٣٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إسكَاتَةً فَقُلْتُ: بِأَبِي واُّمِّي يَا رَسُولَ اللهِ إسكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟ قَالَ: أقُولُ: " اللَّهُمَّ باعِدْ بَيني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ".
ــ
٣٣٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة " قال الخطابي: معناه يسكت بينهما سكوتاً يقتضى كلاماً " فقلت بأبي وأمي يا رسول الله " أي أفديك بأعزّ الأشياء عندي وهما أبواي " إسكاتك (١) بين التكبير والقراءة ما تقول؟ " أي ماذا تقول في سكتتك هذه من ذكر أو دعاء " قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب " أي أسألك اللهم أن تجعل بيني وبين الذنوب والآثام من البعد كما بين المشرق والمغرب " اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس " أي طهرني منها كما يطهر الثوب الأبيض من الأقذار حين يغسل بالماء فيصبح ناصعاً نقياً، قال الشوكاني: وهذا تعبير مجازي يراد منه محو الذنوب بالكلية. " اللهم أغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد " أي وأسألك أن تطهرني بجميع المطهرات من ثلج وبرد وماء، وهو مجاز معناه: اللهم وفقني لجميع الوسائل المؤدية إلى الغفران من ترك السيئات وفعل الحسنات، وكثرة الصدقات، والخشية وحسن الظن بالله، وأن يتغمدني الله برحمته.
ويستفاد منه: مشروعية دعاء الاستفتاح في الصلاة ما بين تكبيرة الإِحرام
стр. 562
٢٨٩ - " بَابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ في الصَّلَاةِ "
٣٣٨ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أبصَارَهُمْ إلى السَّمَاءِ في
ــ
وقراءة الفاتحة، وهو من سنن الصلاة عند أكثر أهل العلم، كما أفاده ابن قدامة خلافاً لمالك، ويكون الاستفتاح بالصيغة الذكورة، أو يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". كما رواه أبو سعيد الخدري وعائشة ﵄، وهو المختار عند أحمد وأبي حنيفة (١). أو بالتوجه بأن يقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " كما رواه مسلم، وهو المختار عند الشافعية (٢) وقال أبو يوسف: يستحب أن يجمع بينهما (٣). وقال أحمد: ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي عن النبي ﷺ من الاستفتاح كان حسناً، أو قال جائزاً، وكذا أكثر أهل العلم. اهـ. كما أفاده ابن قدامة في " المغني ".
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي، حيث إنّه ﷺ كان يقرأ دعاء الاستفتاح ما بين الإِحرام وقراءة الفاتحة، والله أعلم ".
٢٨٩ - " باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة "
١٣٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ محذّراً أمته من العبث في الصلاة ورفع البصر فيها إلى فوق "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء
стр. 563
صَلَاِتهِمْ" فاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ حتَّى قَالَ: " لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أو لتخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ ".
ــ
في صلاتهم" أي كيف يجرؤ بعض الرجال على العبث في الصلاة، فيرفعون فيها أبصارهم، وهو أمر ينافي السكينة والوقار والخشوع في الصلاة، فإن من خشع قلبه سكنت جوارحه، والعكس بالعكس، ولم يعين النبي ﷺ هؤلاء، لئلا يستفزهم فلا يستفيدوا من الموعظة، ولأن التلميح أبلغ من التصريح، " فاشتد قوله في ذلك " أي فبالغ النبي ﷺ في الإِنذار والوعيد " حتى قال: ليَنتهُن " بفتح الياء وضم الهاء على البناء للفاعل، أو بضم الياء والهاء على البناء للمفعول وهو جواب قسم محذوف، واللام فيه للتأكيد، كما أفاده العيني " أو لتخطفن " بضم التاء، كما أفاده القسطلاني " أبصارهم " أي حتى أن النبي ﷺ أقسم بالله تعالى على أنه إما أن ينتهي هؤلاء العابثون عن رفع أبصارهم في الصلاة، أو يخطف الله منهم أبصارهم، ويأخذها بسرعة وفجأة فلا يشعرون إلاّ وقد فقدوا حاسة البصر جزاءً لهم على استهانتهم بالصلاة. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: تحريم رفع البصر عمداً في أثناء الصلاة لغير حاجة، لأن هذا الوعيد الذي يأخذ بالبصر لا يكون إلاّ على ارتكاب معصية، وذلك لأنه ينافي الخشوع في الصلاة، ولهذا قال ابن حزم: رفع البصر يفسد الصلاة، أما جمهور أهل العلم فإنّهم كرهوا ذلك، إلاّ أنه لا يفسد الصلاة عندهم. أما تغميض العين فقد كرهه الحنفيَّةُ، وقال مالك: لا بأس به، وقال النووي: المختار أنه لا يكره. ثانياًً: أن من آداب النصيحة في المجالس العامة عدم التعيين أو توجيه الخطاب المباشر لما فيه من الاستفزاز المؤدي إلى عدم قبول النصيحة وإنما يتكلم عن الموضوع بصفة عامة كما فعل النبي
стр. 564
٢٩٠ - " بَابُ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ "
٣٣٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
سَألتُ، رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ - فَقَالَ: " هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ ".
ــ
ﷺ فهو أنجح وأجدى
٢٩٠ - " باب الالتفات في الصلاة "
٣٣٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة "، أي سألته هل يضر الالتفات في الصلاة - وهل له أثر سيء على فاعله؟ " فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان "، أي هو اختطاف يختطفه الشيطان من صلاة الإنسان، فإذا التفت يميناً وشمالاً تمكن الشيطان من السيطرة عليه، ووجد منه ثغرة مفتوحة يدخل منها إلى نفسه، فيوسوس له حتى يشغله، فيسهو في صلاته، ويخطىء في قراءته، ويذهب بخضوعه، أو يضعفه فيقل أجره وثوابه. وإنما سمّي " اختلاساً " لأنه يؤدي إلى انتقاص الشيطان من ثواب المصلي وأجره.
الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: قي قوله: " هو اختلاس يختلسه الشيطان ... إلخ ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الالتفات في الصلاة لغير عذر شرعي يضر بالمصلي، وينقص من ثوابه، ولهذا أسماه النبي ﷺ " اختلاساً " أي انتقاصاً ينتقصه الشيطان من ثواب الصلاة تبعاً لنقصان الخشوع أو انعدامه فيها. ثانياً: استدل به الظاهرية، وبعض الشافعية على تحريم الالتفات في الصلاة (١) لأنه اختلاس شيطاني كما سمّاه النبي ﷺ ، ولما جاء في حديث
стр. 565
٢٩١ - " بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ للإِمَامِ وَالْمَأمُومِ في الصَّلَواتِ كُلِّهَا "
٣٤٠ - عنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ:
شَكَا أهْلُ الْكُوفَةِ سَعْداً إِلَى عُمَرَ ﵁ فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيهِمْ عَمَّاراً، فشكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فأرْسَلَ إليْهِ فقَالَ: يا أبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ:
ــ
أنس عن النبي ﷺ أنه قال له: " يا بني إيّاك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع " أخرجه الترمذي، والهلكة لا تكون إلاّ بارتكاب محرم، وقال الجمهور: هو مكروه كراهة تنزيهيةً، أي إنه خلاف الأولى، لأنّه إنما يؤثر في الخشوع، والخشوع ليس من أركان الصلاة، ولأنه سماه النبي ﷺ اختلاساً، والاختلاس ما يؤخذ من المرء دون إرادته، فكيف يكون حراماً. أما قوله: " فإن الالتفات هلكة " فمعناه أن الالتفات ينقص من ثواب الصلاة، كما أفاده الشوكاني، ولو كان حراماً لما قال له: فإن كان ولابد ففي النافلة، لأن ما يحرم في الفرض يحرم في النفل، والله أعلم.
٢٩١ - " باب وجوب القراءة للإِمام والمأموم في الصلوات كلها "
٣٤٠ - ترجمة الراوي: هو جابر بن سمرة العامري ابن أخت سعد ابن أبي وقاص صحابي ابن صحابي، سكن الكوفة وتوفي بها سنة ٧٢ هـ روى مائة وستِة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستة وعشرين حديثاً.
معنى الحديث: يقول جابر بن سمرة ﵄: "شكا أهل الكوفة
стр. 566
أمَّا أنا وَاللهِ فَإِنِّي كُنْتُ اُّصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ في الاُّولَيَيْنِ، واُّخِفُّ في الأخْرَيَيْنِ قَال: ذَاكَ الظنُّ بِكَ يا أَبَا إِسْحَاقَ، فأرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً، أَوْ رِجَالاً إلى الْكُوفَةِ فَسَأَل
ــ
سعداً" أي شكوا سعد بن أبي وقاص عندما كان أميراً على الكوفة إلى عمر ﵁، ووجهوا إليه بعض التهم الباطلة، " فعزله " عمر لتهدئة النفوس وإطفاء نار الفتنة، مع ثقته فيه، حيث قال: لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وروي أن سعداً هو الذي طلب إعفاءه فقال لعمر: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة " حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي " وذلك لسوء فهمهم، وجهلهم بكيفية الصلاة، حيث ظنوا مشروعية التسوية بين الركعتين الأوْليين والأخريين في القيام والقراءة، وقاسوا هاتين على هاتين لجهلهم بالمائة الثابتة عن النبي ﷺ حيث كان يطول في الأُوْليين، ويخفف في الأخريين، فلم يعرفوا ذلك لأنّهم أعراب جهلة لا يفقهون شيئاً " فقال: يا أبا إسحاق، إنّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أمّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ " أي وأمّا هم فإنهم قالوا ما قالوا عن جهل وسوء فهم، وأما أنا فإني كنت أصلي بهم مثل صلاة النبي ﷺ " ما أخرم (١) منها "، أي لا أنقص منها شيئاً " أصلي صلاة العشاء فأركد " بضم الكاف أي أطيل " في الأوْليين وَأخف " بضم الهمزة وكسر الخاء " في الأخريين "، أي وأخفف القراءة في الركعتين الأخريين، فأقتصر فيها على الفاتحة " قال " له عمر ﵁: " ذاك الظن بك يا أبا إسحاق " أي لقد أصبت السنة فيما فعلت، وصليت مثل صلاة النبي ﷺ ، وحققت ما نظنه فيك من الفقه في الدين، والعمل بسنة سيد المرسلين، " فأرسل معه " إلى
стр. 567
عَنْهُ أهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِداً إلاّ سَأل عَنْهُ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ مَعْرُوفاً حَتَّى دَخَلَ مَسْجِداً لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَبُي مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أسَامَةُ بْنُ قتَادَةَ، يُكَنَّى أبا سَعْدَةَ قَالَ: أمَا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْداً كانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّة، وَلَا يَقْسِمُ بالسَّوِية، وَلَا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ مَال سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هذَا كَاذِباً، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فأطِلْ عُمْرَهُ، وَأطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِير مَفْتُونٌ أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأنَا رأيتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وِإنَّهُ لَيتَعَرَّضُ للْجَواِري في الطرَّيقِ يُغْمِزُهُنَّ.
ــ
العراق " رجلاً أو رجالاً "، أي أرسل لجنة يرأسها محمد بن مسلمة للتحقيق في قضيته " فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجداً إلاّ سأل عنه " أي فسأل محمد بن مسلمة عن سيرة سعد في جميع مساجد الكوفة " ويثنون عليه معروفاً " أي وجميعهم يثنون عليه ويزكونه " حتى دخل مسجداً لبني عبس " وهي قبيلة من قيس " فقام رجل فقال: أما إذ نشدتنا "، أي أما غيرنا فإنه عندما سألته عن سعد أثنى عليه، وأما نحن إذ سألتنا عنه فإنا نقول " إن سعداً لا يسير بالسرية "، أي لا يخرج للغزو في سبيل الله " ولا يقسم بالسوية " أي ولا يعدل في قسمته، " ولا يعدل في القضية " أي ولا يعدل في الحكم بين الناس، " فقال سعد اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعة فأطل عمره " في سقم وضعف وقبح صورة " وأطل فقره "، أي سلط عليه الفقر، وكثرة العيال، لأنه جهد البلاء " وعرضه بالفتن " بالنساء فلا يراهن إلّا ويغازلهن أمام الناس. " قال الراوي ": وهو عبد الملك بن عمير" فأنا رأيته " في شيخوخته " وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن " أي
стр. 568
يلمس أجسامهن، ويعصر أعضاءهن بأصابعه، ويغازلهن أمام الناس، كما في رواية أخرى عن عبد الملك بن عمير قال: رأيته يتعرض للإِماء في السكك أمام المارة، ويغازلهن، فإذا سألوه أي إذا لاموا عليه قال: كبير فقير مفتون .. ، وهكذا أصابته دعوة سعد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
والمطابقة في قوله: " كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ "، قال العيني: ولا نزاع في قراءة النبي ﷺ في صلاته دائماً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه تجب القراءة في كل ركعة من الصلاة، وهو ما ترجم له البخاري في قوله: " باب وجوب القراءة في الصلوات كلها " لأنّ سعداً كان يقرأ في صلاته كلها، ويقول: كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، أي كنت أقرأ في الصلاة كما كان يقرأ النبي ﷺ . ثانياً: أنه يسن التطويل في الركعتين الأوليين بقراءة الفاتحة والسورة، والتخفيف في الركعتين الأخريين بالاقتصار على قراءة الفاتحة فقط، لأن سعداً ﵁ كان يطيل في الأُوْليين، ويخفف في الأُخْريين، ويقول: كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ . قال ابن قدامة: ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. اهـ.
وهذا يقتضي أن تكون الركعتان الأوليان أطول من الأخريين لزيادة القراءة فيهما. أما بالنسبة إلى الأولى والثانية، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يسوى بينهما إلا في الفجر، فيطيل الأولى عن الثانية وعند الشافعية قولان أشهرهما التسوية بينهما، كما نقله العيني عن " شرح المهذب "، وكره الجمهور إطالة الثانية على الأولى خلافاً لمالك حيث قال: لا بأس بذلك، وذهب الحنابلة إلى استحباب تطويل الأولى عن الثانية وهو مشهور مذهب المالكية وقول لبعض الشافعية، كما أفاده العيني.
***
стр. 569
٣٤١ - " عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ".
ــ
٣٤١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " يحتمل أن يكون هذا النفي موجهاً إلى صحة الصلاة، أو إلى كمال الصلاة، وعلى الأوّل فمعناه: أن من لم يقرأ بالفاتحة لا تصح صلاته، بل تكون باطلة، وعلى الثاني معناه: أن من لم يقرأها تصح صلاته، ولكنها تكون ناقصة غير كاملة، والأول أظهر، لأنّه إذا لم يمكن نفي الصلاة لوجود صورتها، تعين نفي أقرب الأشياء إلى ذاتها وهو الصحة، لأن الوجود الشرعي يتوقف عليها. فيكون المعنى أن الصلاة بغير فاتحة ليس لها وجود شرعي، ولذلك فإنها لا تصح، وإنما تكون باطلة غير مقبولة عند الله تعالى.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، وهو قول الجمهور خلافاً للحنفية حيث قالوا: الفاتحة واجبة والواجب عندهم ليس فرضاً، وإنما هو بين الفرض والنفل، وليست ركناً، لأن الركن لا يثبت إلاّ بدليل قطعي من آية محكمة، أو سنة متواترة، ولا شيء من ذلك.
فالركن مطلق القراءة لقوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر منه) وقوله ﷺ للمسيء صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن " ولم يعين الفاتحة. واستدل الجمهور بحديث الباب، لأن النبي ﷺ نفى كل صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة، وهو يقتضي نفي وجودها وصحتها شرعاً، كما يؤكد ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " أخرجه ابن خزيمة وأما الآية المذكورة فهي في قيام الليل، وأما حديث المسيء فهو مجمل بينته الأحاديث الصريحة، وقد جاء في إحدى رواياته أنه ﷺ قال للمسيء: " ثم اقرأ بأم القرآن ... " أخرجه
стр. 570
أحمد، والمجمل يحمل (١) على المبين. ثانياًً: استدل به بعض أهل العلم على مشروعية قراءة الفاتحة للمأمومَ في السرية والجهرية لدخوله في عموم قوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وهو مذهب البخاري والشافعي في الجديد أن القراءة تجب على المأموم حتى فيما جهر فيه الإِمام. وكره بعض الحنفية قراءتها للمأموم سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة " أخرجه الدارقطني. وقالت المالكية: لا تلزم الفاتحة مأموماً، فالإِمام يحملها عنه، كما نص عليه ابن عرفة والخطاب (٢)، وكره مالك قراءة الفاتحة فيما يجهر فيه الإِمام -كما في " الإِفصاح " (٣) - ويقرأها في السرية كما قال ابن القاسم. وقالت الحنابلة: قراءة الإِمام قراءة له إلاّ أنه يستحب له أن يقرأ في السرية في سكتات الإِمام، كما أفاده ابن قدامة في " عمدة الفقه " (٤).
ثالثاً: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي -وأحمد في رواية- وعنه في رواية أخرى أنها لا تجب الفاتحة إلاّ في ركعتين من الصلاة، كما أفاده ابن قدامة (٥) في " المغني "، ونحوه عن النخعي والثوري وأبي حنيفة. والأرجح قراءتها في كل ركعة لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من صلى ركعة فلم يقرأ فيها لم يصل إلاّ خلف إمام ". وعن أبي سعيد ﵁ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة ". فإن نسيها في ركعة فسدت صلاته عند الشافعية والحنابلة. وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم: إنه إن كانت الصلاة ثنائية فسدت، وإن كانت رباعية فروي
стр. 571
٣٤٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ وقَالَ: " ارْجِعْ فَصَل فَإنكَ لمْ تُصلِّ "فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " ارْجِعْ فَصَل فإِنَّكَ لم تُصَلِّ "، ثَلاثاً فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَكَبِّر ثُمَّ اقْرَأ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعَاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمَاً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، وافْعَلْ ذَلِكَ في صلاِتكَ كُلِّهَا".
ــ
عنه ثلاث روايات الأولى: أنها لا تجزئه ويعيد الصلاة، والثانية: أنه يسجد للسهو فقط، والثالثة: أنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في كونه يدل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في الصلوات (١) كلها.
٣٤٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجلاً وهو خلاد بن رافع " فصلى " متعجلاً صلاته ولم يطمئن في قيامه وركوعه وسجوده " فسلم على النبي ﷺ فرد " أي فرد النبي ﷺ ﵇ " وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل " أي فأمره النبي ﷺ بإعادة تلك الصلاة، لأنّها بطلت بسبب ترك الطمأنينة فيها " فرجع يصلي كما صلى " أي فعاد فصلى من دون طمأنينة كما فعل في صلاته
стр. 572
الأولى. " ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثاً " أي فأمره ﷺ بالإعادة ثلاث مرات " فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني " أي لا أعرف صلاة أحسن مما رأيت " فعلمني "، أي فإن كانت هذه الصلاة باطلة فعلمني كيف تكون الصلاة الصحيحة " فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " وهي الفاتحة، أي ثم اقرأ بفاتحة الكتاب لما في رواية أحمد أنه قال له: " ثم اقرأ بأم القرآن " " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً " أي ثم حافظ على الاعتدال في القيام والطمأنينة في الركوع والسجود. الحديث: أخرجه الستة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: وجوب القراءة للإمام والمأموم كما ترجم له البخاري لعموم قوله ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ". ثانياً: أن الطمأنينة ركن تبطل الصلاة بتركها، لأن النبي ﷺ أمره بإعادة الصلاة التي لم يطمئن فيها، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها، ولا تبطل الصلاة بتركها. ثالثاً: مشروعية الاعتدال في الصلاة، وهو فرض عند الشافعي وأحمد (١) وسنة عند أبي حنيفة، وأما مالك فلم ينقل عنه نص في ذلك -كما قال ابن رشد (٢) - واختلف أصحابه: هل ظاهر مذهبه يقتضي أنه سنة أو واجب. والمطابقة: في قوله: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ".
...
стр. 573
٢٩٢ - " بَابُ الْقِرَاءَةِ في الظُّهْرِ "
٣٤٣ - عَن أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ:
" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأوْلَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً، وَكَان يَقْرَأ في الْعَصْرِ بفِاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأوْلَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحَ، وَيُقَصِّر في الثَّانِيَةِ ".
ــ
٢٩٢ - " باب القراءة في الظهر "
٣٤٣ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁: " كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين " أي يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالفاتحة والسورة " يطول في الأولى " أي يطول في الركعة الأولى بزيادة القراءة فيها عن الثانية، فيجعل الثانية أقصر من الأولى، " ويسمع الآية أحياناً " أي وإنما كنا نعرف أنه يقرأ في الظهر مع أنها سرية، لأنه كان يسمعنا الآية أحياناً، حيث يرفع صوته في أثناء القراءة فيها، فنعرف أنه قرأ " وكان يقرأ في العصر " أي في الركعتين الأوليين من العصر " بفاتحة الكتاب وسورتين وكان يطول في الأولى " أي وكان يقرأ في العصر كما يقرأ في الظهر، ويطول في الركعة الأوْلى كما يطول في الظهر. " وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح " كما يفعل في الظهر والعصر.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية القراءة في الظهر والعصر كمشروعيتها في الصلوات الليلية، ولا خلافِ في ذلك عند أهل العلم إلاّ ما
стр. 574
٢٩٢ م - " بَابُ القِرَاءَةَ فِي العَصْرِ . "
٣٤٤ - عن أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأرْتِّ ﵁:
" أكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرأ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: بأيّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتِهِ، قَالَ: باضْطِرَابِ لِحْيَتهِ ".
ــ
حكي عن ابن عباس ﵄ وإبراهيم بن علية أنه لا قراءة فيهما.
ثانياًً: أنه يسن الإِسرار بالقراءة في الصلوات النهارية فإن جهر لم تبطلَ صلاته عند أكثر أهل العلم، وقال الحنفية: الإِسرار واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً، وهو قول بعض أصحاب مالك، فإن تركه سهواً سجد بعد السلام، وإن تركه عمداً بطلت. ثالثاً: أنه يستحب تطويل القراءة في الركعة الأولى عن الثانية، وهو مشهور مذهب المالكية (١) والحنابلة (٢). والمطابقة: في قوله: " كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر ". الحديث: أخرجه الخمسة أي عدا الترمذي.
٢٩٢ م - " باب القراءة في العصر "
٣٤٤ - معنى الحديث: يحدثنا راوي الحديث " وهو أبو معمر عبد الله بن سخبرة -بفتح السين وسكون الخاء وفتح الباء الأزدي- أنه سأل خباب بن الأرت " أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ " أي هل كان النبي ﷺ يقرأ في صلاتي الظهر والعصر كما يقرأ في المغرب والعشاء والصبح، أم أنه لا يقرأ فيها؟ وسبب سؤالهم هذا كما قال العيني " أنهم كانوا يظنون أن لا قراءة فيهما لعدم الجهر بالقراءة فيهما، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عبيد الله "قال: دخلت على ابن عباس في شباب من
стр. 575
بني هاشم فقلنا لشاب: سل ابن عباس ﵄ أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر فقال لا ... إلخ" أما خباب فأجاب بالإِيجاب حيث " قال نعم " أي نعم كان يقرأ في الظهر والعصر. " قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ " أنه كان يقرأ مع أن القراءة سرية " قال باضطراب لحيته " أي عرفنا أنّه كان يقرأ بتحرك لحيته في أثناء قيامة في الصلاة، وفي رواية " لحييه " بفتح اللام وسكون الحاء وفتح الياء الأولى وسكون الياء الثانية تثنية " لحي " بفتح اللام وسكون الحاء وهو منبت اللحية من الإنسان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري وغيره من أهل العلم وهم الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على مشروعية القراءة في الظهر، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث أبي قتادة السابق أنه ﷺ " كان يقرأ فيهما ويسمعهم الآية أحياناً ". ولهذا قالوا بمشروعية القراءة في الظهر والعصر، خلافاً لابن عباس ﵄ حيث يرى أنها غير مشروعة فيهما. ثانياً: جواز رفع البصر إلى الإمام والنظر إليه في أثناء الصلاة، ومشروعيتها لأنهم لو لم يرفعوا أبصارهم إلى النبي ﷺ في أثناء صلاته ﷺ لما رأوا اضطراب لحيته، وهو مذهب مالك حيث قال: " ينظر المأموم إلى إمامه، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده " خلافاً للحنفية والشافعية.
الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون خباب ﵁ سئل هل كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم.
***
стр. 576
٢٩٣ - " بَابُ الْقِرَاءَةِ في الْمَغرَبِ "
٣٤٥ - عَن ابْنِ عَبَّاس ﵄:
"أنَّ أمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرا (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) فقَالَتْ: يَا بُنَيَّ وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقَرَاءَتِكَ هَذِهِ السَّورَةَ إنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرأ بِهَا في المَغْرِبِ".
٣٤٦ - عَن مَرْوَان بْنِ الحَكَمِ قَالَ: قَالَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁:
مَا لَكَ تَقْرأ فِي المَغْرِبِ بِقِصَار وَقَد سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقْرأُ في الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّوْلَيَيْنِ ".
ــ
٢٩٣ - " باب القراءة في المغرب "
٣٤٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس رضي الله، عنهما " أن أم الفضل بنت الحارث " والدة ابن عباس ﵄ " سمعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ " أي سمعت ولدها يقرأ هذه السورة المذكورة، فتذكرت قراءة النبي ﷺ لها في صلاة المغرب، " فقالت: يا بني والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة " أي لقد ذكرتني عندما سمعتك تقرأ هذه السورة قراءة النبي ﷺ لها، " أنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب " أي إن هذه السورة هي آخر ما سمعت من قراءته ﷺ حيث سمعته يقرأ بها في المغرب. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: " إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب ".
٣٤٦ - معنى الحديث: يقول زيد بن ثابت ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين " أي سمعته ﷺ يقرأ في
стр. 577
٢٩٤ - " بَابُ الجَّهْرِ في الْمَغرِبِ "
٣٤٧ - عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ:
" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ".
ــ
صلاة المغرب بأطول السورتين اللتين هما أطول سور القرآن، وهي سورة البقرة، لأن أطول سور القرآن البقرة والنساء، وأطولهما البقرة. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يقرأ بطولى الطوليين ".
ويستفاد من الحديثين. ما يأتي: أولاً: مشروعية القراءة في صلاة المغرب، لأنّ النبي ﷺ كان يقرأ فيها. كما دل عليه الحديث الأول والثاني. ثانياًً: جواز تطويل القراءة في المغرب أحياناً، لأن النبي ﷺ قرأ فيها مرة بالمرسلات ومرة بالبقرة ليبين لأمته جواز ذلك، وإن كان المستحب فيها تخفيف القراءة، والاقتصار على قصار المفصل، وهو عند الجمهور من (الضحى) إلى (الناس) وعند الحنفية من (لم يكن) إلى (الناس). قال الترمذي: وكره مالك أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو (الطور) و (المرسلات)، ونفى الزرقاني كراهية التطويل في المغرب عن مالك، وقال: إنه قول غريب، والمعروف عند المالكيّة أنه لا كراهة فيه كما قال ابن عبد البر. ثالثاً: استدل به الحنفية على امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لأن قراءة البقرة في صلاة المغرب تقتضي ذلك.
٢٩٤ - " باب الجهر في المغرب "
٣٤٧ - معنى الحديث: يقول جبير بن مطعم ﵁:
" سمعت رسول الله ﷺ يقرأ المغرب (بالطور) " الباء زائدة والمعنى
стр. 578
سمعته يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب. قال في " المنهل العذب " (١): وظاهره أنه ﷺ قرأ بعض السورة في الركعة الأولى، والبعض في الثانية، وأمّا رواية الزهري أنه قرأ ذلك في العتمة " أي في العشاء " فإنه من رواية ابن لهيعة، وهي ضعيفة، كما قال ابن عبد البر، ولا يحتج به إذا انفرد، ومحاولة صرف الحديث عن ظاهره تكلف لا داعي له ما دام أن التطويل جائز، والأمر واسع كما قال ابن قدامة. الحديث: أخرجه الخمسة غير النسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يسن الجهر بالقراءة في المغرب. وسائر الصلوات الليلية، لأنه ﷺ لو لم يجهر لما سمعه جبير ﵁، فإن تعمد الإِسرار فيها كان تاركاً للسنة، ولا تبطل صلاته عند أكثر أهل العلم، وعن بعض المالكية تبطل في العمد، ولا تبطل في الإِسرار سهواً اتفاقاً، وعليه سجود السهو. ثانياً: جواز التطويل بالقراءة في المغرب، أما الأحاديث الدالة على التخفيف فيها فإنها لبيان الاستحباب، وهذا لبيان الجواز، قال ابن المنير: تحمل الإطالة على الندرة، والتخفيف على العادة، تنبيهاً على الأولى، فالتخفيف فيها مستحب والتطويل جائز، وأما ما نسبه الترمذي إلى مالك من كراهية التطويل فهو قول غريب، والمعروف عند المالكيُة: أنه لا كراهة فيه كما نقله الزرقاني (٢) عن ابن عبد البر. والمطابقة: في قوله: " سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور ".
...
стр. 579
٢٩٥ - " بَابُ الجَهْرِ في الْعِشَاءِ "
٣٤٨ - عَنْ أبِي رَافِع قَالَ:
" صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ. قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أبِي الْقَاسِمِ ﷺ فَلا أزَالُ أسْجُدُ بِهَا حَتَّى ألْقَاهُ ".
٣٤٩ - عنِ الْبَرَاءِ ﵁:
"أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ في سَفَرٍ فقرَأ في الْعِشَاءِ في إحْدَى الرَّكْعَتيْنِ
ــ
٢٩٥ - " باب الجهر في العشاء "
٣٤٨ - معنى الحديث: يقول أبو رافع (١): " صليت مع أبي هريرة العتمة " أي صلاة العشاء، لأنّها تصلّى في وقت العتمة. أي في ظلمة الليل، قال ابن الأعرابي: وعتمة الليل ظلام أوّله عند سقوط نور الشفق " فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد " عند قوله تعالى: (وإذا قرأ عليهم القرآن لا يسجدون)، " فقلت له: " أي سألته عن حكمها، وفي رواية " فقلت: ما هذه؟ " " فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ " وفي رواية " سجدت فيها خلف أبي القاسم " أي في هذه السورة، وفي رواية " صليت خلف أبي القاسم فسجد بها " أخرجه ابن خزيمة " فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه " أي مدة حياتي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " سجدت خلف أبي القاسم ﷺ ". أي سجدت خلفه في صلاة العشاء، وهو يقرأ هذه السورة، فلو لم يجهر النبي ﷺ ، لما عرف أبو هريرة أنّه سجد في هذه السورة أو غيرها.
٣٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁: "أن رسول الله
стр. 580
بـ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) ".
ــ
ﷺ كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) "، أي قرأ سورة التين في الركعة الأولى. قال الحافظ: إنما قرأ في العشاء بالتين، وهي من قصار السور، لأنه كان مسافراً. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين ".
لأنه لو لم يجهر لما عرف أي سورة قرأ.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أنه يسن الجهر بالقراءة في صلاة العشاء، وكذلك سائر الصلوات الليلية، فإن القراءة فيها جهرية، لأنّ النبي ﷺ جهر في العشاء، ولو لم يجهر لما عرف أبو هريرة أن النبي ﷺ سجد في سورة الانشقاق، أو في غيرها لأنه لا يسمع قراءته إذا أسر، فكيف يعرف أنه ﷺ سجد في هذه السورة أو تلك، ولأن البراء ﵁ حدثنا في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين، فلو لم يجهر النبي ﷺ بالقراءة لما عرف البراء أيَّ سورة قرأ. فدل ذلك على أن الجهر بالقراءة في صلاة العشاء " سنة وكذلك سائر الصلوات الليلية يسن الجهر فيها، وقال الحنفية كما أفاده في " فيض الباري " (١) الجهر فيها واجب، والواجب عندهم بين الفرض والنفل ". أما المسبوق فقد قال الإِمام أحمد: إن شاء جهر وإن شاء خافت - أي أسَرَّ كما أفاده ابن قدامة (٢).
ثانياًً: استحباب تخفيف القراءة في السفر، لأنه ﷺ قرأ في العشاء في أثناء سفره بقصار المفصل " فيستحب القراءة به في السفر " وهو عند الشافعية والحنابلة والمالكية من (من الضحى) إلى (الناس) وعند الحنفية من (لم يكن) إلى (الناس). وأما في غير السفر فيسن القراءة فيها بأوساط المفصل.
стр. 581
٢٩٦ - " بَابُ الْقِرَاءَةِ في العِشَاءِ "
٣٥٠ - عنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ ﷺ :
" سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) في الْعِشَاءِ، ومَا سَمِعْتُ أحَداً أحْسَنَ صَوْتَاً مِنْهُ أوْ قِرَاءَةً ".
٢٩٧ - " بَابُ الْقِرَاءَةِ الْفَجْرِ "
٣٥٠ - عَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
ــ
وهو عند المالكية من (عبس) إلى (الضحى). وعند الشافعية والحنابلة من (عم) إلى (الضحى)، وعند الحنفية من (البروج) إلى (لم يكن). ثالثاً: مشروعية سجود التلاوة في الانشقاق، وهو مذهب الشافعي.
٢٩٦ - " باب القراءة في العشاء "
٣٥٠ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: " سمعت النبي ﷺ يقرأ (والتين والزيتون) في العشاء " أي سمعته ﷺ يقرأ سورة التين في صلاة العشاء بصوت عذب وترتيل جميل، " وما سمعت أحداً أحسن منه صوتاً أو قراءة "، أبي وما سمعت أجمل منه صوتاً، ولا أجود قراءة. الحديث: أخرجه الستة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية القراءة في العشاء كما ترجم له البخاري، لأن البراء سمع النبي ﷺ يقرأ فيها بهذه السورة. ثانياًً: استحباب ترتيل القرآن وتحسين الصوت به. والمطابقة: في قوله: " سمعت النبي ﷺ يقرأ: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) في العشاء ".
٢٩٧ - " باب القراءة في الفجر "
٣٥١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: "في كل
стр. 582
" في كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرأُ، فَمَا أسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أخْفَى عَنَّا أخْفَيْنَا عَنْكُمْ، إنْ لَمْ تَزِدْ على أُمِّ الْقُرآنِ أجْزاتْ وَإن زِدْتَ فَهُو خَيْر ".
ــ
صلاة يقرأ" بالبناء للمجهول أي تشرع القراءة في كل الصلوات، نهارية كانت أو ليليةً، فرضاًْ أو نفلاً، ويروى في كل صلاة يقرأ بالبناء للمعلوم، والضمير راجع إلى النبي ﷺ ، والمعنى: أن النبي ﷺ كان يقرأ في كل صلاة وتقتضي هذه الرواية أن الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ وهو الأنسب " فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم " أي أن النبي ﷺ قرأ في بعض الصلوات جهراً وفي بعضها سراً، فما قرأ فيه جهراً وأسمعنا صوْتَهُ قرأنا فيه جهراً وأسمعناكم صوتنا " وما أخفى عنا أخفينا عنكم " قال العيني: أي وما أسرَّ به أسررنا به. ثم قال: " وإن تزد على أُمِّ القرآن أجزأت " وهو متعلق بقوله: " في كل صلاة يقرأ "، أي إن القراءة في الصلاة وإن كانت كلها مشروعة، إلّا أن بعضها ركن لا بد منه وهو الفاتحة، وبعضها سنة لا تبطل الصلاة بتركه، وهو ما زاد عليها من سورة أو آيات، فإن لم تزد على قراءة الفاتحة واكتفيت بها كفتك، وصحت صلاتك. " وإن زدت على أمِّ القرآن " سورة أو آيات " فهو خير "، أي فهو سنة تثاب عليها، وفي رواية عن أبي هريرة: " ومن زاد فهو أفضل " رواه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية القراءة في صلاة الصبح لدخولها في عموم قوله ﷺ : " في كل صلاة يُقْرأ "، ولا خلاف في ذلك. ثانياً: أن قراءة الفاتحة ركن تبطل الصلاة بتركه، وإن اكتفى بهما المصلّي ولم يقرأ سواها صحت صلاته وأجزأته. أما قراءة السورة أو الآيات بعد الفاتحة فهو سنة يثاب عليها، ولا تبطل الصلاة بتركها لقوله: (وإن زدت فهو خير)
стр. 583
٢٩٨ - " بَابُ الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الفَجْرِ "
٣٥٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
انْطَلَق النَّبِيُّ ﷺ في طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وقد حِيلَ بَيْنَ الشَيّاَطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاء، وأرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَيّاَطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا شَيءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهِا، فانْظرٌوا
ــ
أي شيء سنه رسول الله ﷺ بفعله ومواظبته عليه، وترغيب الناس فيه.
ثالثاً: أن الإِسرار بالقراءة في الصلاة السرية، والجهر بها في الصلاة الجهرية سنة ثابتة عن النبي ﷺ لقول أبو هريرة: " فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ". والمطابقة: في قوله: " في كل صلاة يقرأ " حيث يدخل في ذلك صلاة الفجر ويشملها عمومه.
٢٩٨ - " باب الجهر بقراءة صلاة الفجر "
٣٥٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ " انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ " أي ذهب النبي ﷺ مع جماعة من أصحابه إلى سوق عكاظ، لينتهز فرصة وجود القبائل فيه أثناء انعقاده، فيعرض عليهم الإِسلام " وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء " أي وكان خروجه ﷺ إلى سوق عكاظ بعد أن حُجِبَ الشياطين ومنعوا من استراق السمع، وسلط الله عليهم الشهب (١) تحرقهم، وتحول
стр. 584
مَا هَذَا الذي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فانْصَرَفَ أولئِكَ الذين تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ بِنَخْلَة عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بأصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الذي حالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجِعُوا إلى قَوْمهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) فأنزلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) وإنَّمَا أوْحِيَ إليْهِ قَوْلُ الجِنِّ.
بينهم وبين الصعود إلى السماء، فلما رأوا ذلك " قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء " أي ما منعكم من الاستماع إلى حديث الملائكة، واختطاف الأخبار منهم إلا أمر جديد وحادث عظيم وقع في هذا العالم " فأضربوا مشارق الأرض ومغاربها " أي فسيروا في الأرض شرقاً وغرباً لاكتشاف سبب ذلك.
وروي أن النجوم لما بدأت ترميهم بالشهب، ولم تكن تفعل ذلك من قبل ذكروا ذلك لِإبليس فقال لهم: ما هذا إلاّ من أمر قد حدث، فبعث جنوده في كل مكان من الأرض " فانصرف أولئك " الجن " الذين توجهوا نحو تهامة " وهي ما انخفض من أرض الحجاز " إلى النبي ﷺ " فوجدوه مصادفة " بنخلة " بين مكة والطائف على بعد ليلة من الطائف، أي على بعد عشرة أميال منها " وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر " أي وكان يصلي صلاة الفجر ويقرأ القرآن جهراً فسمعه هؤلاء الجن " فلما سعوا القرآن فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنّا سمعنا قرآناً عجباً " أي فعند ذلك آمنوا، وذهبوا إلى قومهمٍ مبشرين بمحمد ﷺ وهم يقولون: يا قومنا إنّا سمعنا قرآناً عجباً، أي عجيباً في ألفاظه غريباً في معانيه، خارجاً عن مقدور البشر " يهدي إلى الرشد " أي إلى الدين الحق الخ " وإنما الذي أوحى إليه " في أول سورة
стр. 585
٣٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أمِرَ، وَسَكَتَ فيِمَا أمِرَ (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ".
ــ
الجن هو " قول الجن " أي هو إخباره عما قاله الجن عند استماعهم إلى قراءته ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فلما سمعوا القرآن ".
٣٥٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قرأ النبي ﷺ فيما أمر وسكت فيما أمر " أي جهر النبي (١) ﷺ في الصلوات التي أمره الله بالجهر فيها، وهي الصلوات الليلية، وأسَرَّ في الصلوات التي أمره الله تعالى بالإسرار فيها، وهي الصلوات النهارية " وما كان ربك نسياً " ولم يذكر الله ذلك في القرآن نسياناً منه، فهو المنزه عن ذلك، ولكنه ترك بيان هذه الأحكام لنبيه ﷺ " ولقد كان لكم في رسول الله أسوة " فيجب عليكم اتباع سنته.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: استحباب الجهر في صلاة الصبح لجهر النبي ﷺ فيها ولو لم يجهر لما سمعه الجن. ثانياً: أن الجهر في الصلوات الليلية، والإِسرار في النهارية سنة، لأنّ النبي ﷺ جهر في هذه وأسر في هذه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " قرأ فيما أمر، وسكَت فيما أمر ".
...
стр. 586
٢٩٩ - " بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتيْنِ في الرَّكْعَةِ "
٣٥٤ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
" أنَّهُ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: قَرأتُ الْمفَصَّلَ اللَّيْلَةَ في رَكْعَةٍ، فَقَالَ: هَذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَر عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الُمفَصَّلِ سُورَتَيْنِ في كُلِّ رَكْعَةٍ ".
ــ
٢٩٩ - " باب الجمع بين السورتين في الركعة "
٣٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ " أنه جاءه رجل " وهو نَهِيك بن سنان (١) البجلي " فقال قرأت المفصل الليلة في ركعة " أي قرأت سور المفصّل كلها: وهو من (ق) إلى (الناس) هذه الليلة في ركعة واحدة. فكأنه فهم منه أنه كان يسرع في التلاوة، ولا يرتل القرآن في صلاته، فلم يستحسن منه ذلك " فقال له: هذاً كهِذِّ الشعر " أي أتسرد القرآن، وتسرع في تلاوته كأنك تقرأ شعراً مع أنه كان ينبغي لك أن ترتل القرآن، أمر الله ، ثم قال ابن مسعود: " لقد عرفت النظائر " أى السور المتماثلة في معانيها وعدد آياتها " التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن " أي التي كان النبي ﷺ يجمع بين كل سورتين منها في ركعة واحدة، فإن شئت أن تعمل بسنة النبي ﷺ فاجمع بين كل سورتين فقط، ولا تزد، لتتمكن من الترتيل، وحسن التلاوة " فذكر عشرين سورة من المفصل " أي فعدَّ عشرين سورة " سورتين في كل ركعة " وهي (الرحمن) و (النجم) و (اقتربت) و (الحاقة) و (الذاريات) و (الطور) و (الواقعة) و (ق) و (سأل) و (النازعات)
стр. 587
٣٠٠ - " بَابٌ يَقْرأُ في الأخرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ "
٣٥٥ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁:
"أن النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقْرأ في الظُّهْرِ في الأولَيَيْنِ بأمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأخْرَيَيْنِ بأمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأولَى ما لا يُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وهكَذا في الْعَصْرِ، وَهَكَذَا في الصبحَ " (١).
ــ
و (ويل للمطففين) و (عبس) و (المدثر) و (المزمل) و (هل أتى) و (لا أقسم) و (عمّ) و (المرسلات) و (التكوير) و (الدخان) وذلك على ترتيب مصحف ابن مسعود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز الجمع بين سورتين، وهو جائز في النافلة اتفاقاً، ويكره في الفريضة عند المالكية (٢) وبعض الحنفية (٣)، وفي رواية عن أحمد (٤). ثانياً: النهي عن الإِسراع في القراءة. ثالثاً: استحبابِ القراءة من المفصل. والمطابقة: في قوله: " يقرن بينهن ".
٣٠٠ - " باب يقرأ في الأُخريين بفاتحة الكتاب "
٣٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ " أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين " أي يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالفاتحة والسورة " وفي الركعتين الأخريين "
стр. 588
٣٠١ - " بَابُ جَهْرُ الإمَامَ بالتَّأمِينَ "
٣٥٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أمنَ الإِمَامُ فَأمِّنُوا، فإِنَّ مَنْ وَافَقَ تأمِينُهُ
ــ
أي ويقتصر في الركعتين الأخريين على أم الكتاب فقط " ويسمعنا الآية " أي وكان يُسرُّ بالقراءة، إلاّ أنه يرفع صوته فيسمعنا الآية أحياناً، لنتعلم منه، ولذلك عرفوا ما كان يقرأ في الظهر، " ويطول في الركعة الأولى مما لا يطول في الركعة الثانية "، أي يجعل الركعة الأولى أطول من الثانية.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية قراءة الفاتحة والاقتصار عليها في الركعتين الأخريين من الرباعية، وفي الأخيرة من الثلاثية، أما قراءة الفاتحة فيهما فهو ركن عند الجمهور (١) خلافاً لأبي حنيفة وأحمد في رواية، وأما الاقتصار عليها فهو سنة عند الجمهور. ثانياً: يستحب تطويل الركعة الأولى عن الثانية، وهو مذهب المالكية ومحمد بن الحسن والكثير من الشافعية، وذهب الحنفية إلى استحباب التسوية بينها لقول سعد " أما أنا فأركد في الأوليين " أي أطيل فيهما. ثالثاً: الإِسرار في الصلاة النهارية للإِمام، والمنفرد معاً، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أحمد في المشهور عنه: لا يستحب للمنفرد، وإنما هو بالخيار، وهو مذهب أبي حنيفة، واتفقوا على أنه إن جهر في السرية، أو أسر في الجهرية لا شيء عليه لأنه مستحب فقط، ولأنه ﷺ كان يسمعهم الآية أحياناً، وهو في صلاة الظهر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ".
٣٠١ - " باب جهر الإِمام بالتأمين "
٣٥٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " إذا أمّن الإِمام فأمِّنوا "
стр. 589
تَأمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
ــ
أي إذا قال الإِمام: آمين فقولوا مثله آمين " فإنّ من وافق تأمينه تأمين الملائكة " أي وافقهم في الوقت، كما قال النووي " غفر له ما تقدم من ذنبه " أي فإن أمّن مع الملائكة في وقت واحد غفرت ذنوبه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب التأمين للإِمام والمأموم معاً في الصلاة الجهرية، أما استحبابه للإِمام فلقوله ﷺ : " إذا أمَّن الإِمام " وأما استحبابه للمأموم فلقوله ﷺ : " فأمنوا " وهو مذهب أحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية: لا تأمين على الإمام في الصلاة الجهرية، وأمّا قوله ﷺ : " إذا أمن الإمام " فمعناه إذا بلغ موضع التأمين لما في رواية " الموطأ " إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فقولوا: آمين " قال الزرقاني: وهو حجة ظاهرة على أن الإِمام لا يؤمِّن. ثانياًً: أنه يستحب للإِمام الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية لقوله ﷺ : إذا أمّن الإِمام فأمِّنوا " حيث أمر المأمومين بالتأمين عند تأمين الامام، وهم لا يعرفون ذلك إلّا إذا جهر بالتأمين، فيستحب له الجهر به ليسمعوه، ويؤمِّنوا مثله. ويؤيد ذلك حديث سفيان " أن النبي ﷺ قال: " آمين " ورفع بها صوته " وهو ما ترجم له البخاري، وأما حديث شعبة " أن النبي ﷺ قال: "آمين" وخفض بها صوته " فلا خلاف بين أهل العلم أن شعبة وسفيان إذا اختلفا فالقول قول شعبة كما أفاده ابن القيم، وقال الترمذي: سمعت محمداً - يعني البخاري يقول: حديث سفيان أصح، والحاصل أن الأحاديث صريحة في أنه يستحب للإِمام الجهر بالتأمين في الجهرية كما ترجم له البخاري، وذهب إليه الشافعي ومن وافقه من أهل العلم، قال العيني: وفيه أنّه مما تمسك به
стр. 590
٣٠٢ - " بَابُ فضلِ التَّأمِينِ "
٣٥٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ أحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتْ الْمَلاِئكَةُ في السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
٣٠٣ - " بَاب إذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ "
٣٥٨ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁:
أنَّهُ انتهَى إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِع، فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى
ــ
الشافعي الجهر بالتأمين، وذكر المزني في " مختصره " أنّ الشافعي قال: يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة والمأموم يخافت، وفي " التلويح " ويجهر فيها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود. والمطابقة: في قوله: " إذا أمّن الِإمام ".
٣٠٢ - " باب فضل التأمين "
٣٥٧ - معنى الحديث: أن المسلم إذا أمن على دعائه أمنت الملائكة عند انتهائه منه، فإذا اتفقا في الوقت، غفرت ذنوبه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
ويستفاد منه: استحباب التأمين على الدعاء في الصلاة أو غيرها رجاء موافقة الملائكة في تأمينهم والفوز بالمغفرة. والمطابقة: في كون التأمين سبباً في المغفرة.
٣٠٣ - " باب إذا ركع دون الصف "
٣٥٨ - معنى الحديث: أن أبا بكرة جاء والنبي ﷺ راكع فخشي
стр. 591
الصَّفِّ فَذَكَر ذَلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " زَادَكَ اللهُ حِرْصَاً، ولا تَعُدْ ".
٣٠٤ - " بَابُ إتْمَام التَّكْبِيرِ في الرُّكُوعِ "
٣٥٩ - عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁:
أنَّهُ صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ ﵁ بالْبَصْرَةِ فَقالَ: " ذَكَّرَنَا هَذَاَ الرَّجُلُ صَلاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أنَّهُ كَانَ يُكَبر كُلَّمَا رَفَعَ، وَكُلَّمَا وَضَعَ " (١).
ــ
أن تفوته الركعة فركع قبل أن يصل إلى الصف، فأخبِرَ النبي ﷺ بما فعل، فقال النبي ﷺ : " زادك الله حرصاً " أي رغبة في صلاة الجماعة واجتهاداً في الحصول عليها ولا تعد إلى الركوع قبل الصف.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: النهي عن الركوع دون الصف وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة. وقال مالك والليث: لا بأس إن كان قريباً. ثانياً: النهي عن صلاة الرجل منفرداً خلف الصف، لأنه أولى بالنهي من الركعة الواحدة، واختلفوا في هذا النهي، فحمله أحمد واسحاق على التحريم وأنه يقتضي فساد الصلاة، فمن صلّى وحده ركعة كاملة أثم وفسدت صلاته، وحمله الجمهور على الكراهة لأنه ﷺ لم يأمره بالإعادة، وأما حديث " لا صلاة للذي خلف الصف " فمعناه لا صلاة كاملة لأَنّ النبي ﷺ انتظره حتى فرغ من صلاته.
الحديث: أخرجه أيضاً مسلم وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: "ولا تعد".
٣٠٤ - " باب إتمام التكبير في الركوع "
٣٥٩ - معنى الحديث: أن عمران بن حصين صلّى خلف الإِمام علي ﵁ بالبصرة بعد وقعة الجمل، فقال: لقد ذكرنا هذا الخليفة الراشد
стр. 592
٣٠٥ - "بَابُ وَضْعِ الأَكُفِّ على الرُّكَبِْ في الرُّكُوعِ "
٣٦٠ - عن سَعْد بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁:
"أنَّهُ صَلَّى إلى جَنْبِهِ ابنُهُ مُصْعَب قَالَ: فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهانِي أبِي، وقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وأمِرْنَا.
أنْ نَضَعَ أيدِينَا علَى الرُّكَبِ".
ــ
بصلاته الكاملة المستوفية لسنتها وواجباتها صلاة النبي ﷺ حيث كان ﵁ يأتي بكل التكبيرات، ويحافظ عليها، فيكبر كلما خفض رأسه للركوع والسجود، أو رفع رأسه من السجود. الحديث: أخرجه البخاري.
والمطابقة: في قوله: " يكبِّر كلما رفع، وكلما وضع ".
ويستفاد منه: مشروعية التكبير عند الخفض للركوع والسجود، وعند الرفع من السجود، وهو سنة عند الجمهور، واجب عند بعض الظاهرية.
٣٠٥ - " باب وضع الأكف على الركب في الركوع "
٣٦٠ - معنى الحديث: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ " صلى إلى جنبه ابنه مصعب قال: فطبقت بين كفي " أي ألصقت باطن الكف اليمنى بباطن الكف اليسرى " ثم وضعتهما بين فخذي. " أي طبقتهما ووضعتهما بين الفخذين في الركوع " فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهنا عن ذلك " لأنه فعل اليهود .. فلا تتشبه بهم " وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب " مخالفة لليهود في فعلهم هذا قال عمر ﵁: إن الركب سنَّت لكم فخذوا بالركب. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " أمرنا أن نضع أيدينا على الركب ".
ويستفاد منه: كراهية التطبيق في الركوع، ومشروعية وضع اليدين على
стр. 593
٣٠٦ - " بَابُ حَدِّ إتمَامِ الرُّكُوعِ والاعْتِدَالِ فِيهِ والإِطْمَأنِينَةُ "
٣٦١ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:
"كَانَ رُكُوعُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ".
ــ
الركب، وهو سنة عند الجمهور (١).
٣٠٦ - " باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والإِطمأنينة "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حد الإتمام والاعتدال والإطمأنينة -بكسر الهمزة- في الركوع (٢).
٣٦١ - معنى الحديث: يقول البراء بن عازب ﵄ " كان ركوع رسول الله ﷺ وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع مما خلا القيام والقعود قريياً من السواء " أي أنه ﷺ كان يمكث في الركوع والسجود، وبين السجدتين وعند الرفع من الركوع مدة متساوية تقريباً، أما عند القيام الذي قبل الركوع، وعند جلوسه للتشهد الأول والثاني، فإنه كان يمكث مدة أطول. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الإِطمأنينة في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، وهي ركن عند الجمهور، واجبة عند أبي حنيفة.
ثانياًً: مشروعية الاعتدال بعد الرفع من الركوع، وهو سنة عند مالك وأبي حنيفة، فرض عند الشافعي وأحمد، وقد تقدم الكلام على الإِطمأنينة والاعتدال
стр. 594
٣٠٧ - " بَابُ الدُّعَاءِ في الرُّكُوعَ "
٣٦٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَنّاَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ".
ــ
في باب وجوب القراءة للإمام. ثالثاً: أن مدة الإِطمئنان في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين متساوية تقريباً، وكذلك الاعتدال بعد الركوع وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يشعر بأن النبي ﷺ كان يمكث في الركوع والسجود وبين السجدتين وبعد الرفع من الركوع مدة تزيد على حقيقة الركوع والسجود والرفع من الركوع، وهذا المكث الزائد هو معنى الاعتدال والطمأنينة.
٣٠٧ - " باب الدعاء في الركوع "
٣٦٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك " أي كان يذكر الله تعالى في ركوعه وسجوده بهذه الصيغة الجامعة للتسبيح والتحميد، ويختم بطلب الغفران. وهو أن يعفو الله عن عبده، ولا يؤاخذه بذنبه ويصونه من عذابه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الذكر في الركوع والسجود بالتسبيح والتحميد، واختلفوا في حكمه، فقالت الظاهرية: الذكر في الركوع والسجود واجب، وقال الجمهور: سنة، واختلفوا في صيغته فقال مالك وأهل الظاهر: ليس فيه صيغة معينة، بل يذكر الله بكل ما ورد من الأذكار المأثورة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستحب أن يقول في الركوع: سبحان
стр. 595
٣٠٨ - " بَابُ فضل: اللهم ربنا لَكَ الْحَمْدُ "
٣٦٣ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: " اللَّهُمَّ رَبنا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
ــ
ربي العظيم، وفي السجود، سبحان ربي الأعلى لما في حديث عقبة بن عامر قال: " لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت (سبحَ اسم ربك الأعلى) قال: اجعلوها في سجودكم " أخرجه أبو داود. ثانياً: مشروعية الدعاء في الركوع والسجود، أما مشروعيته في السجود فلا خلاف فيه، وأما مشروعيته في الركوع - كما ترجم له البخاري فقد ذهب إليه بعض أهل العلم عملاً بهذا الحديث، وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة لقوله ﷺ : " أما الركوع فعظموا فيه الرب ".
والمطابقة: في كونه ﷺ كان يقول في ركوعه: " اللهم أغفر لي " والاستغفار دعاء.
٣٠٨ - " باب فضل اللهم ربنا لك الحمد "
٣٦٣ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإِمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم. ربنا لك الحمد " أي فإن المشروع للمأمومين هو التحميد، فقولوا: بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد، " فإنه من وافق قوله قول الملائكة " أي فإن الملائكة تقول عند قول الإِمام سمِعَ الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد، فمن وافق، تحميده تحميد الملائكة في الوقت "غفر له ما تقدم من
стр. 596
٣٠٩ - " بَابٌ "
٣٦٤ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
"لَأقَربَنَّ لَكمْ صَلَاةَ الَّنبِي ﷺ فَكَانَ أبو هُرَيرَةَ ﵁ يَقْنُتُ
ــ
ذنبه" أي غفرت ذنوبه السابقة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنّ الصيغة المشروعة للإِمام عند الرفع من الركوع هي التسميع، فيسن له، وللمنفرد أيضاً أن يقول " سمع الله لمن حمده " وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنه يسن للإِمام والمنفرد أن يجمعا بين التسميع والتحميد لحديث ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: " سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد " أخرجه البخاري والنسائي، وقال: أحمد يجب (١) ذلك.
ثانياًً: انه يسن للمأموم التحميد فقط، لقوله ﷺ : " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده " فقولوا: ربنا لك الحمد " وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعية حيث قالوا: يسن للمأموم أن يقول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب الإمام محمد وأبي يوسف وابن سيرين. قال في " فيض البارى " وقد وردت صيغة التحميد على أربعة أنحاء، بذكر اللهم وحذفه، وذكر الواو وحذفها. ثالثاً: فضل التحميد، وكونه سبباً في الغفران، وهو ما ترجم له البخاري.
الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: ظاهرة من حيث أنّه دل على أنّ التحميد سبب في الغفران.
٣٠٩ - "باب "
٣٦٤ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: "لأقربنّ
стр. 597
في الركْعَةِ الأُخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ويَلْعَنُ الكُفَارَ".
ــ
لكم صلاة النبي ﷺ " أي لأبينن لكم كيفية صلاة النبي ﷺ بياناً شافياً يقربها من أذهانكم حتى كأنكم تشاهدونها. قال الراوي: " فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح " أي كان يأتي بالدعاء المعروف بالقنوت في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح " فيدعو للمؤمنين " أي فتارة يدعو للمؤمنين بالنصر على أعدائهم والنجاة منهم " ويلعن الكفار "، أي وتارة يدعو على الكفار باللعنة، كما دعا على الخمسة الذين وضعوا سلا الجزور على ظهره، فأهلكهم الله.
ويستفاد منه: كما قال بعض أهل العلم استحباب القنوت بعد الرفع منِ الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح، وهو مذهب الظاهرية خلافاً لغيرهم من أهل العلم، حيث خصصوا القنوت بالوتر أو بالصبح، قال الترمذي: واختلف أهل العلم في القنوت، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك واسحاق وأهل الكوفة، وهو قول أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أن القنوت سنة في الصبح بعد الركوع " قال النووي " القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف ومن بعدهم. وقال مالك ومن وافقه من أهل العلم: القنوت مستحب في صلاة الصبح قبل الركوع، وهو معنى قول خليل: " وقنوت سراً بصبح فقط قبل الركوع " قال الحطاب: يعني أن القنوت مستحب في صلاة الصبح. " وقال أحمد " في الرواية المشهورة عنه: " القنوت سنة في الوتر بعد الركوع " أما تفصيل وبيان أدلة كل فريق من هؤلاء فيأتي في موضعه.
واعلم أنّ العلماء لم يشددوا في هذه المسألة (١) ففي الأمر سعة. قال الشافعي
стр. 598
٣١٠ - " بَابُ الإِطْمَأنِينَةُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ "
٣٦٥ - عَنْ أنسِ ﵁:
" أنَّهُ كَانَ يَنْعتُ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِىَ ".
٣٦٦ - عن أبي قِلَابَةَ ﵀ قَالَ:
"كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ﵁ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيُّ
ــ
﵀: أنا أذهب إلى أن القنوت بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس وروى مثله عن أحمد ﵀، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
٣١٠ - " باب الإِطمأنينة (١) حين يرفع رأسه من الركوع "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية الإطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع، والمراد بها هنا الاعتدال بعد الرفع من الركوع.
٣٦٥ - معنى الحديث: يقول ثابت البناني: راوي الحديث: " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ "، أي يصلّي أمامنا مثل صلاة النبي ﷺ ليرينا عملياً كيفية صلاته ﷺ " فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي " أي وقف وقوفاً طويلاً حتى نظنه نسي أنه بعد الركوع.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " قام حتى نقول قد نسي ".
٣٦٦ - معنى الحديث: يقول أبو قلابة "كان مالك بن الحويرث
стр. 599
- ﷺ وذَاكَ في غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ، فَقَامَ فأمْكَنَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فانْصَبَّ (١) هُنَيَّةً".
٣١١ - " بَابُ فضلِ السُّجُودِ "
٣٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ النَّاسَ قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " هَلْ تُمَارُونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَاب؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ
ــ
يرينا كيف صلاة النبي ﷺ وذاك في غير وقت صلاة" أي في غير وقت صلاة مكتوبة فصلّى أمَامَنَا إحدى الصلوات الخمس في غير وقتها ليعلمنا إياها عن طريق المشاهدة " فقام أمكن القيام " أي أطال القيام " ثم ركع فأمكن الركوع " أي أطاله واطمأن فيه " ثم رفع رأسه فانصب " بتشديد الباء " هُنَيَّة " (٢) أي فاعتدل ونصب قامته، ومكث قائماً مدة من الزمن.
والمطابقة: في قوله: " فانصبّ هنَّية ". الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
ويستفاد من الحديثين: مشروعية الاعتدال بعد الركوع، وهو فرض عند الشافعي وأحمد، سنة عند أبي حنيفة، ولم ينقل عن مالك فيه نص، لكن ظاهر مذهبه أنّه سنة، كما أفاده ابن رشد.
٣١١ - " باب فضل السجود "
٣٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أنّ الناس قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة " أي إن أصحاب رسول
стр. 600
اللهِ، قَالَ: فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئَاً فَلْيَتَّبعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى هَذه الأمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فيَأتِيهِمُ اللهُ
ــ
الله ﷺ سألوه عن رؤية المؤمنين لربهم، وهل المؤمنون يرون ربهم بأعينهم يوم القيامة؟ " قال: هل تمارون في القمر لينة البدر؟ " قال القسطلاني: " تمارون " بضم التاء من المماراة وهي المجادلة، وللأصيلي تَمارَوْن بفتح التاء والراء، وأصله تتمارَون حذفت إحدى التاءين أي هل تشكون. وعلى الأوّل معناه، هل تتجادلون في رؤية القمر ليلة الرابع عشر، فينكرها فريق من الناس، ويثبتها الآخر، أو أن ذلك حقيقة من الحقائق المحسوسة المسلَّم بها عند جميع البشر، وعلى الثاني معناه: هل تشكُّون في مشاهدة القمر هذه الليلة، " قالوا: لا يا رسول الله " فإن القمر لا يخفى على أحد هذه الليلة ولا يشك في وجوده أحدٌ " قال فإنكم ترونه كذلك " أي فإنكم سترون ربكم ظاهراً جلياً دون شك ولا ريب، كما أنه لا شك في رؤية القمر ليلة البدر، ورؤية الشمس في رابعة النهار، ليس دونهما سحاب والتشبيه في قوله: " ترونه كذلك " إنما هو في الرؤية ووضوحها لا في المرئي وهيئته وشكلِهِ، لأنه ليس كمثله شيء " يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبع " أى فليلحق بمعبوده، ويطلب عنده النجاة. " فمنهم من يتبع الشمس " وهم عبَّادها في الدنيا " ومنهم من يتبع الطواغيت " جمع طاغوت. قال ابن القيم: والطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع (١) والطواغيت كثيرة ورؤسها خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راض،