← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٤٠٣ - "بَابُ عَقْدِ الشيطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأس إذَا لَمْ يُصَلِّ بِالَّليْلِ " ٤٧٣ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُول اللهَ ﷺ قَالَ: " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيةِ رَأس أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلتْ عُقْدَةٌ، فإِنْ تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فأصْبَحَ نَشِيطاً طيبَ النَّفْس، وإلّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ". ــ ٤٠٣ - " باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل " ٤٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد " أي يربط الشيطان على مؤخرة رأس النائم ثلاث عقد، يتلو عليها بعض الكلمات، ويضرب عليها بيده، مخاطباً نفس النائم بقوله: " عليك ليل طويل " أي قد بقي قدر طويل من الليل فنم ما شئت، فإنك إذا استيقظت وجدت الوقت الكافي لأداء صلاة الليل أو صلاة الصبح في وقتها، " فارقد " فإن الوقت لا زال مبكراً. وإنما يربط على مؤخرة الرأس خاصة لأنَّها مركز القوى الواهمة، فإذا ربط عليها أمكنه السيطرة على روح الانسان، وإلقاء النوم عليه " فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة " بسبب ذكر الله تعالى، " فإذا توضأ انحلت عقدة " ببركة الوضوء، " فإن صلّى انحلت عقده " أي: فإذا صلى صلاة الليل أو صلاة الصبح انفكت العقدة الثالثة " فأصبح نشيطاً طيب النفس " أي: نشيط البدن، مرتاح النفس، " وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " أي قلق النفس فاتر الحركة. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي.

стр. 737

٤٠٤ - " بَابٌ إِذَا نامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيطَانُ في أذُنِهِ " ٤٧٤ - عنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: ذكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُل فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمَاً حَتَّى أصْبَحَ، مَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: " بَالَ الشيطَان في أذنِهِ ". ــ ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: التحذير مما يفعله الشيطان من إرخاء النوم على المسلم، وحرمانه من صلاة الليل أو صلاة الصبح، بسبب هذه العقد، وأنه متى استيقظ وذكر الله انحلت العقدة الأولى، ثم تنحل الثانية بالوضوء، والثالثة بالصلاة. ومن أراد وقاية نفسه من ذلك، فعليه بقراءة آية الكرسي قبل نومه. ثانياًً: أن صلاة الصبح في وقتها سبب للنشاط الجسمي والراحة النفسية، وكذلك صلاة الليل. والمطابقة: في قوله: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ". ٤٠٤ - " باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه " ٤٧٤ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: " ذكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح " أي استمر نائماً ولم يصلّ الصبح حتى طلعت عليه الشمس. " فقال: بال الشيطان في أذنه " حقيقة فَسَدَّ أذنيه عن سماع أذان الفجر، وأرخى عليه النوم، حتى فاتته صلاة الصبح. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل الحديث على أن النوم عن صلاة الصبح غالباً ما يكون من الشيطان، حيث يبول حقيقة في أذن العبد، فيرخي عليه النوم، وهذا غاية الإِذلال والِإهانة له، أن يتخذه الشيطان له كنيفاً، كما قال القرطبي. قال القسطلاني ولا مانع من ذلك، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب

стр. 738

٤٠٥ - " بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ " ٤٧٥ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَنْزِلُ رَبُّنا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسألنِي فَأعْطِيَهُ، من يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ ". ــ وينكح، فلا مانع من أن يبول. والمطابقة: في قوله: ﷺ " بال الشيطان في أذنه ". ٤٠٥ - " باب الدعاء والصلاة من آخر الليل " ٤٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أنّ رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر " نزولاً يليق بعظمته وجلاله، نؤمن به ولا نكيفه، ولا نأوّله، قال البيهقي: أسْلَمُ الأقوال الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد، وهو مذهب السلف " يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه " والفرق بينهما أن السؤال يختص بطلب المحبوب، والدعاء يعم طلب المحبوب ودفع المكروه، " من يستغفرني فأغفر له " أي من يسألني العفو عن ذنوبه فأعفو عنه. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله تعالى: " من يدعوني فأستجيب له ". فقه الحديث: دل الحديث على استحباب الدعاء عند القيام لصلاة الليل (١) والاستغفار والسؤال، لأنه وقت إجابة الدعوات وقضاء الحاجات.

стр. 739

٤٠٦ - "بَابُ مَنْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وأحْيَا آخِرَهُ " ٤٧٦ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولَ اللهَ ﷺ باللَّيْلَ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إلى فِرَاشِهِ فإِذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وِإلّا تَوضَّأ وَخَرَجَ. ٤٠٧ - " بَابُ قِيامَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ في رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ " ٤٧٧ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: ــ ٤٠٦ - " باب من نام أول الليل وأحيا آخره " أي أنّ من عمل ذلك فقد عمل بسنة النبي ﷺ التي كان عليها ﷺ . ٤٧٦ - معنى الحديث: كما تقول عائشة: أنّه ﷺ كان ينام النصف الأول من الليل، ويستيقظ بعد ذلك، فيصلي ثلث الليل، ثم يعود في السدس الأخير من الليل إلى فراشه كي يستريح ويؤانس أهله، " فإذا أذّن المؤذن وثب، فإن كان به حاجة اغتسل " أي فإذا سمع أذان الفجر نهض من فراشه، فإن كان جنباً اغتسل، وإلّا ذهب لصلاة الصبح. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة تقسيم الليل إلى ثلاثة أقسام النصف الأول للنوم، والثلث الذي يليه للتهجد، والسدس الأخير للراحة والفراش. والمطابقة: في قولها: " كان ينام أوله ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي في " الشمائل ". ٤٠٧ - " باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره " ٤٧٧ - معنى الحديث: أن صلاة النبي ﷺ كما تقول عائشة رضي

стр. 740

أنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلاِتهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَقَالَتْ: " مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبعاً فلا تَسألْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبعاً فلا تَسأل عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أتُنَامُ قبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولَا يَنَامُ قَلْبِي ". ــ الله عنها: كانت متساوية في سائر شهور السنة، لا تزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، منها الوتر " يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن " فقد بلغن غاية الحسن والكمال في جودة القراءة وطول القيام والركوع والسجود، " ثم يصلّي ثلاثاً " ركعتين شفعاً وركعة وتراً. " فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر "، أي: كيف تنام قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر، كما أفاده الزرقاني، " فقال: يا عائشة إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي "، أي إنما أؤخر الوتر إلى آخر الليل، وأنام قبله، لأنني لا أخشى على نفسي أن أغفل عنه فيفوتني، فإن قلبي لا ينام وإن نامت عيني، كما هو الشأن في سائر الأنبياء ". الحديث: أخرجه الخمسة ولم يخرجه ابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " ما كان يزيد في رمضان ولا غيره إلخ ". فقه الحديث: دل الحديث على أن صلاة النبي ﷺ الليلية كانت متساوية في جميع الليالي لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة بالوتر. ***

стр. 741

٤٠٨ - " بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ في الْعِبَادَةِ " ٤٧٨ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فإِذا حَبْلٌ مَمْدُود بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فقَالَ: " ما هَذَا الْحَبْلُ؟ " قَالُوا: هَذَا حَبْل لزَيْنَبَ، فَإِذا فَتَرَتْ، تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ ". ٤٠٩ - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ترْكِ قِيامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ " ٤٧٩ - عن عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرُو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: ــ ٤٠٨ - " باب ما يكره من التشديد في العبادة " ٤٧٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل " أي رأى النبي ﷺ حبلاً ممدوداً بين ساريتين في المسجد، فسأل عن صاحبه، " فقالوا: هذا لزينب " بنت جحش ﵂: " فإذا فترت تعلقت به " أي: تطيل القيام، فإذا غلب عليها التعب تعلقت به لتستعين به على القيام في صلاتها، " فقال: لا، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه " أي وقت نشاطه، كما قال القاري. ويستفاد منه: كراهية التشدد في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " ليصل أحدكم نشاطه ". ٤٠٩ - " باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه " ٤٧٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ حذَّر عبد الله بن عمرو أن

стр. 742

قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَان كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل ". ٤١٠ - " بَابْ فضلِ مَنْ تعَارَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى " ٤٨٠ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّاِمت ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، الحمدُ الله، وسُبْحَانَ اللهِ، ولا إِلَهَ إِلَّا الله، وَاللهُ أكبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا ــ يترك صلاة الليل كما فعل فلان من الناس، ولم يذكر ﷺ ستراً عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل الحديث على كراهية ترك ما تعود عليه الإنسان من قيام الليل وغيره من الأعمال الصالحة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لا تكن مثل فلان " إلخ. ٤١٠ - " باب فضل من تعارّ من الليل فصلى " ٤٨٠ - معنى الحديث: - يقول النبي ﷺ " من تعارّ من الليل "، أي: من استيقظ من نومه ليلاً، " فقال: لا إله، إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك "، أي: فذكر الله تعالى بقوله: لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك "، أي: المنفرد وحده بالألوهيّة والملك الدائم دون سواه، لأن كل ملك لغيره إلى زوال، " وله الحمد "، أي المنفرد بالثناء الكامل، والشكر الحقيقي، لتفرده بالكمال المطلق والإِنعام الحقيقي، إذ هو مصدر كل النعم كما قال : (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) "وهو على شيء

стр. 743

باللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أو دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى قبِلَتْ صَلَاتُةُ". ٤١١ - " بَابُ تعَاهُدِ رَكْعَتَي الْفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهَا تطَوُعَاً " ٤٨١ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " لَمْ يَكُن النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوافِل أشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُداً على رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ". ــ قدير، الحمد لله، وسبحان الله"، أي إن الثناء المطلق والتنزيه الكامل لله ، لأنه الموصوف بكل صفات الجلال والجمال، المنزه عن مشابهة المخلوقات (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) " ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوة إلاّ بالله " أي لا تحوّل عن المعصية، ولا قدرة على الطاعة إلاّ بعصمته وتوفيقه " (١)، " ثم قال: " اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له " ونال طلبه ومراده. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: فائدة هذا الذكر المبارك له نفعه لمن قاله بيقين وإيمان بعد استيقاظه من نوم الليل ودعا، فإنه يستجاب له. ثانياً: أن صلاة الليل بعد هذا الذكر مقبولة. الحديث: أخرجه أيضاً أصحاب السنن. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٤١١ - " باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سمَّاها تطوعاً " ٤٨١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر " أي

стр. 744

٤١٢ - " بَاب مَا يقْرَأُ في رَكعتَيَ الفجْرِ " ٤٨٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُخَفِّف الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبحِ حَتَّى إِنِّي لأقول هَلْ قَرأ بِأُمِّ الْكِتَابِ ". ــ لم يكن ﷺ يحافظ على شيء من السنن الراتبة أشد محافظة منه على ركعتي الفجر. فقه الحديث: دلَّ هذا الحديث على مداومته ﷺ على ركعتي الفجر، ومواظبته عليها، ولهذا قالت الشافعيّة: ركعتا الفجر سنة مؤكدة، وقالت الحنفية، هما آكد السنن، وقالت المالكية: ركعتا الفجر رغيبة، والرغيبة في اصطلاحهم أقل من السنة، وهي الصلاة التي فعلها النبي ﷺ ، ولم يظهرها في جماعة. واختلفوا في قضائها. فقال الجمهور: تقضى إلى الزوال خلافاً للحنفية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث. ٤١٢ - " باب ما يقرأ في ركعتي الفجر " ٤٨٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ " كان النبي ﷺ يخفف الركعتي اللتين قبل الصبح "، أي أنه ﷺ كان يخفف ركعتي الفجر، ويسرع فيها " حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب "، أي حتى أنني من شدة تخفيفه لها أشك فأقول في نفسي هل قرأ فيها بالفاتحة، أو لم يقرأ شيئاً. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب تخفيف القراءة في ركعتي الفجر. ولهذا قال مالك في المشهور عنه: يقتصر فيها على

стр. 745

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " أبوابُ التطوع " ٤١٣ - " بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضر " ٤٨٣ - عنْ أبي هريْرَةَ ﵁ قَالَ: " أوْصَانِى خَلِيلي بِثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ حتى أمُوتَ، صْومِ ثَلَاثَةِ أيام مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَنَوْم عَلَى وِتْرٍ ". ــ قراءة الفاتحة فقط، لقول عائشة ﵂: " إني لأقول: هل قرأ بأم القرآن ". وقال أحمد وأبو حنيفة: يقرأ سورتي الكافرون والاخلاص، لقوله ﷺ : " نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر "، أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الشافعي: يقرأ في الأولى (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ) التي في البقرة، وفي الثانية (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ) التي في آل عمران، لما في حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ كان يقرأ بذلك. أخرجه مسلم. ثانياً: الإسرار في ركعتي الفجر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قولها: " إني لأقول هل قرأ بأم القرآن ". ٤١٣ - " باب صلاة الضحى في الحضر " ٤٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت " أي أمرني حبيبي رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء هي من أفضل الأعمال فلا أتركها مدى الحياة، ولا أزال أحافظ عليها

стр. 746

٤١٤ - " بَابُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبلَ الظُّهْرِ " ٤٨٤ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " حَفِظتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ في بَيْتهِ، ورَكْعتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ في بَيْتهِ، ورَكْعَتَيْنَ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبحَ ". ــ حتى أموت. الأول: " صوم (١) ثلاثة أيام من كل شهر " وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر المعروفة بالأيام البيض. " وصلاة الضحى " أي: والثاني ركعتا الضحى، ووقتها عند حلّ النافلة. " ونوم على وتر " أي والثالث أن لا أنام حتى أصلّي صلاة الوتر فأقدم الوتر على النوم، وأصليه أوّل الليل. فقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب صلاة الضحى، وتصلى عند حل النافلة، وهو ما ترجم له البخاري، وأقلها ركعتان، وأوسطها أربع، وأكثرها ثمان. ثانياً: صوم الأيام البيض من كل شهر، وهي من الأيام التي يستحب صيامها. ثالثاً: استحباب تقديم صلاة الوتر في أول الليل وأدائها قبل النوم. قال العيني: وهو محمول على من لم يستيقظ آخر الليل، فإن أمن فالتأخير أفضل، للحديث الصحيح " فانتهى وتره إلى السحر ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ أوصى بصلاة الضحى وهذا يدل على مشروعيتها واستحبابها كما ترجم له البخاري. ٤١٤ - " باب الركعتين قبل الظهر " ٤٨٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "حفظت

стр. 747

من النبي ﷺ عشر ركعات" أي أحصيت عدد الركعات التي كان النبي ﷺ يصليها من السنن الرواتب التي قبل الصلاة وبعدها، وعَدَدْتها فوجدنها عشر ركعات " ركعتين قبل الظهر "، أي: يصلي ركعتين قبل الظهر، " وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته " أي: ويصلي ركعتين بعد المغرب في بيته، " وركعتين بعد العشاء في بيته " أيضاً، " وركعتين قبل صلاة الصبح " وهما ركعتا الفجر، فهذه عشر ركعات. فقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية السنن الرواتب القبلية والبعدية، وكونها عشر ركعات، وهو مذهب الجمهور. وقال مالك: ليس هناك سنن رواتب ولا توقيت للنوافل صيانة للفرائض من أن تختلط بها سواها، ولا يمنع من التطوع بما شاء كما أفاده العيني. ثالماً: أن السنة القبلية للظهر ركعتان كما رواه ابن عمر في حديث الباب، لكن جاء في رواية عائشة: " أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر " وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأنه ﷺ كان يصلي في المسجد ركعتين وفي البيت ركعتين، فرأت عائشة هذه وهذه، ولم ير ابن عمر سوى الركعتين التي كان يصليهما في المسجد. كما أفاده العيني، وعلى رواية عائشة تكون الرواتب اثنتي عشر ركعة. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " وركعتين قبل الظهر ". ***

стр. 748

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤١٥ - " كتَابُ فضلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ والْمَدِينَةَ " ٤٨٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لا تُشَدّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأقْصَى ". ــ ٤١٥ - " باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة " أي فضلها بزيادة ثوابها وأجرها فيهما ومضاعفته في الفرض والنفل معاً كما ذهب إليه الجمهور. وأما قوله ﷺ : " أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة " فيمكن الجمع بينه وبين أحاديث الباب بحمله على غير الحرمين الشريفين بأن تكون النافلة في البيت أفضل في غير الحرمين. ٤٨٥ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد "، أي لا يسن السفر إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة كما جاء مصرحاً بذلك في رواية مسلم، حيث قال ﷺ : " إنما يسن السفر إلى ثلاثة مساجد، الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا " وهي المساجد المذكورة في قوله ﷺ : " المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى "، وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ مرفوعاً: " خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق " أخرجه ابن حيان والطبراني، وفي رواية البخاري: " إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الاستثناء يفيد الأفضلية.

стр. 749

٤٨٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: " صَلَاة في مَسْجِدِي هَذَا خَير منْ ألْفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الْحَرَامَ ". ــ فقه الحديث: دل الحديث: أولاً: على فضل الصلاة في الحرمين وزيادة ثوابها فيهما. فرضاً كانت أو نفلاً كما عليه الجمهور، لأنّ استثناءهما في قوله ﷺ : " لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، يدل على أفضليتهما، ومضاعفة أجر الصلاة فيهما. قال الحافظ: في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها، لأنها مساجد الأنبياء. اهـ. ولأن المسجد الحرام قبلة الناس، والمسجد النبوي أول مسجد أسس على التقوى، والأقصى قبلة الأمم السابقة. ثانياًً: أنه لا يستحب ولا يسن السفر لقصد الصلاة. والتعبد إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة، كما جاء منصوصاً عليه في رواية مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينبغى للمطيّ أن يشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا " رواه أحمد. ٤٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: " أنّ النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه " أي: أن الصلاة في المسجد النبوي، وفي أي بقعة منه على مر العصور، مهما كبر واتسع أفضل وأكثر ثواباً من الصلاة في غيره ألف مرة " إلاّ المسجد الحرام " أي: لا يستثنى من هذه الأفضلية سوى المسجد الحرام، قال الكرماني: والاستثناء هنا يحتمل أموراً ثلاثة: أن يكون المسجد الحرام مساوياً لمسجد الرسول ﷺ أو أفضل منه أو دونه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.

стр. 750

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: فضل الصلاة في المسجد النبوي على الصلاة في غيره ألف مرة، ومضاعفة ثوابها وأجرها ألف ضعف. واختلفوا في المسجد الحرام: هل الصلاة فيه أفضل، أو الصلاة في المسجد النبوي أفضل، فقال مالك: الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل. ولكن الجمهور يرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، لأن الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة في غيره وذلك لما رواه أحمد عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: " صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا " يعني المسجد النبوي وغيره من النصوص، فتكون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. وأما المسجد الأقصى، فقد سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة فيه، فقال: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات " أي في المسجد الأقصى ثانياً: أن فضل الصلاة في مسجده ﷺ لا يختص بالبقعة التي كانت في زمنه، بل يدخل في ذلك كل بقعة أخرى تضاف إليه على مر العصور والأزمان، لأن الإشارة في قوله ﷺ : " صلاة في مسجدى هذا " إشارة معنوية لا حسية، فيدخل فيه كل توسعة وزيادة تضاف إليه، كما يدل عليه قوله ﷺ : " لو بلغ مسجدي إلى صنعاء فهو مسجدي " رواه الزبير بن بكار في " أخبار المدينة " عن أبي هريرة ﵁. والمطابقة: في قوله: " خير من ألف صلاة فيما سواه ". ***

стр. 751

٤١٦ - " بَابُ إتيانِ مَسْجِدِ قُباءَ رَاكِبَاً أوْ مَاشيَاً " ٤٨٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأتِي قُبَاءَ مَاشِياً وَرَاكِبَاً، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ". ــ ٤١٦ - " باب إتيان مسجد قباء راكباً أو ماشياً " ٤٨٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان النبي ﷺ يأتي قباء " كل سبت، أي: كان ﷺ يداوم ويواظب على زيارة مسجد قباء والذهاب إليه أسبوعياً كل يوم سبت في وقت الضحى " ماشياً وراكباً " في محل نصب على الحال، أي: كان يحرص على هذه الزيارة في جميع الأحوال، فإن تيسر له الركوب ذهب إليه راكباً، وإلّا فإنه يذهب إليه ماشياً " فيصلّي فيه ركعتين " وفي رواية: " فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلّي ركعتين ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: قال العيني: فيه دلالة على فضل قباء وفضل المسجد الذي فيها، وفضل الصلاة فيه. ثانياً: استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه يوم السبت عند الضحى اقتداءً به ﷺ (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " ويأتي قباء ماشياً وراكباً ". ...

стр. 752

٤١٧ - " بَابُ فضلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ والْمِنْبَرِ " ٤٨٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ أللهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ بَيْتي ومِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ". ــ ٤١٧ - " باب فضل ما بين القبر والمنبر " ٤٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري " أى: إن البقعة الواقعة بين بيت عائشة ومنبره الشريف ﷺ " روضة من رياض الجنة " حقيقة بمعنى أنها قطعة منها كالحجر الأسود والنيل والفرات فتنقل إليها يوم القيامة، كما أفاده الزرقاني " ومنبري على حوضي " أي ويقع منبره الشريف على موضع حوضه المورود الذي يكرمه الله به يوم القيامة، ويكرم به أمته ﷺ وفي رواية النسائي: " ومنبري على ترعة من ترع الجنة "، وترجم البخاري بذكر القبر، وأورد الحديث بلفظه، لأن القبر صار في البيت، وقد دفن في بيت سكناه ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون ما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة، وهذا يدل على فضل ما بينهما كما ترجم له البخاري. فقه الحديث: دل الحديث على فضل الروضة المشرفة على سواها من بقاع الأرض حيث أخبرنا ﷺ : أنها من بقاع الجنة حقيقة لا مجازاً. قال ابن أبي جمرة: فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة في الجنة كما كان، وللعامل فيها روضة في الجنة. اهـ. وفيه استحباب الصلاة في الروضة لدلالة الحديث على أن للعامل فيها روضة من رياض الجنة، ولهذا قال الخطابي: من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت الطاعة به إلى روضة من رياض الجنة.

стр. 753

" أبوابُ الْعَمَلِ في الصَّلَاةِ " ٤١٨ - " بَابُ مَا يُنْهَى من الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ " ٤٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ في الصَّلَاةِ فَيَرُدَّْ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِي سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: " إنَّ في الصَّلَاةِ شُغْلاً ". ــ ٤١٨ - " باب ما ينهي من الكلام في الصلاة " ٤٨٩ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ يقول: " كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا " أي فيرد علينا بصريح اللفظ قائلا: وعليكم السلام، لأن الكلام والسلام لم يكونا ممنوعين أثناء الصلاة في صدر الإِسلام، " فلما رجعنا من عند النجاشي " أي: فلما رجعنا من هجرتنا إلى الحبشة " سلمنا عليه فلم يرد علينا " أي فلم يرد علينا السلام، لأن الكلام في الصلاة أصبح محرماً مطلقاً سلاماً أو غيره، " وقال: إن في الصلاة شغلاً " أي: في الصلاة مانعاً من الكلام وفي رواية أخرى: " إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إن في الصلاة شغلاً ".

стр. 754

٤٩٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ (١) ﵁ قَالَ: إِنْا كُنَّا لِنَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِه حَتَّى نَزَلَتْ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. ــ ٤٩٠ - معنى الحديث: يقول زيد بن أرقم ﵁ " إن كنا لنتكلم في الصلاة " أي إن أحدنا يكلم صاحبه على قدر الحاجة كما يظهر من سياق الحديث، وكما أفاده الحافظ، " حتى نزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) " أي قوموا في صلاتكم ساكتين عن الكلام الدنيوي الذي لا يتعلق بمصلحة الصلاة، قال زيد بن أرقم، " فأمرنا بالسكوت "، ونهينا عن الكلام في الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فأمرنا بالسكوت ". فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: تحريم الكلام في الصلاة لغير مصلحة الصلاة لأن النبي ﷺ كما في الحديث الأول لم يرد السلام فقال: " إن في الصلاة الشغلاً " أي مانعاً من الكلام ولأنه في الحديث الثاني أمرنا بالسكوت. لمّا نزل قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). ثانياًً: أن الكلام لغير مصلحة الصلاة يفسد الصلاة لأن النهي عن الشيء يقتضي فساده، ولا خلاف في أن من تكلم عمداً بطلت صلاته، وقال مالك والشافعي: إذا تكلم يسيراً لا تبطل، وعن أحمد إن نسى أنه في صلاة روايتان. وإن ظن أنه أتم صلاته وتكلم بشيء في غير أمور الصلاة بطلت صلاته. ثالثاً: أنّه لا يجوز رد السلام في الصلاة، وهو مذهب الجمهور، وحكى ابن المنذر عن أبي هريرة ﵁ وسعيد بن المسيب والحسن البصري: أنّه يُرَدُّ

стр. 755

٤١٩ - " بَابُ الْخصْرِ في الصَّلَاةِ " ٤٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " نُهِيَ أن يُصَلِّي الرَّجُلُ مُخْتَصِراً ". ــ السلام نطقاً. واستحب المالكية والشافعية والحنابلة رد السلام بالإِشارة لما روي عن صهيب أنّه قال: " مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إشارةً قال: ولا أعلمه إلاّ قال إشارة بأصبعه " أخرجه أبو داود. ٤١٩ - " باب الخصر في الصلاة " ٤٩١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " نهي أن يصلي الرجل مختصراً " أي: نهى ﷺ أن يصلّي الرجل واضعاً يديه على خاصرته كما فسره ابن أبي شيبة. وجزم به أبو داود، وقاله ابن سيرين، لما في حديث سعيد بن زياد، قال: " صليت إلى جنب ابن عمر ﵄ فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلّى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه ". الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه النسائي. والمطابقة: في كونه ﷺ نهى عن الاختصار في الصلاة. فقه الحديث: دل الحديث على النهي عن الاختصار في الصلاة. وقد اختلفوا في حكمه، فحمل الجمهور النهي في هذا الحديث على الكراهة، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس ﵃ والنخعي ومجاهد وأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي. والحكمة في النهي عنه كونه من فعل اليهود، فنهينا عن التشبه بهم كما قالت عائشة ﵂: " إنّ اليهود تفعله في الصلاة ".

стр. 756

" أبْوَابُ السُّهْوِ " ٤٢٠ - " بَابٌ إِذَا صَلَّى خمْساً " ٤٩٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً، فَقِيلَ لَهُ: أزِيدَ في الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْساً، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ ". ــ " أبواب السهو" والسهو هو الخطأ عن غفلة في الصلاة بزيادة أو نقص، أو الشك في أمرين لا يدري أيهما وقع منه، كأن يشك هل صلّى ثلاثاً أو أربعاً. ٤٢٠ - " باب إذا صلى خمساً " ٤٩٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁: " أن رسول الله ﷺ صلّى الظهر خمساً " أي سها في صلاته فصلّى الظهر خمس ركعات " فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ " أي وماذا حدث مما يدعو إلى هذا السؤال، " قال: صليت خمساً " أي صليت الظهر خمس ركعات، " فسجد سجدتين بعدما سلّم " أي بعد السلام. فقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية سجود السهو لمن سها في صلاته بأن يسجد سجدتين وسجود السهو واجب عند الحنفية يأثم المصلّى بتركه، ولا تبطل صلاته، فإن كان مأموماً وسجد إمامه وجب عليه متابعته إن كان مدركاً لا مسبوقاً. وقالت الحنابلة: يُسَنُّ سجود السهو إذا أَتى بقول مشروع في غير محله، ويجب إذا زاد في الصلاة ركوعاً أو سجوداً

стр. 757

أو قياماً أو قعوداً أو غير ذلك من الأركان (١). وقالت الشافعية سنة لا يكون واجباً إلاّ إذا كان مأموماً وسجد إمامه للسهو فيجب عليه أن يسجد تبعاً لِإمامه (٢)، فإن لم يفعل عمداً بطلت صلاته (٣)، وعليه الإِعادة إن لم يكن قد نوى المفارقة، أما فيما عدا ذلك فهو سنة. وقالت المالكية: سجود السهو سنة، فإن كان مأموماً وسجد إمامه تابعه في السجود، فإن لم يتابعه لا تبطل صلاته إلاّ إذا تركه عمداً في نقص ثلاث سنن، أما إذا تركه سهواً، فإنه يسجد بعد السلام بشرط أن لا يطول الزمن، ولا يحصل مناف. ثانياً: أن من زاد ركعة سهواً لا تبطل صلاته. ويسجد بعد السلام وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة إذا زاد ركعة ناسياً بطلت صلاته، كما أفاده العيني. ثالثاً: دل الحديث على أن الساهى في صلاته إن زاد سجد بعد السلام، وإن نقص سجد قبل السلام وهو مذهب مالك، وقال أبو حنيفة: سجود السّهو كله بعد السلام مطلقاً. وقال الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام مطلقاً. وقال أحمد بن حنبل: سجود السهو كله قبل السلام إلاّ في حالتين: الأولى: إذا سلّم من نقصان فإنه يقضي ما بقي عليه ويسجد بعد السلام. الثانية: إذا شكّ الإمام في صلاته، فإنه يتحرّى ويبني على غالب ظنه، وما ترجح لديه، ويسجد بعد السلام. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " فسجد سجدتين بعدما سلّم ". ...

стр. 758

٤٢١ - " بَابٌ إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فأشَارَ بِيَدِهِ واسْتَمَعَ " ٤٩٣ - عن أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنهَى عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، وكَانَ عِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ الأنْصَارِ، فأرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ قُولي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وأراكَ تُصَلِّيهِمَا، فإِنْ أشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتْ الْجَارِيَةُ فَأشَارَ بِيَدِهِ فاسْتَأخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا ابْنَةَ أبِي أمَيَّةَ، سَألْتِ عنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْعَصْرِ، وِإنَّهُ أتانِي نَاسٌ مِنْ بَنِي عَبْد الْقَيْسِ فَشَغلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ ". ــ ٤١٩ - " باب إذا كلم وهو يصلّي فأشار بيده واستمع " ٤٩٣ - معنى الحديث: أن أم سلمة ﵂ سمعت النبي ﷺ ينهي عن صلاة النافلة بعد صلاة العصر، ثم رأته يوماً يصلي ركعتين بعد العصر، فأشكل عليها ما رأت، فأرسلت إليه جاريتها تسأله عن هذه المسألة التي أشكلت عليها. وقالت لها: قولي له: تقول لك أم سلمة سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين ثم رأيتك تصليهما، فإن أشار إليك بالسكوت فافعلي ما أمرك به، وابتعدي جانباً حتى يتم صلاته، فذهبت إليه الجارية، وأشار إليها، فسكتت، فلما انتهى من صلاته، قال موجهاً الخطاب لأم سلمة: يا بنت أبي أمية (هي كنية أبيها) إن هاتين الركعتين هما سنة الظهر البعدية، وكنت قد شغلت عنهما بوفد عبد القيس، فقضيتهما الآن. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الإِشارة وغيرها من

стр. 759

الأعمال اليسيرة لا تبطل الصلاة كما ترجم له البخاري. ثانياً: استدل الشافعية بهذا الحديث على مشروعية قضاء السنن التي لها سبب في أوقات النهي، وقالت الحنابلة: لا يقضى شيء من النوافل في أوقات النهي مطلقاً، سواء كان لها سبب أو ليس لها سبب. وقالت المالكية والحنفيَّةُ: لا يقضي في أوقات النهي إلّا ركعتا الفجر خاصة. والمطابقة: في قول أم سلمة: " فأشار بيده ". ***

стр. 760

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب الجنائز " ٤٢٢ - "بَابُ فِي الجَنَائزِ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا الَهَ إِلَّا اللهُ " ٤٩٤ - عن أبي ذَرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : أتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فأخْبَرَنِي -أو قَالَ-: " بَشَرنِي أنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتِي لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإنْ زَنى وِإنْ سَرَقَ! قَالَ: " وإنْ زَنَى وِإنْ سَرَقَ ". ــ ٤٢٢ - "باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله " أي هذا كتاب تذكر فيه الأحاديث المتعلقة بأحكام الجنائز وهي جمع جنازة (بكسر الجيم) وتطلق على الميت، وعلى النعش الذي فوقه الميت. والمراد بها هنا الموتى لأنّ الأحاديث المذكورة ضمن هذا الكتاب إنما تدور حول الأحكام المتعلقة بالميت من غَسْله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتشييعه إلى غير ذلك. ٤٩٤ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " أتاني آت من ربي " أي جاءني ملك من عند ربي " فأخبرني أو قال بشرني " وهو الأنسب لأن معناه جاءني الملك بالوحي الصريح، فأخبرني خبراً ساراً، ابتهجت له، وتهلل له وجهي، وفرح به قلبي فرحاً عظيماً، ظهرت آثاره عَليَّ حيث بلغني عن الله تعالى " أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " ومعناه أن من مات على التوحيد الخالص، ولم يجعل لله شريكاً في عبادته ولا في ذاته وصفاته

стр. 761

وأفعاله "دخل الجنة "، أي كان مصيره إلى الجنة، فلا يخلّد في النار ولو ارتكب الكبائر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: البشارة لهذه الأمة بأن من مات على توحيد الله والتصديق بما جاء به رسول الله فإن مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار، ولا يسلب عنه اسم الإِيمان مهما اقترف من الكبائر، خلافاً للخوارج الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافرٌ مخلد في النار. والحديث حجة عليهم لأنّ جبريل بشّر النبي ﷺ بأنّ من مات على التوحيد دخل الجنة وإن زنى وإن سرق، والجنة لا يدخلها إلاّ مؤمن، فكيف يقال بعد هذا إن مرتكب الكبيرة كافر مخلّد في النار، وفي هذا معارضة صريحة لهذا الحديث منطوقاً ومفهوماً. ثانياً: أن الموت على التوحيد والإِيمان شرط في دخول الجنة. فالمشرك لا يدخل الجنة أبداً، وإنما هو مخلد في النار، وذلك مصداق قوله تعالى: (وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). فائدة هامة: ذكر بعض أهل العلم أن هناك ستة أشياء من حافظ عليهما كان لها أثرها العظيم في حسن الخاتمة وهي البسملة في بداية الأعمال، والحمد لله في نهايتها، والحوقلة عند المكروه، وهي قول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، والاسترجاع عند المصيبة، وإذا عزم على أمر قال: إن شاء الله، وإذا أذنب استغفر الله. والمطابقة: في قوله: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ". ***

стр. 762

٤٢٣ - " بَابُ الأمْرِ بإتباعَ الْجَنَائِزِ " ٤٩٥ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: " أمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْع، ونَهَانَا عَنْ سَبْع، أمَرَنَا بإتباعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيض، وِإجَابَةِ الدَّاعِي، ونَصْرِ المَظْلُومِ، وإبْرارِ الْقَسَمِ، ورَدِّ ــ ٤٢٣ - " باب الأمر باتباع الجنائز " ٤٩٥ - معنى الحديث: يؤكد لنا النبي ﷺ في أحاديث كثيرة ما جاء به الإِسلام من الشرائع والأحكام التي تضمن تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه سليم يضمن لكل إنسان حياة سعيدة كريمة، ويحفظ له حقوقه، ويصون كرامته في حياته، وبعد مماته، وأصدق مثل على ذلك قول الراوي " أمرنا النبي ﷺ بسبع " فإن هذه الأعمال السبعة التي أمر بها ﷺ كلها تهدف إلى رعاية حقوق الإنسان، في حياته وتكريمه بعد وفاته، حيث قال الراوي: " أمرنا باتباع الجنائز " أي بتشييع موتى المسلمين وحملهم على أعناق الرجال إلى مثواهم الأخير، بعد القيام بحقوقهم الأخرى من غسل وتكفين، وصلاة عليهم تكريماً؛ وتوديعاً؛ ودعاءً؛ وشفاعة لهم، فإنّ المشيعين في الحقيقة شفعاء عند الله تعالى. ثم قال الراوي: " وعيادة المريض " وهنا انتقل الحديث إلى بيان الحقوق الاجتماعية التي تجب على كل مسلم ويسن له أداؤها لغيره من المسلمين، أو من الناس مطلقاً حيث أمر النبي ﷺ بعيادة المريض أي زيارته أثناء مرضه، لتسليته والتخفيف عنه، وإشعاره بمنزلته، وأهميته، وهي من أقوى العوامل المؤدية إلى تحسين حالته النفسية والجسمية، ورفع معنويته، وزيادة مقاومته. ولا تختص عيادة المريض بالمسلم، بل تكون لكل من له صلة قرابة أو علاقة جوار ولو كان ذمياً. ثم قال البراء ﵁ "وإجابة

стр. 763

السَّلَامِ، وتَشْمِيتِ الْعَاطِس، ونَهَانَا عَنْ آنيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، والْحَرِيرِ، والدِّيبَاجِ، والقِسِّيِّ، والِإسْتَبْرَقِ". ــ الداعي"، أي وأمر النبي ﷺ بإجابة الدعوة وهي ما يتخذ من الطعام عند المناسبات السعيدة من حدوث نعمة أو زوال نقمة ابتهاجاً وفرحاً وشكراً لله تعالى، " ونصر المظلوم "، أي إغاثته، ودفع الظلم عنه ولو كان ذمياً، " وإبرار القسم " وهو فعل الشيء الذي أقسم عليه تحقيقاً لرغبته لئلا يحنث في يمينه " ورد السلام " على من بدأ بالسلام تجاوباً معه وإشعاراً له بالمحبة وصادق الألفة والمودة، " وتشميت العاطس " أي الدعاء له بالخير إذا حمد الله، فيقال له: يرحمك الله. ثم انتقل الراوي إلى الحديث عن بعض المحرّمات التي نهى عنها النبي ﷺ فقال: " ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب، والحرير والديباج " وهو ما غلظ من الحرير " والقسِّيّ " (بفتح القاف وكسر السين المشددة) وهو الثياب المخلوطة بالحرير. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية المحافظة على هذه الأعمال السبعة التي أمرنا بها النبي ﷺ لأنهما تكفل لكل فرد رعاية حقوقه حياً كان أو ميتاً. وتختلف هذه الأعمال في أحكامها الشرعية من حيث الوجوب والسنيّة. فأما تشييع الجنائز فهو فرض كفاية اتفاقاً، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وكذلك نصر المظلوم لمن كان قادراً عليه ولم يخشَ ضرراً يصيبه منه، وكذلك رد السلام عند مالك والشافعي، وأما تشميت العاطس، وإبرار القسم، وعيادة المريض، فإنّها سنن مستحبة. وذهب بعض الفقهاء إلى أن عيادة المريض فرض كفاية، حكمها في ذلك حكم إطعام الجائع وفك الأسير، وقد رغّب النبي ﷺ فيها كثيراً فقال ﷺ : "إذا عاد المسلم أخاه

стр. 764

يزل في خُرْفَةِ الجنة" أي في روضة من رياضها. وفي الحديث القدسي: " يقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! وكيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدَّته لوجدتني عنده ". وإنما عني الإِسلام بعيادة المريض كل هذه العناية لما فيها من عظيم المواساة، وتجاوب العواطف والمشاعر الإِنسانية، ومشاركة المريض وجدانياً، ولأن المريض يتأثر بهذه الزيارة تأثراً نفسياً عظيماً يؤدي إلى تحسن صحته الجسمية، سيما إذا كان الزائر من الذين يحبهم ويرتاح إليهم، ويأنس بزيارتهم. قال ابن القيم: " وقد شاهد الناس كثيراً من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم لهم، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إيّاهم، وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم. وقد قال الشاعر: مَرضَ الحُبيْبُ فَعُدْتُهُ ... فَمَرِضْتُ إِشْفَاقاً عَلَيْه وأتى الحَبِيْبُ يَعُوْدُنِي ... فَشُفِيْتُ مِنْ نَظَرِيْ إلَيْه وبعض التجارب يدل على ما هو أعظم من ذلك وأبلغ. أما إجابة الدعوة فإنها فرض عين كما صرح به الحنابلة، ونص عليه مالك، وفرق الشافعية بين وليمة العرس وغيرها، فأوجبوها في الأولى واستحبوها في الثانية. فإجابة الدعوة واجبة إلاّ إذا كان طعامها مشبوهاً أو حراماً أو فيها محرم، أو من يُتأذَّى به، فلا تجوز إجابتها. ثانياًً: استدل أبو حنيفة بقوله: " أمرنا باتِّباع الجنائز " على أن المشى خلف الجنازة أفضل حيث فسر الاتباع بالاتباع الحسي، وهو المشي خلف الشيء. وقالت الشافعية: المشي أمام الجنازة أفضل لما روي بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: " رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة " أخرجه أبو داود. ولأن المشيعين شفعاء للميت، ومن حق الشفيع أن يتقدم على مشفوعه. وأجابوا عن حديث الباب بأن

стр. 765

٤٢٤ - " بَاب الدُّخولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أدرجَ في أكْفَانِهِ " ٤٩٦ - عَنْ أمِّ الْعَلَاءِ إِمْرَاة مِنَ الأنصَارِ ﵂ بَايَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَتْ: إنَّه اقْتسِمَ المهَاجِرونَ قرْعَةً، فطَارَ لَنَا عُثْمَان بْن مَظْعونٍ، فأنزلْنَاه في أبيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَة الَّذِي توفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا توفِّيَ وَغسِّلَ وكُفِّنَ في أثْوَابِهِ دَخَلَ رَسول اللهِ ﷺ ، فَقلْت: رَحْمَة اللهِ عَلَيْكَ أبا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ الله تَعَالَى. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا يُدْرِيكَ ــ المراد بالاتباع الاتباع المعنوي وهو تشييع الجنائز إلى مثواها الأخير. ثالثاً: تحريم آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير بأنواعه لأن النبي ﷺ نهى عنها، والنهى هنا للتحريم عند الجمهور. والمطابقة: في قوله: " أمرنا باتباع الجنائز ". ٤٢٤ - " باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج أكفانه " ٤٩٦ - معنى الحديث: تحدثنا أم العلاء الأنصارية (١) في هذا الحديث عن وفاة عثمان بن مظعون، وما وقع لها بعد غسله وتكفينه، فتقول: " إنه اقتسم المهاجرون قرعة " أي أن الأنصار استضافوا المهاجرين في منازلهم واقتسموهم فيما بينهم عن طريق القرعة، " فطار لنا عثمان بن مظعون "، أي فوقع عثمان في سهمنا، وصار من قسمنا، " فلما توفي وغسّل وكفنّ دخل رسول الله ﷺ "، أي دخل عليه النبي ﷺ وهو مدرج في كفنه، قالت ﵂: "فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك

стр. 766

أنَّ اللهَ أكْرَمَهُ"؟ قُلْتُ: بِأبِي أنت يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ يُكرِمُهُ اللهَ تَعَالَى؟ فَقَالَ: " أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللهِ إِنِّي لأرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، واللهِ مَا أدْرِي وأنَا رَسُولُ اللهَ مَا يُفْعَلُ بِي، قَالَتْ: فوَاللهَ لا أزَكِّي أحَداً بَعْدَهُ أبَداً ". ٤٩٧ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أبِي جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أبكي وَيَنْهُونَنِي عَنْهُ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ــ لقد أكرمك الله"، قال القسطلاني: أي أقسم بالله لقد أكرمك الله يعنى بالجنة، " فقال النبي ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه "، أي فأنكر النبي ﷺ عليها قولها هذا لأنّها أقسمت على شيء في علم الغيب فقال لها ما معناه: ومن أعلمك أن الله أكرمه بالجنة والسعادة الأخروية، " أما هو فقد جاءه اليقين " أي فقد جاءه الموت ورأى مصيره، " والله إني لأرجو في الخير "، هذا ما يمكن أن أقوله أنا أو غيري، " والله ما أدري وأنا رسول الله ﷺ ، ما يفعل بي "، أي لا أعلم علم اليقين ما يفعل بي في الدار الآخرة إلاّ ما أعلمني الله به وأطلعنى عليه. " قالت: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً " أي لا أقطع لأحد بعده بالجنة مهما بلغ إلاّ الذين شهد لهم النبي ﷺ . الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قولها: " فلما توفي وغسّل وكفّن في أثوابه دخل رسول الله ﷺ ". ٤٩٧ - معنى الحديث: عن جابر بن عبد الله ﵄: " قال لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه " أي لما استشهد أبي يوم أحد صرت أكشف الثوب عن وجهه لأودعه الوداع الأخير، " فجعلت عمتي فاطمة تبكي "، أي وصارت عمتي فاطمة بنت عمرو تبكي أخاها

стр. 767

"تَبكِينَ أو لا تَبْكِينَ، ما زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلهُ بِأجْنِحَتِهَا حتى رَفَعْتُمُوهُ". ــ عبد الله بن عمرو، " فقال النبي ﷺ " مبشراً ومواسياً لها في مصابها: " تبكين أو لا تبكين "، فإن عزاءك فيه عظيم وبشراك كبيرة وحسبك عزاءً أنه " ما زالت الملاثكة تُظلُّه بأجنحتها حتى رفعتموه "، أي استمرت تظلله تكريماً له حتى رفعتموه عن النعش إلى مثواه الأخير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " جعلت أكشف الثوب عن وجهه ". فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: مشروعية الدخول على الميّت إذا أدرج في كفنه، كما ترجم له البخاري، لأن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون بعد غسله وتكفينه، كما في الحديث الأول، ولأن جابر ﵁ لما استشهد أبوه يوم أحد جعل يكشف الثوب عن وجهه، كما في الحديث الثاني، وثوب الشهيد بمنزلة كفنه. ثانياًً: أن التزكية القطعية لأي إنسان تجوز في الأمور الماضية لا في المستقبلة لأن المستقبل غيب، فلا يجوز القطع لأحد بالجنة إلاّ من شهد له النبي ﷺ ، لقوله ﷺ لأم العلاء في عثمان بن مظعَون: " وما يدريك أن الله أكرمه ". قال العيني: فيه دليل على أنه لا يجزم لأحد بالجنة إلاّ ما نص عليه الشارع، ويجوز أن نثني على الميت بالخير بأن نقول فيه كما قال رسول الله ﷺ : " إني لأرجو له الخير ". قال في " العقيدة الطحاوية ": " ونرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة ". ***

стр. 768

٤٢٥ - " بَابُ الرَّجُلِ يَنْعَى إلى أهْلِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ " ٤٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: " أن النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إلى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أرْبعاً ". ــ ٤٢٥ - " باب الرجل ينعى إلى الميت بنفسه " قال ابن بطال في الترجمة خلل ومقصود البخاري باب الرجل ينعي إلى الناس الميت بنفسه. ٤٩٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: " أن النبي ﷺ نعى النجاشي "، أي أخبر ﷺ الصحابة عن موت النجاشي. واسمه أصْحَمةُ الأبجري أو ابن الأبجري والنجاشي لقب له ولكل ملك من ملوك الحبشة، وقد نعاه النبي ﷺ " في اليوم الذي مات فيه " وذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة فلما توفي ﵁ نعاه النبي ﷺ في يوم وفاته، ثم " خرج إلى المصلى فصف بهم "، وصلى عليه صلاة الجنازة، " وكبّر أربعاً "، أي كبّر في صلاته أربع تكبيرات. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " أن النبي ﷺ نعى النجاشي ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية نعي الميت، أي إخبار الناس بموته ليحضروا لتشييعه. والنعي أنواع، منه ما هو سنة، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم. قال ابن العربي: أما إعلام الأهل والأقارب وأهل الصلاح فهذا سنة ودعوة الجهلة للمفاخرة مكروه، والإِعلام بالنياحة، وهو النعي الجاهلي محرم. ثانياً: مشروعية صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، ويكبّر فيها أربع تكبيرات وقد قال ﷺ : "لا يموت

стр. 769

٤٩٩ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فأصِيبَ، وِإنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ ". ــ أحد من المسلمين فيصلّي عليه أمة من الناس فيشفعون له إلاّ شفعوا فيه". ثالثاً: مشروعية صلاة الغائب، وبها قال الشافعي وأحمد خلافاً لمالك وأبي حنيفة. ٤٩٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " قال رسول الله ﷺ : أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب "، أي بينما كان النبي ﷺ يخطب الناس في مسجده بالمدينة، أطلعه الله تعالى على استشهاد هؤلاء القواد الثلاثة في غزوة مؤتة، التي هي بالبلقاء على أطراف الشام، فنعاهم إلى أصحابه، وأخبرهم عن استشهادهم جميعاً من فوق منبره الشريف، " وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان " (١) أي والحال أن عينيه تفيضان بالدموع حزناً عليهم. وبعد فراغه ﷺ من نعيهم قال: " ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة "، أي ثم أخذ الراية خالد ﵁ دون أن يعهد إليه بها حين رأى المصلحة في ذلك، " ففتح له "، أي فنصر الله المسلمين على يديه وبقيادته المظفرة. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في قوله: " أخذ الراية زيد فأصيب " ... إلخ. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية النعي، وقد تقدم الكلام عليه في الحديث السابق. ثانياًً: استدل به مالك وأبو حنيفة

стр. 770

٤٢٦ - " بَابُ فضلِ مَنْ مَات لَهُ وَلَدٌ فاحْتَسَبَ " ٥٠٠ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا مِنَ النَّاس مِنْ مُسْلِم يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أدْخَلَهُ اللهُ الْجَنةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ ". ــ على عدم مشروعية الصلاة على أبي الغائب، لأنه ﷺ نعي هؤلاء القواد الثلاثة، ولم يصل عليهم. ٤٢٦ - " باب فضل من مات له ولد فاحتسب " ٥٠٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث " (بكسر الحاء) أي لا يموت لأي واحد من المسلمين ثلاثة أولاد صغار ذكوراً أو إناثاً قبل بلوغهم، " إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم "، أي بسبب شدة حزنه على فراقهم الناشىء عن قوة محبته لهم ورقة قلبه، وعطفه عليهم فيثيبه الله على هذه الآلام النفسية التي يقاسيها بسبب شدة وجده وصبره واحتسابه لهم عند الله بالجنة ونعيمها. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان أجر المصيبة في الأولاد ولو ماتوا صغاراً، فإنه لا جزاء لذلك إلاّ الجنة. ثانياً: أن محبة الأبوين لولدهما ورقة قلبهما عليه، وإن كان غريزة طبيعية في النفس، إلاّ أن المرء يثاب عليها، ولذلك عوض عن فقد الأولاد بالجنة كما قال ﷺ : " إلّا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " والمطابقة: في قوله: " أدخله الله الجنة ".

стр. 771

٤٢٧ - " بَابُ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ والسِّدْرِ " ٥٠١ - عن أمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَة قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابنته فَقَالَ: اغسِلْنَهَا ثَلَالاً، أو خَمْساً، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ واجعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُوراً أو شَيئاً من الْكَافُورِ، فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي، فلما فَرَغْنَا آذََّناهُ، فَأعْطَانَا حِقْوَهُ، وقَالَ: أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ. تَعْنِي إِزَارَهُ ". ــ ٤٢٧ - " باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر " ٥٠١ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: " دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته " أي دخل علينا النبي ﷺ بعد وفاة ابنته زينب وفي أثناء غسلها وكانت وفاتها في أول السنة الثامنة من الهجرة، " فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتنِ "، أي فوَّضَهن -في عدد مرات غسلها- إلى اجتهادهن حسب الحاجة، كما أفاده الزرقاني، " بماء وسدر "، بأن يجعل السدر في ماء ويخضخضه حتى تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت، " واجعلن في الآخرة كافوراً "، أي واجعلن في الغسلة الأخيرة شيئاً من الكافور في الماء، " فلما فرغنا آذناه "، أي أعلمناه " فأعطانا حقوه " أي إزاره، " وقال: أشعرنها إياه "، أي اجعلنه شعاراً لها والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد. الحديث: أخرجه الستة. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب غسل الميت وهو فرض كفاية عند الجمهور (١) قال أبو حنيفة ومالك: والأفضل أن يغسل

стр. 772

٤٢٨ - " بَاب يبدَأ بِمَيامِنِ الْمَيِّتِ " ٥٠٢ - وعَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ــ مجرداً من ثيابه مع ستر عورته، خلافاً للشافعي حيث قال: الأفضل أن يغسل في قميص، والذى عليه الجمهور أن غسل الميت أمر تعبدي، لا لتطهيره، لأنّه لا ينجس بالموت. واتفقوا على أنّ للزوجة أن تغسل زوجها، واختلفوا في غسل الرجل زوجته، فأجازه الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. ثانياًً: مشروعية التثليث في غسله لقوله ﷺ : " إغسلنها ثلاثاً "، وهو واجب عند الظاهرية (١). سنة عند الجمهور. ثالثاً: غسل الميت بالماء والسدر، ثم بالماء والكافور، واختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الشافعية يستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر والثانية بالماء الصافي، والثالثة يضاف إليها شيء من الكافور، كما أفاده في " المنهل العذب ". وقالت المالكية: الأولى بالماء القراح، والثانية يضاف إليها السدر أو بالعكس والثالثة يضاف إليها الكافور، وقال: أحمد وأبو حنيفة: يسن غسله بالماء والسدر في كل مرة (٢)، لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " اغسلوه بماء وسدر ". وقال الصنعاني: ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات الغسل. قيل: وهو يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير لأنّ الماء المضاف إليه لا يتطهر به. والمطابقة: في قولها: " بماء وسدر ". ٤٢٨ - " باب يبدأ بميامن الميت " ٥٠٢ - معنى الحديث: تحدثنا أمّ عطية في هذه الرواية عن النبي

стр. 773

" ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الْوُضُوءِ مِنْهَا " وفي رِواية قَالَتْ: وَمَشَطْنَاها ثَلَاَثةَ قُرُونٍ ". ٤٢٩ - " بَابُ الثيابِ البِيض لِلكَفَنِ " ٥٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ في ثَلَاَثةِ أثْوابٍ بيضٍ يَمَانِيَةٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهنَّ قَميصٌ ولا عِمَامَة ". ــ ﷺ " أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها "، أي: أبدأن في غسلها بالأعضاء اليمنى من جسدها وبمواضع الوضوء منها: " قالت: ومشطناها ثلاثة قرون "، أي وضفرنا شعرها ثلاث ضفائر. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب أن يوضأ الميت كوضوء الحي. فيمضمض وينشّق وهو مذهب المالكية والشافعية لقوله ﷺ : " أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " وقالت الحنابلة والحنفية: لا يمضمضن ولا ينشق، وإنما توضأ الأعضاء التي في كتاب الله. ثانياًً: أنه يستحب البدأ بميامنه، وهو ما ترجم له البخاري لقوله ﷺ " وابدأن بميامنها ". ثالثاً: أنه يستحب أن يسرَّح شعر المرأة، ويضفر ثلاث ضفائر لقولها: " ومشطناها ثلاثة قرون ". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " ابدأن بميامنها ". ٤٢٩ - " باب الثياب البيض للكفن " ٥٠٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (١) من كرسف (٢) " أي في ثلاثة

стр. 774

٤٣٠ - " بَابُ الْكَفَنِ في ثَوْبَيْنِ " ٥٠٤ - عن ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُل وَاقِف بعرفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ، أوْ قَالَ: فَأوْقَصَتْه، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اغسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فإِنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ القِيَامَةِ مُلبياً ". ــ أثواب قطنية يمنية بيضاء إزار ورداء ولفافة كما رواه الشعبي " ليس فيها قميص ولا عمامة " أي أن هذه الثلاثة زيادة على القميص والعمامة أو بدون قميص ولا عمامة. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي. والمطابقة: في قولها: " كفن في ثلاثة أثواب بيض ". ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب بياض الكفن كما قال الزرقاني، لأن الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ إلاّ الأفضل. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : البسوا الثياب البيض فإنّها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم، أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذي والحاكم. ثانياًً: أنه يسن التكفين في ثلاثة أثواب. واختلفوا في القميص والعمامة، فقال مالك: يستحب أن يكفن الرجل في خمسة أثواب إزار ورداء ولفافة وقميص وعمامة. لقوله ﷺ : " ليس فيها قميص ولا عمامة، أي ثلاثة أثواب زيادة على القميص والعمامة. وقال الجمهور: لا يستحب القميص والعمامة. لأن معنى قولها: " ليس فيها قميص ولا عمامة " أي بدون قميص ولا عمامة. ٤٣٠ - " باب الكفن في ثوبين " ٥٠٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته أو

стр. 775

٤٣١ - " بَابُ الكَفَنِ فِي القَمِيص الَّذي يُكَفُّ أوُ لا يُكَفُّ " ٥٠٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: " أتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أبَي بَعْدَمَا دُفِنَ، فأخْرجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقهِ، وألبَسَهُ قَمِيصَهُ ". ــ قال: أوقصته" أي رمته فاندق عنقه، " قال النبي ﷺ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه " لما في الحنوط من الطيب، " ولا تخمروا رأسه " لا تغطوه لأنه محرم، " فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " أي على صورة الحاج الملبي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " كفنوه في ثوبين ". فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: قال ابن دقيق العيد (١) فيه دليل على أن المحرم يبقى في حقه حكم الإِحرام، فلا يحنط، ولا يغطى رأسه، ولا يكفن في ثلاثة أثواب كغيره، وإنما يكفن في ثوبي (٢) إحرامه، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، خلافاً لمالك وأبي حنيفة: فإنه يكفّن عندهم كغيره، وهو مقتضى القياس، لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة، ولكن لا قياس مع النص. ثانياً: جواز الكفن في ثوبين، أو ثوب واحد وهو الصحيح. ٤٣١ - " باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف " أي هذا باب يذكر فيه الأحاديث التي تدل على مشروعية الكفن في القميص مطلقاً، سواء كان مكفوفاً، وهو الذي يُخَيَّطُ طرفه - أو غير مكفوف. ٥٠٥ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: "أتي النبي ﷺ
следующие страницы →