١٩٧ - " بَابُ نوْمَ الْمَرْأةِ فِي الْمَسْجِدِ "
٢٣٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَي مِنَ الْعَرَبِ فأعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجتْ صَبِيَّة لَهُمْ عَلَيْهَا وِشاح أحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أو وَقَعَ مِنْهَا، فَمرَّتْ بِهِ حُدَيَّاة، وهُوَ مُلْقَى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمَاً فخَطَفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فلمْ يَجِدُوهُ، قالتْ: فاتَّهَمُونِي به، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حتى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إنِّي لَقَائِمَة مَعَهُمْ، إذْ مَرَّتْ الْحُدَيَّاةُ، فألْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وأَنا مِنْهُ بَرِيْئَة، وَهُوَذَا هُوَ، قَالَتْ: فجاءَتْ إلى
ــ
١٩٧ - " باب نوم المرأة في المسجد "
٢٣٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب " أي أن أمة سوداء كانت مملوكة لبعض قبائل العرب " فخرجت صبية لهم عليها وشاح " بكسر الواو وضمها، وهو قطعة من الجلد مرصّعة باللؤلؤ تشبه الحزام تشدها المرأة بين عاتقها وكشحها " فمرت حُدَيَّاة " بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء تصغير حدأة التي هي الطائر المعروف، " فخطفته " أي فاختطفت الوشاح حيث ظنته لحماً لحمرة لونه " فاتهموني به " أي بسرقته " حتى فتشوا قبلها " أي ففتشوا ثيابها وجميع جسمها حتى فتشوا فرجها " قالت: فوقع منها " أي فلما لم تجده الحدأة لحماً ألقته في وسطهم، وهم يشاهدون ذلك " فأسلمت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم " أي هذا هو الوشاح الذي زعمتم أني سرقته "فأسلمت، قالت
стр. 422
رَسُولِ اللهِ ﷺ فأسْلَمَتْ، قَالَتْ عائِشَةُ ﵂: فكانَ لَهَا خِبَاء في الْمَسْجِدِ أو حِفْش، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأتِيني، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، فَلَا تَجلِسُ عِنْدي مَجْلِساً إلَّا قَالَتْ:
وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أعَاجِيبِ رَبِّنَا ... ألَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أنْجَانِي
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأنُكِ، لا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَداً إلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذَا الْحَدِيثِ.
ــ
عائشة ﵂: فكان لها خباء" بكسر الخاء وفتح الباء المخففة، أي خيمة من وبر أو صوف " في المسجد " أي وكانت الخيمة منصوبة في المسجد " أو حفش " وهو البيت الصغير " قالت: فلا تجلس ضدي مجلساً إلاّ وقالت: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أعَاجيب رَبِّنَا ... إلخ " أي كانت الفتنة التي تعرضت لها من إيذائها واتهامها سبباً في إسلامها وهجرتها، وكان الوشاح سبباً في نجاتها، وكان يوم الوشاح من الأعاجيب، لأن ما وقع فيه من اختطاف الحدأة للوشاح، واتهامها به كان من أعاجيب الزمان، وغرائب الأيام وكان من نعم الله عليها حيث كان نقطة تحول في حياتها من شقاء إلى سعادة، وسبباً في إسلامها، وهجرتها من دار الكفر إلى دار الإِيمان على حد المثل القائل " رب ضارة نافعة ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز نوم المرأة في المسجد، كما ترجم له البخاري لقول عائشة ﵂: " فكان لها خباء في المسجد " وذلك يقتضي أن هذه الأمة السوداء كانت تبيت في المسجد وتنام فيه، وقد أقرها ﷺ على ذلك، وإقراره حجة شرعيّة فدل على جوازه، إلا أن ذلك مشروط بأمن الفتنة، وقد كانت تلك الأمة عجوز شمطاء لا مطمع فيها للرجال، قال
стр. 423
١٩٨ - " بَابُ نوْمَ الرِّجَالَ في الْمَسْجِدِ "
٢٣٨ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ:
جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵂ فَلَمْ يَجِدْ عَلِياً في البَيْتِ، فقالَ: " أينَ ابْنُ عَمِّكِ؟ "، قَالَتْ: كَانَ بَيني وَبَيْنَهُ شَيءٌ
ــ
الحافظ: وفي الحديث إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مكان له من المسلمين رجلاً أو امرأة عند أمن الفتنة. أما إذا كانت المرأة شابة فلا يجوز لها ذلك لما تتعرض له من خطر. ثانياًً: جواز نصب الخيمة وشبهها في المسجد للمسكين الذي لا مأوى له، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التضييق على المسلمين .. ثالثاً: مشروعية هجرة الإِنسان من البلد التي يفتن فيها في دينه أو نفسه أو عرضه أو ماله، وربما كانت هذه الهجرة سبب خير، وبداية حياة سعيدة، كما وقع لهذه المرأة التي كانت تترنم بهجرتها قائلة:
وَيَومَ الوِشَاح من أعاجِيْبِ رَبِّنَا ... ألا إنه من بَلْدَةِ الكُفْرِ أنجاني
فتذكر دائماً يوم الوشاح بالحمد والشكر لله، لأنه كان سبباً لهجرتها إلى بلدة رسول الله ﷺ وانتقالها من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري في هذا الباب. والمطابقة: في قولها: "فكان لها خباء في المسجد".
١٩٨ - " باب نوم الرجال في المسجد "
٢٣٨ - معنى الحديث: يقول سهل ﵁: " جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة ﵂ " بعد الظهر، وفي وقت القيلولة ليتفقد أحوال ابنته وعلاقتها مع زوجها " فلم يجد علياً في البيت " في ذلك الوقت الذي جرت فيه العادة بوجود الرجال في منازلهم، فلفت ذلك نظره ﷺ ،
стр. 424
فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يقلْ عِنْدِي، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ لإنْسَانٍ: " انْظر أينَ هُوَ "، فَجَاء فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ في الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فجاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قد سَقَطَ رِدَاؤهُ عِن شِقِّهِ، وأصَابَهُ تُرَاب، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيقُول: " قُمْ أبا تُرَابٍ قُمْ أبا تُرَابٍ ".
ــ
وأدرك أن تغيب عليّ لا بد أن يكون لسبب ما " فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج " أي حدث بينيِ وبينَه نزاع واختلاف أدّى إلى إثارة الغضب في نفسي ونفسه، فخرج متألماً مستاءً مني " ولم يقل عندي " أي ولم يقض وقت القيلولة عندي " فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع " أي فوصل إليه النبي ﷺ وهو مضطجع في المسجد وهذا هو موضع الترجمة ودليلها " فجعل رسول الله ﷺ يمسح عنه " أي يمسح عنه التراب بيده الشريفة، " ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب " بحذف حرف النداء والتقدير قم يا أبا تراب.
ويستفاد منه: أولاً: جواز نوم الرجال في المسجد، لأن النبي ﷺ أقر علياً على نومه فيه، وإقراره ﷺ حجة شرعية. قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم بالنوم في المسجد وهم الجمهور. اهـ. وكرهه الحنفية (١) إلّا لغريب، وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت فيه. ثانياً: جواز التكنية بغير الولد ممازحة وملاطفة لمن لا يُغضبه ذلك. الحديث: أخرجه مسلم في الفضائل. مطابقته للترجمة: في إقراره ﷺ نوم على في المسجد.
...
стр. 425
١٩٩ - " بَاب إذَا دَخلَ أحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ "
٢٣٩ - عن أبي قُتَادَةَ السَّلَمِيِّ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إذَا دَخَلَ أحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ ركْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ ".
ــ
١٩٩ - " باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس "
٢٣٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " أى فليصل ركعتين وهما تحية المسجد قبل الجلوس أو أي شيء آخر من قراءة قرآن، أو طلب علم أو استفتاء، أو نحوه. الحديث: أخرجه الستة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية تحية المسجد وكونها سنة مؤكدة لأمره ﷺ بها في هذا الحديث وغيره، وقد اتفقوا على أن الأمر بها للندب ما عدا ما نقل عن أهل الظاهر من حمله على الوجوب، مع أن ابن حزم صرح بخلافه. ثانياًً: أن الأمر بتحية المسجد في هذا الحديث عام شامل لجميع الأوقات، ولكن هناك أحاديث أخرى ورد فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر، وعند خطبة الجمعة نهياً عاماً شاملاً لجميع النوافل، قال الحافظ: وهما عمومان متعارضان: الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات معينة، فلا بد من تخصص أحد العمومين، فذهب قوم إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر " أي إلى تخصص النهي بغير الصلاة التي لها سبب، أما الصلاة التي
стр. 426
٢٠٠ - " بَابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ "
٢٤٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَبْنِيَّاً باللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَريدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بَكْرٍ شَيْئاً، وزَادَ فيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلى بُنْيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وأعادَ عُمُدَهُ خَشَباً، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرةً، وبَنَى جِدَارَهُ بالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بالساجِ.
ــ
لها سبب، كتحية المسجد فإنّها تصلى في أوقات النهي. قال الحافظ: وهو الأصح عند الشافعية، وذهب قوم إلى تخصيص الأمر بتحية المسجد بغير الأوقات المنهي عنها، وقالوا: لا تصلى النافلة في أوقات النهي مطلقاً سواء كانت تحية المسجد أو غيرها، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال الشوكاني: الأولى للمتورع ترك دخول المسجد في أوقات الكراهة. اهـ. والمطابقة: في كون الترجمة من، لفظ الحديث نفسه.
٢٠٠ - " باب بنيان المسجد "
٢٤٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ " أي في زمنه ﷺ " مبنياً باللبن " أي كانت جُدْرانه مبنية من اللبن - بفتح اللام وكسر الباء، وهو ما يصنع من الطين اللَّيِّن، ويجفف بالشمس " وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل " أي من جذوع النخل المقطوعة من الحائط الذي بني فيه المسجد، حيث أمر ﷺ كما في رواية أخرى بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد - أي جعلوا جذوع النخل سوارى
стр. 427
٢٠١ - " بَابُ التَّعَاوُنِ في بِنَاءِ الْمَسْجِدِ "
٢٤١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁:
أنَّهُ كَانَ يُحَدثُ يَوْمَاً حَتَّى أتى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا
ــ
وأعمدة للرواق القبلي من المسجد. هذا وقد كانت مساحة المسجد في العهد النبوي نحو خمسة وثلاثين متراً من الشمال إلى الجنوب وثلاثين متراً من الشرق إلى الغرب " وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه " أي وبناه على شكل بنيانه في العهد النبوي، ولم يُغَير في مواد بنائه شيئاً وإنما وسعه وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ينبغي أن تزيدوا في مساجدنا ما زدت فيه " ثم غير عثمان " أي جدده وطور في بنائه " وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّةِ " وهى الجص بلغة الحجاز، " وسقفه " بفتح القاف والفاء " بالساج " أي جعل سقفه من الساج وهو خشب هندي أسود اللون. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود.
ويستفاد منه: كيفية بناء المسجد في العهد النبوي، وتجديد الخلفاء وتوسيعهم لمساحته، وفضل بناء المساجد وتعميرها. والمطابقة: في وصف الحديث لبناء المسجد شكلاً ومادة.
٢٠١ - " باب التعاون في بناء المسجد "
٢٤١ - معنى الحديث: أن أبا سعيد ﵁ " كان يحدث يوماً حتى أتى على ذكر بناء المسجد " أي حتى ساقه الحديث إلى قصة بناء المسجد النبوي " فقال: كما نحمل لبنة لبنة " أي كان كل واحد منا يحمل لبنة واحدة في كل مرة " وعمار لبنتين لبنتين " أي وكان عمار يحمل لبنتين اجتهاداً منه، وحرصاً على طاعة الله ورسوله، " فجعل ﷺ ينفض التراب عنه " تكريماً له وتنويهاً بشأنه، وتعبيراً عن عطفه ﷺ عليه ومحبته له،
стр. 428
نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّار لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ : فَجَعَل يَنْفُضُ الترابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: " وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إلى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ "، قَالَ: يَقُولُ عَمَّار: أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ.
٢٠٢ - " بَابُ مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِداً "
٢٤٢ - عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
ــ
" فيقول: ويح عمّار " أي والحال أنه يقول: " ويح عمار " الخ وهذا تعبير
آخر عن توجعه ﷺ ورثائه لما يؤول إليه حاله حيث " تقتله الفئة الباغية "
أي تقتله الفئة الخارجة عن طاعة الخليفة الراشد علي ﵁، وهم أصحاب معاوية كما جاء في رواية أخرى وهم أصحاب الشام كما أفاده العيني، قال الحافظ: وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين سنة (٣٧) هـ " يدعوهم إلى الجنة " أي إلى سبيل الجنة بمبايعة عليّ، " ويدعونه إلى النار " قال في شرح " زاد المسلم " أي يدعونه إلى سببها وإن لم يتعمدوا بالتأويل. فهم معذورون.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب التعاون في بناء المساجد، وأنه من أفضل الأعمال. ثانياً: أن علياً ﵁ بعد عثمان ﵁ هو صاحب الحق في الخلافة لأنّه ﷺ سمي الطرف الآخر بالفئة الباغية.
الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " نحمل لبنة لبنة ".
٢٠٢ - " باب من بني مسجداً "
٢٤٢ - معنى الحديث: أن عثمان ﵁ لما جدد المسجد النبوي سنة تسع وعشرين من الهجرة أنكر عليه بعض الناس زخرفة المسجد
стр. 429
إنَّكُمْ أكثرتُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " من بَنَى مَسْجِداً يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ في الجَنَّةِ ".
٢٠٣ - " بَابُ يَأخذُ بِنُصُولِ النبلِ إذا مَرَّ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
مَرَّ رَجُل في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمْسِكْ بِنِصَالِهَا " (١).
ــ
وتغيير شكل بنائه، وأحبوا أن يدعه على هيئته، فأجابهم على ذلك " وقال: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بني مسجداً " التنكير للتعميم أي من بني أيَّ مسجدٍ صغيراً كان أو كبيراً، واسعاً أو ضيقاً " ولو كمفحص قطاة " كما رواه الطبراني وابن حبان، وهو المكان الذي تضع فيه بيضها " بنى الله له مثله في الجنة " أي بني له مثل عدد ما بناه، فإنْ بنى واحداً بنى له واحداً وإن بني اثنين بني له اثنين، فالتشبيه في العدد لا في الشكل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.
ويستفاد منه: فضل بناء المساجد، وعظم المثوبة عليها في الجنة، وفي رواية الطبراني " من بني مسجداً لا يريد به رياءً ولا سمعة، بني الله له بيتاً في الجنة ". والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٢٠٣ - " باب يأخذ بنصول النبل إذا مرَّ في المسجد "
٢٤٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ أمر الرجل الذي مر بالمسجد ومعه السهام أن يمسك بنصولها، ويحافظ عليها لئلا تؤذي أحداً.
ويستفاد منه: جواز إدخال السلاح المسجد، شريطة أن يحافظ على سلامة الناس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
стр. 430
٢٠٤ - " بَابُ الْمرُورِ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٤ - عن أبي مُوسَى ﵁:
عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ مَرَّ في شَيءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أو أسْوَاقِنَا بِنَبْل فلْيَاخُذْ عَلَى نِصَالِهَا لا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمَاً".
٢٠٥ - " بَابُ الشِّعْرِ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٥ - عن حَسَّانَ ﵁:
ــ
والمطابقة: في قوله: " أمسك بنصالها ".
٢٠٤ - " باب المرور في المسجد "
٢٤٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ "من مرَّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا " أي من اجتاز أيَّ مكان من الأماكن الحافلة بالناس سواء كان مسجداً أو سوقاً " بنبل " أي بسهام " فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلماً " أي فليحافظ عليها وليكن حذراً أثناء مروره بها، لئلا يجرح بها أحداً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز المرور في المسجد وإن كان قد وضع في الأصل للعبادة، لأن الحاجة تقتضيه. ثانياًً: وجوب الحذر واليقظة عند المرور بالسلاح في المسجد أو غيره من الأماكن العامة خشية أن يؤذي به أحداً. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: "من مَر في شيء من مساجدنا".
٢٠٥ - " باب الشعر في المسجد "
٢٤٥ - ترجمة راوي الحديث: هو شاعر الإِسلام وشاعر رسول الله
стр. 431
أنه اسْتَشْهَدَ أبا هُرَيْرَةَ: أنشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يَا حَسَّانُ أجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " قَالَ أبُو هُرَيْرَةُ: نَعَمْ.
ــ
ﷺ حسان بن ثابت ﵁ الخزرجي الأنصاري، قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإِسلام، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإِسلام، وتوفي في خلافة على قبل الأربعين من الهجرة.
معنى الحديث: أن حسان ﵁ كان ينشد الشعر في المسجد، بينما كان عمر هناك، فلحظ إليه عمر، أي نظر إليه نظرة استنكار، فلما رأى حسان منه ذلك، قال له: كنت أنشد الشعر في المسجد وفيه من هو خير منك، ثم " استشهد أبا هريرة " أي سأله أداء الشهادة التي يعلمها عن إنشاده الشعر في المسجد بحضور رسول الله ﷺ ، وإقرار النبي ﷺ له على ذلك وتشجيعه له على إنشاد الشعر فقال: " أنشدك الله " بفتح الهمزة وضم الشين، أي أسألك بالله وأستحلفك به " هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حسان أجب عن رسول الله ﷺ " أي أجب شعراء المشركين بشعرك واهجهم به دفاعاً عن النبي ﷺ ونصرة لدينه. وهل سمعته يقول: " اللهم أيده بروح القدس " أي قوِّه بجبريل، وسخره له فيلهمه الشعر الذي يقع على أعداء الإِسلام وقع السهام " قال أبو هريرة: نعم " سمعتك تنشد الشعر أمامه فِي المسجد، وسمعته يقول ذلك.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز إنشاد الشعر فِي المسجد، لأن حسان كان يفعل ذلك بحضوره ﷺ ، وأقره عليه، ولم ينكره، قال الترمذي:
стр. 432
٢٠٦ - " بَابُ أصْحابِ الْحِرَابِ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
لَقَدْ رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَاً علَى بَابِ حُجْرَتِي، والْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ في الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللهِ يَسْترُنِي بِرِدَائِهِ أنظرٌ إلى لَعِبِهِمْ.
ــ
روي عن النبي ﷺ في غير حديث الرخصة في إنشاد الشعر في المسجد، وقد اختلف في ذلك العلماء فقال الشعبي وابن سيرين وابن المسيب والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا ثلب عرض المسلمين، ولا فحش.
وقال مسروق والحسن البصري والنخعي: يكره رواية الشعر وإنشاده لحديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً " أخرجه الشيخان وابن ماجه. وأجاب الأولون أن هذه الأحاديث إنما هي في الشعر الذي فيه خنى وفحش. ثانياً: فضل حسان وسائر الشعراء الإِسلاميين السائرين على نهجه في الدفاع عن الإِسلام.
فإن عملهم هذا جهاد والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أجب عن رسول الله ﷺ ".
٢٠٦ - "باب أصحاب الحراب في المسجد"
٢٤٦ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي " أي واقفاً في باب حجرتي " والحبشة يلعبون في المسجد " بحرابهم كما في رواية أخرى " ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم " بفتح اللام وكسر العين، أو بكسر اللام وسكون العين، أي وأنا واقفة إلى جانب النبي ﷺ أنظر إليهم، وأشاهد ألعابهم الحربية
стр. 433
٢٠٧ - " بَابُ التَّقَاضِي وَالْملَازَمَةِ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٧ - عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁:
أنهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كَانَ لَهُ عَلَيْهِ في الْمَسْجِدِ، فارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتهِ، فَخَرَجَ إليْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ! قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهَ! قَالَ: ضَعْ منْ دَيْنِكَ هَذا، وَأوْمَأ إلَيْهِ أي الشَّطْرَ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.
ــ
ورسول الله ﷺ يسترني عن أعين الناس بردائه. والمطابقة: في قولها: " يلعبون في المسجد ".
ويستفاد منه: أن المسجد النبوي كان مركزاً عسكرياً، وقاعدة حربية، وميداناً يتدرب فيه الرجال على ألعاب الفروسية والقتال، قال الحافظ: واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب.
الحديث: أخرجه الشيخان.
٢٠٧ - " باب التقاضي والملازمة في المسجد "
٢٤٧ - ترجمة راوي الحديث: هو كعب بن مالك الأنصاري شاعر النبي ﷺ شهد العقبة والمشاهد كلها عدا بدر وتبوك، روى ثمانين حديثاً، للبخاري منها أربعة وتوفي بالمدينة سنة (٥٠) هـ.
معنى الحديث: أن كعباً ﵁ " تقاضى ابن أبي حدرد " أي طالبه بدين له عليه " في المسجد فارتفعت أصواتهما " أي فتخاصما حتى ارتفعت أصواتهما " فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته " بكسر السين وفتحها وهو الستر أو الستارة أي أنه لما سمع أصواتهما وهما يتخاصمان في
стр. 434
المسجد كشف ستر حجرته، ليستطلع خبرهما ويتعرف على قضيتهما، ثم خرج إليهما، ومر بهما كما في رواية الأعرج " فنادى، كعب قال: لبيك، رسول الله قال ضع من دينك " أي تنازل عن بعض دينك تخفيفاً عليه، ورفقاً بحاله " وأومأ إليه أي الشطر " أي وأشار إليه إشارة تفسيرها ومعناها تنازل عن نصف الدين، وخذ منه النصف. ولم يقصد بذلك ﷺ أن يأمره أمر إلزام، وإنما هي مجرد وساطة وشفاعة وإصلاح بين المتخاصمين، له أن يقبلها، أو يعتذر عنها " قال: قد قبلت " أي قبلت وساطتك " قال: قم فاقضه " أي قم يا ابن أبي حدرد فسدد نصف الدين فوراً، والأمر هنا أمر وجوب وإلزام. الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز مقاضاة الديون وسائر الحقوق المالية في المسجد، وقضاؤها فيه، قال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد ديناً أما التجارة والصرف فلا أحبّه. ثانياً: أن أمر القاضي بالتنازل عن بعض الحق إنما هو مجرد شفاعة وصلح، ولا يجب تنفيذه، وإنما له أن يقبله أو يعتذر عنه إن شاء. ثالثاً: أنه إذا قبل الدائن التنازل عن بعض حقه استجابة منه لوساطة الحاكم وجب على المدين أن يقوم بقضاء الدين فوراً، وللقاضي أن يلزمه بذلك، وذلك لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل معاً، كما أفاده العيني. رابعاً: جواز رفع الصوت في المسجد ما لمٍ يتفاحش، وقد أفرده البخاري بباب مستقل، ونقل عن مالك منعه مطلقاً، كما نقل عنه جوازه في العلم والخير وما لا بد فيه، دون رفعه باللغط ونحوه، وأما حديث واثلة: " جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم " أخرجه ابن ماجة فإنه ضعيف (١). الحديث: أخرجه الشيخان.
...
стр. 435
٢٠٨ - " بَابُ كَنْس والْمَسْجِدِ "
٢٤٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَجُلاً أسْوَدَ اوْ امْرَأةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فمَاتَ، فَسَألَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالُوا، مَاتَ، فَقَالَ: " أفَلَا آذَنْتُمونِي، دُلُّوني عَلَى قَبْرِهِ، أوْ قَالَ: عَلَى قَبْرِهَا " فَأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٨ - "باب كنس المسجد"
٢٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ في حديثه هذا " أن رجلاً أسود أو امرأة سوداء كانت تقم المسجد " أي كانت على عهد النبي ﷺ تكنس المسجد وتنظفه، وتجمع القمامة منه، لتلقيها خارج المسجد. " فماتت " فلم يعلم ﷺ بها، " فسأل النبي ﷺ عنها فقالوا: ماتت " أي فأخبره أبو بكر الصديق بأنّها ماتت كما أفاده العيني " فقال: أفلا آذنتموني " أي فعاتبهم النبي ﷺ على عدم إخباره بوفاتها " ثم قال: " دلوني على قبرها " لأصلي عليها فوق قبرها، وفي رواية مسلم قال ﷺ : إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم " فصلى عليها " صلاة الجنازة عند قبرها، وفي الحديث عن خارجة ابن زيد بن ثابت عن عمه قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما ورد البقيع إذ مرَّ بقبر جديد (١) فسأل عنه، فقيل: فلانة أي فأخبروه بأنها تلك المرأة التي كانت تقم المسجد، واسمها أم محجن فعرفه قال: " ألا آذنتموني بها " أي ألا أعلمتموني بوفاتها، فإن صلاتي عليها رحمة لها، ثم أَتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً. أخرجه ابن حبان.
стр. 436
فقه الحديث دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل تنظيف المسجد والقائمين به وعلو منزلتهم، حتى أن بعض أهل العلم جعل صلاته ﷺ على قبر هذه المرأة خصوصية لها مقابل خدمتها للمسجد، وعنايتها بحرمه الشريف، وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوىء أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن " رواه مسلم. فإذا كانت القذاة وهي ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو وسخ قليل جداً يؤجر العبد على إخراجه من المسجد، فكيف بمن يكنسه وينظفه، ولهذا قال ابن رسلان: فيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة، فإنّها كتب في أجورهم، وتعرض على نبيهم ﷺ ، وإذا كتب هذا القليل وعُرِض، فإنه يكتب الكبير ويعرض بالأولى، ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى. وقال ابن بطال في شرح حديث الباب: وفي هذا الحديث الحض على كنس المساجد وتنظيفها، لأنه إنّما خصها بالصلاة عليها بعد دفنها من أجل ذلك. ثانياًً: مشروعية صلاة الجنازة على القبر لمن لم يكن صلى على تلك الجنازة اقتداء بالنبي ﷺ وعملاً بسنته، وهو قول الجمهور: إلا أنهم اختلفوا في المدة التي يصلّى عليه فيها، فقال الشافعية: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وقالت الحنابلة: إلى شهر وقالت الحنفية: يصلى عليه ما لم يغلب على الظن أنّه تفسخ، وقالت المالكية: يصلى عليه ما لم يُظن فناؤة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كانت تقم المسجد ".
***
стр. 437
٢٠٩ - " بَابُ الأسِيرِ والْغرِيمِ يربَطُ في الْمَسْجِدِ "
٢٤٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ عِفْرِيتَاً من الْجِنِّ تفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَىَّ الصَّلَاةَ فأمكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إِلَى سَارِية مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ حتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظرٌوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكاً لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي. قَالَ رَوْح، فَرَدَّهُ خَاسِئَاً ".
ــ
٢٠٩ - " باب الأسير والغريم يربط في المسجد "
الغريم: هو المدين المحكوم عليه شرعاً بالسجن لمطله أو لسبب آخر.
٢٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن النبي ﷺ قال: إن عفريتاً من الجن " أي إن شخصاً متمرداً من الجن، والجن أجسام نارية قابلة للتشكل بأشكال مختلفة، وهم مخلوقات غير منظورة لنا، مكلفون مثلنا، منهم المؤمنون والكافرون والعصاة، ومنهم الطيب والخبيث، وهو الذي تحدث عنه في هذا الحديث " تفلت عليّ البارحة " أي أن هذا المارد من الجن تعرّض لي أثناء الصلاة " ليقطع علّي الصلاة " أي ليشغلني به، ويقطع علي الخشوع في الصلاة، بتشويش أفكاري، ويحول بيني وبين قبلتي، وبيني وبين مناجاة ربي، وليس معناه أنه يبطل عليه صلاته ويفسدها عليه، لأن مجرد وسوسة الشيطان لا تقطع الصلاة، " فأمكنني الله منه " أي فأقدرني الله على ذلك الشيطان فدفعته عن نفسي، وفي رواية مسلم " فذعتُّه " أي خنقته " فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه " مقيداً نهاراً وأولاد المدينة يلعبون به "فذكرت
стр. 438
٢١٠ - " بَابُ الْخيْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ للْمَرْضَى وَغَيرِهِمْ "
٢٥٠ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فَضَربَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً في الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيب، فَلَمْ يَرُعْهُمْ، وفي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنى غِفَارِ إلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إلَيْهِمْ،
ــ
قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي" حيث دعا الله أن يخصه وحده بامتلاك الجن فامتنعت عنه.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز ربط الأسير والغريم وكل من عليه حق شرعي في المسجد، سواء كان ديناً أو قصاصاً. ثانياً: وجود عوالم أخرى غير منظورة كالجن والملائكة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
والمطابقة: في قوله: " فأردت أن أربطه إلى سارية " إلخ.
٢١٠ - " باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم "
٢٥٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " أصيب سعد يوم الخندق " أي أصيب سعد بن معاذ يوم غزوة الخندق " الأكحل " بفتح الهمزة، وهو عرق في الذراع إذا قطع لا يرقأ دمه، ولهذا قال الخليل: هو عرق الحياة، وهو متصل بجميع أعضاء الجسد، وله في كل عضو شعبة، ويختلف اسمه باختلاف الأعضاء فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النساء. وكان سعد ﵁ قد رماه حبان " بكسر الحاء وتشديد الباء " ابن قيس بسهم فأصابه في أكحله وهو يقول: أنا ابن العرقة فقال ﷺ : عرق الله وجهه بالنار فقال سعد اللهم لا تخرج روحي حتى تُقِرَّ عيني في بني قريظة " فضرب النبي ﷺ " أي فأقام النبي ﷺ " له خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني
стр. 439
فَقَالُوا: يَا أهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يأتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ، فإذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرحُهُ دَمَاً فَمَاتَ فِيهَا.
٢١١ - " بَابُ إدْخالِ الْبَعِيرِ في الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ "
٢٥١ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:
شَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ أنِّي أشْتَكِي، قَالَ: " طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأنْتِ رَاكِبةٌ " فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى إلَى جَنْبِ البَيْتِ يَقْرأُ بالْطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
ــ
غفار" بكسر الغين " إلاّ الدم يسيل إليهم " أي ينزف بغزارة من الخيمة التي فيها سعد " فإذا سعد يغذو جرحه " أي يسيل فلما تفقدوا تلك الخيمة وجدوا أن سعداً قد انتفض عليه أكحله وعاوده النزيف. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: "فضرب النبي ﷺ له خيمة" إلخ.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز التمريض في المسجد للضرورة والحاجة لأن سعداً مرض في المسجد لعدم وجود أماكن أخرى من مستشفيات ونحوها.
ثانياًً: استدل به مالك (١) على أن إزالة النجاسة ليست فرضاً، ولو كانت فرضاً لما أجاز النبي ﷺ للجريح بالسكنى في المسجد.
٢١١ - " باب إدخال البعير في المسجد للعلة "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز إدخال البعير إلى المسجد لعذر شرعي.
٢٥١ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂:
стр. 440
" شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي " أي أخبرته أني مصابة بمرض يمنعنى من المشى في الطواف " قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " أي فرخص لي أن أطوف خلف الناس راكبة على بعيري " فطفت " أي فطفت راكبة على البعير كما أذن لي النبي ﷺ " ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ: بـ وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ " والحال أن رسول الله كان يصلي في ذلك الوقت إلى جوار الكعبة، ويقرأ هذه السورة المذكورة.
ويستفاد منه ما يأتي:
أولاً: جواز إدخال البعير إلى المسجد إذا احتاج صاحبه إلى ذلك لعذر شرعي من مرض أو عجز أو نحوه، قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها ولا ينجس بولها إلى المسجد إذا احتيج إلى ذلك وأما دخول سائر الدواب فلا يجوز، وهو قول مالك وأحمد في المشهور عنه، خلافاً لغيرهما، وسبب ذلك أنهم اختلفوا في روث ما يؤكل لحمه وبوله، فقال مالك وأحمد في المشهور عنه: هو طاهر، وقال أبو حنيفة: كله نجس إلاّ ذرق الحمام والعصافير، وقال الشافعي كله نجس دون استثناء، واستدل مالك وأحمد على طهارته بهذا الحديث، لأنه لو لم يكن طاهر البول والروث لما رخص لها بإدخال البعير إلى المسجد، لأنه قد يبول فيه، وقال الشافعي: إنما رخص لها بذلك لأنه أمن من تلويث المسجد، وفيه نظر. ثانياًً: جواز الطواف راكباً على بعير وغيره لمن عجز عن المشي، وقد استغنى الناس في عصرنا هذا عن الطواف على البعير بالطواف على أشياء أخرى كالشبرية مثلاً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي. والمطابقة: في قوله: " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ".
стр. 441
٢١٢ - " بَاب "
٢٥٢ - عَن أنَسٍ ﵁:
أن رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِ النَّبِي ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أيدِيهُمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مع كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتَى أهْلَهُ.
ــ
٢١٢ - " باب "
٢٥٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند رسول الله ﷺ " وهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ فإنهما خرجا من مسجده ﷺ " في ليلة مظلمة " من ليالي آخر الشهر حالكة الظلام لا أثر فيها لضوء القمر " ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما " أي فأمدهما الله بنور من عنده، فصار يسير معهما مثل المصباحين ينيران لهما الطريق " فلما افترقا صار مع كل واحد منهما مصباح حتى أَتى أهله " أي حتى وصل إلى منزله كَأنَّ الله قد عجّل لهما في الدنيا ما أخره لعباده الصالحين في الآخرة (١)، ووعدهم به في كتابه، وبشرهم به على لسان رسوله ﷺ فقال : (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) وقال ﷺ : " بَشِّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل التردد على صلاة الجماعة في ظلمات الليل بالمساجد، فإنّ السائرين فيها في ظلمات الليل إن لم يجدوا نوراً حسياً ينير لهم الطريق وجدوا نوراً في وجوههم وبصائرهم في الدنيا، ونوراً بين أيديهم يوم القيامة. ثانياً: فضل هذين الصحابيين الجليلين، وما أكرمهما
стр. 442
٢١٣ - " بَابُ الْخوْخةِ والْمَمَرِّ في الْمَسْجِدِ "
٢٥٣ - عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْداً بيْنَ الْدُنيا وبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ "، فَبَكَى أبو بَكْر، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيخَ إِنْ يَكُنْ اللهُ خَيَّر عَبْداً بَيْنَ الدُّنيا وبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أبو بَكْرٍ أعْلَمَنَا، فَقَالَ: " يَا أبَا بَكْر لا تَبْكِ إنَّ أمَنَّ النَّاس عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومَالِهِ أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً (١) مِنْ أمَّتِي لاتَخَذْتُ أبا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أخُوَّةُ الإسْلَامِ
ــ
الله به من هذا النور الذي يضيء لهما الطريق إلى منزلهما أثناء عودتهما في ظلمات الليل من المسجد. ثالثاً: إثبات الكرامة لأولياء الرحمن في سائر العصور والأزمان حتى قيام الساعة. الحديث: أخرجه البخاري.
٢١٣ - " باب الخوخة والممر في المسجد "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز اتخاذ الخوخة بفتح الخاء، وهي الباب الصغير في المسجد.
٢٥٣ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: " خطب النبي ﷺ " أي خطب ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، حيث خرج عاصباً رأسه، فصعد المنبر " فقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده " أي بين البقاء في هذه الدنيا والانتقال إلى الرفيق الأعلى " فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما هذا الشيخ إنْ يكن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله " أي فقلت أي
стр. 443
وَمَوَدَّته، لا يَبْقَيَنَّ في الْمَسْجِدِ بَاب إلَّا سُدَّ إلَّا بَابَ أبِي بَكْرٍ".
ــ
شيء في هذا يبعث على البكاء، لأنني لم أعرف الشخص المعنّي بذلك " وكان رسول الله ﷺ هو العبد " أي وإذا المقصود بهذا العبد الذي اختار ما عند الله هو رسول الله ﷺ وإذا بالرسول ﷺ يَنْعَى (٢) إليْنَا نَفْسَهُ ويخبرنا برحيله عنا " وكان أبو بكر أعلمنا " وأفهمنا لكلام رسول الله ﷺ هذا " فقال: يا أبا بكر لا تبكِ إن أَمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر " أي أكثرهم إحساناً إليَّ هو أبو بكر " ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر " أي ولو كان هناك أحدٌ من البشر يبلغ من نفسي منزلة الخليل لكان أبا بكر " ولكن أخوة الإسلام " ولكن له مني أخوة الإِسلام أما خُلَّتي فإنها لله وحده فهو الذي انفرد بكمال محبتي له دون سواه " لا يبقين في المسجد باب إلاّ سد، إلاّ باب أبي بكر " فإنه يبقى وحده دون سائر الأبواب الأخرى.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي. أولاً: الإِشادة بفضل الصديق ﵁ وإحسانه لرسول الله ﷺ . ثانياً: جواز اتخاذ الخوخة في المسجد كما ترجم له البخاري. ثالثاً: أنه لا خليل لنبينا ﷺ إلّا الله وحده، لأن الخلة كما قال ابن القيم: معناها توحيد الله بالمحبة، وهي رتبة لا تقبل المشاركة.
الحديث: أخرجه الشيخان.
والمطابقة: في قوله: " إلاّ باب أبي بكر ".
...
стр. 444
٢١٤ - " بَابُ الاسْتِلْقَاءِ في الْمَسْجِدِ ومدِّ الرِّجْلِ "
٢٥٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ بنِ عَاصِم ﵁:
أنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِيَاً في الْمَسْجِدِ وَاضِعَاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى.
ــ
٢١٤ - " باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل "
٢٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ في حديثه هذا " أنه رأى رسول الله ﷺ " أي رآه بعينه وشاهده ببصره " مستلقياً في المسجد " أي مضطجعاً على ظهره في المسجد " واضعاً، إحدى رجليه على الأخرى " أي واضعاً إحدى رجليه على الرجل الأخرى. قال العيني: قوله " مستلقياً حال وكذلك واضعاً وهما حالان مترادفان ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث. على جواز الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، لأنه ﷺ فعل ذلك، وفِعْلُهُ ﷺ حجة على جوازه وأما حديث جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق، فإنه منسوخ بحديث الباب، أو أنه لا يجوز ذلك إذا كان الإِزار ضيقاً، وخشي انكشاف عورته لو وضع إحدى رجليه على الأخرى، فعِلَّةُ النهي -كما قال الخطابي- أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإن الإزار ربما ضاق فإذا وضع لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هناك فرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنّه منسوخ ابن بطال (١). الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضاً. والمطابقة: ظاهرة.
стр. 445
٢١٥ - " بَابُ تشْبِيكِ الأصَابِعِ في الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ "
٢٥٥ - عن أبي مُوسَى ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إنَّ الْمُؤْمِنَ للمُؤْمِنِ كَالْبُنيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً " وَشَبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ.
ــ
٢١٥ - " باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره "
٢٥٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إنّ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " أي إن المؤمنين في تآزرهم، وتماسك كل فرد منهم بالآخر، وحاجتهم إلى هذا ﷺ التماسك كالبنيان المرصوص الذي لا يقوى على البقاء إلاّ إذا تماسكت أجزاؤه لبنة لبنة، فإذا تفككت سقط وانهار، كذلك المجتمع الإسلامي يستمد قوته من ترابط أجزائِهِ بعضهم ببعض " وشبّك بين أصابعه " زيادة في الإيضاح والبيان وتشبيهاً للمعقول بالمحسوس، وللمعنويات بالمحسوسات، قال ابن حجر: وهو بيان وجه الشبه، أي يشد بعضه بعضاً مثل هذا الشد، فالغرض من تشبيك أصابعه التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس كما قال ابن المنير. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن قوة الأمة الإسلامية تتوقف على وحدتها وتضامنها وتعاونها، فهي كالبناء، لا يقوى على البقاء إلاّ بتماسك الأجزاء فإذا تفكَّكَتْ انهار البناء، لأنه كما " في ظلال القرآن " ليس الإسلام دين أفراد منعزلين فلا انطوائية في الإِسلام ولكنه نشاط فردي واجتماعي في كل اتجاه، والآية الكريمة وهي قوله تعالى: (إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) وهذا الحديث النبوي الشريف ينصان
стр. 446
٢١٦ - "بَابُ الْمَسَاجِدِ التي عَلَى طُرُق الْمَدِينَةِ والْمَواضِعِ التي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ - "
٢٥٦ - عَنْ سَالِم بْنِ عَبدِ الله أنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى أمَاكِنَ مِنَ الطرَّيقَ فَيُصَلِّي فِيهَا وَيُحَدِّثُ أنَّ أبَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
كَانَ يُصَلِّي فَيهَا، وَأنَّهُ رَأى النَّبِيَّ يُصَلِّي في تِلْكَ الأمكِنَةِ.
ــ
على أن من طبيعة هذا الدين أن يُنْشِىءَ مجتمعاً متماسكاً متناسقاً، أما صورة الفرد المنعزل فإنّها بعيدة عن طبيعته ومقتضاه. ثانياً: جواز تشبيك الأصابع في المسجد كما ترجم له البخاري حيث قالوا: يجوز التشبيك في المسجد، ويكره إذا كان في الصلاة، أو قاصداً لها، إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي.
والمطابقة: في قوله: " وشبك بين أصابعه "
٢١٦ - " باب المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها "
٢٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا سالم بن عبد الله ﵀ تعالى أنه رأى أباه عبد الله بن عمر يصلي في أماكن مخصوصة من طرق المدينة ومكة، فلما سأله عن ذلك أخبره بأنه رأى النبي ﷺ يصلّى في تلك المواضع، وبهذا أصبحت تلك المواضع من المساجد المأثورة التي صلّى فيها رسول الله ﷺ ، ولذلك كان ابن عمر يحرص على الصلاة فيها.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: دلّ هذا الحديث إجمالاً على وجود بعض الأماكن التي صلّى فيها رسول الله ﷺ على طريق مكة - المدينة، وأن ابن عمر كان يحرص على الصلاة فيها، وقد جاء في رواية أخرى عن ابن عمر توضيح هذه الأماكن والمساجد المأثورة وقد ذكرها في " وفاء الوفا " (١) وبيّن مواقعها
стр. 447
وهي تسعة. الأول: (مسجد ذي الحليفة): المعروف بآبار علي على بعد ستة أميال من المدينة، ويقال له: مسجد الشجرة، ومسجد المحرم، وقد صلّى رسول الله ﷺ في حجة الوداع تحت شجرة كانت موجودة في مكان المسجد على عهده ﷺ ولذلك سمّي مسجد الشجرة، وعن أنس ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين. الثاني: (مسجد المعرس): وقد كان ﷺ ينزل فيه إذا عاد إلى المدينة آخر الليل، ولذلك سمي " المعرَّس " من التعريس، وهو النزول في آخر الليل. ولم يبق منه سوى بعض آثار، عَثر عليها المؤرخ الاستاذ إبراهيم العياشي أثناء بحثه في تلك الناحية عام ١٣٧٦ هـ حيث قال: "وجدت الأساسات بأحجار ضخمة في قسميه الداخلي والخارجي ويقع في جنوب مسجد المَحْرَم بنحو مائة وخمسين متراً. الثالث: (مسجد شرف الروحاء): أي أَعلاها، ويقع كما أفاده العيني (١) على أرض مرتفعة عالية في آخر قرية السبالة على بعد ليلتين من المدينة. الرابع: (مسجد عرق الظبية): وهو على بعد ميلين من الروحاء (٢) عند جبل صغير يقع في آخرها (٣) يدعى عرق الظبية. ولهذا المسجد أهمية تاريخية عظيمة، ففيه استشار النبي ﷺ أصحابه أثناء ذهابه إلى غزوة بدر وأتى عليه في غزوة الأبواء، وذكر أنّه مصلى الأنبياء، كما روى ابن زبالة عن عمرو بن عوف قال: أول غزوة غزاها النبي ﷺ وأنا معه غزوة الأبواء حتى إذا كان بالروحاء عند عِرق الظُبية قال: " هذا جبل من جبال الجنة، اللهم بارك لنا فيه وبارك لأهله فيه، لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبياً، ولقد مر بها يعني وادي الروحاء موسى ابن عمران في سبعين ألفاً من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء، ولا تقوم الساعة
стр. 448
حتى يمر بها عيسى بن مريم حاجاً أو معتمراً، أو يجمع الله له ذلك" رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني المدني، وهو ضعيف وقد كانت آثار هذا المسجد موجودة إلى بداية القرن العاشر الهجري كما أفاد السمهودي. الخامس: (مسجد الرويثة): ويقع في أول الرويثة على بعد ثلاثة عشر ميلاً من الروحاء كما قال الأسدي (١) والرويثة قرية كانت عامرة يشرف عليها جبل يسمى الروحاء، وفي شرقيها جبل آخر يدعى الحسناء.
السادس: (مسجد العرج): ويقع على بعد ثلاثة أميال من قرية العرج.
السابع: (مسجد عقبة هرشى): ويقع في المسيل الذي قيل جبل هرشى المتصل بطرفه عن يسار طريق مكة. الثامن: (مسجد مَرّ الظهران): وهو في المسيل الذي في أوّل مر الظهران من جهة المدينة قال المطري: ويقع بوادي مر الظهران، حين تهبط من " الصفراوات " -أي من الأودية الموجودة هناك- عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، قال الزين المراغي: ويقال: إنه المسجد المعروف اليوم في مر الظهران بمسجد الفتح، وكذلك قال الفاسي وهو بالغرب من الجموم. التاسع: (مسجد ذي طوى): بضم الطاء في رواية الأكثرين، وبالفتح كما صححه النووي، وفيه لغتان، الصرف وعدمه، قال ابن عمر كما في البخاري: وكان النبي ﷺ ينزل بذي طوى ويبيت حتى يصبح، ثم يصلي الصبح حين يقدم مكة: أي حين يقدم مكة معتمراً أو حاجاً، قال ابن ظهيرة. ومسجد ذي طوى في علو مكة (٢) بين الثنيتين اللتين يدخل منهما الحاج. ثانياً: حرص ابن عمر ﵄ على الصلاة في المساجد التي صلّى فيها رسول الله ﷺ على طريق مكة المدينة والمعروف عنه أنه كان حريصاً على تتبع آثار النبي عامة كما كان عمر رضي
стр. 449
الله عنه على العكس منه لا يرى تتبع هذه الآثار، وذلك لأنّه كما قال عمر: " أخشى أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع حتى يشكل على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجباً " (١) وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشارعٍ فقال: ما يعجبني ذلك إلاّ في مسجد قباء، لأنه ﷺ كان يأتيه راكباً وماشياً، ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في دلالة الحديث إجمالاً على وجود هذه المساجد المأثورة على طريق المدينة - مكة، والله أعلم.
...
стр. 450
" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "
" أبْوَابُ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي "
٢١٧ - " بَاب: سُتْرَةُ الإمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خلْفَهُ "
٢٥٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيْدِ أمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْه فَيُصَلِّي إلَيْهَا والنَّاسُ وَرَاءَهُ، وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ في السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتخَذَهَا الأمَرَاءُ.
ــ
٢١٧ - " باب سترة الإمام سترة من خلفه "
٢٥٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أنّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد " أي كان إذا خرج في العيدين لأداء صلاة العيد في المصلى وهو في موضع المناخة ومسجد الغمامة (١) " أمر بالحربة فتوضع بين يديه " أي أمر أن توضع الحربة أمامه أثناء الصلاة لتكون سترة له، والمصلى كما قال ابن ماجة: كان فضاء وليس فيه شيء يستره " والناس وراءه " وليست أمامهم سترة وإنما كانوا يستترون بسترته ﷺ " وكان يفعل ذلك في السفر " أي وكان يضع أمامه السترة في السفر كما يضعها في الحضر " فمن ثم اتخذهما الأمراء " ومعناه فمن تلك الجهة اتخذ الأمراء الحربة يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه كما أفاده في " عون المعبود ". الحديث: أخرجه
стр. 451
٢٥٨ - عَنْ أبي جُحَيْفَةَ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بالبَطْحَاء وَبَيْنَ يَدَيْه عَنَزَة الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، والْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْه الْمَرأَةُ وَالْحِمَارُ.
ــ
الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فيصلي إليها والناس وراءه ".
ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: مشروعية السترة بين يدي المصلي في السفر والحضر وسيأتي تفصيله في الحديث القادم. ثانياً: أن سترة الإِمام سترة للمأمومين خلفه لقوله " فيصلّي إليها " أي فيصلي إلى تلك الحربة جاعلاً لها سترة في الصلاة " والناس وراءه " أي لا سترة لهم، وإنما يستترون بسترته ﷺ فدل ذلك على أن سترة الامام. سترة لمن خلفه من المأمومين كما ترجم له البخاري، وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب المالكية إلى أن الإمام نفسه سترة للمأمومين، ولهذا قالوا: يحرم المرور بين الإِمام والصفِّ الأول لأنه مرور بين المصلي وسترته. ثالثاً: أن السترة تجزىء بكل شيء ينصب أمام المصلي إذا كان بقدر الحربة، وقدرت بالذراع طولاً، أو ما يقرب من ذلك.
قال ابن قدامة: وقدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وروى عن أحمد أنها قدر عظم الذراع، وهذا هو قول مالك والشافعي والظاهر أنّ هذا على سبيل التقريب لا التحديد " قال النووي ": وأما عرضها فلا ضابط فيه، وقالت المالكية: أقلها غِلَظُ رمح.
٢٥٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو جُحَيْفَة ﵁ " أنّ النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء "وهو موضع خارج مكة " سابقاً " يقال له الأبطح بينها وبين منى " وبين يديه عنزةْ " بفتح العين والنون والزاي أي عَصَاً أقصر من الرمح، لها سنان، وهي في طول الذراع تقريباً والجمع عَنَز مثل قصبة وقصب كما في المصباح " الظهر ركعتين والعصر ركعتين " أي صلى بهم الظهر
стр. 452
والعصر قصراً ركعتين ركعتين، وهو يستتر بالعنزة، وهم لا سترة لهم، وإنما كانوا متسترين بسترته ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية السترة بين يدي المصلي مطلقاً سواء كان مقيماً أو مسافراً، وهو مذهب الجمهور، حيث قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم: السترة سنة في السفر والحضر معاً ما لم يكن أمامه جدار.
قال ابن العربي المالكي (١) في العارضة: اختلف العلماء في وضع السترة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب، وإن لم يجد وضع خطاً، قاله أحمد وغيره.
الثاني: أنها مستحبة قالها الشافعي وأبو حنيفة ومالك في " العتبية "، وفي " المدونة " هذا إذا كان في موضع يؤمن المرور فيه، فإن كان في موضع لا يؤمن ذلك تأكد عند علمائنا وضع السترة. الثالث: جواز تركها، وروى ذلك عن مالك. وأما ما حكاه ابن العربي من وجوب السترة عن أحمد فإنه تأباه كتب فروعه، كما في أوجز المسالك. حيث قال في الشرح الكبير: يستحب أن يصلي إلى سترة ثم قال: ولا نعلم في استحباب ذلك خلافاً (٢). وظاهر مذهب المالكية أن السترة سنة مؤكدة في الحضر دون السفر. حيث قال مالك - كما في المدوّنة: من كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، أمّا في الحضر فلا يصلّي إلاّ إلى سترة، قال ابن القاسم إلاّ أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن يمر بين يدي أحد. قال في أوجز المسالك: فعلم بذلك أن السترة في السفر غير مؤكدة عند الإمام مالك. اهـ. وقد استدل المالكية على عدم تأكدها في السفر بحديث الفضل بن العباس ﵄ " أنّ النبي ﷺ صلّى في فضاء وليس بين يديه شيء " رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.
стр. 453
٢١٨ - " بَابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلَّى وَالسُّتْرَةِ "
٢٥٩ - عن سَهْلٍ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
ــ
ثانياً: أن سترة الإمام سترة للمأمومين من خلفه، لقوله: " صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة " فإن معنى ذلك أنه ﷺ صلى بهم متستراً بالعنزة، وصلّوا خلفه متسترين بسترته (١) فدل ذلك على أن سترة الإمام سترة للمأمومين وهو مذهب الجمهور كما قررناه في الحديث السابق. والحاصل: أنّ هذين الحديثين يدلان على أنّ سترة الإِمام لسترة للمأمومين من وجوه: الأول: أنّه لم ينقل وجود سترة لأحد من المأمومين، ولو كان ذلك لنقل لتوفر الدواعي على نقل الأحكام الشرعية، فدل ذلك على أنّ سترته ﷺ كانت سترة لمن خلفه.
الثاني: أن قوله: " فيصلى إليها والناس وراءه " يدل على دخول الناس في السترة (٢)، لأنهم تابعون للإمام في جميع ما يفعله. الثالث: إن قوله " وراءه " يدل على أنهم وراء السترة أيضاً، إذ لو كانت سترة لم يكونوا وراءه بل كانوا وراءها. والمطابقة: في قوله: " صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة " أي صلّى متستراً بالعنزة، وصلوا خلفه ليسوا متسترين بشيء، إلاّ بسترته اهـ.
٢١٨ - " باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة "
٢٥٩ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله
стр. 454
٢١٩ - " بَابُ الصَّلَاةِ إلى الْعَنَزَةِ "
٢٦٠ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أنا وغُلَام، وَمَعَنَا عُكَّازَة أو عَصَاً وعنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَة، فإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ.
ــ
عنهما: " كان بين مصلّى رسول الله ﷺ وبين الجدار " أي بينه وبين جدار القبلة " ممرَّ الشاة " بالنصْب على أنّه خبر كان، أي كان قدر المسافة التي بينه ﷺ وبين جدار القبلة ممر الشاة، بمعنى أنه ﷺ كان يدنو من الجدار حتى لا يكون بينه وبينه إلاّ فجوة صغيرة لا تتسع إلاّ لمرور الشاة فقط.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
ويستفاد منه: استحباب الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر ممر الشاة، ولم يحدد مالك لذلك حداً، وهو ظاهر مذهب الحنفية كما في " البداية وشرحها الهداية ". حيث قال: ويقرب من السترة لقوله ﷺ : " من صلّى إلى سترة فليدن منها " ولم يحدد حداً. أما الشافعي وأحمد وغيرهم فقد قالوا: يجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع لأنّه ﷺ صلَّى في الكعبة وبينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
٢١٩ - " باب الصلاة إلى العنزة "
ْ٢٦٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام، ومعنا عكازة أو عصاً أو عنزة، ومعنا إداوة " بكسر الهمزة أي إناء صغير يوضع فيه الماء، والعنزة عصى أقصر من الرمح، وقد تقدم الكلام على معنى الحديث في باب حمل العنزة مع الماء.
стр. 455
٢٢٠ - "بَابُ الصَّلَاةِ إلى الأسطُوَانةِ "
٢٦١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁:
أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الأسْطُوَانَةِ التي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أبَا مُسْلِم أرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإنِّي رَأيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.
ــ
الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " معنا عكازة أو عصا أو عنزة ".
ويستفاد منه: مشروعية السترة في الصلاة بأي سترة قدر ذراع من عنزة أو غيرها.
٢٢٠ - " باب الصلاة إلى الأسطوانة "
٢٦١ - معني الحديث: أن سلمة بن الأكوع ﵁ " كان يصلي إلى الأسطوانة التي عند المصحف " أي كان يتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة متجهاً إليها في صلاته، وكانت هذه الأسطوانة عند المكان الذي كان يوضع فيه المصحف الشريف، حيث كان للمصحف على عهد النبي ﷺ صندوق خاص هناك " فقيل له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت الرسول ﷺ يتحرّى الصلاة عندها " أي يتقصد الصلاة عند هذه الأسطوانة ويواظب عليها كما جاء في " صحيح مسلم " أن النبي ﷺ كان يصلي وراء الصندوق أي وراء صندوق المصحف الذي هو عند هذه الأسطوانة. قال الحافظ: حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، ورُوي عن عائشة أنها كانت تقول: لو عرفها الناس لاضطربوا عليها، وأنها أسرّت بها إلى
стр. 456
٢٢١ - " بَابُ الصَّلَاةِ إلَى الرَّاحِلَةِ والْبَعيرِ والشَّجَرِ وَالرَّحْلِ "
٢٦٢ - عن ابن عُمَرَ ﵄:
عَنِ النّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلتهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، قِيلَ لِنَافِع أفَرَأيْتَ إذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ، قَالَ: كَانَ يَأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إلى آخِرَتِهِ أوْ قَالَ مُؤَخَّرهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَفْعَلُهُ.
ــ
عبد الله بن الزبير، فكان يكثر الصلاة عندها، وروى ابن النجار (١) عن ابن الزبير بن حبيب أنها الأُسطوانة التي بعد أُسطوانة " التوبة " إلى الروضة، وهي الثالثة من المنبر (٢) ومن القبر، وسميت أسطوانة عائشة، ويقال: الدعاء عندها مستجاب اهـ. وهي نفس الأسطوانة المكتوب عليها حالياً أسطوانة عائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجه.
ويستفاد منه: استحباب الصلاة إلى الأسطوانة، واتخاذها سترة إذا كانت هناك سوارى، قال العيني: وينبغي أن تكون الأُسطوانة أمامه. والمطابقة: في قوله: " رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها ".
٢٢١ - " باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل "
٢٦٢ - معنى الحديث: يروى ابن عمر ﵄ " عن النبي ﷺ أنه كان يعرض " بضم الياء وكسر الراء المشددة " راحلته فيصلي إليها " يعني أنه ﷺ كان يجعل بعيره أمامه عرضاً ويتخذه سترة له يصلّي إليها " قيل لنافع: أفرأيت إذا هبت الركاب " أي قال عبيد الله بن عمر لنافع: أخبرني إذا هاجت الإبل وثارت الجمال، وذهبت هنا وهناك ولم يتمكن من الصلاة
стр. 457
٢٢٢ - " بَابٌ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْه "
٢٦٣ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:
أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في يَوْمِ جُمُعَةٍ إلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ، فَأرادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بيْنَ يَدَيه، فَدَفَعَ أبو سَعِيدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ
ــ
إلى بعيره ماذا يصنع؟ " قال: كان يأخذ الرحل " وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليكون فراشاً لراكبه، أي إذا هبَّ بعيره ولم يتمكن من الصلاة إليه اتخذ الرحل سترة له بدلاً عن الراحلة، وصلّى إلى مؤخرته. الحديث:
أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان يعرض راحلته (١) " الخ.
ويستفاد منه: جواز السترة بما يثبت من الحيوان وهو مذهب الحنفية والحنابلة في الحيوان غير الآدمي، وكره المالكية الاستتار في الصلاة بغير مأكول اللحم. ويؤخذ من الحديث أيضاً جواز الصلاة إلى الرحل كما ترجم له البخاري، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم.
٢٢٢ - " باب يرد المصلي من مر بين يديه "
٢٦٣ - معنى الحديث: إن أبا سعيد الخدري " كان يصلي في يوم جمعة إلى شيء يستره من الناس " أي كان يصلي إلى شيء يحول بينه وبين المارّة ويصلح أن يكون سترة له في الصلاة " فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه " أي فحاول هذا الشاب أن يمر أمامه بينه وبين سترته في الصلاة، وهذا الشاب هو داود بن مروان بن الحكم أمير المدينة في ذلك الوقت، هكذا قالوا، واستشكل بأنّ داود ليس من بني أبي مُعَيْطٍ، وإنما
стр. 458
الشَّابُّ فلَمْ يجِدْ مَسَاغَاً إلَّا بَيْنَ يَدَيْه، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أبو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأوْلى فَنَالَ مِنْ أبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى مَرْوَانَ فشكَا إِلَيْهِ مَا لَقِي مِنْ أبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أبو سَعِيدٍ ﵁ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: مَالكَ ولابنِ أخِيْكَ يَا أبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا صَلَّى أحدُكم إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس فأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّمَا هُوَ شَيْطَان ".
ــ
هم أبناء عمه، قال الحافظ: ويحتمل أنه نسب إليهم من جهة الرضاعة، أو أنه نسب إلى أقربائه وأبناء عمومته من باب التوسع في الكلام وقد جرت عادة العرب على نسبة المرء إلى أقاربه أو أصحابه توسعاً، ومنه قول ضمام ابن ثعلبة لرسول الله ﷺ " وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر " أي صاحبهم " فدفع أبو سعيد في صدره " أي فدفعه أبو سعيد، بيده في صدره ليرده، عن المرور بين يديه " فلم يجد مساغاً " أي فلم يجد له طريقاً آخر يمر منه " فعاد ليجتاز فدفعه " مرة أخرى " فنال من أبي سعيد " أي فغضب ذلك الشاب من أبي سعيد وسبه وشتمه انتقاماً منه " ثم دخل على مروان فشكا إليه " أي فشكا داود إلى أبيه مروان ما فعله معه أبو سعيد، وكيف أنه دفعه في صدره، وأوجعه بتلك الدفعة الأليمة " ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: مالك ولابن أخيك " أي ما الذي جرى بينك وبين ابن أخيك مروان، ولماذا عاملته بهذه المعاملة الشديدة القاسية فوكزته في صدره، وهو من دمك وجنسك. وكان من حقك أن تتلطف معه بدلاً من أن تعامله بهذا، الشدة والعنف، واستعمال الأخ هنا من باب المجاز، والعرب تتوسع أحياناً في هذه الكلمة، فيطلقون الأخ على مجرد القريب أو الصاحب والصديق لِإثارة عاطفة الحب في نفس المخاطب، ألا ترى إلى قول خديجة
стр. 459
رضي الله عنها لورقة بن نوفل: " اسمع من ابن أخيك " مع أنه ليس بعمه، وإنما نسبته إليه إمّا لإثارة العطف والحب عليه قي نفس ورقة، أو لتوقير ورقة واحترامه لكبر سنه. وما كان من ورقة إلاّ أن قال للنبي ﷺ : " يا ابن أخي ماذا ترى؟ " تعبيراً عما يكنه له من عطف ومحبة، حتى أنه ينزله من نفسه منزلة ابن أخيه، وهذا ما أراد مروان من قوله " مالك ولابن أخيك "؟ أي ماذا فعلت مع ابن صديقك الذي هو بمنزلة أخيك " قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره " من جدار أو أسطوانة أو نحوها " فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه " أي فإنه مأمور شرعاً بدفعه ومنعه " فإن أبي فليقاتله " أي أنه يمنعه أولاً بالإشارة، ثم يرده رداً لطيفاً فإن لم يمتنع فإنه يدفعه دفعاً شديداً. إذ ليس معناه المقاتلة الحقيقية " فإنّما هو شيطان " من شياطين الإنس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فليدفعه ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية أن يرد المصلي من يمر بين يديه وأنه مأمور بذلك بمقتضى قوله ﷺ " فليدفعه " حيث أمره النبي ﷺ بدفعه، والأمر هنا للندب عند الجمهور، حيث قالوا: يستحب له دفعه، وحمل أهل الظاهر الأمر على أصله وهو الوجوب، فقالوا: يجب على المصلى مدافعة المار، قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح. اهـ. وذلك لما تقتضيه الصلاة من الخشوع والإقبال على الله. اهـ. كما أفاده في سبل السلام (١). ثانياً: مشروعية اتخاذ السترة وهي سنة عند أحمد ومستحبة عند الجمهور لقوله ﷺ في حديث الباب: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره " ولقوله ﷺ في حديث ابن عمر " لا تصل إلاّ إلى سترة، ولا تدع أحداً يمر بين يديه " صححه الحاكم. ثالثاً: تحريم المرور بين يدى المصلي إذا كان
стр. 460
٢٢٣ - "بَابُ إثْم الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي "
٢٦٤ - عَنْ أبِي جُهَيْم ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيه " قَالَ الرَّاوِى: لا أدْرِي أقَالَ أرْبَعَيْنَ يَوْمَاً أوْ شَهراً أوْ سَنَةً.
ــ
له سترة، وهو مذهب مالك حيث قال: يحرم المرور بين يديه إذا كان له سترة، وللمار مندوحة، وقال أحمد يحرم مطلقاً ولو لم يكن له سترة، ويؤيده الحديث الآتي:
٢٢٣ - " باب إثم المار بين يدي المصلي "
٢٦٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه " أي لو يعلم من يجرؤ على المرور عمداً أمام المصلي ما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة " لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه " أي لفضّل أن يقف هذه المدة الطويلة التي أبهمها النبي ﷺ على المرور بين يديه، لأنّ العاقل يختار أخف الضررين " قال الراوى: لا أدرى أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة " (١) وإنما أبهم النبي ﷺ هذه العقوبة في قوله: "ماذا عليه " للدلالة على أن عقوبة المرور أمام المصلّي عقوبة عظيمة لا يمكن أن يتصورها العقل البشري ولا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه، فهو كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) و (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ).
ويستفاد منه: أولاً: تحريم المرور أمام المصلي "إذا كان إماماً أو منفرداً ما بين قدميه وموضع سجوده، ولو لم يكن للمصلي سترة، وهو مذهب