزوجها " بدون مهر " وجعل صداقها عتقها " أي وجعل العتق صداقاً لها " فأصبح النبي عروساً " أي فأعرس عليها في الطريق، فلما كانت صبيحة ليلة العرس " قال: من كان عنده شيء " من الطعام " فليجىء به، وبسط نطعاً " أي بساطاً من الجلد يوضع عليه الطعام يشبه السفرة، يجوز فيه فتح النون وكسرها " قال: فحاسوا حيساً " أي فصنعوا من التمر والسمن والسويق طعاماً وضعوه على السفرة، وأكلوه " فكانت وليمة رسول الله ﷺ " أي فكان الحيس هو طعام عرسه ﷺ .
ويستفاد من الحديث: أولاً: استدل به بعض أهل العلم على أن الفخذ ليس بعورة، لأن النبي ﷺ كما في حديث الباب قد حسر عن فخذه يوم خيبر، ورآه أنس، ولو كان عورة لما فعل ذلك، وبهذا قال داود الظاهري وابن أبي ذؤيب وأحمد في رواية وابن حزم، واختلفت الرواية عن مالك، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفخذ عورة، لما رواه ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: " الفخذ عورة " قالوا: وما وقع لى ﷺ يوم خيبر كان اضطراراً بسبب السرعة وشدة الزحام، ولم يكن مقصوداً بدليل ما جاء في رواية مسلم حيث قال: " فانحسر الإزار عن فخذه " أي أن الإِزار هو الذي انكشف بنفسه، ولم يكشفه ﷺ ، قالوا: وهو اللائق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. ثانياً: مشروعية الذكر والتكبير عند لقاء العدو، وإلقاء كلمات أو اقتباس آيات تنزل الرعب في قلب العدو، كما قال ﷺ "الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين ". ثالثاً: استحباب ْعتق الرجل أمته، وتزوجه بها، وهو من الثلاثة الذين لهم أجران، وأن له أن يجعل عتقها صداقها، وبه قال قتادة وأحمد وابن المسيب، وقال الجمهور: ما جاء في الحديث خصوصية لرسول الله ﷺ وليس لغيره أن يفعله.
الحديث: أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي أيضاً. ومطابقته للترجمة
стр. 388
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٧٤ - " بَابٌ في كَمْ تُصَلِّي الْمَرأة فِي الثياب "
٢١٣ - عن عائِشَةَ ﵂ قالَتْ:
لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ من الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ.
ــ
في قوله: " ثم حسر الإِزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ".
١٧٤ - " باب في كم تصلي المرأة في الثياب "
٢١٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر فتشهد معه نساء من المؤمنات " أي فيحضر معه بعض النساء المؤمنات صلاة الفجر " متلفعات بمروطهن " يعنى متحجبات متسترات بثيابهن الصوفية أو القطنية، فالمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو قطن، والتلفع كما قال ابن حبيب في شرح الموطأ: هو أن تلقي المرأة الثوب على رأسها، ثم تلتحفِ به: فلا يكون إلاّ بتغطية الرأس. اهـ. ثم قالت: " ما يعرفهن أحد " وفي رواية مالك وأبي داود " ما يعرفن من الغلس " وهو ظلمة آخر الليل.
وخلاصة معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الصبح عند أول طلوع اليفجر فيحضر معه هذه الصلاة في المسجد بعض النسوة المؤمنات متسترات بثيابهن، فإذا خرجن من المسجد لا يميزن من الرجال، أو بعبارة أخرى لا
стр. 389
١٧٥ - " بَابٌ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أعْلَامٌ وَنظَرَ إلى عَلَمِها "
٢١٤ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أعْلَامٌ، فنَظرَ إلَى أعْلَامِهَا نَظرةً، فلَمَّا انصَرَفَ قالَ: " اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِهِ إلى أبِي جَهْمٍ، وأئْتُونِي بأنْبِجَانِيةِ (١) أبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا ألهَتْنِي آنِفَاً عَنْ صَلَاتِي ".
ــ
يعرف النساء من الرجال بسبب الظلمة الموجودة في الجو المتبقية من آخر الليل.
الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على جواز صلاة المرأة وصحتها في الثوب الواحد فقط إذا كان ساتراً لها، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: استدل به الجمهور على أن أداء صلاة الصبح في أول وقتها أفضل لأنه ﷺ كان يصليها في ظلمة الغلس، " وهي الظلمة المتبقية من آخر الليل " وقال أبو حنيفة: الإِسفار بصلاة الصبح أفضل، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه مفصلاً. والمطابقة: في قولها: " متلفعات بمروطهن ".
١٧٥ - " باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها "
٢١٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا
الحديث: " أن النبي ﷺ صلّى في خميصة لها أعلام " أي صلى في كساء مزخرف بخطوط جميلة، تروق النظر، وتستهوي البصر، وتشغل القلب والفكر، " فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم " أي فلما فرغ من صلاته أمر بإعادتها إلى أبي جهم، ثم بين علة استنكاره ﷺ لها، وكراهيته لاستعمالها، فقال: " فإنها ألهتني آنفاً "
стр. 390
١٧٦ - " بَابٌ إن صَلَّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أو تصَاوِيرُ هَلْ تفْسُدُ صَلَاتُهُ وَمَا يُنْهي عَن ذَلك "
٢١٥ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:
كَانَ قِرَامٌ لعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : " أمِيطِي عَنَّا قرامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لا تَزَال تَصَاوِيرُهُ تعرِضُ لي ".
ــ
أي فإنما كرهتها لأنها كادت أن تشغلني عن الصلاة لا أنهَا شغلته بالفعل، لأنه ﷺ معصوم من ذلك. أو أن معناه: فإني خفت أن تشغلني بها أثناء صلاتي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يكره كل ما يشغل، عن الصلاة من الألوان الجميلة والنقوش المزخرفة في الثوب أو البساط أو الجدار لأنّها تحول دون الخشوع في الصلاة. ثانياً: مشروعية التهادي بين الاخوان. ثالثاً: صحة الصلاة في ثوب، أو على بساط مزخرف بنقوش جميلة مع الكراهية لأنه ﷺ أتم صلاته في الخميصة، ولم يقَطعها. والمطابقة: في قولها: " صلى في خميصة لها أعلام ".
١٧٦ - " باب إذا صلى ثوب مصلّب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهي عن ذلك "
آي باب يذكر فيه حكم الصلاة في الثوب المصور بصلبان أو صور أخرى، هل يجوز ذلك أم لا؟ والحديث لم يذكر فيه الصلبان، وإنما ألحقها بالصور، لأن كلّاً منها عُبد من دون الله.
٢١٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان قرام لعائشة " أي ستار رقيق منقوشة عليه بعض الصور " سترت به جانب بيتها "