الله ﷺ كان يفعل ذلك" أخرجه أبو داود، واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس ﵄ " أنه ﷺ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن " أخرجه ابن ماجة. وذهب الجمهور إلى أنّه لا سنة قبل الجمعة، قالوا: والمراد بحديث ابن عمر وقوله: " كان يفعل ذلك " أن النبي ﷺ كان يكثر من النافلة قبل الزوال، لا أنه كان يصلي سنةً قبل الجمعة، لأن الثابت عنه ﷺ أنّه لا يخرج إلى المسجد إلاّ بعد الزوال فإذا وصل صعد المنبر حالاً.
وكان ﷺ يصلي بعد الجمعة أربعاً في المسجد، أو ركعتين في بيته. وأما حديث ابن عباس؛ فهو مسلسل بالضعفاء، كما أفاده في " المنهل العذب ".
ثانياً: مشروعية السنة البعدية للجمعة، وهو مذهب الجمهور. وأقلُّها ركعتان عند الحنابلة والشافعية، وأكثرها أربع عند الشافعية وست عند الحنابلة. وقالت الحنفية: هي أربع ركعات. وقالت المالكية: ليس للجمعة سنة بعدية.
الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " كان يصلّي قبل الظهر ركعتين " قياساً للجمعة على الظهر.
***
стр. 667
" أبواب صلاة الخوف "
٣٥٥ - " بَابٌ "
٤١٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: " غزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَل نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصافَفْنَا لَهُمْ، فَقامَ رَسُولُ اللهَ ﷺ
ــ
" أبواب صلاة الخوف "
وهو نوعان: خوف يمنع من إتمام هيئة الصلاة، ويكون عند الإِلتحام، فيؤخر المجاهدون الصلاة إلى آخر الوقت، ثم يصلونها مشاة أو ركباناً، يومئون في الركوع والسجود. وخوف من مفاجأة العدو فيجوز الصلاة أفذاذاً أو فيؤدون على طريقة صلاة الخوف المشروعة في كل قتال مشروع، سواء كان جهاداً أو قتالاً للمحاربين، وفي كل صلاة مكتوبة، جمعة أو الصلوات الخمس.
أما حكمها واستمراره وبقاء مشروعيتها: فقد قال ابن قدامة: جمهور العلماء متفقون على أنّ حكمها باق بعد النبي ﷺ ، وقال أبو يوسف: إنّما كانت تختص بالنبي ﷺ لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) الآية. اهـ. قال ابن العربي المالكي: كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده. وقال ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم وصلاة الخوف رخصة شرعية، كما قال خليل، وقيل واجبة كما في " الرسالة "، وقيل سنة كما في " أقرب المسالك "، وهي عند الجمهور رخصة جائزة مشروعة باقية إلى قيام الساعة.
والحكمة فيها: المحافظة على أداء الصلاة جماعة مع اتخاذ الحيطة اللازمة من العدو، بحيث لا تُتْرَك له فرصة الانقضاض على المجاهدين أثناء صلاتهم.
٣٥٥ - " باب "
٤١٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجد " أي خرجت مع النبي ﷺ إلى غزوة جهة
стр. 668
يصَلِّي لَنَا، فقامَتْ طَائِفَةٌ مَعَة تصَلِّي، وأقْبَلَتْ طَائِفَةٌ علَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسول اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَه، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم انْصَرَفوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ التي لم تصَلِّ، فجاءوا فركع رَسولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وسجدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فرَكَعَ لِنَفْسِهِ ركعَة، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ".
ــ
نجد، وهي غزوة ذات الرقاع، " فوازينا العدو، فصاففنا لهم " أي فوقفنا أمام العدو صفوفاً منظمة مرتبة كما رتبنا النبي ﷺ ، "فقام رسول الله ﷺ يصلّي لنا " أي: فلما حضرت صلاة العصر أراد النبي ﷺ أن يصلي بنا هذه الصلاة كما تصلّى صلاةُ الخوف، " فقامت طائفة معه، فصلى وأقبلت طائفة على العدو" أي فانقسم الناس إلى طائفتين، طائفة تصلّي معه، وطائفة أخرى تقف أمام العدو للحراسة، " وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين " أي فصلّى رسول الله ﷺ بالطائفة الأولى ركعة تامة بسجدتيها " ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل " أي ثم ذهبوا ليقفوا مكان الطائفة الأخرى، ويخلفوهم في الحراسة، " فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة " أي: فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم النبي ﷺ ركعة تامّة " وسلم " من صلاته " فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة " أي فأتمّوا لأنفسهم على التعاقب.
يعنى فأتمت طائفة، والأخرى تحرس، ثم أتمت الطائفة الأخرى، قال القسطلاني: وهو الراجح من حيث المعنى، وإلّا فيستلزم ضياع الحراسة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية صلاة الخوف وهي رخصة شرعية عند الحاجة إليها حضراً أو سفراً تخفيفاً ومعونة على جهاد العدوّ، مع أداء صلاة الجماعة. ثانياً: بيان كيفية صلاة الخوف التي صلاها النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع. وقد اختار هذه الكيفية البخاري وأبو حنيفة، ورجحها
стр. 669
ابن عبد البر لقوة إسنادها. واختار الجمهور الكيفية التي رواها سهل بن أبي حثمة. وهي أنه يفرقهم الإِمام إلى طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة خلفه، فيُصلي بالتي خلفه ركعة ويثبت قائماً وتتم لنفسها الركعة الثانية بفاتحة وسورة، وتمضى للحراسة فتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية، ويجلس للتشهد وتتم لنفسها الركعة الأخيرة لها بفاتحة وسورة، ويطيل الإمام التشهد حتى يتموا فيسلم بهم. ولصلاة الخوف كيفيات كثيرة، أوصَلها بعضهم إلى سبعة عشر كلها جائزة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في دلالة هذا الحديث على كيفية صلاة الخوف.
***
стр. 670
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" أبواب العيدين "
والعيدان: هما عيد الفطر وعيد الأضحى. يبدأ تاريخهما بتاريخ الإِسلام، إذ لم يكونا معروفين في الجاهلية عند العرب، ولا عند. غيرهم، وإنما شرعا في السنة الأولى من الهجرة النبوية. قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: نلعب فيهما في الجاهلية. فقال ﷺ : "إن الله أبدلكما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر " أخرجه أبو داود. واختار الله لهما اسمين كريمين من نفس المعنى والمناسبة التي شُرعا من أجلها، فالأول عيد الفطر، لأنه يتعلق بعبادة الصوم، ويشعر بالإفطار منه، ويعلن عن الفرحة الإِسلامية بإتمامه، كما يشير إليه قوله ﷺ : " للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه " والثاني عيد الأضحى لأنه يتعلق بالأضحية. وقد شرع الله لنا هذين العيدين ليكونا بديلين عن عيد النيروز (١) والمهرجان، وهما عيدان فارسيان كانا يقامان لِإحياء الشعائر المجوسية، فأبدلهما الله بالفطر والأضحى لِإحياء الشعائر الحنيفية. وسن لنا فيهما الخروج إلى المصلى لِإظهار شوكة الإِسلام وقوته، وجلاله وأبهته في هذا المشهد العظيم، وإنما سمي العيد عيداً لأنه يعود على الناس بالفرحة والسرور، ويعود الله فيه على عباده، فيتجلى عليهم بالرحمة والغفران.
стр. 671
٣٥٦ - " بَابُ الْحِرَابِ والدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ "
٤١٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيانِ بِغَنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاش، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أبو بَكْرٍ فَانتهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَة الشيطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ
ــ
٣٥٦ - " باب الحراب والدرق يوم العيد "
أي اللعب بالحراب جمع حربة، وهي آلة حربية أصغر من الرمح، والدرق جمع درقة وهي الترس الذي يتقى به في الحروب من السيوف وغيرها.
٤١٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان " (١)، أي صبيتان، " تغنيان بغناء بعاث " (بضم الباء وفتح العين) وهو موضع في ديار بني قريظة بالمدينة فيه أموالهم، وفيه وقعت المعركة المشهورة بيوم بعاث، التي كانت فيها المقتلة العظيمة للأوس والخزرج، والتي استمرت الحرب فيها مائة وعشرين سنة، إلى ظهور الإسلام بالمدينة وهجرة خير الأنام ﷺ إليها. وموضعها في مكان المزرعة المعروفة اليوم (بالمبعوث) شرقي المدينة بقرب (العريض) أي أن الجاريتين كانتا تنشدان الأشعار الحماسية التي قيلت في المفاخرة بذلك اليوم، " ودخل أبو بكر فانتهرني " أي فأنكر عليّ ذلك الغناء، وزجرني بشدة، " وقال: مزمارة الشيطان " بحذف همزة الاستفهام أي أصوت الغناء والملاهي الشيطانية أسمعه من منزل النبي ﷺ ؟ قال العيني: قوله: " مزمارة الشيطان " يعني الغناء، أو الدف، وإضافتها إلي الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن ذكر
стр. 672
- ﷺ فَأقبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، وكانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ والْحِرَابِ ".
٣٥٧ - " بَابُ الأكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبلَ الخرُوجِ "
٤٢٠ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطر حتَّى يَأكُلَ تَمَراتٍ ".
ــ
الله، " فقال: دعهما " أي اتركهما تغنيان فإنّ هذا الغناء الحماسي لا حرج فيه، " فلما غفل " أي نام، " غمزتهما " أي أشرت إليهما بالخروج، وكان ذلك اليوم، " يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب " (١) أي يقومون فيه بألعاب الفروسية.
ويستفاد منه: مشروعية الاحتفال بالعيد، وإقامة الألعاب والرقصات الحربية فيه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " يلعب السودان بالدرق والحراب ".
٣٥٧ - " باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج "
٤٢٠ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يفطر على شيء من التمر قبل أن يذهب إلى صلاة عيد الفطر، فيقول: " كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات " (بفتح الميم) أي: لا يخرج إلى صلاة عيد الفطر حتى يأكل شيئًا من التمر. وذلك لأنّه كان أوّل الإِسلام لا يجوز الفطر إلاّ بعد صلاة العيد، ثم نسخ فأراد النبي ﷺ أن يُعلم الناس وأن يؤكد لهم تأكيداً عملياً أن ذلك قد نسخ، وأصبح
стр. 673
٣٥٨ - " بَابُ الْمَشْيِ والرُّكُوبِ إلَى الْعِيدِ، والصَّلاةُ قَبلَ الْخطْبَةِ وَبِغيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ "
٤٢١ - عن ابْنِ عَبِّاسٍ وَجَابِرٍ ﵃ قَالَا: " لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الفِطر ولا يَوْمَ الأَضْحَى ".
ــ
من السنة الإِفطار على التمر قبل صلاة العيد، ففعل ذلك بنفسه، وواظب عليه ليقتدي الناسُ به ويفعلوا مثله.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب الإِفطار قبل صلاة العيد كما ترجم له البخاري. ثانياًً: أنه يستحب الإِفطار على التمر، فإن لم يجد تمراً تناول ما يقوم مقامه. وقد استحب بعض التابعين الإِفطار على الحلو مطلقاً كالتمر والعسل والدبس كما رواه ابن أبي شيبة. ولكن للتمر مزايا لا توجد في غيره. قال ابن القيم: وأكل التمر على الريق يقتل الدود، وهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وشراب، وحلوى. ويستحب أن يأكل من التمر وتراً. أي عدداً فردياً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ... إلخ. لما جاء في حديث آخر رواه البخاري عن أنس تعليقاً قال فيه ﷺ : " يأكلهن وتراً " وإنما رواه البخاري تعليقاً لأن فيه مُرَجَّى بن رجاء، وفي الاحتجاج به خلاف عند المحدثين، كما يستحب له الشرب قبل صلاة العيد، فإن لم يفعل ذلك في بيته شرب في طريقه، أو في المصلّى إن أمكنه. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: " لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ".
٣٥٨ - " باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة "
٤٢١ - معنى الحديث: يقول جابر وابن عباس ﵃:
стр. 674
" لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى "، أي: أن صلاة العيدين كانت على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تصلّى بلا أذان ولا إقامة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قولهما: "لم يكن يؤذن يوم الفطر".
ويستفاد من الحديث: أن صلاة العيدين بلا أذان ولا إقامة، تلك هي سنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وعليها جمهور علماء المسلمين. قال مالك في " الموطأ ": سمعت غير واحد من علمائنا أي من علماء أهل المدينة يقول: لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله ﷺ إلى اليوم، وتلك السنّة التي لا اختلاف فيها، وما ذكره إمام دار الهجرة هو الذي استقر عليه الأمر، وجرى به العمل عند سلف الأمة وخلفها، أما ما حدث في عهد بني أمية من الأذان والإِقامة لصلاة العيدين فهو ظاهرة شاذة، وبدعة غريبة أنكرها الأئمة وأعلام السلف من الصحابة والتابعين. وأول من أحدث ذلك معاوية ﵁ فقد أخرج الشافعي عن الزهري أنه قال: لم يكن يؤذّن للنبي ولا لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان في العيدين فقيل: أحدث ذلك معاوية بالشام وأحدثه الحجاج بالمدينة، قال: ولا وجه لهم فيما أحدثوه لمخالفته الثابت عن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين. قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافاً. وقال بعض أصحابنا ينادى لها الصلاة جامعة. وهو قول الشافعي: وسنة رسول الله أحق أن تتبع. واحتج الشافعي بما رواه عن الزهري أن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذنين في العيدين فيقولوا: الصلاة جامعة، وهو حديث مرسل ضعيف كما أفاده في " المنهل العذب " ونقله عن النووي. والمطابقة: في قوله: " لم يكن يؤذّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى ".
***
стр. 675
٣٥٩ - " بَابُ الخطْبَةِ بَعْدَ الْعِيدِ "
٤٢٢ - عن ابن عَبَّاسِ ﵄ قَالَ:
" شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكُلُّهُمْ كانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ".
٤٢٣ - عن البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأ بِهِ في يَوْمِنَا هَذَا أنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فمن فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَتّنا، ومنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فإنمَّا هِيَ لَحْمٌ قدَّمهُ لأهلِهِ، ليسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيءٍ".
ــ
٣٥٩ - " باب الحطبة بعد العيد "
٤٢٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄:
" شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة " أي حضرت صلاة العيد مع النبي ﷺ وخلفائه الراشدين فكانوا جميعاً يصلّون صلاة العيد قبل الخطبة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " كانوا يصلون قبل الخطبة ".
٤٢٣ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: " قال رسول الله ﷺ وهو يخطب خطبة العيد، إنّ أول ما نبْدأ به في يومنا هذا " الذي هو عيد النحر " أن نصلي " صلاة العيد، " ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك " أي: فمن قدم الصلاة وأخر الخطبة " فقد أصاب سنتنا " أي فقد وافق سنة النبي ﷺ فيما فعل. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه ابن ماجة.
والمطابقة: في قوله: " إنّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي ".
стр. 676
٣٦٠ - " بَابُ فضلِ الْعَمَلِ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ "
٤٢٤ - عن ابنِ عَبَّاس ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا الْعَمَلُ في أيَّامٍ أفضَلُ مِنْهَا في هَذَا الْعَشْرِ "، قَالُوا: ولا الْجِهَادُ؟ قَالَ: " ولَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ".
ــ
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أن من السنة الإِتيان بالخطبة بعد صلاة العيد، وتقديم الصلاة عليها، وهو ما ترجم له البخاري، وانعقد عليه الإِجماع، سلفاً وخلفاً، إلاّ ما حدث من بني أمية من تقديم الخطبة، وهي بدعة أحدثها مروان بن الحكم بالمدينة حين رأى مسارعة الناس إلى الخروج (١) بعد الصلاة، لئلا يسمعوا سب عليّ في خطبة العيد على منبر النبي ﷺ .
أنكرها عليه أبو سعيد. فقال له: " غيرتم والله " أي غيرتم سنة رسول الله ﷺ "يا بني أمية". ثانياً: مشروعية النحر بعد الصلاة، وسيأتي تفصيله في موضعه.
٣٦٠ - " باب فضل العمل في أيام التشريق "
٤٢٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر " وفي رواية "ما من أيّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر " والمعنى واحد، والمراد أنّ العمل في العشر الأوائل من ذي الحجة يتضاعف أجره ما لا يتضاعف في سائر الأيام، فلا
стр. 677
٣٦١ - " بَابُ التَّكْبِيرِ أيَّامَ مِنى "
٤٢٥ - قالَ الْبُخَارِي: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنى تِلْكَ الْأَيَّامِ، وخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وعلَى فِرَاشِهِ، وفي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلكَ الأيَّامَ جَمِيعاً.
ــ
يساويه أي عمل في وقت آخر، " قالوا: ولا الجهاد " في سبيل الله، " قال: ولا الجهاد " قال الطيبي: معناه ولا الجهاد في أيام أخر أحب إلى الله من العمل في هذه الأيام، " إلاّ رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء " أي: إلاّ رجل استشهد في سبيل الله، فبذل روحه وماله إعلاءً لكلمة الله، فهو أفضل، أو فعمله أفضل. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي وابن ماجة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، وفضل العمل الصالح فيها على العمل في سائر الأيام عدا الاستشهاد في سبيل الله.
وهل هي أفضل من العشر الأواخر من رمضان؟ المختار أنّ هذه أفضل أياماً، وتلك أفضل ليال، لوجود ليلة القدر فيها. ثانياًً: استدل به البخاري على فضل أيام التشريق، لأن أولها وهو يوم العيد آخر العشر الأوائل. والسر في فضل العمل في أيام التشريق أنها أيام غفلة، والعبادات في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها. والمطابقة: في كون أول أيام التشريق آخر الأيام العشر.
٣٦١ - " باب التكبير أيام مني "
٤٢٥ - معنى الأثر: يقول البخاري في هذا التعليق الذي وصله ابن المنذر والفاكهي في " أخبار مكة ". " كان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام " أي كان ابن عمر يواظب على مواصلة التكبير في أيام منى، " وخلف الصلوات المكتوبات " أي: وكان يكبر في تلك الأيام التي هي أيام العيد بعد كل صلاة
стр. 678
٣٦٢ - " بَابُ النَّحْرِ والذَّبْحِ بالْمُصَلَّى يَوْم الْنَّحْرِ "
٤٢٦ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄:
" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ، أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى ".
ــ
مكتوبة من الصلوات الخمس، " وعلى فراشه وفي فسطاطه " أي وفي خيمته.
ويستفاد منه: أنّه يسن التكبير في أيّام العيد خلف الصلوات الخمس، لما جاء في هذا الأثر وغيره عن الصحابة رجالاً ونساءً. فقد كانت ميمونة تكبّر يوم النحر، وكان النساء يكبّرن خلف أبان بن عثمان، وخلف عمر ابن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد. ويبدأ التكبير عند أبي حنيفة من صلاة فجر يوم عرفة، وينتهي بصلاة عصر يوم النحر. وقال مالك والشافعي في أشهر أقواله: من صلاة ظهر يوم النحر إلى صلاة صبح اليوم الرابع. وقال أحمد: يكبر المحل من صلاة صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيّام التشريق ويكبر المحرم من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " كان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ".
٣٦٢ - " باب النحر والذبح بالمصلى يوم النحر "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على استحباب النحر والذبح بالمصلّى يوم النحر. والنحر يكون للإِبل في اللبة، والذبح للبقر والغنم في الحلق.
٤٢٦ - معنى الحديث: إن النبي ﷺ كان ينحر إبل الأضاحي ويذبح بقرها وغنمها في المصلّى لكى يراه الناس، فيذبحوا وينحروا بعده.
ويستفاد منه: أولاً: أنه يسن للإِمام تذكية أضحيته بالمصلى ليراه الناس
стр. 679
٣٦٣ - " بَابُ مَنْ خالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجِعَ يَوْمَ الْعِيدِ "
٤٢٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
" كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطرَّيقَ ".
ــ
فيذكوا بعده ضحاياهم. ثانياً: استدل به مالك علي أنه لا يذبح أحد ضحيته إلّا بعد ذبح الإِمام. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " ينحر أو يذبح بالمصلّى ".
٣٦٣ - " باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد "
٤٢٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق " أي: كان من سنته ﷺ التي داوم عليها في حياته أنّه كان يذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر، ليشهد له الطريقان يوم القيامة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " خالف الطريق ".
ويستفاد منه: أنه يستحب للمسلم أن يذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر، ليشهد له الطريقان، لأنّ الأرض تشهد لمن فوقها بما عمل من خير أو شر كما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) وفي الحديث أنها تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها، وقيل: يغير الطريق تفاؤلاً بتغير الحال إلى أفضل.
تتمة وتكملة: لما كان البخاري لم يعقد باباً خاصاً لبيان صلاة العيد مع أهمية هذه الصلاة، فقد رأيت أن أبين صلاة العيدين، وعدد التكبيرات فيها، فأقول: جاء في الحديث الصحيح عن عمرو بن عوف المزني أن النبي ﷺ كبّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الثانية خمساً قبل القراءة،
стр. 680
أخرجه الترمذي وحسّنه، وقال: سألت البخاري عنه فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. اهـ. ولهذا اتفق الجمهور على أنّ صلاة العيدين ركعتان يكبّر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً قبل القراءة. قال مالك: وهو الأمر عندنا، وقال الباجي: وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد إلاّ أنها عند مالك وأحمد سبعة بتكبيرة الإِحرام، وعند الشافعي سبعة سوى تكبيرة الإِحرام. واتفقوا على أنها في الثانية خمسة بعد تكبيرة القيام. وقال أبو حنيفة: التكبيرات في الأولى ثلاثة بعد تكبيرة الإحرام وفي الثانية ثلاثة بعد القراءة هذه هي كيفية صلاة العيد. أما القراءة فيها: فإنّه يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة يجهر فيها بالقراءة، وقد روى النعمان بن بشير " أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما ". قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة. وفي أخبار من أخبر بقراءة النبي ﷺ دليل على أنّه كان يجهر، ولأنّها صلاة عيد أشبهت الجمعة، والله أعلم.
***
стр. 681
أبواب الوِتْرِ
٣٦٤ - " بَابُ مَا جَاءَ في الْوِتْرِ "
٤٢٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّ رَجُلاً سَألَ رَسُولَ الله ﷺ عَن صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أحَدكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً توتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى".
ــ
" أبواب الوتر "
هو لغة الفرد، أي الشيء الواحد، أو العدد المنتهي بواحد. وقد اختلف فيه الفقهاء شرعاً، فذهب بعضهم إلى أنه ركعة واحدة، كما يدل عليه المعنى اللغوي، وذهب آخرون إلى أنّ أقله ثلاث ركعات بناء على أنّه لغة ما ينتهي بواحد. وحكمه: أنّه سنة مؤكدة عند الحنابلة، وآكد السنن عند الشافعية.
وآكدها بعد ركعتي الطواف عند المالكية، وواجب عند الحنفية.
٣٦٤ - "باب ما جاء في الوتر"
٤٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أنّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل "، أي عن صفتها وكيفيتها " فقال رسول الله ﷺ : صلاة الحل مثنى مثنى "، أي صلاة الليل ثنائية يسلم المصلي فيها من كل ركعتين، كما قال ابن عمر، " فإذا خشي أحدكم الصبح " أي فإذا شعر المصلّى باقتراب الفجر، " صلى ركعة واحدة، توتر في ما قد صلّى " أي ختم صلاة الليل بركعة واحدة تجعل آخر صلاته وتراً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
стр. 682
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الوتر، وهو واجب عند أبي حنيفة (١) لحديث أبي أيوب: " الوتر حق " أخرجه أبو داود، وغيره من الأحاديث. والجمهور على أنه سنة مؤكدة، لحديث الأعرابي لما سأل النبي ﷺ عن ما فرض الله عليه قال: " خمس صلوات كتبنهن الله في اليوم والليلة قال: هل على غيرها، قال: لا "، فلو كان واجباً لذكره مع الصلوات الخمس (٢)، وأمّا قوله ﷺ : " الوتر حق " فإن في إسناده عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي، وقد تكلم فيه البخاري وغيره. ثانياً: أنّ أقل الوتر ركعة واحدة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. قال ابن قدامة: ويجوز له إذا صلاها ثلاثاً أن يأتي بالركعتين الأوليين مفصولتين وهو الأفضل، أو يأتي به موصولاً، سواء أتي به بتشهد واحد أو بتشهدين والفصل أفضل من الوصل، وذلك لقوله ﷺ : " الوتر ركعة من آخر الليل " أخرجه مسلم. وقال مالك: يشترط في ركعة الوتر أن يتقدمها شفع، ولهذا قال أشهب: من أوتر بركعة واحدة يعيد وتره بعد شفع ما لم يصل الصبح (٣)، وقال سحنون: إن كان بحضرة ذلك شفعها بركعة وأوتر، وإن تباعد أجزأه. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة وتشهدين، لقول عائشة ﵂ " إن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن " ... إلخ. ثالثاً: إن صلاة الليل ثنائية، تصلى ركعتين ركعتين، وهو مذهب مالك والشافعي في الليلية والنهارية.
قال ابن قدامة: فأمّا تطوع الليل فلا يجوز إلاّ مثنى مثنى هذا قول أكثر أهل العلم، والأفضل في تطوع النهار أن يكون مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع فلا بأس. وقال أبو حنيفة في صلاة الليل والنهار: إن شئت ركعتين، وإن
стр. 683
٤٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
" أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كانَتْ تِلْكَ صَلَاتهُ، تَعْنِي باللَّيْلِ، فَيَسْجُدُ السَجْدَةَ مِنْ ذِلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثم يَضْطجِعُ ﷺ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ ".
ــ
شئت أربعاً. والمطابقة: في قوله: " يصلّي ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى ".
٤٢٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أنّ النبي ﷺ كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، تعني بالليل " وفي رواية مسلم قالت: " كان النبيُّ ﷺ يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ". ومعنى ذلك أن صلاته ﷺ الليلية التي كان يصليها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة، منها ركعة الوتر، " يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه "، أي: أنه ﷺ كان يطيل السجود في قيام الليل حتى أن الوقت الذي يقضيه في السجدة الواحدة يكفي لقراءة خمسين آية، " ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر "، وهما سنة الفجر، " ثم يضطجع على شقه الأيمن " للاستراحة.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن أغلب صلاته ﷺ بالليل إحدى عشر ركعة بما فيها الوتر. ولهذا قال ابن القيم: " وكان قيامة (١) ﷺ بالليل إحدى عشر ركعة أو ثلاثة عشرة، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا. والصحيح عن عائشة الأول، والركعتان فوق الإِحدى عشر هما
стр. 684
ركعتا الفجر، جاء ذلك مبيناً في هذا الحديث " كان رسول الله ﷺ يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر " ذكره مسلم. أما ابن عباس فقد اختلف عليه، ففى الصحيحين عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل، لكن قد جاء عنه هذا مفسراً أنها بركعتي الفجر، حيث قال الشعبي: سألت ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، ويوتر بثلاث، وركعتين قبل صلاة الفجر. ثانياًً: مشروعية طول السجود في صلاة القيام في حدود قدرة المصلّي وطاقته وقد كان ﷺ كما في حديث الباب " يسجد السجدة بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ". ثالثاً: مشروعية ركعتى الفجر، وهي سنة مؤكدة عند الشافعية، وآكد السنن وأقواها عند الحنفية، وهي (رغيْبة) عند المالكية يندب (١) فعلها في البيت ووقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتقضى عند الجمهور خلافاً للحنفية. ويقرأ فيها (الكافرون) و (الإِخلاص) عند الجمهور، والفاتحة فقط عند المالكية، و (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) إلى آخرها التي في سورة البقرة و (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) التي في سورة آل عمران إلى آخرها عند الشافعية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " كان يصلّي إحدى عشرة ركعة " لأن الوتر من ضمنها.
...
стр. 685
٣٦٥ - " بَابُ ساعَاتِ الْوِتْرِ "
٤٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" كُلَّ اللَّيْلِ أوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ ".
٣٦٦ - " بَابُ لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتهِ وِتْراً "
٤٣١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ باللَّيْلَ وِتراً ".
ــ
٣٦٥ - " باب ساعات الوتر "
٤٣٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كل الليل أوتر رسول الله ﷺ "، أي أنه ﷺ صلّى الوتر في جميع أوقات الليل، أحياناً في أوّله، وأحياناً في وسطه، وأحياناً في آخره " وانتهى وتره إلى السحر "، أي وكان آخر وقت صلّى فيه الوتر هو آخر الليل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قولها: " كل الليل أوتر رسول الله ﷺ ".
ويستفاد منه: جواز صلاة الوتر في جميع ساعات الليل من بعد العشاء
إلى آخر الليل، لأن النبي ﷺ صلّى أوّله، ووسطه، لبيان الجواز، كما أفاده العيني.
٣٦٦ - " باب ليجعل آخر صلاته وتراً "
٤٣١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً "، أي أن النبي ﷺ أمرنا أن نصلّي الوتر في آخر الليل فنجعله آخر صلاة نصليها فيه، ونختم به صلاة الليل فلا نصلّى بعده إلى مطلع الفجر،
стр. 686
٣٦٧ - " بَابُ القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ "
٤٣٢ - عن أنسٍ ﵁:
أنَّهُ سُئِلَ عنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: "قدْ كَانَ الْقُنُوتُ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ؟ قالَ: قَبْلَهُ، قِيلَ: فإِنَّ فُلَاناً أخْبَرَنِي عنْكَ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَاً، أرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمَاً يُقَالُ لَهُمْ القُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلاً إِلَى قَوْم
ــ
وهو أمر ندب واستحباب فقط. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أن تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن أراد التهجد ووثق من قيامه أفضل من أدائه في أوله. فإن لم يرد القيام، أو لم يثق من قيامه، فالأفضل تقديمه، لحديث جابر: " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة ".
فإن صلّى الوتر وقام للتجهد فلا يعيده عند الجمهور لقوله ﷺ : " لا وتران (١) في ليلة " أخرجه أبو داود. ثانياًً: استدل به أبو حنيفة على وجوب الوتر. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٣٦٧ - " باب القنوت قبل الركوع وبعده "
٤٣٢ - معنى الحديث: يروي لنا عاصم الأحول في هذا الحديث " عن أنس ﵁ أنه سئل عن القنوت " أي أن أنس بن مالك سئل هل كان القنوت موجوداً على عهد النبي ﷺ " فقال: قد كان القنوت " موجوداً، " فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ " أي: هل كان النبي وأصحابه يفعلونه قبل الركوع أو بعده؟، " قال: قبْله، قيل: فإنّ فلاناً "، ويحتمل
стр. 687
مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ الله عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " شَهْراً يَدْعُو عَلَيْهِمْ.
ــ
أنّه ابن سيرين، كما أفاده العيني " أخبر عنك أنك قلت بعد الركوع، قال: كذب "، أي أخطأ في فهمه إن روى لك أن القنوت دائماً بعد الركوع " إنما قنت بعد الركوع شهراً " أي إنما كان قنوته ﷺ بعد الركوع مدة محدودة، وزمناً قليلاً لا يتجاوز الشهر، وفي أحوال استثنائية، وعند النوازل، ثم بين سبب قنوته بعد الركوع، وقال: " بعث قوماً يقال لهم: القراء زهاء سبعين " أي يقارب عددهم سبعين رجلاً " إلى قوم من المشركين دون أولئك "، أي وكان عددهم أقل من المبعوث إليهم وإنما أرسلهم إليهم ليعلموهم القرآن، وأحكام الإسلام، " وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد " فنقضوا العهد وغدروا بأولئك القراء وقتلوهم. " فقنت رسول الله شهراً يدعو عليهم "، أي يدعو على أولئك الغادرين من رَعلٍ وذكوان ثلاثين صباحاً.
الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به المالكية والحنفية على أن القنوت قبل الركوع، لأن أنساً لما سئل عن القنوت قبل الركوع أو بعده قال: قبله، كما في حديث الباب. وذهبت الشافعية والحنابلة (١) إلى أن القنوت بعد الركوع واستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود " أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع "، أخرجه مسلم. ومما يدل على أن القنوت بعد الركوع حديث علي أنّ رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك
стр. 688
من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". ثانياًً: في الحديث دليل على مشروعية القنوت عند النوازل ويسمى هذا القنوت عند أهل العلم قنوت الحاجة أو قنوت النوازل. ويستعمل في أوقات مخصوصة، ولفترة محدودة عندما ينزل بالمسلمين مكروه من مرض أو خوف أو هزيمة أو عدوان عليهم، لقول أنس " فقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو عليهم ". وفي رواية أخرى عن أنس: " قنت النبي ﷺ شهراً يدعو على رِعل وذكوان ".
تتمة وتكملة: اتفق الأئمة الأربعة على وجود دعاء مخصوص للقنوت، واختلفوا في هذا الدعاء، فاختار الشافعية والحنابلة ما رواه الحسن بن علي عن النبي ﷺ أنه علمه كلمات القنوت أن يقول: " اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، ووقني شر ما قضيت، فإنّك تقضى ولا يقضى عليك.، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت " رواه أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن، لا نعرف في القنوت عن النبي ﷺ شيئاً أحسن منه، هذا وزاد البيهقي بعد: " ولا يذل من واليت " ولا يعز من عاديت. واختار المالكية والحنفية ما روي عن عمر ﵁ وهو: " اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إيّاك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنّ عذابك الجد بالكافرين ملحق "، رواه البخاري والبيهقي موقوفاً على عمر بألفاظ مختلفة، وأخرج سحنون عن عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أن علياً قنت في الفجر به. وأخرج الطحاوي عن ابن عباس أنّ لفظ القنوت هذا كان قرآناًْ ثم نسخ كما أفاده في " مسالك الدلالة ". مطابقة الحديث للترجمة: في كونه يدور حول القنوت، هل هو قبل الركوع أو بعده، وما إلى ذلك. اهـ.
стр. 689
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أبواب الاستسقاء)
الاستسقاء لغة: طلب السقيا، وهي أن يعطيه ما يشرب كما قال الراغب، إذن فمعنى الاستسقاء أن يطلب المرء من غيره أن يعطيه شراباً، ماءً. كان أو سواه، ثم استعمل في طلب سقي الماء لنفسك أو لغيرك، كما قال الحافظ.
وشرعاً: طلب سقي الماء من الله تعالى بنزول الأمطار، أو توفر مياه الأودية والأنهار، أو بزيادة منسوبها. وهو ثلاثة أنواع: أدناها: مجرد الدعاء فرادى أو جماعات، وقد استسقى رسول الله ﷺ عند أحجار (الزيت) بالدعاء بلا صلاة، قال الشافعي: وأحسنه ما كان من أهل الصلاح. وأوسطها: الدعاء عقب الصلوات فريضة أو نافلة، وفي كل خطبة مشروعة. وأعلاها: ما كان بالصلاة والخطبة. والحكمة فيه أنّ معظم الكوارث من قحط وجدب وغيرها إنما هي نتيجة حتمية للذنوب والخطايا. كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فجعل الله الأدعية والصلوات والتوبة وسائل لتكفير السيئات وكشف البلاء. وشرع صلاة الاستسقاء لما فيها من الاستغفار والعودة إلى الله، والإِنابة إليه، وقد أخبرنا الله عن نوح أنه قال لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) ثم شرعت الصدقة عند الاستسقاء، لأنها تطفىء غضب الرب، كما سُنَّ الخروج بالعجائز والصبيان في هيئة رثة لقوله ﷺ : "لولا صبيان رضع ومشايخ
стр. 690
٣٦٨ - " بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ وَخرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ إلى الِاسْتِسْقَاءِ "
٤٣٣ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ بنِ عَاصِم المَازِنِي ﵁ قَالَ: خَرَج النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.
ــ
ركع؛ وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صباً " أخرجه البيهقي وضعَّفه، ويغني عنه قوله ﷺ : " ولولا البهائم لم يمطروا " وقوله ﷺ : "هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ".
٣٦٨ - " باب الاستسقاء، وخروج النبي ﷺ إلى الاستسقاء "
٤٣٣ - معنى إلحديث: يقول عبد الله بن زيد بن عاصم المازني: " خرج النبي ﷺ يستسقي " أي خرج النبي ﷺ إلى المصلّى ليصلّي صلاة الاستسقاء كما جاء مصرحاً بذلك في رواية أخرى حيث قال: " صلّى ركعتين " وفي رواية أبي داود: " خرج بالناس يستسقي "، أي وشاركه في الخروج كل من يشرع له ذلك من الرجال والصبيان وعجائز النساء، دون الشابات منهن، " وحوّل رداءه " أي جعل ما على يمينه على يساره، والعكس بالعكس. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً،: مشروعية صلاة الاستستقاء، وكونها سنة مؤكدة، ولا خلاف في ذلك. وإنما اختلفوا هل يسن صلاة الاستسقاء جماعة، أو يستحب فقط، فقال الجمهور بالأول، وقال أبو حنيفة بالثاني لعدم مواظبته ﷺ عليها، ولأنه قال في حديث البخاري هذا: " خرج النبي ﷺ يستسقي، ولم يذكر الصلاة " وأجيب بأن عبد الله بن زيد روى هذا الحديث في رواية أخرى مفصلاً فقال فيها: " قلب رداءه، وصلّى ركعتين " والروايتان
стр. 691
٣٦٩ - " بَابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ في الِاسْتِسْقَاءِ "
٤٣٤ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيءٍ منْ دُعَائِهِ إلَّا في الِاسْتِسْقَاءِ، وَإنَّهُ يَرْفَعُ حتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ".
ــ
من مصدر واحد، فتكون الرواية الأخرى تفسيراً لهذه الرواية ويكون معنى قوله " خرج يستسقي " أي يصلّي صلاة الاستسقاء. ثانياً: أنه يسن الخروج إلى المصلّى في صلاة الاستسقاء كالعيدين. قال ابن رشد: أجمع العلماء على الخروج إلى الاستسقاء، والبروز عن المصر، والدعاء إلى الله تعالى، والتضرع إليه في نزول المطر، سنة سنّها رسول الله ﷺ . ثالثاً: استحباب تحويل الرداء للإِمام والناس، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. والمطابقة: في قوله: "خرج النبي ﷺ يستسقي".
٣٦٩ - " باب رفع الإِمام يده في الاستسقاء "
٤٣٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء "، أي لا يبالغ في رفع يديه أثناء أيِّ دعاء من الأدعية كما يبالغ في دعاء الاستسقاء، وليس المراد نفي الرفع في الأدعية الأخرى لثبوته في الأحاديث الصحيحة، كما أفاده الحافظ " وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه " بكسر الهمزة وسكون الباء، أي يرفع يديه في دعاء الاستسقاء عالياً، حتى يظهر البياض الذي تحت إبطيه.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه: استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، والمبالغة فيه أكثر من الأدعية الأخرى، كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قول أنس ﵁: " كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء ".
стр. 692
٣٧٠ - " بَابُ مَا يُقَالُ إِذَا أمْطَرَتْ "
٤٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأى الْمَطر قَالَ: " صَيِّبَاً نَافِعاً ".
٣٧١ - " بَابٌ إِذَا هَبَّتِ الرِّيْحُ "
٤٣٦ - عنْ أنَسِ ﵁ قَالَ:
" كَانَتِ الرِّيْحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ".
ــ
٣٧٠ - " باب ما يقال إذا أمطرت "
٤٣٥ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: صَيِّباً نافعاً " أي: يسأل الله تعالى ويتضرع إليه أن يجعل هذا المطر كثيراً غزيراً نافعاً للإِنسان والحيوان سقيا رحمة، تُنْبتُ بها الأرض أعشابها، وتخرج من خيراتها، وتدر المواشى من ألبانها، لا سقيا عذاب تهدم وتغرق. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة.
ويستفاد منه: استحباب الدعاء عند نزول الأمطار، كما كان ﷺ يدعو، لأن الدعاء عندها مستجاب. فقد روى الشافعي في " الأم " عن النبي ﷺ قال: " اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث "، وهو حديث مرسل. والمطابقة: في قولها: " قال: صيباً نافعاً ".
٣٧١ - " باب إذا هبت الريح"
٤٣٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كانت الريح الشديدة إذا هبت عُرف ذلك في وجه النبي ﷺ " أي: أصابه فزع شديدٌ وظهرت آثار الخوف والقلق على وجهه الشريف، خشية أن تكون تلك الريح
стр. 693
٣٧٢ - " بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ نصِرْتُ بالصَّبَا "
٤٣٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " نُصِرْتُ بالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ ".
ــ
إعصاراً مدمِّراً، أو عقوبة سماوية، كتلك التي وقعت لقوم هود، فكانت عليهم عاصفة شديدة، قلعت أشجارهم وهدّمت ديارهم، كما قال تعالى في وصف ما أحدثته فيهم من كوارث (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) حتى أنها كانت ترفع المرأة بين السماء والأرض كأنها جرادة، وكانت ترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم، ولهذا كان ﷺ إذا اشتدت الريح يخشى أن تصاب أُمَّتَهَ بما أصيب به أولئك. الحديث: أخرجه البخاري.
ويستفاد منه: أنه يستحب استشعار الخوف عند هبوب الرياح والعواصف الشديدة، وذلك من الفطنة، لأنّ الريح كثيراً ما تكون دماراً وتخريباً وعذاباً، كما تدل عليه الحوادث المتكررة على مر العصور والأزمان. والمطابقة: في قوله: " كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي ﷺ ".
٣٧٢ - " باب قول النبي ﷺ نصرت بالصَّبا "
٤٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: " نصرت بالصبا " وهي الريح التي تهب من مشرق الشمس، وتكون باردة منعشة، يستريح إليها الشجي، ويحن لها الغريب، ولذلك تردد ذكرها على ألسنة الشعراء ومن ذلك قول الشاعر:
ألَا يَا صَبَا نَجْدٍ مَتَى هِجْتِ مِنْ نَجْدِ ... لَقَدْ زَادَني مَسْراكِ وَجْداً عَلَى وَجْدِ
ويقول ابن زيدون:
وَيَا نَسِيْمَ الصبَّاَ بَلِّغْ تَحِيَّتنا ... مَنْ لَوْ عَلَى البُعْدِ حَيَّا كانَ يُحْيينَا
стр. 694
٣٧٣ - " بَابٌ لا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللهُ "
٤٣٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الْغَيْب خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ، لَا يَعْلَمُ أحدٌ مَا يَكُونُ في غَدٍ، ولَا يَعْلَمُ أحدٌ مَا يَكُونُ في الأرحَامِ،
ــ
ومعنى الحديث: أن الله قد نصر نَبِيَّهُ برج الصبا في غزوة الخندق، حيث سلطها الله على قريش وغطفان، فكفأت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأَنزلت في قلوبهم الرعب فعادوا خاسئين، " وأهلكت عاد بالدبور " وهي ريح تهب من الغرب سلطها الله على قوم هود سبع ليال وثمانية أيّام حسوماً فأهلكتهم وقضت عليهم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه: أن بعض الرياح نصر ورحمة كالصَّبا، وبعضها عذاب كالدبور. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
٣٧٣ - " باب لا يدري متى يجيء المطر إلاّ الله "
٤٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " مفتاح الغيب خمس "، وإنما وصف هذه الخمسة وسماها مفتاح الغيب، لأنها أهم الأمور الغيبية التي حجبها الله عن علم الإِنسان وإدراكه الحسي والعقلي، ولأن بعض الكهنة والعرافين يدّعي العلم بها، ولهذا ذكرها ﷺ ، ونفى أن يعلم بها أحد، فقال: " لا يعلمها إلّا الله "، وهو مصداق قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) ... إلخ. قال قتادة: في الآية خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يطلِع ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً " لا يعلم أحد ما يكون في غد " أي لا يعلم ما ينطوي عليه الغد من خير أو شر، ولو كان نبياً إلاّ بواسطة الوحي المنزل عليه. " ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام " من ذكر أو أنثى، أسود
стр. 695
ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، ومَا يَدْرِي أحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطر".
ــ
أو أبيض، كاملاً أو ناقصاً أو نحوها، فهو المنفرد بعلم ذلك قبل التخلق، أما بعد تخلقه فإنه لم يعد غيباً، وفي إمكان الكشف الطبي الوصول إلى معرفته " ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً " أي لا تدري نفس ما تأتي به من الأعمال غداً، إن كان حسناً أو قبيحاً، خيراً أو شراً، " وما تدري نفس بأي أرض تموت ". قال ابن كثير: أي ليس يدري أحد من الناس أين مضجعه من الأرض " وما يدري أحد متى يجيء المطر " أي لا يدري متى يجيء المطر قبل ظهور علاماته.
ويستفاد منه: أن هذه الأمور الخمسة هي أمهات أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها، أما معرفة الإِنسان بنزول المطر بواسطة الأرصاد الجوية فإن ذلك بعد ظهور العلامات، وليس غيباً، وكذلك معرفة الطبيب بالجنين ذكراً أو أنثى فإنه بعد التخلق وليس غيباً. الحديث: أخرجه البخاري هنا. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
***
стр. 696
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" أبواب الكسوف "
الكسوف والخسوف: ظاهرتان غريبتان مغايرتان للأحوال العادية خارقتان للسنن الكونية، تظهر إحداهما في الشمس والأخرى في القمر، وقد كثر استعمال الأولى في الشمس والثانية في القمر في لغة العرب (والكسوف لغة) التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس إذا اسودت (والخسوف لغة) الذهاب، يقال: خسف القمر إذا ذهب ضوءه. والمراد بهما شرعاً: احتجاب ضوء الشمس، أو ذهاب نور القمر، لسبب من الأسباب التي يخلقها الله فيهما، لفترة محدودة من الزمن، وفي الحديث: " الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد، ولكنهما خَلقان من خلقه، وإن الله تعالى يحدث في خلقه ما شاء وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه يخشع له " أخرجه النسائي والطحاوي. قال ابن القيم: إسناد هذه الرواية لا مطعن فيه، ورواتها ثقات حفاظ، لكن لعل هذه اللفظة: يعني " إن الله إذا تجلى لشيء من خلقه يخشع له " مدرجة من بعض الرواة. قال السبكي: وهو لا يتنافى مع ما قاله الفلاسفة من أن خسوف القمر يتوسط الأرض بينه وبين الشمس، فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس فإنه لا يبعد أن يكون ذلك في وقت تجليه ، فالتجلي سبب لكسوفهما. اهـ. بتصرف من شروح " سنن النسائي " (١).
стр. 697
٣٧٤ - " بَابُ الصَّلَاةِ في كُسُوفِ الشَّمْس "
٤٣٩ - عن أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حتى دَخَلَ الْمَسْجدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حتى انْجَلَتِ الشَّْمسُ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ الشَّمْس والْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ، فَإذا رَأيتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ ".
ــ
٣٧٤ - " باب الصلاة في كسوف الشمس "
٤٣٩ - معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁: " كنا عند رسول الله فانكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجرَّ رداءه "، أي قام ﷺ مسرعاً فزعاً من ذلك الكسوف؛ حتى اضطربت حركته البدنيّة، فجرّ رداءه بسبب شدة الخوف الذي أصابه، كما في حديث أسماء حيث قالت: " ففزع فأخطأ بدرع "، أي فلبس الدرع بدلاً عن الثوب، بسبب انشغال خاطره، كما أفاده الحافظ " فصلّى بنا ركعتين "، أي: فصلى بنا صلاة الكسوف في المسجد ركعتين عاديتين، كل ركعة بركوع واحد كما في حديث النعمان بن بشير " أن النبي ﷺ صلى حين كسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد ".
"قال القاري: أي من غير تعدد الركوع، وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة " فصلّى ركعتين وأربع سجدات " أخرجه النسائي " حتي انجلت الشمس "، أي استمر يصلي حتى ظهرت. " فقال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد " أي: لموت كبير أو حدوث أمر عظيم كما يزعمه الجاهليون " فإذا رأيتموهما " مكسوفين " فصلوا " أي: فعليكم بالصلاة والدعاء حتى ينجليا.
الحديث: أخرجه أيضاً النسائي.
стр. 698
٤٤٠ - عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ:
كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ ولا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأيتُمْ فَصَلّوا وَادْعُوا اللهَ ".
ــ
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية صلاة الكسوف وهي سنة اتفاقاً وتصلّى في كسوف الشمس جماعة بلا خلاف، واختلفوا في خسوف القمر.
فقال الشافعي وأحمد يجمع في خسوف القمر، كما يجمع في كسوف الشمس، وقال أبو حنيفة: لا يسن، ولكن يجوز، وقال مالك: لا جماعة في خسوف القمر. ثانياًً: أن صلاتي الكسوف والخسوف ركعتان عاديتان بركوع واحد وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الجمهور: في كل ركعة ركوعان كما في حديث ابن عباس. واختلفوا هل يجهر فيها الإِمام بالقراءة. فقال أحمد يجهر بالقراءة خلافاً للجمهور. والمطابقة: في قوله: " فصلى بنا ركعتين ".
٤٤٠ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁: " كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم "، أي: انكسفت في زمن رسول الله ﷺ وفي نفس اليوم الذي توفي فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية ﵄. وقد ولد ﵁ سنة ثمان من الهجرة وتوفي في آخر ربيع الأول من السنة العاشرة كما رجحه شيخ الإِسلام: ابن تيمية.
قال ﵀: " وأما ما يروى عن الواقدي من أن إبراهيم مات يوم العاشر من الشهر، وهو اليوم الذي صلى فيه النبي ﷺ صلاة الكسوف، فهو غلط، والواقدي لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله! وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ.
ثم قال في موضع آخر: "وكما أن العادة التي أجراها الله أن الشهر لا يكون
стр. 699
إلّا ثلاثين أو تسعة وعشرين، فكذلك أجرى الله العادة أنّ الشمس لا تنكسف إلّا في وقت الاستسرار " فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم "، أي ربطوا بين الحادثة الأرضية والظاهرة السماوية التي هي كسوف الشمس، وظنوا أن موت إبراهيم كان سبباً في كسوف الشمس في ذلك اليوم، لأنّه ابن النبي ﷺ لما كان العرب يزعمون الجاهلية أنه إذا مات عظيم في الأرض حدث حادث عظيم في السماء " فقال رسول الله ﷺ : " إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " كما كانوا يزعمون أنّ الشمس تنكسف لموت كبير أو حدوث أمر عظيم " فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله "، أي فإذا رأيتم الكسوف فصلوا صلاة الكسوف والجأوا إلى ربكم بالتضرع والدعاء.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية صلاة الكسوف (١). وهي عند الجمهور ركعتان كل ركعة بركوعين لما في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: " خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام؛ وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى " أخرجه الستة. ثانياً: أن الحوادث الأرضية من ولادة كبير أو موت عظيم لا تكون أبداً سبباً في الحوادث السماوية من كسوف أو خسوف، ولا تؤثر فيها. فموت العظماء مثلاً لا ينشأ عنه كسوف الشمس أو خسوف القمر، وهو معنى قوله ﷺ : " إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته ". قال شيخ الإِسلام ابن تيميّة في قوله ﷺ : " لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ": أي لا يكون الكسوف معلّلاً بالموت، فهو نفي العلة الفاعلة، وأن موت بعض الناس وحياتهم لا يكون سبباً لكسوف الشمس والقمر ". ثم قال ﵀: "وأما كون الكسوف
стр. 700
٣٧٥ - " بَابُ النِّدَاءِ بالصَّلَاةَ جَامِعَةً "
٤٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرُو بن العَاص ﵄ قَالَ:
" لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ أنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً ".
ــ
وغيره من الآيات والحوادث السماوية قد يكون سبباً لحادث في الأرض من عذاب يقتضي موتاً أو غيره، فذلك قد أثبته الحديث نفسه ". في قوله: " ولكن الله تعالى يخُّوّف بها عباده "، كما في حديث أبي بكرة ﵁ الذي تقدم لنا قبل هذا الحديث. قال ابن تيميّة: " وإخباره (١) بأن الله يخوف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سبباً لعذاب ينزل كالرياح العاصفة مثلاً ".
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فصلّوا وادعوا ".
٣٧٥ - " باب النداء بالصلاة (٢) جامعة "
٤٤١ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن عمرو ﵄ " لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودى أن الصلاة جامعة " أي نادى المؤذن الصلاة جامعة بنصب الصلاة على المفعولية لفعل محذوف أي صلّوا الصلاة، وجامعة حال منصوب، يسكن للوقف. والتقدير احضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
ويستفاد منه: أن صلاة الكسوف بدون أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها بصيغة الصلاة جامعة. والمطابقة: في قوله: " نودي أن الصلاة جامعة ".
стр. 701
٣٧٦ - " بَابُ التَعَوُّذِْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ في الْكُسُوفِ "
٤٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أن يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْألهَا فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أيعَذَّبُ النَّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَائِذَاً بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ " ثم ذَكَرَتْ حَدِيث الْكُسُوفِ، ثُمَّ قَالَتْ في آخِرِهِ: " ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ".
ــ
٣٧٦ - " باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف "
٤٤٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أن يهوديّة جاءت تسألها " أي: تسألها عن عذاب القبر، فقالت لها كما في رواية أخرى " سمعت رسول الله ﷺ يذكر شيئاً عن عذاب القبر، فقالت عائشة: وما عذاب القبر؟ " " فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر " أي أجارك الله منه " فسألت عائشة رسول الله ﷺ أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : عائذاً بالله من ذلك " أي فقال ﷺ : " نعم هو حق " كما جاء في رواية أخرى، واستعاذ بالله منه " ثم ذكرت حديث الكسوف " فقالت: ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً فخسفت الشمس فرجع ضحى ثم قام يصلي ... إلخ " ثم أمرهم " بعد صلاة الكسوف " أن يتعوذوا من عذاب القبر" (١).
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب التعوذ من عذاب القبر بعد صلاة الكسوف اقتداءً به ﷺ . ثانياًً: ثبوت عذاب القبر في جميع الأديان السماوية.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: "ثم أمرهم أن
стр. 702
٣٧٧ - " بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً "
٤٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
"انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً نحواً مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيْلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَاماً
ــ
يتعوذوا من عذاب القبر".
٣٧٧ - " باب صلاة الكسوف جماعة "
٤٤٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄:
" انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى رسول الله ﷺ "،
أي فصلى بهم صلاة الكسوف جماعة. قال العيني: أي صلّى بالناس، وهذا لا يشك فيه، ولكن الراوي طوى ذكره، إمّا اختصاراً، أو اعتماداً على القرينة الحالية، لأنه لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الكسوف وحده. وقال القسطلاني: قوله " فصلّى رسول الله ﷺ " أي بالجماعة ليدل على الترجمة " فقام قياماً طويلاً " أي: فوقف بعد تكبيرة الإِحرام وقوفاً طويلاً " نحو قراءة (سورة البقرة) "، أي مقدار الوقت الذي يكفي لقراءة (سورة البقرة)، " ثم ركع ركوعاً طويلاً " مقدار ما يكفي لمائة آية، " ثم رفع، فقام قياماً طويلاً " قدر ما يكفي لقراءة سورة آل عمران، " ثم ركع ركوعاً طويلاً "، قدر ما يكفي لثمانين آية. " وهو دون الركوع الأول "، أي وهو أقصر من الركوع السابق " ثم سجد "، أي ثم سجد سجدتين، " ثم قام قياماً طويلاً ". قال القسطلاني: نحواً من النساء " وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً
стр. 703
طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامَ الأوَّلَ، ثم رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، ْ وهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأولِ، ثمَّ سَجَدَ، ثم انصَرَفَ وقد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ".
ــ
طويلاً " نحواً من سبعين آية، " وهو دون الركوع الأول، ثمِ رفع، فقام قياماً طويلاً، نحواً من المائدة، " ثم ركع ركوعاً طويلاً " نحواً من خمسين آية، " وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " أي سجد سجدتين، وتشهد وسلّم من صلاته " ثم انصرف، وقد تَجَلَّتِ الشمس " أي وقد ظهرت الشمس، وعاد إليها الضوء وزال الكسوف.
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الجماعة في صلاة الكسوف كما ترجم له البخاري ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم بالنسبة إلى كسوف الشمس. واختلفوا في خسوف القمر، هل تصلى الصلاة جماعة، فقال: الشافعي وأحمد: يجمع فيها كما يجمع في كسوف الشمس تماماً. وقال مالك: لا جماعة فيها، لأنه لم يرو عن النبي ﷺ أنه جمع في خسوف القمر. وقال أبو حنيفة: تجوز الجماعة فيها ولا تسن. ثانياً: دل الحديث على أنّ صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين، لقول ابن عباس رضىِ الله عنهما في حديث الباب: " فصلى رسول الله ﷺ فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " ثم ذكر ابن عباس أنه ﷺ صنع في الركعة الثانية مثل الأولى. وهذا نصٌ صريح على أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ركعتين، في كل ركعة ركوعان، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: صلاة الكسوف ركعتان
стр. 704
٣٧٨ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ الْعَتَاقَةَ في كُسُوفِ الشَّمْسِ "
٤٤٤ - عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:
" لَقَدْ أمرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعتَاقَةِ في كُسُوفِ الشَّمْسِ ".
ــ
عاديتان، في كل ركعة ركوع واحد. لحديث أبي بكرة ﵁: " انكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجر وراءه، حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس ". ثانياً: دل هذا الحديث على مشروعية القراءة سراً في صلاة الكسوف، لقول ابن عباس ﵄ " فقام قياماً طويلاً نحو قراءة سورة البقرة " أي: قام قياماً يكفي لقراءة (سورة البقرة) ولم يذكر أنه قرأ سورة البقرة ولا غيرها. ولو أنه ﷺ جهر في صلاته وسمعه ابن عباس لقال: وقرأ (سورة البقرة) أو غيرها، قال القسطلاني: وهو يدل على أن القراءة كانت سراً، ولذا قالت عائشة في بعض الطرق عنها " فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة "، ولهذا ذهب الجمهور إلى مشروعية القراءة فيها سراً، وذهب أحمد إلى الجهر فيها، لحديث عائشة " جهر رسول الله ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته ". أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " صلّى بهم جماعة ".
٣٧٨ - " باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس "
٤٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت بكر ﵂: " لقد أمر النبي ﷺ " أمته " بالعتاقة " أي: بعتق الرقاب " في كسوف الشمس "، أي عند كسوف الشمس، ليرفع الله بهذا العتق البلاء عن عباده، لأنّ الأعمال الصالحة سبب في كشف البلايا، لما فيها من التقرب إلى الله واكتساب مرضاته.
стр. 705
٣٧٩ - " بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ في الْكُسُوفِ "
٤٤٥ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:
"جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ في صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وِإذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ
ــ
ولما يترتب عليها من محو الزلات، وتكفير السيئات.
ويستفاد منه: استحباب العتق عند حدوث الكسوف، لأنه ﷺ قد أمر به في كسوف الشمس، وأمرُه ﷺ به للندب والاستحباب، كما ترجم له البخاري، وهو قول أهل العلم. ولما كان الكسوف من التخويف، وأشد ما يتوقع من التخويف نار جهنم، جاء الندب على شيء تتقى به النار، وهو العتق لقوله ﷺ : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار ". فمن لم يقدر على ذلك، فليعمل بالحديث العام، وهو قوله ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " فيأخذ من وجوه البر ما أمكنه، كما أفاده ابن أبي جمرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي بألفاظ. والمطابقة: في كونه ﷺ أمر بالعتاقة عند الكسوف، والله أعلم.
٣٧٩ - " باب الجهر بالقراءة في الكسوف "
٤٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف "، أي قرأ النبي ﷺ فيها جهراً " فإذا فرغ من قراءته " أي فكان إذا انتهى من قراءته " كبّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده "، أي: كبر عند الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده، عند الرفع منه، كما يفعل في الصلوات الأخرى تماماً، " ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف "، أي يكرر القراءة في الركعة الواحدة فيقرأ فيها