الشافعية: إن كانت مشتهاة حَرُم عليها الحضور ولو في ثياب رثة، ومثلها غير المشتهاة إذا تزينت وتطبت، وإن كانت عجوزاً غير مشتهاة ولا متزينة ولا متعطرة جاز لها (١). والمطابقة: في قوله: " فأذنوا لهن ".
...
стр. 632
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتاب الجُمُعَةِ "
والجمعة: بضم الميم على المشهور، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها، ويذكر بعض المؤرخين أنْ هذه التسمية قديمة منذ العصر الجاهلي، وأن أول من سماه " الجمعة " قُصَيُّ بن كلاب، فقد جمع قريشاً وقال: هذا يوم الجمعة. والراجح: أنه كان يسمى يوم العروبة، وأوّل من سماه بذلك كعب بن لؤي، كما أفاده الحافظ، ولما جمع أسعد بن زرارة الناس فيه لصلاة أول جمعة بالمدينة سُمِيّ يوم الجمعة، فهي تسمية إسلامية، كما جزم به ابن حزم. وأما صلاة الجمعة: فإنها شرعت بمكة، ولم تصل إلاّ بالمدينة، قال الشبرخيتي (١): فرضت صلاة الجمعة بمكة، ولم يصلها النبي لعدم تمكنه ﷺ من ذلك. وأوّل جمعة أقيمت هي التي أقامها أسعد بن زرارة بالمدينة بأمر النبي ﷺ قبل قدومه ﷺ ، وذلك أنه ﵁ جمع في هذا اليوم أربعين رجلاً، وصلاها بهم، وقال: هذا يوم الجمعة، فكانت أوّل جمعة جمعت بالمدينة في بني بياضة حيث بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير أميراً على المدينة، وأمره بإقامة صلاة الجمعة، فنزل على أسعد بن زرارة، فأخبره بصلاة الجمعة وأمره أن يصليها بالناس. أما أول جمعة صلّاها النبي ﷺ فقد كانت بعد هجرته، حيث أدركته عند نزوله من قباء إلى المدينة، فصلاها في موضع المسجد المعروف بمسجد الجمعة، عند بستان الشربتلية. وخطب
стр. 633
٣٣٠ - " بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ "
٣٩٠ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " نَحْنُ الآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ لْقِيَامَةِ، بَيْدَ أنَّهُمْ أوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الذي فرَضَ
ــ
فيها خطبة بليغة، استهلها بقوله: " الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره " وأوصى فيها المسلمين بالتمسك بالتقوى. وختمها بقوله: " فأكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلّا بالله العِّلي العظيم " (١).
٣٣٠ - " باب فرض الجمعة "
٣٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " نحن الآخرون، السابقون يوم القيامة " أي: نحن معشر الأمة المحمدية وإن تأخرنا عن غيرنا من اليهود والنصارى في الزمن، فقد تقدمنا عليهم في الشرف والقدر والمنزلة، وكان لنا عليهم السبق يوم القيامة، لأنّ هذه الأمة أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يدخل الجنة. " بيد أنّهم أوتوا الكتاب قبلنا "، أي فلم يسبقونا بشيء إلاّ بكونهم أعطوا التوراة والإِنجيل قبل أن نعطى القرآن، وليس هذا بفضيلة لهم، لأن كتابنا مهيمن على كتبهم، وشريعتنا ناسخة لشرائعهم " ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم " أي ثم إنّ هذا اليوم الذي هو يوم الجمعة كان هو اليوم الذي شرعه الله عيداً لهم وفرضه عليهم، كما
стр. 634
اللهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَداً، والنَّصَارى بَعْدَ غَدٍ".
٣٣١ - " بَابُ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ "
٣٩١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ
ــ
فرضه علينا، " فاختلفوا فيه " ولم يقوموا به، ولم يجعلوه عيداً لهم كما فرض عليهم. قال النووي: ويمكن أنهم أمروا به صريحاً، فاختلفوا هل يلزم تعينه أم يسوغ لهم إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطئوا " فهدانا الله له " أي: فوفقنا الله إلى تعظيمه وإقامة الجمعة فيه كما أُمرنا " فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد " أي فأعيادهم بعد عيدنا، فاليهود عيدهم السبت، والنصارى الأحد.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن صلاة الجمعة فرض عين على كل ذكر مسلم بالغ مستوف للشروط المقررة، لقوله ﷺ : " فرض الله عليهم " أي فرضه الله عليهم وعلينا. ثانياًً: أن الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فرض الله عليهم " أي عليهم وعلينا.
٣٣١ - " باب الطيب للجمعة "
٣٩١ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: " أشهد على رسول الله ﷺ " أي أخبركم عن النبي ﷺ خبراً أكيداً صادراً عن يقين وعلم قاطع، أنه ﷺ "قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل
стр. 635
محْتَلِم، وَأنْ يَسْتَنَّ، وأنْ يَمسَّ طِيبَاً إِنْ وَجَدَ، قَالَ عَمْروٌ: أما الْغسْل فَأشْهَدُ أنَّه وَاجِب، وَأمَّا الإِسْتِنَاْن وَالطِّيْب، فالله أعْلَم أوَاجِب هوَ أمْ لا! ولكِنْ هكَذا في الْحَدِيثِ.
ــ
محتلم" أي الغسل يوم الجمعة حتم على كل ذكر بالغ من المسلمين مطلقاً، جامع أو لم يجامع، أجنب أو لم يجنب، ولكن يخرجه من الوجوب حديث سمرة ابن جندب ﵁: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل " أي من اكتفى يوم الجمعة بالوضوء فقد أخذ بالرخصة؛ وأجزأه الوضوء؛ ونعمت الرخصة، ومن اغتسل، فالغسل أفضل لأنه سنة مستحبة " وأن يستن " أي: وأن يستاك، من الاستنان وهو الاستياك، " وأن يمس طيباً إن وجد " أي: وأن يتطّيب بأي رائحة عطرية، والجملتان معطوفتان على الجملة الأولى. " قال عمرو" وهو عمرو بن سليم وهو راوى الحديث عن أبي سعيد " أما الغسل فأشهد أنه واجب " واستدل البعض بقوله: واجب على فرضيته وقد حكاه ابن المنذر، وهو قول أهل الظاهر " أما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا! ولكن هكذا في الحديث " وإنما توقف في ذلك لأنه تردد في العطف، هل معناه التشريك في كل شيء حتى الوجوب أم لا.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به ابن حزم على فرضية الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة على الرجال والنساء، أفاده العيني. والجمهور على أن الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة سُنَّة لا واجب. وروى مالك في " الموطأ " عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الخبابة " أي كغسل الجنابة في الوجوب عند أبي هريرة لأنّ مذهبه وجوب الغسل حقيقة يوم الجمعة. قال في "أوجز
стр. 636
المسالك": نقل ابن المنذر الوجوب عنه. وعن عمار بن ياسر، وهو قول الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، قاله الزرقاني، ونسب صاحب " الهداية " ذلك إلى مالك، وكذا ذكر النووي في " شرح مسلم ": أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك (١)، لكن كتب المالكية صريحة في ذكر الاستحباب. قال في " الاستذكار ": لا أعلم أحداً أوجب الغسل للجمعة إلاّ أهل الظاهر، وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن غسل الجمعة: أواجب هو؟ قال: سنة، قيل له: في الحديث إنه واجب، قال: ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك، وروى أشهب عن مالك أنّه سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟ قال: حسن، وليس بواجب. وقال في " مختصر خليل ": " وَسُنَّ غُسْل مُتَّصِلٌ بِالروَاحِ " فعلم من ذلك أن الغسل عند المالكية ليس بواجب، وهو نص الإمام مالك كما تقدم، وقال الحافظ: " وحكاه أي الوجوب ابن المنذر والخطابي عن مالك "، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه وقال ابن دقيقَ العيد: " قد نص مالك على وجوبه فحمله من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبي ذلك أصحابه، والرواية عن مالك بذلك في " التمهيد " وكذلك ما في كتب الحنابلة هو غير الوجوب قال في " نيل المآرب ": الأغسال المستحَبَّة ستة عشر غسلاً، آكدها الغسل لصلاة جمعةِ في يومها. وفي " الروض المربع ": ويسن أن يغتسل في يومها لخبر عائشة ﵂ " لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا " إلَّا أن ابن القيم قال في " زاد المعاد ": الناس في وجوبه ثلاثة أقوال النفي والإثبات والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد، فعلم أنّ المسألة فيما بينهم خلافية، لكن المشهور في متونهم عدم الوجوب كما تقدم، واختلفوا فيما بينهم في أنّه مستحب أو سنة مؤكدة، وما ورد من الأوامر
стр. 637
٣٣٢ - " بَابُ فضلِ الْجُمُعَةِ "
٣٩٢ - عَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ
ــ
وألفاظ الوجوب إمّا محمول على التأكيد، أو على النسخ (١). اهـ. ثانياً: مشروعية " الطيب للجمعة " كما ترجم له البخاري وهو واجب عند بعض الظاهرية (٢)، لقوله ﷺ " الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً " حيث عطف مسَّ الطيب على الغسل، والمعطوف على الواجب واجب، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة، وحملوا لفظ الوجوب على التأكيد أو على النسخ كما في الغسل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وأن يمس طيباً ".
٣٣٢ - " باب فضل الجمعة " (٣)
٣٩٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " أي غسلاً شرعياً كغسل الجنابة لا غسل تبرد واستحمام، أو غسلاً مترتِّباً عن الجنابة بأن جامع واغتسل، لحديث أوس ﵁ أنّه ﷺ قال: " من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة، أجر صيامها وقيامها " أخرجه أصحاب السنن. قال وكيع: معنى قوله " اغتسل وغسل " أي: اغتسل هو وغسل امرأته، يعني أحوجها إلى الاغتسال بسبب مجامعته لها "ثم
стр. 638
رَاحَ فكأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ كَبْشَاً أقْرَنَ، ومنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فكأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاقَي الْخَامِسَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَ خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
ــ
راح" أي في الساعة الأولى "فكأنما قرّب بدنة" أي: فكأنما تصدق ببدنة، وهي الذكر أو الأنثى من الإِبل " ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن " أي له قرنان، وهو أفضل وأكمل " ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة " أي دخلت الملائكة المسجد، وحضرت فيه "يستمعون الذكر" أي: الخطبة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل يوم الجمعة، وصلاة الجمعة وتمييزها بملائكة مخصوصين، يقفون على أبواب المساجد، يسجلون ثواب الحاضرين إلى الجمعة على حسب أوقات حضورهم. ثانياًً: استحباب الاغتسال لصلاة الجمعة لأنه ﷺ رتب ثواب الصدقة المذكورة عليه فقال: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة ". ثالثاً: استحباب التبكير لصلاة الجمعة لأن الثواب متفاضل بحسب التبكير إليها، فمن حضر إلى المسجد في الساعة الأولى كان ثوابه أكثر ممن حضر إليه في الثانية، وهكذا. والمراد بالساعات الخمسة عند الجمهور الساعات الزمنية المعروفة. وقال مالك: هي لحظات تبدأ بالزوال وتنتهي بجلوس الإِمام على المنبر. الحديث: أخرجه الستة.
والمطابقة: في كون الحديث يدل على أنّ من حضر الجمعة يجمع بين العبادة البدنية والمالية كما أفاده العيني.
стр. 639
٣٣٣ - " بَابُ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ "
٣٩٣ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِي (١) ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَغْتَسِلُ رَجُل يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بَيْن اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأخْرىَ ".
ــ
٣٣٣ - " باب الدهن للجمعة "
٣٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر " أي لا يغتسل المسلم غسلاً شرعياً كاملاً ويبالغ في تنظيف جسمه، فيقلم أظفاره، وينتف إبطه، ويحلق عانته " ويدّهن " بتشديد الدال " من دهنه " بضم الدال أي: يدهن شعر رأسه " أو يمس من طيب بيته " يعني أو يتطيب بما تيسر له، " ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين " في المسجد إلَّا بإذنهما " ثم يصلّي ما كتب له " من النوافل أو سنة الجمعة كما أفاده العيني، " ثم ينصت إذا تكلم الإِمام إلَّا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " أي إِلَّا غفر له ما بين الجمعتين الماضية والحاضرة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب دهن الشعر بالزيت يوم الجمعة لقوله ﷺ : " ويدهن من دهن بيته " وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أنه يسن غسل الجمعة لمن لم يكن جنباً، لأنه سبب للمغفرة. ثالثاً: مشروعية الإِنصات إلى الخطبة، وهو واجب كما سيأتي. والمطابقة: في قوله: " ويدهن من دهنه "
стр. 640
٣٣٤ - " بَابُ يَلْبَسُ أحْسَنَ مَا يَجِدُ "
٣٩٤ - عَنْ عُمَرَ ﵁:
أنَّهُ رَأى حُلَّةً سِيرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لوِ اشْتَرَيت هَذهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ"، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا حُلَل، فَأعْطى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ في حُلَّةِ عُطَارَدٍ ما قُلْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَم أكْسُكَهَا لِتَلْبِسَهَا "، فَكَسَاهَا عُمَرُ أخاً لَهُ بِمَكَّة مُشْرِكَاً.
ــ
أي: يدهن شعر رأسه بالزيت. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.
٣٣٤ - " باب يلبس أحسن ما يجد "
٣٩٤ - معنى الحديث: يحدثنا عمر ﵁ " أنه وجد حُلَّة سِيراء (١) عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه "، أي أنه رأى كساءً من حرير معروضاً للبيع عند باب المسجد، فعرض على النبي ﷺ أن يشتريه ليتجمل به يوم الجمعة، ولكن رسول الله رفض أن يشتريه لأنه من حرير، وأنكر لبسه للرجال، " فقال: إنما يلبس هذه " من الرجال " من لا خلاق في " أي من لا نصيب له من الخير ولا حظ له في نعيم الجنة، وهم الكفار فلا تشبهوا بهم، " ثم جاءت رسول الله منها حلل " أي ثم وصلت إلى النبي ﷺ بعض الحلل المنسوجة من الحرير، "فأعطى عمر بن الخطاب
стр. 641
٣٣٥ - " بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
٣٩٥ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْلا أَنْ أشُقَّ عَلَى أمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاس- لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ".
ــ
منها حلّة، فَقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت" أي كيف تهديها في لألبسها، وقد استنكرت حلة عطارد التي عرضتها عليك لأنّها من حرير، " قال رسول الله ﷺ : إنّي لم أكسكها لتلبسها " أي إني لم أعطها لك لتلبسها، وإنما لتستفيد منها. " فكساها عمر أخا له " من أمه " بمكة " أي مقيماً بمكة " مشركاً " وهو عثمان بن حكيم.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يسن التجمل يوم الجمعة بأحسن الثياب كما ترجم له البخاري لقول عمر: لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، ولحديث أبي سعيد ﵁ " من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواكُ وأن يلبس من صالح ثيَابه وأن يطّيب بطيبٍ ". ثانياً: تحريم الحرير على الرجال. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " لو اشتريت هذه فلبستها ".
٣٣٥ - " باب السواك يوم الجمعة "
٣٩٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرضهم بالسواك مَعَ كل صلاة " قال العلامة الدهلوي: أي لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطاً للصلاة كالوضوء، وقال العيني: المعنى: لولا مخافة أن أشق عليهم لأمرتهم -به- أمر إيجاب. ومعنى قوله " مع كل صلاة " أي قبل الشروع
стр. 642
٣٩٦ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " أكثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ ".
٣٣٦ - " بَابُ مَا يُقْرأُ في صَلَاةِ الْفَجرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
٣٩٧ - عن أبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:
"كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرأ في الْجُمُعَةِ في صَلَاةِ الْفَجْرِ (الم (١) تَنْزِيلُ)
ــ
في أي صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، ويندرج في عموم ذلك صلاة الجمعة.
الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " مع كل صلاة " فيدخل في ذلك الجمعة كما أفاده العيني.
٣٩٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " أكثرت عليكم في السواك " أي: أمرتكم بالسواك في أحاديث كثيرة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: من حيث إن المبالغة في الأمر بالسواك يقتضي دخول يوم الجمعة.
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: مشروعية المواظبة على السواك عند كل صلاة، وأنه سنة مؤكدة عند القيام، وقبل تكبيرة الإِحرام، كما يستحب عند الوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم. وروي عن إسحاق وداود الظاهري أن السواك واجب لورود الأمر به في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " عليكم بالسِّواك " أخرجه أحمد. ولكنِ حديث الباب نص صريح في عدم وجوبه، لأنه كما قال الشافعي لو كان واجباً لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق. ثانياً: أنه يسن السواك يوم الجمعة كما ترجم له البخاري حيث إنه داخل في عموم هذه الأحاديث، والله أعلم.
٣٣٦ - " باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة "
٣٩٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: "كان
стр. 643
وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) ".
٣٣٧ - " بَابُ الْجُمُعَةِ في الْقُرَى وَالمُدُن "
٣٩٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
" إِنَّ أولَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمعةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ في مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْس بِجُواثَى مِنَ البَحْرينِ ".
ــ
النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر (الم (١) تَنْزِيلُ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) إلخ " أي يواظب على قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
ويستفاد منه: استحباب قراءة (ألم) السجدة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) في فجر الجمعة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بذلك. وفي رواية أشهب أنه كرهه إلاّ أن يكون من خلفه قليلاً لا يخاف أن يخلط عليهم فيركعوا عند سجوده. وكره الحنفية قراءة شيء من القرآن مؤقتاً السجدة أو غيرها كما أفاده العيني، وقال الطحاوي: إنما يكره إذا رأى القراءة بغيرها مكروهة أما إذا قرأها تأسياً بالنبي ﷺ فلا كراهة. والمطابقة: في كونه ﷺ كان يقرأ في فجر الجمعة بسورة (ألم) السجدة و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ).
٣٣٧ - " باب الجمعة في القرى والمدن "
٣٩٨ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " إنَّ أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله في مسجد عبد القيس " أي أن أول جمعة اجتمع عليها المسلمون وشهدها الناس بعد الجمعة التي صلاها الصحابة لأول مرة في المسجد الشريف بالمدينة هي الجمعة التي أقيمت في
стр. 644
٣٣٨ - "بَابُ هَلْ عَلَى مَنْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْل مِنَ النِّسَاءِ والصبيَانِ وَغَيْرِهِمْ "
٣٩٩ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
سمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ".
ــ
مسجد عبد القيس القبيلة العربية " بجواثي " بضم الجيم وتخفيف الواو والثاء المثلثة والقصر " بالبحرين " أي في قرية جواثى الواقعة في البحرين. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود.
ما يستفاد من الحديث: ويستفاد منه مشروعية إقامة الجمعة في القرى إذا كان فيها أربعون رجلاً مقيمين، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تصح الجمعة إلاّ في مصرٍ جامعٍ، وفي مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في منى إذا كان الأمير أمير الحج، أو كان الخليفة، وقال مالك: كل قرية فيها جماعة وسوق فالجمعة واجبة كما أفاده العيني. والمطابقة: في كون الجمعة أقيمت بجواثى وهي قرية.
٣٣٨ - " باب هل على من يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم "
٣٩٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " من جاء منكم الجمعة " أي كل من أراد منكم أن يشهد صلاة الجمعة " فليغتسل " أي فإنّ عليه أن يغتسل، وهو مأمور بذلك شرعاً على وجه الندب والاستحباب، لا على سبيل الفرض والإِيحاب، سواء كان ممن تجب عليه الجمعة، أو ممن لا تجب عليه كالنساء والصبيان مثلاً.
ويستفاد منه: أنه يسن لمن أراد أن يشهد الجمعة من النساء والصبيان
стр. 645
أن يغتسل لها، كما يسن ذلك للرجال، لعموم هذا الحديث. لكن جاء في حديث أبي سعيد تخصيص الاغتسال بالرجال البالغين حيث قال: " غسل الجمعة واجب على كل محتلم ". وقد جمع النووي بين الحديثين فقال: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أو لا. وحديث: " إذا جاء أحدكم " .. ظاهر في أنه لمن أرادها سواء البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما إنّ الغسل يستحب لكل مريد للجمعة، ويتأكد في حق الذكور أكثر من النساء، ويتأكد في حق البالغين أكثر من الصبيان (١). اهـ. ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه يسن الغسل لكل من أراد حضور الجمعة ممن لا تجب عليه، كالنساء والصبيان والمسافرين وغيرهم. وأن هذا الغسل سنة مطلقاً لكل من أَتى الجمعة، سواء كانت تلزمه أم لا، وأنه لصلاة الجمعة لا ليوم الجمعة، فلا يشرع لمن لا يريد حضورها، وإنما اختلفوا في وقته. قال القسطلاني (٢): وقد علم من تقييد الغسل بالمجيء، أن الغسل للصلاة، لا لليوم، وهو مذهب الشافعي (٢) ومالك وأبي حنيفة (٣) فلو اغتسل بعد الصلاة؛ لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشافعية والحنفية، خلافاً للمالكية والأوزاعي، وفي حديث اسماعيل بن أمية عن نافع عند أبي عوانة وغيره؛ كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة؛ جاءوا وعليهم ثياب متغيرة فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. واستدل به المالكية في أنه لا بد أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب، لئلا يفوت الغرض، وهو وقاية الحاضرين من التأذّي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص بمن تلزمه. اهـ. وقال ابن قدامة
стр. 646
في " المغني " (١): وإن أتاها أي الجمعة من لا تجب عليه؛ استحب له الغسل لعموم الخبر. ووجود المعنى فيه - أي لعموم قوله ﷺ : " من أتى الجمعة فليغتسل ". " أما المالكية؛ فقد قال خليل: " وسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِرَوَاح، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ " أي ولو لم تلزمه الجمعة وقال في " سراج السالك " (٢): " ويسن " أي الغسل " لمصلي الجمعة ولو لم تجب عليه كالنساء أو الصبيان أو العبيد غسلاً كغسل الجنابة، ويشترط لصحته أن يكون متصلاً بالرواح، أي: بالذهاب إلى الجامع، ويغتفر الفعل اليسير بقدر لبس الثياب والوضوء وما أشبه، فإن نام في بيته بعد اغتساله اختياراً ولو قل، أو اضطراراً وطال بطل غسله وأعاد استناناً، وبطل غسله أيضاً إن تغدى بعده، واحترزنا بقولنا (فإن نام في بيته) عما إذا نام بعد اغتساله في المسجد، فلا يبطل غسله، وكذا لا يبطل إن تناول قليل طعام أو شراب احتاج إليه. أما الشافعية فقد قال النووي (٣): ". ومذهبنا المشهور أنه يستحب -أي الغسل- لكل مريد لها - وفي وجه لأصحابنا يستحب للذكور خاصة، وفي وجه يستحبُ لمن يلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد والمسافرين، ووجه يستحب لكل أحد يوم الجمعة سواء أراد حضور الجمعة أم لا. كغسل يوم العيد، والصحيح الأول، والله أعلم. والذي عليه الجمهور أنه لا يستحب الغسل لمن لا يأتي الجمعة، فلا غسل على من لا تجب عليه الجمعة إذا لم يشهدها، ولا على من تجب عليه إذا لم يرد حضورها لعذر. قال ابن قدامة: ومن لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه، وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر. وكان طلحة يغتسل، وروي عن مجاهد وطاووس (٤). الحديث: أخرجه الخمسة، ولم
стр. 647
٣٣٩ - " بَاب مِنْ أيْنَ تؤتي الْجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تجِبْ "
٤٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
كانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ والْعَوَالِي فَيَأتُونَ في الغُبَارِ، فَيُصيبُهُمْ الغُبَارُ والْعَرَقُ، فَأتى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَان مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ".
ــ
يخرجه أبو داود. والمطابقة: في عموم قوله: " من جاء منكم الجمعة فليغتسل ".
٣٣٩ - " باب من أين تؤتي الجمعة وعلى من تجب "
٤٠٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي " أي يتناوبون على حضور صلاة الجمعة من منازلهم في العوالي فيحضرونها مناوبة، لأنّها لا تجب عليهم لكونهم خارج المصر (١) " فيصيبهم الغبار والعرق " لبعد المسافة ومشقة السير في الأراضي الوعرة " فقال النبي ﷺ لو أنكم تطهرتم " أي ليتكم اغتسلم لصلاة الجمعة، لأنه أفضل لما فيه من إزالة الرائحة الكريهة التي تؤذي الملائكة والمصلين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
ويستفاد منه: أنها لا تجب الجمعة على أصحاب الأماكن البعيدة عن الجامع لأنّها على من يسمع النداء، بدليل أن أهل العالية كانوا يتناوبون الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ ولو كانت واجبة على من بعد داره لما جاز لهم التغيب عنها. ولهذا قال أهل العلم: الجمعة واجبة على من جمع النداء، وحكاه الترمذي عن أحمد والشافعي وإسحاق وابن العربي عن مالك، واستدل بحديث ابن
стр. 648
٣٤٠ - " بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ "
٤٠١ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
" أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ ".
ــ
عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: " الجمعة على من سمع النداء " أخرجه أبو داود وقال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على ابن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. واختلفوا في الخارج عن المصر إذا سمع النداء فقال أبو حنيفة: لا تجب عليه، وقال مالك والشافعي وأحمد تجب عليه. وحدَّ مالك وأحمد بفرسخ، وأطلقه الشافعي. كما دل الحديث على استحباب غسل الجمعة وقد تقدم. والمطابقة: في قوله: " ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي.
٣٤٠ - " باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس "
٤٠١ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أنّ رسول الله ﷺ كان يصلي الجمعة حين تحل الشمس "، أي حين تميل الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب، ومعنى ذلك أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بعد الزوال، كما يصلي الظهر تماماً. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والمطابقة: في قوله: " كان ﷺ يصلّي الجمعة حين تميل الشمس ".
ويستفاد من الحديث: أنّ وقت صلاة الجمعة بعد الزوال مثل صلاة الظهر تماماً. فلا تقدم عليه؛ لقول أنس " كان ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس " فدل ذلك على أن وقت صلاة الجمعة وصلاة الظهر واحد، وهو بعد الزوال، وهذا هو قول الجمهور. وعن مجاهد وأحمد أنها تجوز قبل
стр. 649
٣٤١ - " بَابُ الْمَشْي إلى الْجُمُعَةِ "
٤٠٢ - عنْ أبِي عَبْس ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: " مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ ".
ــ
الزوال. قال ابن قدامة في " المقنع ": وروي عن عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل قال: نذهب إلى أنّها كصلاة العيد وذلك لقوله ﷺ : " إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين ".
٣٤١ - " باب المشي إلى الجمعة "
٤٠٢ - ترجمة الراوي: هو أبو عَبْسِ (بفتح العين وسكون الباء)
عبد الرحمن بن جَبْر الأنصاري البدري، توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة. وليس له. في البخاري سوى هذا الحديث الواحد.
معنى الحديث: يقول أبو عبس ﵁: " سمعت النبي ﷺ يقول: من اغبرّت قدماه في سبيل الله " أي من مشى في أي طريق يؤدي إلى طاعة الله تعالى من حج، أو عمرة، أو صلاة جماعة، أو جمعة، حتى اغبّرت قدماه من الطريق التي سار فيها " حرّمه الله على النار " أي: حرَّم الله جسده على النار، ونجاه منها، وهو أبلغ من قوله: " دخل الجنة ".
الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي والنسائي.
ويستفاد منه: فضل المشي إلى الطاعات عامة، وإلى صلاة الجمعة خاصة، لأنّها من أفضل الطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى. والمطابقة: في قوله: " من اغبّرت قدماه " لأن المشي إلى الجمعة في سبيل الله ".
стр. 650
٣٤٢ - " بَاب لَا يُقيمُ الرَّجُلُ أخاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ مَكَانهُ "
٤٥٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ:
" نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقِيمَ الرجُلُ أخَاهَُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وغَيرَهَا ".
ــ
٣٤٢ - " باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه "
٤٠٣ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مقعده " أي: من مكانه في المسجد " قلت لنافع: الجمعة " (١) أي قال ابن جريج لنافع راوي الحديث: الجمعة، يعني هذا النهي خاص بيوم الجمعة أو مطلقاً " قال: الجمعة (٢) وغيرها " أي هذا النهي عام في سائر الأيام. فلا يقم الرجل أخاه من مكانه ليجلس فيه سواء كان ذلك في يوم الجمعة أو غيرها. وفي رواية: " الجمعة " بالرفع، على أنّه مبتدأ وغيرها معطوف عليه، والخبر محذوف أي الجمعة وغيرها متساويان. والرواية المختارة بالنصب، الجمعة وغيرها بنزع الخافض.
الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يحرم إقامة الرجل من مكانه في المسجد مطلقاً. قال النووي: والنهي للتحريم، فمن سبق إلى مباح من مسجد أو غيره، يوم الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها تحرم إقامته منه. لكن يستثنى من ذلك ما لو ألِفَ موضعاً لنحو إفتاءٍ أو قراءةٍ فهو أحق به، فإن قعد فيه غيره، فله أن يقيمه. قال ابن أبي جمرة: وحكمة النهي انتقاص حق المسلم
стр. 651
٣٤٣ - " بَابُ الأذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
٤٠٤ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَة أوَّلُهُ إذَا جَلَسَ الإِمَامُ علَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ النَّبِي ﷺ وأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فلمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكثُر النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ ".
ــ
الموجب للضغائن، والحث على التواضع الموجب للمودة. ثانياً: ما ترجم له البخاري خاصة من أنّه لا يجوز للمسلم أن يقيم أخاه من مكانه في المسجد يوم الجمعة: لأنّ النهي عام في جميع الأيّام، والجمعة من ضمنها وداخل في عمومها وهو أولى. والمطابقة: في قوله: " نهى ﷺ أن يقيم الرجل أخاه ".
٣٤٣ - " باب الأذان يوم الجمعة "
٤٠٤ - معنى الحديث: يقول السائب بن يزيد ﵄:
" كان النداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي ﷺ " أي أن الأذان الذي كان موجوداً في زمن النبي ﷺ وخليفتيه لصلاة الجمعة أذان واحد يقام عند جلوس الإِمام على المنبر. وهل كان بين يديه أو على المئذنة " المنارة " اختلفت الروايات في ذلك " فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث " أي زاد النداء الذي يقام اليوم على المنائر، وسماه الثالث، لأنه عدَّ الإِقامة نداءاً " على الزوراء " أي وكان يقام على الزوراء (بفتح الزاي وسكون الواو) قال البخاري: وهو موضع بسوق المدينة.
وذكر فضيلة الشيخ عطية سالم: أنه في موضع المسجد المعروف بمسجد السيدة
стр. 652
٣٤٤ - " بَابُ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
٤٠٥ - عن السَّائبِ بن يَزِيدَ ﵄ قَالَ:
" لَمْ يَكُن لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّن غَيْرَ وَاحِدٍ، وكانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ " يَعْنِي علَى المِنْبَرِ.
ــ
فاطمة الكائن بباب المصري (١). الحديث: أخرجه أيضاً أصحاب السنن.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لم يكن لصلاة الجمعة على عهد النبي ﷺ وصاحبيه سوى أذان واحد عند جلوس الإمام على المنبر، وأن الأذان الذي يقام اليوم على المنائر أحدثه عثمان ﵁، ومن ثمَّ اختلف العلماء فيه، فذهب مالك (كما رواه عنه (٢) ابن عبد الحكم) إلى أنّ الأذان واحد فقط بين يدي الإِمام، ونص عليه الشافعي. وذهب الحنفية إلى مشروعية الأذان الذي أحدثه عثمان لموافقة الصحابة عليه. ثانياً: مشروعية جلوس الإِمام على المنبر، ولا خلاف فيه. والمطابقة: في كون الحديث بمنزل الجواب للترجمة
٣٤٤ - " باب المؤذن الواحد يوم الجمعة "
٤٠٥ - معنى الحديث: يقول السائب ﵁: " لم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد " وهو بلال ﵁ أي أنه كان ينفرد بالأذان لصلاة الجمعة فلا يشاركه غيره، ولا يؤذِّن إلاّ أذاناً واحداً، ولا يؤذِّن بعده أحد غيره.
ويستفاد منه: أن يكره تعدد المؤذنين في يوم الجمعة وغيرها، خلافاً لما ذهب إليه ابن حبيب من أنه إذا رقى الإمام المنبر أذن المؤذنون واحدًا بعد
стр. 653
٣٤٥ - " بَابٌ يُجِيبُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذا سَمِعَ النِّدَاءَ "
٤٥٦ - عنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أنَّهُ جَلَسَ علَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأنَا، قَالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأنَا، فَلَمَّا أنْ قَضَى التَّأذِينَ، قَال: يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي.
ــ
واحد، فإذا فرغ الثالث قام الخطيب. الحديث: أخرجه البخاري.
والمطابقة: في قوله: " لم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد ".
٣٤٥ - " باب يجيب الإِمام على المنبر إذا سمع النداء "
٤٠٦ - معنى الحديث: أن معاوية ﵁ " جلس على المنبر يوم الجمعة، فلما أذّن المؤذن قال: الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر " أي أن معاوية لما جلس الجلسة الأولى على المنبر، وأذن المؤذن بين يديه أجاب المؤذن في التكبير بمثل قوله حرفياً، وأجابه في الشهادتين بقوله: وأنا " فلما أن قضى التأذين " أي فلما انتهى الأذان، قال: " سمعت رسول الله ﷺ " أي بنفسي " يقول ما سمعتم " أي أخبر الناس أنّه رأى النبي ﷺ يفعل مثل فعله. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يُسن للخطيب إجابة المؤذن بين يديه.
ثانياًً: أنه يجوز للخطيب أن يكلم الناس أثناء الخطبة في أي مسألة شرعية.
ثالثاً: مشروعية الجلسة الأولى التي قبل الخطبة. والمطابقة: في كون معاوية كلم الناس أثناء الخطبة.
стр. 654
٣٤٦ - " بَابُ الخطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ "
٤٠٧ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
"كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ، سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أصْوَاتِ الْعِشَارِ، ْ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ".
ــ
٣٤٦ - " باب الخطبة على المنبر "
٤٠٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كان جذع يقوم عليه النبي ﷺ " أي كان في المسجد جذع نخلة يقف عليه النبي ﷺ أثناء خطبته، " فلما وضع له المنبر، سمعنا للجذع مثل أصوات العشار " أي فلما فارقه النبي ﷺ ، وانتقل إلى المنبر الخشبي الذي صنع له، حزن الجذع، وصرنا نسمع له صوتاً حزيناً مثل أصوات العشار (بكسر العين) أى: مثل خوار الناقة عند حنينها إلى ولدها إذا ابتعد عنها، وذلك من شدة حزنه على فراق النبي ﷺ . الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الخطبة على المنبر يوم الجمعة، لأن النبي ﷺ صنع له منبر بأمره ﷺ ووضع له، وكان يخطب عليه كما يدل عليه الحديث. ثانياً: أن من معجزاته المادية الظاهرة حنين الجذع إليه ﷺ قال عياض: والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه بضعة عشر صحابياً. وفي رواية " والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة حزناً على رسول الله ﷺ . والمطابقة: في قوله: " فلما وضع له المنبر".
***
стр. 655
٣٤٧ - " بَابُ الْخطْبَةِ قَائِمَاً "
٤٠٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمَاً، ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفعَلُونَ الآنَ ".
ــ
٣٤٧ - " باب الخطبة قائماً "
٤٠٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان النبي ﷺ يخطب قائماً " أي كان ﷺ طوال حياته يخطب وهو واقف، لم يعرف عنه أنّه خطب جالساً، وكذلك كانت سنة الخلفاء الراشدين من بعده، حتى اشتد القيام على عثمان، فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، كما في حديث قتادة " ثم يقعد " أي ثم يجلس ﷺ الجلوس الوسط، " ثم يقوم " للخطبة الثانية " كما تفعلون الآن " أي مثل ما تفعلون في زمانكم هذا فيؤدّي الخطبتين قائماً.
ويستفاد منه: أولاً: مشروعية خطبة الجمعة قائماً، وهو السنة الثابتة عن النبي ﷺ التي داوم عليها طوال حياته، كما دل عليه حديث الباب.
وأما ما ثبت عن معاوية أنه كان يجلس في الخطبة الأولى، فقد تبين أنه لعذر شرعي. والقيام في الخطبة شرط عند الشافعي، فرض عند مالك، سنة عند الحنفية كما أفاده القاري. وقال الحافظ: هو عند مالك في رواية إنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة. وعند الباقين، أي الشافعي وأحمد: القيام للخطبة يشترط للقادر على القيام واستُدِلَّ للأوّل، أي: لمن قال: إنه سنة، بحديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا، واستدل للجمهور بحديث جابر بن سمرة: "أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً،
стр. 656
٣٤٨ - " بَاب مَنْ قَالَ فِي الْخطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أمَّا بَعْد "
٤٠٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أتِيَ بِمَالِ أو بسَبْيٍ، فَقَسَمَة، فَأعْطى رِجالاً، وَتَرَكَ رِجَالاً، فَبَلَغَه أنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبوا، فَحَمِدَ اللهَ، ثمَّ أثْنَى عَلَيْهِ، ثم قَالَ: " أمَا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأعْطِي الرَّجلَ، وأدَعُ الرَّجلَ، والَّذِي أدَعَ أحبُّ إِليَّ مِنَ الَّذِي أعْطِي،
ــ
ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن أنبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب" أخرجه مسلم. ثانياًً: مشروعية الجلوس الوسط بين الخطتين الأولى والثانية، ويؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى عن ابن عمر قال: " كان رسول الله ﷺ يخطب خطتين يقعد بينهما ". قال العيني: واستُدل به على مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فذهب الشافعي إلى أن ذلك على سبيل الوجوب، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنّها سنة، وليست بواجبة كجلسة الاستراحة. الحديث: أخرجه مسلم والترمذي وأحمد والطبراني والبخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.
٣٤٨ - " باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد "
٤٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن تغلب ﵁: " أن النبي ﷺ أتي بمال أو بسبي " وهو ما يؤخذ من العدو من الأسرى عبيداً أو إماءً " فقسمه، فأعطى رجالاً، وترك رجالاً " أي: فأعطى بعض الناس تأليفاً لقلوبهم، وترك البعض الآخر ثقة بهم، لما منحهم الله من قوة الإِيمان واليقين، " فبلغه أن الذين لم يعطهم عتبوا " أي لاموا عليه فيما بينهم، " فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد " أي ثم قال قبل الشروع في الموضوع الذي أراد الحديث عنه: " أما بعد " وهي كلمة يؤتى بها للفصل
стр. 657
وَلَكِنْ أعْطِي أقْوَاماً لما أرَى في قُلُوبِهِمْ منَ الْجَزَعِ والْهَلَعِ، وأكِل أقواماً إِلى مَا جَعَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى والْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بن تَغْلِبَ"، فَوَاللهِ مَا أحبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ الله ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ.
٤١٠ - عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁:
أنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أمَّا بَعْدُ ".
ــ
بين المقدمة والوضوع، ولذلك تسمى " فصل الخطاب " فأقول: " والله إني لأُعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحبّ إلي " أي: والذي أتركه أحبُّ إلى نفسي ممن أعطيه، " ولكني أُعطي أقواماً لما أرى في قلوبم من الجزع والهلع " أي: من شدة الألم والضجر الذي يصيب نفوسهم لو لم يعطوا من الغنيمة، فأعطيهم تأليفاً لقلوبهم، وتطييباً لنفوسهم، " وأكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى " أي: وأترك أقواماً فلا أعطيهم لأني أكلُهُمْ إلى ما وضع الله في قلوبهم من القناعة وغنى النفس، " والخير " أي وقوة الإِيمان واليقين " فيهم عمرو بن تغلب، فوالله ما أحب أنّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم " أي: فقال عمرو: أقْسم بالله لا أرضى بهذا الثناء الذي كرّمني به النبي ﷺ بديلاً ولو أعطيت أنفس أموال العرب التي هي الجمال الحمر. الحديث: أخرجه البخاري، وهو من أفراده كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: " ثم قال أما بعد ".
٤١٠ - معنى الحديث: يحدثنا أبو حميد ﵁: " أن رسول الله ﷺ قام عشية " أي قام يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم بعد الزوال، وذلك " بعد الصلاة " أي بعد صلاة الظهر أو العصر، " فحمد الله وأثنى عليه " في خطبته " ثم قال: أما بعد " فأتى بهذه الكلمة، ليفصل بها بين
стр. 658
٤١١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطِّفاً مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وأثنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أيّهَا النَّاسُ إِلَيَّ، فَثَابُوا إِلَيْهِ (١)، ثُمَّ قَالَ: أما بَعْدُ: فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الإِنْصَارِ يَقِلُّونَ ويَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَليَ شَيْئَاً مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أنْ يَضُرَّ فيهِ أحَدَاً، أو يَنْفَعَ فِيهِ أحدَاً، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ.
ــ
مقدمة الخطبة وموضوعها، لأنها فصل الخطاب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضاً. والمطابقة: في قوله: " ثم قال: أما بعد ".
٤١١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: هنا حديثاً في حق الأنصار سمعه من النبي ﷺ في آخر حياته عندما خرج إلى الناس أثناء مرضه فيقول: " صعد النبي ﷺ المنبر، وكان آخر مجلس جلسه " على المنبر في حياته " متعطفاً بملحفة " أي: مرتدياً إزاراً كبيراً " قد عصب رأسه بعصابة في دسمة " (بكسر السين) أي بعصابة سوداء، " فحمد الله وأثنى عيه ثم قآل: أيها الناس إليَّ " أي اجتمعوا إليَّ واقتربوا مني، " ثم قال أمّا بعد فإن هذا الحي من الأنصار " أي من الأوس والخزرج " يقلون " لكثرة من يستشهد منهم في الحروب الإسلامية كحرب مسيلمة الكذاب وغيره، " فمن ولي شيئاً من أمة محمد ﷺ " أي فمن ولي منكم الإمارة أو القضاء أو الشرطة " فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم " أي فليكافىء المحسن، ويعفو عن المسيء. الحديث: أخرجه أيضاً الترمذي. والمطابقة: في قوله: " ثم قال أمّا بعد ".
стр. 659
٣٤٩ - " بَاب إِذَا رَأى الإمَامُ رَجُلاً جَاءَ وَهُوَ يَخطُبُ أمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ "
٤١٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
جَاءَ رَجُل والنَّبِي ﷺ يَخْطبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: " أصلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: " قُمْ فارْكَع ".
ــ
ويستفاد ما يأتي: أولاً: وصية النبي ﷺ بالأنصار بالعفو عن مسيئهم، ومكافأة محسنهم. ثانياً: إخباره ﷺ عن قلة الأنصار، وهذا من معجزاته الظاهرة. ثالثاً: أنه يسن الفصل بين المقدمة وموضوع الخطة بقول: أما بعد، وهو ما ترجم له البخاري.
٣٤٩ - " باب إذا رأى الإِمام رجلاً جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين "
٤١٢ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " جاء رجل " وهو سليك الغطفاني " والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان " يعني أصليت تحية المسجد " قال: لا قال: قم فاركع " أي: فصَلِّ تحية المسجد ركعتين خفيفتين، لقوله ﷺ في رواية أخرى: " قم فاركع ركعتين " وفي رواية سفيان " وتجوز فيهما " أي خففهما لئلا تفوتك الخطبة.
الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن للخطيب إذا رأى رجلاً دخل أثناء خطبة الجمعة ولم يصل تحية المسجد أن يأمره بها، كما أن له أن يأمر وينهى، ويبين الأحكام، ولا يقطع ذلك التوالي (١) المشروط في الخطبة. ثانياً: أن
стр. 660
٣٥٠ - " بَابُ الاسْتِسْقَاءِ في الْخطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
٤١٣ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:
أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَة عَلَى عَهْدِ النَّبِي ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ في يْومِ جُمُعَةٍ، قَامَ أعْرَابِيٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيَالُ، فادْعُ اللهَ لَنَا، فرَفَعَ يَدَيه، ومما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً، فوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حتَّى ثَارَ السَّحَابُ أمثَالَ الْجِبَالِ، ثم لَمْ ينْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأيْتُ الْمَطر يَتَحَادَرُ على لِحْيَتهِ ﷺ ، فمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ،
ــ
الداخل للمسجد أثناء الخطبة يستحب له أن يصلي تحية المسجد، ويخففها وجوباً ليسمع الخطبة، فيقتصر على واجباتها. وهو مذهب الشافعية والحنابلة قال الترمذي (١): وقال بعضهم: إذا دخل الجامع والإِمام يخطب فإنّه يجلس ولا يصلي، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. اهـ. وبه قال مالك والليث وأبو حنيفة كما أفاده القاضي عياض. والمطابقة: في قوله: " قم فاركع ".
٣٥٠ - " باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة "
٤١٣ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " أصابت الناس سنة " أي قحط ومجاعة بسبب انقطاع المطر وموت الكلأ والعشب، " فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله: هلك المال " أي: ماتت الماشية بسبب انقطاع الأمطار، لأنه معظم المال كان عند العرب يعتمد على الثروة الحيوانية، " فرفع يديه، وما في السماء قزعة " بفتح القاف والزاي، أي: ليس في السماء قطعة من سحاب، "ثم لم ينزل عن منبره
стр. 661
ومِنَ الْغَدِ، وبَعْدَ الْغَدِ، والَّذِي يَلِيهِ، حتىَّ الْجُمُعَةِ الأخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الإِعْرَابِيُّ، أوْ قَالَ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْه فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، فما يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى نَاحِيةٍ من السَّحَابِ إلَّا انْفَرَجْت، وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ (١)، ولم يَجِيءْ أحَدٌ منْ نَاحِيةٍ إلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ (٢).
ــ
حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته" أي: يتقاطر عليها، " وقام ذلك الأعرابي " بعد أن استمر المطر أسبوعاً كاملاً، " فقال: يا رسول الله تهدم البناء " أي سقطت المنازل بسبب كثرة الأمطار واستمرارها، " فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا " أي: اللهم أنزل الأمطار في ضواحي القرى والمدن، بعيدة عن الدور والمنازل، " فما يشير إلى ناحية من السحاب إلّا انفرجت " أي: تكشف السحاب عنها " وصارت المدينة مثل الجوبة " بفتح الجيم وسكون الواو، أي: مثل الحوض المستدير الخالي من الماء.
ويستفاد منه: مشروعية الاستسقاء أثناء خطة الجمعة عند الحاجة إليه.
وكذلك رفع اليدين عند الدعاء، وكرهه مالك، وأجازه غيره لحديث سلمان: " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً " أخرجه الترمذي. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فرفع يديه " أي: فرفع يديه يستسقي ويدعو الله بنزول الغيث.
...
стр. 662
٣٥١ - " بَابُ الإِنصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ "
٤١٤ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجمعَةِ أنصِتْ والإِمَام يَخْطب، فَقَدْ لَغَوْتَ ".
٣٥٢ - " بَابُ السَّاعَةِ الَّتِي في يَوْمِ الْجمعَةِ "
ْ٤١ - وَعَنْ أبِي هرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْة:
أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمعَةِ، فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لا توَافِقهَا
ــ
٣٥١ - " باب الإِنصات يوم الجمعة والإِمام يخطب "
٤١٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت " أي: إذا رأيت مَنْ بجانبك يتحدث أثناء الخطبة، وقلت له: اسكت، فقد أسأت الأدب، وارتكبت مخالفة تأثم عليها. وحُرِمْتَ فضيلة الجمعة، ونقص ثوابك عليها.
ويستفاد منه: وجوب الإِنصات أثناء خطبة الجمعة، وتحريم الكلام عندها، لأنه ﷺ سمّى ذلك لغواً. واللغو هو كل عمل باطل يأثم عليه فاعله، وهذا يعني أن الحديث أثناء الخطبة مخالفة شرعية محرّمة، وقد أمر الله تعالى بالإنصات إلى الخطبة في قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) واختار ابن جرير أن المراد بالقرآن خطبة الجمعة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة، لأن تحريم الكلام يستلزم وجوب الإِنصات.
٣٥٢ - "باب الساعة التي في يوم الجمعة"
٤١٥ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ تحدث عن فضائل يوم الجمعة
стр. 663
عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأل اللهَ تَعَالَى شَيئَاً، إلَّا أعْطَاهُْ إيَّاهُ" وَأشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا.
٣٥٣ - " بَابٌ إذَا نفَرَ الناسُ عنِ الإِمَامِ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلاةُ الإِمَامِ ومَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ "
٤١٦ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَاماً، فالْتَفَتُوا
ــ
ومزاياه العظيمة فأثنى عليه وأشاد به وتطرق إلى الحديث عن الساعة المباركة الموجودة فيه " فقال: فيه ساعةٌ لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي " أي وهو متوجه إلى الله يدعوه بخالص الدعاء، فإن المراد بالصلاة هنا الدعاء، كما رجحه الزرقاني " يسأل الله شيئاً إلا أعطاه " أي إلاّ استجاب له.
الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.
ويستفاد من الحديث: وجود ساعة مباركة في يوم الجمعة، يستجاب فيها الدعاء، ولم يعيّن هذا الحديث وقتها. واختلفوا. فيها على أحد عشر قولاً، أرجحها كما قال ابن القيّم - قولان: أحدهما: أنها من جلوس الإِمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة. الثاني: أنها آخر ساعة بعد العصر (١). والمطابقة: في قوله: " فيه ساعة ... " إلخ.
٣٥٣ - " باب إذا نفر الناس عن الإِمام في صلاة الجمعة فصلاة الإِمام ومن بقي جائزة "
٤١٦ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " بينما نحن نصلي
стр. 664
إِلَيهَا حَتَّى مَا بَقِىَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثنا عَشَرَ رَجُلاً، فنزَلَتْ هذه الآيةُ (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا). ــ
مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً" أي لم يشعروا وهم يصلون الجمعة خلف النبي ﷺ إلاّ وقد وصلت إلى المدينة قافلة تجارية، تحمل بعض السلع التموينية من حبوب وحبوب وزيوتٍ ونحوها (١)، " فالتفتوا إليها " فتركوا الصلاة، وانصرفوا إليها. " حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلاّ اثنا عشر رجلاً " قال الحافظ: واتفقت الروايات كلُّها على اثني عشر رجلاً، إلاّ ما رواه علي بن أبي عاصم، فقال: " إلاّ أربعين رجلاً " أخرجه الدارقطني، وعلي بن أبي عاصم، ضعيف. " فنزلت هذه الآية (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) " أي وإذا رأوا قافلة تجارية، وشاهدوا الطبول تبشر بها، (انْفَضُّوا إِلَيْهَا) أي انصرفوا إليها (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) في صلاة الجمعة وحولك القليل، ومنهم أبو بكر وعمر ﵄. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه لا يشترط في صحة صلاة الجمعة استمرار العدد الذي تنعقد به إلى آخر الصلاة. فإذا نفر الناس عن الإمام أثناءها فإنه يتمها بمن معه، وصلاتهم صحيحة، وهو مذهب محمد وأبي يوسف، وإن بقي وحده، وبه قال المزني من الشافعية. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنهم إذا تفرقوا بعد الافتتاح وقبل الركوع جعلها ظهراً، أمّا إذا تفرقوا بعد الركوع، فقال سحنون: يتمها ظهراً، أو يجعلها نافلة، وقال أشهب: يتمها جمعة.
وقال أحمد والشافعي يتمها ظهراً متى نقص العدد عن الأربعين، سواء انفضوا قبل الركوع أو بعده. ثانياً: استدل به مالك على أن أقل ما تنعقد به الجمعة
стр. 665
٣٥٤ - " بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وقَبْلَهَا "
٤١٧ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
" أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ في بَيْتهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ".
ــ
اثنا عشر رجلاً. وقال أبو حنيفة: ثلاثة، وقال الشافعي: أربعون رجلاً.
والمطابقة: في كونه ﷺ أتم الجمعة بعد أن تفرقوا عنه.
٣٥٤ - " باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها "
٤١٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين " أي يصلّي سنة الظهر القبلية ركعتين، وسنتها البعدية ركعتين، " وبعد المغرب ركعتين في بيته " أي: وكان يصلّي سنة المغرب البعدية في بيته ركعتين، " وبعد العشاء ركعتين "، أي ويصلي بعد العشاء ركعتين، " ولا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين " أي: وكان يصلّي سنة الجمعة البعدية في بيته ركعتين لا في المسجد.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به بعض أهل العلم على أن للجمعة سنة قبلية قياساً على الظهر، لأن النبي ﷺ كما في هذا الحديث كان يصلّي قبل الظهر ركعتين، وإذا ثبت أن للظهر سنة قبلية، فكذلك للجمعة، فهي مثلها، ولا فرق بينهما، وهو المشهور من مذهب الشافعية، حيث قالوا: تسن ركعتان قبل الجمعة كما تسن قبل الظهر عملاً بهذا الحديث، وبحديث ابن عمر "أنه ﵁ كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويحدث أن رسول
стр. 666
الله ﷺ كان يفعل ذلك" أخرجه أبو داود، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس ﵄ " أنه ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن " أخرجه ابن ماجة. وذهب الجمهور إلى أنّه لا سنة قبل الجمعة، قالوا: والمراد بحديث ابن عمر وقوله: " كان يفعل ذلك " أن النبي ﷺ كان يكثر من النافلة قبل الزوال، لا أنه كان يصلي سنةً قبل الجمعة، لأن الثابت عنه ﷺ أنّه لا يخرج إلى المسجد إلاّ بعد الزوال فإذا وصل صعد المنبر حالاً.
وكان ﷺ يصلي بعد الجمعة أربعاً في المسجد، أو ركعتين في بيته. وأما حديث ابن عباس؛ فهو مسلسل بالضعفاء، كما أفاده في " المنهل العذب ".
ثانياً: مشروعية السنة البعدية للجمعة، وهو مذهب الجمهور. وأقلُّها ركعتان عند الحنابلة والشافعية، وأكثرها أربع عند الشافعية وست عند الحنابلة. وقالت الحنفية: هي أربع ركعات. وقالت المالكية: ليس للجمعة سنة بعدية.
الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " كان يصلّي قبل الظهر ركعتين " قياساً للجمعة على الظهر.
***
стр. 667
" أبواب صلاة الخوف "
٣٥٥ - " بَابٌ "
٤١٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: " غزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَل نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصافَفْنَا لَهُمْ، فَقامَ رَسُولُ اللهَ ﷺ
ــ
" أبواب صلاة الخوف "
وهو نوعان: خوف يمنع من إتمام هيئة الصلاة، ويكون عند الإِلتحام، فيؤخر المجاهدون الصلاة إلى آخر الوقت، ثم يصلونها مشاة أو ركباناً، يومئون في الركوع والسجود. وخوف من مفاجأة العدو فيجوز الصلاة أفذاذاً أو فيؤدون على طريقة صلاة الخوف المشروعة في كل قتال مشروع، سواء كان جهاداً أو قتالاً للمحاربين، وفي كل صلاة مكتوبة، جمعة أو الصلوات الخمس.
أما حكمها واستمراره وبقاء مشروعيتها: فقد قال ابن قدامة: جمهور العلماء متفقون على أنّ حكمها باق بعد النبي ﷺ ، وقال أبو يوسف: إنّما كانت تختص بالنبي ﷺ لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) الآية. اهـ. قال ابن العربي المالكي: كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده. وقال ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم وصلاة الخوف رخصة شرعية، كما قال خليل، وقيل واجبة كما في " الرسالة "، وقيل سنة كما في " أقرب المسالك "، وهي عند الجمهور رخصة جائزة مشروعة باقية إلى قيام الساعة.
والحكمة فيها: المحافظة على أداء الصلاة جماعة مع اتخاذ الحيطة اللازمة من العدو، بحيث لا تُتْرَك له فرصة الانقضاض على المجاهدين أثناء صلاتهم.
٣٥٥ - " باب "
٤١٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجد " أي خرجت مع النبي ﷺ إلى غزوة جهة
стр. 668
يصَلِّي لَنَا، فقامَتْ طَائِفَةٌ مَعَة تصَلِّي، وأقْبَلَتْ طَائِفَةٌ علَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسول اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَه، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم انْصَرَفوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ التي لم تصَلِّ، فجاءوا فركع رَسولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وسجدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فرَكَعَ لِنَفْسِهِ ركعَة، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ".
ــ
نجد، وهي غزوة ذات الرقاع، " فوازينا العدو، فصاففنا لهم " أي فوقفنا أمام العدو صفوفاً منظمة مرتبة كما رتبنا النبي ﷺ ، "فقام رسول الله ﷺ يصلّي لنا " أي: فلما حضرت صلاة العصر أراد النبي ﷺ أن يصلي بنا هذه الصلاة كما تصلّى صلاةُ الخوف، " فقامت طائفة معه، فصلى وأقبلت طائفة على العدو" أي فانقسم الناس إلى طائفتين، طائفة تصلّي معه، وطائفة أخرى تقف أمام العدو للحراسة، " وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين " أي فصلّى رسول الله ﷺ بالطائفة الأولى ركعة تامة بسجدتيها " ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل " أي ثم ذهبوا ليقفوا مكان الطائفة الأخرى، ويخلفوهم في الحراسة، " فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة " أي: فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم النبي ﷺ ركعة تامّة " وسلم " من صلاته " فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة " أي فأتمّوا لأنفسهم على التعاقب.
يعنى فأتمت طائفة، والأخرى تحرس، ثم أتمت الطائفة الأخرى، قال القسطلاني: وهو الراجح من حيث المعنى، وإلّا فيستلزم ضياع الحراسة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية صلاة الخوف وهي رخصة شرعية عند الحاجة إليها حضراً أو سفراً تخفيفاً ومعونة على جهاد العدوّ، مع أداء صلاة الجماعة. ثانياً: بيان كيفية صلاة الخوف التي صلاها النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع. وقد اختار هذه الكيفية البخاري وأبو حنيفة، ورجحها
стр. 669
ابن عبد البر لقوة إسنادها. واختار الجمهور الكيفية التي رواها سهل بن أبي حثمة. وهي أنه يفرقهم الإِمام إلى طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة خلفه، فيُصلي بالتي خلفه ركعة ويثبت قائماً وتتم لنفسها الركعة الثانية بفاتحة وسورة، وتمضى للحراسة فتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية، ويجلس للتشهد وتتم لنفسها الركعة الأخيرة لها بفاتحة وسورة، ويطيل الإمام التشهد حتى يتموا فيسلم بهم. ولصلاة الخوف كيفيات كثيرة، أوصَلها بعضهم إلى سبعة عشر كلها جائزة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في دلالة هذا الحديث على كيفية صلاة الخوف.
***
стр. 670
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" أبواب العيدين "
والعيدان: هما عيد الفطر وعيد الأضحى. يبدأ تاريخهما بتاريخ الإِسلام، إذ لم يكونا معروفين في الجاهلية عند العرب، ولا عند. غيرهم، وإنما شرعا في السنة الأولى من الهجرة النبوية. قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: نلعب فيهما في الجاهلية. فقال ﷺ : "إن الله أبدلكما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر " أخرجه أبو داود. واختار الله لهما اسمين كريمين من نفس المعنى والمناسبة التي شُرعا من أجلها، فالأول عيد الفطر، لأنه يتعلق بعبادة الصوم، ويشعر بالإفطار منه، ويعلن عن الفرحة الإِسلامية بإتمامه، كما يشير إليه قوله ﷺ : " للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه " والثاني عيد الأضحى لأنه يتعلق بالأضحية. وقد شرع الله لنا هذين العيدين ليكونا بديلين عن عيد النيروز (١) والمهرجان، وهما عيدان فارسيان كانا يقامان لِإحياء الشعائر المجوسية، فأبدلهما الله بالفطر والأضحى لِإحياء الشعائر الحنيفية. وسن لنا فيهما الخروج إلى المصلى لِإظهار شوكة الإِسلام وقوته، وجلاله وأبهته في هذا المشهد العظيم، وإنما سمي العيد عيداً لأنه يعود على الناس بالفرحة والسرور، ويعود الله فيه على عباده، فيتجلى عليهم بالرحمة والغفران.