← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٢٢١ - " بَابُ الصَّلَاةِ إلَى الرَّاحِلَةِ والْبَعيرِ والشَّجَرِ وَالرَّحْلِ " ٢٦٢ - عن ابن عُمَرَ ﵄: عَنِ النّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلتهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، قِيلَ لِنَافِع أفَرَأيْتَ إذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ، قَالَ: كَانَ يَأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إلى آخِرَتِهِ أوْ قَالَ مُؤَخَّرهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَفْعَلُهُ. ــ عبد الله بن الزبير، فكان يكثر الصلاة عندها، وروى ابن النجار (١) عن ابن الزبير بن حبيب أنها الأُسطوانة التي بعد أُسطوانة " التوبة " إلى الروضة، وهي الثالثة من المنبر (٢) ومن القبر، وسميت أسطوانة عائشة، ويقال: الدعاء عندها مستجاب اهـ. وهي نفس الأسطوانة المكتوب عليها حالياً أسطوانة عائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجه. ويستفاد منه: استحباب الصلاة إلى الأسطوانة، واتخاذها سترة إذا كانت هناك سوارى، قال العيني: وينبغي أن تكون الأُسطوانة أمامه. والمطابقة: في قوله: " رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها ". ٢٢١ - " باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل " ٢٦٢ - معنى الحديث: يروى ابن عمر ﵄ " عن النبي ﷺ أنه كان يعرض " بضم الياء وكسر الراء المشددة " راحلته فيصلي إليها " يعني أنه ﷺ كان يجعل بعيره أمامه عرضاً ويتخذه سترة له يصلّي إليها " قيل لنافع: أفرأيت إذا هبت الركاب " أي قال عبيد الله بن عمر لنافع: أخبرني إذا هاجت الإبل وثارت الجمال، وذهبت هنا وهناك ولم يتمكن من الصلاة

стр. 457

٢٢٢ - " بَابٌ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْه " ٢٦٣ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في يَوْمِ جُمُعَةٍ إلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ، فَأرادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بيْنَ يَدَيه، فَدَفَعَ أبو سَعِيدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ ــ إلى بعيره ماذا يصنع؟ " قال: كان يأخذ الرحل " وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليكون فراشاً لراكبه، أي إذا هبَّ بعيره ولم يتمكن من الصلاة إليه اتخذ الرحل سترة له بدلاً عن الراحلة، وصلّى إلى مؤخرته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان يعرض راحلته (١) " الخ. ويستفاد منه: جواز السترة بما يثبت من الحيوان وهو مذهب الحنفية والحنابلة في الحيوان غير الآدمي، وكره المالكية الاستتار في الصلاة بغير مأكول اللحم. ويؤخذ من الحديث أيضاً جواز الصلاة إلى الرحل كما ترجم له البخاري، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم. ٢٢٢ - " باب يرد المصلي من مر بين يديه " ٢٦٣ - معنى الحديث: إن أبا سعيد الخدري " كان يصلي في يوم جمعة إلى شيء يستره من الناس " أي كان يصلي إلى شيء يحول بينه وبين المارّة ويصلح أن يكون سترة له في الصلاة " فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه " أي فحاول هذا الشاب أن يمر أمامه بينه وبين سترته في الصلاة، وهذا الشاب هو داود بن مروان بن الحكم أمير المدينة في ذلك الوقت، هكذا قالوا، واستشكل بأنّ داود ليس من بني أبي مُعَيْطٍ، وإنما

стр. 458

الشَّابُّ فلَمْ يجِدْ مَسَاغَاً إلَّا بَيْنَ يَدَيْه، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أبو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأوْلى فَنَالَ مِنْ أبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى مَرْوَانَ فشكَا إِلَيْهِ مَا لَقِي مِنْ أبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أبو سَعِيدٍ ﵁ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: مَالكَ ولابنِ أخِيْكَ يَا أبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا صَلَّى أحدُكم إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس فأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّمَا هُوَ شَيْطَان ". ــ هم أبناء عمه، قال الحافظ: ويحتمل أنه نسب إليهم من جهة الرضاعة، أو أنه نسب إلى أقربائه وأبناء عمومته من باب التوسع في الكلام وقد جرت عادة العرب على نسبة المرء إلى أقاربه أو أصحابه توسعاً، ومنه قول ضمام ابن ثعلبة لرسول الله ﷺ " وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر " أي صاحبهم " فدفع أبو سعيد في صدره " أي فدفعه أبو سعيد، بيده في صدره ليرده، عن المرور بين يديه " فلم يجد مساغاً " أي فلم يجد له طريقاً آخر يمر منه " فعاد ليجتاز فدفعه " مرة أخرى " فنال من أبي سعيد " أي فغضب ذلك الشاب من أبي سعيد وسبه وشتمه انتقاماً منه " ثم دخل على مروان فشكا إليه " أي فشكا داود إلى أبيه مروان ما فعله معه أبو سعيد، وكيف أنه دفعه في صدره، وأوجعه بتلك الدفعة الأليمة " ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: مالك ولابن أخيك " أي ما الذي جرى بينك وبين ابن أخيك مروان، ولماذا عاملته بهذه المعاملة الشديدة القاسية فوكزته في صدره، وهو من دمك وجنسك. وكان من حقك أن تتلطف معه بدلاً من أن تعامله بهذا، الشدة والعنف، واستعمال الأخ هنا من باب المجاز، والعرب تتوسع أحياناً في هذه الكلمة، فيطلقون الأخ على مجرد القريب أو الصاحب والصديق لِإثارة عاطفة الحب في نفس المخاطب، ألا ترى إلى قول خديجة

стр. 459

رضي الله عنها لورقة بن نوفل: " اسمع من ابن أخيك " مع أنه ليس بعمه، وإنما نسبته إليه إمّا لإثارة العطف والحب عليه قي نفس ورقة، أو لتوقير ورقة واحترامه لكبر سنه. وما كان من ورقة إلاّ أن قال للنبي ﷺ : " يا ابن أخي ماذا ترى؟ " تعبيراً عما يكنه له من عطف ومحبة، حتى أنه ينزله من نفسه منزلة ابن أخيه، وهذا ما أراد مروان من قوله " مالك ولابن أخيك "؟ أي ماذا فعلت مع ابن صديقك الذي هو بمنزلة أخيك " قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره " من جدار أو أسطوانة أو نحوها " فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه " أي فإنه مأمور شرعاً بدفعه ومنعه " فإن أبي فليقاتله " أي أنه يمنعه أولاً بالإشارة، ثم يرده رداً لطيفاً فإن لم يمتنع فإنه يدفعه دفعاً شديداً. إذ ليس معناه المقاتلة الحقيقية " فإنّما هو شيطان " من شياطين الإنس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فليدفعه ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية أن يرد المصلي من يمر بين يديه وأنه مأمور بذلك بمقتضى قوله ﷺ " فليدفعه " حيث أمره النبي ﷺ بدفعه، والأمر هنا للندب عند الجمهور، حيث قالوا: يستحب له دفعه، وحمل أهل الظاهر الأمر على أصله وهو الوجوب، فقالوا: يجب على المصلى مدافعة المار، قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح. اهـ. وذلك لما تقتضيه الصلاة من الخشوع والإقبال على الله. اهـ. كما أفاده في سبل السلام (١). ثانياً: مشروعية اتخاذ السترة وهي سنة عند أحمد ومستحبة عند الجمهور لقوله ﷺ في حديث الباب: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره " ولقوله ﷺ في حديث ابن عمر " لا تصل إلاّ إلى سترة، ولا تدع أحداً يمر بين يديه " صححه الحاكم. ثالثاً: تحريم المرور بين يدى المصلي إذا كان

стр. 460

٢٢٣ - "بَابُ إثْم الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي " ٢٦٤ - عَنْ أبِي جُهَيْم ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيه " قَالَ الرَّاوِى: لا أدْرِي أقَالَ أرْبَعَيْنَ يَوْمَاً أوْ شَهراً أوْ سَنَةً. ــ له سترة، وهو مذهب مالك حيث قال: يحرم المرور بين يديه إذا كان له سترة، وللمار مندوحة، وقال أحمد يحرم مطلقاً ولو لم يكن له سترة، ويؤيده الحديث الآتي: ٢٢٣ - " باب إثم المار بين يدي المصلي " ٢٦٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه " أي لو يعلم من يجرؤ على المرور عمداً أمام المصلي ما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة " لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه " أي لفضّل أن يقف هذه المدة الطويلة التي أبهمها النبي ﷺ على المرور بين يديه، لأنّ العاقل يختار أخف الضررين " قال الراوى: لا أدرى أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة " (١) وإنما أبهم النبي ﷺ هذه العقوبة في قوله: "ماذا عليه " للدلالة على أن عقوبة المرور أمام المصلّي عقوبة عظيمة لا يمكن أن يتصورها العقل البشري ولا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه، فهو كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) و (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ). ويستفاد منه: أولاً: تحريم المرور أمام المصلي "إذا كان إماماً أو منفرداً ما بين قدميه وموضع سجوده، ولو لم يكن للمصلي سترة، وهو مذهب

стр. 461

٢٢٤ - " بَابُ الصَّلَاةِ خلْفَ النَّائِمِ " ٢٦٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وأرنا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فإِذَا أَرَادَ أنْ يُوتِرَ أيقَظَنِي فَأوتَرْتُ. ــ أحمد، وقال مالك: إنّما يأثم المار إذا كان له مندوحة، أو كان للمصلّي سترة. أما إذا لم يكن له مندوحة، ولا للمصلّي سترة فلا يأثم. ثانياًً: أن المرور بين يدي المصلي كبيرة كما أفاده الحافظ لهذا الوعيد الذي يترتب عليه. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " لو يعلم المار بين يدي المصلّي ماذا عليه من الاثم ". ٢٢٤ - " باب الصلاة خلف النائم " ٢٦٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه " أي كان في أغلب أحيانه يصلي صلاة الليل وأنا أمامه على الفراش متوسطة بينه وبين القبلة، ولا يرى في ذلك بأساً " فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت " أي فإذا انتهى من تهجده نَبَّهني من النوم فصليت معه صلاة الوتر، قال العيني: ومثل هذا التركيب يفيد التكرار، أي أنه ﷺ كان يكرر الصلاة خلفها وهي نائمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الصلاة خلف الإنسان النائم وصحتها، ذكراً كان أو أنثى كما ترجم له البخاري مستدلاً بحديث الباب، وهو مذهب الجمهور وكره مالك ومجاهد وطاووس الصلاة إليه خشية أن يحدث منه ما يشغل عن الصلاة ويشوش على المصلي، وتنزيهاً للصلاة عما يخرج منه، وهو

стр. 462

٢٢٥ - " بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْء " ٢٦٦ - عَن عَائِشَةَ ﵂: أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ والْمَرْأةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بالْحُمُرِ والْكِلَابِ، واللهِ لَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وإنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبْدُو لِيَ الْحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أجْلِسَ فأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ فأنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. ــ في قبلة المصلّي، واستدلوا بما رواة ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا تصلوا خلف النائم والمتحدث " أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث حسن وتحرير مذهب المالكية أنه لا يجوز الاستتار بالنائم لما يحدث منه من الطوارىء ويجوز بالمستيقظ الساكت. ثانياً: أفضلية صلاة الوتر في أخر الليل، وسيأتي تفصيله في موضعه. والمطابقة: في قولها: " يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه ". ٢٢٥ - " باب من قال لا يقطع الصلاة شيء " ٢٦٦ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة " أي دار الحديث في مجلسها عن الأشياء التى يقول بعض الناس إنها إذا مرّت أمام المصلي تقطع صلاته وتبطلها، وهي الكلب والحمار والمرأة، فأنكرت ذلك أشد الإنكار (فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب " وفي رواية بئس ما عدلتمونا بالكلب والحمار، وفي رواية أخرى للبخاري " لقد جعلتمونا كلاباً " أي جعلتمونا كالكلاب في قطع الصلاة ثم قالت: " والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلّي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة " أي رأيته يصلي صلاة التهجد في الليل وأنا مضطجعة أمامه

стр. 463

على السرير متوسطة بينه وبين القبلة " فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي النبي ﷺ " أي فتطرأ لي الحاجة إلى مغادرة السرير فأكره أن أجلس أمامه لئلا أؤذيه " فأنسل من عند رجليه " أي فأمضي بتأن وتدرج من عند رجليه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن مرور المرأة بين يدى المصلي لا يقطع الصلاة وكذلك مرور الكلب والحمار وبقية الأشياء الأخرى كما ترجم له البخاري، ولهذا قال الجمهور: لا يقطع الصلاة شيء، واستدلوا بحديث الباب، هذا لأنّه كما قال القسطلاني (١) " إذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها، فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أولى، واحتجوا أيضاً بحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال " لا يقطع الصلاة شيء إلاّ الحدث " أخرجه الطبراني (٢) وذهب بعض أهل العلم إلى أن مرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي يقطع الصلاة، ويبطلها عليه، لحديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود " أخرجه مسلم (٣) وذهب الشافعي إلى تأويل القطع بأن المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصلاة، ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالكلب الأسود، فأجيب بأنه شيطان، ومعلوم أن الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته، فالمشبَّه لا تفسد الصلاة به من باب أولى وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود لنص الحديث وعدم المعارض وفي قطعها من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته إلى أزواجه. ثانياً: قال العيني: فيه جواز صلاة الرجل إلى المرأة وكرهه البعض لغير النبي ﷺ لخوف الفتنة بها، واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي ﷺ منزه عن ذلك مع أنه كان

стр. 464

٢٢٦ - " بَاب إذَا حَمَلَ جارِيَةً صَغيرةً علَى عُنُقِهِ في الصَّلَاةِ " ٢٦٧ - عنْ أبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي وهُوَ حَامِل أمَامَةَ بنتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ولأبِي الْعَاص بْنِ الرَّبيع بْنِ عَبْدِ شَمْس، فإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وِإذَا قَامَ حَمَلَهَا. ــ في الليل، والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة الليل، وجواز الصلاة على الفراش. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قولها: " يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة ". ٢٢٦ - " باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة " ٢٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁: " أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل حفيدته أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص ابن الربيع " أي ابنتها من زوجها أبي العاص بن الربيع ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعناه: أنه ﷺ كان إذا قام حملها على عاتقه " فإذا سجد وضعها " أي إذا ركع وضعها على الأرض كما جاء في رواية مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان عن عامر شيخ مالك أنه كان إذا ركع وضعها، فالمراد بالسجود في حديث الباب الركوع، وإطلاق السجود على الركوع كثير في الأحاديث الصحيحة، سيما وأن وضعها حال الركوع أمر حتميٌّ لا بد منه. الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. ويستفاد منه: أولاً: جواز حمل الجارية الصغيرة في الصلاة، وكذلك

стр. 465

حمل الصبي، سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً إماماً أو مأموماً أو منفرداً وهو قول الشافعي: وأجازه أحمد، قال: الأثرم سئل أحمد أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واستدل بحديث أبي قتادة وذهبت المالكية إلى أن مثل هذا الفعل لا يجوز لغيره ﷺ ، وذكر عياض عن بعضهم أنه خصوصية له ﷺ وقال ابن عبد البر: لعل الحديث منسوخ بتحريم العمل في الصلاة. وقال الباجي إن وجد من يكفيه أمر الصبي جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما. ثانياً: أن العمل الكثير لا يبطل الصلاة، وهو مذهب الشافعية، وذهبت المالكية والحنفية إلى أنه يبطلهَا، وقالت الحنابلة: إذا كَثُر العمل وتوالى بطلت وإلا فلا (١). مطابقته للترجمة: في قوله: " كان ﷺ يصلي وهو حامل أمامة ". تكملة: قال القسطلاني رداً على قول المالكية بأن جواز حمل الصبي في الصلاة من خصوصياته ﷺ : ودعوى خصوصيته ﵊ بذلك لعصمته من بول. الصبي بخلاف غيره مردودة، بأن الأصل عدم الخصوصية، وكذا دعوى الضرورة بحيث لا يجد من يكفيه أمرها، لأنه ﷺ لو تركها لبكت وشغلته في صلاته أكثر من شغله بحملها. قال النووى: وكلها دعاوى باطلة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، والله أعلم. ...

стр. 466

بسم الله الرحن الرحيم " كتاب مواقيت الصلاة " المواقيت لغة: جمع ميقات وهو الزمان أو المكان المحدد للفعل. ومواقيت الصلاة: هي عبارة عن أوقات الصلوات الخمس المحددة لها أولاً وآخراً بداية ونهاية، وهي وقت الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. ومن المقرر شرعاً أن دخول الوقت شرط لوجوب الصلاة وصحتها معاً، فلا تجب على المكلف ولا تصح منه إلاّ إذا دخل وقتها، هذا هو قول الجمهور لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ولأنّ جبريل نزل صبيحة يوم الإِسراء فَبَبَّنَ لنبينا ﷺ أوقات هذه الصلوات الخمس بداية ونهاية، ثم قال له: " الصلاة ما بين هذين " وهذا يدل على أنها لا تجب ولا تصح إلّا في أوقاتها، وذهب الأحناف إلى أن دخول الوقت شرط أداء، وهو خلاف لفظي. واختلفوا أيهما أفضل: أول الوقت أو آخره، فقال الجمهور: أول الوقت أفضل إلاّ الظهر في شدة الحر، وقال أبو حنيفة: آخره أفضل إلّا المغرب، واستحب المالكية تأخير العشاء. الأداء والقضاء: لما كان للصلوات الخمس أوقات محددة ومعينة لها أول وآخر، وبداية ونهاية، فإن المسلم إمّا أن يأتي بالصلاة في وقتها فيسمى فعله هذا " أداءً " أو يأتي بها بعد خروج وقتها بأن لا يصلي العصر مثلاً إلاّ بعد غروب الشمس، فيسمى فعله هذا " قضاءً " ومن هذا يتضح لنا أن الأداء هو فعل الصلاة في وقتها، والقضاء فعل الصلاة خارج وقتها، وأجمعوا على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلّا لعذر شرعي من نوم أو إغماء أو نسيان أو نحوه، فإن أخّرها لعذر فإنه

стр. 467

٢٢٧ - " بَابُ مَوَاقِيتِ الصلَاةِ " ٢٦٨ - عن أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ أنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُغِيرَةَ بْن شُعْبَةَ وقَدْ أخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَاً بالْعِرَاقِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرةُ! ألَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جبْريْلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثمّ صَلَّى فصَلّى رَسُولُ اللهَ ﷺ ، ثُمَّ صَلّى فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهَ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أمِرْتَ. ــ يجب عليه قضاؤها، ويصح منه ولا إثم عليه، وإن أخرها عن وقتها لغير عذر، وجب عليه القضاء وصح منه (١) مع الإثم والمعصية. ٢٢٧ - " باب مواقيت الصلاة " ٢٦٨ - معنى الحديث: أن المغيرة بن شعبة عندما كان والياً على الكوفة من قبل معاوية أخّر يوماً صلاة العصر عن وقتها المختار لانشغاله بمصالح المسلمين، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فلامه وعاتبه على ذلك " فقال: ما هذا يا مغيرة " خاطبه بهذا الاستفهام الإنكاري لتشديد اللوم عليه، أي كيف تفعل هذا الأمر الذي لا يليق بعامة الناس فضلاً عن أصحاب رسول الله ﷺ وكيف تؤخر الصلاة عن وقتها " أليس قد علمت " هكذا الرواية وهو استعمال صحيح إلاّ أن المشهور أن يقال: ألست قد علمت بأسلوب الخطاب، والاستفهام هنا استفهام تقريري لإقامة الحجة على المخاطب يعلمه، أي كيف تؤخر العصر عن وقتها المختار، وقد علمت " أن جبريل نزل " صبيحة يوم الإِسراء عند الزوال " فصلى " أي فلما زالت الشمس صلّى الظهر

стр. 468

" فصلى رسول الله ﷺ " معه مؤتماً به، " ثم صلّى " أي ثم نزل مرّة ثانية عندما صار ظل الشيء مثله، فصلّى العصر، " فصلى رسول الله ﷺ " معه، " ثم صلى " أي ثم نزل مرة ثالثة عند غروب الشمس فصلّى المغرب، " فصلى رسول الله ﷺ " معه، " ثم صلى " أي ثم نزل مرة رابعة عندما غاب الشفق فصلّى العشاء، " فصلى رسول الله ﷺ " معه، " ثم صلى " أي ثم نزل مرة خامسة عند طلوع الفجر، فصلى صلاة الصبح، " فصلى رسول الله ﷺ " معه " ثم قال بهذا أمرت " بفتح التاء، أي أمرك الله بأداء الصلوات الخمس في هذه الأوقات، أو بالضم ومعناه أمرني الله بتعليمك أوقات الصلاة، قال العيني: وأقوى الروايتين فتح التاء، والواقع أن حديث الباب قد جاء مجملاً، ولم يحدد هذه الأوقات، لكن جاء في رواية ابن عباس البيان الشافي للأوقات بداية ونهاية، حيث قال: قال رسول الله ﷺ : " أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرُم الطعام والشراب، فلما كان من الغد صلى الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليَّ وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين " أخرجه أبو داود. ويستفاد من الحديث: أولاً: أن للصلوات أوقاتاً محدودة أجملها الحديث وبينها حديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً. ثانياًً: أن دخول الوقت شرط في وجوب الصلاة وصحتها، فلا تجب الظهر مثلاً ولا تصح إلاّ بعد الزوال ومن فعلها قبله وجبت عليه الإعادة. ثالثاً: جواز صلاة المفترض خلف

стр. 469

٢٢٨ - " بَابُ الصَّلَاة كَفَّارَةٌ " ٢٦٩ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسَاً عند عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ ــ المتنفل، لأن النبي ﷺ صلى وهو مفترض خلف جبريل وهو متنفل، وإليه ذهب الأوزاعى والشافعي وأحمد في رواية اختارها (١) ابن تيمية، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد في الرواية المشهورة عنه إلى أنها لا تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل لقوله ﷺ : " إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ". الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة كما أخرجه البخاري هنا. ٢٢٨ - " باب الصلاة كفارة " ٢٦٩ - مضى الحديث: يروي حذيفة ﵁ في هذا الحديث أنهم بينما كانوا جالسين في مجلس الفاروق ﵁ في عهد خلافته إذا به يسأل أصحاب رسول الله ﷺ الحاضرين في مجلسه آنذاك قائلاً " أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة " يعنى أي واحد فيكم يحفظ حديثاً لرسول الله ﷺ في الفتنة فليحدثنا به، والفتنة في الأصل مشتقة من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لاختباره حتى تظهر جودته ورداءته، وليتبين هل هو ذهب خالص أو مغشوش، ثم استعملت فيما يصيب الفرد أو المجتمع من بلاء دنيوي أو ديني، أمّا الدنيوي فهو ما يصيب الناس فرداً أو جماعة، في النفس والمال والولد من مرض وفقر وموت وغيره، وأما الديني فهو ما يصيب الفرد أو الجماعة من الأسباب المؤدية إلى مخالفة أمر الله بأي نوع من

стр. 470

اللهِ ﷺ في الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أنَا كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إنَّكَ عَلَيْهِ أو عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ والصَّدَقَةُ والأمْرُ والنَّهْيُ، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أرِيدُ، ولكِنِ الْفِتْنَةَ التي تُمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأس يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مغلَقَاً، قَالَ: أيكْسَرُ أَم يُفْتَحُ، قَالَ: يُكْسَرُ، قال: ــ أنواع المخالفات الشرعية، ولما كانت الفتنة الدينية نوعان: فتنة خاصة تصيب الفرد في حد ذاته، وفتنة عامة تصيب الأمّة الإِسلامية بأسرها، فإنّ حذيفة ظن أنّ الفاروق يسأل عن الفتنة الخاصة فقال: " أنا كما قاله " أي أنا أحفظ كلامه ﷺ في الفتنة حرفياً مثل ما قاله تماماً " قال: إنك عليه أو عليها لجريء " أي إنك بالفعل قادر على الإِجابة عن هذا السؤال، أو عن الفتنة التي سألتك عنها قال حذيفة ﵁: " قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده " يعني فظن حذيفة ﵁ أن عمر يسأله عن الفتنة الخاصة، فأجابه بأن فتنة الإِنسان في خاصة نفسه على ثلاثة أنواع: الأول: " فتنة الرجل في أهله " وهي أن يغلب حبه لأهله على عقله ودينه، ويحمله هذا الحب الجامح على ارتكاب الذنوب والخطايا، ومقارفة ما لا يحل من الأقوال والأعمال التي لا تبلغ درجة الكبائر كما أفاده ابن بطال. الثاني: فتنة الرجل بماله وهو أن يتغلب حبه لماله على عقله ودينه فيأتي ببعض الذنوب التي لا تبلغ في درجة الكبائر واقعاً تحت تأثير غريزة الملكية. الثالث: فتنة الرجل بولده بأن يتغلب حبه لولده على عقله ودينه، فيأتي ببعض السيئات من صغائر الذنوب تحت تأثير غريزة الأبوة. ثم قال ﵁ " تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " أي وجميع هذه الفتن الفردية الخاصة التي تصيب المسلم بسبب حبه لنفسه وولده وماله تكفرها الطاعات

стр. 471

إِذَنْ لَا يُغْلَقُ أبَداً. فَقُلْنَا: أكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا أنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بالأغالِيطِ، فَهِبْنَا أنْ نَسْألَ حُذَيْفَةَ فَأمرْنَا مَسْرُوقاً فَسَألهُ فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ. ــ والحسنات (١) كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وكما قال ﷺ : " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " " قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر " أي ليس هذا الذي سألتك عنه فإنّي لم أسألك عن الفتنة الخاصة التي تصيب المرء بسبب أهله أو ماله أو ولده وإنما سألتك عن الفتنة العامة التي تصيب المجتمع الإِسلامي كله، والتي تضطرب اضطراب البحر فتغرق الأمة الإِسلامية في بحر من الدماء: " فقال: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقاً " أي إذا كنت تسألني عن الفتنة العامة التي تصيب المسلمين جميعاً بالشرور والبلايا وتوقعهم في الحروب وسفك الدماء فيما بينهم، فاطمأن يا أمير المؤمنين: فإن المسلمين اليوم في مأمن منها، وإن بينك وبين هذه الفتنة باباً مغلقاً قوياً، أما ما هو هذا الباب فسيأتي الجواب عنه في آخر الحديث " قال: أيكسر أم يفتح، قال: يكسر " أي فسأل عمر حذيفة: هل يزول هذا الباب بشدة وعنف وسفك دماء، أم يزول من دون ذلك، فقال حذيفة: بل يزول بالعنف والشدة والدم " قال: إذن لا يغلق " أي ما دام (٢) قد فتح بالدماء، فسيبقى هذا الباب مفتوحاً للدماء، فلا تنتهي الحروب بين المسلمين " قيل لحذيفة: كان عمر يعلم الباب؟ قال: كما أن دون الغد الليلة " أي قال بعضهم هل كان عمر يعلم معنى الباب المذكور في هذا الحديث فقال نعم يعلمه كما يعلم أن هذه الليلة قبل الغد "إني حدثته

стр. 472

، ٢٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأتَى النَّبِيُّ ﷺ فأخبَرَه فأنزلَ اللهُ (أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذَا؟ قَالَ: " لِجَمِيع أمَّتِي كُلِّهُمْ ". ــ بحديث ليس بالأغاليط" أي كيف لا يعلمه وقد حدثته حديثاً صادقاً صحيحاً محققاً " فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقاً، فسأله فقال: الباب عمر " يعنى أن الحائل بين الإِسلام وبين الفتنة وجود عمر ﵁. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة. ويستفاد منه: أولاً: أنّ الصلاة كفارة للصغائر كما ترجم له البخاري وكذلك جميع الأعمال الصالحة كفارة. ثانياً: أن الفتنة نوعان، خاصة وعامة. ثالثاً: أن وجود عمر كان باباً مغلقاً في وجه الفتن. والمطابقة: في قوله: " تكفرها الصلاة ". ٢٧٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ " أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة " أي أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يسمّى أبو اليسر قبل امرأة أجنبيَّةً، فندم على ما فرط منه " فأتى النبي ﷺ فأخبره " بما وقع فيه " فأنزل الله " في شأنه " أقم الصلاة طرفي النهار " أي صل الصلوات التي في طرفي النهار، وهما الصبح والظهر والعصر " وزُلفاً من الليل " أي وصل أيضاً الصلاتين اللتين في أول الليل وهما المغرب والعشاء " إن الحسنات يذهبن السيئات " أي فإنّ هذه الصلوات الخمس كفارة لصغائر الذنوب، ومنها ما فعلت " فقال الرجل: أليَ هذا؟ " أي هل هي كفارة لي خاصة أو للناس عامة " قال لجميع أمتي " أي أن هذه الصلوات الخمس كفارة لمن فعل ذلك من جميع أمتي، وقد روى لنا أبو اليسر قصته هذه مفصلة، فقال:

стр. 473

٢٢٩ - " بَابُ فضلِ الصَّلاةِ لوقتها " ٢٧١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ أيُّ الْعَمَلِ أحَبُّ إلى الله؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى ــ أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها، فقبلتها فأتيت أبا بكر ﵁، فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب فأتيت عمر فقال: مثله، فلم أصبر فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: " أخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا "، حتى تمنى أنّه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار فأطرق رسول الله ﷺ طويلاً حتى أوحى الله تعالى إليه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقرأها عليّ رسول الله ﷺ ، فقال أصحابه: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: للناس عامة. أخرجه الترمذي وقال حسن غريب. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الصلاة كفارة لصغائر الذنوب. ثانياً: أن النساء أعظم فتنة على الرجال، ما خلا رجل بامرأة إلَّا والشيطان ثالثهما. والمطابقة: في قوله: " لجميع أمتي ". ٢٢٩ - " باب فضل الصلاة لوقتها " ٢٧١ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ " سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ " قال ابن دقيق العيد (١) الغرض من هذا السؤال معرفة ما ينبغي تقديمه من الأعمال على غيره. اهـ. وذلك لأنه

стр. 474

وَقْتِهَا". قَالَ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: " بِرُّ الوَالِدَيْن " قَالَ: ثُمَّ أيْ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ في سَبيل اللهِ " قَال: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ولو اسْتَزَدْتُة لَزَادَنِي. ــ كلما كان العْمل أحبَّ إلى الله كان أكثر ثواباً، فإنّ المحبوب يحظى بما لا يحظى به غيره. " قال: الصلاة على وقتها " أي أحب الأعمال إلى الله تعالى المرضية لديه الصلاة في وقتها المختار، سواء صلاها في أول الوقت أو آخره كما أفاده ابن دقيق العيد " قال ثم أي؟ " بغير تنوين، ويوقف عليه وقفة لطيفة، كما أفاده الفاكهاني (١) لأنه مضاف تقديراً، وتقديره: ثم أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى بعد الصلاة، " قال بر الوالدين " أي العمل الثاني بعد الصلاة الاجتهاد في الإِحسان إلى الوالدين، وطاعتهما وإرضاؤهما فيما لا يغضب الله " قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله " أي الجهاد لِإعلاء كلمة الله، فإنه يأتي في المرتبة الثالثة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ويستفاد منه: أن أفضل الأعمال بعد الإيمان أداء الصلاة في وقتها المختار ولو في آخره، وأما حديث الوقت الآخر عفو الله، فقد تفرد به يعقوب ابن الوليد، وكان يَضَعُ الحديث كما قال ابن حِبّان. والمطابقة: في كونه ﷺ سئل: " أي العمل أحب إلى الله " فقال الصلاة على وقتها. ...

стр. 475

٢٣٠ - " بَابُ الإِبرَادِ بالظُّهْرِ فِي شدَّةِ الحَرِّ " ٢٧٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: عَن رَسُولَ اللهَ ﷺ أنَّهُ قَالَ: " إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا بالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ، واشتكَتِ النَّارُ إلى رَبِّهَا فَقَالَتْ: أكلَ بَعْضِي بَعْضَاً، فأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسِ في الشتاءِ وَنَفَسِ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ". ــ ٢٣٠ - " باب الإِبراد بالظهر " ٢٧٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إذا اشتد الحَرُّ فأبردوا بالظهر " أي إذا اشتدت حرارة الجو في فصل الصيف فأخّروا صلاة الظهر حتى تخفّ الحرارة ويبرد الجو. وهذا الأمر للندب اتفاقا، قال الزمحشري: وحقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية: أي افعلوها في وقت البرد عندما ينكسر الحر لأن شدته تُذهب الخشوع الذي هو ثمرة الصلاة وروحها. " فإن شدة الحر من فيح جهنم " (١) أي فإن شدة الحر من وهج جهنم، ونَفَس من أنفاسها، وفي الحديث عن عمرو بن عَبَسَةَ عن النبي ﷺ أنه قال: " ثم أقصر عن الصلاة، أي عند استواء الشمس " فإن حينئذ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ " أخرجه مسلم " اشتكت النار إلى ربها " أي اشتكت إليه مما تلاقيه من الغليان بلسان المقال لا بلسان الحال. لأن حمله على الحقيقة كما قال النووي هو الصواب، والله قادر على أن يخلق فيها الكلام " فقالت: أكل بعضي بعضاً " أي بحثت عن شيء آكله فلم أجد، فأكلت نفسي وتلك طبيعة النار، كما قال فيها الشاعر:

стр. 476

اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتلهْ كالنار تأكل بعضها ... إن لَمْ تجدْ ما تأكلهْ " فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف " وأصل النفس ما يخرج من الجوف ويدخل إليه من الهواء، والمراد أن الله أذن لها أن تخفف عن نفسها فتفرز طاقتين متضادتين إلى هذه الأرض: طاقة باردة في الشتاء وطاقة حارة في الصيف " قال ﷺ " فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير ". أي فليست شدة الحرارة التي تعانونها صيفاً إلّا من ذلك النفس الذي تخفف به عن نفسها صيفاً، وليست شدة البرودة التي تقاسونها شتاءً إلا من ذلك النفس الذي تخفف به عن نفسها شتاءً. ولا مانع ولا غرابة أن يجمع الله فيها بين الضدين، لأنّ الذي خلق في عالمنا الصغير - الثلج والنار - قادر على أن يخلق في جهنم طبقة نارية وطبقة زمهريرية. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب الإِبراد بصلاة الظهر للمنفرد والجماعة عند اشتداد الحر صيفاً، وهو قول أبي حنفية وإسحاق، وظاهر كلام أحمد، قال ابن قدامة: وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب الإِبراد بها على كل حال، وهو ظاهر كلام أحمد قال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله، يستحب تعجيلها في الشتاء والإبراد بها في الحر (١)، وهو قول اسحاق وأصحاب الرأي وأبن المنذر لظاهر قول النبي ﷺ : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " رواه الجماعة عن أبي هريرة، وهذا عام. وقال القاضي: إنّما يستحب الإِبراد بثلاثة شروط شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات، فأمّا من صلاها في بيته أو في مسجد بيته فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي " وقال المالكية " يستحب الإِبراد في الحر والبرد معاً أما في الحر فيستحب للمنفرد إلى ربع القامة،

стр. 477

٢٣١ - " بَابُ الإِبرَادِ بالظّهْرِ في السَّفَر " ٢٧٣ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ فأرَادَ الْمُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ للظُّهْرِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أبْرِدْ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: أبْرِدْ، حَتَّى رأيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فإذا اشْتَدَّ الْحَرُّ فأبرِدُوا بالصَّلَاةِ ". ــ وللجماعة إلى نصفها وأما في البرد فيستحب للجماعة فقط إلى ربع القامة. ثانياً: ظاهر الحديث استحباب التبكير بالظهر شتاءً وهو مذهب الجمهور خلافاً للمالكية. الحديث: أخرجه أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: "فأبردوا بالظهر". ٢٣١ - " باب الإبراد بالظهر في السفر " ٢٧٣ - معنى الحديث: يقول أبو ذر ﵁: " كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد أن يؤذن أن يؤذن للظهر " أي فأراد بلال أن يقيم لصلاة الظهر عند الزوال مباشرة " فقال له النبي ﷺ : أبرد " أي فأمره بتأخير الصلاة حتى يَبْرُدَ الجو " ثم أراد أن يؤذن " أي ثم أراد مرة أخرى أن يقيم " فقال له: أبرد " يعني أنه ﷺ أمره بالإبراد بالظهر مرتين " حتى رأينا فيء التلول " أي فلم نصل الظهر حتى صار للتلول ظلالٌ، والتلول والتلال ما اجتمع على الأرض من تراب ورمل ونحوه والفيء ظل الشيء الممتدِ إلى جهة الشرق بعد الزوال " فقال النبي ﷺ : إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحرّ فأبردوا وبالصلاة " أي فأخروا صلاة الظهر مطلقاً في الحضر أو السفر. والمطابقة: في كونه ﷺ أمر بلالاً بالإبراد بالظهر، وهم على

стр. 478

٢٣٢ - " بَابُ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ " ٢٧٤ - قَالَ جَابِرُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظهْرَ بِالْهَاجِرَةِ. ــ سفر. ويستفاد منه مما يأتي: أولاً: مشروعية الإِبراد بالظهر في شدة الحر مطلقاً حتى في حال السفر، لأنّ النبي ﷺ أمر بلالاً بالابراد بالظهر وهم مسافرون. ثانياًً: أنه يستحب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر مطلقاً وفي جميع الأحوال، سواء كان في البيت أو في المسجد في جماعة أو منفرداً لأنّه لو كان يشترط فيه أن يكون في مسجد ينتابه الناس لما أمر به النبي ﷺ في السفر، ولهذا قال الترمذي: ومن ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمّا ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي. قال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ : يا بلال أبرد، ثم أبرد، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لما كان للإِبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا المسجد من البعد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. ٢٣٢ - " باب وقت الظهر " ٢٧٤ - معنى الحديث: يروي البخاري هذا الحديث هنا معلّقاً فيقول: " قال جابر: كان النبي ﷺ يصلّي الظهر بالهاجرة " يعني أن النبي ﷺ كان يصلّي صلاة الظهر بعد الزوال في وقت اشتداد الحر نصف النهار وقد وصله البخاري في باب وقت المغرب بلفظ: " كان يصلي الظهر بالهاجرة ". الحديث: أخرجه البخاري. ويستفاد منه: أن أول وقت الظهر بعد الزوال، ولا تصح قبله قال ابن المنذر:

стр. 479

٢٧٥ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلى الْمِائَةِ، ويُصَلَى الظّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، والْعَصْرَ وأحدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ والشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ ولا يُبَالِي بتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَال: إلَى شَطر اللَّيْلَ. ــ وعليه أجمع العلماء. والمطابقة: في قوله: " يصلي الظهر بالهاجرة ". ٢٧٥ - راوي الحديث: هو أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمِي أسلم قديماً، وغزا مع النبي ﷺ سبع غزوات، روى ستة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بأربعة، والبخاري بحديثين، توفي بخراسان سنة ستين من الهجرة. معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁ " كان النبي ﷺ يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه " أي يطيل فيها حتى لا ينتهي إلاّ وقد عرف كل واحد جليسه وفي رواية: " كان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه " أخرجه مسلم. أي لا يفرغ منها إلّا وقد ظهرت الأشياء، وانكشفت الوجوه، وعرف زيد من عمرو " ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة " هذا بيان لسبب طول صلاة الصبح، هو أنّه كان يقرأ فيها من ستين إلى مائة آية " وكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس " أي بعد الزول مباشرة " والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حيّة " أي ولا تزال الشمس قوية الشعاع، شديدة الحرارة، ساطعة الضياء، " ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شطر الليل " أي يصلي العشاء أحياناً في وقت ينتهي إلى الثلث أو النصف من الليل.

стр. 480

٢٣٣ - " بَابُ تأخِيرِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ " ٢٧٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعَاً وَثَمَانِياً الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ قَالَ أيُّوبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلةٍ مَطِيرةٍ ــ الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن أول وقت الظهر بعد الزوال. ثانياً: أن الأفضل أداء العصر في أول وقتها المختار، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة حيث يرى أن أداءها آخر الوقت أفضل لحديث علي بن شيبان " فكان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية " أخرجه أبو داود. والمطابقة: في قوله: " كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس ". ٢٣٣ - " باب تأخير الظهر إلى العصر " ٢٧٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ " أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء " أي صلى وهو مقيم بالمدينة الظهر والعصر معاً، فجمع بينهما، وصلى أيضاً المغرب والعشاء، فجمع بينهما، وذلك لعذر المطر، حيث اعتبر المطر عذراً شرعياً يسوّغ الجمع بين الصلاتين، وعن ابن عباس ﵄ في رواية " أنّ النبي ﷺ صلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر " وفي رواية: " من غير خوف ولا مطر " رواه مسلم وأبو داود والترمذي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يجوز للمقيم الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تأخير لعذر المطر، وهو قول مالك والشافعي

стр. 481

٢٣٤ - " بَابُ وَقْتِ الْعَصْرِ " ٢٧٧ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى الْعَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى الْعَوَالِي فَيَأتِيهِمْ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ على أربَعَةِ أمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. ــ وأحمد، غير أن الشافعي اشترط أن يكون المطر موجوداً بالفعل عند افتتاح الصلاتين، وأجاز مالك أيضاً الجمع في حال الطين والظلمة. وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلي عند المطر كل صلاة في وقتها، وقال أبو حنيفة: لا يجوز جمع التأخير في سفر ولا غيره إلاّ في مزدلفة، وحمل حديث الباب ونحوه على أنه جمع صوري، ومعناه أنه أخر الظهر حتى بقي من وقتها جزءٌ يسيرٌ فصلاها في آخر الوقت، ثم صلى العصر في أول وقتها، فجمع بينهما فعلاً لا وقتاً، لأنه صلى كل واحدة في وقتها. لكن هذا التأويل يتعارض مع قول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا أعجله السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق. ثانياًً: جاء في بعض الروايات " من غير خوف ولا مطر " واستدل به أحمد وبعض الشافعية على جواز الجمِع للمرض (١) والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر ". ٢٣٤ - " باب وقت العصر " ٢٧٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " قال كان النبي يصلي العصر والشمس مرتفعة حية " أي يصلي العصر، ولا تزال الشمس عالية قوية الشعاع، شديدة الحرارة، "فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم،

стр. 482

والشمس مرتفعة" أي فيخرج الرجل بعد انتهاء صلاة العصر في المسجد النبوي إلى العوالي ثم يعود إلى المدينة وما زالت الشمس مرتفعة قوية الضوء لم تتغير بعد إلى الصفرة " وبعض العوالي من المدينة على بعد أربعة أميال " أي وأقرب العوالي إلى المدينة على بعد أربعة أميال على الأقل أما أقصاها فهو ثمانية أميال، كما أفاده ابن الأثير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، لأن الرجل (١) كان يذهب بعد صلاة العصر إلى العوالي، ويعود ولا تزال الشمس بيضاء لم تصفر بعد، والمسافة بين المدينة والعوالي ذهاباً وإياباً لا تقل عن ثمانية أميال على الأقل، وهي مسافة لا يمكن أن يقطعها المرءُ بعد صلاة العصر وقبل الإصفرار إلاّ إذا صلى العصر عندما صار ظل كل شيء مثله. ثانياًً: أن صلاة العصر في أول وقتها أفضل، وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: العصر في آخر وقتها المختار أفضل. والحديث حجة الجمهور. لقول أنس: " كان ﷺ يصلّي العصر والشمس مرتفعة حية " ... إلخ. والمطابقة: في قوله: " كان يصلي العصر والشمس مرتفعةُ " ... إلخ. ...

стр. 483

٢٣٥ - " بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وإثم من ترك العصر " ٢٧٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كأنَّمَا وُتِرَ أهْلَهُ وَمَالَهُ ". ٢٧٩ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁: ــ ٢٣٥ - " باب إثم من فاتته صلاة العصر، وإثم من ترك العصر " ٢٧٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر " أي الذي تفوته صلاة العصر في وقتها ولم يُصلِّهَا إلاّ بعد خروج الوقت. لغير عذر شرعي " كأنما وتر أهلهُ وماله " يروى بالنصب (١) على أنه مفعول ثانٍ، والمفعول الأول ضمير مستتر في محل رفع نائب فاعل، أي من أخر صلاة العصر حتى خرج وقتها لغير عذر شرعي فكأنما أصيب في أهله وماله، ويجوز رفعه على أنه نائب فاعل، والمعنى فكأنما سلمت أهله وماله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كأنّما وتر أهلَه ومَالَهُ " فإنّ هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على معصية يأثم عليها. ٢٧٩ - ترجمة الراوي: هو بريده بن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد وإسكان الياء الأسلمي، أسلم يوم بدر، وشهد ما بعدها، وغزا خراسان على عهد عثمان، وسكن مرو، روى ١٦٤ حديثاً اتفقا على واحد، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر توفي سنة ٦٢ من الهجرة. معنى الحديث: أن بريدة بن الحصيب ﵁: أمرهم في يوم

стр. 484

أَنَّهُ قَالَ في يَوْمٍ ذِي غَيْم بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فإِنَّ النَّبَِّي ﷺ قَالَ: " مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ". ٢٣٦ - " بَابُ فضلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ " ٢٨٠ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فيكُمْ مَلائِكَة باللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بالنَّهارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا ــ غائم أن يعجلوا بصلاة العصر في أول وقتها، وحذرهم من تأخيرها قائلاً: " فإنّ النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر " أي أخرها عن وقتها لغير عذر " فقد حبط عمله " أي فقد بطل ثوابه، وضاع أجره عن تلك الصلاة التى أخرها، فلا ثواب له عليها. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " فقد حبط عمله ". ويستفاد من الحديثين: أن تأخير صلاة العصر عن وقتها -لغير عذر- كبيرة من الكبائر، لأنّ النبي ﷺ توعد من فعل ذلك بإحباط عمله، وإسقاط ثوابه عن تلك الصلاة، وأنه كمن خسر أهله وماله، وهذا الوعيد الشديد لا يترتب إلاّ على كبيرة، وحكم بقية الصلوات كحكم صلاة العصر فمن أخرها لغير عذر فقد استحق هذا الوعيد نفسه. ٢٣٦ - " باب فضل صلاة العصر " ٢٨٠ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحدثنا " أن رسول الله ﷺ قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " أي تتناوب الملائكة على حراسة البشر فطائفة تحرسهم ليلاً وطائفة أخرى تحرسهم نهاراً "وهؤلاء

стр. 485

فِيكُمْ، فَيَسْألهُمْ وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِيَ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وأتيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". ــ هم الحفظة" الذين قال الله تعالى فيهم: (وإن عليكم لحافظين) فملائكة الليل تحرسنا من وقت صلاة العصر إلى آخر صلاة الفجر، وملائكة النهار من أول صلاة الفجر إلى آخر صلاة العصر " يجتمعون في صلاة الفجر " أي تجتمع ملائكة النهار بملائكة الليل في صلاة الفجر حيث ينزل ملائكة النهار عند أول الصلاة، ولا زال ملائكة الليل موجودين فيلتقون بهم " وصلاة العصر " أي ويجتمع ملائكة الليل بملائكة النهار في صلاة العصر " ثم يعرج الذين باتوا فيكم " أي ثم يصعد ملائكة الليل بعد صلاة الفجر " فيسألهم " الرب " وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ " أي يسألهم كيف تركتم عبادي، وهو في غنى عن سؤالهم هذا، لأنه عليم بهم، وإنما يسألهم عن ذلك في الملأ الأعلى تنويهاً بشأن بني آدم وبياناً لفضلهم، وليباهي بهم الملائكة " فيقولون تركناهم وهم يصلون " صلاة الصبح " وأتيناهم وهم يصلون " صلاة العصر، فهم في صلاة دائمة. وكذلك يسأل ملائكة النهار، فيجيبون بمثل ما أجاب به ملائكة الليل. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ويستفاد منه: فضل صلاة الصبح وصلاة العصر في جماعة وكونهما تشهدهما الملائكة، وتشهد لمن صلّاهما، وهذه مزية عظيمة لمن صلاهما في جماعة، حيث نوِّة به في الملأ الأعلى. كما أفاده العيني حيث قال: فإن قلت شهودهم معهم الصلاة في الجماعة أم مطلقاً، قلت: اللفظ يحتمل للجماعة وغيرهم، ولكن الظاهر أن ذلك في الجماعة. والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر " كما أفاده العيني.

стр. 486

٢٣٧ - " بَابُ مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً من الْعَصْرِ قَبْلَ الْغروبِ " ٢٨١ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " إِذَا أدْرَك أحدُكُمْ سجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتمَّ صَلَاتَهُ، وِإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فليُتمَّ صَلَاَتهُ ". ــ ٢٣٧ - " باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب " ٢٨١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته " أي إذا حصّل أحدكم من صلاة العصر ركعة كاملة بسجدتيها قبل الغروب، فقد أدرك صلاة العصر في وقتها فليتم بقية صلاته على أنه صلاها أداء في وقتها. عبر بالسجدة عن الركعة، لأن الركعة إنما يكون تمامها بسجودها كما أفاده العيني، وقد جاء التصريح بذلك في قوله ﷺ " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وكذلك الحكم بالنسبة لصلاة الصبح كما قال ﷺ " وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " أي فقد أدرك الصبح في وقتها فليتمها. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنّ من أدرك ركعة كاملة بسجدتيها من العصر أو الصبح قبل خروج الوقت فقد أدرك تلك الصلاة في وقتها، ولا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا فيمن أدرك أقل من ركعة فذهب الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد (١) إلى أن الفريضة تدرك أداءً بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تُطهر، أو مجنون يفيق، أو لغير عذر. وذهب المالكية والشافعية في الأصح إلى أنه إنما تُعَدُّ

стр. 487

الصلاة أداءً في وقتها إذا صلّى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت، أمّا إذا أدرك أقل من ركعة فإنّها تكون قضاءً بدليل ما جاء في حديث الباب: حيث إن النبي ﷺ قال فيه: " إذا أدرك أحدكم سجدة " ولا يمكن إدراك السجدة إلّا لمن أدرك الركعة كاملة بسجودها، بالإِضافة إلى ما جاء في خبر الصحيحين " من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك الصلاة " أي أدركها مؤداة في وقتها ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداه، وهذا الرأي فيما يظهر أصح (١)، لأنه لا يمكن إدراك السجود إلاّ بعد الركوع، بالإِضافة إلى ما رواه الجماعة " من أدرك من الصبح ركعة " قال الحافظ في قوله ﷺ (٢) " من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ": ظاهره أنه يكتفي بذلك أي بالركعة، وليس ذلك مراداً بالإِجماع فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلّى ركعة أخرى كملت صلاته. ثانياً: أنه تجوز صلاة الفرائض في جميع أوقات النهي، ولو غربت الشمس، وهو في صلاة العصر، أو طلعت وهو في الصبح أتمَّ بقية صلاته، وكانت صحيحة، وهو مذهب الجمهور في جميع أوقات النهي، لأن النبي ﷺ أمر من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، أو ركعة من الصبح قبل الشروق أن يُتمَّ صلاته كما في حديث الباب، ولقوله ﷺ في حديث قتادة: " فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها " أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الترمذي، فإن هذين الحديثين يدلان صراحةً على جواز الفريضة وصحتها في جميع أوقات النهي، ولو كانت محرمة لما أمر النبي ﷺ بفعلها في قوله: " فليصلها إذا ذكرها "، ولو كانت باطلة لما أمر باتمامها في قوله: " فليتم صلاته " وقالت الحنفية: تكره صلاة الفريضة في جميع أوقات النهي كراهة تحريمية، تقتضي عدم صحة

стр. 488

٢٣٨ - " بَابُ وَقْتِ الْمَغرِبِ " ٢٨٢ - عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أحَدُنَا وَإنَّهُ ليبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. ــ الصلاة، وبطلانها، واستثنوا من ذلك فرض عصر اليوم (١) أداءً، فإنه يجوز ويصح عند الغروب. واستدلوا بأحاديث النهي كحديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس " متفق عليه، والجمهور على أنّ هذه الأحاديث خاصة بالنوافل، وأن حديث الباب وغيره مخصص لها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة. ٢٣٨ - " باب وقت المغرب " ٢٨٢ - معنى الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا على عهد النبي ﷺ يعجلون بصلاة المغرب، فيصلونها بعد غروب الشمس فوراً حتى أنهم ينتهون منها ولا زال النور منتشراً بحيث يرى أحدهم المواضع التي يصل إليها نبله، لأن الأشياء ما زالت ظاهرة لم يحجبها الظلام. ويستفاد منه: أن وقت المغرب يبدأ من غروب الشمس حالاً، وأنه ضيق جداً لا يمتد إلاّ بمقدار أداء الصلاة لأنّ النبي ﷺ كان يداوم على أدائها بعد الغروب مباشرة وهو مذهب مالك والشافعي الجديد (١) وعليه بعض أهل العلم يرون أن وقت المغرب ينقضي بمقدار الوضوء وستر العورة والأذان والإِقامة وخمس ركعات أي أن وقته مضيق غير ممتد لما جاء في حديث جابر أن جبريل

стр. 489

٢٣٩ - " بَابُ وقْتِ الْعِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ " ٢٨٣ - قَالَ أبو بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأخِيرَهَا. ــ صلى بالنبي ﷺ في اليومين في وقت واحد (١)، ولما جاء في حديث الباب هذا. وذهب الجمهور من الحنيفة والحنابلة والأظهر عند الشافعية، وهو مذهب الشافعي القديم إلى أنه يمتد إلى مغيب الشفق لما جاء في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ " وقت المغرب ما لم يغيب الشفق " أخرجه مسلم. وفي حديث أبي موسى " فصلى المغرب -أي من الغد- قبل أن يغيب الشفق " أخرجه أبو داود، أما حديث جابر فقد حمله الجمهور على وقت الفضيلة والاختيار لا على الجواز. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في دلالته على المبادرة إلى صلاة المغرب. ٢٣٩ - " باب وقت العشاء إلى نصف الليل " ٢٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁ " كان النبي ﷺ يستحب تأخيرها " أي يفضل تأخيرها يعني يرغّب أصحابه في تأخير صلاة العشاء دون أن يبين مقدار ذلك. ويستفاد منه: استحباب تأخير صلاة العشاء إلاّ أن أبا برزة لم يحدد مقدار هذا التأخير الذي سيأتي موضحاً في الأحاديث الآتية. والمطابقة: في قوله: " يستحب تأخيرها ". الحديث: أخرجه البخاري موصولاً في باب وقت العصر. ...

стр. 490

٢٨٤ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيلَ، ثُمَّ صَلَّى، ثمَّ قالَ: " قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ ما انْتَظرتُمُوها ". ــ ٢٨٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لم يصل العشاء ليلة إلاّ في آخَّر النصف الأول من الليل، ثم قال لهم: لقد صلّى غيركم، أما أنتم فقد أخرتم هذه الصلاة إلى هذا الوقت المتأخر من الليل، فكنتم في صلاة مدة انتظاركم لها، يحتسب لكم ثوابها طوال هذه المدة، وفي رواية أخرى أنه قال: " ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل " أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: ظاهر الحديث أن وقت العشاء يمتد إلى آخر نصف الليل، ويخرج بالنصف وهو وقت الاختيار عند الجمهور والرواية الثانية عن أحمد وقول ابن المبارك وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي كما أفاده القسطلاني (١) وابن قدامة (٢) لما روي عن أنس قال: " أخَّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل " رواه البخاري، وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأمرت بهذه أن تؤخر إلى شطر الليل " رواه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: " وقت العشاء إلى نصف الليل " رواه أبو داود، وعن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلّى، ثم قال: " إنه لوقتها " أي وقتها المختار " لولا أن أشق على أمتي لأخرتها إليه " أخرجه مسلم، وروي عن أحمد أنّ وقت العشاء المختار يمتد إلى ثلث الليل، وهو قول عمر وأبي هريرة وعمر

стр. 491

ابن عبد العزيز ومالك بن أنس لما جاء في حديث جبريل أنه صلى النبي ﷺ في المرة الثانية ثلث الليل، وقال: " الوقت ما بين هذين " وذهب الظاهرية إلى أنّ وقتها الاختياري يمتد إلي طلوع الفجر لما جاء في حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: " إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى " فهو عام متأخر عن حديث إمامة جبريل، وناسخ له اهـ. كما حكاه ابن رشد. ثانياً: أن تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل أفضل لحديث الباب، ولقوله ﷺ في حديث أبي سعيد " لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل " حيث دل على أن تأخيرها إلى نصف الليل أفضل وإنما قدمها ﷺ مراعاة للضعفاء والذين لا يستطيعون التأخير إلى ذلك الوقت المتأخر من الليل فيؤدي ذلك إلى تفويت تكثير الجماعة، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن تأخيرها أفضل، وذهب بعضهم إلى أن صلاتها في أول الوقت عند مغيب الشفق أفضل، وروى العراقيون من أصحابنا عن مالك أن تأخيرها أفضل، وبه قال أبو حنيفة لما جاء في حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة: " أعتم النبي ﷺ حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها " وقال في المنهل العذب (١): وقد اختلف العلماء أتقديمها أفضل أم تأخيرها؟ وهما مذهبان مشهوران للسلف، وقولان لمالك والشافعي، فذهب فريق إلى تفضيل التأخير محتجاً بهذه الأحاديث، كحديث الباب، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر المتقدمة، وذهب فريق إلى تفضيل التقديم محتجاً بأنه العادة الغالبة لرسول الله ﷺ هي التقديم، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز، أو لشغل أو لعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه. " وَرُدَّ " بأن هذا يتم لو لم يكن منه ﷺ إلاّ مجرد الفعل

стр. 492

٢٤٠ - " بَاب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِْ بَعْدَ الْعِشَاءِ " (١) ٢٨٥ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ وهي التي تَدْعُونَهَا الأولى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي الْعَصْرَ ثم يَرْجِعُ أحَدُنَا إلى أهْلِهِ في أقصى الْمَدِينَةِ ــ لها في ذلك الوقت، وهو ممنوع، لورود الأقوال كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه " رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها تنبيه على أفضلية التأخير. والمطابقة: في قوله: " أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ". ٢٤٠ - " باب ما يكره من السمر بعد العشاء " قال القاضي عياض: والسمر رويناه بفتح الميم، وقال ابن سراج: الصواب سكونها، لأنّه اسم الفعل، ومعنى السمر بالفتح التحدث مع الإِخوان بعد صلاة العشاء، ويختلف حكمه فمنه ما هو جائز مشروع، ومنه ما هو مكروه، والغالب فيه الكراهة كما يدل عليه الحديث. ٢٨٥ - معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁: " كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير حين تدحض الشمس " أي كان ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، فالهجير هي صلاة الظهر، لأنها تصلّى في الهاجرة عند منتصف النهار " ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى

стр. 493

والشَّمْسُ حَيَّةٌ، ونسيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا والْحَدَيْث بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ من صَلَاةِ الغَدَاةِ حينَ يَعْرِفُ أحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرأ مِنْ السِتِّينَ إلى المِائَةِ. ــ أهله في أقصى المدينة والشمس حيّة" أي ويصلي العصر في أول وقتها، حتى أنّ الواحد منا يذهب إلى أبعد مكان في المدينة، ويعود منه، والشمس لا تزال قوية الشعاع، مرتفعة في السماء، لم يدخل وقت الاصفرار، ثم ذكر أنه نسى ما قاله أبو برزة عن صلاة المغرب، ثم " قال: وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء " أي كان ﷺ يفضل تأخير العشاء كما تقدم في الحديث السابق " وكان يكره النوم قبل العشاء " لمن يتعمد ذلك، أما من غلبه النوم فلا شيء عليه " والحديث بعدها " أي وكان يكره الحديث بعد العشاء، إلّا لفائدة مقصودة شرعاً " وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه " أي يطيل القراءة في الصبح حتى لا ينتهي منها إلاّ وقد انتشر الضوء، وعرف كل واحد جليسه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على كراهية السمر بعد العشاء لغير فائدة مقصودة شرعاً كمسامرة الأهل أو لضيف، وسماع موعظة أو علم فإنه لا يكره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها ". ***

стр. 494

٢٤١ - " بَابُ فَضْلُ صَلَاةِ الْفَجْرِ " ٢٨٦ - عنْ أبِي موسَى ﵁: أن رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ". ــ ٢٤١ - " باب فضل صلاة الفجر " ٢٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو موسى ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: من صلى البردين " بفتح الباء الموحدة، وهما صلاتا الفجر والعصر، لأنهما تقعان في بردي النهار، أي طرفيه، وقيل لأنهما تفعلان في وقت البرد، وطيب الهواء، وانخفاض الحرارة، " دخل الجن " أي من واظب على أداء صلاتي الصبح والعصر في وقتهما المختار دخل الجنة ابتداءً مع السابقين الأولين. ويستفاد منه: فضل صلاتي الفجر والعصر، وكون المواظبة عليهما سبباً في دخول الجنة، بشرط أن يكون المواظب عليهما صادق الإيمان، لأن الكافر لا عمل له، وقد جاء هذا الشرط مصرحاً به في قوله ﷺ كما في حديث عمار " لن يدخل النار من مات لا يشرك بالله شيئاً، وكان يبادر لصلاته قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " أخرجه البزار. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون أحد البردين هي صلاة الفجر. ***

стр. 495

٢٤٢ - " بَابُ وقتِ الفجرِ " ٢٨٧ - عنْ أنَسٍ ﵁: أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أنَهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النبِيِّ ﷺ ثم قدمُوا إلَى الصلاةِ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً. ٢٨٨ - عَنْ سَهْل، بْنِ سَعْد ﵄ قَالَ: كُنْتُ أتُسَحرُ في أهْلِي ثم يَكُونُ سرعَة بي أنْ أدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ . ــ ٢٤٢ - " باب وقت الفجر " ٢٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن زيد بن ثابت ﵁ حدثه أنهم تسحروا مع النبي ﷺ " أي تناولوا معه طعام السحور " ثم قاموا إلى الصلاة " أي إلى صلاة الصبح " قلت: كم بينهما " أي كم المدة التي بين السحور وصلاة الفجر، " قال: قدر خمسين أو ستين " يجوز في قدر الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير والزمن بينهما قدرُ خمسين آية، وهو موضع الترجمة، لأنه يدل على أنه ﷺ كان يصلي الصبح بعد السحور بزمن يتسع لقراءة خمسين آية (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " قلت: كم بينهما " قال: قدر خمسين أو ستين آية. ٢٨٨ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: " كنت أتسحر في أهلي " أي مع أهلي من بني ساعدة، وكانت منازلهم شمال المسجد في محلة باب المجيدى التي تمتد من بيرحاء وفندق زهرة المدينة إلى
следующие страницы →