← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

٣٧٦ - " بَابُ التَعَوُّذِْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ في الْكُسُوفِ " ٤٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أن يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْألهَا فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أيعَذَّبُ النَّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَائِذَاً بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ " ثم ذَكَرَتْ حَدِيث الْكُسُوفِ، ثُمَّ قَالَتْ في آخِرِهِ: " ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ". ــ ٣٧٦ - " باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف " ٤٤٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أن يهوديّة جاءت تسألها " أي: تسألها عن عذاب القبر، فقالت لها كما في رواية أخرى " سمعت رسول الله ﷺ يذكر شيئاً عن عذاب القبر، فقالت عائشة: وما عذاب القبر؟ " " فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر " أي أجارك الله منه " فسألت عائشة رسول الله ﷺ أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ : عائذاً بالله من ذلك " أي فقال ﷺ : " نعم هو حق " كما جاء في رواية أخرى، واستعاذ بالله منه " ثم ذكرت حديث الكسوف " فقالت: ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً فخسفت الشمس فرجع ضحى ثم قام يصلي ... إلخ " ثم أمرهم " بعد صلاة الكسوف " أن يتعوذوا من عذاب القبر" (١). ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب التعوذ من عذاب القبر بعد صلاة الكسوف اقتداءً به ﷺ . ثانياًً: ثبوت عذاب القبر في جميع الأديان السماوية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: "ثم أمرهم أن

стр. 702

٣٧٧ - " بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً " ٤٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: "انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً نحواً مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيْلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَاماً ــ يتعوذوا من عذاب القبر". ٣٧٧ - " باب صلاة الكسوف جماعة " ٤٤٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى رسول الله ﷺ "، أي فصلى بهم صلاة الكسوف جماعة. قال العيني: أي صلّى بالناس، وهذا لا يشك فيه، ولكن الراوي طوى ذكره، إمّا اختصاراً، أو اعتماداً على القرينة الحالية، لأنه لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الكسوف وحده. وقال القسطلاني: قوله " فصلّى رسول الله ﷺ " أي بالجماعة ليدل على الترجمة " فقام قياماً طويلاً " أي: فوقف بعد تكبيرة الإِحرام وقوفاً طويلاً " نحو قراءة (سورة البقرة) "، أي مقدار الوقت الذي يكفي لقراءة (سورة البقرة)، " ثم ركع ركوعاً طويلاً " مقدار ما يكفي لمائة آية، " ثم رفع، فقام قياماً طويلاً " قدر ما يكفي لقراءة سورة آل عمران، " ثم ركع ركوعاً طويلاً "، قدر ما يكفي لثمانين آية. " وهو دون الركوع الأول "، أي وهو أقصر من الركوع السابق " ثم سجد "، أي ثم سجد سجدتين، " ثم قام قياماً طويلاً ". قال القسطلاني: نحواً من النساء " وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً

стр. 703

طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامَ الأوَّلَ، ثم رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، ْ وهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأولِ، ثمَّ سَجَدَ، ثم انصَرَفَ وقد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ". ــ طويلاً " نحواً من سبعين آية، " وهو دون الركوع الأول، ثمِ رفع، فقام قياماً طويلاً، نحواً من المائدة، " ثم ركع ركوعاً طويلاً " نحواً من خمسين آية، " وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " أي سجد سجدتين، وتشهد وسلّم من صلاته " ثم انصرف، وقد تَجَلَّتِ الشمس " أي وقد ظهرت الشمس، وعاد إليها الضوء وزال الكسوف. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الجماعة في صلاة الكسوف كما ترجم له البخاري ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم بالنسبة إلى كسوف الشمس. واختلفوا في خسوف القمر، هل تصلى الصلاة جماعة، فقال: الشافعي وأحمد: يجمع فيها كما يجمع في كسوف الشمس تماماً. وقال مالك: لا جماعة فيها، لأنه لم يرو عن النبي ﷺ أنه جمع في خسوف القمر. وقال أبو حنيفة: تجوز الجماعة فيها ولا تسن. ثانياً: دل الحديث على أنّ صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين، لقول ابن عباس رضىِ الله عنهما في حديث الباب: " فصلى رسول الله ﷺ فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " ثم ذكر ابن عباس أنه ﷺ صنع في الركعة الثانية مثل الأولى. وهذا نصٌ صريح على أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ركعتين، في كل ركعة ركوعان، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: صلاة الكسوف ركعتان

стр. 704

٣٧٨ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ الْعَتَاقَةَ في كُسُوفِ الشَّمْسِ " ٤٤٤ - عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: " لَقَدْ أمرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعتَاقَةِ في كُسُوفِ الشَّمْسِ ". ــ عاديتان، في كل ركعة ركوع واحد. لحديث أبي بكرة ﵁: " انكسفت الشمس، فقام النبي ﷺ يجر وراءه، حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس ". ثانياً: دل هذا الحديث على مشروعية القراءة سراً في صلاة الكسوف، لقول ابن عباس ﵄ " فقام قياماً طويلاً نحو قراءة سورة البقرة " أي: قام قياماً يكفي لقراءة (سورة البقرة) ولم يذكر أنه قرأ سورة البقرة ولا غيرها. ولو أنه ﷺ جهر في صلاته وسمعه ابن عباس لقال: وقرأ (سورة البقرة) أو غيرها، قال القسطلاني: وهو يدل على أن القراءة كانت سراً، ولذا قالت عائشة في بعض الطرق عنها " فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة "، ولهذا ذهب الجمهور إلى مشروعية القراءة فيها سراً، وذهب أحمد إلى الجهر فيها، لحديث عائشة " جهر رسول الله ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته ". أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " صلّى بهم جماعة ". ٣٧٨ - " باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس " ٤٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت بكر ﵂: " لقد أمر النبي ﷺ " أمته " بالعتاقة " أي: بعتق الرقاب " في كسوف الشمس "، أي عند كسوف الشمس، ليرفع الله بهذا العتق البلاء عن عباده، لأنّ الأعمال الصالحة سبب في كشف البلايا، لما فيها من التقرب إلى الله واكتساب مرضاته.

стр. 705

٣٧٩ - " بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ في الْكُسُوفِ " ٤٤٥ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: "جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ في صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وِإذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ ــ ولما يترتب عليها من محو الزلات، وتكفير السيئات. ويستفاد منه: استحباب العتق عند حدوث الكسوف، لأنه ﷺ قد أمر به في كسوف الشمس، وأمرُه ﷺ به للندب والاستحباب، كما ترجم له البخاري، وهو قول أهل العلم. ولما كان الكسوف من التخويف، وأشد ما يتوقع من التخويف نار جهنم، جاء الندب على شيء تتقى به النار، وهو العتق لقوله ﷺ : " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار ". فمن لم يقدر على ذلك، فليعمل بالحديث العام، وهو قوله ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " فيأخذ من وجوه البر ما أمكنه، كما أفاده ابن أبي جمرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي بألفاظ. والمطابقة: في كونه ﷺ أمر بالعتاقة عند الكسوف، والله أعلم. ٣٧٩ - " باب الجهر بالقراءة في الكسوف " ٤٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف "، أي قرأ النبي ﷺ فيها جهراً " فإذا فرغ من قراءته " أي فكان إذا انتهى من قراءته " كبّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده "، أي: كبر عند الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده، عند الرفع منه، كما يفعل في الصلوات الأخرى تماماً، " ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف "، أي يكرر القراءة في الركعة الواحدة فيقرأ فيها

стр. 706

الْحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ في صَلَاةِ الْكُسُوفِ أرْبَعَ رَكْعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وأرْبَع سَجْدَاتٍ". ــ الفاتحة والسورة مرتيْن " أربع ركعات في ركعتين " أي: ويصلي أربع ركوعات في ركعتين. ويأتي في كل ركعة بركوعين " وأربع سجدات " أي ويأتي بأربع سجدات في الركعتين فيسجد في كل ركعة سجدتين كالصلوات الأخرى. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية الجهر بالقراءة في خسوف الشمس والقمر معاً. وهو قول بعض أهل العلم، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة. وقال الجمهور: إنما يجهر بالقراءة في خسوف القمر، لأنّها صلاة ليلية. أما كسوف الشمس فإنّه يُسن فيه الإِسرار بالقراءة، لأنّ الصلاة فيه نهارية، ولقول ابن عباس: " قرأ نحواً من قراءة (سورة البقرة) " لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد كان ابن عباس (١) يصلّي إلى جنب النبي ﷺ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفاً. كما أخرجه الشافعي تعليقاً، ووصله البيهقي. ثانياً: أن صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين، كما ذهب إليه الجمهور. والمطابقة: في قوله: " جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف ". ...

стр. 707

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " أبوابُ سُجُود القُرآنَ " أي أبواب المواضع التي يسن فيها سجود التلاوة، واتفقوا على أن في كل موضع منها سجدة واحدة. واختلفوا في كيفية سجدة التلاوة، فذهبت المالكية والحنفية إلى أنها سجدة بين تكبيرتين مسنونتين ليس فيها إحرام ولا تشهد ولا سلام. وقالت الحنابلة: هي سجدة بين تكبيرتين واجبتين وسلام (١). وندب الدعاء فيها بما شاء، ومن ذلك أن يقول: اللهم أكتب لي عندك أجراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقالت الشافعيَّة: إنْ كان في الصلاة، وكان إماماً أو منفرداً سجد بنية قلبية، وإن كان مأموماً سجد بدون نية، وإن كان في غير الصلاة، فلها خمسة أركان: النية وتكبيرة الإِحرام، وأن يسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، والجلوس بعدها، والسلام. ويشترط لغير المصلّي أن يقارن بين النية وتكبيرة الإِحرام، ويسن له أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند السجود، وعند الرفع منه. ويندب له أن يَقُولَ فيها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن في السجدة مراراً: " سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، وشَقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته " أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقى والدارقطني، وزاد الحاكم: " فتبارك الله أحسن الخالقين " ويدعو أيضاً بقوله: اللهم أكتب لي بها عندك

стр. 708

٣٨٠ - " بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنَ " ٤٤٦ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "قَرَأَ النَّبيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ أخذَ كَفَّاً مِنْ حَصىً أوْ تُرَابٍ فرفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ، وقَالَ: يَكْفِيني هَذَا، فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرَاً". ــ أجراً (١) ... إلخ. ويقوم مقام السجود لمن كان له عذر يمنعه منه ما يقوم مقام تحية المسجد، فلا بأس أن يقول بدلها: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ". ٣٨٠ - " باب سجود القرآن " ْ٤٤٦ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " قرأ النبي ﷺ النجم بمكة " أي قرأ سورة النجم عندما كان بمكة على مرأى من كفار قريش ومسمع منهم " فسجد في " عند قوله تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) في نهاية السورة، " وسجد من معه " من المسلمين والمشركين كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: " سجد المسلمون والمشركون والجن والانس " أخرجه البخاري، أي: سجد النبي ﷺ امتثالاً لأمر ربه، وسجد المسلمون اقتداءً بسنة نبيهم. وسجد المشركون إجلالاً وإكباراً لبلاغة القرآن، وانبهاراً من إعجازه وفصاحته، " غير شيخ " أي رجل طاعن في السن، وهو أمية بن خلف، فإنه لم يسجد استعلاءً وتكبراً، ولكنه " أخذ كفاً من حصى " أو تراب " فرفعه إلى جبهته " أي وضعه عليها " فرأيته بعد ذلك قتل كافراً " يوم بدر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

стр. 709

٣٨١ - " بَابُ سَجدَةِ (ص) " ٤٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: " (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية السجود سجدة واحدة عند قراءة أي آية من آيات السجود التي حددتها السنة النبوية. وهو واجب مطلقاً على القارىء والسامع عند أبي حنيفة، وسنة مؤكدة على القارىء والسامع إن كان قاصداً عند مالك وأحمد، وقال الشافعي: سنة مؤكدة على القارىء واستدل أبو حنيفة على وجوبه بقوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ) واستدل الجمهور على سنيته بقول عمر أمام الصحابة: إن الله لم يفرض علينا السجود إلاّ أن نشاء (١). ثانياً: مشروعية السجود في (سورة النجم) وفي المفصل وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمالك، فلا سجود عنده فيه، لحديث ابن عباس " أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل " أخرجه أبو داود. والمطابقة: في قوله: " قرأ النبي ﷺ النجم فسجد فيها ". ٣٨١ - " باب سجدة (ص) " ٤٤٧ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قال (ص) ليست من عزائم السجود " أي: أن السجدة المذكورة في (سورة ص) عند قوله: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) ليست من السجدات المسنونة " وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها " أي رأيته ﷺ يسجد عندها شكراً لله تعالى على قبول توبة داود، كما صرح بذلك في رواية النسائي حيث قال:

стр. 710

٣٨٢ - " بَابُ مَنْ قَرأ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ " ٤٤٨ - عنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: "أنَّهُ قَرَأ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمَ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". ــ " إن النبي ﷺ سجد في (ص) فقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً ". الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً. ما يستفاد منه: هذا الحديث استدل به الشافعي وأحمد على أنه لا يسن السجود في سورة (ص) لقول ابن عباس ﵄: " ليست من عزائم السجود ". وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يسن السجود فيها (١)، وهو مذهب الجمهور، لما روي عن مجاهد، عن ابن عباس نفسه، أنه سئل عن السجدة في (ص) فقال: أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها ". أخرجه الطحاوى، وهذا يدل على أنّه ﷺ سجد في هذه السورة تشريعاً لأمته، ليقتدوا به، ويستنوا بسنته. وأما قول ابن عباس ﵄: " ليست من عزائم السجود " فهو اجتهاد شخصي له، وليس من قول النبي ﷺ ، وكونه سجد شكراً لا يمنع مشروعيته. والمطابقة: في قوله: وقد رأيت النبي ﷺ " يسجد فيها " كما أفاده العيني. ٣٨٢ - " باب من قرأ السجدة ولم يسجد " ٤٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا زيد بن ثابت ﵁: " أنه قرأ على النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجد فيها " أي: أن زيداً قرأ على النبي ﷺ سورة النجم، - والنبي ﷺ يستمع إليه، فلما وصل إلى آخرها

стр. 711

٣٨٣ - " بَابُ سَجْدَةِ (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) " ٤٤٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: ْ "أنَّهُ قَرَأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت) فَسَجَدَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ أرَ النَّبِيَّ يَسْجُدُ لَمْ أسْجُد ". ــ لم يسجد النبي ﷺ لسماع الآية الأخيرة منها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استدل به الجمهور على أن سجود التلاوة سنة لا واجب، وإنما تركه ﷺ لبيان جواز تركه. وقال أبو حنيفة: واجب وإنما تركه النبي ﷺ هذه المرة لأنه لم يكن على طهر، أو لأن الوقت وقت كراهة، أو أخّره، وهو جائز. ثانياًً: استدل به مالك على عدم مشروعية السجود في (النجم) والمفصل، لأنّه ﷺ جمع هذه الآية ولم يسجد فيها. والمطابقة: في قوله: " ولم يسجد فيها ". ٣٨٣ - " باب سجدة (إذا السماء انشقت) ٤٤٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁ قرأ سورة الانشقاق فسجد فيها عند قوله تعالى: (وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون) " فقيل له في ذلك " أي: فأنْكَر عليه أبو رافع ﵁ السجود فيها، كما في رواية أخرى عن أبي رافع ﵁، قال: " فقلت ما هذه السجدة؟ " وإنما أنكر عليه لما روي عنه ﷺ أنّه لم يسجد في المفصل منذ تحوله إلى المدينة " فقال أبو هريرة ﵁: " لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد " أي وإنما سجدت اقتداءً به ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

стр. 712

٣٨٤ - " بَابُ مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ الْقَارِىءِ " ٤٥٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرأ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أحَدُنَا مَوْضِعِ جَبْهَتِهِ ". ــ ويستفاد منه: مشروعية السجود في الانشقاق، وهو مذهب الجمهور خلافاً لمالك. والمطابقة: في قوله: " لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد ". ٣٨٤ - " باب من سجد لسجود القارىء " ٤٥٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة " أي يقرأ علينا السورة التي فيها آية السجدة في غير الصلاة - كما في رواية أخرى " فيسجد ونسجد " أي فإذا قرأ النبي ﷺ الآية التي فيها السجدة يسجد هو لتلاوتها، ونسجد نحن لسماعها، " حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته " أي نتزاحم على السجود، حتى لا يجد الساجد مكاناً يضع فيه جبهته من شدة الزحام، كما في حديث المسور بن مخرمة عن أبيه أنه قال: "ما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام " أخرجه الطبراني، وفي رواية: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. ويستفاد منه: أن سجود التلاوة مشروع للقارىء والمستمع، واختلفوا في حكمه فقال مالك وأحمد وغيرهم: هو سنة مؤكدة على القارىء والسامع إن كان قاصداً. وقال أبو حنيفة: واجب على القارىء والسامع قصد أو لم يقصد، لحديث الباب وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: "فيسجد ونسجد".

стр. 713

تتمة وتكملة: اتفق أهل العلم على مشروعية سجود التلاوة في عشر سور وهي الأعراف والرعد، والنحل، والإِسراء، ومريم، والأولى من الحج، والفرقان، والنمل، وألم السجدة، وفصّلت. وأضاف إليها الشافعي في القديم ثانية الحج، فصارت إحدى عشرة سجدة. وأضاف إليها في الجديد ثلاثة من المفصل، وهي رواية عن أحمد، وهي الرواية المشهورة، وبها قال الليث وإسحاق وابن وهب وابن حبيب. وأضاف مالك في الرواية المشهورة عنه إلى العشرة سجدة (سورة ص) فصارت، إحدى عشرة سجدة. اهـ. ***

стр. 714

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " أبواب تقصير الصلاة " هكذا ترجم البخاري وبعض الفقهاء، ومنهم من ترجم بقوله " قصر الصلاة ". والقصر والتقصير: والاقتصار بمعنى واحد، وإن كانت تختلف من حيث الاشتقاق. فالقصر مصدر قَصَرْتُ الصلاة بتخفيف الصاد، والتقصير مصدر قصَّرت الصلاة بتشديد الصاد، والأول أشهر استعمالاً. ومعنى القصر: كما قال الزرقاني: تخفيف الرباعية إلى ركعتين. ولا قصر في الصبح والمغرب إجماعاً. قال الجمهور وإنما تقصر الصلاة في السفر إذا كان سفر عبادة أو سفراً مباحاً، لقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ). وأما سفر المعصية فالمشهور من مذهب مالك والشافعي (١) أنه لا تقصر فيه الصلاة (٢)، وقال أبو حنيفة: تقصر، وهى رواية زياد بن عبد الرحمن عن مالك. وأما السفر المكروه، فقد سئل عنه مالك فقال: أنا لا آمره بالخروج، فكيف آمره بالقصر. والحكمة في مشروعيه القصر: الرفق بالمسافر، ومراعاة ظروفه الصعبة، والتخفيف عنه لما يلاقيه في سفره من المشقة، والمعاناة، والمكاره، والأخطار، لقوله ﷺ : " السفر قطعة من العذاب "، وبالغ بعضهم فقال: العذاب قطعة من السفر (٣)، ولم تقصر الثلاثية لأنها لا تقبل القسمة، ولا الثنائية لأنها تصير

стр. 715

٣٨٥ - " بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنى " ٤٥١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ومَعَ عُثْمَانَ صَدراً مِنْ إِمَارَتِهِ، ثمَّ أتمَّهَا ". ــ فذة. والشارع لا يأمر بالفذ، ولأنّها في ذات نفسها قصيرة، فلا حاجة إلى تقصيرها، والمصغّر لا يصغّر. ويستحب التخفيف في السفر من السنن والمستحبات، وعدم تطويل الصلاة، وتخفيف القراءة في صلاة الصبح، والله أعلم. ٣٨٥ - " باب الصلاة بمنى " ٤٥١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر " أي قَصَرْتُ الصلاة مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في مني فصليتها معهم ركعتين " ومع عثمان صدراً من إمارته "، أي وكذلك قَصَرْتُ الصلاة بمنى مع عثمان ﵁ في أوّل خلافته، " ثم أتمها " أي ثم أتم عثمان الصلاة بمنى، فصار يصليها أربعاً كصلاة المقيم، وذلك لأنه تأهل بمكة، فصار مقيماً، وأصبح يرى أنه لا يجوز له القصر بمنى، لأن القصر في رأيه للحاج المسافر فقط. أما المقيم فلا يقصر. ويستفاد من الحديث: أن الحاج إذا كان مقيماً بمكة لا يقصر الصلاة بمنى، وأن القصر في مني خاصٌّ بالمسافر فقط، لأن عثمان ﵁ لما أقام بمكة أتم الصلاة بمنى، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمالك رحمه الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " صليت مع النبي بمنى ركعتين ".

стр. 716

٤٥٢ - عنْ حارثةَ بْنِ وهْبٍ ﵁ قَالَ: " صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنى رَكْعَتَينَ ". ٤٥٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: لَمَّا قِيلَ لَهُ صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، استرجَعَ، ثُمَّ قَالَ: ــ ٤٥٢ - معنى الحديث: عن حارثة بن وهب (صحابي جليل) نزل الكوفة وروى ستة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة). " قال: صلى بنا النبي ﷺ أحسن ما كان بمنى ركعتين " يعني أن النبي ﷺ قصر بهم الصلاة أيام منى وهو في أحسن الأحوال وأكثرها أمناً واستقراراً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ما يستفاد من الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية القصْرِ بمنى مطلقاً، سواء كان الحاج مسافراً أو كان مقيماً بمكة وما حولها لأنّ حارثة ابن وهب قصر الصلاة مع النبي ﷺ بمنى - وهو مقيم بمكة، فإنه كما قال أبو داود: من قبيلة خزاعة التي ديارها بمكة. ومعنى ذلك أنّه قصر الصلاة بمنى وهو مكيٌّ وأقرّه النبي ﷺ على ذلك، وقد أخذ بهذا الحديث الإِمامِ مالك ﵀ فقال: يسن للحاج قصر الصلاة بمنى مطلقاً سواء كان مسافراً أو مقيماً في مكة، لأنّ القصر بمنى للنسك لا للسفر. والمطابقة: في كون الحديث يدور حول الصلاة بمنى. ٤٥٣ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ " لما قيل له صلى عثمان بمنى أربع ركعات " أي: لما سمع أنّ عثمان ﵁ صلى الظهر والعصر والعشاء في مني أربع ركعات، ولم يقصر الصلاة فيها، " استرجع " أي أنكر على عثمان ﵁ فعله هذا، وقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون ". وذلك لأنه رأى أن عثمان قد فوّت على نفسه فضيلة القصر،

стр. 717

صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَع رَكَعَاتٍ رَكَعْتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. ــ " ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين " أي صليت خلف النبي ﷺ بمنى جميع الصلوات الرباعية قصراً، ركعتين ركعتين " وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين وصليت مع عمر بمنى ركعتين " أي فكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يقصرون الرباعية بمنى، فيصلونها ركعتين، " فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان " أي فليت نصيبي ركعتان مقبولتان عند الله، موافقتان لسنة رسول الله ﷺ ، بدلاً عن أربع ركعات غير مقبولة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: استحباب القصر بمنى مطلقاً لأنه سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، ويستوي في ذلك المسافر والمقيم معاً، لأن القصر للنسك لا للسفر. وهو مذهب مالك كما تقدم بيانه خلافاً للجمهور، وقد أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة فيها مع أنه قد اتخذ له بيتاً وأهلاً بمكة فأصبح مقيماً. ثانياًً: استدل به الحنفية على وجوب القصر لأن ابن مسعود استرجع حين سمع أن عثمان لم يقصر، ولو كان القصر. رخصة لما فعل ذلك. وأجاب الجمهور بأنه إنما استرجع إظهاراً لكراهة مخالفة النبي ﷺ وصاحبيه لا لأن القصر واجب، كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قوله: " صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين " ... إلخ. ***

стр. 718

٣٨٦ - " بَاب في كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةُ " ٤٥٤ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ لَيسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ ". ــ ٣٨٦ - " باب في كم يقصر الصلاة " ٤٥٤ - معنى الحديث: عن أبي هريرة ﵁ قال: " قال النبي ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ " بضم الحاء وسكون الراء. يعنى: لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تسافر المسافة التي تسمّى سفراً، وهي يوم وليلة إلاّ ومعها محرم من أب أو أخ أو غيره من محارمها. ويلحق بذلك الزوج، لأن المقصود هو صيانتها. الحديث: أخرجه الشيخان. ويستفاد منه: كما ذهب إليه بعض أهل العلم أنّ مسافة السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو يوم وليلة، لأن النبي ﷺ نهى المرأة أن تسافر بغير محرم مسيرة يوم وليلة، فدل ذلك على أن أقل السفر يوم وليلة، وهو السفر الذي تقصر له الصلاة، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر وبعض الحنفية ويقدر بثمانية فراسخ، وذهب الجمهور إلى أن أقله يومان أي ستة عشر فرسخاً (١) وفي الحديث أيضاً دليل على أنه لا يجوز للمسلمة السفر بغير محرم والله أعلم. والمطابقة: في كون الحديث دل على أن أقل السفر يوم وليلة وهو ما تقصر فيه الصلاة.

стр. 719

٣٨٧ - " بَابٌ يَقْصُرُ إِذَا خرَجَ مِنْ مَوضِعِهِ " ٤٥٥ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: " صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بالمَدِينةِ أرْبعاً وبذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ". ــ ٣٨٧ - " باب يقصر إذا خرج من موضعه " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على أن المسافر يبدأ في قصر الصلاة الرباعية إذا خرج من بلدته التي يقيم فيها. ٤٥٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعاً " أي صليت معه صلاة الظهر بالمدينة فصلاها أربع ركعات " وبذي الحليفة ركعتين "، وفي رواية أخرى " والعصر بذي الحليفة ركعتين " يعني وصليت العصر مع النبي ﷺ بذي الحليفة ركعتين: فقصرنا الصلاة حين وصلنا ذا الحليفة. الحديث: أخرجه أيضاً مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ويستفاد منه: أن المسافر لا يقصر الصلاة حتى يفارق بلدته، وقد اختلف أهل العلم فيما تتحقق به هذه المفارقة، ويبدأ به السفر، ويباح القصر، فقال الشافعية: يبدأ ذلك بمفارقة سور البلدة (١) التي يقطنها إن كان لها سور، ولا تعد الدور الواقعة بعده من البلد كما صححه النووي: فإنْ لم يكن للبلدة سور فيبدأ القصر من مجاوزة العمران، حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، ولا تدخل فيه البساتين والمزارع. وقال الحنفية: يبدأ السفر والقصر إذا فارق بيوت المصر. وقال المالكية: يبدأ القصر إذا جاوز البلد والبساتين التي في حكمها على المشهور، وهو ظاهر " المدونة ". وعن مالك إن كانت قرية

стр. 720

٣٨٨ - " بَابٌ يُصَلِّي الْمَغرِبَ ثَلَاثاً في السَّفَرِ " ٤٥٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " رَأيتُ النَّبِيَّ ﷺ إذا أعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثاً، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يقيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ولا يُسَبَّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ". ــ (جمعة) يبدأ القصر إذا جاوز ثلاثة أميال أو جاوز ساكن البادية حلته، وهي البيوت التي ينصبها من شعر أو غيره. اهـ. كما أفاده القسطلاني (١). والمطابقة: في قوله: " وبذي الحليفة ركعتين " لأن أنساً يخبر في حديثه أن النبي ﷺ قصر صلاته بعد ما خرج من المدينة. اهـ. كما أفاده العيني. (٢) ٣٨٨ - " باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر " ٤٥٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " رأيت النبي ﷺ إذا أعجله السير " أي إذا احتاج ﷺ إلى الإسراع في سيره " يؤخر المغرب " إلى مغيب الشفق، " فيصليها ثلاثاً " أي فيصليها ثلاث ركعات في سفره، كما يصليها في حضره، ولا يقصرها كما يقصر الرباعيّة " ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين "، أي لا يلبث إلّا قليلاً حتى يصلي العشاء ركعتين فقط، ومعنى ذلك أنه يجمع في السفر بين المغرب والعشاء جمع تأخير فيصلّي المغرب تامة، ويصلي العشاء قصراً " ولا يسبح حتى يقوم من جوف الليل "، أي ولا يتنفل في السفر قبل الصلاة أو بعدها ولكنه يصلّي (٣) صلاة الليل فقط.

стр. 721

٣٨٩ - " بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِ حَيْثمَا توَجَّهَتْ بِهِ " ٤٥٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ في غَيْرِ الْقِبْلَةِ ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: مشروعية إتمام المغرب في السفر وأنها لا تقصر كالرباعيّة، وهو ما ترجم له البخاري، ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك. ثانياًً: أنه يجوز الجمع في السفر بين المغرب والعشاء جمع تأخير كما يجوز الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم وتأخير معاً، وهو مذهب الجمهور. وقال الحسن البصري والنخعي، وابن سيرين وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز الجمع إلاّ في عرفة ومزدلفة، لقول ابن مسعود ﵁: " والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله ﷺ صلاة قط إلّا لوقتها إلاّ صلاتين " أخرجه الشيخان وحملوا حديث الباب على الجمع الصوري. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ. والمطابقة: في كونه ﷺ صلى المغرب في السفر ثلاثاً. ٣٨٩ - " باب صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به " ٤٥٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كان النبي ﷺ يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة "، أي: كان يصلي النافلة وهو راكب على دابته متوجهاً إلى غير القبلة، وفي رواية " نحو المشرق "، وكان ذلك في غزوة أنمار، وأرضُهم قِبَلَ المشرق. ومعنى ذلك أنه كان يتوجه في صلاته حيثما توجهت به دابّته. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " يصلّي التطوع وهو راكب على الدابّة في غير القبلة ". ويستفاد منه: جواز التطوع على الدابة حيثما توجهت به، وأنه لا يلزمه في النافلة التوجه إلى القبلة إذا كان راكباً على دابته. ولا خلاف في ذلك

стр. 722

٣٩٠ - " بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ علَى الْحِمَارِ " ٤٥٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁: أنَّهُ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقِيلَ لَهُ: تُصَلِّي لغَيْرِ الْقِبْلَةِ! فَقَالَ: لَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أفْعَلْهُ ". ٣٩١ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعَ في السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبلَهَا " ٤٥٩ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: ْ "صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أرهُ يُسَبِّحُ في السَّفَرِ وَقَالَ اللهُ تَعَالى (لَقَدْ ــ عند أهل العلم، غير أن الشافعي قال: يلزمه التوجه إلى القبلة عند تكبيرة الإِحرام، وهو رواية عن أحمد، أمّا في بقية النافلة فإنه يتوجه حيثما توجهت به دابته اتفاقاً. ٣٩٠ - " باب صلاة التطوع على الحمار " ٤٥٨ - معنى الحديث: أن أنس بن مالك ﵁ صلّى النافلة على الدابة متوجهاً إلى شرق القبلة فقال له ابن سيرين: أتصلي إلى غير القبلة! فقال: إنما صليت النافلة إلى غير القبلة لأني رأيت النبي ﷺ يفعل ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " رأيت رسول الله ﷺ يفعله ". ويستفاد منه: جواز النافلة على الحمار وغيره من الدواب، ولا خلاف في ذلك إلاّ أن الجمهور اشترطوا في ذلك السفر خلافاً لأبي حنيفة. وعن مالك لا يجوز التنفل عليها إلاّ في سفر قصر. ٣٩١ - " باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها " ٤٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "صحبت

стр. 723

كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ". ٣٩٢ - " بَابُ مَنْ تطَوَّعَ في السَّفَرِ في غَيْرِ دُبُر الصَّلَوَاتِ وَقَبلَهَا " ٤٦٠ - عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁: " أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبحَةَ بَاللَّيْلِ في السَّفَرِ على ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْث تَوَجَّهَتْ بِهِ ". ــ رسول الله ﷺ فلم أره يسبّح في السفر " أي لم أره طوال صحبتي له يصلّي السنن القبلية والبعدية في السفر، أما النوافل المطلقة فقد كان يصليها كما سيأتي. " وقال الله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي وقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية باتباع نبينا، والاقتداء به، فينبغي أن نترك هذه السنن في السفر كما كان ﷺ يتركها اتباعاً لسنته، وعملاً بشريعته. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. ويستفاد منه: عدم مشروعية السنن القبلية والبعدية في السفر، وهو مذهب ابن عمر ومن وافقه من أهل العلم. قال الزرقاني: والمشهور عند جميع السلف جوازها، وبه قال الأئمة الأربعة لحديث البراء ﵁ قال: " سافرت مع رسول الله ﷺ ثمان عشر سفراً، فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر " أخرجه أبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: " فلم أره يسبح في السفر ". ٣٩٢ - " باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها " ٤٦٠ - ترجمة الراوي: وهو عامر بن ربيعة العنزي هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، واستخلفه عثمان على المدينة حين حج، وتوفى سنة ٣٢ من الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.

стр. 724

٣٩٣ - " بَابُ الجَمْعِ في السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغرِبِ والْعِشَاءِ " ٤٦١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ والْعَصْرِ، إِذَا كانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ الْمَغْرِبَ والْعِشَاءِ ". ــ معنى الحديث: يحدثنا عامر ﵁: " أنه رأى النبي ﷺ صلى السُّبحة " أي صلاة النافلة " بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به " أي مستقبلاً الجهة التي تتوجه إليها دابته. والمطابقة: في قوله ﵁: " صلّى السبحة بالليل في السفر ". ويستفاد منه: مشروعية النوافل المطلقة في السفر ولا خلاف في ذلك. ٣٩٣ - " باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء " ٤٦١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير " أي يجمع بينهما في السفر إذا أدركه الظهر أثناء سيره، " ويجمع بين المغرب والعشاء " في السفر جمع تأخير. الحديث: أخرجه البخاري تعليقاً، ووصله البيهقي كما قال الحافظ في " الفتح ". ويستفاد منه: مشروعية الجمع في السفر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جمع تأخير كما يجوز الجمع بين الظهر والعصر، جمع تقديم، وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز إلاّ في عرفة ومزدلفة لقول ابن مسعود ﵁: " والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله صلاة قط إلاّ لوقتها إلاّ صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع " أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: "كان رسول الله

стр. 725

٣٩٤ - " بَاب إِذَا لمْ يُطِقْ قَاعِدَاً صَلَّى عَلى جَنْبٍ " ٤٦٢ - عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ: كَانَت بِي بَوَاسِيرُ فَسَألتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: " صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدَاً، فَإِنْ لَمْ تَستَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ". ــ ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر". ٣٩٤ - " باب إذا لم يطق قاعداً صلّى على جنب " ٤٦٢ - معنى الحديث: يقول عمران بن حصين ﵁: " كانت بي بواسير " أي كان يشتد عليَّ ألمها فيضعفني، ويشق علي القيام، " فقال: صل قائماً " إن استطعت ذلك، ولو معتمدا على شيء، لأن القيام ركن لا يسقط إلاّ عند العجز عنه، " فإن لم تستطع " أي فإن عجزت عن القيام أو خشيت زيادة المرض " فقاعداً "، أي فصلِّ قاعداً، " فإن لم تستطع فعلى جنب " أي فصل مضطجعاً على جنبك الأيمن، كما جاء في رواية الدارقطني. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: " فإن لم تستطع فعلى جنب ". ويستفاد منه: أن المرء يصلّي قائماً إن وجد المقدرة على القيام ولو مستنداً إلى شيء، فإن لم يقدر على ذلك بأن وجد مشقة شديدة، أو خاف حدوث مرض، أو مضاعفته، أو دواراً، أو إغماء، أو خشى عدوّاً، أو غرقاً، صلّى قاعداً. وأفضل هيئات القعود عند أبي حنيفة الافتراش وعند الجمهور التربع. فإن شق عليه القعود صلّى مضطجعاً على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع فعلى الأيسر، فإن لم يستطع على جنبه صلى مستلقياً على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، والترتيب بين الجنبين والظَّهر مستحب عند الجمهور، واجب عند

стр. 726

٣٩٥ - " بَاب إِذَا صَلَّى قَاعِداً، ثُمَّ صَحَّ أوْ وَجَدَ خِفَّةً تمَّمَ مَا بَقِيَ " ٤٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّهَا لم تَرَ النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِداً قَطُّ حَتَّى أسَنَّ، فكانَ يَقْرأُ قَاعِدَاً حتى إِذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأ نَحْوَاً مِنْ ثَلَاثِينَ آيةً، أو أرْبَعِيْنَ آيَةً، ثُم رَكَعَ ". ــ الشافعية. وقالت الحنفية: إن تعذر القعود صلَّى مستلقياً أو على جنبه، والاستلقاء أفضل فإن عجز عن هذه الهيئات كلِّها، فقال الجمهور: يجري الذكر والقرآن على لسانه، فإن لم يستطع فعلى قلبه ويومىء للركوع والسجود. وقالت الحنفية: إن عجز عن الاستلقاء سقطت عنه الصلاة. ٣٩٥ - " باب إذا صلّى قاعداً ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي " ٤٦٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: " أنها لم تر النبي ﷺ يصلّي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسنّ " أي لم تره ﷺ يصلّي صلاة التهجد قاعداً، بل كان يصليها أغلب حياته قائماً، حتى كبر سنه، وشق عليه القيام " فكان يقرأ قاعداً، حتى إذا أراد أن يركع قام " أي فلما كبر سنه صار يبدأ الركعة قاعداً ويقرأ معظم قراءته وهو قاعدٌ فإذا قارب الركوع قام " فقرأ نحواً من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع "، ومعنى ذلك أنه يصلي بعض الركعة الأولى قاعداً وبعضها قائماً. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قولها: " فكان يقرأ قاعداً، فإذا أراد أن يركع قام " إلخ.

стр. 727

٤٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي رِوَايَة: " يَفْعَلُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثلَ ذَلِكَ، فإِذَا قَضَىَ صَلَاَتَهُ نَظرَ، فإِنْ كُنْتُ يَقْظى تَحَدَّثَ مَعِي، وِإنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ ". ــ ٤٦٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تذكر في هذه الرواية أنّ النبي ﷺ كان يفعل في الركعة الثانية مثل ما يفعل في الركعة الأولى (١) يعني أنه يبدأ القراءة في الركعة الثانية قاعداً، فإذا بقي عليه قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فأتم قراءته، ثم ركع، قالت: " فإذا قضى صلاته " أي: فإذا سلّم من صلاته " نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي "، أي: فإن وجدني مستيقظة قضى بعض الوقت في الحديث معي، " وإن كنت نائمة اضطجع " ليأخذ بعض الراحة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قولها: " يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك ". ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: أن المريض أو المسن الذي يشق عليه القيام إذا بدأ صلاته قاعداً، ووجد نشاطاً وقدرة على القيام أتم قائماً، ولا يجب عليه أن يستأنف صلاته، لأن النبي ﷺ لما أسن كان يصلي بعض الركعة قاعداً، وبعضها قائماً، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة، سواء قعد ثم قام، أو قام ثم قعد، الكل جائز. وحكى القاضي عياض عن الإِمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن: كراهية القعود بعد القيام، ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور. ثانياًً: حسن معاملته ﷺ لزوجاته ومؤانسته لهن.

стр. 728

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ التَّهَجُّد ٣٩٦ - " بَابُ فضل قِيامِ اللَّيْلِ " ٤٦٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الرَّجُل في حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا رَأى رُؤيَا قَصَّهَا على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَمَنيتُ أنْ أُرى رُؤيَا فَأقُصَّهَا علَى رسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلاماً شَاباً أنامُ في الْمَسْجِدِ علَى عهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ كأنَّ مَلَكَيْنِ أخذَانِي فذَهَبَا بِي إلى النارِ، فَإذَا هِيَ مَطْوِيَّة كَطي البِئرِ، وإذا لَهَا قرْنَانِ، وإذا فِيهَا أنَاسٌ قد عَرَفْتُهُمْ، فجعَلْتُ أقُولُ: أعوذُ باللهِ مِنَ ــ ٣٩٦ - " باب فضل قيام الليل " ٤٦٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ " أي أخبره برؤياه ليعبّرها له تعبيراً صحيحاً فيستفيد منها في دينه ودنياه، لأن تعبير الأنبياء بوحي من الله تعالى كما قال يوسف ﵇: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية " أي مبنية الجوانب كالبئر، " وإذا لها قرنان "، أي جداران في أعلاها مثل الجدارين اللذين يكونان فوق البئر، "وإذا فيها أناس قد

стр. 729

النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَر، فقالَ لي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتهَا حَفْصَةُ على رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: " نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلي مِنَ اللَّيْلِ " فكانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلاً ". ٣٩٧ - " بَابُ ترْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيض " ٤٦٦ - عَنْ جُنْدُبَ بْنِ عَبْد اللهِ البَجَلِي ﵁ قَالَ: ــ عرفتهم" ولم يذكر أسماءهم للستر عليهم، " فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع " أي لا خوف عليك فلن يصيبك مكروه. " فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل "، أي تمنى له النبي ﷺ أن يتوج أعماله الصالحة بقيام الليل، لأن في هذه الرؤيا تنبيه له على هذا القيام، وتحريض له عليه. قال المهلب: وإنما فسر النبي ﷺ هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئاً يغْفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار، فعبر ذلك بأنه تنبيه له في هذه الرؤيا على قيام الليل. الحديث: أخرجه الشيخان. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل ابن عمر ﵄ وصلاحه وحسن سيرته، لأن النبي ﷺ أثنى عليه بقوله: " نعم الرجل عبد الله ". ثانياًً: الترغيب في صلاة الليل، وبيان فضلها ومكانتها، وأنها من أشرف الطاعات، وأفضل العبادات. وأنّها سبب في النجاة من النار، والارتقاء في مقامات الصالحين الأخيار. والمطابقة: في قوله: " لو كان يصلّى من الليل ". ٣٩٧ - " باب ترك القيام للمريض " ٤٦٦ - معنى الحديث: يقول جندب ﵁: "اشتكى

стр. 730

"اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ". ٣٩٨ - " بَابُ تحْرِيض النَّبيِّ ﷺ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ والنَّوَافِل مِنْ غَيْرِ إيجاب " ٤٦٧ - عَنْ عَلِي ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَقَالَ: "ألا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أنفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِنْ شَاءَ أنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا (١)، فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إليَّ شَيئاً، ثم سَمِعْتُهُ ــ النبي ﷺ " أي أصابه ﷺ مرض منعه من صلاة الليل، " فلم يقم ليلة أو ليلتين " أي فترك القيام لمدة ليلة أو ليلتين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فلم يقم ". فقه الحديث: دل الحديث على أنه ينبغي للمسلم أن لا يشدد على نفسه في قيام الليل. فإذا كان مريضاً فإنّه يترك القيام أثناء مرضه رفقاً بنفسه، واقتداءً بالنبي ﷺ ، وسيكتب له ثواب ذلك القيام الذي تعوّد عليه. ٣٩٨ - " باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب " ٤٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا علي بن أبي طالب ﵁: " أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة " أي: أتاهما ليلاً " فقال: ألا تصليان؟ "، أي فوجدهما نائمين، فحثهما على الصلاة، " فقلنا: يا رسول الله أنفسنا يد الله " أي: فاعتذرنا بأننا إنما تركنا الصلاة دون إرادتنا، لأنّا كنّا نائمين،

стр. 731

وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) ". ٣٩٩ - " بَابُ مَنْ نامَ عِنْدَ السَّحَرَ " ٤٦٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " مَا ألْفَاهُ ﷺ السَّحَرُ عِنْدِي إلَّا نَائِمَاً " تَعْنِى النَّبِيَّ ﷺ . ــ وأرواحنا ليست بأيدينا حتى نستيقظ متى شئنا، " فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع " بفتح الياء " إليّ شيئاً " أي لم يرد على جواباً، " ثم سمعته وهو مولِّ يضرب على فخذه وهو يقول: " وكان الإِنسان أكثر شيء جدلاً "، وإنما ضرب ﷺ على فخذه، وذكر الآية الكريمة تعجباً من تسرع عليٍّ ومبادرته إلى هذا الجواب، وتعبيراً عن عدم موافقة النبي ﷺ له عليه، كما أفاده النووي. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية التحريض على قيام الليل والحث عليه وإيقاظ النائمين له. ثانياً: أنه ينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه في المواظبة على النوافل والطاعات من قيام وغيره، وأن لا يبادر إلى التماس الأعذار، وإنما يحاول التغلب عليها ما أمكن، لأنّ النبي ﷺ لم يوافق علياً على الاعتذار بالنوم في ترك القيام، كما أفاده النووي. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " ألا تصليان ". ٣٩٩ - " باب من نام عند السحر " ٤٦٨ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵄: " ما ألفاه السحر عندي إلاّ نائماً "، أي لا أجد النبي ﷺ وقت السحر - إذا بات عندي إلاّ نائماً. لأنه ﷺ كان يتهجد بعد نصف الليل إلى السحر، ثم ينام

стр. 732

٤٠٠ - " بَابُ طُولِ الْقِيَامِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ " ٤٦٩ - عنِ ابْنِ مسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ ﷺ قَائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأمْر سُوءٍ، قِيلَ، مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أقْعُدَ وَأذَرَ النَّبِيَّ ﷺ ". ــ حتى الفجر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، وابن ماجة. فقه الحديث: دل الحديث على أنه يسن لمن يقوم الليل أن ينام عند السحر، كما ترجم له البخاري، لأن تقسيم الليل إلى وقت للعبادة، ووقت للراحة، أنشط للجسم والنفس وأدعى للاستمرار والدوام والمواظبة على قيام الليل دون سآمة أو ملل، وأفضل الأعمال ما داوم عليه فاعِلُهُ، لقول عائشة ﵂: " كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ أدومه، ثم قيل لها: متى كان يقوم ﷺ كما قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ " أي إذا سمع أصوات الديكة عند منتصف الليل، أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قولها: " ما ألفاه السحر عندي إلاّ نائماً ". ٤٠٠ - " باب طول القيام في صلاة الليل " ٤٦٩ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " صليت مع النبي ﷺ فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء "، أي: حتى عزمت على فعل سيء قبيح، " قيل ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد "، أي: فلما أطال النبي ﷺ القيام في الصلاة تعبت تعباً شديداً، وشق عليَّ طول الوقوف حتى عزمت على الجلوس. قال القسطلاني: وإنما جعله أمر سوء، وإن كان القعود في النفل جائزاً، لأن فيه ترك الأدب معه ﷺ وصورة من مخالفته.

стр. 733

٤٠١ - " بَاب كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَمْ كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ " ٤٧٠ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَعْنِى بالَّليْلٍ". ــ الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة والترمذي في " الشمائل ". والمطابقة: في قوله: " فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء ". فقه الحديث: دل الحديث على استحباب طول القيام في صلاة الليل، وهو أفضل من كثرة الركوع والسجود عند الجمهور لحديث الباب، وحديث جابر ﵁ سُئلَ رسول الله ﷺ عن أي الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت " أي القيام. أخرجه مسلم بهذا اللفظ وأبو داود بلفظ: " طول القيام ". وقال الأوزاعي والشافعي في قول وأحمد في رواية: كثرة الركوع والسجود أفضل لحديث ثوبان أنه ﷺ قال: " أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود ". أخرجه مسلم. ٤٠١ - " باب كيف صلاة النبي ﷺ ، وكم كان النبي ﷺ يصلي من الليل " ٤٧٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل " أي: كانت صلاة النبي ﷺ الليلية التي يصليها ما بين صلاة العشاء وصلاة الصبحٍ لا تزيد عن ثلاث عشرة ركعة بما فيها الوتر وسنة الفجر، كما جاء موضحا في رواية الشعبي، حيث قال: سألت ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله ﷺ فقالا: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، ويوتر بثلاث،

стр. 734

٤٧١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ ورَكْعَتَا الْفَجْرِ ". ٤٠٢ - " بَابُ قِيامِ النَّبِيِّ ﷺ باللَّيْلِ وَنوْمُهُ وَمَا نسِخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ " ٤٧٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظنَّ أنَّهُ لا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئاً، وَيَصُومُ حَتَّى نَظنَّ أن لا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئاً، وكانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ ــ وركعتين قبل الفجر. اهـ، كما أفاده ابن القيم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة ". ٤٧١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر " أي كان مجموع صلاته ﷺ بالليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وسنة الفجر. ويوضح ذلك الرواية الثالثة التي رواها الشعبي عن ابن عمر وابن عباس، التي تقدم ذكرها في شرح الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها: " كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة " إلخ. فقه الحديثين: دل الحديثان على أن عدد الركعات المسنونة في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة بما فيها الوتر، وسنة الفجر، والله أعلم. ٤٠٢ - " باب قيام النبي ﷺ بالليل ونومه وما نسخ من قيام الليل " ٤٧٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: "كان النبي

стр. 735

مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّياً إلاّ رَأيتَهُ، ولا نَائِمَاً إلاّ رَأيْتَهُ". ــ ﷺ يفطر من الشهر حتي نظن أنه لا يصوم ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر " وفي رواية أبي داود عن ابن عباس أنه ﷺ " كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم ". والمعنى: " أنه ﷺ كان إذا صام صيام التطوع تابع الصيام حتى نظن أنه لا يفطر، وإذا أفطر تابع الإِفطار حتى نظن أنه لا يصوم. هكذا كانت حالته ﷺ في سائر شهور السنة، فقد يصوم من الشهر أياماً كثيرة جداً، حتى يخيل لأصحابه أنه سيستكمل الشهر كله، لكنه لا يستكمل الشهر كله صائماً، كما قالت عائشة ﵂: " وما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً إلاّ رمضان " أخرجه الترمذي وذلك لئلا يظن وجوبه، كما أفاده النووي. " وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلّا رأيته، ولا نائماً إلاّ رأيته " أي وكان ﷺ لا يتقيد في النوافل الليلية غير الراتبة (١) بوقت معين. بل يأتي بها تارة في أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، بحيث لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلّا رأيته. قال الحافظ: " أي من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائماً فراقبه المرة بعد المرة، فلا بد أن يراه على وفق. ما أراد أن يراه، وكذلك من أراد أن يراه نائماً، لأنه ﷺ لا يستوعب الليل كله قائماً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي بألفاظ. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن النبي ﷺ كان لا يتقيد في النوافل الليلية الزائدة على صلاة الليل بوقت محدد وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًً: أنه يكره قيام الليل كله، لأنه خلاف سنته ﷺ . والمطابقة: في قوله: " وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلاّ رأيته ".

стр. 736

٤٠٣ - "بَابُ عَقْدِ الشيطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأس إذَا لَمْ يُصَلِّ بِالَّليْلِ " ٤٧٣ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُول اللهَ ﷺ قَالَ: " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيةِ رَأس أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلتْ عُقْدَةٌ، فإِنْ تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فأصْبَحَ نَشِيطاً طيبَ النَّفْس، وإلّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ". ــ ٤٠٣ - " باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل " ٤٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد " أي يربط الشيطان على مؤخرة رأس النائم ثلاث عقد، يتلو عليها بعض الكلمات، ويضرب عليها بيده، مخاطباً نفس النائم بقوله: " عليك ليل طويل " أي قد بقي قدر طويل من الليل فنم ما شئت، فإنك إذا استيقظت وجدت الوقت الكافي لأداء صلاة الليل أو صلاة الصبح في وقتها، " فارقد " فإن الوقت لا زال مبكراً. وإنما يربط على مؤخرة الرأس خاصة لأنَّها مركز القوى الواهمة، فإذا ربط عليها أمكنه السيطرة على روح الانسان، وإلقاء النوم عليه " فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة " بسبب ذكر الله تعالى، " فإذا توضأ انحلت عقدة " ببركة الوضوء، " فإن صلّى انحلت عقده " أي: فإذا صلى صلاة الليل أو صلاة الصبح انفكت العقدة الثالثة " فأصبح نشيطاً طيب النفس " أي: نشيط البدن، مرتاح النفس، " وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " أي قلق النفس فاتر الحركة. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي.

стр. 737

٤٠٤ - " بَابٌ إِذَا نامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيطَانُ في أذُنِهِ " ٤٧٤ - عنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: ذكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُل فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمَاً حَتَّى أصْبَحَ، مَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: " بَالَ الشيطَان في أذنِهِ ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: التحذير مما يفعله الشيطان من إرخاء النوم على المسلم، وحرمانه من صلاة الليل أو صلاة الصبح، بسبب هذه العقد، وأنه متى استيقظ وذكر الله انحلت العقدة الأولى، ثم تنحل الثانية بالوضوء، والثالثة بالصلاة. ومن أراد وقاية نفسه من ذلك، فعليه بقراءة آية الكرسي قبل نومه. ثانياًً: أن صلاة الصبح في وقتها سبب للنشاط الجسمي والراحة النفسية، وكذلك صلاة الليل. والمطابقة: في قوله: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ". ٤٠٤ - " باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه " ٤٧٤ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح " أي استمر نائماً ولم يصلّ الصبح حتى طلعت عليه الشمس. " فقال: بال الشيطان في أذنه " حقيقة فَسَدَّ أذنيه عن سماع أذان الفجر، وأرخى عليه النوم، حتى فاتته صلاة الصبح. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل الحديث على أن النوم عن صلاة الصبح غالباً ما يكون من الشيطان، حيث يبول حقيقة في أذن العبد، فيرخي عليه النوم، وهذا غاية الإِذلال والِإهانة له، أن يتخذه الشيطان له كنيفاً، كما قال القرطبي. قال القسطلاني ولا مانع من ذلك، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب

стр. 738

٤٠٥ - " بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ " ٤٧٥ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسألنِي فَأعْطِيَهُ، من يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ ". ــ وينكح، فلا مانع من أن يبول. والمطابقة: في قوله: ﷺ " بال الشيطان في أذنه ". ٤٠٥ - " باب الدعاء والصلاة من آخر الليل " ٤٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أنّ رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر " نزولاً يليق بعظمته وجلاله، نؤمن به ولا نكيفه، ولا نأوّله، قال البيهقي: أسْلَمُ الأقوال الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد، وهو مذهب السلف " يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه " والفرق بينهما أن السؤال يختص بطلب المحبوب، والدعاء يعم طلب المحبوب ودفع المكروه، " من يستغفرني فأغفر له " أي من يسألني العفو عن ذنوبه فأعفو عنه. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله تعالى: " من يدعوني فأستجيب له ". فقه الحديث: دل الحديث على استحباب الدعاء عند القيام لصلاة الليل (١) والاستغفار والسؤال، لأنه وقت إجابة الدعوات وقضاء الحاجات.

стр. 739

٤٠٦ - "بَابُ مَنْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وأحْيَا آخِرَهُ " ٤٧٦ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولَ اللهَ ﷺ باللَّيْلَ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إلى فِرَاشِهِ فإِذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وِإلّا تَوضَّأ وَخَرَجَ. ٤٠٧ - " بَابُ قِيامَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ في رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ " ٤٧٧ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: ــ ٤٠٦ - " باب من نام أول الليل وأحيا آخره " أي أنّ من عمل ذلك فقد عمل بسنة النبي ﷺ التي كان عليها ﷺ . ٤٧٦ - معنى الحديث: كما تقول عائشة: أنّه ﷺ كان ينام النصف الأول من الليل، ويستيقظ بعد ذلك، فيصلي ثلث الليل، ثم يعود في السدس الأخير من الليل إلى فراشه كي يستريح ويؤانس أهله، " فإذا أذّن المؤذن وثب، فإن كان به حاجة اغتسل " أي فإذا سمع أذان الفجر نهض من فراشه، فإن كان جنباً اغتسل، وإلّا ذهب لصلاة الصبح. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة تقسيم الليل إلى ثلاثة أقسام النصف الأول للنوم، والثلث الذي يليه للتهجد، والسدس الأخير للراحة والفراش. والمطابقة: في قولها: " كان ينام أوله ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي في " الشمائل ". ٤٠٧ - " باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره " ٤٧٧ - معنى الحديث: أن صلاة النبي ﷺ كما تقول عائشة رضي

стр. 740

أنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلاِتهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَقَالَتْ: " مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبعاً فلا تَسألْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبعاً فلا تَسأل عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أتُنَامُ قبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولَا يَنَامُ قَلْبِي ". ــ الله عنها: كانت متساوية في سائر شهور السنة، لا تزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، منها الوتر " يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن " فقد بلغن غاية الحسن والكمال في جودة القراءة وطول القيام والركوع والسجود، " ثم يصلّي ثلاثاً " ركعتين شفعاً وركعة وتراً. " فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر "، أي: كيف تنام قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر، كما أفاده الزرقاني، " فقال: يا عائشة إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي "، أي إنما أؤخر الوتر إلى آخر الليل، وأنام قبله، لأنني لا أخشى على نفسي أن أغفل عنه فيفوتني، فإن قلبي لا ينام وإن نامت عيني، كما هو الشأن في سائر الأنبياء ". الحديث: أخرجه الخمسة ولم يخرجه ابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " ما كان يزيد في رمضان ولا غيره إلخ ". فقه الحديث: دل الحديث على أن صلاة النبي ﷺ الليلية كانت متساوية في جميع الليالي لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة بالوتر. ***
следующие страницы →