← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ابن عبد العزيز ومالك بن أنس لما جاء في حديث جبريل أنه صلى النبي ﷺ في المرة الثانية ثلث الليل، وقال: " الوقت ما بين هذين " وذهب الظاهرية إلى أنّ وقتها الاختياري يمتد إلي طلوع الفجر لما جاء في حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: " إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى " فهو عام متأخر عن حديث إمامة جبريل، وناسخ له اهـ. كما حكاه ابن رشد. ثانياً: أن تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل أفضل لحديث الباب، ولقوله ﷺ في حديث أبي سعيد " لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل " حيث دل على أن تأخيرها إلى نصف الليل أفضل وإنما قدمها ﷺ مراعاة للضعفاء والذين لا يستطيعون التأخير إلى ذلك الوقت المتأخر من الليل فيؤدي ذلك إلى تفويت تكثير الجماعة، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن تأخيرها أفضل، وذهب بعضهم إلى أن صلاتها في أول الوقت عند مغيب الشفق أفضل، وروى العراقيون من أصحابنا عن مالك أن تأخيرها أفضل، وبه قال أبو حنيفة لما جاء في حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة: " أعتم النبي ﷺ حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها " وقال في المنهل العذب (١): وقد اختلف العلماء أتقديمها أفضل أم تأخيرها؟ وهما مذهبان مشهوران للسلف، وقولان لمالك والشافعي، فذهب فريق إلى تفضيل التأخير محتجاً بهذه الأحاديث، كحديث الباب، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر المتقدمة، وذهب فريق إلى تفضيل التقديم محتجاً بأنه العادة الغالبة لرسول الله ﷺ هي التقديم، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز، أو لشغل أو لعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه. " وَرُدَّ " بأن هذا يتم لو لم يكن منه ﷺ إلاّ مجرد الفعل

стр. 492

٢٤٠ - " بَاب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِْ بَعْدَ الْعِشَاءِ " (١) ٢٨٥ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ وهي التي تَدْعُونَهَا الأولى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي الْعَصْرَ ثم يَرْجِعُ أحَدُنَا إلى أهْلِهِ في أقصى الْمَدِينَةِ ــ لها في ذلك الوقت، وهو ممنوع، لورود الأقوال كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه " رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها تنبيه على أفضلية التأخير. والمطابقة: في قوله: " أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ". ٢٤٠ - " باب ما يكره من السمر بعد العشاء " قال القاضي عياض: والسمر رويناه بفتح الميم، وقال ابن سراج: الصواب سكونها، لأنّه اسم الفعل، ومعنى السمر بالفتح التحدث مع الإِخوان بعد صلاة العشاء، ويختلف حكمه فمنه ما هو جائز مشروع، ومنه ما هو مكروه، والغالب فيه الكراهة كما يدل عليه الحديث. ٢٨٥ - معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁: " كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير حين تدحض الشمس " أي كان ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، فالهجير هي صلاة الظهر، لأنها تصلّى في الهاجرة عند منتصف النهار " ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى

стр. 493

والشَّمْسُ حَيَّةٌ، ونسيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا والْحَدَيْث بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ من صَلَاةِ الغَدَاةِ حينَ يَعْرِفُ أحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرأ مِنْ السِتِّينَ إلى المِائَةِ. ــ أهله في أقصى المدينة والشمس حيّة" أي ويصلي العصر في أول وقتها، حتى أنّ الواحد منا يذهب إلى أبعد مكان في المدينة، ويعود منه، والشمس لا تزال قوية الشعاع، مرتفعة في السماء، لم يدخل وقت الاصفرار، ثم ذكر أنه نسى ما قاله أبو برزة عن صلاة المغرب، ثم " قال: وكان ﷺ يستحب أن يؤخر العشاء " أي كان ﷺ يفضل تأخير العشاء كما تقدم في الحديث السابق " وكان يكره النوم قبل العشاء " لمن يتعمد ذلك، أما من غلبه النوم فلا شيء عليه " والحديث بعدها " أي وكان يكره الحديث بعد العشاء، إلّا لفائدة مقصودة شرعاً " وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه " أي يطيل القراءة في الصبح حتى لا ينتهي منها إلاّ وقد انتشر الضوء، وعرف كل واحد جليسه. فقه الحديث: دل هذا الحديث على كراهية السمر بعد العشاء لغير فائدة مقصودة شرعاً كمسامرة الأهل أو لضيف، وسماع موعظة أو علم فإنه لا يكره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها ". ***

стр. 494

٢٤١ - " بَابُ فَضْلُ صَلَاةِ الْفَجْرِ " ٢٨٦ - عنْ أبِي موسَى ﵁: أن رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ". ــ ٢٤١ - " باب فضل صلاة الفجر " ٢٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو موسى ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: من صلى البردين " بفتح الباء الموحدة، وهما صلاتا الفجر والعصر، لأنهما تقعان في بردي النهار، أي طرفيه، وقيل لأنهما تفعلان في وقت البرد، وطيب الهواء، وانخفاض الحرارة، " دخل الجن " أي من واظب على أداء صلاتي الصبح والعصر في وقتهما المختار دخل الجنة ابتداءً مع السابقين الأولين. ويستفاد منه: فضل صلاتي الفجر والعصر، وكون المواظبة عليهما سبباً في دخول الجنة، بشرط أن يكون المواظب عليهما صادق الإيمان، لأن الكافر لا عمل له، وقد جاء هذا الشرط مصرحاً به في قوله ﷺ كما في حديث عمار " لن يدخل النار من مات لا يشرك بالله شيئاً، وكان يبادر لصلاته قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " أخرجه البزار. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون أحد البردين هي صلاة الفجر. ***

стр. 495

٢٤٢ - " بَابُ وقتِ الفجرِ " ٢٨٧ - عنْ أنَسٍ ﵁: أنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أنَهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النبِيِّ ﷺ ثم قدمُوا إلَى الصلاةِ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً. ٢٨٨ - عَنْ سَهْل، بْنِ سَعْد ﵄ قَالَ: كُنْتُ أتُسَحرُ في أهْلِي ثم يَكُونُ سرعَة بي أنْ أدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ . ــ ٢٤٢ - " باب وقت الفجر " ٢٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن زيد بن ثابت ﵁ حدثه أنهم تسحروا مع النبي ﷺ " أي تناولوا معه طعام السحور " ثم قاموا إلى الصلاة " أي إلى صلاة الصبح " قلت: كم بينهما " أي كم المدة التي بين السحور وصلاة الفجر، " قال: قدر خمسين أو ستين " يجوز في قدر الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير والزمن بينهما قدرُ خمسين آية، وهو موضع الترجمة، لأنه يدل على أنه ﷺ كان يصلي الصبح بعد السحور بزمن يتسع لقراءة خمسين آية (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " قلت: كم بينهما " قال: قدر خمسين أو ستين آية. ٢٨٨ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: " كنت أتسحر في أهلي " أي مع أهلي من بني ساعدة، وكانت منازلهم شمال المسجد في محلة باب المجيدى التي تمتد من بيرحاء وفندق زهرة المدينة إلى

стр. 496

السحيمي (١) كما أفاده مؤرخ المدينة الأستاذ إبراهيم العياشي " ثم تكون سرعة (٢) بي أن أن أدرك الفجر " أي ثم أمشي بسرعة بعد السحور مباشرة لكى أتمكن من إدراك صلاة الصبح جماعة " مع النبي ﷺ " وفي مسجده الشريف فإذا لم أسرع فاتتني الصلاة أو الركعة الأولى منها. والحديث أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " ثم تكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر " وذلك كما أفاده العيني بطريق الإِشارة إلى أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر. ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أن وقت صلاة الصبح يبدأ بعد طلوع الفجر مباشرة، لأن النبي ﷺ كان يصلي الصبح بعد السحور بزمن قصير لا يتسع إلاّ لقراءة خمسين آية، ولأن سهل بن سعد ﵄ الذي يسكن بجوار المسجد، وبالقرب منه، كان لا يدرك صلاة الصبح في مسجد النبي ﷺ إلاّ إذا ذهب إليها بعد السحور بسرعة، فإذا تباطأ قليلاً فاتته، وهذا يدل دلالة أكيدة صريحة على مواظبته ﷺ على صلاة الصبح بعد الفجر مباشرة. ثانياًً: أن أداء صلاة الصبح في أوّل الوقت أفضل لأن الحديثين يدلان على مواظبته ﷺ على ذلك، وما واظب النبي ﷺ على فعله فهو سنة. ...

стр. 497

٢٤٣ - " بَابُ الصَّلَوَاتِ الْخمس كَفَّارَةٌ " ٢٨٩ - عَن أبِي هُرَيرَةَ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " أرَأَيْتُمْ لَوْ أن نَهَراً بِبَابِ أحدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً، ما تَقُوْلُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئَاً، قَالَ: فذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا ". ــ ٢٤٣ - " باب الصلوات الخمس كفارة " قدم البخاري هذا الباب فوضعه بعد باب فضل الصلاة لوقتها ولكني أخرته هنا ليكون بعد الأبواب المذكورة فيها أوقات الصلوات الخمس. ٢٨٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم فيغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يبقي" بضم الياء في أوله وكسر القاف " من درنه " أي أخبروني لو وجد أحدكم نهراً أمام منزله يغتسل فيه خمس مرات يومياً أتظنون أن ذلك الاغتسال المتكرر يبقي شيئاً من أوساخه البدنية؟ " قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً " لأن الاغتسال مرة واحدة في اليوم كاف لتنظيف البدن فكيف إذا كان خمس مرات " قال: فذلك مثل (١) الصلوات الخمس " أي فإن الصلوات الخمس تشبه الاغتسال خمس مرات في اليوم، فإذا كان الاغتسال، بمثل ذلك العدد ينظف الجسم من الأقذار، ويحميه من الميكروبات التي تسبب له الأمراض البدنية، فإن الصلوات الخمس تكفر السيئات، وتمحوها من كتاب الحفظة، كما تحمى النفس وتقيها من الخطايا التي لم تقترفها بعد، وتطهرها أيضاً من جميع الأمراض النفسية من القلق والحقد

стр. 498

٢٤٤ - " بَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حتَّى ترْتفِعَ الشَّمْس " ٢٩٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: شَهِدَ عنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَىْ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. ــ والحسد والعداوة والأنانية وغيرها، بالإِضافة إلى تكفير الخطايا التي اقترفتها كما قال ﷺ : " يمحو الله بِهِ (١) الخطايا " أي يكفرها. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: إن الصلوات الخمس كفارات لصغائر الذنوب. ثانياً: إنها علاج ناجع للأمراض النفسية، وقد عولج بالصلاة بعض المصابين بها، وهم كفار فشفوا وأسلموا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يمحو الله به الخطايا ". ٢٤٤ - " باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس " ٢٩٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " شهد عندي رجال مرضيون " أي أخبرني رجال ثقات من أصحاب النبي ﷺ " أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح " أي نهى عن صلاة النافلة بعد صلاة الصبح " حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب " أي إلى غروب الشمس. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم النافلة بعد صلاة العصر إلى الغروب، بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وأما قول عائشة ﵂: " ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سراً أو علانية " أي

стр. 499

٢٤٥ - " بَابُ الْأذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ " ٢٩١ - عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ ــ لا يتركهما سواء كان في بيته أو في المسجد " ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر (١) " الذي استدل به الظاهرية على مشروعية النافلة بعد العصر فقد أجاب عنه الجمهور بأنه من خصوصياته ﷺ واختلفوا فيما يحرم من النوافل في أوقات النهي، فقال الجمهور: تحرم جميع النوافل ما عدا ركعتي الطواف عند أحمد، وقال الشافعي يحرم من النوافل ما ليس له سبب، ويجوز ماله سبب شرعي كصلاة الكسوف، وتحية المسجد، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وقضاء السنة الفائتة لصلاة رباعية واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂ " أنها رأت النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد العصر، فأرسلت جاريتها تسأله عنها فقال: إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان " قال الشافعي: ويحرم ما ليس له سبب إلاّ سنة الفجر. الحديث: أخرِجه الستة. والمطابقة: في قوله: " نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ". ٢٤٥ - " باب الأذان بعد ذهاب الوقت " ٢٩١ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁: " سرنا مع النبي ﷺ ليلة فقال بعض القوم: لو عرست " أي سار النبي ﷺ بأصحابه ليلة مسافة طويلة حتى كان الهزيع الأخير من الليل، وأحسوا بالتعب فقال بعضهم للنبي ﷺ : ليتك تنزل بنا ها هنا لكي نأخذ حظاً من الراحة والنوم،

стр. 500

اللهَ، قَالَ: " أخاف أنْ تَنَامُوا عَنَ الصَّلَاةِ " (١) قَالَ بِلَال: أنَا أوقظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا (٢)، وأسْنَدَ بِلَال ظَهْرَهُ إلى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْس فَقَالَ: يَا بِلالُ أْينَ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: ما أُلقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَة مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ: " إِنَّ اللهَ قَبَضَ أرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَليْكُمْ حين شَاءَ، يَا بِلالُ قُمْ فَأذِّنْ بالنَّاس بالصَّلَاةِ " فَتَوَضَّأ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى. ــ فنزل بهم النبي ﷺ في ذلك المكان قال بلال: أنا أوقظكم " فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته " أي دابته " فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس " أي وقد طلع طرفها الأعلى " فقال: يا بلال أين ما قلت " يعني أين ما وعدتنا به من مراقبة طلوع الفجر، وتنبيهنا لصلاة الصبح، " فقال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إنّ الله قبض أرواحكم حين شاء، وردهما عليكم حين شاء " أي لا حرج عليكم في ذلك، لأن الله هو الذي أرخى عليكم النوم، وتوفّى أرواحكم حين شاء فنمتم، وردها إليكم حين شاء فاستيقظتم " قُمْ فأذن بالناس بالصلاة " أي فأمر النبي ﷺ بلالاً أن يؤذن للصبح بعد خروج الوقت " فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلّى " أي فلم يصل النبي ﷺ صلاة الصبح عند طلوع الشمس، وإنما انتظر حتى ارتفعت الشمس، فقام فصلّى. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الأذان للصلاة - الفائتة كما ترجم له البخاري، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة خلافاً لمالك والشافعي. ثانياً: استدل به أبو حنيفة على أن الصلاة الفائتة لا تقضى

стр. 501

٢٤٦ - " بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاس جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ " ٢٩٢ - عن جَابِرٍ ﵁: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْش، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حتى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا! " فَقُمْنَا إلى بَطْحَانَ، فَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. ــ في وقت النهي، لأن النبي ﷺ كما في هذا الحديث لما فاتته الصبح لم يصلها حتى ارتفعت الشمس وابياضت، وقال الجمهور: تقضى الفوائت في كل وقت حتى في أوقات النهي لقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: " قم فأذن بالناس بالصلاة ". ٢٤٦ - "باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت" ٢٩٢ - معنى الحديث: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النبي ﷺ في غزوة الخندق بعد غروب الشمس وهو يَسُب كفار قريش ويقول: لقد أخرتُ اليوم صلاة العصر بسبب قتال هؤلاء حتى أوشكت الشمس على الغروب " قال النبي ﷺ والله ما صليتها " يعني إذا كنت قد صليت العصر في آخر الوقت قبل الغروب فإني لم أصلها حتى الآن وقد غربت الشمس، قال جابر: " فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس " أي فصلى العصر وصليتها معه جماعة

стр. 502

٢٤٧ - " بَابُ مَنْ نسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إذَا ذَكَرَهَا وَلَا يُعيدُ إلَّا تِلْك الصَّلاةِ " ٢٩٣ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ". ــ بعد الغروب. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الجماعة للصلاة الفائتة، لأنه ﷺ صلى بهم العصر جماعة بعد الغروب، قال العيني: وهذا بالإِجماع، وشذ الليث، فمنع من ذلك. ثانياً: مشروعية الترتيب بين الصلاة الفائتة والحاضرة، فتقدم الفائتة لأنّه ﷺ صلى العصر ثم المغرب، وهو مذهب الجمهور، وقال الشافعي لا يجب الترتيب بينهما، وبه قال ابن القاسم وسحنون والظاهرية، واختلفوا هل يسقط الترتيب بضيق الوقت فقال مالك: لا يسقط. وتقدم الفائتة ولو ضاق الوقت. وقال الحنفية وأهل الحديث: لا يجب الترتيب عند ضيق الوقت، وأما الترتيب بين الفوائت فالأكثرون على وجوبه مع الذكر. والمطابقة: في قوله: " فصلى العصر بعد ما غربت الشمس " أي صلى بنا العصر جماعة. ٢٤٧ - " باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها " ٢٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها " أي من أخر صلاة من الصلوات الخمس عن وقتها لعذر شرعي كالنسيان أو النوم أو نحوهما فليصلها عند زوال العذر فوراً، فإن فعل ذلك عفا الله عنه، وإلّا فإنه يأثم، وهو معنى قوله ﷺ : "لا كفارة لها إلّا

стр. 503

ذلك" أي ولا يسلم من الإِثم إلاّ إذا صلاها عند انقطاع العذر مباشرة، وقال الخطابي: معنى " ولا كفارة لها إلاّ ذلك " أنه لا يلزمه في نسيانه غرامة ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي ودليل ذلك قوله سبحانه (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (١). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يجب قضاء الصلاة الفائتة لعذر شرعي من نوم أو نسيان أو نحوهما عند زوال العذر مباشرة، ولو في وقت نهي، فمن استيقظ عند شروق الشمس وجب عليه قضاء صلاة الصبح في حينه ولا يؤخرها إلى ما بعد طلوعها، ولو كان الوقت وقت كراهة لأن الفريضة تصلى مطلقاً، ولو في وقت النهي، وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا يقضيها حتى تطلع الشمس أو تغرب لقوله ﷺ : "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروها حتى تغيب " أخرجه البخاري، فقد حمله أبو حنيفة على عموم الصلاة فرضاً أو نفلاً، وخصّصه الجمهور بصلاة النافلة. ثانياًً: قال العيني حكي عن داود وجمع يسير من الصحابة عدم وجوب قضاء الصلاة على العامد لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وأجيب بأن القيد بالنسيان خرج مخرج الغالب، وأنه يجب قضاء الفائتة مطلقاً عمداً أو سهواً، وهو مذهب الجمهور. ...

стр. 504

٢٤٨ - " بَابُ السَّمَرِ في الفِقْهِ والخيْر بَعْدَ الْعِشَاءِ " ٢٩٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ فلمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: " أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأسَ مِائَةِ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ " فَوَهَل النَّاسُ في مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى مَا يَتَحَدَّثُونَ من هذِهِْ الأحَادِيثِ عن مِائَةِ سَنَةٍ، وإنمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا يبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمُ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ " يُريدُ بِذَلِكَ أسَنها تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. ــ ٢٤٨ - " باب السمر في الفقه والخيْر بعد العشاء " أي هذا باب في بيان جواز السهر والحديث بعد العشاء في العلم والفقه. ٢٩٤ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قام يخطب الناس ويعظهم ويعلمهم بعد صلاة العشاء " فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ " وهذا استفهام جار على غير حقيقته، ومعناه: قد رأيتم هذه الليلة فاحفظوها واضبطوا تاريخها، فإنه لا تمضي مائة سنة إلا ويموت هذا الجيل من الناس، ولا يبقى ممن هو موجود الآن على ظهر الأرض من الناس أحد، ولكن السامعين لم يفهموا هذا المعنى، وشت كل واحد منهم في وادٍ بعيداً عن المعنى المراد، وهو معنى قوله: " فوهل الناس " بفتح الهاء وكسرها " في مقالة رسول الله ﷺ " أي فغلط الصحابة في تفسير كلامه هذا وأخطأوا في فهم معناه، وفهموا منه فناء العالم وقيام الساعة، وانقراض البشرية، وأصاب ابن عمر ووفق لفهم المعنى المراد، وعرف أنه " إنما قال النبي ﷺ لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض "

стр. 505

يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن" (١) أي أن ذلك الجيل من الصحابة سينقرض وينتهي فلا يبقى أحدٌ منهم بعد مرور مائة سنة من تاريخه، وقد تحقق ذلك، فإن آخر الصحابة وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة توفي سنة عشر ومائة هجرية (٢). الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. فقه الحديث: دل الحديث على مشروعية السمر في العلم. والمطابقة: في كونه ﷺ سامرهم بالعلم بعد العشاء. ...

стр. 506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأذان الأذان لغة: الإِعلام بالشيء مطلقاً بواسطة نداء يصل إلى مسامع الناس، وأصله النداء المسموع بالأذن، من قولهم: آذنته، أي أوصلته إلى أذنه، كما في " تفسير الألوسي ". وأما الأذان شرعاً: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بالألفاظ المعروفة. وشرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة. وأما كيفية بدء الأذان فستأتي في الحديث القادم. وحكمه: أنه سنة مؤكدة عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وفرض كفاية عند أحمد، إلاّ أذان الجمعة فإنه فرض اتفاقاً. ويشترط في المؤذن: الإِسلام والذكورة والعقل. قال ابن قدامة: ولا نعلم في ذلك خلافاً، وهل يشترط البلوغ للاعتداد به، روايتان عن أحمد، الثانية منهما أنه لا يشترط به، وهو قول عطاء والشعبي والشافعي لقول عبد الله بن أبي بكر بن أنس: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس بن مالك شاهد لم ينكر عليهم، واختلفَ في ذلك المالكية. ويستحب فيه أن يكون صيّتاً بصيراً.

стр. 507

٢٤٩ - " بَابُ بَدءِ الْأذَانَ " ٢٩٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُون، فَيَتَحَينونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمَاً في ذَلِكَ فَقالَ بَعضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوساً مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهم: بَلْ بُوقَاً مِثلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَا بِلالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ ". ــ ٢٤٩ - " باب بدء الأذان " ٢٩٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان المسلمون حين قدموا المدينة " أي في السنة الأولى من الهجرة " يجتمعون فيتحينون الصلاة " أي فيتحرون أوقات الصلاة باجتهادهم، أو يجتمعون قبل الوقت فينتظرون حتى إذا دخل صلّوا " ليس ينادى لها " أي ولم يكن لها نداء خاص لإشعار الناس بدخول وقتها " فتكلموا يوماً في ذلك " أي فتحدث الناس يوماً عن حاجتهم إلى وسيلة إعلامية يعرفون بها دخول الوقت، وتبادلوا الرأى " فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى " وهو آلة يضربون عليها لِإعلام الناس بأوقات صلاتهم ولا زال حتى الآن يستعمل في كنائسهم. " وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود " بسكون الراء وهو آلة معروفة أو بوق ينفخ فيه فيحدث صوتاً عالياً يُسْمَعُ من بعيد، ولكن النبي ﷺ كره هذا وهذا، لأنهما من شعارات اليهود والنصارى " فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة " أي فألهم الله عمر هذه الوسيلة الجديدة فقال: ترسلون رجلاً ينادي في الناس فيعلمهم بدخول الوقت بأي

стр. 508

٢٥٠ - " بابُ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى " ٢٩٦ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ: أمِرَ بِلَالٌ أنْ يُشْفَعَ الْأَذَانَ، وأنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ. ــ لفظ كان، فاستحسن النبي ذلك، وأمر بلالاً به. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: بيان كيفية بدء الأذان. ثانياً: التحذير من تقليد الكفار في شعاراتهم الدينية. والمطابقة: في قوله: " قم فناد بالصلاة ". ٢٥٠ - " باب الأذان مثنى مثنى " ٢٩٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " أمر بلال أن يشفع الأذان " أي أمر النبي ﷺ مؤذنه بلالاً أن يأتي بألفاظ الأذان شفعاً، فيكرر كل جملة مرتين، " وأن يوتر الإِقامة " أي وأمره ﷺ أن يأتي بألفاظ الإقامة وتراً، فينطق بالجملة الواحدة مرة واحدة فقط " إلاّ الإقامة " أي ما عدا لفظ " قد قامت الصلاة " فإنه أمره ﷺ أن يأتي به مرتين، وكذلك التكبير في أول الإِقامة وآخرها، فإنه يؤتى به مرتين. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " أمر بلال أن يشفع الأذان ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب شفع الأذان والإِتيان بألفاظه مرتين مرتين، ما عدا كلمة التوحيد في آخره، فإنها وتر يؤتى بها مرةً واحدةً، وبهذا أخذ مالك رحمه الله تعالى إلاّ أنه قال بترجيع الشهادتين استناداً إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في الترجيع. وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى تربيع التكبير في أول الأذان، وشفع بقية ألفاظه، وذهب الشافعي إلى تربيع التكبير

стр. 509

٢٥١ - " بَابُ فضلَ التَّأذِينَ " ٢٩٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " إذَا نُودَيَ للصَّلَاةِ أدْبَرَ الشيطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقْبَلَ، حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بالصلَاةِ أدْبَرَ، حَتَّى إذا قُضِيَ التَثْوِيبُ أقبَلَ، حتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ، يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِى كَمْ صُلى ". ــ في أول الأذان، وشفع بقية ألفاظه، وترجيع الشهادتين. ثانياً: دل هذا الحديث على إفراد الإقامة عدا التكبير، ولفظ " قد قامت الصلاة " فإنّه يشفع، وهو مذهب الجمهور، وذهب مالك إلى إفرادها كلها بما فيها لفظ الإقامة، لما في الرواية الأخرى عن أنس قال: " فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " هكذا أخرجه البخاري دون استثناء وذهب أبو حنيفة إلى شفع الإقامة كلها، والله أعلم. ٢٥١ - " باب فضل التأذين " ٢٩٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا نودي للصلاة " أي إذا أذن المؤذن لإحدى الصلوات الخمس " أدبر الشيطان " أي هرب الشيطان وأعطى المؤذن ظهره، لأنّه لا يطيق سماع الأذان، " وله ضراط " الواو واو الحال، أي حال كونه له ضراط، وإنما يفعل ذلك من شدة ثقل الأذان (١) عليه، كما يقع للحمار الهزيل عندما يحمل حملاً ثقيلاً، وقيل: يفعل ذك متعمداً لئلا يسمع الأذان، كما يدل عليه قول الراوي: "حتى لا يسمع

стр. 510

٢٥٢ - " بَابُ رَفْعَ الصَّوْتِ بالنِّدَاءِ " ٢٩٨ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي صَعْصَعَة الأنصاري الْمَازِنِي: أن أبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَهُ: إِنِّى أراكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ والْبَادِيَةَ فإذا

стр. 511

كنت في غَنَمِكَ، أوْ بَاديَتكَ فأذَّنت بالصَّلَاةِ فارْفَعْ صَوتَكَ بالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا أنسٌ ولا شَيءٌ إلَّا شهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أبو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولَ اللهَ ﷺ . ٢٥٣ - " بَابُ مَا يَقُولُ إذا سَمِعَ الْمُنَادِي " ٢٩٩ - عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ــ باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء" أي فأذن بصوت جهوري عال مرتفع، ثم علل له ذلك بقوله: " فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن " أي لا ينتهى صوت المؤذن لأي شيء من الموجودات، سواء كان من الكائنات الحيّة كالجن والأنس والبهائم والنبات أو الجمادات " إلا شهد له " بالأذان " يوم القيامة " وهو مصداق قوله سبحانه: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا). فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب رفع الصوت بالأذان، وأن يكون المؤذن جهوري الصوت ليصل صوته إلى أقصى مكان، فيكثر من يشهد له يوم القيامة، ولو أذن في مكان عال كان أفضل، ومن ثم اتخذت المآذن في الإِسلام، وكان بلال يؤذن على بيت امرأة من بني النجار، أعلى بيوت المدينة المحيطة بالمسجد والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فارفع صوتك بالنداء ". والحديث مرفوع إلى النبي ﷺ لقول أبي سعيد: " سمعته من رسول الله ﷺ ". ٢٥٣ - " باب ما يقول إذا سمع المنادي " ٢٩٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا سمعتم النداء " أي إذا سمعتم صوت المؤذن أثناء الأذان،

стр. 512

الْمُؤَذِّنُ". ــ سواء سمعتم الكلمات أو لم تسمعوها. " فقولوا مثل ما يقول المؤذن " أي فأجيبوه بحكاية ألفاظ الأذان، فإن سمعتم الكلمات فعليكم محاكاته لفظاً لفظاً ومتابعته كلمة كلمة، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله قلتم بعده: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وهكذا في بقية الجمل، وإن لم تسمعوا كلماته أتيتم بالأذان كله جملة واحدة. الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه: أنه يسن لمن سمع الأذان إجابة المؤذن ومحاكاته لفظاً لفظاً وجملة جملة إلى آخر الأذان حتى في الحيعلتين، وهو قول بعض أهل العلم: لعموم هذا الحديث حيث قال: " فقولوا مثل ما يقول "، وقد اختلف في ذلك العلماء، كما قال العيني: فقال النخعي والشافعي وأحمد في رواية، ومالك في رواية: ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وهو مذهب أهل الظاهر (١) أيضاً، وقال الثورى وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلاّ في الحيعلتين، فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلاّ بالله، لما جاء في حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلاّ الله، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله فقال: أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال: حيَّ على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله ثم قال: الله أكبر الله أكبر فقال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلاّ الله، قال: لا إله إلاّ الله من قلبه دخل الجنة " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وأما عند قوله: " الصلاة خير من النوم " فلم

стр. 513

٢٥٤ - " بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ " ٣٠٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ سَمِعَ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِةِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً لوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مقاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ". ــ يرد في الإِجابة عليه حديث من رسول الله ﷺ إلاّ عموم قوله " فقولوا مثل ما يقول المؤذن " ولهذا قال في " المنهل العذب ": والظاهر أنه يحاكيه فيها، وقال القاري يقول: صدقت وبررت وبالحق نطقت. والمطابقة: في قوله: " فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". ٢٥٤ - " باب الدعاء عند النداء " ٣٠٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من قال حين يسمع النداء " أي من قال هذه الصيغة المأثورة من الدعاء عند فراغ المؤذن من الأذان وانتهائه منه وهي: " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته وجبت له شفاعتي " أي ثبتت له شفاعة النبي ﷺ ، واستحقها بدعائه هذا، وأدركته يوم القيامة. و" الوسيلة " منزلة في أعلى الجنة، والمراد " بالدعوة التامة " الأذان، سمى دعوة لما فيه من دعوة الناس إلى الصلاة، ووصف بالتمام لاشتماله على عقائد الإِيمان من التوحيد والتصديق بالرسالة المحمدية و" الصلاة القائمة " هى الصلاة الحاضرة التي يؤذن لها و" الفضيلة ": هي منزلة عليا يمتاز بها نبينا ﷺ عن سائر الخلق و" المقام المحمود " مقام الشفاعة. ويستفاد من الحديث: أنه يستحب لمن جمع الأذان أن يدعو بهذه الصيغة

стр. 514

٢٥٥ - " بَابُ الاسْتِهَامَ في الأذَانَ " ٣٥١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأولِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أن يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ ــ المأثورة لكى يَسْعد بشفاعة المصطفى ﷺ ، فقد بشر النبي من قالها بشفاعته حيث قال: " حلَّت له شفاعتي ". الحديث: أخرجه أيضاً الأربعة. تنبيهات: الأول: من الأذكار المأثورة عند نهاية الأذان ما رواه سعد ابن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه ". الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: " ثم صلّوا علي، فإنه من صلّى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ". الثالث: أنه يستحب الدعاء عند الأذان، فإنه مستجاب، لما رواه أبو يعلى في " مسنده " مرفوعاً: " إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء ". والمطابقة: ظاهرة، لأن النبي ﷺ بشرنا بأن من قال هذا الدعاء حلت له الشفاعة. ٢٥٥ - " باب الاستهام في الآذان " ٣٠١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول " أي لو اطلع الناس على ما أعده الله للمؤذنين وأهل الصف الأول من الأجر العظيم " ثم لم يجدوا " وسيلة للوصول " إلا أن يستهموا عليه " أي أن يقترعوا على الأذان والصف الأول " لاستهموا " أي لحاولوا الوصول إلى ذلك ولو بالقرعة، لما يرون فيهما من الثواب الكبير والأجر الجزيل. " ولو يعلمون ما في التهجير " أي ما في المبادرة إلى الصلاة في أول

стр. 515

ما فِي التَهْجِير لاستَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصبُّحِ لأتَوْهُمَا، ولَوْ حَبْواً". ٢٥٦ - " بَابُ أذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخبِرُهُ " ٣٠٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلَالاً يُؤَدِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى ــ وقتها " لاستبقوا إليه " أي لحرصوا على ذلك أشد الحرص. " ولو يعلمون ما في العتمة والصبح " أي ما في صلاة العشاء والصبح مع الجماعة " لأتوهما ولو حبواً " أي ولو في أشد حالات الضعف الذي يضطرهم إلى الإِتيان إليها حبواً على اليدين والرجلين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: بيان فضل الأذان وثوابه، لأن الناس لا يقترعون إلا على أنفس الأشياء وأعظمها قدراً، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياً: فضل الصف الأول، لأن النبي ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن الناس لو علموا قدر الصلاة في الصف الأول لتنافسوا عليه، حتى لا يصل إليه أحدهم إلّا بالقرعة. ثالثاً: فضل المبادرة إلى الصلاة في وقتها وأنه من الأمور التي ينبغي الحرص عليها. رابعاً: أنه ينبغي الحرص على حضور العشاء والصبح مع الجماعة ولو في أسوأ الأحوال. والمطابقة: في قوله: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلاّ أن يستهموا عليه - لاستهموا عليه ". ٢٥٦ - " باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره " ٣٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمِّ

стр. 516

يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"، وَكَانَ رَجُلاً أعْمى، لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ. ــ مكتوم" أي إنّ بلالاً يؤذن في آخر الليل قبل طلوع الفجر، فلا تنقطعوا عن طعامكم وشرابكم، ولا تبدءوا صيامكم حتى يؤذن ابن أمّ مكتوم، لأنه هو الذي يؤذن بعد طلوع الفجر " وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت " أي لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يتحقق طلوع الفجر وينادي عليه الناس دخلت في الصباح، أو طلع الصباح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: " حتى ينادي ابن أم مكتوم " وقد كان رجلاً أعمى. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز أذان الأعمى إذا وجد من يخبره، بدخول الوقت، لأن ابن (١) أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ وهو أعمى. ثانياًً: مشروعية الأذان الأول في آخر الليل لِإيقاظ النائمين لتناول سحورهم، وتنبيه القائمين إلى اقتراب طلوع الفجر ليأخذوا حظهم من الراحة استعداداً لصلاة الصبح، كما كان بلال يؤذن في آخر الليل فإنه كما قال النبي ﷺ : " يؤذن بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم " أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ...

стр. 517

٢٥٧ - " بَابُ الأذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ " ٣٥٣ - عَنْ حَفْصَةَ (١) ﵂: " أنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ كانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذنُ للصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أن تُقَامَ الصَّلَاةُ ". ــ ٢٥٧ - " باب الأذان بعد الفجر " ٣٠٣ - معنى الحديث: تحدثنا حفصة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف (٢) المؤذن وبدا الصبح (٣) صلى ركعتين خفيفتين " أي كان إذا طلع الفجر وظهر نور الصباح أذن المؤذن لصلاة الصبح أذاناً آخر غير الأذان الذي في آخر الليل فإذا سكت المؤذن وجلس وانتهى من أذانه بادر النبي ﷺ لأداء سنة الفجر فصلى ركعتين خفيفتين قبل القيام لصلاة الصبح. ما يستفاد من الحديث: يستفاد منه مشروعية الأذان بعد طلوع الفجر للاعلام بدخول وقت صلاة الصبح، ولا يكفي الأذان الأول الذي في آخر الليل عن الأذان الثاني الذي بعد طلوع الفجر، لأن مؤذن النبي ﷺ كان يؤذن -لصلاة الفجر- إذا بدا الصبح، وقد كان للنبي ﷺ مؤذنان يؤذن أحدهما وهو بلال الأذان الأول في آخر الليل، ويؤذن ثانيهما وهو ابن أم

стр. 518

٢٥٨ - " بَابٌ كَمْ بَيْنَ الأذَانِ والإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِر إِقَامَةِ الصَّلَاةِ " ٣٠٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل رَضِيَ المَزنِيِّ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاةٌ " ثلاثاً، لِمَنْ شَاءَ. ــ مكتوم الأذان الثاني عند طلوع الفجر. والمطابقة: في قولها: " كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٢٥٨ - " باب كم بين الأذان والإِقامة " ٣٠٤ - ترجمة راوي الحديث: هو عبد الله بن مغفل المزني من أصحاب بيعة الرضوان، وأحد البكائين في غزوة تبوك، روى ثلاثة وأربعين حديثاً، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بآخر، سكن المدينة، ثم تحول منها إلى البصرة، ومات بها سنة تسع وخمسين من الهجرة. معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " بين كل أذانين صلاة " والمراد بالأذانين الأذان والإقامة من باب التغليب، أي بين كل أذان وإقامة صلاة مسنونة " ثلاثاً " أَي أعاد هذه الجملة ثلاث مرات، وفي رواية مسلم قال في الرابعة " لمن شاء ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. ويستفاد منه: أنه يستحب الفصل بين الأذان والإِقامة بما يتسع من الوقت لصلاة ركعتين، ليتمكن الناس من حضور الجماعة، وهو مذهب الجمهور، إلّا أنهم اختلفوا في المغرب فقال أبو حنيفة: يفصل بين أذان المغرب والصلاة بمقدار ثلاث خطوات فقط، وقال أبو يوسف: بمقدار الجلسة بين الخطبتين. وقال الشافعي: بمقدار جلسة أو سكتة، كما ذكره النووي. وقال أحمد: بمقدار ركعتين مثل غيرها كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: " بين كل أذانين صلاة " لأن ذلك لا يتحقق إلاّ إذا تحقق الوقت الكافي له.

стр. 519

٢٥٩ - " بَاب بَيْنَ كُلِّ أذَانيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ " ٣٠٥ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل ﵁: عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: " بَيْن كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاة، بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاة، ثُمَّ قَالَ في الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ ". ٢٦٠ - " بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنَ في السَّفَرِ مُؤَذِّن وَاحِدٌ " ٣٠٦ - عن مَالِكٍ بنِ الْحُوَيْرِثْ ﵁ قَالَ: ــ ٢٥٩ - " باب بين كل أذانين صلاة " ٣٠٥ - معنى الحديث: تقدم بيانه وشرحه. ويستفاد منه: أنه تسن النافلة بين كل أذان وإقامة بما في ذلك المغرب، فتسن النافلة قبل صلاة المغرب لحديث الباب، ولقوله ﷺ : " صلوا قبل المغرب " وقال في الثالثة: " لمن شاء " أخرجه البخاري، وهو مذهب أحمد وأهل الحديث، وذهب آخرون إلى عدم مشروعيتها، وهو مشهور مذهب المالكية والحنفية وقول الشافعي ونقل عن الخلفاء الراشدين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: لفظية. ٢٦٠ - " باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد " ٣٠٦ - ترجمة الراوي: هو مالك بن الحويرث الليثي، قدم على النبي ﷺ وأقام عنده أياماً ثم أذِن له بالعودة إلى أهله. روى خمسة وعشرين حديثاً اتفق الشيخان على اثنين توفي سنة (٧٤) هـ. معنى الحديث: يقول مالك بن الحويرث ﵁: "أتيت النبي

стр. 520

أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِنْ قَومِي فأقَمْتُ عِنْدَهُ عِشْرينَ لَيْلَةً، وكَانَ رَحيماً رفِيقاً، فلمَّا رأى شَوْقَنَا إلَى أهَالِينَا قَالَ: " ارْجِعُوا فكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فإِذَا حضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ ". ــ ﷺ في نفر" أي جماعة بين الثلاثة والعشرة " من قومي " وهم بنو الليث ابن بكر، وكان قدومهم في السنة التاسعة " فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً " أي لين الجانب لطيف المعاملة " فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا فإذا حضرت الصلاة، فيؤذن لكم أحدكم " يعني أي واحد منكم صغيراً كان أو كبيراً ما دامت تتوفر فيه شروط الأذان " وليؤمكم أكبرم " سناً ولم يذكر الفقه والعلم، لما في رواية أبي داود " وكنا يومئذ متقاربين في العلم ". الحديث: أخرجه الستة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الأذان في السفر، لأنه ﷺ أمرهم بالأذان مطلقاً في الحضر أو السفر، فدل ذلك على استحباب الأذان في السفر، وهو قول أكثر أهل العلم، سواء كانوا جماعة أو كان شخصاً واحداً، وعلى كل من كان في فلاة سواء كان في سفر أو غيره، وسواء كان فرداً أو جماعة. ثانياً: الاكتفاء بمؤذن واحد. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فليؤذن لكم أحدكم ". ***

стр. 521

٢٦١ - "بَابُ الأذَانِ لِلْمُسَافُرِين إِذَا كَانوا جَمَاعَةً وَالإِقَامَةِ وكَذَلِك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصَّلاةُ في الرَّحَالِ في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ " ٣٠٧ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثُ ﵁ قَالَ: أتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أنتُما خَرَجْتُمَا فأذِّنَا، ثُمَّ أقِيمَا، ثُمَّ ليَؤُمُكما أكْبَرُكُمَا". ــ ٢٦١ - " باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإِقامة وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصَّلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة " ٣٠٧ - معنى الحديث: يقول مالك بن الحويرث ﵁: " أَتى رجلان النبي ﷺ " وهما مالك بن الحويرث نفسه وابن عمه " يريدان السفر " إلى ديارهما " فقال النبي ﷺ : إذا أنتما خرجتما فأذنا، ثم أقيما " أي إذا غادرتما المدينة فحافظا على الأذان والإقامة لكل صلاة، سواء كنتما في أثناء السفر أو كنتما في دياركما " ثم ليؤمكما أكبركما " سناً كما تقدم. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " إذا أنتما خرجتما فأذنا ". ويستفاد منه: مشروعية الأذان والإقامة في السفر للجماعة كمشروعيتهما في الحضر لأنّ النبي ﷺ أمر مالكاً وابن عمه بالأذان والإِقامة عْند عزمهما على السفر، وهذا يدل على مشروعيتهما في السفر للجماعة، وهو قول الجمهور، وعليه ترجم البخاري. ***

стр. 522

٣٠٨ - عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأمُرُ مُؤَذِّنَاً يؤذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ علَى إثْرِهِ: ألا صَلوا في الرِّحَالِ، في اللّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ الْمَطِيرَةِ في السَّفَرِ. ٢٦٢ - " بَابٌ هَلْ يُتْبِعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأذَانِ " ــ ٣٠٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذناً يؤذن للصلاة " ثم يقول على إثره " بكسر الهمزة وسكون الثاء، أى ثم يقول المؤذن بعد الفراغ من أذانه: " ألا صلوا في الرحال " أي في خيامكم ومنازلكم " في الليلة الباردة أو المطيرة " أي أنه ﷺ كان يأمر مؤذنه أن يقول بعد فراغه من الأذان في الليلة الباردة أو الممطرة: صلوا في الرحال. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال ". ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولاً: أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة، والجماعة البرد الشديد والمطر الغزير، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ذلك، لأنّ النبي ﷺ كان يأذن للناس أن يصلوا في رحالهم في الليالي الباردة أو الممطرة، كما في هذا الحديث. ثانياً: مشروعية أن يقول المؤذن بعد الأذان في الليلة الباردة أو الممطرة: " ألا صلوا في الرحال "، وهو مذهب أحمد، وكرهه الجمهور. ٢٦٢ - " باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا " أي هذا باب يذكر فيه هل يُشْرَع للمؤذن " أن يُتبع " بضم الياء وسكون التاء أي أن يوجه فمه ها هنا وها هنا. أي أن يوجه فمه يميناً عند قوله:

стр. 523

٣٠٩ - عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ ﵁: أنَّهُ رَأى بِلَالاً يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ اتُتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بالْأذَانَ. ٢٦٣ - " بَابُ قَوْلِ الرَّجُل فَاتتْنَا الصَّلَاةُ " ٣١٠ - عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِّجَالِ فَلمَّا صَلَّى ــ " حي على الصلاة " وشمالاً عند قوله: " حيَّ على الفلاح ". ٣٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو جحيفة ﵁: " أنه رأى بلالاً يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان " أي أنه رأى بلالاً في أثناء أذانه، ولا حظ حركات وجهه، فوجده يوجه فمه يميناً عند قوله: " حيَّ على الصلاة " وشمالاً عند قوله: " حيَّ على الفلاح " كما جاء موضحاً في رواية سفيان حيث قال: " فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح " (١) أخرجه مسلم. ويستفاد منه: استحباب الالتفات في الأذان عند الحيعلتين بأن يتوجه المؤذن بفمه يميناً عند قوله: " حي على الصلاة " وشمالاً عند قوله: " حي على الفلاح " من غير تحويل صدره أو قدميه عن القبلة، وفائدته تعميم الناس (٢) بالإِسماع. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان ". ٢٦٣ - " باب قول الرجل فاتتنا الصلاة " ٣١٠ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁ "بينما نحن

стр. 524

قَالَ: " مَا شَأنُكُمْ؟ " قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلى الصَّلَاةَ، قَالَ: فلا تَفْعَلُوا إِذَا أتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلوا، وَما فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا ". ــ نصلي مع النبي ﷺ " صلاة الجماعة " إذ سمع جلبة الرجال " أي سمع أصواتاً عالية، وهي أصوات أقدام الناس، وهم يسرعون إلى الصلاة " فلما صلّى قال: ما شأنكم؟ " يعني مما سبب هذه الضجة التي سمعتها في أثناء الصلاة " قالوا: استعجلنا " أي أسرعنا في مشينا إلى الصلاة " قال: فلا تفعلوا " أي لا تسرعوا في أثناء سيركم إلى الصلاة " إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة " أي إذا جئتم إلى الصلاة فحافظوا على الهدوء في أثناء مشيكم إليها، وسيروا سيراً عادياً " فما أدركتم فصلوا " الفاء واقعة في جواب الشرط كما قال الحافظ: أي إذا فعلتم ما أمرتكم به، فما حصلتم عليه من الركعات فصلوا مع الإِمام، وتابعوه متابعة كاملة. " وما فاتكم فأتموا " أي وما فاتكم من الصلاة مع الإِمام، فأتموه بعد السلام. الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن المسبوق -وهو الذي فاتته مع الإمام بعض الصلاة- يجب عليه أن يتم ما فاته بعد سلام الإمام، لقوله ﷺ : " وما فاتكم فأتموا ". واختلفوا كيف يتم صلاته، هل يتمها بناءً فيجعل ما أدرَكه أول صلاته، أو يتمها قضاءً، فيجعل ما أدركه آخر صلاته فقال الشافعي وأحمد في رواية يتم ما فاته بناءً ويبني في الأقوال والأفعال معاً، فيجعل ما أْدركه أوّل صلاته، وما فاته آخر صلاته. لقوله ﷺ في حديث علي ﵁: " ما أدركت فهو أوّل صلاتك " أخرجه البيهقي، فإذا أدرك ركعة من الظهر مع الإمام، فإنه يقوم بعد السلام فيأتي بركعة واحدة بالفاتحة والسورة ويجلس للتشهد الأول، ثم يقوم فيأتي بالركعتين الباقيتين بالفاتحة فقط

стр. 525

٢٦٤ - " بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إذا رَأوُا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ " ٣١١ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ". ــ ويتشهد ويسلم. وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يقضى في الأقوال والأفعال معاً فيجعل ما أدركه مع الإِمام آخر صلاته، وما فاته أول صلاته واستدلوا على ذلك بحديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: " وما فاتكم فاقضوا " أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، والبيهقي عن معاذ بن جبل. فمن أدرك ركعة من الظهر فإنّه - كما قال أبو حنيفة وأحمد: يأتي بركعتين بالفاتحة والسورة، يجلس بعدهما للتشهد الأوّل، ثم يقوم فيأتي بالركعة الأخيرة بالفاتحة فقط، ويتشهد ويسلم. أما مالك فإنه حاول الجمع بين الأحاديث المختلفة ليعمل بها جميعاً، فقال: المسبوق يبني في الأفعال من تشهد وجلوس وسط ونحوه، ويقضي في الأقوال من قراءة الفاتحة. والسورة ونحوها، فمن أدرك ركعة من الظهر فإنه يقوم بعد السلام فيأتي بركعة بالسورة والفاتحة، يجلس بعدها للتشهد، ثم يقوم فيأتي بركعة أخرى بالفاتحة والسورة أيضاً، ثم يأتي بالركعة الأخيرة بالفاتحة فقط ويتشهد ويسلم، واستدل على ذلك بحديث علي ﵁ قال: " ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك من القرآن " أخرجه البيهقي. ثانياً: أنه يجوز للرجل أن يقول فاتتنا الصلاة: لقوله ﷺ : " وما فاتكم فأتموا ". والمطابقة: في قوله ﷺ : " وما فاتكم فأتموا ". ٢٦٤ - " باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإِمام عند الإقامة " ٣١١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " مقبلاً إلى الصلاة، أي حتى يراني من تتيسر له رؤيتي

стр. 526

٢٦٥ - " بَابٌ الإِمَامُ تعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ قَبلَ الإِقَامَةِ " ٣١٢ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: " أًقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً في جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إلى الصَّلَاةِ حتى نَامَ الْقَومُ ". ــ منكم، لأن رؤية الجميع له متعذرة سيما بعد اتساع المساجد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فلا تقوموا حتى تروني ". ويستفاد منه: استحباب القيام إلى الصلاة عند رؤية بعض المصلين إقبال الإمام إليها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه يستحب القيام لها عند الفراغ من الإقامة، وهو مذهب مالك، وقال أحمد: " إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة " وقال أبو حنيفة ومحمد: " إذا قال حي على الصلاة ". ٢٦٥ - " باب الإِمام تعرض (١) له الحاجة بعد الإِقامة " ٣١٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في المسجد "، أي أقيمت حال كون النبي ﷺ مشغولاً بالحديث مع رجل في المسجد عرض له في طريقه " فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم "، أي فلم يشرع النبي ﷺ في الصلاة حتى ناموا، وفي الحديث عن حميد الطويل قال: سألت ثابتاً البُناني -بضم الباء- عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة: فقال: " أقيمت الصلاة، فعرض لرسول الله ﷺ رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة " أخرجه أبو داود.

стр. 527

" أبواب صلاة الجماعة والإمامة " ٢٦٦ - " بَابُ وُجوُبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ " ٣١٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدَ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَب فَيُحْطَبَ، ثم آمُرَ بالصَّلَاةِ فيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَال فَأحَرقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنّه يجوز للإِمام أن ينشغل بحاجة تعرض له بعد إقامة الصلاة، فيؤخر الشروع فيها، كما يجوز له الكلام بعد الإِقامة، وكرهه الحنفية. وقال مالك: يستحسن إعادة الإقامة إذا. بعدت. ثانياً: أنّ النوم الخفيف لا يبطل الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً " ٢٦٦ - " باب وجوب صلاة الجماعة " ٣١٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها "، أي يقسم النبي ﷺ بالله الذي روحه بيده يتصرف فيها كيف يشاء، أنه عزم على أن يأمر أصحابه بجمع الحطب وتكسيره، وإشعال النار فيه " ثم آمر رجلاً فيؤم الناس " أي ثم يأمر بلالاً بإقامة صلاة العشاء أو الصبح، قال ﷺ : " ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهمْ "، أي ثم أعاقب رجالاً من المنافقين يشهدون الظهر والعصر مع الجماعة رياءً ويتخلفون عن العشاء والصبح مع الجماعة، حيث لا يراهم الناس بسبب ظلمة الليل، فأحرِّق عليهم بيوتهم عقوبةً لهم على نفاقهم، ولكنه ﷺ لم يفعل مَا هَمَّ بِه رحمةً

стр. 528

لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهُمْ أنه يَجِدُ عَرْقَاً سَمِيناً أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ". ــ بالنساء والأطفال الموجودين في البيوت، كما جاء في رواية أخرى أنه قال: " ولولا ما في البيوت من النساء والذريّة لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون " أخرجه أحمد، ثم قال ﷺ : " والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً " بفتح العين وسكون الراء " سميناً "، أي لو يعلم أحد هؤلاء أنه يجد في المسجد عظماً عليه شيء من اللحم والشحم ولو يسيراً " أو مرماتين حسنتين "، يعني أو سهمين جيدين " لشهد العشاء " أي لحضر صلاة العشاء لأنّه لا يهمه إلاّ العرض الدنيوي ولو كان يسيراً. ويستفاد منه: تأكيد الأمر بصلاة الجماعة، واستدل به البخاري وبعض أهل العلم على وجوبها. واختلف الفقهاء في حكمها على أربعة أقوال: الأول: أنها شرط في صحة الصلاة، وأن صلاة المنفرد باطلة، وهو مذهب داود الظاهري ويشترط فيها المسجد، لحديث: " لا صلاة لجار المسجد، إلاّ في المسجد ". الثاني: أنها فرض عين، فتصح صلاة المنفرد مع الإِثم، ولا يشترط فيها المسجد لقوله ﷺ : " جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً " فأيما رجل أدركته الصلاة صلَّى حيث كان " متفق عليه، وأما حديث: " لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد " فهو من قول على ﵁ كما أفاده ابن قدامة، وبهذا قال إسحاق وعطاء والأوزاعي وأحمد. الثالث: أنها فرض كفاية لقوله ﷺ : " ما من ثلاثة في قرية، أو بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان " أخرجه أبو داود، وهو ظاهر قول الشافعي وبعض المالكية، وصححه النووي في " المنهاج ". الرابع: أن الجماعة سنة مؤكدة، وهو قول الجمهور ومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وقول للشافعيّة. قال الشوكاني (١): وهو أعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب (٢)، واستدلوا على عدم

стр. 529

٢٦٧ - " بَابُ احْتِسَابِ الآثَارِ " ٣١٤ - عن أنسٍ ﵁: أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أرَادُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيباً مِنَ النَّبِيِّ ــ وجوبها بقوله ﷺ : " صلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة " قالوا: لأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد تقتضي المشاركة في الثواب وتدل على أن المنفرد له حظ من الأجر، ولو كانت الجماعة واجبة لكان المنفرد عاصياً، والعاصي لا أجر له. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: الأول: أن الهم بقتلهم لا يستلزم وجوب الجماعة، فإن السنة الظاهرة كالأذان مثلاً يقاتل عليها كما يقاتل على ترك الواجبات، كما أفاده القاضي عياض. الثاني: أن هؤلاء الذين توعدهم رسول الله ﷺ كانوا منافقين يحضرون الجماعة ظهراً وعصراً ليراهم الناس، ويغيبون عنها عشاء وصبحاً حيث لا يرونهم، فهمَّ النبي ﷺ بقتلهم لنفاقهم، وهو ما رجحه الحافظ حيث قال: والذي يظهر لي أنّ الحديث ورد في المنافقين لقوله ﷺ : " ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر " لكن المراد به نفاق المعصية (١). الحديث: أخرجه الستة وأحمد في " مسنده " بألفاظ. والمطابقة: كما يراه البخاري في كونه ﷺ همّ بتحريق بيوت المتخلِّفين عن الجماعة، فلو لم تكن واجبة لما هم بذلك. ٢٦٧ - " باب احتساب الآثار " ٣١٤ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن بني سلِمة " بكسر اللام وهم بنو سلِمة بن سعد بن علي بن أسد الخزرجي الأنصاري، وكانت منازلهم بجزع السيح ما بين القبلتين ومسجد الفتح،

стр. 530

- ﷺ قَالَ: فكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَعْرُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: " ألَا تَحْتَسِبُونَ آثارَكُمْ ". ــ وكانت هذه المنطقة تسمى في ذلك العصر بالمذاد، وهي بعيدة عن المسجد، فلما خلت بعض الديار القريبة " أرادوا أن يتحولوا " أي أن ينتقلوا " عن منازلهم فينزلوا قريباً من النبي ﷺ "، ويقتربوا من المسجد النبوي الشريف ليتمكنوا من الصلاة معه، وحضور مجلسه، قال جابر: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلِمةَ أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: " يا بني سلِمة ديارَكم تكتب آثاركم "، أخرجه مسلم. فأمرهم النبي ﷺ بالبقاء في منازلهم، وكان ﷺ يهدف من وراء ذلك إلى حماية المدينة من العدو من الجهة الغربيّة كما قال أنس: " فكره رسول الله ﷺ أن يعروا المدينة " أي كره أن تخلو الجهة الغربية منهم، لانهم كانوا بمثابة سور للمدينة يحميها من الأعداء، ولهذا نهاهم عن الانتقال عن تلك المنطقة وبشرهم باحتساب خطواتهم، وتكاثر حسناتهم تبعاً لبعد منازلهم فقال: " ألا تحتسبون آثاركم " أي ألا تفرحون باحتساب خطواتكم وإن لكم بكل خطوة حسنة. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل كثرة المشي وبعد الدار عن المسجد، وما يؤدي إليه زيادة الخطوات من زيادة الحسنات وتكفير السيئات ورفع الدرجات. ولهذا قال ﷺ : " أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " أخرجه البخاري. ثانياًً: أنه يستحب للمسلم أن يحتسب خطواته إلى المسجد عند الله تعالى، ويستحضر فضل ذلك في أثناء سيره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : "ألا تحتسبون آثاركم".
следующие страницы →