٣٠٩ - " بَابٌ "
٣٦٤ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
"لَأقَربَنَّ لَكمْ صَلَاةَ الَّنبِي ﷺ فَكَانَ أبو هُرَيرَةَ ﵁ يَقْنُتُ
ــ
ذنبه" أي غفرت ذنوبه السابقة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنّ الصيغة المشروعة للإِمام عند الرفع من الركوع هي التسميع، فيسن له، وللمنفرد أيضاً أن يقول " سمع الله لمن حمده " وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنه يسن للإِمام والمنفرد أن يجمعا بين التسميع والتحميد لحديث ابن عمر ﵄ " أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: " سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد " أخرجه البخاري والنسائي، وقال: أحمد يجب (١) ذلك.
ثانياًً: انه يسن للمأموم التحميد فقط، لقوله ﷺ : " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده " فقولوا: ربنا لك الحمد " وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعية حيث قالوا: يسن للمأموم أن يقول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب الإمام محمد وأبي يوسف وابن سيرين. قال في " فيض البارى " وقد وردت صيغة التحميد على أربعة أنحاء، بذكر اللهم وحذفه، وذكر الواو وحذفها. ثالثاً: فضل التحميد، وكونه سبباً في الغفران، وهو ما ترجم له البخاري.
الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: ظاهرة من حيث أنّه دل على أنّ التحميد سبب في الغفران.
٣٠٩ - "باب "
٣٦٤ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: "لأقربنّ
стр. 597
في الركْعَةِ الأُخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ويَلْعَنُ الكُفَارَ".
ــ
لكم صلاة النبي ﷺ " أي لأبينن لكم كيفية صلاة النبي ﷺ بياناً شافياً يقربها من أذهانكم حتى كأنكم تشاهدونها. قال الراوي: " فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح " أي كان يأتي بالدعاء المعروف بالقنوت في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح " فيدعو للمؤمنين " أي فتارة يدعو للمؤمنين بالنصر على أعدائهم والنجاة منهم " ويلعن الكفار "، أي وتارة يدعو على الكفار باللعنة، كما دعا على الخمسة الذين وضعوا سلا الجزور على ظهره، فأهلكهم الله.
ويستفاد منه: كما قال بعض أهل العلم استحباب القنوت بعد الرفع منِ الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح، وهو مذهب الظاهرية خلافاً لغيرهم من أهل العلم، حيث خصصوا القنوت بالوتر أو بالصبح، قال الترمذي: واختلف أهل العلم في القنوت، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك واسحاق وأهل الكوفة، وهو قول أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أن القنوت سنة في الصبح بعد الركوع " قال النووي " القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف ومن بعدهم. وقال مالك ومن وافقه من أهل العلم: القنوت مستحب في صلاة الصبح قبل الركوع، وهو معنى قول خليل: " وقنوت سراً بصبح فقط قبل الركوع " قال الحطاب: يعني أن القنوت مستحب في صلاة الصبح. " وقال أحمد " في الرواية المشهورة عنه: " القنوت سنة في الوتر بعد الركوع " أما تفصيل وبيان أدلة كل فريق من هؤلاء فيأتي في موضعه.
واعلم أنّ العلماء لم يشددوا في هذه المسألة (١) ففي الأمر سعة. قال الشافعي
стр. 598
٣١٠ - " بَابُ الإِطْمَأنِينَةُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ "
٣٦٥ - عَنْ أنسِ ﵁:
" أنَّهُ كَانَ يَنْعتُ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِىَ ".
٣٦٦ - عن أبي قِلَابَةَ ﵀ قَالَ:
"كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ﵁ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيُّ
ــ
﵀: أنا أذهب إلى أن القنوت بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس وروى مثله عن أحمد ﵀، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
٣١٠ - " باب الإِطمأنينة (١) حين يرفع رأسه من الركوع "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية الإطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع، والمراد بها هنا الاعتدال بعد الرفع من الركوع.
٣٦٥ - معنى الحديث: يقول ثابت البناني: راوي الحديث: " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله ﷺ "، أي يصلّي أمامنا مثل صلاة النبي ﷺ ليرينا عملياً كيفية صلاته ﷺ " فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي " أي وقف وقوفاً طويلاً حتى نظنه نسي أنه بعد الركوع.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " قام حتى نقول قد نسي ".
٣٦٦ - معنى الحديث: يقول أبو قلابة "كان مالك بن الحويرث
стр. 599
- ﷺ وذَاكَ في غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ، فَقَامَ فأمْكَنَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فانْصَبَّ (١) هُنَيَّةً".
٣١١ - " بَابُ فضلِ السُّجُودِ "
٣٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ النَّاسَ قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " هَلْ تُمَارُونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَاب؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ
ــ
يرينا كيف صلاة النبي ﷺ وذاك في غير وقت صلاة" أي في غير وقت صلاة مكتوبة فصلّى أمَامَنَا إحدى الصلوات الخمس في غير وقتها ليعلمنا إياها عن طريق المشاهدة " فقام أمكن القيام " أي أطال القيام " ثم ركع فأمكن الركوع " أي أطاله واطمأن فيه " ثم رفع رأسه فانصب " بتشديد الباء " هُنَيَّة " (٢) أي فاعتدل ونصب قامته، ومكث قائماً مدة من الزمن.
والمطابقة: في قوله: " فانصبّ هنَّية ". الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
ويستفاد من الحديثين: مشروعية الاعتدال بعد الركوع، وهو فرض عند الشافعي وأحمد، سنة عند أبي حنيفة، ولم ينقل عن مالك فيه نص، لكن ظاهر مذهبه أنّه سنة، كما أفاده ابن رشد.
٣١١ - " باب فضل السجود "
٣٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أنّ الناس قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة " أي إن أصحاب رسول
стр. 600
اللهِ، قَالَ: فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئَاً فَلْيَتَّبعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى هَذه الأمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فيَأتِيهِمُ اللهُ
ــ
الله ﷺ سألوه عن رؤية المؤمنين لربهم، وهل المؤمنون يرون ربهم بأعينهم يوم القيامة؟ " قال: هل تمارون في القمر لينة البدر؟ " قال القسطلاني: " تمارون " بضم التاء من المماراة وهي المجادلة، وللأصيلي تَمارَوْن بفتح التاء والراء، وأصله تتمارَون حذفت إحدى التاءين أي هل تشكون. وعلى الأوّل معناه، هل تتجادلون في رؤية القمر ليلة الرابع عشر، فينكرها فريق من الناس، ويثبتها الآخر، أو أن ذلك حقيقة من الحقائق المحسوسة المسلَّم بها عند جميع البشر، وعلى الثاني معناه: هل تشكُّون في مشاهدة القمر هذه الليلة، " قالوا: لا يا رسول الله " فإن القمر لا يخفى على أحد هذه الليلة ولا يشك في وجوده أحدٌ " قال فإنكم ترونه كذلك " أي فإنكم سترون ربكم ظاهراً جلياً دون شك ولا ريب، كما أنه لا شك في رؤية القمر ليلة البدر، ورؤية الشمس في رابعة النهار، ليس دونهما سحاب والتشبيه في قوله: " ترونه كذلك " إنما هو في الرؤية ووضوحها لا في المرئي وهيئته وشكلِهِ، لأنه ليس كمثله شيء " يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبع " أى فليلحق بمعبوده، ويطلب عنده النجاة. " فمنهم من يتبع الشمس " وهم عبَّادها في الدنيا " ومنهم من يتبع الطواغيت " جمع طاغوت. قال ابن القيم: والطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع (١) والطواغيت كثيرة ورؤسها خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راض،
стр. 601
فَيَقول أنَّا رَبُّكمْ، فَيَقولونَ: هَذَا مَكَاننَا حتَّى يأتِينَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأتِيهِمْ الله وعَزَّ وَجَلَّ، فَيَقول: أنَا رَبّكمْ، فَيَقولونَ: أنتَ رَبُّنَا، فَيَدْعوهمْ، وَيضْرِبُ الصِّراط بَيْنَ ظَهْرَانَْي جَهَنَّمَ، فَأكون أوَّلَ مَنْ يَجوز مِنَ الرُّسُلِ بأمَّتِهِ، ولا يَتَكَلَّم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلا الرُّسل، وَكَلَام الرّسلِ يَومَئِذٍ اللَّهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كَلَالِيب مِثْل شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأيْتمْ
ــ
ومن دعا الناس إلى عبادته، ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله. اهـ. " فيأتيهم الله " على غير الصفة المعروفة لديهم من كتاب الله " فيقول أنا ربكم، فيقولون هذا مكاننا " أي فيثبتهم الله بالقول الثابت: فيقولون: لست ربنا، وسنبقى في مكاننا حتى يأتينا الرب الحق " فيأتيهم الله " على الصفة التي يعرفونها من كتاب الله " فيقولون: أنت ربنا " الحق، وقد رجَّح القاضي عياض أنّ الذي يأتيهم في الأول ملَكٌ، والذي يأتيهم في المرة الثانية رب العزة. قال النووي: يعرفونه بتوفيق الله تعالى، وهو الظاهر المتبادر إلى الذهن لرهبة الموقف الذي تذهل له العقول، ولكن الله يثبت بالقول الثابت من شاء من عباده المؤمنين الصادقين، ويلهمهم كلمة الحق، وقول الصواب " ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم " أي على وسطها " وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم " أي لا كلام لهم إلاّ التضرع إلى الله سائلين منه السلامة والنجاة لأممهم " وفي جهنم كلاليب " جمع كَلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق بها اللحم " مثل شوك السعدان " وهو نبت ذو فروع شوكية، أي أن كلاليب جهنم في حدتها وصورتها وكثرة عددها تشبه شوك السعدان " تخطف الناس " بفتح الطاء ويجوز كسرها أي أن هذه الكلاليب التي على جانبي الصراط تأخذ الناس بسرعة لتلقيهم في جهنم " بأعمالهم " أي بسبب أعمالهم وعلى قدرها
стр. 602
شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غير أنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بأعْمَالِهِم، فَمِنْهُمْ مَنْ يَوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا أرادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أرَادَ من أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بآثارِ السجُّودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أن تأكلَ أثرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأكلُهُ النَّارُ إلَّا أثرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفْرَغُ اللهُ منَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، ويَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ، مُقْبِلاً بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ قَد قَشَبَنِي
ــ
" فمنهم من يوثق " أي يهلك بسبب معاصيه " ومنهم من يخردل " أي يقِطع أشلاءً - فتقطعه كلاليب الصراط وتلقى به في جهنم. وللأصيلي بالجيم من الجردلة، وهي الإشراف على الهلاك، كما أفاده القسطلاني " ثم ينجو" كلام مستأنف أي ينجو من أراد الله له النجاة من النار بعدم دخوله إليها، أو بإخراجه منها " حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار " من عصاة المؤمنين " أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله " وحده " فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود " في الجبهة، كما قال عياض أو في الأعضاء السبعة، كما أفاده الحافظ والعيني " فيخرجون من النار قد امتحشوا " بفتح التاء أي احترقوا " فيُصب عليهم ماء الحياة " قال عياض: وهو ماء من شربه أو صُبَّ عليه لم يمت أبداً " فينبُتون كما تنبت الحِبة " بكسر الحاء وهي بذرة البقل كما في " القاموس " " في حميل السيل "، أي في طين السيل، "ويبقى رجل
стр. 603
رِيحُهَا، وأحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ، هَلْ عَسيْت إنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أنْ تَسْأل غَير ذَلِكَ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي الله مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاق، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإذَا أقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أن يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قدمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الله لَهُ: أليْسَ قَدْ أعطَيْتَ الْعُهودَ والمِيثَاقَ أنْ لَا تَسْأل غَير الذِّي كُنْتَ سألت، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أكُون أشْقَى خَلْقِكَ، فيقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إنْ أعْطِيتَ ذَلِكَ أنْ لا تَسْأل غَيرهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أسأل غير ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإذَا بَلَغ بَابَهَا، فَرَأى زَهْرَتَهَا، ومَا فِيهَا من النُّضرَةِ والسرورِ، فَيَسْكُتُ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ : وَيْحَكَ يا ابْنَ آدَمَ، مَا أغدَرَكَ! أليْسَ قَدْ أعْطَيْتَ العَهْدَ والميثَاقَ أنْ لا تَسْأل غَير الذي أعْطِيتَ؟! فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لا تَجْعَلْنِي أشْقَى
ــ
بين الجنة والنار" من العصاة " فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها " أي آذاني ريحها العفن، النتن، " وأحرقني ذَكاؤها " أي لهيبها المشتعل، " فيقول الله له: هل عسَيْتَ إن فعل الله ذلك بك أن تسأل غير ذلك، فيقول: لا وعزتك وجلالك " فيقسم ويعاهد الله على أن لا يسأله شيئاً آخر، " فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت " أي سكت مدة من الزمن " ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة " وقربني إليها، ثم قال: " فيقدمه إلى باب الجنة " فلا يملك نفسه عند ذلك، وهؤ يرَى الجنة بين يديه، " فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله : ويحك يا ابن آدم ما أغدرك "
стр. 604
خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ مِنْهُ، ثم يَأذَنُ لَهُ في دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حتى إذَا انْقَطَعَتْ أمْنِيَتُهُ، قَالَ اللهُ: زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أقبَلَ يُذَكِّرُهُ رَُّبهُ حتى إذَا انتهَتْ بِهِ الأمَانِي، قَالَ اللهُ تَعَالى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ " وَقَالَ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لأبِي هُرَيْرةَ: إن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعشْرَةُ أمْثَالِهِ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَمْ أحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أبو سَعِيدٍ ﵁: إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشرَةُ أمْثَالِهِ.
ــ
وفي هذه العبارة ترحُّمٌ وإشفاق على هذا الإنسان الضعيف الذي يكمن ضعفه في تسرعه إلى إعطاء العهود والمواثيق التي لا يطيق الالتزام بها، ويعجز عنها، فيضطره ذلك إلى الغدْر، ونقض العهود، " فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك " أي لا تحرمني من جنتك مثل الكفار الذين هم أشقى عبادك، ولسان حاله يقول: كما قال الشاعر:
إنْ لم أكن أخْلَصْتُ فِي طَاعَتِكْ ... فَإنَّنِي أطْمَعُ فِي رَحْمَتِكْ
وَإنَّما يَشْفَعُ لِي أنَّني ... قَدْ كُنْتُ لَا أشْرِكُ فِي وَحْدَتِكْ
" فيقول له: تمّن حتى إذا انقطعت أمنيته " أي حتى إذا انتهت حاجاته، وسأل كل طلباته " قال الله في لك ذلك ومثله " أي لك ضعف ما طلبت " وقال أبو سعيد الخدري ﵁ لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله " ومعناه أنهما اختلفا هل قال رسول الله ﷺ : " لك ذلك ومثله " وهو ما حفظه أبو هريرة من رسول الله ﷺ أو قال: " لك ذلك وعشرة أمثاله " وهو ما سمعه أبو سعيد من رسول الله ﷺ ، ولا شك في صحة الروايتين قال
стр. 605
٣١٢ - " بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنفِ "
٣٦٨ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أُمِرْتُ أن أسْجُدَ علَى سَبْعَةِ أعْظُم على الْجَبْهَةِ، وأشَارَ بِيَده على أنفِهِ والْيَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ وأطْرَافِ القَدَمَيْنِ ولا نَكفِتَ الثيابَ والشَّعَرَ ".
ــ
العيني: ووجه الجمع بين خبر أبي سعيد وخبر أبي هريرة أنه ﷺ أخبر أولاً بالمثل. ثم اطلع على الزيادة (١). الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه: أولاً: بيان فضل السجود كما ترجم له البخاري لكونه سبباً في نجاة الأعضاء السبعة من النار، لقوله ﷺ : " فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود ". ثانياًً: رؤية المؤمنين لله يوم القيامة، وقد تقدم في باب فضل العصر. ثالثاً: فيه دليل لأهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار خلافاً للخوارج. لقوله ﷺ : " حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار -وهم عصاة المؤمنين- أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله ". والمطابقة: في قوله ﷺ : " فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود ".
٣١٢ - " باب السجود على الأنف "
٣٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " أي أمرني الله تعالى أن أسجد على سبعة أعضاء، فإن المراد بالأعظم الأعضاء كما جاء مفسَّراً في الرواية الأخرى حيث قال: " أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء " أخرجه البخاري، ثم بين الأعضاء السبعة
стр. 606
بقوله: " على الجبهة " أي أمرت بالسجود على الجبهة، والمراد بها الأنف كما يدل عليه قوله: " وأشار بيده على أنفه "، أي أشار إلى أنفه ليبين أن المقصود بالجبهة الأنف " واليدين " أي وعلى باطن الكفين " والركبتين وأطراف القدمين " أي وأطراف أصابع القدمين " ولا نكفت الثياب والشعر " أي لا تكف ولا نجمع الثياب والشعر.
ويستفاد منه: أنّ الواجب هو السجود على الأنف فقط، لأنّ النبي ﷺ قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة ثم أشار إلى أنفه " فدل ذلك على أن الواجب هو السجود على الأنف، أما السجود على الجبهة وسائر الأعضاء فهو سنة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، ورواية أشهب عن مالك، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن الواجب هو السجود على الجبهة، وهو ركن من أركان الصلاة، كما نص عليه خليل، أمّا السجود على الأنف وسائر الأعضاء فهو سنة عند المالكية كما أفاده الحطاب (١)، وهو قول للشافعي كما أفاده الحصني (٢)، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنّ الواجب السجود على الجبهة وسائر الأعضاء ما عدا الأنف فإنه مستحبٌ، واستظهره النووي وقال: أحمد في الرواية (٣) المشهورة عنه: الواجب السجود على الجبهة والأنف (٤) وسائر الأعضاء السبعة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " وأشار بيده على أنفه ".
...
стр. 607
٣١٣ - " بَابُ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتيْنِ "
٣٦٩ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
" إنِّي لا آلو أنْ أُصَلِّىَ بِكُمْ كَمَا رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتُ: كَانَ أنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئَاً لَمْ أرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقولَ القَائِلُ قَدْ نَسِيَ ".
ــ
٣١٣ - " باب المكث بين السجدتين "
٣٦٩ - معنى الحديث: يروي لنا ثابت البناتي عن أنس ﵁ " قال إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلى " أي إني أحرص كل الحرص على أن أصلي بكم مثل ما رأيت النبي ﷺ يصلّي تماماً، ولا أقصر في شيء من الأقوال والأفعال التي رأيته وسمعته يأتي بها في صلاته، " قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً " أي يفعل شيئاً من صلاته " لم أركم تصنعونه " أي لا أراكم تفعلونه " كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي " أي كان يقوم قياماً طويلاً بعد الركوع حتى يظن منْ رآه أنه قد نسي أنه بعد الركوع " وبين السجدتين " أي وكان أيضاً يجلس بين السجدتين كذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " وبين السجدتين ".
ويستفاد منه: مشروعية الجلوس بين السجدة الأولى والثانية، واستحبابه، وهو واجب عند أهل الظاهر.
стр. 608
٣١٤ - " بَابُ لا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ في السُّجُودِ "
٣٧٠ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ ".
٣١٥ - " بَابُ مَنْ اسْتَوَى قَاعِداً في وِتْرٍ مِنْ صَلَاِتهِ ثُمَّ نهَضَ "
٣٧١ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁:
أنَّهُ رَأى النَّبيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ في في وتْرٍ مِنْ صَلَاِتهِ، لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِداً.
ــ
٣١٤ - " باب لا يفترش ذراعيه في السجود "
٣٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " اعتدلوا " أي توسطوا " في السجود " فلا يضم أحدكم ذراعيه إلى جنبه " ولا يبسط " (١) أي لا يمد " أحدكم ذراعيه انبساط الكلب " أي كما يمد الكلب ذراعيه. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: " ولا يبسط أحدكم ذراعيه ".
ويستفاد منه: استحباب الاعتدال في السجود بحيث لا يفترش ولا يقبض لأنه أبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وكراهية الافتراش لأنه من هيئات الكسالى.
٣١٥ - " باب من استوى قاعداً في وتر من صلاته ثم نهض "
٣٧١ - معنى الحديث: يحدثنا مالك بن الحويرث ﵁:
стр. 609
٣١٦ - " بَاب يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتينِ "
٣٧٢ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
" أنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ بِالتَّكْبِير حِينَ رَفَعَ رَأسَهُ مِن السُّجُودِ، وحينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الْرَّكْعَتَيْنِ، وَقَال: هَكَذَا رَأيْتُ النَّبيَّ ﷺ ".
ــ
" أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعداً " أي أن مالك بن الحويرث ﵁ لاحظ النبي ﷺ في أثناء صلاته فرآه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة لا ينتصب قائماً حتى يجلس ويعتدل جالساً. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " لم ينهض حتى يستوي قاعداً ".
ويستفاد منه: استحباب جلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، والجمهور على عدم مشروعيتها.
٢١٦ - " باب يكبّر وهو ينهض من السجدتين " (١)
٣٧٢ - معنى الحديث: أن أبا سعيد ﵁ " صلّى فجهر بالتكبير " أي رفع صوته به " حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين "، أي كبر جهراً عند السجود والرفع منه وعند القيام من التشهد الأول، " وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ " أي رأيت النبي ﷺ يصلي مثل هذه الصلاة التي صليتها أمامكم. الحديث: أخرجه البخاري.
стр. 610
٣١٧ - " بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوس في التَّشَهُّدِ "
٣٧٣ - عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ (١) ﵁ قَالَ:
" أنَا أحْفَظُكُمْ لصَلَاة رَسُولِ اللهِ رَأيْتُهَ إذا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وِإذَا رَكَعَ أمْكَنَ يَدَيْه مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُل فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْه غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلا قَابِضِهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بَأطْرَافِ أصَابع رِجْلَيهِ الْقِبْلَةَ، فإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى ونَصَبَ الْيُمْنَى وإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسرَى ونَصَبَ الأخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ ".
ــ
ويستفاد منه: أنه يسن التكبير عند القيام من التشهد الأول ولا خلاف في ذلك إلا أن مالكاً قال يكبر بعد استوائه والجمهور على أنّه يكبر حال قيامه. والمطابقة: في قوله: " حين قام من الركعتين ".
٣١٧ - " باب سنة الجلوس في التشهد "
٣٧٣ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: " أنا أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه " أى رفع يديه عند تكبيرة الإِحرام حتى يجعلهما مقابل منكبيه، " وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه " أي ثبتهما عليهما " ثم هصر ظهره " أي أماله في استواء دون تقويس، كما أفاده القسطلاني " فإذا رفع رأسه " من الركوع " استوى " أي اعتدل قائماً " حتى يعود كل فقار إلى مكانه " أي حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، "فإذا سجد وضع يديه في مفترش ولا
стр. 611
قابضهما"، أي وضع كفيه عند سجوده على الأرض، وسجد معتدلاً، فلا يمد ذراعيه على الأرض كما يصنع الكلب ولا يضمهما إلى جنبيه، وإنما يجافي بينهما، أي يبعدهما عنهما " واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة " أي جعل أصابع قدميه متوجهة إلى القبلة، " وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى " أي وإذا جلس في التشهد الأول جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى أي رفعها عن الأرض واضعاً أصابعه عليها، وهذه الجلسة هي التي تعرف عند الفقهاء بالافتراش. " وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته " أي وإذا جلس للتشهد الأخير، جلس على مقعدته، ونصب رجله اليمنى، وقدم اليسرى، وهو ما يعرف بالتورك.
ويستفاد منه: أنه يسن الافتراش في التشهد الأوَّل، وهو أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى " والتورك " في التشهد الأخير، وهو أن يجلس على مقعدته، ويقدم اليسرى، وينصب اليمنى، وهو مذهب الشافعي حيث قال: يسن الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني، واختار أبو حنيفة الافترش في التشهدين لحديث عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى " أخرجه مسلم، واختار مالك التورك فيهما لما رواه في " الموطأ " عن القاسم بن محمد أنه جلس على وركه اليسرى ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. الحديث: أخرجه الأربعة أيضاً. والمطابقة: في قوله: " وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى " إلى آخر الحديث، حيث دل على افتراشه ﷺ في التشهد الأول، وتوركه في الثاني، والله أعلم.
***
стр. 612
٣١٨ - " بَابُ مَنْ لَمْ يرَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ وَاجِبَاً "
٣٧٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁:
" أنَّ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَم يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذا قَضَى الصَّلَاةَ، وانتظر النَّاسُ تَسلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْن. قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ ".
ــ
٣١٨ - " باب من لم ير التشهد الأول واجباً "
٣٧٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة ﵁: " أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوْليين ولم يجلس " للتشهد الوسط، أي أنه ترك التشهد الأول سهواً، ولما استوى قائماً لم يجلس بعد قيامه، ليأتي بالتشهد الذي تركه " فقام الناس معه " أي فتبعه الناس في قيامه إمّا لعلمهم بأن الإمام إذا استوى قائماً لا يرجع للجلوس الوسط، أو لأنهم سبحوا له فأشار إليهم بالقيام فقاموا معه، كما أفاده الباجي " حتى إذا قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه " أي حتى إذا حان وقت السلام " كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم " أي كبّر وسجد سجدتي السهو قبل السلام.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن التشهد الأول سنة، وليس بواجب، لكونه ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع (١) وهو مذهب أكثر أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة، حيث ذهب إلى وجوبه، قال في " الهداية ": التشهد الأول واجب، وقيل سنة، وهو الأقيس، لكنه خلاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة.
وفي " المغني " روايتان عن أحمد. ثانياًً: مشروعية سجود السهو قبل السلام
стр. 613
٣١٩ - " بَابُ التَّشَهُّدِ في الآخِرَةِ "
٣٧٥ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النبِيِّ ﷺ قلنا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ، السلامُ علَى فُلانٍ وفُلان، فالْتَفَتَ إلَيْنَا النَّبِي ﷺ فَقالَ: "إنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطيباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ ورحمةُ اللهِ وبركَاتَهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإنَّكُمْ إذا قُلْتُموهَا أصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالح في السَّمَاءِ والأرْض، أشْهَدُ أنْ لا
ــ
وهو مذهب الشافعيّة، وسيأقي تفصيله في موضعه. الحديث: أخرجه الستة.
والمطابقة: في كونه ﷺ ترك التشهد الأول ولم يجلس بعد قيامه ليأتي به.
٣١٩ - " باب التشهد في الآخرة "
٣٧٥ - معني الحديث يقول ابن مسعود ﵁: " كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا " في أول التشهد " السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان " أي أنهم كانوا يسلمون على الملائكة بأسمائهم، واحداً واحداً، كما في رواية أخرى فتعُدُّ من الملائكة ما شاء الله أخرجه ابن ماجة " فالتفت إلينا النبي ﷺ فقال: إنّ الله هو السلام " أي لا تقولوا في التشهد السلام على الله، لأن السلام اسم من أسمائه، وصفة من صفاته.
وكيف تسألون له السلامة وهو الذي يعطيها لعباده، فلا تقولوا هذه التحية التى تليق بالبشر، ولا تليق بخالق البشر، ولكن قولوا صيغة التشهد المشروعة "فإذا صلّى أحدكم فليقل: التحيات لله (١) والصلوات (٢) والطيبات (٣)
стр. 614
إلَهَ إلَّا اللهُ، واشْهَدُ أنَّ مُحَمداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه".
ــ
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح" أي فإنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين انتفع بهذا السلام كل عبد صالح في الأرض أو السماء فتشمل الملائكة والجن والإنس، ثم أتم ﷺ التشهد بقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله " فختمه بالشهادتين، ولذلك سمّي بالتشهد لاشتماله على النطق بشهادة الحق، تغليباً لها لشرفها، كما أفاده الزرقاني.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التشهد في الصلاة، وقد اختلف العلماء في حكم التشهد الأول والأخير. فأمّا الأول: فهو سنة عند أكثر أهل العلم، خلافاً لأحمد في رواية، وأبي حنيفة في الصحيح من مذهبه.
وأما الثاني: فهو ركن عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه، لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تجزىء صلاة إلاّ بتشهد " أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " ولما روى عن ابن مسعود ﵁ قال: " علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: " التحيات لله " رواه الجماعة وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنّه سنة (١) واستدل المالكية على سنيته بحديث المسيء في صلاته لأنه ﷺ علمه أركان الصلاة فلم يذكر التشهد. ثانياًً: دل الحديث على الصيغة المشروعة في التشهد كما يرويها ابن مسعود وهي المختارة عند أحمد وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، واختار مالك تشهد عمر الذي علّمه الناس على منبر النبي ﷺ ، فقال لهم قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله " حيث لم ينكر عليه الصحابة، فجرى مجرى الحديث المتواتر (٢)، واختار الشافعي
стр. 615
٣٢٠ - " بَابُ الدُّعَاءِ قَبلَ السَّلَامِ "
٣٧٦ - عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو في الصَّلَاةِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأثَمِ والْمَغْرَمِ "، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأخْلَفَ ".
ــ
تشهد ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله " قال الزرقاني: وهذا الاختلاف كله إنما هو في الأفضل، ولذا قال ابن عبد البر: كلٌ حسن متقارب المعنى اهـ. أما الصلاة في التشهد الأخير فهي ركن عند الشافعي وأحمد خلافاً لغيرهما. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة في قوله: " إذا صلّى أحدكم فليقل التحيات لله ".
٣٢٠ - " باب الدعاء قبل السلام "
٣٧٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة " أي كان ﷺ يدعو بعد التشهد الأخير من كل صلاة ببعض الأدعية المأثورة " فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر "، أي أستجير بك وألجأ إليك أن تنجيني منه، " وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال "، أي وأستجير بك أيضاً وأسألك أن تحميني من فتنة الدجال، حتى لا أقع تحت تأثيره، فيغويني ويضلني، " وأعوذ بك من فتنة المحيا "، أي وأسألك أن تحميني مدة حياتي من جميع الفتن الدنيوية والأخروية " وفتنة الممات " أي وأن تحميني من فتنة الشيطان عند الموت،
стр. 616
٣٧٧ - عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁:
أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً، أدْعُو به في صَلَاتِي؟ قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّيِ ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمَاً كَثِيراً، ولَا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةَ مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إنكَ أنتَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ".
ــ
حال الاحتضار، فقد ورد أن الشيطان يأتي للعبد. في صورة بعض أقاربه، وفي يده قدح من ماء فيزين له الكفر ويؤكد له أنه طريق النجاة " اللهم إني أعوذ بك من المأثم " أي من كل معصية وخطيئة " والمغرم " أي ومن كل دين أعجز عن تسديده، " فقال له قائل: ما أكثر مما تستعيذ من المغرم؟
فقال: إن الرجل إذا غرم " أي إذا تحمل ديناً لا يقدر على أدائه كان فتنة له في دينه وخلقه، لأنه إذا طارده الدائن حدّث فكذب، ووعد فأخلف " اضطراراً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب الدعاء بعد التشهد الأخير.
ثانياًً: إثبات خروج الدجال، وكونه حقيقة ثابتة، لأنه ﷺ استعاذ منه.
ثالثاً: إثبات عذاب القبر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
والمطابقة: في قولها: " كان يدعو في الصلاة ".
٣٧٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو بكر الصديق ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أن يعلمه دعاءً يدعو به بعد التشهد الأخير، وقبل السلام، ويواظب عليه في آخر صلاته، فعلمه هذا الدعاء " قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً " باقتراف الخطايا، لأن اقترافها ظلم للنفس، وجناية عليها، لما فيه من تعريضها للعقوبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)، وفي الأثر " ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة " ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت " أي ولا يستر الذنوب ولا يعفو
стр. 617
٣٢١ - " بَابُ مَا يَتَخيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التشَهُّدِ ولَيْسَ بِوَاجِب "
٣٧٨ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: " ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو".
ــ
عنها ويسقط العقوبة عن فاعلها، ويصونه عن النار إلا أنت وحدك، " فاغفر لي مغفرة من عندك " أي فاغفر لي مغفرة تليق بكرمك وجودك على قدر رحمتك الواسعة، وعفوك الذي لا يحد، " وارحمني انك أنت الغفور الرحيم " أي فإذا طمعْتُ في عفوك وغفرانك فأنت واسع المغفرة والرحمة، فكيف لا أطمعُ فيك وقد وسعت رحمتك كل شيء. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه أبو داود.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب الدعاء في الصلاة بعد التشهد الأخير قبل السلام، واختيار الدعوات المأثورة، لأنها أفضل وأعظم نفعاً من سواها، فلم يأمرنا بها ﷺ إلاّ لما فيها من الخير الكثير، وإن كان الدعاء مشروعاً بأي صيغة إلا أنها أفضل. ثانياًً: أن الاعتراف بالخطايا والشعور بالنقص، هو عين الكمال ولذلك علم النبي ﷺ الصديق أن يقول في دعائه " اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ". والمطابقة: في كونه ﷺ أمر أبا بكر ﵁ أن يدعو بهذا الدعاء قبل السلام.
٣٢١ - " باب ما يتخيّر من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب "
٣٧٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁: " أن النبي ﷺ قال: " بعد أن ذكر صيغة التشهد المشروعة إلى قوله: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله " ثم يتخيّر من الدعاء أعجبه " أي ثم يجوز للمصلي بعد الانتهاء من التشهد والصلاة على النبي ﷺ وقبل
стр. 618
٣٢٢ - " بَابُ التَّسْلِيم "
٣٧٩ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيراً قَبْلَ أنْ يَقُومَ ".
ــ
السلام أن يختار لنفسه ما شاء من الدعاء فيدعو به، وليس عليه التقيد بدعاء مخصوص إلا أن الأدعية المأثورة أفضل. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.
ويستفاد منه: أنه يجوز للمصلّي اختيار ما شاء من الدعاء، وأن يسأل ما يريد من أمور الدنيا والآخرة، وهو مذهب مالك والشافعي، وأكثر أهل العلم لحديث الباب، وحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: " ثم يدعو بما بدا له " أخرجه مالك في " الموطأ " موقوفاً عليه، قال. الباجي: معنى قوله: " ثم يدعو بما بدا له " أي من أمر دينه ودنياه، مما لا يمنع الدعاء به، ويدعو على الظالم، ويدعو للمظلوم، والأصل في ذلك ما رواه البخاري.
وقال أبو حنيفة: لا يدعو في الصلاة إلاّ بالأدعية المأثورة أو ما شابه ألفاظ القرآن، وحديث الباب يدل على التخيير، ولا يستثنى من ذلك سوى الأدعية المحرمة. والمطابقة: في قوله: " ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو".
٣٢٢ - " باب التسليم "
٣٧٩ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: " كان رسول الله ﷺ إذا سلم " من صلاته " قام النساء حين يقضي تسليمه " أي انصرف النساء من المسجد بعد تسليمه ﷺ مباشرة لئلا يختلطن بالرجال، " ومكث يسيراً " أي وبقي النبي ﷺ في المسجد قليلاً، ليتأخر الرجال
стр. 619
عن الخروج بعض الوقت، ويفسحوا الطريق للنساء. الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي أيضاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية التسليم عند الخروج من الصلاة كما ترجم له البخاري. واختلفوا في حكمه كما قال ابن رشد (١): فقال الجمهور بوجوبه، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بواجب، فذهب الجمهور إلى ظاهر حديث علي ﵁ حيث قال: فيه " وتحليلها التسليم " وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته " لكن قال ابن عبد البر: حديث علىٍّ المتقدم أثبت عند أهل النقل، لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تفرد به الإِفريقي وهو ضعيف، قال ابن القيم في " تهذيب السنن " حديث على صريح الدلالة على أنه لا ينصرف من الصلاة إلاّ بالتسليم، واختلفوا في عدد التسليمات، فقال أحمد: التسليمتان واجبتان (٢)، وهو الرواية المشهورة عنه. وقال الشافعي: الأولى فرض، والثانية سنة، وفرّق مالك بين المأموم وغيره، فقال: على المأموم تسليمتان، الأولى فرض، والثانية مستحبة، وليس على غيره سوى تسليمة واحدة، وهي واجبة، وقال أبو حنيفة: التسليمتان سنتان. ثانياً: مشروعية خروج النساء من المسجد قبل الرجال لئلا يختلطن بالرجال.
والمطابقة: في قوله: " كان رسول الله ﷺ إذا سلم ".
...
стр. 620
٣٢٣ - " بَابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الِإمَامُ "
٣٨٠ - عَن عِتْبَانَ ﵁ قَالَ:
"صَلَّيْنَا مَعَ النبِيِّ ﷺ فسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ".
ــ
٣٢٣ - " باب يسلم حين يسلم الإِمام "
٣٨٠ - معنى الحديث: يقول عتبان بن مالك ﵁:
" صلينا النبي ﷺ " أي صلينا خلف النبي ﷺ صلاة الجماعة " فسلمنا حين سلّم " أي فسلمنا عندما سلم النبي ﷺ ، وهذا يحتمل أنّهم سلموا مع النبي ﷺ ، ويحتمل أنهم سلموا بعده. الحديث: " أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه: أنّ المأموم يسلم حين يسلم إمامه، ولا يجوز أن يتقدمه بالسلام، وهو مذهب أهل العلم اتفاقاً، غير أنهم اختلفوا هل يسلم معه أو بعده، فقال أبو حنيفة في رواية يسلم معه، وذهب المالكية إلى أنه يسلم بعده كما جاء في " الرسالة " حيث قال: " ويسلم بعد سلامه " قال النفراوي: فإن شرع في السلام قبله عمداً أو جهلاً بطلت صلاته، ومثل السبق المصاحبة في ابتدائه، أما لو سبقه سهواً، لأمر بالسلام بعد الإِمام، ولم تبطل صلاته.
وقال الشافعي يسلّم المقتدى بعد فراغ الإِمام من التسليمة الأولى فلو سلّم مقارناً لسلامه بطلت على القول بأن نية الخروج شرط ولم تبطل على القول بأنها غير واجبة. اهـ. كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: " فسلمنا حين سلم ".
***
стр. 621
٣٢٤ - "بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ "
٣٨١ - عن ابْنِ عَباس ﵄:
" أنَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كانَ عَلَى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ ، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ ".
ــ
٣٢٤ - " باب الذكر بعد الصلاة "
٣٨١ - مضى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أن رفع الصوت بالذكر " على اختلاف أنواعه من تهليل وتسبيح وتكبير " حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ "، أي: كان موجوداً في زمنه ﷺ بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، فإن أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا فرغوا من الصلاة المكتوبة، وانتهوا من صلاة الجماعة معه ﷺ في مسجده؛ رفعوا أصواتهم بذكر الله مهللين مكبرين وكان ﷺ يقرهم على ذلك (١). قال العيني: ومثل هذا يحكم له بالرفع عند الجمهور، خلافاً لمن شذ في ذلك، " وقال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته " أي: كنت أعرف انتهاءهم من صلاة الجماعة بارتفاع أصواتهم بهذا الذكر حيث كانوا يذكرون الله بأصوات عالية تسمع من بعيد.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به بعض السلف على استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة، وهو مذهب ابن حزم. قال ابن بطال: وأصحاب المذاهب المتبعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر، وحمل الشافعي هذا الحديث على أنه ﷺ جهر لتعليمهم،
стр. 622
٣٨٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " جَاءَ الْفُقَرَاءُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالُوا: ذَهَبَ أهل الدثُورِ مِنَ الأمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلُ أمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدِّقُونَ، فَقَالَ: "ألا أحَدِّثُكُمْ بِأمْرٍ إنْ أخَذْتُمْ بِهِ أدْرَكتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَير مَنْ أنتمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، الَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ، وَتُحْمَدُونَ،
ــ
ولم يجهر دائماً. وروى ابن القاسم عن مالك: أنّ رفع الصوت بالذكر عقب الجماعة محدث، كما أفاده العيني. ثانياًً: مشروعية الذكر بعد الصلاة كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " إنّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ".
٣٨٢ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁: " قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم "، أي فاز أصحاب الأموال علينا بالمنازل العالية في الجنة، وحصلوا على ما لم نحصل عليه من نعيمها. وسبب ذلك أنهم " يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون "، أي إنما سبقونا، وفازوا علينا؛ وأدركوا من الدرجات ما لم ندركه، لأنّهم شاركونا في العبادات البدنية، ولم نشاركهم في العبادات المالية، لأننا لا قدرة لنا عليها، حيث إننا لا نملك من المال ما يمكننا منها. فزادوا علينا في الأجر والثواب، بسبب زيادة أعمالهم " فقال ﷺ : ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم " أي: ألا أخبركم بشيء إن واظبتم عليه لحقتم بهؤلاء الأغنياء، وحصلتم على ثواب الحج والعمرة وغيرها من العبادات المالية، " ولم يدرككم أحد بعدكم "، أي لا يساويكم
стр. 623
وَتُكَبرونَ خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاِثينَ، فاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ، بَعْضُنَا: نُسَبِّح ثَلَاثاً وَثَلاثِينَ، وَنُحْمِّدُ ثَلَاثاً وَثَلَاثينَ، وَنُكَبَر أرْبَعاً وَثلَأثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: " تَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ وَاللهُ أكبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهُنَّ ثَلَاثاً وَثَلاثِينَ ".
٣٨٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لا إِلَهَ إلَّا
ــ
أحد في الثواب والأجر، " وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم " أي: وصرتم أفضل أهل زمانكم، " إلاّ من عمل مثله " أي: إلاّ من عمل مثل عملكم، ثم بين هذا العمل الذي يرفع من درجاتهم في قوله: " تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ". أي: بعد كل صلاة مكتوبة " ثلاثاً وثلاثين "، مرةً " قال الراوي: فاختلفنا بيننا " أي في كيفية هذا الذكر، هل يأتي بالتسبيح ثلاثاً وثلاثين، ثم بالتحميد مثل ذلك ... إلخ، أو يأتي بالمجموع ثلاثاً وثلاثين مرة. قال: " فرجعت إليه " أي: فسألت النبي ﷺ عن ذلك، " فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كُلِّهِنَّ ثلاثاً وثلاثين مرة " ثم تختم بالتهليل. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٣٨٣ - معنى الحديث: يحدثنا المغيرة بن شعبة ﵁ " أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة " أي: بعد كل صلاة مكتوبة " لا إله إلاّ الله وحده، - لا شريك له، له الملك (١)، وله الحمد (٢)، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت " لأن خزائن
стр. 624
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، ولَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".
٣٢٥ - " بَابٌ يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ "
٣٨٤ - عَنْ سَمُرَةَْ بْنِ جُنْدُبَ ﵁ قَالَ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلَّى صَلَاةً أقبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ".
ــ
الأرزاق بين يديك تعطي وتمنع كما تشاء، " ولا ينفع ذا الجد (١) منك الجد " أي ولا يمنع الغني ماله من عذابك يوم القيامة، ولا يدفع عنه عقابك إن كان عاصياً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ويستفاد من الحديثين مما يأتي: أولاً: استحباب الذكر بعد الصلوات المكتوبة بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين مرة، لأنّ ثوابه يعدل ثواب الصدقة والحج والعمرة. ثانياًً: أن من الأذكار المسنونة بعد الصلاة أن تقول لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ثالثاً: فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر إذا تساويا في العبادات البدنية. مطابقة الحديثين للترجمة: في قوله: " تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة " وقوله: " كان ﷺ يقول في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ ".
٣٢٥ - " باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم "
٣٨٤ - معنى الحديث: يقول سمرة بن جندب ﵁:
стр. 625
٣٨٥ - عَنْ زَيْد بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِي (١) ﵁:
أنَّه قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصبحِ بالْحُدَيْبِيَةِ علَى أثْر سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ! قَالَ: "أصْبَحَ مِنْ عِبَادِيَ مُؤْمِن بِي وَكَافِر، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ
ــ
" كان رسول الله ﷺ إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه " أي كان إذا صلّى صلاة مكتوبة، وفرغ منها، توجه إلينا، واستقبلنا بوجهه بعد سلامه.
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
٣٨٥ - معنى الحديث: يقول زيد بن خالد الجهني ﵁:
" صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية " بضم الحاء، وفتح الدال، وسكون الياء الأولى، وكسر الباء، وفتح الياء الثانية المخففة عند البعض والمشددة عند أكثر المحدثين. وهي قرية قريبة من مكة سمّيت " الحديبية " باسم بئرٍ فيها. " على إثر سماء كانت من الليل " أي صلَّى صلاة الصبح في الحديبية بعد مطر نزلت في تلك الليلة. " فما انصرف "، أي: فلما سلّم من صلاته، "أقبل على الناس" بوجهه الشريف، " فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال " أي قال الله تعالى: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " أي أصبح الناس بالنسبة إلي نزول الأمطار على قسمين: قسم مؤمن بالله تعالى لا يشرك به شيئاً، وقسم كافر بوحدانية الله تعالى. " فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته " فأسند إنزال الأمطار حقيقة إلى الله تعالى " فذلك مؤمن بي " أي مؤمن بوحدانيتي "وكافر
стр. 626
مُؤْمِن بِي وَكَافِر بالكَوْكَبِ، وَأمَّا مَنُ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بالْكَوْكَبِ".
ــ
بالكوكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " أي: وأما من نسب الأمطار وغيرها من الحوادث الأرضية إلى تحركات الكواكب في طلوعها وسقوطها معتقداً أنّها الفاعل الحقيقي فهو كافرٌ مشرك في توحيد الربوبية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ومطابقة الحديثين للترجمة: في قوله: " أقبل علينا بوجهه " في الحديث الأول وقوله: " أقبل على الناس " في الثاني.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أنه يسن للإمام بعد سلامه أن يتحول عن القبلة، ويستقبل المأمومين بوجهه، أما كيف يتحول يميناً أو يساراً فقد اختلف في ذلك أهل العلم، فذهبت المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتحول إلى جهة اليمين لما جاء في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: " كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، فيقبل علينا بوجهه ". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وذهبت الحنفيّة إلى أنه يستحب له أن يتحول إلى جهة اليسار لما رواه مسلم عن ابن مسعود قال: " أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله ". اهـ. كما أفاده في " المنهل العذب " (١). ثانياً: أنّ إسناد الحوادث من مطر، وخصب، وجدب، وولادة، وموت إلى تقلبات الأنواء، مع اعتقاد فاعليتها حقيقةً كفر وشرك في ربوبية الله تعالى، لقوله ﷺ : " أما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب " وكذلك من اعتقد أنها مصدر السعد والنحس. قال ابن تيمية: "واعتقاد المعتقد أن نجماً من النجوم هو المتولّي
стр. 627
٣٢٦ - " بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فتخطَّاهُمْ "
٣٨٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعَاً، فَتَخَطى رِقَابَ النَّاس إلى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، ففزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فخَرَجَ عَلَيْهِمْ فرأى أنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: " ذَكَرْتُ شَيْئَاً مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِي فأمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ ".
ــ
بسعده ونحسه اعتقاد فاسد وإن اعتقد أنه هو المدبر له فهو كافر (١) .. ". اهـ.
٣٢٦ - " باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم "
٣٨٦ - معنى الحديث: يقول عقبة بن الحارث النوفلي ﵁: " صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس " أي تجاوزهم، " فرأى أنهم عجبوا من سرعته " أي فلاحظ أنهم قد تشوشوا من فعله هذا، فشرح لهم سبب ذلك، " فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا " أي تذكرت وجود بعض الذهب في بيتي " فكرهت أن يحبسني "، أي أن يشغل بالي، " فأمرت بقسمته " أي فأحضرته لآمر بقسمته. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في قوله: " يتخطى رقاب الناس ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: جواز تخطي الرقاب في المسجد لعذر شرعي كالرعاف وحرقة البول، والغائط، أو تذكر أمر هام. ثانياً: أن التفكير في الأمور الدنيوية لا يفسد الصلاة.
стр. 628
٣٢٧ - " بَابُ الانفِتَالِ والإِنصِرَافِ عَنِ اليمِينِ والشَّمَالِ "
٣٨٧ - عن ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " لا يَجْعَلَنَّ أحَدُكُمْ لِلشيطَانِ شَيئَاً مِنْ صَلَاِتهِ يَرَى أن حَقَّاً عَلَيْهِ أن لا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينهِ لَقَدْ رَأيت النَّبِيَّ ﷺ كَثِيراً يَنْصَرِفُ عَنْ يِسَارِهِ ".
٣٢٨ - " بَابُ مَا جَاءَ في الثُّومِ النيءِ والْبَصَلِ وَالْكرَّاثِ "
٣٨٨ - عنْ جَابِرٍ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أكلَ ثُوماً أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أوْ فلْيعْتَزِلْ
ــ
٣٢٧ - " باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال "
٣٨٧ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " لا يجعل أحدم للشيطان شيئاً من صلاته " أي لا يمكِّن الشيطان من الوسوسة له بأشياء ليست مطلوبة شرعاً، ومن ذلك " أن يرى حقاً عيه أن لا ينصرف " من صلاته " إلاّ عن يمينه " أي يرى أنه يجب عليه إذا سلّم أن ينصرف إلى جهة يمينه " لقد رأيت النبي ﷺ كثيراً ما ينصرف عن يساره " أي رأيته كثيراً ينصرف من صلاته إلى الجهة اليسرى. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن الانصراف من الصلاة يكون يميناً ويساراً. ثانياً: استدل به الحنفية على أنه يستحب للأمام أن ينصرف بعد السلام إلى يساره. والمطابقة: في قوله: " كثيراً ما ينصرف عن يساره ".
٣٢٨ - " باب ما جاء في الثوم النِّيء (١) والبصل والكراث "
٣٨٨ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ في هذا الحديث:
стр. 629
مَسَاجِدَنَا، وَلَيَقْعُدْ في بَيْيهِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُول، فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً فَسَألَ فَأخبر خْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوهَا"
إلى بَعْضِ أصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أكْلَهَا قَالَ: كُلْ، فَإِنِّى أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي".
ــ
"أنَّ النبي ﷺ قال: من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مساجدنا "، أي فليبتعد عن مجالسنا، أو لا يدخل مساجدنا، شك من الراوي، ويحتمل أنه ﷺ نهي عن هذا وذاك، " وأنّ النبي ﷺ أتي بقدر فيه خضرات "، أي قدم إليه قدر من طعام في داخله " خضرات " (بفتح الخاء وكسر الضاد) " من بقول " (١)، أي بعض خضروات متنوعة مطبوخة، كالثوم، والكراث، والبصل، ونحوه " فوجد لها ريحاً " كريهةً، " فقال: قربوها إلى بعض أصحابه " أي فأمر بتقديمها إلى بعض أصحابه ليأكل منها، فكره أن يأكل مخافة أن تكون حراماً. " فلما رآه كره أكلها قال: كل " أي كل من هذه البقول فإنّها مباحةُ الأكل " فإني أناجي من لا تناجي " فإنما امتنعت عنها، وتركت أكلها لا لحرمتها، ولكن لأني أكلِّم الملائكة الذين لا تكلّمهم أنت، فلا تقس نفسك عليَّ. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ويستفاد منه: أنه يكره دخول المسجد لكل من أكل من البقول الكريهة الرائحة كالثوم، والبصل، والكراث، ما دامت رائحتها موجودة في فمه.
أمّا مجرد أكلها فإنها طعام حلال مباح الأكل شرعاً، وإنما يكره أكلها لمن أراد دخول المسجد، أو مقابلة من يتأذّى برائحتها لقوله ﷺ : " فإني أناجي من لا تناجي ". مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﷺ : "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا، والله أعلم ".
стр. 630
٣٢٩ - " بَابُ خرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ باللَّيْلِ وَالْغلْسِ "
٣٨٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَأذَنَكُمْ نِسَاؤكُمْ باللَّيْل وإلى المَسْجِدِ فَأذَنُوا لَهُنَّ ".
ــ
٣٢٩ - " باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس "
٣٨٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد " أي: في الذهاب إلى المسجد في الليل، " فأذنوا لهن "، وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " أخرجه مالك في " الموطأ ". وقوله " بالليل " هذا القيد في البخاري ومسلم فقط، ولم يذكره ﷺ أكثر الرواة عن حنظلة كما أفاده القسطلاني وزيادة الثقة مقبولة. الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب لولي المرأة من زوج أو غير إذا استأذنته في الخروج إلى المسجد أن يأذن لها، لقوله ﷺ في حديث الباب " فأذنوا لهن ". والأمر للندب كما قال البيهقي، ولكن ذلك مندوب إذا أمِنَ الفتنة. أما إذا خشي فتنةً أو وقوع مفسدة، فلا يأذن لها، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. ثانياً: أن قوله: " بليل " يدل على اختيار الأوقات المناسبة لخروجها إلى المسجد، كوقت العشاء، أو الصبح، حيث ينتشر الظلام فيسترها، فيأمن الناس من فتنتها، وذلك لزيادة الاحتياط والاطمئنان. وقد أجمع فقهاء الإِسلام على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لقوله ﷺ : " صلاتكن في داركن أفضل "، واختلفوا في جواز حضورها لصلاة الجماعة. فقالت المالكية: إن كانت شابة وخيف منها الفتنة حرم عليها الحضور. وقالت
стр. 631
الشافعية: إن كانت مشتهاة حَرُم عليها الحضور ولو في ثياب رثة، ومثلها غير المشتهاة إذا تزينت وتطبت، وإن كانت عجوزاً غير مشتهاة ولا متزينة ولا متعطرة جاز لها (١). والمطابقة: في قوله: " فأذنوا لهن ".
...
стр. 632
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الجُمُعَةِ "
والجمعة: بضم الميم على المشهور، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها، ويذكر بعض المؤرخين أنْ هذه التسمية قديمة منذ العصر الجاهلي، وأن أول من سماه " الجمعة " قُصَيُّ بن كلاب، فقد جمع قريشاً وقال: هذا يوم الجمعة. والراجح: أنه كان يسمى يوم العروبة، وأوّل من سماه بذلك كعب بن لؤي، كما أفاده الحافظ، ولما جمع أسعد بن زرارة الناس فيه لصلاة أول جمعة بالمدينة سُمِيّ يوم الجمعة، فهي تسمية إسلامية، كما جزم به ابن حزم. وأما صلاة الجمعة: فإنها شرعت بمكة، ولم تصل إلاّ بالمدينة، قال الشبرخيتي (١): فرضت صلاة الجمعة بمكة، ولم يصلها النبي لعدم تمكنه ﷺ من ذلك. وأوّل جمعة أقيمت هي التي أقامها أسعد بن زرارة بالمدينة بأمر النبي ﷺ قبل قدومه ﷺ ، وذلك أنه ﵁ جمع في هذا اليوم أربعين رجلاً، وصلاها بهم، وقال: هذا يوم الجمعة، فكانت أوّل جمعة جمعت بالمدينة في بني بياضة حيث بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير أميراً على المدينة، وأمره بإقامة صلاة الجمعة، فنزل على أسعد بن زرارة، فأخبره بصلاة الجمعة وأمره أن يصليها بالناس. أما أول جمعة صلّاها النبي ﷺ فقد كانت بعد هجرته، حيث أدركته عند نزوله من قباء إلى المدينة، فصلاها في موضع المسجد المعروف بمسجد الجمعة، عند بستان الشربتلية. وخطب
стр. 633
٣٣٠ - " بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ "
٣٩٠ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " نَحْنُ الآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ لْقِيَامَةِ، بَيْدَ أنَّهُمْ أوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الذي فرَضَ
ــ
فيها خطبة بليغة، استهلها بقوله: " الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره " وأوصى فيها المسلمين بالتمسك بالتقوى. وختمها بقوله: " فأكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلّا بالله العِّلي العظيم " (١).
٣٣٠ - " باب فرض الجمعة "
٣٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " نحن الآخرون، السابقون يوم القيامة " أي: نحن معشر الأمة المحمدية وإن تأخرنا عن غيرنا من اليهود والنصارى في الزمن، فقد تقدمنا عليهم في الشرف والقدر والمنزلة، وكان لنا عليهم السبق يوم القيامة، لأنّ هذه الأمة أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يدخل الجنة. " بيد أنّهم أوتوا الكتاب قبلنا "، أي فلم يسبقونا بشيء إلاّ بكونهم أعطوا التوراة والإِنجيل قبل أن نعطى القرآن، وليس هذا بفضيلة لهم، لأن كتابنا مهيمن على كتبهم، وشريعتنا ناسخة لشرائعهم " ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم " أي ثم إنّ هذا اليوم الذي هو يوم الجمعة كان هو اليوم الذي شرعه الله عيداً لهم وفرضه عليهم، كما
стр. 634
اللهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَداً، والنَّصَارى بَعْدَ غَدٍ".
٣٣١ - " بَابُ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ "
٣٩١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ
ــ
فرضه علينا، " فاختلفوا فيه " ولم يقوموا به، ولم يجعلوه عيداً لهم كما فرض عليهم. قال النووي: ويمكن أنهم أمروا به صريحاً، فاختلفوا هل يلزم تعينه أم يسوغ لهم إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطئوا " فهدانا الله له " أي: فوفقنا الله إلى تعظيمه وإقامة الجمعة فيه كما أُمرنا " فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد " أي فأعيادهم بعد عيدنا، فاليهود عيدهم السبت، والنصارى الأحد.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن صلاة الجمعة فرض عين على كل ذكر مسلم بالغ مستوف للشروط المقررة، لقوله ﷺ : " فرض الله عليهم " أي فرضه الله عليهم وعلينا. ثانياًً: أن الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فرض الله عليهم " أي عليهم وعلينا.
٣٣١ - " باب الطيب للجمعة "
٣٩١ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: " أشهد على رسول الله ﷺ " أي أخبركم عن النبي ﷺ خبراً أكيداً صادراً عن يقين وعلم قاطع، أنه ﷺ "قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل
стр. 635
محْتَلِم، وَأنْ يَسْتَنَّ، وأنْ يَمسَّ طِيبَاً إِنْ وَجَدَ، قَالَ عَمْروٌ: أما الْغسْل فَأشْهَدُ أنَّه وَاجِب، وَأمَّا الإِسْتِنَاْن وَالطِّيْب، فالله أعْلَم أوَاجِب هوَ أمْ لا! ولكِنْ هكَذا في الْحَدِيثِ.
ــ
محتلم" أي الغسل يوم الجمعة حتم على كل ذكر بالغ من المسلمين مطلقاً، جامع أو لم يجامع، أجنب أو لم يجنب، ولكن يخرجه من الوجوب حديث سمرة ابن جندب ﵁: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل " أي من اكتفى يوم الجمعة بالوضوء فقد أخذ بالرخصة؛ وأجزأه الوضوء؛ ونعمت الرخصة، ومن اغتسل، فالغسل أفضل لأنه سنة مستحبة " وأن يستن " أي: وأن يستاك، من الاستنان وهو الاستياك، " وأن يمس طيباً إن وجد " أي: وأن يتطّيب بأي رائحة عطرية، والجملتان معطوفتان على الجملة الأولى. " قال عمرو" وهو عمرو بن سليم وهو راوى الحديث عن أبي سعيد " أما الغسل فأشهد أنه واجب " واستدل البعض بقوله: واجب على فرضيته وقد حكاه ابن المنذر، وهو قول أهل الظاهر " أما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا! ولكن هكذا في الحديث " وإنما توقف في ذلك لأنه تردد في العطف، هل معناه التشريك في كل شيء حتى الوجوب أم لا.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به ابن حزم على فرضية الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة على الرجال والنساء، أفاده العيني. والجمهور على أن الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة سُنَّة لا واجب. وروى مالك في " الموطأ " عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الخبابة " أي كغسل الجنابة في الوجوب عند أبي هريرة لأنّ مذهبه وجوب الغسل حقيقة يوم الجمعة. قال في "أوجز