← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرين" قالَهَا ثَلاثاً، قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إلى أعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ والْخَمِيسُ، يَعْنِي الْجِيْشَ قَالَ: فأصَبْنَاها عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فجاء دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا نَبيَّ اللهِ أعْطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فأَخذ صفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يا نَبيَّ اللهِ أعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، ْلَا تَصْلُحْ إلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ فجاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظرَ إليها النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً من السبي غيْرَهَا، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِت: يا أَبا حَمْزَة، ما أصْدَقهَا؟ قَالَ: نَفْسها، أعتقها وتَزَوَجَها، حَتَّى إذَا كَانَ بِالطرَّيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أمُّ سُلَيْمٍ، فأهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فأصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوساً، فَقَالَ: مَنْ كَان عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيءْ بِهِ، وَبَسطَ نِطْعاً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّويقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْساً، فَكَانَتْ وَليمةَ رَسُولَ اللهَ ﷺ . ــ " فقالوا: هذا محمد والخميس " أي قال اليهود: هذا محمد، وهذا جيشه العظيم " فأصبناها عنوة " (١) أي فاستولينا على بلادهم بالقوة والحرب " فجمع السبي " أي فجمع الجواري السبايا، وكان من بينهم صفية بنت حيي " فجاء دحية فقال: أعطني جارية: فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي " عظيم اليهود من بني النضير " قال: ادعوه، فجاء بها، فلما نظر إليها " وعرف أنَّها سيدة قومها شرفاً وحسباً ونسباً " قال: خذ جارية من السبي غيرها " لأنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي،

стр. 387

فلما أخذ أفضلهن استرجعها منه، لئلا يتميز بها عن غيره مع أن فيهم من هو أفضل منه " فأعتقها النبي ﷺ وتزوجها " بدون مهر " وجعل صداقها عتقها " أي وجعل العتق صداقاً لها " فأصبح النبي عروساً " أي فأعرس عليها في الطريق، فلما كانت صبيحة ليلة العرس " قال: من كان عنده شيء " من الطعام " فليجىء به، وبسط نطعاً " أي بساطاً من الجلد يوضع عليه الطعام يشبه السفرة، يجوز فيه فتح النون وكسرها " قال: فحاسوا حيساً " أي فصنعوا من التمر والسمن والسويق طعاماً وضعوه على السفرة، وأكلوه " فكانت وليمة رسول الله ﷺ " أي فكان الحيس هو طعام عرسه ﷺ . ويستفاد من الحديث: أولاً: استدل به بعض أهل العلم على أن الفخذ ليس بعورة، لأن النبي ﷺ كما في حديث الباب قد حسر عن فخذه يوم خيبر، ورآه أنس، ولو كان عورة لما فعل ذلك، وبهذا قال داود الظاهري وابن أبي ذؤيب وأحمد في رواية وابن حزم، واختلفت الرواية عن مالك، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفخذ عورة، لما رواه ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: " الفخذ عورة " قالوا: وما وقع لى ﷺ يوم خيبر كان اضطراراً بسبب السرعة وشدة الزحام، ولم يكن مقصوداً بدليل ما جاء في رواية مسلم حيث قال: " فانحسر الإزار عن فخذه " أي أن الإِزار هو الذي انكشف بنفسه، ولم يكشفه ﷺ ، قالوا: وهو اللائق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. ثانياً: مشروعية الذكر والتكبير عند لقاء العدو، وإلقاء كلمات أو اقتباس آيات تنزل الرعب في قلب العدو، كما قال ﷺ "الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين ". ثالثاً: استحباب ْعتق الرجل أمته، وتزوجه بها، وهو من الثلاثة الذين لهم أجران، وأن له أن يجعل عتقها صداقها، وبه قال قتادة وأحمد وابن المسيب، وقال الجمهور: ما جاء في الحديث خصوصية لرسول الله ﷺ وليس لغيره أن يفعله. الحديث: أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي أيضاً. ومطابقته للترجمة

стр. 388

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٧٤ - " بَابٌ في كَمْ تُصَلِّي الْمَرأة فِي الثياب " ٢١٣ - عن عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ من الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ. ــ في قوله: " ثم حسر الإِزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ". ١٧٤ - " باب في كم تصلي المرأة في الثياب " ٢١٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجر فتشهد معه نساء من المؤمنات " أي فيحضر معه بعض النساء المؤمنات صلاة الفجر " متلفعات بمروطهن " يعنى متحجبات متسترات بثيابهن الصوفية أو القطنية، فالمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو قطن، والتلفع كما قال ابن حبيب في شرح الموطأ: هو أن تلقي المرأة الثوب على رأسها، ثم تلتحفِ به: فلا يكون إلاّ بتغطية الرأس. اهـ. ثم قالت: " ما يعرفهن أحد " وفي رواية مالك وأبي داود " ما يعرفن من الغلس " وهو ظلمة آخر الليل. وخلاصة معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الصبح عند أول طلوع اليفجر فيحضر معه هذه الصلاة في المسجد بعض النسوة المؤمنات متسترات بثيابهن، فإذا خرجن من المسجد لا يميزن من الرجال، أو بعبارة أخرى لا

стр. 389

١٧٥ - " بَابٌ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أعْلَامٌ وَنظَرَ إلى عَلَمِها " ٢١٤ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أعْلَامٌ، فنَظرَ إلَى أعْلَامِهَا نَظرةً، فلَمَّا انصَرَفَ قالَ: " اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِهِ إلى أبِي جَهْمٍ، وأئْتُونِي بأنْبِجَانِيةِ (١) أبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا ألهَتْنِي آنِفَاً عَنْ صَلَاتِي ". ــ يعرف النساء من الرجال بسبب الظلمة الموجودة في الجو المتبقية من آخر الليل. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على جواز صلاة المرأة وصحتها في الثوب الواحد فقط إذا كان ساتراً لها، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: استدل به الجمهور على أن أداء صلاة الصبح في أول وقتها أفضل لأنه ﷺ كان يصليها في ظلمة الغلس، " وهي الظلمة المتبقية من آخر الليل " وقال أبو حنيفة: الإِسفار بصلاة الصبح أفضل، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه مفصلاً. والمطابقة: في قولها: " متلفعات بمروطهن ". ١٧٥ - " باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها " ٢١٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث: " أن النبي ﷺ صلّى في خميصة لها أعلام " أي صلى في كساء مزخرف بخطوط جميلة، تروق النظر، وتستهوي البصر، وتشغل القلب والفكر، " فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم " أي فلما فرغ من صلاته أمر بإعادتها إلى أبي جهم، ثم بين علة استنكاره ﷺ لها، وكراهيته لاستعمالها، فقال: " فإنها ألهتني آنفاً "

стр. 390

١٧٦ - " بَابٌ إن صَلَّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أو تصَاوِيرُ هَلْ تفْسُدُ صَلَاتُهُ وَمَا يُنْهي عَن ذَلك " ٢١٥ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : " أمِيطِي عَنَّا قرامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لا تَزَال تَصَاوِيرُهُ تعرِضُ لي ". ــ أي فإنما كرهتها لأنها كادت أن تشغلني عن الصلاة لا أنهَا شغلته بالفعل، لأنه ﷺ معصوم من ذلك. أو أن معناه: فإني خفت أن تشغلني بها أثناء صلاتي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يكره كل ما يشغل، عن الصلاة من الألوان الجميلة والنقوش المزخرفة في الثوب أو البساط أو الجدار لأنّها تحول دون الخشوع في الصلاة. ثانياً: مشروعية التهادي بين الاخوان. ثالثاً: صحة الصلاة في ثوب، أو على بساط مزخرف بنقوش جميلة مع الكراهية لأنه ﷺ أتم صلاته في الخميصة، ولم يقَطعها. والمطابقة: في قولها: " صلى في خميصة لها أعلام ". ١٧٦ - " باب إذا صلى ثوب مصلّب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهي عن ذلك " آي باب يذكر فيه حكم الصلاة في الثوب المصور بصلبان أو صور أخرى، هل يجوز ذلك أم لا؟ والحديث لم يذكر فيه الصلبان، وإنما ألحقها بالصور، لأن كلّاً منها عُبد من دون الله. ٢١٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان قرام لعائشة " أي ستار رقيق منقوشة عليه بعض الصور " سترت به جانب بيتها "

стр. 391

أي خزانة صغيرة لها " فقال النبي ﷺ : أميطي عنا قرامك " أي فأمرها ﷺ بإزالته وعلل ذلك بقوله: " فإنها لا تزال تصاويره تعرض لي " أي تظهر أمام عيني في الصلاة فأخاف أن تلهيني. ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: النهي عن الصلاة في الغرفة التي فيها تصاوير سواء كانت في ستار أو بساط أو تحف زخرفية لقوله ﷺ : أميطي عنا قرامك هذا " لأنها تحول دون حضور القلب، وتشغل عن الخشوع في الصلاة قال شيخ الإِسلام ابن تيميّة في " اختياراته الفقهية ": " والمنصوص عن أحمد والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة، والصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير، أشد كراهة. هذا هو الصواب الذي لا ريب فيه. اهـ (١). وأما حكم الصلاة فيها، فإنّها تصح مع الكراهة، لكونه ﷺ لم يعد صلاته. قال ابن بطال في قوله ﷺ " أميطي عنا قرامك هذا ": وهذا كله على الكراهة فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة، لأنه ﷺ لم يعد الصلاة، ولأنه ﷺ ذكر أنها عرضت له، ولم يقل إنها قطعتها، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء. اهـ. كما نقله عنه العيني في شرح البخاري ج ٤. ثانياً: النهي عن تصوير الصور الحيوانية، واتخاذها وتزيين البيوت بها، قال الإِمام النووي في شرح مسلم: " قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر، لأنّه متوعَّدٌ عليه بالوعيد الشديد سواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإِبل وغير ذلك مما ليس صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ الرجل صورة حيوان فإن كان معلقاً في حائط أو ملبوساً أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهناً

стр. 392

فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسعادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. اهـ. وأما الشافعية فقد حرموا الصور مطلقاً كما نقله عنهم العيني حيث قال: " وأما الشافعيّة فإنهم كرهوا الصور مطلقاً سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها، واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولم يفرقوا في ذلك والله تعالى أعلم. وأما حديث بسر (١) بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: " إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة " ثم قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يَوْمَ الأوَّل فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال إلاّ رقماً في ثوب. الذي أخرجه البخاري وأبو داود واستدل به بعض أهل العلم على جواز الصور غير المجسمة فقد فسره الإِمام النووي بالصور الطبيعية والنباتية. حيث قال: " يجمع بين الأحاديث بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصور فيه من غير ذوات الأرواح، كصورة الشجرة، وقال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي كما يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكونَ دخلت إلاّ أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهذه الشجرة، ومر بالستر فليقطع، فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، وتخرج الكلب " ففعل رسول الله ﷺ الخ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، فإن الله قد أمر نبيه ﷺ بقطع الستار الذي فيه الصور الحيوانية المنقوشة وجعله وسادتين. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. مطابقة الحديث: في كونه بمنزلة الجواب للترجمة.

стр. 393

١٧٧ - " بَابُ مَنْ صَلَّى في فَرُّوج حَرِير ثُمَّ نزَعَهُ " ٢١٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعَاً شَدِيداً كالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: " لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلمُتَّقِين ". ــ ١٧٧ - " باب من صلى في فرّوج حرير ثم نزعه " ٢١٦ - راوي الحديث: هو عقبة بن عامر صحابي جليل كان قارئاً فصيحاً، وشاعراً بليغاً، وكاتباً مجيداً، وكان أحد الرجال الذين جمعوا القرآن في المصحف، ويختلف مصحفه عن مصحف عثمان ﵁، شهد صفين مع معاوية وأمَّره على مصر، توفي في خلافة معاوية ﵁. معنى الحديث: يقول عقبة: " أهدي إلى النبي ﷺ فروج حرير " أي أَهْدَى إليه ﷺ أكيدر أمير دومة الجندل قباءً من حرير مشقوقاً من الخلف " فلبسه فصلى فيه " قبل أن ينهي عن لبس الحرير، كما في حديث جابر " أن النبي ﷺ صلى في قباء ديباج، ثم نزعه وقال: نهاني عنه جبريل " وهذا هو معنى قوله ﷺ " فصلى فيه ثم انصرف " أي سلم من صلاته " فنزعه نزعاً شديداً " أي فخلعه بشدة، لأنه نزل عليه الوحي بتحريم الحرير " فقال: لا ينبغي هذا للمتقين " أي لا ينبغي لبس الحرير لعباد الله الطائعين لأنه محرم، فلا يلبسه إلاّ العصاة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تحريم لبس الحرير على الرجال إلاّ في حالات مرضية استثنائية كحالة الجرب مثلاً، وهو مذهب الجمهور عملاً بهذا الحديث، وأجازه الظاهرية، والحديث حجة عليهم. ثانياً: تحريم الصلاة في الثوب الحرير، فمن فعل ذلك صحت صلاته مع الإِثم والعصيان، وهو مذهب

стр. 394

١٧٨ - " بَابُ الصَّلَاةِ في الثَوْبِ الأَحْمَرِ " ٢١٧ - عَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: رَأيتُ النَّبِيَّ ﷺ في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورَايْتُ بِلَالاً أخذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ورأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فمنْ أَصَابَ منْهُ شَيئاً تَمَسَّحَ بِهِ، ومنْ لمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ، ثُمَّ رأيتُ بِلَالاً أخذَ عَنْزَةً فرَكَزَهَا، وَخَرَج النَّبِيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرَاً، صَلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، ورأيتُ الناسَ والدَّوَابَّ يَمرُّون بينَ يَدَيْ الَْعَنَزَةِ". ــ الجمهور، قال خليل: " وعصى وصحت إن لبس حريراً ". وروى ابن القاسم عن مالك أنه يعيد في الوقت وقال أشهب: لا إعادة عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه بمنزلة الجواب عليها. ١٧٨ - " باب الصلاة في الثوب الأحمر " ٢١٧ - معنى الحديث: يقول أبو جحيفة ﵁: " رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدم " أي في خيمة من الجلد حمراء اللون، وكان ذلك بالأبطح بين منى والمعلا " ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله ﷺ " أي بقية الماء الذي توضأ منه النبي ﷺ "ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء" (١) أي يتسابقون إلى بقية الماء الذي توضأ منه ﷺ ليتمسحوا به كما في رواية: " فأخرج فضل وضوء رسول الله ﷺ فابتدره الناس، " ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه " أي أخذ من بلل يد غيره " ثم رأيت بلالاً أخذ عَنزة " أي عصا صغيرة " فركزها " أمامه

стр. 395

١٧٩ - " بَابُ الصَّلَاةِ في السُّطُوحِ والمِنْبَرِ والخشَبِ " ٢١٨ - عنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ ﵄: وقد سُئِلَ مِنْ أيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ فقَال: مَا بَقِىَ بالنَّاس أعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مولى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وقامَ عَلَيْهِ رسُولُ اللهِ ﷺ حَينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فاستقْبَلَ القِبْلَةَ، كبَّرَ وَقَامَ الناسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثم رَفَعَ رَأسَهُ، ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فسَجَدَ علَى الْأَرْضِ، ثم عادَ إلى المِنْبَرِ، ثُم قَرَأَ، ثمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حتى سَجَدَ بِالأرْضِ، فَهَذَا شَأنُهُ. ــ ﷺ "وخرج النبي ﷺ في حلة حمراء " أي في إزار ورداء أحمرين " صلى إلى العنزة " صلاة الظهر " ركعتين " وصلاة العصر ركعتين كما في مسلم " يمرون بين يدي العنزة " أي يمر الناس والدواب أمام العنزة. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز لبس الثوب الأحمر والثياب الملونة عامة، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وكره الحنفية الثوب الأحمر الخالص. ثانياً: طهورية الماء المستعمل، وكونه طاهراً مطهراً. والمطابقة: في قوله: خرج النبي ﷺ في حلة حمراء. ١٧٩ - " باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب " ٢١٨ - معنى الحديث: أن سهل بن سعد ﵄ " سئل من أي شيء المنبر فقال: ما بقي بالناس أعلم مني " أي ما بقي من أهل المدينة مَن هو أعْلمْ بأخبار رسول الله ﷺ وآثاره " من منبر وغيره " مني لأنه آخر من مات بها من الصحابة " هو من أثْلِ الغابة " أي هو مصنوع

стр. 396

١٨٠ - " بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ " ٢١٩ - عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلى طَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثم قَالَ: " قُومُوا فَلأصَلِّي لَكُمْ " قَالَ أنسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا ــ منا طرفاء الغابة كما في رواية أبي داود " عمله فلان مولى فلانة " أي صنعه ميمون مولى فكيهة الأنصارية زوجة سعد بن عبادة " وقام عليه رسول الله ﷺ حين عمل " أي واتخذه النبي ﷺ في أوّل الأمر محراباً، فوقف يصلّي فيه " فاستقبل القبلة وكبَّر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى " أي فلما أراد أن يسجد رجع إلى الوراء ليتمكن من السجود " فسجد على الأرض " قال الخطابي: وكان المنبر ثلاث مراقي، فلعله قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلّا خطوتان. ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: جواز ارتفاع الإِمام عن المأمومين، وهو مذهب الجمهور مع الكراهة، ومنع مالك من ذلك لحديث " إذا أم الرجل القوم فلا يقف في مكان أرفع من مكانهم " أخرجه أبو داود. ثانياً: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: وقام عليه رسول الله ﷺ . ١٨٠ - " باب الصلاة على الحصير " ٢١٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن جدته مُلَيكةً " أي أن جدته لأمّه (١) واسمها مليكَة "دعت رسول الله ﷺ إلى

стр. 397

قد اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَْ، فَنضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا والْيَتيمُ وَرَاءَهُ والْعَجُوز مِنَ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. ــ طعام صنعته له فأكل منه" أي فأجاب النبي ﷺ دعوتها وأكل من طعامها " ثم قال قوموا فلأُصلي لكم (١) " أي قوموا لأصلي بكم من أجل أن أعلمكم كيفية الصلاة بطريقة عملية " قال أنس فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لبس " أي فذهبت إلى حصيرٍ بالٍ قديم، قد اسود لونه من كثرة استعماله " فنضحته بماء " أي رششته بقليل من الماء لتليينه وتهيئته للجلوس عليه، أو لِإزالة الشك في نجاسته كما أفاده ابن دقيق العيد " فقام رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم " وهو ضميرة بن سعد الحميري وكان صبياً مميزاً " وراءه " أي ووقفت أنا وهذا الصبي اليتيم في صف واحد خلف النبي ﷺ " والعجوز من ورائِنَا " أي ووقفت العجوز وهي جدته مليكة وراءنا. الحديث: أخرجه الشيخان، وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: صحة الصلاة على الحصير، وهو مذهب الجمهور، ويقاس عليه جميع المنسوجات النباتية خلافاً لعمر بن عبد العزيز. ثانياً: صحة الجماعة في النافلة (٢). ثالثاً: صحة صلاة المنفرد خلف الصف لقوله " والعجوز من ورائنا ". والمطابقة: في كونه ﷺ صلى على الحصير. ...

стр. 398

١٨١ - " بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ " ٢٢٠ - عن عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أنامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلايَ في قِبْلَتِهِ، فإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. ٢٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ، رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِراش أهْلٍ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ. ــ ١٨١ - " باب الصلاة على الفراش " ٢٢٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " كنت أنام بين يدي، رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته " يعني كان النبي ﷺ يصلي صلاة التهجد علِى فراش أهله، وكنت أنام أمامه أثناء صلاته وأنا متوسطة بينه وبين القبلة مادةَ قدمي في موضع سجوده ﷺ في رواية أبي داود حيث قالت: " كنت بين النبي وبين القبلة، وأحسبها قالت: وأنا حائض "، " فإذا سجد غمزني " أي لمسني بيده الشريفة لينبهني إلى أنه يريد السجود " فَقَبَضْتُ رجلَّي " أي ضممتهُما ليتمكن من السجود " فإذا قام بسطتهما " أي مددتهما، وهذا الحديث دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. ٢٢١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهي بينه وبين القبلة " أي كان ﷺ يصلي التهجد وهي

стр. 399

١٨٢ - " بَابُ السُّجُودِ على الثَّوْبِ في شِدَّةِ الْحَرِّ " ٢٢٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَضَع أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ في مَكَانِ السُّجُود. ــ مضطجعة أمامه، متوسطة بينه وبين القبلة " على فراش أهله " أي على الفراش الذي ينام عليه مع زوجته " اعتراض الجنازة " أي وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة على الفراش دون كراهة سواء كان فراش نوم أو غيره، وهو مذهب الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وكره جماعة الصلاة على غير الأرض منهم عروة وجابر وابن مسعود، والذي يبدو من كلام مالك: كراهية السجود على البساط. ثانياً: استدل أبو حنيفة بقولها: " فإذا سجد غمزني " على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. والمطابقة: في قولها: " كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ " لأن نومها كان على الفراش. وفي قولها: "كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله ". ١٨٢ - " باب السجود على الثوب في شدة الحر " ٢٢٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كنا نصلّي مع النبي ﷺ " أي كنا نصلي مع النبي ﷺ صلاة الظهر في شدة الحر " فيضع أحدنا طرف الثوب " أي يجعل طرف ثوبه تحت جبهته ليكون فاصلاً بينها وبين الأرض " من شدة الحر " أي ليقي نفسه من شدة حرارة الأرض المتوقدة " في مكان السجود " حيث تلتهب الأرض من حرارة أشعة الشمس في فصل

стр. 400

١٨٣ - " بَابُ الصَّلَاةِ في النِّعَالِ " ٢٢٣ - عَنْ أنَسٍ ﵁: أنَّهُ سُئِلَ أكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى في نَعْلَيْهِ، قَالَ: نَعَمْ. ــ الصيف. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: " فيضع أحدنا طرف الثوب ". ويستفاد منه: جواز السجود على الثوب متصلاً كان أو منفصلاً، وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعي حيث قال: يجوز السجود على المنفصل دون المتصل. ١٨٣ - " باب الصلاة في النعال " ٢٢٣ - معنى الحديث: أن أنساً ﵁ " سُئِل أكان رسول الله ﷺ يصلي في نعليه " أي هل كان النبي ﷺ يصلي وهو لابس نعليه " قال: نعم " أي كان يصلي في نعليه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ويستفاد منه: جواز الصلاة في النعال، قال ابن دقيق العيد وغيره من أهل العلم: الصلاة في النعال من الرُّخَص لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وقال عياض: الصلاة في النعال رخصة مباحةٌ. والمطابقة: في قوله: " نعم " أي نعم كان يصلي في نعليه. ***

стр. 401

١٨٤ - " بَابُ الصَّلاة في الخِفَاف " ٢٢٤ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أنَّهُ بَاكَ ثُمَّ تَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثم قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا، فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لأنَّ جَريراً كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أسْلَمَ. ــ ١٨٤ - " باب الصلاة في الخفاف " ٢٢٤ - معنى الحديث: أن جرير بن عبد الله ﵄ " بال ثم توضأ ومسح على خفيه " أي ولم يغسل رجليه، وإنما مسح على الخفين بدلاً من غسل الرجلين " ثم قام فصلّى " أي صلى في خفيه، ولم ينزعهما وهو موضع الترجمة " فسئل " أي فسأله بعضهم، لماذا مسح على خفيه وصلى فيهما " فقال: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا " أي رأيته ﷺ اكتفى بمسح خفيه، وصلى فيهما فاقتديت به، وعملت بسنته " فكان يعجبهم " أي فكان يعجبهم حديث جرير هذا ويستدلون به على مشروعية مسح الخفين وعلى أن هذا الحكم باق لم ينسخ " لأن جرير كان مِنْ آخر من أسلم " من الصحابة، وفي رواية لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة التي فيها آية الوضوء، وفي هذا حجة ظاهرة، ودليل واضح على أنّ المسح على الخفين لم ينسخ بها وأنّه باق إلى قيام الساعة. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " ومسح على خفيه ". ويستفاد منه: مشروعية المسح على الخفين والصلاة فيهما، لقوله: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا.

стр. 402

١٨٥ - " بَابٌ بيدِي ضَبْعَيْهِ (١)، ويُجَافِي في السُّجُودِ " ١٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَإلِكٍ بنِ بحينة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. ــ ١٨٥ - " باب ييدي ضَبْعَيْهِ ويجافي في السجود " " يبدي ضَبْعيه " بفتح الضاد وتسكين الباء تثنية ضَبْع وهو العضد، أي يبعد عضديه عن جنبيه. ٢٢٥ - ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن مالك بن بحينة، بضم الباء وفتح الحاء، اسم لأمه، فإنه كان ينسب ﵁ تارة إلى أبيه فيقال: ابن مالك، وتارة إلى أمه فيقال: ابن بحينة. كما في سنن أبي داود، أما البخاري هنا فقد نسبه إلى أبيه وأمّه معاً، وهو عبد الله ﵁ بن مالك الأزدي، حليف بني المطلب، أسلم قديماً، وكان ناسكاً فاضلاً يصوم الدهر، توفي في إمارة مروان الأخيرة على المدينة ﵁. معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة ﵁ " أن النبي ﷺ كان إذا صلى " أي إذا سجد في صلاته " فرّج بين يديه " أي باعد بين يديه وجنبيه يقال: فَرَجَ يَفْرِجُ على وزن ضرب يضرب، وفرَّج يُفَرِّجُ على وزن فرَّح يُفَرِّحُ بتخفيف الراء وتشديدها " حتى يبدو بياض إبطيه " بكسر الهمزة، وسكون الباء تثنية إبْطٍ، قال في المصباح: والجمع آباط، مثل حمل وأحمال، أي كان يبعد يديه عن جنبيه حتى يظهر وينكشف بياض إبطيه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه: أنه يستحب للرجل التفريج بين عضديه وجنبيه أثناء السجود وإبعادهما عن بعضهما، قال الشوكاني: حتى إن ظاهر بعض الأحاديث يدل

стр. 403

على وجوب هذه الهيئة، والحكمة فيها إعطاء كل عضو حقه من العبادة، ولأن ذلك أقرب إلى النشاط وأبعد عن الكسل. والمطابقة: في قوله: " حتى يبدو بياض ابطيه ". ***

стр. 404

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري تأليف حمزة محمد قاسم راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط عني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون الجزء الثاني مكتبة دار البيان ص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥ دمشق - الجمهورية العربية السورية مكتبة المؤيد ص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١ الطائف - المملكة العربية السعودية

стр. 405

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بيروت ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

стр. 406

أبْوَابُ القِبْلَة ١٨٦ - " بَابُ فضلِ اسْتقْبَالِ الْقِبْلَةِ " ٢٢٦ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ صَلى صلاَتنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلا تَخْفِرُوا اللهَ في ذِمَّتِهِ ". ــ ١٨٦ - " باب فضل استقبال القبلة " ٢٢٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا " أي من صلى كما نصلي مستقَبلاً الكعبة المشرفة كما أفاده العيني " وأكل ذبيحتنا " أي ولم يتوقف عن الأكل من ذبائح المسلمين " فذلك المسلم " أي فإنه مسلم معصوم الدم والمال، يتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها المسلمون، وتطبق عليه أحكامهم الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية وذلك لأن تلك الصفات الثلاثة التي هي الصلاة واستقبال القبلة وأكل ذبائح المسلمين لا تجتمع إلاّ في مسلم مقر بالتوحيد والنبوة، معترف بالرسالة المحمدية، ولهذا قال فيه ﷺ : " فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله " أى الذي له أمان الله وأمان رسوله، والذي يتمتع بحماية الإِسلام " فلا تخفروا الله في ذمته " أي فلا تنقضوا عهد الله فيه، ولا تخونوه بانتهاك حقوقه، فإن أي اعتداء عليه هو خيانة لله ورسوله، ونقض لعهدهما، وإهدار لكرامة الإسلام. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل استقبال القبلة، وكونه من شعائر

стр. 407

١٨٧ - " بَابُ التَّوَجُّهِ نحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ " ٢٢٧ - عنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فإذَا أرادَ الفَرِيضَةً، نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. ــ الإسلام التي يميز بها بين الكافر والمسلم، وتتحقق به عصمة الدم والمال، وتكون لمن استقبلها ذمةُ اللهِ وذمة رسوله ﷺ . ثانياًً: أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، لا يسقط إلاّ عند العجز عنه أو في صلاة النافلة في السفر، وذلك بإجماع المسلمين، لأن النبي ﷺ قرن الصلاة باستقبالها فقال: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا " فدل ذلك على أن استقبال القبلة شرط في صحتها، وأن الصلاة من دونه باطلة، وقد أمر الله تعالى باستقبال القبلة في الصلاة حيث كان المصلي وفي أي موضع كان، فقال: (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). ثالثاً: أن الأكل من ذبائح المسلمين من العلامات المميزة للمسلم عن غيره، وهذا هو الواقع، فإن اليهود مثلاً يمتنعون عن أكل ذبائحنا وكذلك بعض الطوائف الأخرى (١). والمطابقة: في قوله: " واستقبل قبلتنا " حيث قرن استقبال القبلة بالصلاة. ١٨٧ - " باب التوجه إلى القبلة حيث كان " ٢٢٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كان النبي ﷺ يصلي على راحلته " أي كان ﷺ يصلي أثناء سفره راكباً فوق دابته. " حيث توجهت به " أي مستقبلاً الجهة التي تتوجه إليها راحلته، ولا ينزل إلى الأرض ويلتزم باستقبال القبلة إلاّ في صلاة الفريضة "فإذا أراد فريضة

стр. 408

نزل فاستقبل القبلة" أي فإذا كانت الصلاة التي يريدها صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس، فإنه ينزل عن دابته، ويستقبل القبلة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب استقبال القبلة في صلاة الفريضة، وأنه شرط من شروط صحة الصلاة، فمن صلّى إلى غير القبلة متعمداً بطلت صلاته في حضر أو سفر، فإن كان على الدابة وجب عليه النزول لصلاة الفريضة، واستقبال القبلة ولا يسقط عنه ذلك إلاّ لعذر شرعي من مطر أو مرض أو خوف عدوٍ أو لص. ودليل الوجوب قوله " فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة ". ثانياً: جواز النافلة في السفر على الدابة حيثما توجهت به، ولا خلاف في ذلك، إلاّ أن أحمد استحب أن يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام لما رواه أنس من أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجَّهه ركابه (١) كما أن مالكاً خصَّ ذلك بسفر القصر خلافاً للجمهور. والمطابقة: في قوله: " فإذا أراد فريضة نزل فاستقبل القبلة ". ...

стр. 409

أبْوَابُ المَسَاجِد ١٨٨ - "بَاب حَكِّ البُزَاقِ بالْيَدِ منَ المسْجِدِ " ٢٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رأَى بُصَاقَاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى النَّاس فقَالَ: " إِذَا كَانَ أحَدُكُم يُصَلِّي فَلا يَبْصُق قِبَلَ وَجْهِهِ، فإنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى ". ــ ١٨٨ - "باب حكّ البزاق باليد من المسجد" ٢٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ في هذا الحديث: " أن رسول الله ﷺ رأى بصاقاً في جدار القبلة " أي في الجدار القبلي من المسجد النبوي " فحكه " أي فحك ذلك البصاق حتى أزاله بيده عن جدار المسجد. " فقال: " أي وبعد أن أزال ذلك البصاق، ونظف المسجد منه توجه إلى أصحابه بالنصيحة والموعظة الحسنة فقال لهمَ: " إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه " أي إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتفل أمامه جهة وجهه وقبلته " فإنّ الله قبل وجهه " وهذا من صفات الله تعالى التي ثبتت في الأحاديث الصحيحة، فيجب الإيمان بها دون تحريف ولا تَعْطيل ولا تكييف ولا تمثيل. اهـ. وفي رواية: " وَلا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه " (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.

стр. 410

ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: في هذا الحديث صفة من الصفات الإلهية التي وصف بها الرسول ربه ، وجاءت في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، فوجب الإيمان بها. وهي صفة القرب الإِلهي التي وصف بها النبي ﷺ ربه في قوله ﷺ " فإن الله تعالى قبل وجهه " فأثبت ﷺ أن الله قريب من عبده الذي يصلي (١) على الوجه الذي يليق بعظمته وجلاله، مع كونه فوق عرشه. قال ابن تيمية: " وكذلك العبد إذا قام يصلي فإنه يستقبل ربه، وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه ولا عن شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل " (٢) قالأ في " التنبيهات السنية ": " وقد نزع بهذا الحديث بعض المعتزلة إلى أن الله في كل مكان بذاته " وهو جهل فاضح، والأدلة المتواترة تردُّ ذلك وتفيد علو الله واستواءه على عرشه. ثانياً: أنه يندب للمصلي أن يستحضر قربه منه أثناء الصلاة، وفي كل عبادة من عباداته الشرعية، فإنّ ذلك هو مقام الإِحسان الذي يوجب الخشية والخوف من الله تعالى، ويدعو إلى إتمام العبادة، واتقان العمل، لأنه يستشعر أنه قائم أمام ربه، يستقبله ويتوجه إليه، ويراه كما قال ﷺ "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك". ثالثاً: جواز البصاق أثناء الصلاة. ولكن بشرطين: " الأول " أن يكون خارج المسجد، أما البصاق في المسجد فلا يجوز بحال من الأحوال لقوله ﷺ " البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها " فهذا الحديث مخصِّص لمفهوم حديث الباب، ومنطوق الأحاديث الأخرى. " الثاني " أن لا يبصق إلى جهة القبلة فإن البصاق إليها حرام مطلقاً سواء كان في المسجد أو خارج المسجد لقوله ﷺ في حديث الباب: " فلا يبصق قبل وجهه ": وقوله ﷺ : " من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتَفْله بين عينيه " أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة، وفي الحديث عن السائب بن خلاد أن رجلاً أم قوماً فبصق في القبلة. فلما

стр. 411

١٨٩ - " بَابُ كَفَّارَةِ الْبُزَاقَ " ٢٢٩ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البُزَاقُ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا". ــ فرغ قال النبي ﷺ : " لا يصلي لكم " (١). أخرجه أبو داود وابن حبان. " ولا يبصق عن يمينه " تشريفاً لهذه الجهة، وفي رواية للبخاري " ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً " وإنما يبصق عن يساره، أو تحت قدمه، لما جاء في رواية أخرى " فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، لكن عن يساره أو تحت قدمه ". رابعاً: أن النخامة والبصاق طاهران وإلا لم يكتف النبي ﷺ بحك البصاق، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " إن رسول الله ﷺ رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ١٨٩ - " باب كفارة البزاق " ٢٢٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " البزاق في المسجد خطيئة " أي إلقاء البصاق على أرض المسجد ذنب وإثم يستحق فاعله عقوبة الله تعالى " وكفارتها دفنها " بالتراب فمن ارتكب هذه السيئة وندم عليها، وأراد أن يعفو الله عنه ويمحو عنه سيئته هذه فليبادر إلى إزالتها من المسجد، بدفنها إن كان تراباً أو يمسحها منه إن كان غير ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضاً. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: التحذير من البصاق في المسجد، لأنه خطيئة يأثم فاعلها، حتى قال ابن العماد: لا خلاف في أن من بصق في المسجد استهانة به كفر والعياذ بالله. ثانياًً: أن كفارة البصاق في المسجد إزالته بأي

стр. 412

١٩٠ - " بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ في إتْمَامِ الصَّلَاةِ وذِكْرِ الْقِبْلَةِ " ٢٣٠ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ، وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ". ــ وسيلة كانت، إمَّا بالدفن إن كان المسجد تراباً، أو الغسل والحك والمسح إن كان مبلطاً أو مفروشاً. والمطابقة: في قوله: " وكفارتها دفنها ". ١٩٠ - " باب عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة " ٢٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " هل ترون قبلتي ها هنا " استفهام إنكاري معناه النهي والنفي، أي لا تظنوا أنني لا أرى إلاّ الجهة التى أمامي، كلا فإنني أرى مَنْ خلفي كما أرى مَنْ أمامي " فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم " أي فأقسم بالله أنني أرى من يخشع منكم في الصلاة، ومن لا يخشع فيها " إني لأراكم من وراء ظهري " أي وذلك لأنني أشاهدكم بعيني وأنتم خلف ظهري. قال العيني: والذي عليه الجمهور أنها رؤية بصرية بالعين. فإن قيل الخشوع أمر قلبي وشعور نفسي فكيف يراه النبي ﷺ ؟ فالجواب: أنه وإن كان من أعمال القلب إلاّ أنه تظهر آثاره على الجوارح، فمن خشع قلبه سكنت جوارحه. الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية وعظ الإِمام للناس بإتمام الصلاة. ثانياً: استحباب الخشوع لأنّه روح الصلاة. ثالثاً: أن من معجزاته ﷺ رؤية. من خلفه أثناء الصلاة. والمطابقة: في قوله: " فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم " حيث وعظهم ﷺ بإتمام الصلاة.

стр. 413

١٩١ - " بَابٌ هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلانٍ ؟ " ٢٣١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ التي أضْمِرَتْ مِنَ الحفْيَاءِ، وأمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ التي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وأنَّ عَبْدَ اللهِ بن عُمَرَ كَانَ فيمَنْ سَابَقَ بِهَا. ــ ١٩١ - " باب هل يقال مسجد بني فلان " ٢٣١ - معنى الحديث: يخبرنا ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت " وهي التي ذهب شحمها وذوى لحمها، واشتد جريها " من الحفياء " بفتح الحاء " وأمدها ثنية الوداع " أي بقطع مسافة تبدأ من الحفياء، وتنتهى بثنية الوداع " وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق " ويقع بالمدينة جنوب باب المصري سابقاً (١). ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية إضافة المسجد إلى بانيه. ثانياًً: مشروعية سباق الخيل. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله: " في مسجد بني زريق ". ...

стр. 414

١٩٢ - " بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخذُ مَكَانهَا مَسَاجِدَ " ٢٣٢ - عن أنس ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ أعْلَى الْمَدِينَةِ في حَي يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فَأقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثمَّ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّجَّارِ، فجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفَ، فَكَأنِّي أنظرٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وأبو بَكْرٍ ﵁ رِدْفُهُ، وَمَلأ بَني النَّجارِ حَوْلَهُ، حتَّى ألْقَى بِفِنَاءِ أبي أيوبَ، وَكَانَ يُحَبُّ أنْ يُصَلِّي حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، ــ ١٩٢ - " باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد " ٢٣٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن هجرة النبي ﷺ فيقول " قدم النبي ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة " أي وصل النبي ﷺ إلى المدينة بعد الزوال، فنزل في قباء، وأناخ ناقته في الشمال الشرقي من بئر عذق - وهي بئر السقيا أو بئر الخاتم. غربي دار كلثوم بن الهرم كما أفاده المؤرخ العياشي (١) " في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف " وكانت منازلهم تمتد ما بين العُصبة جنوباً ومسجد قباء شمالاً " ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدي السيوف " أي متسلحين بسيوفهم خوفاً على النبي ﷺ من اليهود وكانوا زهاء خمسمائة رجل تجمعوا في رحبة بني زيد الملاصقة لمسجد قباء، وتقع مئذنته القديمة في طرفها، كما أفاده العياشي "فكأني أنظر إلى النبي

стр. 415

وَيُصَلِّي في مَرَابِض الْغَنَمِ، وَأنَّهُ أمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلَأٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: يَا بني النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لا واللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلَى اللهِ تَعَالى، قَالَ أنَسُ: فَكَانَ فِيهِ مَا أقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وفِيهِ خَرِب، وفِيهِ نَخْلٌ، فَأمرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشركِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالْخَرِبِ فسُوِّيَتْ، وبالنَّخْل فَقُطِعَ، فَصَفُّوا الْنَخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وهم يرتجزون، والنَّبيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلأنصَارِ والْمُهَاجِرَة " ــ ﷺ على راحلته وأبو بكر ﵁ ردفه " أي راكب خلفه " حتى ألقى بفناء أبي أيوب " حيث بركت ناقته عند باب داره، فنزل بها، وأقام فيها أكثر من سبعة أشهر " (١) كما أفاده الاستاذ الأنصاري " وأنه أمر ببناء المسجد " أي أمر ببناء مسجده الشريف " فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم " أي اذكروا لي ثمنه لأني أريد شراءه منكم " فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلاّ إلى الله تعالى " أي لا نأخذ منك مالاً، وإنما نطلب عليه الأجر من الله تعالى وكان لغلامين من الأنصار فاشتراه منهما " وفيه خرب " بفتح الخاء وكسر الراء جمع خربة مثل كَلِم وكلمة أي آثار أبنية قديمة متساقطة " فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت " أي فأخرج ما فيها من الرمم البالية " ثم بالخرب فسوّيت " أي أزيلت تلك الأطلال المتبقية من آثار المنازل والديار، حتى سويت بالأرض " وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد " أي فجعلوا جذوع النخل أعمدة للرواق القبلي من المسجد، وسقفوه بالجريد

стр. 416

١٩٣ - " بَابُ الصَّلاةِ في مَوَاضِعَ الإِبِلَ " ٢٣٣ - عن نَافِعَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي إلى بَعِيرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ــ " وجعلوا عضادتيه الحجارة " أي بنوا جانبي باب المسجد من الحجارة كما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ " أن مسجد النبي ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل وأعلاه مظلل بجريد النخل " الخ. أخرجه أبو داود " وجعلوا ينقلون الصخور وهم يرتجزون " أي ينشدون ويقولون: " اللهم لا خير إلا خير الآخرة " أي إن الخير الحقيقي في نعيم الآخرة، لأنّه دائم وغيره إلى الزوال. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز نبش قبور المشركين مطلقاً لبناء المساجد عليها، لأنه لا حرمة لهم " قال العيني " فإن قلت: هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر السلمين عفت، فبنى قوم عليها مسجداً لم أو بذلك بأساً، وذكر أصحابنا أي الحنفية: أن المقبرة إذا عفَت ودثرت تعود ملكاً لأربابها، فإذا عادت ملكاً يجوز أن يبنى موضع المقبرة مسجداً. اهـ. وقال الحنابلة: إذا صار الميت رمماً جازت زراعتها وبناؤها. ثانياًً: جواز قطع الأشجار المثمرة لاستعمال خشبها، واتخاذ موضعها مسجداً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فأمر النبي بقبور المشركين فنبشت ". ١٩٣ - " باب الصلاة في مواضع الإِبل " ٢٣٣ - معنى الحديث: يقول نافع: " رأيت ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره " أي رأيته يصلي متوجهاً في صلاته إلى بعيره جاعلاً

стр. 417

- ﷺ يَفْعَلُهُ. ــ البعير سترة له في الصلاة " وقال: رأيت النبي ﷺ يفعله " أي رأيت النبي ﷺ يفعل مثلما فعلت، فيصلي خلف بعيره متوجهاً إليه. وقد جمع نافع في هذا ... بين الأثر الصحيح والحديث المرفوع إلى النبي ﷺ ، أما الأثر فهو قوله " رأيت ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره " وأما الحديث المرفوع فهو قوله: وقال ابن عمر: رأيت النبي ﷺ يفعله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به قوم على جواز الصلاة في معاطن الإبل (١) - أي في مباركها عند شرب الماء، وهي مسألة خلافية. فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الصلاة في مبارك الإبل مستدلين بهذا الحديث حيث قالوا: الصلاة في مباركها مثل الصلاة خلفها، فإذا كانت العلة المانعة من الصلاة في مباركها هي نفارها وكونها من الشياطين، فإن هذه العلة موجودة في الصلاة خلفها، وقد صلى النبي ﷺ خلفها، فدل ذلك على جواز الصلاة في معاطنها قياساً على الصلاة خلفها. وذهب الجمهور إلى أنه لا يصلى في معاطن الإِبل واستدلوا على ذلك بالأحاديث الصحيحة الصريحة التي وردت في النهي عن ذلك. " منها " حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل " أخرجه الترمذي وقال حديث حسمن صحيح كما أخرجه ابن حبان أيضاً. وحديث عبد الله بن مغفل عن النبى ﷺ قال: " صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل، إنها خلقت من الشياطين " أخرجه ابن ماجة وأشار السيوطي إلى صحته، وقال مغلطاي حديث صحيح متصل. اهـ. وقال المناوي " ثم إن النهي في هذه الأحاديث للتنزيه عند الشافعي والجمهور، فتكره الصلاة في العطن،

стр. 418

١٩٤ - " بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تنُّورٌ أوْ نار أوْ شَيْء مِمَّا يَعْبُدُ فَأرَادَ بِهِ الله " ٢٣٤ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَال: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : " عُرِضَتْ عَلي النَّارُ وأُنا أصَلِّي ". ــ وتصح حيث كان بينه وبين النجاسة حائل، وللتحريم عند أحمد، ولا تصح عنده - الصلاة في العطن بحال " اهـ (١). ثانياً: جواز جعل البعير سترة في الصلاة. والمطابقة: في كونه صلى خلف البعير. فدل ذلك على جواز الصلاة في عطنه (٢). ١٩٤ - " باب من صلى وقدامه تنور ... إلخ " ٢٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " عرضت علي النار وأنا أصلي " أي كشف لي عن نار جهنم، وأظهرها الله لي وأطلعني عليها وأنا أصلي صلاة الكسوف فرأيتها أمامي وشاهدتها ببصري. الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة إلى كل شيء فيه نار، سواء كان تنوراً أو موقداً أو غيره. ثانياً: معجزته ﷺ الظاهرة في رؤيته ﷺ النار أثناء صلاته. والمطابقة: في قوله: " عرضت علي النار ". ...

стр. 419

١٩٥ - " بَابُ كَرَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ في الْمقَابِر " ٢٣٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً ". ــ ١٩٥ - " باب كراهية الصلاة في المقابر " ٢٣٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " اجعلوا في بيوتكم من صلاكم " أي صلّوا بعض صلاتكم " وهي النوافل " في بيوتكم لتنوروها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، وفي رواية مسلم: " إذا قضى أحدكم الصلاة " أي صلاة الفريضة " في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته " أي فليصل النافلة في بيته ليجعل لها نصيباً من صلاته " ولا تتخذوها قبوراً " أي لا تجعلوها كالقبور التي لا يصلّى فيها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: كراهية الصلاة في المقابر، لقوله ﷺ : " ولا تتخذوها قبوراً " فإنّ معناه: ولا تتخذوها كالمقابر، فإنها هي التي لا يصلى فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، وعند أحمد في صحة الصلاة فيها ثلاث روايات المشهور منهن أنها تبطل على الإِطلاق، والثانية أنها تصح مع الكراهة، والثالثة إن كان عالماً بالنهي أعاد، وإن لم يكن عالماً لم يعد، ومما يدل على عدم جواز الصلاة في المقبرة حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: " الأرض كلها مسجد إلاّ المقبرة والحمام " أخرجه الترمذي. ثانياًً: أن النوافل في البيت أفضل لورود الأمر بذلك، وأقل مقتضياته الأفضلية والاستحباب، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " ولا تتخذوها قبوراً ".

стр. 420

١٩٦ - " بَابٌ " ٢٣٦ - عَنْ عَائِشَةَ وابْنِ عَبَّاس ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطرحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: " لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ " يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. ــ ١٩٦ - " باب " ٢٣٦ - معنى الحديث: يقول ابن عباس وعائشة ﵃ " لما نزل برسول الله ﷺ " أي لما نزل به الموت واشتد عليه المرض " طفق يطرح خميصة " وهي كساء مخطط " على وجهه " أي صار يرخي هذا الكساء على وجهه، " فإذا اغتم كشفها " أي فإذا ضاقت أنفاسه بسبب اشتداد الحرارة كشف الخميصة " فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " أي فأخبر الحاضرين عنده من الصحابة عن حلول اللعنة باليهود والنصارى، وطردهم من رحمة الله بسبب بنائهم المساجد على قبور أنبيائهم، ولا يقال ليس للنصارى نبي غير عيسى، وهو في السماء، لأن الثلاثة المذكورين في سورة (يس) كانوا أنبياء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه: تحريم بناء المساجد على القبور، قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي (١): وما جرت به العادة اليوم من بناء المساجد على القبور محرّم، وهو من عمل اليهود والنصارى.

стр. 421

١٩٧ - " بَابُ نوْمَ الْمَرْأةِ فِي الْمَسْجِدِ " ٢٣٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَي مِنَ الْعَرَبِ فأعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجتْ صَبِيَّة لَهُمْ عَلَيْهَا وِشاح أحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أو وَقَعَ مِنْهَا، فَمرَّتْ بِهِ حُدَيَّاة، وهُوَ مُلْقَى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمَاً فخَطَفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فلمْ يَجِدُوهُ، قالتْ: فاتَّهَمُونِي به، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حتى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إنِّي لَقَائِمَة مَعَهُمْ، إذْ مَرَّتْ الْحُدَيَّاةُ، فألْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وأَنا مِنْهُ بَرِيْئَة، وَهُوَذَا هُوَ، قَالَتْ: فجاءَتْ إلى ــ ١٩٧ - " باب نوم المرأة في المسجد " ٢٣٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب " أي أن أمة سوداء كانت مملوكة لبعض قبائل العرب " فخرجت صبية لهم عليها وشاح " بكسر الواو وضمها، وهو قطعة من الجلد مرصّعة باللؤلؤ تشبه الحزام تشدها المرأة بين عاتقها وكشحها " فمرت حُدَيَّاة " بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء تصغير حدأة التي هي الطائر المعروف، " فخطفته " أي فاختطفت الوشاح حيث ظنته لحماً لحمرة لونه " فاتهموني به " أي بسرقته " حتى فتشوا قبلها " أي ففتشوا ثيابها وجميع جسمها حتى فتشوا فرجها " قالت: فوقع منها " أي فلما لم تجده الحدأة لحماً ألقته في وسطهم، وهم يشاهدون ذلك " فأسلمت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم " أي هذا هو الوشاح الذي زعمتم أني سرقته "فأسلمت، قالت

стр. 422

رَسُولِ اللهِ ﷺ فأسْلَمَتْ، قَالَتْ عائِشَةُ ﵂: فكانَ لَهَا خِبَاء في الْمَسْجِدِ أو حِفْش، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأتِيني، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، فَلَا تَجلِسُ عِنْدي مَجْلِساً إلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أعَاجِيبِ رَبِّنَا ... ألَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأنُكِ، لا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَداً إلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذَا الْحَدِيثِ. ــ عائشة ﵂: فكان لها خباء" بكسر الخاء وفتح الباء المخففة، أي خيمة من وبر أو صوف " في المسجد " أي وكانت الخيمة منصوبة في المسجد " أو حفش " وهو البيت الصغير " قالت: فلا تجلس ضدي مجلساً إلاّ وقالت: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أعَاجيب رَبِّنَا ... إلخ " أي كانت الفتنة التي تعرضت لها من إيذائها واتهامها سبباً في إسلامها وهجرتها، وكان الوشاح سبباً في نجاتها، وكان يوم الوشاح من الأعاجيب، لأن ما وقع فيه من اختطاف الحدأة للوشاح، واتهامها به كان من أعاجيب الزمان، وغرائب الأيام وكان من نعم الله عليها حيث كان نقطة تحول في حياتها من شقاء إلى سعادة، وسبباً في إسلامها، وهجرتها من دار الكفر إلى دار الإِيمان على حد المثل القائل " رب ضارة نافعة ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز نوم المرأة في المسجد، كما ترجم له البخاري لقول عائشة ﵂: " فكان لها خباء في المسجد " وذلك يقتضي أن هذه الأمة السوداء كانت تبيت في المسجد وتنام فيه، وقد أقرها ﷺ على ذلك، وإقراره حجة شرعيّة فدل على جوازه، إلا أن ذلك مشروط بأمن الفتنة، وقد كانت تلك الأمة عجوز شمطاء لا مطمع فيها للرجال، قال

стр. 423

١٩٨ - " بَابُ نوْمَ الرِّجَالَ في الْمَسْجِدِ " ٢٣٨ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵂ فَلَمْ يَجِدْ عَلِياً في البَيْتِ، فقالَ: " أينَ ابْنُ عَمِّكِ؟ "، قَالَتْ: كَانَ بَيني وَبَيْنَهُ شَيءٌ ــ الحافظ: وفي الحديث إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مكان له من المسلمين رجلاً أو امرأة عند أمن الفتنة. أما إذا كانت المرأة شابة فلا يجوز لها ذلك لما تتعرض له من خطر. ثانياًً: جواز نصب الخيمة وشبهها في المسجد للمسكين الذي لا مأوى له، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التضييق على المسلمين .. ثالثاً: مشروعية هجرة الإِنسان من البلد التي يفتن فيها في دينه أو نفسه أو عرضه أو ماله، وربما كانت هذه الهجرة سبب خير، وبداية حياة سعيدة، كما وقع لهذه المرأة التي كانت تترنم بهجرتها قائلة: وَيَومَ الوِشَاح من أعاجِيْبِ رَبِّنَا ... ألا إنه من بَلْدَةِ الكُفْرِ أنجاني فتذكر دائماً يوم الوشاح بالحمد والشكر لله، لأنه كان سبباً لهجرتها إلى بلدة رسول الله ﷺ وانتقالها من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري في هذا الباب. والمطابقة: في قولها: "فكان لها خباء في المسجد". ١٩٨ - " باب نوم الرجال في المسجد " ٢٣٨ - معنى الحديث: يقول سهل ﵁: " جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة ﵂ " بعد الظهر، وفي وقت القيلولة ليتفقد أحوال ابنته وعلاقتها مع زوجها " فلم يجد علياً في البيت " في ذلك الوقت الذي جرت فيه العادة بوجود الرجال في منازلهم، فلفت ذلك نظره ﷺ ،

стр. 424

فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يقلْ عِنْدِي، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ لإنْسَانٍ: " انْظر أينَ هُوَ "، فَجَاء فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ في الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فجاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قد سَقَطَ رِدَاؤهُ عِن شِقِّهِ، وأصَابَهُ تُرَاب، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيقُول: " قُمْ أبا تُرَابٍ قُمْ أبا تُرَابٍ ". ــ وأدرك أن تغيب عليّ لا بد أن يكون لسبب ما " فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج " أي حدث بينيِ وبينَه نزاع واختلاف أدّى إلى إثارة الغضب في نفسي ونفسه، فخرج متألماً مستاءً مني " ولم يقل عندي " أي ولم يقض وقت القيلولة عندي " فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع " أي فوصل إليه النبي ﷺ وهو مضطجع في المسجد وهذا هو موضع الترجمة ودليلها " فجعل رسول الله ﷺ يمسح عنه " أي يمسح عنه التراب بيده الشريفة، " ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب " بحذف حرف النداء والتقدير قم يا أبا تراب. ويستفاد منه: أولاً: جواز نوم الرجال في المسجد، لأن النبي ﷺ أقر علياً على نومه فيه، وإقراره ﷺ حجة شرعية. قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم بالنوم في المسجد وهم الجمهور. اهـ. وكرهه الحنفية (١) إلّا لغريب، وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت فيه. ثانياً: جواز التكنية بغير الولد ممازحة وملاطفة لمن لا يُغضبه ذلك. الحديث: أخرجه مسلم في الفضائل. مطابقته للترجمة: في إقراره ﷺ نوم على في المسجد. ...

стр. 425

١٩٩ - " بَاب إذَا دَخلَ أحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ " ٢٣٩ - عن أبي قُتَادَةَ السَّلَمِيِّ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إذَا دَخَلَ أحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ ركْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ ". ــ ١٩٩ - " باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " ٢٣٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " أى فليصل ركعتين وهما تحية المسجد قبل الجلوس أو أي شيء آخر من قراءة قرآن، أو طلب علم أو استفتاء، أو نحوه. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية تحية المسجد وكونها سنة مؤكدة لأمره ﷺ بها في هذا الحديث وغيره، وقد اتفقوا على أن الأمر بها للندب ما عدا ما نقل عن أهل الظاهر من حمله على الوجوب، مع أن ابن حزم صرح بخلافه. ثانياًً: أن الأمر بتحية المسجد في هذا الحديث عام شامل لجميع الأوقات، ولكن هناك أحاديث أخرى ورد فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر، وعند خطبة الجمعة نهياً عاماً شاملاً لجميع النوافل، قال الحافظ: وهما عمومان متعارضان: الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات معينة، فلا بد من تخصص أحد العمومين، فذهب قوم إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر " أي إلى تخصص النهي بغير الصلاة التي لها سبب، أما الصلاة التي
следующие страницы →