٢٦٥ - " بَابٌ الإِمَامُ تعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ قَبلَ الإِقَامَةِ "
٣١٢ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ:
" أًقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً في جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إلى الصَّلَاةِ حتى نَامَ الْقَومُ ".
ــ
منكم، لأن رؤية الجميع له متعذرة سيما بعد اتساع المساجد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فلا تقوموا حتى تروني ".
ويستفاد منه: استحباب القيام إلى الصلاة عند رؤية بعض المصلين إقبال الإمام إليها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه يستحب القيام لها عند الفراغ من الإقامة، وهو مذهب مالك، وقال أحمد: " إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة " وقال أبو حنيفة ومحمد: " إذا قال حي على الصلاة ".
٢٦٥ - " باب الإِمام تعرض (١) له الحاجة بعد الإِقامة "
٣١٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في المسجد "، أي أقيمت حال كون النبي ﷺ مشغولاً بالحديث مع رجل في المسجد عرض له في طريقه " فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم "، أي فلم يشرع النبي ﷺ في الصلاة حتى ناموا، وفي الحديث عن حميد الطويل قال: سألت ثابتاً البُناني -بضم الباء- عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة: فقال: " أقيمت الصلاة، فعرض لرسول الله ﷺ رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة " أخرجه أبو داود.
стр. 527
" أبواب صلاة الجماعة والإمامة "
٢٦٦ - " بَابُ وُجوُبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ "
٣١٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدَ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَب فَيُحْطَبَ، ثم آمُرَ بالصَّلَاةِ فيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَال فَأحَرقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، والذي نَفْسِي بِيَدِهِ،
ــ
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنّه يجوز للإِمام أن ينشغل بحاجة تعرض له بعد إقامة الصلاة، فيؤخر الشروع فيها، كما يجوز له الكلام بعد الإِقامة، وكرهه الحنفية. وقال مالك: يستحسن إعادة الإقامة إذا. بعدت. ثانياً: أنّ النوم الخفيف لا يبطل الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
والمطابقة: في قوله: " أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً "
٢٦٦ - " باب وجوب صلاة الجماعة "
٣١٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها "، أي يقسم النبي ﷺ بالله الذي روحه بيده يتصرف فيها كيف يشاء، أنه عزم على أن يأمر أصحابه بجمع الحطب وتكسيره، وإشعال النار فيه " ثم آمر رجلاً فيؤم الناس " أي ثم يأمر بلالاً بإقامة صلاة العشاء أو الصبح، قال ﷺ : " ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهمْ "، أي ثم أعاقب رجالاً من المنافقين يشهدون الظهر والعصر مع الجماعة رياءً ويتخلفون عن العشاء والصبح مع الجماعة، حيث لا يراهم الناس بسبب ظلمة الليل، فأحرِّق عليهم بيوتهم عقوبةً لهم على نفاقهم، ولكنه ﷺ لم يفعل مَا هَمَّ بِه رحمةً
стр. 528
لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهُمْ أنه يَجِدُ عَرْقَاً سَمِيناً أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ".
ــ
بالنساء والأطفال الموجودين في البيوت، كما جاء في رواية أخرى أنه قال: " ولولا ما في البيوت من النساء والذريّة لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون " أخرجه أحمد، ثم قال ﷺ : " والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً " بفتح العين وسكون الراء " سميناً "، أي لو يعلم أحد هؤلاء أنه يجد في المسجد عظماً عليه شيء من اللحم والشحم ولو يسيراً " أو مرماتين حسنتين "، يعني أو سهمين جيدين " لشهد العشاء " أي لحضر صلاة العشاء لأنّه لا يهمه إلاّ العرض الدنيوي ولو كان يسيراً.
ويستفاد منه: تأكيد الأمر بصلاة الجماعة، واستدل به البخاري وبعض أهل العلم على وجوبها. واختلف الفقهاء في حكمها على أربعة أقوال: الأول: أنها شرط في صحة الصلاة، وأن صلاة المنفرد باطلة، وهو مذهب داود الظاهري ويشترط فيها المسجد، لحديث: " لا صلاة لجار المسجد، إلاّ في المسجد ". الثاني: أنها فرض عين، فتصح صلاة المنفرد مع الإِثم، ولا يشترط فيها المسجد لقوله ﷺ : " جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً " فأيما رجل أدركته الصلاة صلَّى حيث كان " متفق عليه، وأما حديث: " لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد " فهو من قول على ﵁ كما أفاده ابن قدامة، وبهذا قال إسحاق وعطاء والأوزاعي وأحمد. الثالث: أنها فرض كفاية لقوله ﷺ : " ما من ثلاثة في قرية، أو بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان " أخرجه أبو داود، وهو ظاهر قول الشافعي وبعض المالكية، وصححه النووي في " المنهاج ". الرابع: أن الجماعة سنة مؤكدة، وهو قول الجمهور ومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وقول للشافعيّة. قال الشوكاني (١): وهو أعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب (٢)، واستدلوا على عدم
стр. 529
٢٦٧ - " بَابُ احْتِسَابِ الآثَارِ "
٣١٤ - عن أنسٍ ﵁:
أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أرَادُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيباً مِنَ النَّبِيِّ
ــ
وجوبها بقوله ﷺ : " صلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة " قالوا: لأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد تقتضي المشاركة في الثواب وتدل على أن المنفرد له حظ من الأجر، ولو كانت الجماعة واجبة لكان المنفرد عاصياً، والعاصي لا أجر له. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: الأول: أن الهم بقتلهم لا يستلزم وجوب الجماعة، فإن السنة الظاهرة كالأذان مثلاً يقاتل عليها كما يقاتل على ترك الواجبات، كما أفاده القاضي عياض.
الثاني: أن هؤلاء الذين توعدهم رسول الله ﷺ كانوا منافقين يحضرون الجماعة ظهراً وعصراً ليراهم الناس، ويغيبون عنها عشاء وصبحاً حيث لا يرونهم، فهمَّ النبي ﷺ بقتلهم لنفاقهم، وهو ما رجحه الحافظ حيث قال: والذي يظهر لي أنّ الحديث ورد في المنافقين لقوله ﷺ : " ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر " لكن المراد به نفاق المعصية (١). الحديث: أخرجه الستة وأحمد في " مسنده " بألفاظ. والمطابقة: كما يراه البخاري في كونه ﷺ همّ بتحريق بيوت المتخلِّفين عن الجماعة، فلو لم تكن واجبة لما هم بذلك.
٢٦٧ - " باب احتساب الآثار "
٣١٤ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن بني سلِمة " بكسر اللام وهم بنو سلِمة بن سعد بن علي بن أسد الخزرجي الأنصاري، وكانت منازلهم بجزع السيح ما بين القبلتين ومسجد الفتح،
стр. 530
- ﷺ قَالَ: فكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَعْرُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: " ألَا تَحْتَسِبُونَ آثارَكُمْ ".
ــ
وكانت هذه المنطقة تسمى في ذلك العصر بالمذاد، وهي بعيدة عن المسجد، فلما خلت بعض الديار القريبة " أرادوا أن يتحولوا " أي أن ينتقلوا " عن منازلهم فينزلوا قريباً من النبي ﷺ "، ويقتربوا من المسجد النبوي الشريف ليتمكنوا من الصلاة معه، وحضور مجلسه، قال جابر: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلِمةَ أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: " يا بني سلِمة ديارَكم تكتب آثاركم "، أخرجه مسلم. فأمرهم النبي ﷺ بالبقاء في منازلهم، وكان ﷺ يهدف من وراء ذلك إلى حماية المدينة من العدو من الجهة الغربيّة كما قال أنس: " فكره رسول الله ﷺ أن يعروا المدينة " أي كره أن تخلو الجهة الغربية منهم، لانهم كانوا بمثابة سور للمدينة يحميها من الأعداء، ولهذا نهاهم عن الانتقال عن تلك المنطقة وبشرهم باحتساب خطواتهم، وتكاثر حسناتهم تبعاً لبعد منازلهم فقال: " ألا تحتسبون آثاركم " أي ألا تفرحون باحتساب خطواتكم وإن لكم بكل خطوة حسنة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل كثرة المشي وبعد الدار عن المسجد، وما يؤدي إليه زيادة الخطوات من زيادة الحسنات وتكفير السيئات ورفع الدرجات. ولهذا قال ﷺ : " أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " أخرجه البخاري. ثانياًً: أنه يستحب للمسلم أن يحتسب خطواته إلى المسجد عند الله تعالى، ويستحضر فضل ذلك في أثناء سيره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : "ألا تحتسبون آثاركم".
стр. 531
٢٦٨ - " بَابُ فضل صَلَاةِ الْعِشَاءِ في الْجَمَاعَةِ "
ْ٣١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَيْسَ صَلَاةٌ أثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهمَا لأتَوْهُمَا وَلَو حَبْواً " (١).
ــ
٢٦٨ - " باب فضل صلاة العشاء في الجماعة "
٣١٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء "، لأنهما تصليان في الليل حيث ينتشر الظلام، ويحجب الأنظار فلا يرى الناس من حضر فيهما ومن غاب عنهما، وهم إنما يصلون مع الجماعة رياءً ونفاقاً، فيواظبون على الصلوات النهارية كي يراهم الناس ويتغيبون عن الصلوات الليلية حيث لا يرونهم، ويستثقلون الحضور إليها لسوء نيتهم ولأنّهم لا يقصدون بأعمالهم وجه الله، وإنما يريدون بها الرياء والسمعة كما قال تعالى: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) " ولو يعلمون ما فيهما " من مضاعفة الحسنات، ورفع الدرجات، والفوز بالجنة والنجاة من النار، والنور التام يوم القيامة، كما قال ﷺ : " بَشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة "، فلو يعلمون حق العلم هذه المزايا العظيمة الموجودة فيهما " لأتوهما ولو حبواً "، أي لأتوهما ولو كانوا لا يستطيعون المشي إلاّ حبواً على الذراعين والركبتين.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل صلاة العشاء مع الجماعة كما ترجم له البخاري. ثانياًً: التحذير من الرياء في الأعمال الدينية، والحرص على بعضها لأنه يراه الناس فيها وترك البعض الآخر لأنّه لا يراه الناس، كما كان
ــ
(١) هذا الحديث اختصرناه من حديث طويل اقتصرنا فيه على ما يطابق الترجمة.
стр. 532
٢٦٩ - " بَابُ مَنْ جَلَسَ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَفَضلُ الْمَسَاجِدِ "
٣١٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " سَبْعَة يَظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وشَابٌ نَشَأ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُل قَلْبُهُ مَعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ،
ــ
يفعل هؤلاء المنافقون. ثالثاً: أن الأعمال الصالحة تخف على بعض النفوس وتثقل على بعضها حسب اختلاف الناس في إيمانهم. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " لو يعلمون ما فيهما " حيث دل على زيادة فضيلة العشاء والفجر على غيرهما كما أفاده العيني.
٢٦٩ - " باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد "
٣١٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " سبعة يظلهم الله في ظله " أي سبعة أصناف من هذه الأمة يظلهم الله في ظل عرشه، ويقيهم حرارة الشمس. " يوم لا ظل إلاّ ظله " أي يتنعمون بظل العرش في ذلك اليوم الذي تدنو فيه الشمس من رؤوس العباد، ويشتد عليهم حرها، فلا يجد أحدٌ ظلاًّ إلاّ مَنْ أظله الله في ظل عرشه، ثم بين من هم هؤلاء السبعة وميزهم بأعمالهم. فأولهم: " الإِمام العادل " أي حاكم عادل في رعيته يحافظ على حقوقهم، وَيرعى مصالحهم، ويحكم فيهم بشريعة الله، فهو جدير بظل العرش يوم القيامة، لأنه ظل الله في أرضه، ورحمته على عباده، والجزاء من جنس العمل. والثاني: من هؤلاء السبعة: " شاب نشأ " منذ نعومة أظفاره " في عبادة ربه " أي مجتهداً في عبادة ربه، ملتزماً بطاعته في أمره ونهيه، لا يتبع هواه، ولا ينساق مع شهواته النفسية، فكان جديراً بذلك الظل الإِلهي يوم
стр. 533
ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأة ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالَهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ".
ــ
القيامة، لأنه جاهد نفسه في سبيل مولاه، وتغلّب على شهواته، وهو في عنفوان شبابه، والشباب شعبة من الجنون. والثالث من هؤلاء: " رجل قلبه معلق في المساجد " أي شديد الحب والتعلق بالمساجد يتردد عليها ويلازم الجماعة فيها، وقد قال ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ". وقال : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ). والرابع من هؤلاء: " رجلان تحابّا في الله " أي أحب كل منهما الآخر في ذات الله تعالى وفي سبيل مرضاته، كما يحب طالب العلم شيخه لأنّه يوصله إلى العلم النافع المؤدي إلى رضوان الله تعالى. " اجتمعا على ذلك " أي اجتمعا على حب الله تعالى والمشاركة فيما يرضيه من طلب العلم، أو الاجتهاد في العبادة، أو القيام بمصالح المسلمين، " وتفرقا عليه "، أي واستمرا على محبتهما هذه لأجله تعالى حتى فرق بينهما الموت، ولم يقطع بينهما عارض دنيوي كما قال المناوي. وذلك لأنَّ ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انفصم وانقطع. والخامس: " ورجل طلبته امرأة ذات منصب " بكسر الصاد " وجمال " أي دعته لنفسها امرأةٌ حسناء ذات أصل كريم وحسب ونسب، ومال وجاهٍ، ومركز مرموق " فقال: إني أخاف الله " أي فإذا به يسمع صوت ضميره من أعماق نفسه يقول له: " إني أخاف الله " فيمنعه خوف الله عن اقتراف ما يغضب الله. والسادس من هؤلاء: " رجل تصدق " صدقة التطوع " أخفى " أي فأخفى صدقته " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " أي فبالغ في إخفاء صدقته على الناس، وسترها عن كل شيء حتى ولو كان شماله رجلاً ما علمها، فهو من مجاز التشبيه، كما أفاده المناوي.
стр. 534
٢٧٠ - " بَابُ فضلِ مَنْ غَدَا إلى الْمَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ "
٣١٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ غَدَا إلى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلاً مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ ".
ــ
السابع من هؤلاء: " ورجل ذكر الله خالياً " أي تذكر عظمة الله تعالى ولقاءه، ووقوفه بين يديه، ومحاسبته على أعماله حال كونه منفرداً عن الناس " ففاضت عيناه " أي فسالت دموعه على خديه خوفاً من الله تعالى.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: بيان فضل هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه، ولا ينحصر المتظللون في ظل العرش في هؤلاء فقط، وإنما هناك آخرون غيرهم، وقد أضاف إليهم الحافظ: الغازي ومن يعينه، والمنظِر للمُعْسِر، والتاجر الصدوق، ومن يعين المكاتب. ثانياً: فضل المساجد والمحبين لها المتعلقة قلوبهم بها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ورجل قلبه معلّق في المساجد ".
٢٧٠ - " باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح "
٣١٧ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزلاً في الجنة، كلما غدا أو راح "، أي لا يذهب أحد إلى المسجد في أي وقت كان أول النهار أو آخره ليصلي فيه جماعة، أو يطلب علماً، أو يقرأ قرآناً، إلاّ أعطاه الله في كل مرة قصراً في الجنة ضيافة وتكريماً له، سواء ذهب إليه صباحاً أو مساءً، لأن المساجد بيوت الله، فمن قصدها كان جديراً بضيافة أكرم الأكرمين.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل صلاة الجماعة وما يترتب على الذهاب
стр. 535
٢٧١ - " بَاب إذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ فلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ "
٣١٨ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلاً وَقَدْ أقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " آلصُّبْحَ أرْبَعَاً؟! آلصبحَ أربَعَاً؟! ".
ــ
إليها صباحاً أو مساءً حيث ينال الذاهب إليها في كل مرة قصراً في الجنة.
ثانياًً: فضل التردد على المساجد لأي غرض ديني ولو غير الصلاة كدراسة العلم، وقراءة القرآن. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٢٧١ - " باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة "
٣١٨ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة: " أن رسول الله
ﷺ رأى رجلاً قد أقيمت الصلاة يصلّي ركعتين " أي أن النبي ﷺ ﷺ رأى
هذا الرجل في المسجد يصلّي ركعتين بعد قيام الجماعة لصلاة الصبح " فلما انصرف لاث به الناس ". أي فلما فرغ الرجل من الصلاة اجتمع عليه الناس، والتفوا حوله، وأحاطوا به استنكاراً لفعله لأنّه استقر في أذهانهم أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة، وعلموا ذلك من النبي ﷺ ، ولم يقتصر الأمر على مجرد استنكار الصحابة فقط، بل إنّ النبي ﷺ أنكر ذلك عليه " فقال رسول الله ﷺ : آلصبح أربعاً آلصبح أربعاً؟ " بهمزة الإستفهام الإِنكاري أي كيف تصلي ركعتين بعد قيام الجماعة لصلاة الصبح، فتكون كأنما صليت الصبح أربع ركعات، وزدت فيها ركعتين من عندك. أمّا هذا الرجل الذي أنكر عليه النبي ﷺ صلاة النافلة بعد قيام صلاة الصبح فهو
стр. 536
عبد الله بن بحينة نفسه؟ جاء مصرحاً به في رواية أحمد أنّ النبي ﷺ مرَّ به وهو يصلي ... إلخ ويحتمل أنه ابن عباس ﵄ لما روى عنه أنه قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي ﷺ وقال: " أتصلي الصبح أربعاً ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: ما ترجم له البخاري من أنه " إذا أقيمت ْالصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة "، وقد جاء الحديث بهذا اللفظ نفسه في بقية الصحاح الخمسة، ولم يخرجه البخاري لاختلافهم في رفعه ووقفه، ولهذا اكتفى عنه بحديث عبد الله بن بحينة وهو مثله في معناه، لأن النبي ﷺ أنكر عليه صلاة النافلة بعد قيام الجماعة قائلاً: " آلصبح أربعاً "، وهذا يدل على أنّه لا يجوز البدء في النافلة مطلقاً، سواء كانت تحية المسجد أو غيرها أثناء الإقامة أو بعدها. لأن ذلك يؤدي إلى إعطاء الصلاة المفروضة صورة أخرى غير صورتها، ولا خلاف عند أهل العلم في أنّه لا يجوز ذلك إلاّ إذا عقد ركعة من النافلة قبل الإِقامة فإنه يتمها. ثانياًً: ذهب أهل الظاهر إلى أنّه إذا أقيمت الصلاة وهو في صلاة بطلت صلاته عملاً بظاهر قوله ﷺ : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة " حيث حملوا النفى على نفي صحة الصلاة، والجمهور على أنّه لا تبطل صلاته، وأن المراد به نفي كمال الصلاة، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي أي لا تشرعوا في صلاة غير المكتوبة عند إقامتها. والمطابقة: في قوله: " آلصبح أربعاً ".
تنبيهان: الأول: ذكرنا فيما يستفاد من الحديث أن قول البخاري: " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة " هو لفظ حديث صحيح أخرجه مسلم، وتلك عادة البخاري، إذا وقف على حديث ليس على شرطه، ترجم به، وأخرج غيره، ولم يخرجه، ليشير بذلك إلى وجوده (١)، وذلك من لطائف البخاري. الثاني: قد يستدل بعضهم على مشروعية تحية المسجد عنْد الإِقامة
стр. 537
٢٧٢ - " بَابٌ إذَا حضَرَ الطَّعَامُ وَأقِيمَتِ الصَّلَاةُ "
٣١٩ - عَنْ أنَسِ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فابْدَءُوا قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ ولا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ ".
ــ
بحديث علي ﵁ " أنه ﷺ كان يصلي الركعتين عند الإِقامة "، ولا حجة فيه لأن في سنده الحارث الأعور وهو ضعيف كما أفاده الشوكاني.
٢٧٢ - " باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة "
٣١٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب " أي إذا حضر الطعام وحضرت الصلاة فابدؤوا بتناول الطعام، قبل أن تصلوا، حتى ولو كانت الصلاة قصيرة الوقت، محدودة الزمن، كصلاة المغرب.
مما يؤكد ذلك، قوله ﷺ كما في حديث عائشة ﵂: " لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان " " ولا تعجلوا عن عشائكم " أي ولا يدعوكم حضور وقت الصلاة أو قيامها، إلى الإِسراع في طعامكم فتقوموا عنه ونفوسكم متعلقة به، تواقة إليه، راغبةٌ فيه، فتدخلوا في الصلاة بأجسامكم دون قلوبكم وأرواحكم، فتكون صلاتكمْ خالية من الخشوع.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب تقديم الطعام على الصلاة ليليةً كانت أو نهارية؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بذلك في حديث الباب وأمره ﷺ بذلك يقتضي الاستحباب عند الجمهور لهذا قالوا: يستحب تقديم الطعام على الصلاة عامة. قال ابن قدامة: إذا أحضر العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب أن يبدأ بالعشاء قبل الصلاة؛ ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا فرق
بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْه لِيَصِلَ الصَّفَّ، وظَنَّ أن النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إلى الصَّلَاةَ فَأشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ -أنْ أتِمُّوا صَلَاَتكُمْ، وأرْخَى السِّترَ، فَتُوُفيَ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ".
٢٧٤ - " بَابٌ إِنمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتمَّ بِهِ "
٣٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أصلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ،
ــ
أن نفتتن" أي فعزمنا على الخروج من الصلاة، فنقع في الخطأ من شدة فرحنا به " فنكص أبو بكر ﵁ ليصل الصف " أي تراجع إلى الوراء ليقف في الصف ويدع الإمامة للنبي ﷺ " فأشار إليه النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم " أي فأشار إليهم بإتمام الصلاة خلف الصديق ﵁.
ويستفاد منه: أن أحق الناس بالإمامة أعلمهم وأفقههم، وهو مذهب الجمهور لأنّه ﷺ استخلف الصديق في الإمامة لتفوقه على غيره في الفقه، وإن كان يوجد من هو أقرأ منه، خلافاً لأحمد حيث قال: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لحديث أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله ... إلخ " أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، وأجاب عنه الجمهور بأنه كان الأقرأ في عصر النبوة هو الأعلم غالباً (١).
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إن أبا بكر كان يصلي بهم " حيث قدِّمَ للإمامة لأنه أعلم الصحابة.
٢٧٤ - " باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به "
٣٢١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ "ثقل النبي
стр. 540
قَالَ: " ضعُوا لِيَ مَاءً في الْمِخْضَبِ " قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فاغْتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فأغْمِيَ عَلَيْهِ، ثم أفَاقَ فَقَالَ ﷺ : "أصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " ضَعُوا لِيَ مَاءً في الْمِخْضَبِ " قَالَتْ: فَقَعَدَ فاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَب لِيَنُوءَ فأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاقَ فَقَالَ: " أصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: " ضَعُوا لِيَ مَاءً فِي الْمِخْضَبِ "، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أفَاقَ فَقَالَ: " أصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله،
ــ
ﷺ " أي اشتد عليه المرض " فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا " أي قال عندما حضرت الصلاة هل صلى الناس أم لا؟ فقلت: لم يصلوا بعد " قال: ضعوا لي ماءً في المخضب " (١) أي في الطست " فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه " أي فاغتسل وحاول النهوض بمشقة وعناء، فلم يقدر على القيام، وأصابه الإغماء من شدة ما يعانيه من الألم " ثم أفاق " من غشيته " فقال: أصلّى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماءً في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب. فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله " وهكذا أغتسل النبي ﷺ ثلاث مرات، وكان يحاول في كل مرة بعد الاغتسال النهوض ليخرج إلى الصلاة فيغمى عليه، فإذا أفاق سأل: أصلى الناس؟ فتقول عائشة: هم ينتظرونك، فيعاود الاغتسال مرة أخرى حتى يئس من القدرة على
стр. 541
وَالنَّاسُ عُكُوفُ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأرسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أبِي بَكْرٍ بأنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يأمُرُكَ أنْ تُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ، وكانَ رَجُلاً رَقِيقَاً: يَا عُمَرُ صَلِّ بالنَّاس، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أنتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أبو بَكْر تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وأبو بَكْرٍ يُصَلِّى بالنَّاس، فَلَمَّا رَآهُ أبو بَكْرٍ، ذهَبَ لِيتَأخرَ فأوْمأ إِلَيْه النَّبِيُّ ﷺ بأنْ لا يَتَأخَّرَ، قَالَ: " أجْلِسَانِي إلى جَنْبِهِ "، فَأجْلَسَاهُ إلى جَنْبِ أبِي بَكْرٍ قَالَ: فَجَعَلَ أبو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قَاعد".
ــ
الخروج، " والناس عكوف في المسجد " أي مقيمون فيه ينتظرونه " فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر " بلالاً يأمره " بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول " أي فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁ مرسلاً إليه من النبي ﷺ " فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس " نيابة عنه " فقال أبو بكر: وكان رجلاً رقيقاً " أي رقيق القلب خشى أن يغلبه البكاء في الصلاة " يا عمر صل بالناس فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام " التي كان النبي ﷺ فيها مريضاً " ثم إنّ النبي ﷺ وجد من نفسه خفة " أي شعر بخفة في مرضه ونشاط في جسمه " فخرج بين رجلين " أي خرج يتكىء عليهما ويستعين بهما على مشيه " وأومأ إليه بأن لا يتأخر " أي فأشار النبي ﷺ إلى أبي بكر أن لا يتأخر عن مكانه " قال: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم "
стр. 542
٣٢٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَيْتهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِساً، وصلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قياماً، فأشَارَ إلَيْهِمْ أنِ اجْلِسُوا، فلمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا، وِإذَا رَفَعَ فارْفَعُوا، وِإذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً ".
ــ
أي حال كونه قائماً " بصلاة النبي " أي يأتم بالنبي ﷺ في صلاته كما جاء مصرحاً بذلك في رواية أخرى " والناس بصلاة أبي بكر " أي وكان أبو بكر ﵁ يرفع صوته بالتكبير والتحميد عند السجود والركوع، والناس يسمعون تبليغه ويتبعونه " والنبي ﷺ قاعد " أي والحال أن النبي ﷺ قاعد وأبو بكر والناس من خلفه قيام. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن المأموم يأتم بإمامه ويتبعه في خفضه للركوع والسجود ورفعه منهما، ولا يسبقه في شيء من ذلك كما في حديث الباب حيث قال: " فجعل أبو بكر يصلّى وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ " أي ويتبعه في ركوعه وسجوده وهذا هو حقيقة الائتمام كما ترجم له البخاري.
ثانياًً: أنه يجوز أن يصلي المأموم قائماً خلف إمام يصلّي قاعداً، قال: العيني: وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالك في رواية والأوزاعي خلافاً لما روي عن مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن من عدم صحة إمامة القاعد للقائم، وقالا: إن الذي نقل عنه ﷺ كان خاصاً به، واحتجوا بالحديث الآتي عن عائشة. والمطابقة: في قوله: " وهو يأْتمُّ بصلاة رسول الله ﷺ ".
٣٢٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ فتقول: "صلّى رسول الله في بيته وهو شاكٍ" أي مريض " فصلّى جالساً " أي فلم يستطع
стр. 543
٢٧٥ - " بَابٌ متى يَسْجُدُ مَنْ خلْفَ الإِمَامِ "
٣٢٣ - وعنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " لَمْ يَحْن أحدٌ ظَهْرَهُ حتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِداً، ثُمَّ نَقَعُ سُجُوداً بَعْدَهُ ".
ــ
الوقوف بسبب مرضه، فصلى جالساً، كما في رواية جابر أنه ﷺ ركب فرساً بالمدينة فصرعه على جذع نخلة، فانفكّت قدمه، فأتيناه نعوده في مشربة لعائشة " فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأشار. إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف " أي فلما انتهى من صلاته " قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم؟ " أي ليقتدى به في أفعاله " فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا " أي فاتَّبِعُوه في ركوعه ورفعه من الركوع " وإذا صلّى جالساً فصلوا جلوساً " مثله.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يجب على المأموم متابعة إمامه في جميع أفعاله حتى في جلوسه، فإذا صلّى جالساً وجب عليه أن يصلّي مثله جالساً، فإن صلّى قائماً بطلت صلاته، لقوله ﷺ : " وإذا صلّى جالساً فصلُّوا جلوساً " وهو مذهب أحمد وإسحاق ومالك في المشهور عنه. ثانياً: أن الإمام يقول: " سمع الله لمن حمده "، والمأموم يقول: " ربنا ولك الحمد " لقوله ﷺ : " وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد " وهذا يقتضي أن التسميع للإمام، والتحميد للمأموم. والمطابقة: في قوله: " وإذا صلّى جالساً فصلوا جلوساً ".
٢٧٥ - " باب متى يسجد مَنْ خلف الإِمام "
٣٢٣ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁ "كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد ظهره حتى يقع النبي ﷺ -
стр. 544
٢٧٦ - " بَابٌ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأسَهُ قَبلَ الإِمَامِ "
٣٢٤ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ قبلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ، أو يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ".
ــ
ساجداً" أي كنا نتابع النبي ﷺ في سجوده، ولا نسجد إلاّ بعده فإذا رفع من الركوع، نبقى قياماً ولا يخفض أحدٌ ظهره حتى يسجد النبي ﷺ ويقع بجبهته على الأرض. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب متابعة المأموم لإمامه في السجود.
فلا يسجد حتى يسجد الإِمام ويقع بجبهته على الأرض. ثانياًً: مشروعية قول: " سمع الله لمن حمده " للإِمام، وقول: " ربنا ولك الحمد ". للمأموم، وهو قول الجمهور. والمطابقة: في قوله: " لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجداً "
٢٧٦ - " باب إثم من رفع رأسه قبل الإِمام "
٣٢٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ محذِّراً المأموم من سبق الإِمام، ورفع رأسه قبله في الركوع والسجود " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار " "أي كيف تتجرؤون على رفع رؤوسكم من الركوع والسجود قبل رفع الإِمام، ألا يخاف أحدكم إذا رفع رأسه قبل إمامه أن يمسخ الله رأسه رأس حمار، إما مسخاً مجازياً، بأن يجعله الله كالحمار في غباوته وبلادته، أو مسخاً حقيقياً، بأن يجعل صورة رأسه على صورة رأس الحمار إما في الآخرة أو في الدنيا، ولا مانع من ذلك، فإن المسخ الجزئي الخاص موجود في هذ الأمّة لما في الحديث عن عائشة
стр. 545
٢٧٧ - " بَابُ إِمَامَةِ الْعَبْدِ والْمَوْلَى "
٣٢٥ - عن أنَسٍ ﵁:
عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اسْمَعُوا وأطِيعُوا وِإنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأن رَأسَهُ زَبِيبَةٌ ".
ــ
﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف " أخرجه الترمذي " أو يجعل الله صورته صورة حمار " والفرق بينهما أن المسخ الأول للرأس فقط، والثاني للجسد كله. الحديث: أخرجه الستة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يحرم على المأموم أن يسبق إمامه في الرفع من الركوع والسجود، لأن هذا الوعيد بالمسخ لا يترتب إلاّ على معصية، فإن فعل أثم وصحت صلاته عند الجمهور خلافاً لأحمد وأهل الظاهر.
ثانياًً: جواز وقوع المسخ الحقيقي فِي هذه الأمة كما في الحديث، وقد ذكر القاري فِي " المرقاة " (١) أن بعض المحدثين رحل إلى شيخ في دمشق يأخذ عنه فكان يجعل بينه وبينه حجاباً، فلما طالت ملازمته كشف له عن وجه حمار، وقال له: لما مر بي هذا الحديث استبعدت وقوعه فسبقت الإِمام، فأصابني ما ترى. والمطابقة: من حيث أن فيه وعيداً شديداً، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثم.
٢٧٧ - " باب إمامة العَبْدِ والمولى "
٣٢٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " اسمعوا " كلام ولي الأمر سماع في قبول " وأطيعوا " أمره ونهيه في حدود طاعة الله " وإن استعمل حبشي كان رأسه زبيبة " أي كأن شعر رأسه في قصره وتلففه زبيبة،
стр. 546
٢٧٨ - " بَابٌ إِذَا لَمْ يُتمَّ الإِمَامُ وَأتمَّ مَنْ خلْفَهُ "
٣٢٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وِإنْ أخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ".
ــ
ومعناه: أطيعوا ولي الأمر مطلقاً شريفاً كان أو وضيعاً، عظيماً كان أو حقيراً، حراً أو عبداً، سواء كان أميراً أو قاضياً، أو صاحب شرطة، ونحو ذلك فيما فيه طاعة الله. الحديث: أخرجه أيضاً ابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: صحة إمامة العبد في الصلاة كما ترجم له البخاري لقوله ﷺ : "إن استعمل حبشي " فإنه يدخل في ذلك الإِمام (١).
قال ابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم. وروي عن عائشة أن غلاماً لها كان يؤمها، وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد، وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون قارئاً، وهم أميّون.
والمطابقة: في قوله: " وإن استعمل حبشي ".
٢٧٨ - " باب إذا لم يتم الإِمام وأتم من خلفه "
٣٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن رسول -الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم " أي سيكون بعدي أئمة يصلون بكم ويؤمونكم في صلاة الجماعة، فإن أصابوا في صلاتهم بأدائها في وقتها صحيحة مستوفية لجميع أعمالها صحت صلاتهم وصلاتكم، وكان لكم أجركم، ولهم أجرهم، " وإن أخطأوا " أي ارتكبوا خطأً يؤدّي إلى
стр. 547
فساد الصلاة سهواً " فلكم وعليهم " أي فإنّها تصح صلاتكم وتفسد صلاتهم وحدهم.
ويستفاد منه: أن الإِمام إذا ارتكب خطأً يفسد الصلاة بطلت صلاته وحده، وصحت صلاة المأمومين، فإن ترك الإمام ركناً سهواً ولم يعلم المأموم (١) أثناء الصلاة بما تركه إمامه بطلت صلاة الإمام وحده، وصحت صلاة المأموم، وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة أو نائبه (٢)، خلافاً للحنفية، فإنهم قالوا: تبطل صلاة المأموم تبعاً لصلاة الإِمام إذا ترك ركناً أو واجباً سهواً أو عمداً، وحملوا الخطأ في الحديث على ترك السنن أو التأخير عن الوقت المستحب. وإن صلى الإِمام محدثاً، فإن دخل في الصلاة بالحدث ناسياً، أو غلبه الحدث أثناءها ثم علم الإِمام أو المأموم أثناء الصلاة وجب عليه قطع الصلاة عند المالكية والحنفية، فإن استمر في صلاته بعد ذلك بطلت صلاته، وقال الشافعيّة: إذا علم المأمومون بذلك أثناء الصلاة وجب عليهم قطع القدوة بالإِمام، وإتمام صلاتهم بنية المفارقة، وتصح صلاتهم، وإن لم يعلموا إلاّ بعد السلام بطلت صلاته وحده وصحت صلاتهم عند الجمهور (٣)، ويدل عليه قوله ﷺ : " وإن أخطؤوا فلكم وعليهم " وقال الحنفية: تبطل صلاته وصلاتهم، وإذا صلى الإمام بالنجاسة ناسياً فإن علموا بها أثناء الصلاة وجب عليهم قطع الصلاة فوراً عند الجمهور، لبطلان صلاة الإِمام والمأمومين معاً، وقالت الشافعية: يقطع المأمومون قدوتهم بالإمام، ويتمون بنية المفارقة، وإن علموا بالنجاسة بعد السلام فقالت المالكية: تصح صلاتهما معاً، وتجب على الإِمام الإعادة في الوقت (٤). وقالت الحنابلة:
стр. 548
٢٧٩ - " بَاب إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وكانَ لِلرَّجُلِ حَاجَة فخرَجَ فَصَلَّى "
٣٢٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
كَانَ مُعَاذَ بْنَ جَبَل يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ فقرأ بِالْبَقَرَةِ، فانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فكأنَّ مُعَاذاً تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ" ثَلاث مِرارٍ، أو قَالَ: " فَاتِنَاً فَاتِناً فَاتِناً " (١) وأمَرَهُ بسُورَتَيْنِ من أوْسَطِ الْمفَصَّلِ، قَالَ عَمْرو: لا أحْفَظُهُمَا.
ــ
تبطل صلاة الإِمام فقط، وقالت الشافعية: إن كانت النجاسة مغلظة بطلت صلاته وصحت صلاتهم، وإن كانت خفيفة في غير جمعة (٢) ينقص العدد فيها بدونه صحت صلاتهما معاً. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والحاكم والدارقطني. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
٢٧٩ - " باب إذا طوّل الإِمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلّى "
٣٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ " أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه " أي يصلي جماعة مع النبي ﷺ في مسجده بالمدينة ثم يعود إلى قومه فيؤمهم في نفس الصلاة التي صلاها معه، " فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل " وفي رواية مسلم " فانحرف رجل، فسلم ثم صلى وحده " بمعنى أنه قطع الصلاة واستأنفها من أولها منفرداً، ولكن هذه الرواية انفرد بها محمد بن عباد شيخ مسلم، أما سائر الروايات الأخرى فإنّها لم يذكر فيها السلام، وإنما ذكر فيها الانصراف
стр. 549
فقط، وهي تدل على أن الرجل لم يخرج من الصلاة، ولم يُعِدْهَا من أولها، وإنما فارق إمامه، وأتمها منفرداً، وهو ما رجحه الحافظ " فكأنَّ معاذاً تناول منه " أي سبّه وشتمه " فبلغ النبي ﷺ " ما فعله معاذ " فقال: فتان " أي أنت يا معاذ بفعلك هذا تنفر الناس عن صلاة الجماعة وتفتنهم في دينهم.
" وأمره بسورتين من أوسط المفصل " أي أن يقرأ في العشاء بأوساط المفصل وهو عند المالكية من (عبَس) إلى (الضحى) وعند الشافعيّة والحنابلة من (عَمّ) إلى (الضحى) وعند الحنفية من (البروج) إلى (لم يكن). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: فانصرف الرجل.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة بإمامه لسبب من الأسباب كالإِطالة في الصلاة ويتم صلاته وحده بنية المفارقة، وقالت المالكية والحنفية: لا يجوز ذلك، وإن الرجل المذكور في هذا الحديث لم يقطع القدوة بإمامه وإنما قطع الصلاة وأعادها من أولها لما في رواية مسلم " أنه سلّم ثم صلّى وحده ". ثانياًً: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، لأن قوم معاذ كانوا يأتمون به وهم مفترضون وهو متنفل، وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، خلافاً لمالك وأبي حنيفة حيث قالوا الإِمام ضامن والفرض ليس مضموناً في النفل فلا يجوز اقتداء مفترض بمتنفل.
***
стр. 550
٢٨٠ - " بَابُ تخفِيفِ الإِمَامِ في القِيَامِ وإتمَامِ الرُّكُوعِ والسَّجُودِ "
٣٢٨ - عن أبي مَسْعُودٍ ﵁:
أَنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لأتَأخَّرُ عن صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أجلِ فُلَان مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في مَوْعِظَةٍ أشَدَّ غَضَبَاً مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثمَّ قَالَ: " إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأيكُمْ مَا صَلَّى بالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والْكَبِيرَ وذَا الْحَاجَةِ ".
ــ
٢٨٠ - " باب تخفيف الإِمام في القيام وإتمام الركوع والسجود "
٣٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو مسعود ﵁ " أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة " أي شكا إلى النبي ﷺ من تطويل معاذ في القراءة في الصلاة، وأقسم على أنه يتغيب عن صلاة الصبح بسبب هذا التطويل، وهو معنى قوله: " من أجل فلان مما يطيل بنا " أي بسبب تطويله وإنما خص بالذكر صلاة الغداة، - وهي الصبح- لأن التطويل فيها أكثر، ولأن الانصراف منها وقت التوجه إلى الأعمال، كما أفاده العيني، " فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضباً منه يومئذٍ " أي لم أره في موعظة من مواعظه السابقة أشد غضباً من غضبه في تلك الموعظة التى وجهها إلى الناس في ذلك اليوم، " ثم قال: إن منكم منفرين " أي إن بعض أئمتكم ينفرون الناس عن صلاة الجماعة، بسبب كثرة تطويلهم فيها " فأيكم ما صلى بالناس فليتجَوّز " أي فليخفف في القراءة والقيام مع إتمام الركوع والسجود " فإنّ فيهم الضعيف " بسبب مرض أو عاهة أو غير ذلك " والكبير " في السن " وذا الحاجة " من أصحاب الأعمال.
стр. 551
٢٨١ - "بَابُ الإيجَازِ في الصَّلَاةِ وَإكْمَالِهَا "
٣٢٩ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ ويُكْمِلُهَا.
ــ
ويستفاد منه: أنه يسن للإِمام تخفيف القيام والقراءة في الصلاة، ومراعاة ظروف المصلين وأحوالهم، ويرى ابن عبد البر استحباب التخفيف للإِمام مطلقاً، وإن علم قوة من خلفه فإنه لا يدري ما يحدث لهم من حادث وعارض من حاجة أو حدث بول أو غيره. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فليتجوّز ".
٢٨١ - " باب الإِيجاز في الصلاة وإكمالها "
٣٢٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " كان النبي ﷺ يوجز الصلاة " أي يخفف على الناس في صلاة الجماعة رفقاً بهم، ومراعاة لظروفهم، وأحوالهم البدنية والنفسية والمعاشية والاجتماعية فيقتصر في العشاء على أوساط المفصل، وفي المغرب على قصاره " ويكملها " أي أنه وإن كان يخفف في القراءة إلاّ أنه يتمم أركان الصلاة الفعلية من ركوع وسجود وجلوس ويطمئن فيها، فيخفف في الأقوال، ويتمم في الأفعال. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.
ويستفاد منه: استحباب التخفيف في الصلاة للإِمام في الأقوال فقط مع إتمام الأفعال من ركوع وسجود ونحوه. والمطابقة: في قوله: " يوجز في الصلاة ".
стр. 552
٢٨٢ - " بَابُ مَنْ أخفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاء الصَّبِيِّ "
٣٣٠ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأقومُ في الصَّلَاةِ أرِيدُ أنْ أطَوِّلَ فيهَا فأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فأتَجَوَّزُ في صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أنْ أشُقَّ علَى أمِّهِ ".
٢٨٣ - " بَابُ تسْوِيَه الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا "
٣٣١ - عنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ:
ــ
٢٨٢ - " باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي "
٣٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها " أي أدخل في الصلاة ناوياً التطويل في أقوالها وأفعالها لما أعلمه من رغبة المأمومين في ذلك " فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي " أي أخفف فيها " كراهية أن أشقَّ على أمّه " أي حذراً أو خوفاً من أن يؤدي هذا التطويل إلى تعذيب الأم، وتحملها مشقة الألم لبكائه، وفي رواية " مخافة أن تفتتن " أي تشغل عن الصلاة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التخفيف للإمام مطلقاً، لأنه
لا يخلو الحال من وجود مَنْ لا يقدر على التطويل كأم مرضع وطفلها، فإنّها إن بكى قطعت الصلاة، أو تركته فتأذّى. ثانياً: أن الإمام إذا شعر في أثناء الصلاة بحدوث مشقة للمأمومين ينبغي له التخفيف فيها. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فأتجوّز كراهية أن أشق على أمّهِ ".
٢٨٣ - " باب تسوية الصفوف عند الِإقامة وبعدها "
٣٣١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لتسوُّن صفوفكم "
стр. 553
قَالَ النَّبِيّ ﷺ : " لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكمْ، أو ليخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وَجوهِكمْ ".
ــ
الواو واو قسم محذوف تقديره: والله لتسوُّن صفوفكم، أي تجعلونها معتدلة متساوية في الصلاة مع ملء الفجوات في الصفوف، الأوّل فالأوّل، قال الزرقاني: والتسوية هي اعتدال القامة على سمت واحد، أي على خط مستقيم واحد، وسد الخلل، وفي الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ قال: أقبل النبي ﷺ على الناس بوجهه فقال: " أقيموا صفوفكم ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله في قلوبكم " أخرجه أبو داود، وهو معنى قوله ﷺ في حديث الباب: " أو ليخالفن الله بين وجوهكم " (١) أي فإن لم تسووا صفوفكم في الصلاة أنزل الله الكراهية والبغضاء في قلوبكم، فتتنكر وجوهكم بعضها لبعض. قال القاري: وهو كناية عن المهاجرة والمعاداة.
وقيل: هو على حقيقته، والمراد به تشويه الوجه. والمطابقة: في قوله: " لتسوُّن صفوفكم ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية تسوية الصفوف، وعناية الإمام بذلك، والتسوية سنة عند مالك والشافعي، واجبة عند أبي حنيفة، فرض عند ابن حزم، واستدل على ذلك بقوله ﷺ في روايةٍ: " فإنّ تسوية الصف من إقامة الصلاة " وإقامتها فريضة، وكل شيء من الفرض فهو فرض، إلّا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة، حيث رواها بعضهم بلفظ " فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة " ويؤخذ منها الاستحباب كما قال ابن دقيق العيد، لأن تمام الشيء عرفاً أمر خارج عن حقيقته. ثانياً: التحذير من الصلاة في الصف الأعوج، والوعيد الشديد على ذلك بالمسخ وتشويه الوجه، وهذا
стр. 554
٢٨٤ - " بَابُ إِقبَالِ الإمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تسْوِيَة الصُّفُوفِ "
٣٣٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بوَجْهِهِ فَقَالَ: " أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أراكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ".
ــ
يؤيد الظاهرية فيما ذهبوا إليه. الحديث: أخرجه الستة.
٢٨٤ - " باب إقبال الإِمام على الناس عند تسوية الصفوف "
٣٣٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم " أي عدّلوها تعديلاً كاملاً " وتراصّوا "، أي تلاصقوا، لأن التراص إنما يكون باتصال المصلين، وشدة محاذاتهم كما في رواية أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإنّ الشيطان يدخل بينكم "، وفي رواية أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: " رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده أني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف " بفتح الحاء أي صغار الغنم " فأني أراكم من وراء ظهري " أي أشاهد أفعالكم.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية إقبال الإمام على المصلين قبل تكبيرة الإِحرام، وأمرهم بتسوية الصفوف، والإشراف عليهم. ثانياً: مشروعية تسوية الصفوف، وهي سنة عند الجمهور، واجبة عند الظاهرية لأمره ﷺ بها، والأصل في الأمر الوجوب، ولقوله ﷺ : " أو ليخالفن الله بين وجوهكم " وهذا الوعيد لا يترتب إلاّ على ترك واجب. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " فأقبل علينا رسول الله ﷺ ".
стр. 555
٢٨٥ - " بَابٌ إِذَا كَانَ بَيْنَ الإمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِط أو سُتْرَة "
٣٣٣ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في حُجرَتِهِ وجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِير فَرَأى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ أنَاس يُصَلّونَ بِصَلَاتِهِ فَأصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بذلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فقامَ مَعَهُ أنَاس يُصَلّونَ بِصَلَاِتهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أو ثَلَاثَاً، حتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فلم يَخْرُجْ، فَلَمَّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: " إِنِّي خَشِيتُ أنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلَ ".
ــ
٢٨٥ - " باب إذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة "
٣٣٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته " أي في حجرة عائشة كما أفاده الطحاوي، أو في حجرة من حصير بالمسجد " فرأى الناسُ شخص النبي ﷺ فقام أناس يصلِّون بصلاته " أي يأتمون به في تلك الصلاة، وهم خارج الحجرة، بينه وبينهم حائل " فأصبحوا فتحدثوا بذلك " أي فأخبر الحاضرون في تلك الليلة الغائبين فيها فتسامع الناس فبدؤوا يتكاثرون " فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس "، أي فصلى معه جماعة من الناس أكثر من الليلة الماضية " صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً " أي صلُّوا معه ليلتين أو ثلاث ليالٍ " حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ في بيته، فلم يخرج " إليهم، ولم يصل بهم، " فلما أصبح ذكر ذلك الناس "، أي سألوه عن سبب انقطاعه عن الصلاة في تلك الحجرة " فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل " أي إني خفت أن تواظبوا عليها فتفرض عليكم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
стр. 556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" أبْوَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ "
٢٨٦ - "بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ في التَّكْبِيرَةِ الأوْلَى مع الافْتِتَاحِ سَوَاءً "
٣٣٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر ﵄:
"أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يْرفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصلَاةَ،
ــ
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يجوز الاقتداء بإمام يحول دونه حاجز من جدار أو سترة، وتصح صلاة المأمومين المقتدين به، وبه قال أبو هريرة وابن سيرين وعروة، ومالك حيث قال: لا بأس أن يصلي المأموم وبينه وبين الإِمام نهر صغير، والذي عليه الفتوى عند الحنفية أنّه لا مانع من الاقتداء ما دام يعلم انتقالات الإِمام ولو بمجرد سماع صوت المبلغ. وقالت الشافعية: يجوز ذلك إذا كان في المسجد، وسمع التكبير أما في خارجه، فإنّ اتصلت الصفوف أو انقطعت دون حائل، جاز، وإلّا فلا يجوز. ثانياً: جواز الاقتداء بمن لم ينو الإِمامة، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في كونهم صلّوا مع النبي ﷺ من وراء جدار.
" أبواب صفة الصلاة "
٢٨٦ - "باب رفع اليدين عند التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء "
٣٣٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه " تثنية منكب بكسر الكاف، وهو مجمع عظم الكتف والعضد " إذا افتتح الصلاة " أي كان النبي ﷺ إذا
стр. 557
وِإذَا كَبَّرَ للرُّكُوعِ، وِإذَا رَفَعَ رَأسَهُ من الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أيضاً، وقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَنّاَ ولَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لا يَفْعَل ذلكَ في السُّجُودِ".
ــ
افتتح الصلاة يرفع يديه عند تكبيرة الإِحرام حتى تصيرا مقابل منكبيه، محاذيين لهما تماماً " وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " أي وكذلك كان ﷺ يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع قائلاً سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ويحتمل هذا اللفظ أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد في جميع الأحوال، سواء كان إماماً أو منفرداً، أو مأموماً، ويحتمل أنه كان يأتي بالتسميع إذا كان إماماً، أو منفرداً، وبالتحميد إذا كان مأموماً. الحديث: أخرجه الستة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يسن رفع اليدين عند تكبيرة الإِحرام لقول ابن عمر ﵄ " إن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة "، ولا خلاف في مشروعية ذلك عند أهل العلم، وهو فرض عند ابن حزم لا تجزىء الصلاة إلاّ به، وروي ذلك عن الأوزاعي والحميدي، كما أفاده ابن عبد البر، والجمهور على أنه سنة، وادعى ابن المنذر والنووي في " شرح المهذب ": الإِجماع على سنيته ولكنه لم يتحقق. ثانياًً: أنه يسن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه لقول ابن عمر ﵄: " وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوعٍ رفعهما كذلك أيضاً " وهو مذهب الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة ومالك فيما رواه عنه ابن القاسم أنه قال بعدم الرفع فيهما، لحديث البراء ﵁ " أنه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه إلى قريب. من أذنيه ثم لا يعود " أخرجه أبو داود. ولكن هذا الحديث ضعفه البخاري وأحمد، وقال ابن عبد الحكم:
стр. 558
٢٨٧ - " بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلَاةِ "
٣٣٥ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ:
" كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ بأن يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى على ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى في الصَّلَاةِ ".
ــ
لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما (١) إلاّ ابن القاسم، والذى نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: " إن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ".
٢٨٧ - " باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة "
٣٣٥ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: " كان الناس يؤمرون " أي كان النبي ﷺ يأمر أصحابه ﵃ " أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " ومعناه أنه ﷺ كان يأمرهم بالقبض أثناء القيام في الصلاة، وذلك بأن يضع الرجل باطن يده اليمنى على ظهر ذراعه اليسرى، ويقبض رسغها وبعض ساعدها باليمنى.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية القبض أثناء القيام في الصلاة، وهو سنة عند الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن مالك عملاً بحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، حتى قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ خلافه، وهو ما ذكره مالك في " الموطأ "، وروى سحنون في " المدونة " عن ابن وهب عن سفيان الثوري وعن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم رأوا رسول الله ﷺ واضعاً يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة. ولكن رواية السدل كما قال ابن عبد
стр. 559
٢٨٨ - " بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ "
٣٣٦ - عن أنسِ ﵁:
ْ " أن النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ ﵄ كَانُوا يفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ".
ــ
البر هي رواية ابن القاسم، والرواية المشهورة التي عليها العمل عند المالكية، لأنّها رواية " المدونة " وعليها العمل والفتوى عندهم، لأنها متأخرة عن رواية "الموطأ "، وقد قال مالك في " المدونة " عن القبض: لا أعرفه: واحتج القائلون بالسدل بحديث أو حميد الساعدي الذي وصف فيه صلاة رسول الله ﷺ فلم يذكر القبض، وقد قال ﵁ " أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ". ولكن ليس في ذلك نص صريح على السدل، والأرجح هو القبض - لحديث الباب. ثانياًً: أن المصلّي مخير في أن يضعٍ يده تحت السرة أو فوقها، لأنّ النبي ﷺ لم يحدد في هذا الحديث موضعاً، وبهذا قال ابن حبيب وأحمد في رواية (١)، وقال أحمد في الرواية المشهورة يضعهما تحت السرة (٢)، وقال الشافعي: فوق السرة (٣). الحديث: أخرجه أيضاً مالك.
والمطابقة: في كونهم كانوا يؤمرون بوضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى في الصلاة.
٢٨٨ - " باب ما يقول بعد التكبير "
٣٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ " أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " أي يبدؤون الفاتحة في صلاتهم بقولهم: الحمد لله رب العالين دون
ــ
(١) " شرح الباجي على " الموطأ " و" المغني " لابن قدامة.
(٢) وهو مذهب أبي حنيفة.
(٣) وجاء في سنن أبي داود وابن خزيمة: على الصدر، وربما كان أقواها، الأمر واسع. (ع).
стр. 560
أي لفظ آخر من بسملة أو غيرها.
ويستفاد منه: أنه لا يقرأ البسملة في الصلاة المكتوبة جهراً أو سراً وهو مشهور مذهب مالك لهذا الحديث، ولما روي عن أنس ﵁ أنه قال: " قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " أخرجه مالك في " الموطأ " ولو قرؤوها سراً لأخبره أحد الصحابة بذلك، وهذا يدل كما قال الباجي على أنها ليست آية من القرآن، لأنهم تركوا قراءتها، فتركهم القراءة لها مع أنه لا تصح الصلاة إلاّ بقراءة أم القرآن دليل واضح على أن بسم الله الرحمن الرحيمٍ ليست منها، فتحصل من ذلك أنّها ليست آية من القرآن وأنها لا تقرأ سراً وجهراً (١). وذهب جماعة من السلف منهم عمر وابنه وابن الزبير وابن عباس وعلي وعمار إلى وجوب قراءة البسملة سراً في السرية وجهراً في الجهرية، وهو مذهب الشافعي وسعيد بن المسيب وإسحاق والليث، واحتجوا بحديث أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول ﷺ فقالت: " كان يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين) ... إلخ رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ " كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم " أخرجه الدارقطني، وذهب أحمد وأهل الحديث وأهل الرأي إلى استحباب (٢) قراءتها سراً (٣) لما في الحديث، " أن رسول الله ﷺ كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم ". رواه ابن شاهين. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
...
стр. 561
٣٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إسكَاتَةً فَقُلْتُ: بِأَبِي واُّمِّي يَا رَسُولَ اللهِ إسكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟ قَالَ: أقُولُ: " اللَّهُمَّ باعِدْ بَيني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ".
ــ
٣٣٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة " قال الخطابي: معناه يسكت بينهما سكوتاً يقتضى كلاماً " فقلت بأبي وأمي يا رسول الله " أي أفديك بأعزّ الأشياء عندي وهما أبواي " إسكاتك (١) بين التكبير والقراءة ما تقول؟ " أي ماذا تقول في سكتتك هذه من ذكر أو دعاء " قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب " أي أسألك اللهم أن تجعل بيني وبين الذنوب والآثام من البعد كما بين المشرق والمغرب " اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس " أي طهرني منها كما يطهر الثوب الأبيض من الأقذار حين يغسل بالماء فيصبح ناصعاً نقياً، قال الشوكاني: وهذا تعبير مجازي يراد منه محو الذنوب بالكلية. " اللهم أغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد " أي وأسألك أن تطهرني بجميع المطهرات من ثلج وبرد وماء، وهو مجاز معناه: اللهم وفقني لجميع الوسائل المؤدية إلى الغفران من ترك السيئات وفعل الحسنات، وكثرة الصدقات، والخشية وحسن الظن بالله، وأن يتغمدني الله برحمته.
ويستفاد منه: مشروعية دعاء الاستفتاح في الصلاة ما بين تكبيرة الإِحرام
стр. 562
٢٨٩ - " بَابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ في الصَّلَاةِ "
٣٣٨ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أبصَارَهُمْ إلى السَّمَاءِ في
ــ
وقراءة الفاتحة، وهو من سنن الصلاة عند أكثر أهل العلم، كما أفاده ابن قدامة خلافاً لمالك، ويكون الاستفتاح بالصيغة الذكورة، أو يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". كما رواه أبو سعيد الخدري وعائشة ﵄، وهو المختار عند أحمد وأبي حنيفة (١). أو بالتوجه بأن يقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " كما رواه مسلم، وهو المختار عند الشافعية (٢) وقال أبو يوسف: يستحب أن يجمع بينهما (٣). وقال أحمد: ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح كان حسناً، أو قال جائزاً، وكذا أكثر أهل العلم. اهـ. كما أفاده ابن قدامة في " المغني ".
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي، حيث إنّه ﷺ كان يقرأ دعاء الاستفتاح ما بين الإِحرام وقراءة الفاتحة، والله أعلم ".
٢٨٩ - " باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة "
١٣٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ محذّراً أمته من العبث في الصلاة ورفع البصر فيها إلى فوق "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء
стр. 563
صَلَاِتهِمْ" فاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ حتَّى قَالَ: " لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أو لتخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ ".
ــ
في صلاتهم" أي كيف يجرؤ بعض الرجال على العبث في الصلاة، فيرفعون فيها أبصارهم، وهو أمر ينافي السكينة والوقار والخشوع في الصلاة، فإن من خشع قلبه سكنت جوارحه، والعكس بالعكس، ولم يعين النبي ﷺ هؤلاء، لئلا يستفزهم فلا يستفيدوا من الموعظة، ولأن التلميح أبلغ من التصريح، " فاشتد قوله في ذلك " أي فبالغ النبي ﷺ في الإِنذار والوعيد " حتى قال: ليَنتهُن " بفتح الياء وضم الهاء على البناء للفاعل، أو بضم الياء والهاء على البناء للمفعول وهو جواب قسم محذوف، واللام فيه للتأكيد، كما أفاده العيني " أو لتخطفن " بضم التاء، كما أفاده القسطلاني " أبصارهم " أي حتى أن النبي ﷺ أقسم بالله تعالى على أنه إما أن ينتهي هؤلاء العابثون عن رفع أبصارهم في الصلاة، أو يخطف الله منهم أبصارهم، ويأخذها بسرعة وفجأة فلا يشعرون إلاّ وقد فقدوا حاسة البصر جزاءً لهم على استهانتهم بالصلاة. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تحريم رفع البصر عمداً في أثناء الصلاة لغير حاجة، لأن هذا الوعيد الذي يأخذ بالبصر لا يكون إلاّ على ارتكاب معصية، وذلك لأنه ينافي الخشوع في الصلاة، ولهذا قال ابن حزم: رفع البصر يفسد الصلاة، أما جمهور أهل العلم فإنّهم كرهوا ذلك، إلاّ أنه لا يفسد الصلاة عندهم. أما تغميض العين فقد كرهه الحنفيَّةُ، وقال مالك: لا بأس به، وقال النووي: المختار أنه لا يكره. ثانياًً: أن من آداب النصيحة في المجالس العامة عدم التعيين أو توجيه الخطاب المباشر لما فيه من الاستفزاز المؤدي إلى عدم قبول النصيحة وإنما يتكلم عن الموضوع بصفة عامة كما فعل النبي
стр. 564
٢٩٠ - " بَابُ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ "
٣٣٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
سَألتُ، رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ - فَقَالَ: " هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ ".
ــ
ﷺ فهو أنجح وأجدى
٢٩٠ - " باب الالتفات في الصلاة "
٣٣٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة "، أي سألته هل يضر الالتفات في الصلاة - وهل له أثر سيء على فاعله؟ " فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان "، أي هو اختطاف يختطفه الشيطان من صلاة الإنسان، فإذا التفت يميناً وشمالاً تمكن الشيطان من السيطرة عليه، ووجد منه ثغرة مفتوحة يدخل منها إلى نفسه، فيوسوس له حتى يشغله، فيسهو في صلاته، ويخطىء في قراءته، ويذهب بخضوعه، أو يضعفه فيقل أجره وثوابه. وإنما سمّي " اختلاساً " لأنه يؤدي إلى انتقاص الشيطان من ثواب المصلي وأجره.
الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: قي قوله: " هو اختلاس يختلسه الشيطان ... إلخ ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الالتفات في الصلاة لغير عذر شرعي يضر بالمصلي، وينقص من ثوابه، ولهذا أسماه النبي ﷺ " اختلاساً " أي انتقاصاً ينتقصه الشيطان من ثواب الصلاة تبعاً لنقصان الخشوع أو انعدامه فيها. ثانياً: استدل به الظاهرية، وبعض الشافعية على تحريم الالتفات في الصلاة (١) لأنه اختلاس شيطاني كما سمّاه النبي ﷺ ، ولما جاء في حديث
стр. 565
٢٩١ - " بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ للإِمَامِ وَالْمَأمُومِ في الصَّلَواتِ كُلِّهَا "
٣٤٠ - عنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ:
شَكَا أهْلُ الْكُوفَةِ سَعْداً إِلَى عُمَرَ ﵁ فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيهِمْ عَمَّاراً، فشكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فأرْسَلَ إليْهِ فقَالَ: يا أبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ:
ــ
أنس عن النبي ﷺ أنه قال له: " يا بني إيّاك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع " أخرجه الترمذي، والهلكة لا تكون إلاّ بارتكاب محرم، وقال الجمهور: هو مكروه كراهة تنزيهيةً، أي إنه خلاف الأولى، لأنّه إنما يؤثر في الخشوع، والخشوع ليس من أركان الصلاة، ولأنه سماه النبي ﷺ اختلاساً، والاختلاس ما يؤخذ من المرء دون إرادته، فكيف يكون حراماً. أما قوله: " فإن الالتفات هلكة " فمعناه أن الالتفات ينقص من ثواب الصلاة، كما أفاده الشوكاني، ولو كان حراماً لما قال له: فإن كان ولابد ففي النافلة، لأن ما يحرم في الفرض يحرم في النفل، والله أعلم.
٢٩١ - " باب وجوب القراءة للإِمام والمأموم في الصلوات كلها "
٣٤٠ - ترجمة الراوي: هو جابر بن سمرة العامري ابن أخت سعد ابن أبي وقاص صحابي ابن صحابي، سكن الكوفة وتوفي بها سنة ٧٢ هـ روى مائة وستِة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستة وعشرين حديثاً.
معنى الحديث: يقول جابر بن سمرة ﵄: "شكا أهل الكوفة