٤٢٧ - " بَابُ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ والسِّدْرِ "
٥٠١ - عن أمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَة قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابنته فَقَالَ: اغسِلْنَهَا ثَلَالاً، أو خَمْساً، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ واجعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُوراً أو شَيئاً من الْكَافُورِ، فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي، فلما فَرَغْنَا آذََّناهُ، فَأعْطَانَا حِقْوَهُ، وقَالَ: أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ. تَعْنِي إِزَارَهُ ".
ــ
٤٢٧ - " باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر "
٥٠١ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: " دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته " أي دخل علينا النبي ﷺ بعد وفاة ابنته زينب وفي أثناء غسلها وكانت وفاتها في أول السنة الثامنة من الهجرة، " فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتنِ "، أي فوَّضَهن -في عدد مرات غسلها- إلى اجتهادهن حسب الحاجة، كما أفاده الزرقاني، " بماء وسدر "، بأن يجعل السدر في ماء ويخضخضه حتى تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت، " واجعلن في الآخرة كافوراً "، أي واجعلن في الغسلة الأخيرة شيئاً من الكافور في الماء، " فلما فرغنا آذناه "، أي أعلمناه " فأعطانا حقوه " أي إزاره، " وقال: أشعرنها إياه "، أي اجعلنه شعاراً لها والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب غسل الميت وهو فرض كفاية عند الجمهور (١) قال أبو حنيفة ومالك: والأفضل أن يغسل
стр. 772
٤٢٨ - " بَاب يبدَأ بِمَيامِنِ الْمَيِّتِ "
٥٠٢ - وعَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
ــ
مجرداً من ثيابه مع ستر عورته، خلافاً للشافعي حيث قال: الأفضل أن يغسل في قميص، والذى عليه الجمهور أن غسل الميت أمر تعبدي، لا لتطهيره، لأنّه لا ينجس بالموت. واتفقوا على أنّ للزوجة أن تغسل زوجها، واختلفوا في غسل الرجل زوجته، فأجازه الجمهور خلافاً لأبي حنيفة. ثانياًً: مشروعية التثليث في غسله لقوله ﷺ : " إغسلنها ثلاثاً "، وهو واجب عند الظاهرية (١). سنة عند الجمهور. ثالثاً: غسل الميت بالماء والسدر، ثم بالماء والكافور، واختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الشافعية يستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر والثانية بالماء الصافي، والثالثة يضاف إليها شيء من الكافور، كما أفاده في " المنهل العذب ". وقالت المالكية: الأولى بالماء القراح، والثانية يضاف إليها السدر أو بالعكس والثالثة يضاف إليها الكافور، وقال: أحمد وأبو حنيفة: يسن غسله بالماء والسدر في كل مرة (٢)، لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " اغسلوه بماء وسدر ". وقال الصنعاني: ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات الغسل.
قيل: وهو يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير لأنّ الماء المضاف إليه لا يتطهر به. والمطابقة: في قولها: " بماء وسدر ".
٤٢٨ - " باب يبدأ بميامن الميت "
٥٠٢ - معنى الحديث: تحدثنا أمّ عطية في هذه الرواية عن النبي
стр. 773
" ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الْوُضُوءِ مِنْهَا " وفي رِواية قَالَتْ: وَمَشَطْنَاها ثَلَاَثةَ قُرُونٍ ".
٤٢٩ - " بَابُ الثيابِ البِيض لِلكَفَنِ "
٥٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ في ثَلَاَثةِ أثْوابٍ بيضٍ يَمَانِيَةٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهنَّ قَميصٌ ولا عِمَامَة ".
ــ
ﷺ " أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها "، أي: أبدأن في غسلها بالأعضاء اليمنى من جسدها وبمواضع الوضوء منها: " قالت: ومشطناها ثلاثة قرون "، أي وضفرنا شعرها ثلاث ضفائر.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب أن يوضأ الميت كوضوء الحي. فيمضمض وينشّق وهو مذهب المالكية والشافعية لقوله ﷺ : " أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " وقالت الحنابلة والحنفية: لا يمضمضن ولا ينشق، وإنما توضأ الأعضاء التي في كتاب الله. ثانياًً: أنه يستحب البدأ بميامنه، وهو ما ترجم له البخاري لقوله ﷺ " وابدأن بميامنها ".
ثالثاً: أنه يستحب أن يسرَّح شعر المرأة، ويضفر ثلاث ضفائر لقولها: " ومشطناها ثلاثة قرون ". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " ابدأن بميامنها ".
٤٢٩ - " باب الثياب البيض للكفن "
٥٠٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (١) من كرسف (٢) " أي في ثلاثة
стр. 774
٤٣٠ - " بَابُ الْكَفَنِ في ثَوْبَيْنِ "
٥٠٤ - عن ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
بَيْنَمَا رَجُل وَاقِف بعرفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ، أوْ قَالَ: فَأوْقَصَتْه، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اغسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فإِنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ القِيَامَةِ مُلبياً ".
ــ
أثواب قطنية يمنية بيضاء إزار ورداء ولفافة كما رواه الشعبي " ليس فيها قميص ولا عمامة " أي أن هذه الثلاثة زيادة على القميص والعمامة أو بدون قميص ولا عمامة. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي. والمطابقة: في قولها: " كفن في ثلاثة أثواب بيض ".
ويستفاد منه ما يأتي: أولاً: أنه يستحب بياض الكفن كما قال الزرقاني، لأن الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ إلاّ الأفضل. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : البسوا الثياب البيض فإنّها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم، أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذي والحاكم.
ثانياًً: أنه يسن التكفين في ثلاثة أثواب. واختلفوا في القميص والعمامة، فقال مالك: يستحب أن يكفن الرجل في خمسة أثواب إزار ورداء ولفافة وقميص وعمامة. لقوله ﷺ : " ليس فيها قميص ولا عمامة، أي ثلاثة أثواب زيادة على القميص والعمامة. وقال الجمهور: لا يستحب القميص والعمامة. لأن معنى قولها: " ليس فيها قميص ولا عمامة " أي بدون قميص ولا عمامة.
٤٣٠ - " باب الكفن في ثوبين "
٥٠٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته أو
стр. 775
٤٣١ - " بَابُ الكَفَنِ فِي القَمِيص الَّذي يُكَفُّ أوُ لا يُكَفُّ "
٥٠٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
" أتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أبَي بَعْدَمَا دُفِنَ، فأخْرجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقهِ، وألبَسَهُ قَمِيصَهُ ".
ــ
قال: أوقصته" أي رمته فاندق عنقه، " قال النبي ﷺ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه " لما في الحنوط من الطيب، " ولا تخمروا رأسه " لا تغطوه لأنه محرم، " فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " أي على صورة الحاج الملبي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " كفنوه في ثوبين ".
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: قال ابن دقيق العيد (١) فيه دليل على أن المحرم يبقى في حقه حكم الإِحرام، فلا يحنط، ولا يغطى رأسه، ولا يكفن في ثلاثة أثواب كغيره، وإنما يكفن في ثوبي (٢) إحرامه، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، خلافاً لمالك وأبي حنيفة: فإنه يكفّن عندهم كغيره، وهو مقتضى القياس، لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة، ولكن لا قياس مع النص. ثانياً: جواز الكفن في ثوبين، أو ثوب واحد وهو الصحيح.
٤٣١ - " باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف "
أي هذا باب يذكر فيه الأحاديث التي تدل على مشروعية الكفن في القميص مطلقاً، سواء كان مكفوفاً، وهو الذي يُخَيَّطُ طرفه - أو غير مكفوف.
٥٠٥ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: "أتي النبي ﷺ
стр. 776
٤٣٢ - " بَابٌ إذَا لَمْ يَجِدْ كَفَناً إلَّا مَا يُوَارِي رَأسَهُ أوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى بِهِ رَأسَهُ "
٥٠٦ - عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: "هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِي ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأكلْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ، وَمِنَّا مَنْ أينَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فهُوَ يَهْدِبُهَا،
ــ
عبد الله بن أبي" أي: جاء إلى قبره، " بعد ما دفن فأخرجه " من قبره.
قال القسطلاني: وكان أهله خشوا على النبي ﷺ المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه، قبل وصوله، فلما وصل وجدهم قد دَلُّوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه، " فنفث فيه " أي فتفل من ريقه على جلده، " وألبسه قميصه "، لأنّه كان قد وعد بتكفينه في قميصه فأنجز وعده. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على استحباب القميص في الكفن، وهو مذهب مالك، وسيأتي تفصيله. والمطابقة: في قوله: " وألبسه قميصه ".
٤٣٢ - " باب إذا لم يجد كفناً إلّا ما يواري رأسه أو قدميه غطّى به رأسه "
٥٠٦ - معنى الحديث: يقول خباب ﵁: " هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله "، أي هاجرنا بنيةٍ خالصة نطلب رضا الله وحده، " فوقع أجرنا على الله " أي فثبت أجرنا عنده بمقتضى وعده الذي لا يخلف، " فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً " أي فبعضنا مات قبل الفتوحات الإسلامية، ولم يكسب شيئاً من غنائمها " منهم مصعب بن عمير " أي مثل مصعب الذي لم ينل من الدنيا شيئاً " ومنا من أينعت في ثمرته "، أي وبعضنا
стр. 777
قُتِلَ يَوْمَ أحِدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وِإذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأسُهُ، فَأمَرنَا النَّبِيُّ ﷺ أنْ نُغَطِّي رَأسَهُ، وأنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيهِ مِنَ الإِذْخِرِ".
ــ
نضجت ثمرة الدنيا بين يديه فنال منها. وهو كناية عن المسلمين الذين أدركوا الفتوحات، فأثروا من الغنائم، ونالوا حظاً من الحياة ونعيمها " فهو يهدبُها " بفتح الياء أي يقتطف زهرة هذه الدنيا وثمرتها اليانعة " قتل " مصعب ﵁ " يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة " أي كساء غليظاً مخططاً قصيراً، " إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه " مع جسمه وعورته " وأن نجعل على رجليه الِإذخر " وهو نبت حجازي معروف.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الواجب في الكفن ثوب واحد يستر العورة، فإن قصر عن جسمه كله فيغطى به رأسه وعورته، وإن ضاق عنهما غطيت عورته، وجعل على الباقي الإذخر. ثانياً: ما كابده الصحابة ﵃ في هجرتهم من المشاق والمتاعب وشدة الفقر والحاجة، فهذا مصعب بن عمير ﵁ الذي كان كما قال فيه النبي ﷺ " لا أرقَّ حلة ولا أنعم نعْمة من مصعب " فلما استشهد لم يترك سوى بُردة لم تتسع في كفنه لجسده كله. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: " فأمر النبي ﷺ أن يغطي بها رأسه ".
***
стр. 778
٤٣٣ - " بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَنكرَ عَلَيْهِ "
٥٠٧ - عَنْ سَهْل بْنِ سعْدٍ ﵄ قَالَ:
جَاءَت امْرَأة إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِبُرْدَةٍ منسُوجَةٍ فِيها حَاشِيَتُهَا، أتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعم، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدي، فجِئْتُ لأكْسُوكَهَا، فأخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجاً إليْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وِإنَّهَا إزَارُهُ، فَحَسَنّها فُلَانٌ، فقالَ: اكُسُنِيها ما أحْسَنَهَا، قَالَ الْقَوْمُ: ما أحْسَنْتَ، لَبِسَها النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجاً إليْهَا، ثُمَّ سألتَه وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ، فَقَالَ: إني وَاللهِ ما سَألتُهُ لِأَلبَسَهَا، إنّمَا سَألتَهُ لِتَكونَ كَفَنِي، قال سَهْلُ: فكانَتْ كَفَنَهُ ".
ــ
٤٣٣ - " باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ فلم ينكر عليه "
٥٠٧ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله
عنهما: " جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها "، أي بكساء مخطط له طرف يسمى شملة لأنه يلتحف به، " فخرج إلينا وإنها إزاره " أي فخرج إلينا النبي ﷺ مؤتزراً بها " فحسنها فلان " أي فأعجب بها رجل من الصحابة وهو عبد الرحمن بن عوف، واستحسنها وطلبها من النبي ﷺ ، " فقال القوم: ما أحسنت " أي ما أصبت في طلبك لها مع علمك بحاجة النبي ﷺ إليها، " فقال: والله ما سألته لألبسها، وإنما سألته لتكون كفني " بعد مماتي، وفي رواية رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل الحديث على مشروعية إعداد الكفن في الحياة، لأن
стр. 779
٤٣٤ - " بَابُ اتِّباعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ "
٥٠٨ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِيْنَا عَنِ اتِّباعِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
٤٣٥ - " بَابُ احْدَادِ الْمَرأةِ عَلى غَيْرِ زَوْجِهَا "
٥٠٩ - عنْ أمِّ حَبيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَحِل لامْرَأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً ".
ــ
النبي ﷺ أقر ابن عوف على ذلك. والمطابقة: في قوله: " وإنما سألته لتكون كفني ".
٤٣٤ - " باب اتباع النساء الجنائز "
٥٠٨ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى النساء ومنعهن عن تشييع الجنائز والخروج معها إلاّ أنه لم يشدد عليهن في ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة.
فقه الحديث: دل الحديث على كراهية تشييع النساء للجنائز تنزيهاً لا تحريماً، وهو مذهب الجمهور حيث حملوا النهي على الكراهة لقول أم عطية: " ولم يعزم علينا ". ورخص مالك في ذلك لغير الشابة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قولها: " نهينا عن اتباع الجنائز ".
٤٣٥ - " باب حد المرأة على غير زوجها "
٥٠٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث "، أي لا يجوز لامرأة مؤمنة أن تلبس
стр. 780
٤٣٦ - " بَابُ زِيَارَةِ القُبُورِ "
٥١٠ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:
مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرأةٍ تبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: " اتَّقِي اللهَ واصْبِرِي " فَقَالَتْ: إليْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، ولَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا
ــ
ثياب الحزن، وتهجر الزينة لموت أحد أقاربها، سواء كان أباً أو أخاً أو عماً أو ولداً، أكثر من ثلاثة أيام، " إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً "، أي إلّا الزوج فإنها تحد عليه عند موته، وتترك الزينة لفقده مدة أربعة أشهر وعشرة أيام. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز إحداد المرأة على وفاة أحد أقاربها ما عدا الزوج مدة ثلاثة أيّام فقط، وما زاد على ذلك فهو حرام. ثانياًً: مشروعية إحداد المرأة على زوجها أربعة أشهر وعشراً.
والمطابقة: في قوله ﷺ : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ".
٤٣٦ - " باب زيارة القبور "
٥١٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر "، وفي رواية أبي داود " تبكي على صبي لها " " فقال: اتقي الله واصبري "، أي فأمرها بالخوف من عقوبة الله لها على رفع صوتها بالبكاء، وأمرها بالصبر على القضاء، " فقالت إليك عني " أي دعنى وشأني فإنك لا تحس بما أحس به من ألم الفراق وإلا لعذرتني، " فقيل لها: " إنه النبي ﷺ "، أي فأخبرها الفضل بن العباس ﵄ أنه النبي ﷺ ، فذهبت إلى النبي ﷺ " فقالت: لم أعرفك " أي فاعتذرت إليه ﷺ . بأنها
стр. 781
إنَّهُ النَّبِيّ ﷺ ، فَأتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ فلمْ تَجِدْ عِنْدَه بَوَّابينَ فَقَالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ، فَقَالَ: " إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولَى ".
٤٣٧ - " بَاب مَا يكْرَة مِنَ النياحَةِ على الْمَيِّتِ "
٥١١ - عَنِ الْمغِيرَةِ ﵁ قَالَ:
ــ
لم تكن تعرفه، " فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أي إنما الصبر الكامل الذي يجازى عليه بغير حساب هو الصبر عند أول وقوع المصيبة ونزول البلاء، حين يكون وقعه على النفس أليماً، ومرارته شديدة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية زيارة القبور للرجال والنساء معاً، قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وأما ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ " لعن زوّارات القبور " فقد كان قبل الترخيص لهن كما قال أهل العلم (١). ثانياً: الترغيب في الصبر عند أول وقوع المصيبة، لما يترتب على ذلك من عظيم المثوبة والأجر عند الله تعالى، حيث يؤجر على ذلك بغير حساب. كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فالصبر عند أوّل نزول البلاء هو الذي يثاب عليه بغير حساب كما قال ﷺ : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى ". والمطابقة: في قول أنس ﵁: " مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر " فإن إقراره ﷺ لزيارتها لقبر فقيدها دليل على مشروعية زيارتها. وإذا جازت زيارة القبور للنساء فجوازها للرجال من باب أولى.
٤٣٧ - " باب ما يكره من النياحة على الميت "
٥١١ - معنى الحديث: يقول المغيرة بن شعبة ﵁:
стр. 782
سَمِعْتُ النبِي ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ كَذِبَاً علَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلى أحَدٍ، مَنْ كَذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَليْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَليهِ".
ــ
" سمعت النبي ﷺ يقول: إن كذباً علي ليس ككذب على أحد "، أي إن الكذب على النبي ﷺ جريمة عظمى لا يساويه أي كذب على شخص آخر لما فيه من الافتراء على الله وعلى رسوله ﷺ ، وتغيير ما أنزل الله، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، وقد قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، ولا شك أن من افترى على النبي ﷺ فقد افترى على الله: " من كذب عليَّ متعمداً " أي قاصداً الكذب، " فليتبوأ مقعده من النار " أي فليتخذ له منزلاً في نار جهنم، " وسمعت النبي ﷺ يقول: من نيح عليه "، أي من بكى عليه أهله عند موته بصوت مرتفع " يعذب بما نيح عليه "، أي فإنه يعذب بسبب بكائهم عليه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه تحرم النياحة على الميت وهي رفع الصوت في البكاء عليه مع ذكر محاسنه وفضائله بصوت مرتفع لما فيه من تعذيب الميت. ثانياً: أن الميت يعذب بالنياحة والبكاء عليه، بصوت مرتفع وهذا إذا كانت النياحة من عادته وسنته، أو أوصى بذلك قبل وفاته كما فعل طرفة بن العبد حيث قال:
إذَا مِتُّ فَانْعِيْني بِمَا أنا أهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلىَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ
أما إذا لم يكن هذا ولا ذاك، فإن الميت يعذب ببكائهم نفسياً حيث يتألم ويحزن لحزنهم. كما روي عن صفية بنت مخرمة عن النبي ﷺ أنه قال: " فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صاحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم " أخرجه ابن أبي شيبة وقد اختار هذا المعنى جماعة من الأئمة
стр. 783
٤٣٨ - " بَاب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ "
٥١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُود ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلَيَّةِ ".
ــ
منهم ابن جرير وابن تيميّة كما أفاده السيوطي. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " من نيح عليه يعذب ".
٤٣٨ - " باب ليس منا من شق الجيوب "
٥١٢ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " ليس منا " قال الحافظ: أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه من الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، " من لطم الخدود " أي من أظهر الجزع والحزن والسخط على قدر الله في أفعاله فلطم الخدود. قال الحافظ: وخص الخد بذلك لأنه الغالب، وإلّا فضرب الوجه داخل في ذلك، " وشق الجيوب " جمع جيب وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس. أي وشق ثيابه من شدة الجزع " ودعا بدعوى الجاهلية " أي وناح على الميت كما كانوا يفعلون في الجاهلية.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم التعبير عن الحزن باستعمال اليد في شق الثياب، وضرب الوجوه، واستعمال اللسان في النياحة.
الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
стр. 784
٤٣٩ - " بَابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَف فِيهِ الْحُزْنُ "
٥١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" لَمَا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وأنا أنْظُرٌ مِنْ صَائِر الْبَابِ، فَأتَاهُ رَجُلٌ فقالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فأمَرَهُ أنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثُمَّ أتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهَهُنَّ، فأتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: وَاللهِ غَلَبنَنَا يَا رَسولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أنَّه ﷺ قَالَ: فاحث في أفْوَاهِهِنَّ الترابَ ".
ــ
٤٣٩ - " باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن "
٥١٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة " أي لما جاء الخبر للنبي ﷺ عن استشهاد هؤلاء الثلاثة عن طريق الوحي، " جليس يعرف فيه الحزن " أي جلس للعزاء، وقد ظهر الحزن على وجهه الشريف ﷺ ، " وأنا أنظر من صائر (١) الباب " أي من الموضع الذي ننظر منه إلى خارج البيت، " فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن " أي وأخبره أن زوجة جعفر أسماء بنت عميس، وبعض أقاربه قد رفعن أصواتهن بالبكاء عليه، " فأمره أن ينهاهن " عن رفع أصواتهن بالبكاء عليه، فمنعهن عن ذلك مرتين، " فأتاه الثالثة " أي في المرة الثالثة، " فقال: والله غلبننا " أي عصيننا حتى عجزنا عن إسكاتهن، " قال: فاحث في أفواههن التراب "، أي فخذ حفنة من تراب وألقها في أفواههن لكتم أصواتهن، والمراد بذلك المبالغة في الزجر.
الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
стр. 785
٤٤٠ - " بَابُ مَنْ لَمْ يظْهِر حُزْنهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ "
٥١٤ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:
اشْتَكَى ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وأبو طَلْحَةُ خَارِجٌ، فَلمَا رَأتْ امْرَأتهُ أنَّهُ قدْ مَاتَ، هَيَأت شَيْئاً ونَحَّتْهُ في جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أبو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلامُ؟ قَالَتْ: هَدَأت نَفْسُهُ، وأرْجُو أن يَكُونَ قَدْ استَرَاحَ، وَظَنَّ أبُو طَلْحَةَ أنَّهَا صَادِقَة، قَالَ: فَباتَ، فلمَّا أصْبَحَ اغْتَسَل،
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز ظهور الحزن على الوجه لأنه أمر طبيعي لا قدرة للمرء على دفعه، وقد جلس النبي ﷺ يعرف الحزن في وجهه كما في الحديث وإنما الذي يحرم هو رفع الصوت بالبكاء، ولذلك أمر النبي ﷺ باسكات نساء جعفر ﵁. ثانياً: مشروعية الجلوس لتقبّل العزاء كما ترجم له البخاري لقولها: " جلس يعرف فيه الحزن ".
والمطابقة: في قولها ﵂: " جلس يعرف فيه الحزن ".
٤٤٠ - " باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة "
٥١٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " مات ابن لأبي طلحة ﵁ " وهو أبو عمير الذي كان النبي ﷺ يداعبه بقوله: " يا أبا عمير ما فعل النغير " " فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً " أي أحضرت طعاماً شهياً ولبست وتهيأت لزوجها " ونحته في جانب البيت " أي وغسلت ابنها، وكفنته، وأخفته في جانب من البيت لئلا يراه، " فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح " أي قد سكنت روحه عن الحركة في جسمه واستراح من مرضه بالموت. فظن أبو طلحة أن الصبي قد تحسنت صحته، وسكنت
стр. 786
فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَخْرُج أعْلَمَتْهُ أَنَّه قَدْ مَاتَ، فصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بما كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَعَلَّ اللهَ أنْ يُبَارِكَ لَكُمَا في لَيْلَتِكُمَا " قَالَ سُفيَان: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَرَأَيْتُ لَهُ تِسْعَةَ أولادٍ كُلُّهُمْ قَد قَرأ الْقُرْآنَ.
ــ
آلامه وأخلد إلى النوم " فبات " فبات في أسعد ليلة وأكل هنيئاً، ولاعب زوجته وباشرها، " فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلّى مع النبي ﷺ ، ثم أخبره بما كان بينهما، فقال رسول الله ﷺ : " لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما "، أي أرجو الله أن يبارك لكما في ليلتكما ويعوضكما عن فقيد كما بالخلف الصالح، فاستجاب الله دعوة نبيّه ﷺ " قال سفيان بن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن " جزاء لهما على صبرهما.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الحزن وإن كان أمراً طبيعياً إلاّ أنه يمكن التغلب عليه بالصبر والاحتساب، كما فعلت هذه الصحابية الجليلة حيث تملكت نفسها، وسيطرت على أحزانها، وكفت مدامعها، وأخفت آلامها النفسية عن زوجها، وهيأت له كل أسباب الراحة، وهي في أشد حالات الألم حتى باشرها، وبات هنيئاً سعيداً، ولم تخبره حتى صبيحة تلك الليلة. وهكذا ضربت هذه المرأة أروع المثل في الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والتسليم لأمر الله في الضراء. ثانياًً: فضل الصبر وعاقبته الحميدة والتعويض العاجل لكل من صبر عند الصدمة الأولى، كما عوض الله هذه الصحابية الجليلة عن ولدها هذا بتسعة أولاد من أهل القرآن. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: ظاهرة في هذه القصة العجيبة، كما قال العيني.
стр. 787
٤٤١ - " بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " إِنَّا بِك لَمَحْزُونونَ "
٥١٥ - عن أنس ﵁ قَالَ:
دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ على أبِي سَيْفٍ القَيْنِ وَكَانَ ظِئْراً لِإبراهِيمَ، فأخَذَ ﷺ إبراهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وشَمَّهُ، ثم دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ: وأنتَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: " يا ابْنَ عَوْفٍ إنها رَحْمَة " ثُمَّ أتبعَهَا بأخْرَى فَقَالَ ﷺ : " إنَّ الْعَيْنَ تَدمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا لِفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ".
ــ
٤٤١ - " باب قول النبي ﷺ : " إنا بك لمحزونون "
٥١٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن قصة وفاة إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية، فيقول: " دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين " أي الحداد، واسمه البراء بن أوس، " وكان ظئراً لإبراهيم " أي أباً له من الرضاعة لأن زوجته خولة بنت المنذر قد أرضعت إبراهيم ﵁، " ثم دخلنا عليه بعد " أي بعد ذلك بمدة من الزمن، " وإبراهيم يجود بنفسه " أي وإبراهيم في حال النزاع على وشك أن تفيض روحه، "فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان" بكسر الراء أي تفيضان بالدموع " فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله " قال القسطلاني: العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب ويتفجعون، وأنت يا رسول الله تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر ونهيك عن الجزع، " فقال: يا ابن عوف إنها رحمة " أي رقة في القلب تجيش في
стр. 788
النفس عند فراق الأحبة، فتبعث على حزن القلب، وبكاء العين، وهي غريزة لا يلام عليها، وليست من الجزع في شيء " ثم أتبعها بأخرى " أي أتبع الدمعة الأولى بالدمعة الثانية، " فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن " بمقتضى الغريزة التي فطر الله عليها خلقه، " ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا " من الحمد والاسترجاع، وسؤال الخلف الصالح " وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون "، أي وليس الحزن من فعلنا، ولكنه أمر أودعه الله فينا وأوقعه في قلوبنا، فلا نلام عليه إلاّ إذا قلنا أو فعلنا ما لا يرضي ربنا. اهـ. كما أفاده القسطلاني. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز البكاء عند المصيبة لأنه ظاهرة طبيعية تنشأ عن غريزة الحزن التي فطر الله عليها الخلق، وعن رقة القلب التي خلقه الله عليها، كما قال ﷺ " إنها رحمة ". وقد خلق الله في الإِنسان الضحك والبكاء، كما خلق فيه الموت والحياة، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) وهما سر من أسرار التكوين البشري، لا يدري أحد كيف هما، ولا كيف يقعان في هذا الجهاز الجسمي المعقد، وتعقيده النفسي لا يقل عن تعقيده العضوي الذي تتداخل المؤثرات النفسية والعضوية فيه وتتفاعلان كما أفاده في " في ظلال القرآن " (١). ثانياًً: أن الواجب على المؤمن أن لا يقول عند المصيبة، ولا يفعل إلاّ ما يرضي الله ، كما قال ﷺ : لا نقول إِلا ما يرضى ربنا ".
...
стр. 789
٤٤٢ - " بَابُ البُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيض "
٥١٦ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فأتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُه مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسعدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ وعبدِ اللهِ بْنِ مَسعُودٍ، فلمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ في غاشِيَةِ أهْلِهِ، فقَالَ: قَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ فبكَى النَّبِيُّ ﷺ فلمَّا رَأى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبي ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: " ألا تَسْمَعُونَ إنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْع الْعَيْنِ، ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولكنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وأشَارَ إلى لِسَانِهِ أوْ يَرْحَمُ، وَإنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ ".
ــ
٤٤٢ - " باب البكاء عند المريض "
٥١٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " اشتكى سعد بن عبادة شكوى له " أي اشتكى من مرض أصابه وألزمه الفراش " فأتاه النبي ﷺ يعوده فلما دخل عليه، فوجده في غاشية أهله " أي وجده مغمى عليه بين أهله، " فقال: قضى؟ "، أي هل مات، " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ " إشفاقاً وحزناً عليه، " فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب " أي إن الله لا يعاقب الإِنسان ولا يجازيه على بكائه وحزنه، لأنهما خارجان عن إرادته " ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم " أي وإنما يحاسب الله الإنسان على ما يصدر من لسانه فيعذبه، أو يثيبه بسببه. فإن قال ما يغضب الله من النياحة أو الضجر والجزع عاقبه الله، وإن قال ما يرضي الله من الحمد والاسترجاع أنعم الله عليه في الدنيا بالخلف، وفي الآخرة بالجنة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فبكى النبي ﷺ ".
стр. 790
٤٤٣ - " بَابُ مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ والبُكَاءِ والزَّجْرِ عَنْ ذَلِك "
٥١٧ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:
" أخذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ، فَمَا وَفَّتْ مِنَّا امْرَأة غَيْرُ خَمس نِسْوَةٍ: أمُّ سُلَيْم، وأمُّ العَلاءِ، وابْنةُ أبي سَبْرَةَ امرأةُ مُعَاذٍ، وامْرَأتَانِ، أوْ ابْنَةُ أبِي سَبْرَةَ، وامرأةُ مَعَاذَ، وامْرَأة أُخْرَى.
ــ
فقه الحديث: دل الحديث على جواز البكاء على المريض والميت في دون صوت ودون جزع أو سخط.
٤٤٣ - " باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك "
٥١٧ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: " أخذ علينا النبي ﷺ " أي أخذ علينا العهد عند البيعة، " أن لا ننوح " أي لا نرفع أصواتنا بالبكاء على الميت، " فما وَفَتْ منا امرأة غير خمس " أي فما وفى منّا أحدٌ بالعهد غير هؤلاء الخمسة (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على تحريم النياحة، لأن النبي ﷺ أخذ البيعة على النساء بتركها. ولهذا عدها العلماء من الكبائر (٢) ويؤكد ذلك حديث أبى سعيد قال: " لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة " أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي. والمطابقة: في قولها: " أخذ علينا عند البيعة أن لا ننوح ".
стр. 791
٤٤٤ - " بَاب مَتى يَقْعُدُ إذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ "
٥١٨ - عَنْ عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا رَأى أحَدُكُمْ جِنَازَةً فَإِنْ لمْ يَكُنْ مَاشِيَاً مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أو تُخَلِّفَه، أو تُوضَعَ مِنْ قبلِ أنْ تُخَلِّفَهُ ".
٥١٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
"أنَّهُ أخذَ بِيَدِ مَرْوَانَ وَهُمَا في جَنَازَةٍ، فَجَلَسا قَبْلَ أنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أبو سعِيدٍ ﵁ فأخَذ بيدِ مَرْوَان فقال: قمْ فوَاللهِ لقدْ عَلِمَ هَذا
ــ
٤٤٤ - " باب متى يقعد إذا قام للجنازة "
٥١٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى يخلّفها أو تخلِّفه " (بضم الياء والتاء وتشديد اللام فيهما) أي حتى يفارقها أو تفارقه، " أو توضع من قبل أن تخلفه " سواء كان الميت مسلماً أو كافراً. الحديث: أخرجه أيضاً الجماعة.
فقه الحديث: دل الحديث على مشروعية القيام للجنازة، وهو قول ابن عمر وابن مسعود وأحمد (١) وبعض المالكية، والجمهور على أنّه منسوخ لحديث علي ﵁: " أن رسول الله ﷺ قام للجنازة ثم قعد بعد ": أخرجه مسلم والنسائي وأحمد والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " حتى يخلفها ".
٥١٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة " أخذ بيد مروان وهما في جنازة فجلس قبل أن توضع " عن أعناق الرجال، " فجاء أبو سعيد " الخدري ﵁ " فأخذ بيد مروان " أي فأمسك بيده، "فقال: قم، فوالله
стр. 792
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عنْ ذَلِكَ، فقالَ أبو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ".
٤٤٥ - " بَابُ مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ "
٥٢٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وقمْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقالَ: " إذَا رَأيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا ".
ــ
لقد علم هذا" يعني أبا هريرة " أنّ النبي ﷺ نهانا عن ذلك " أي نهانا عن الجلوس قبل أن توضع الجنازة على الأرض. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
فقه الحديث: دل الحديث على كراهية الجلوس قبل وضع الجنازة على الأرض وهو مذهب أبي حنيفة، خلافاً للشافعي ومالك حيث قالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٤٤٥ - " باب من قام لجنازة يهودي "
٥٢٠ - معنى الحديث: يقول جابر: " مر بنا جنازة " أي مرت بنا كما في رواية أخرى " فقام لها النبي ﷺ " عند مرورها، " فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي " أي فكيف تقوم وفي القيام تعظيم لها وهي جنازة يهودي، " فقال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا "، سواء كان مسلماً أو كافراً تعظيماً لله تعالى، وفزعاً من الموت. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ".
فقه الحديث: دل الحديث على استحباب القيام للجنازة سواء كان مسلماً أو كافراً، وهو مذهب ابن عمر وابن مسعود وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية، خلافاً للجمهور، والحكمة فيه تعظيم أمر الله وصفات قهره
стр. 793
٤٤٦ - " بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الْجَنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ "
٥٢١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ، فإنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أينَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَّا الإِنسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ ".
ــ
وجلاله، واحترام الروح الإنسانية التي أودع الله فيها سر الحياة من أمر الله تعالى، وقد نسخ القيام بعد ذلك. وفي الحديث أنه ﷺ قام لجنازة يهودي، وقال: " أليست نفساً " أخرجه البخاري، وفي رواية " إنما تقومون للذي يقبض النفوس " أخرجه الحاكم.
٤٤٦ - " باب حمل الرجال الجنازة دون النساء "
٥٢١ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد الخدري ﵁:
" أن رسول الله ﷺ قال: - إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم " أي حملوا النعش فوق أعناقهم، " فإن كانت صالحة قالت: قدموني " أي قالت أثناء سيرهم بها: أسرعوا بي، لما تراه أمامها من نعيم وسعادة، " وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها " أي يا هلاكها، وعذابها لما ترى من الخطر وسوء المصير، " ويسمع صوتها كل شيء إلاّ الِإنسان، ولو سمعه لصعق " أي ولو سمع الإِنسان صوت الميت وهو يصرخ بذلك لهلك.
الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في قوله ﷺ : " واحتملها الرجال ".
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الجنازة يحملها الرجال لقوله ﷺ : " واحتملها الرجال على أعناقهم "، فإن كلام الشارع كله تشريع
стр. 794
٤٤٧ - " بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجَنَازَةِ "
٥٢٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فإنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَها إلَيْهِ، وإن تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ".
٤٤٨ - " بَابُ فضل اتِّباعِ الْجَنَائِزِ "
٥٢٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
ــ
ولو كان خبراً. ثانياً: أن روح الميت تتكلم وهو فوق النَّعْش وترى مصيرها، فالسعيدة تقول: قدموني، والشقية تقول: يا ويلها. وقال مجاهد: إذا مات الميت فما من شيء إلاّ وهو يراه عند غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره.
٤٤٧ - " باب السرعة بالجنازة "
٥٢٢ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه "، أي فإنما تسرعون بها إلى نعيمها وسعادتها وإلى روضة من رياض الجنة، " وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم "، أي: فإن تلك الجنازة الشقية شر فوق أعناقكم فسارعوا إلى التخلص منه.
فقه الحديث: دل الحديث على استحباب الإِسراع. بالجنازة لمصلحة الميت إن كان سعيداً، أو لمصلحة المشيعين إن كان شقياً، وحمل ابن حزم الأمر على الوجوب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة ".
٤٤٨ - " باب فضل اتباع الجنائز "
٥٢٣ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ سمع أن أبا
стр. 795
أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أُبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: " مَنْ تَبعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاط، فَقَالَ: أكْثَرَ أبو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا، فَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ أُبا هُرَيْرَةَ، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرارِيطَ كَثِيرَةٍ ".
٤٤٩ - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ "
٥٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ
ــ
هريرة يقول: " من تبع جنازة فله قيراط " أي من خرج معها، وصلى عليها فقط كان له من الأجر قيراط، وهو مثل أحد، أما من صلى عليها وتبعها حتى يفرغ -أي حتى يُنتهى من دفنها- فله قيراطان كما في الرواية الأخرى، " فقال: أكثر أبو هريرة " وذلك لأنه ظن أنه قال ذلك باجتهاده، " فصدّقت عائشة أبا هريرة " ورفعت حديثه هذا إلى النبي ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " من تبع جنازة فله قيراط ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنّ من شيع الجنازة من بيتها وصلى عليه له قيراط، وكذلك من خرج معها ولم يصل عليها إلّا أن الأول قيراطه أكبر، ومن صلى عليها وتبعها إلى مثواها الأخير فله قيراطان.
ثانياًً: استدل به الحنفية على تفضيل المشي خلف الجنازة، لأن الاتباع هو المشي خلف الشيء، وذهب الجمهور إلى تفضيل المشي أمامها، حيث حملوا الاتباع على المرافقة والمصاحبة.
٤٤٩ - " باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور "
٥٢٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ -
стр. 796
والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ" قَالَتْ: وَلَوْلا ذَلِكَ لأبرزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أنَّي أخْشَى انْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً.
٤٥٠ - " بَابُ الصَّلَاةِ على النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتتْ في نِفَاسِهَا "
٥٢٥ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرأةٍ ماتَتْ في نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وسَطَهَا.
ــ
" قال في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " أي دعا عليهم بالطرد من رحمة الله لأنهم بنوا المساجد على قبور أنبيائهم " ولولا ذلك لأبرز قبره " أي لكشف قبر النبي ﷺ ، ولم يُتَّخذ عليه الحائل. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه ﷺ لعنهم لأنّهم اتخذوا القبور مساجد.
ويستفاد منه: أنه لا يجوز البناء على القبر لأنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على فعله. قال الشيخ حبيب الله الشنقيطي في " شرح زاد المسلم ": والحكمة فيه " أنه ربما يصير بالتدريج شبيهاً بعبادة الأصنام ".
٤٥٠ - " باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها "
٥٢٥ - معنى الحديث: يقول سمرة بن جندب ﵁:
" صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها " أي على امرأة حديثة العهد بالولادة، " فقام ﷺ في وسطها " أي فوقف منها حذاء وسطها.
الحديث: أخرجه الشيخان.
دل الحديث على ما يأتي: أولاً: قال العيني: فيه إثبات الصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة، كما ترجم له البخاري. ثانياً: مشروعية وقوف
стр. 797
٤٥١ - " بَابُ قِراءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ "
٥٢٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
أنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ لِيَعْلَمُوا أنهَا سُنَّةٌ.
ــ
الإِمام عند الصلاة على المرأة حذاء وسطها، نفساء أو غير نفساء، وهو مذهب أحمد والشافعي، وقال الحنفية: يقوم بحذاء صدر الميت رجلاً أو امرأة إشارة إلى الشفاعة، لأن الصدر موضع الإِيمان، وقال مالك: يقوم عند منكبي الرجل ووسط المرأة، كما أفاده في " الرسالة " وقال أحمد والشافعي: يقف عند رأس الرجل وحذاء وسط المرأة (١). والمطابقة: في قوله: " صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها ".
٤٥١ - " باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة "
٥٢٦ - معنى الحديث: " أنه " أي ابن عباس ﵄ " صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب " أي فقرأ في صلاته على الجنازة بفاتحة الكتاب " وقال: ليعلموا أنّها سنة " أي ليعلموا أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة ثابتة عن النبي ﷺ . وبهذا أصبح الحديث مرفوعاً، لأنّ المراد بالسنة هنا فعل النبي ﷺ ، فكأنه قال: إنما قرأ ابن عباس بفاتحة الكتاب في صلاة الجنازة ليعلموا أن النبي ﷺ قرأ الفاتحة فيها. ولا شك أن الصحابي إذا قال فعل النبي ﷺ كذا فإنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وكذلك إذا قال: السنة كذا، وأراد منها فعل النبي ﷺ .
فقه الحديث: دلّ الحديث على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
стр. 798
٤٥٢ - " بَابُ المَيِّتِ يَسْمَعُ خفْقَ النِّعَالِ "
٥٢٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى، وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حتى إِنَّهُ لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتَاهُ مَلَكَانِ فأقْعَدَاهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللهِ
ــ
بعد تكبيرة الإِحرام لقوله: " ليعلموا أنّها سنة " أي ليعلموا أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة ثابتة عن النبي ﷺ . قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقرأ فيها بالفاتحة، وإنما يقتصر فيها على الثناء على الله (١) والصلاة على نبيه ﷺ لقوله ﷺ : " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ". والمطابقة: في قوله: " صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب ". الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي.
١٩١ - " باب الميت يسمع خفق النعل "
٥٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " عن النبي ﷺ أنه قال: العبد إذا وضع في قبره، وتولى، وذهب أصحابه " أي إذا دفن وبدأ أصحابه ينصرفون عنه، " حتى إنه ليسمع قرع نعالهم "، أي في ذلك الوقت الذي يسمع فيه صوت نعال المشيعين، وهي تضرب الأرض أثناء مشيهم، " أتاه ملكان فأقعداه فيقولان " أي جاءه ملكان، وهما منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له: " ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ " ولم يقولا ما تقول في هذا النبي أو غيره من ألفاظ التعظيم، لقصد امتحان
стр. 799
وَرَسُولُه، فَيُقَالُ: انْظر إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبدَلَكَ اللهُ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ -قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَيَراهُمَا جَمِيعاً، وأما الكَافِرُ أوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أدْرِي! كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطرقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ مَنْ يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ ".
ــ
المسؤول، ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله "، أي فيقول المؤمن الصادق الإيمان: أشهد أن هذا الرجل - الذي تشيرون إليه هو عبد الله ورسوله، فيشهد لمحمد بالرسالة، بتوفيق وتثبيت من الله تعالى، وذلك لأنه كان في دنياه مؤمناً موقناً برسالته ﷺ " فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله مقعداً من الجنة " أي فيكشف الله له عن منزله في النار الذي أبدله به منزلاً في الجنة " وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري " (١) أي ما كنت في الدنيا أجزم بشيء فيما يتعلق برسالة محمد ﷺ ، لأن الكافر كان ينكرها، والمنافق يشك فيها، ولم يعرف اليقين سبيلاً إلى قلبيهما. " فيقال: لا دريت ولا تليت " أي لا عرفت الحق بنفسك، ولا اتبعت أهل الحق في إيمانهم به، " ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه " لو ضرب بها جبل لصار تراباً كما في الأحاديث الأخرى " فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلاّ الثقلين " أي يسمع صوت صيحته كل الخلائق (٢) إلا الأنس والجن وذلك رحمة بهم، وابقاءً على حياتهم، لأنهم لو سمعوها لصعقوا.
стр. 800
٤٥٣ - " بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ في الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أوْ نحْوِهَا "
٥٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
"أرْسِلَ مَلَكُ الْمَوتِ إِلى مُوسَى ﵉، فَلمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجِعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أرْسَلْتَنِي إلَى عَبْدٍ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ لَهُ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقلْ لَه يَضَعُ يَدَة عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدهُ بِكلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ:
ــ
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الميت يسمع خفق نعال الشيعين كما ترجم له البخاري. وقد عقد السيوطي في " شرح الصدور " باباً مستقلاً قال فيه: باب معرفة الميت من يغسله ويجهزه، وسماعه ما يقال فيه، وما يقال له، وأورد فيه الأحاديث المتعلقة بذلك. ثانياً: إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة خلافاً لبعض المعتزلة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجة.
٤٥٣ - " باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها "
أي هذا باب يذكر فيه من أحب أن يدفن في بيت المقدس اقتداءً بموسى ﵊، كما أفاده القسطلاني والعيني.
٥٢٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " أرسل ملك الموت إلى موسى " أي أرسل إليه ليقبض روحه، " فلما جاءه صكه " أي ضربه على عينه ضربة عنيفة فقلعها، ولكن ملك الموت لم يتأثر بذلك لأن هذه العين التي اقتلعها عين صورية بمنزلة اللباس الذي يلبسه الشخص، وإنما لطمه لأنه لم يعرفه، أو أقدم على قبض روحه دون تخييره، والأنبياء
стр. 801
فَالآنَ، فَسَألَ اللهَ أنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَانِبِ الطرَّيقِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ".
ــ
يخيّرون قبل موتهم، " فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله له عينه قال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور " أي على ظهر ثور " فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت " أي ثم لا بد من الموت، لأنه مصير كل حي، " قال: فالآن " أي ما دام الموت هو النهاية المحتومة التي لا مفرّ منها، فتوفني إليك الآن.
" فسأل الله أن يدنيه " أي يقربه " من الأرض المقدسة "، وهي بيت المقدس " رمية بحجر " قال العيني: أي سأل الله تعالى الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه، دنواً لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس " قال رسول الله ﷺ فلو كنتُ ثَمّ " أي لو كنت موجوداً هناك " لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر " أي عند الرمل الأحمر المجتمع هناك. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة ".
فقه الحديث: دل الحديث على فضل الدفن في الأرض - المقدسة، وأنه أمنية الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين، حيث سأل موسى ربه أن يدنيه من بيت المقدس رمية بحجر. وكان الفاروق ﵁ يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد نبيك ﷺ ، وقد حقق الله أمنيته فاستشهد في محراب رسول الله ﷺ بالمدينة، وجمع الله له بين الحسنيين ﵁ وأرضاه.
стр. 802
٤٥٤ - " بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ "
٥٢٩ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
" كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أيّهُمْ أكْثَرُ أخذاً لِلْقُرآنِ، فَإِذا أشِيرَ لَهُ إلى أحَدِهِمَا قَدَّمه في اللَّحْدِ، وَقَالَ: أبردا شَهِيدٌ على هَؤُلاءِ يَومَ الْقِيَامَةِ، وَأمَرَ بِدَفْنِهِم في دِمَائِهِم وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ".
ــ
٤٥٤ - " باب الصلاة على الشهيد "
٥٢٩ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كان رسول الله ﷺ ويجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد " أي يلفهما في ثوب واحدٍ ويفصل بينهما بالإذخر، " ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن "، أي ثم يسأل ﷺ عن أكثرهم حفظاً للقرآن وعلماً به، " فإذا أشير إليه " أي فإذا أشار الصحابة إلى أكثرهما حفظاً " قدمه في اللحد " على غيره تكريماً للقرآن وأهله، " وأمر بدفنهم في دمائهم، لم يغسّلوا ولم يصلّ عليهم "، أي بدون غسل ولا صلاة. الحديث: أخرجه أصحاب السنن أيضاً.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الشهيد لا يغسل ولا يصلّى عليه، وهو مذهب المالكية والشافعية (١) وقال أبو حنيفة: يصلى عليه، ولا يغسل، وقال أحمد: لا يغسل إلاّ إذا كان جنباً لقوله ﷺ في حنظلة وقد قتل يوم أحد: " ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله ". وذلك لأنه جامع أهله وخرج إلى المعركة فاستشهد فغسلته الملائكة ولا يصلّى عليه في أصح الروايتين عند أحمد. ثانياً: جواز الجمع بين عدة أموات في ثوب واحد وقبر واحد، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في قوله: " ولم يغسلوا ولم يصل عليهم ".
стр. 803
٥٣٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁:
" أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَاً فَصَلَّى عَلَى أهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المِنْبَرِ فَقَالَ: " إِني فَرَط لَكُمْ وإِنى شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنِّي وَاللهِ لأنْظر إلى حَوْضِي الآنَ، وِإنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأرْض أوْ مَفَاتِيحَ الأرْض، وِإنِّي وَاللهِ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا ".
ــ
٥٣٠ - معنى الحديث: يحدثنا عقبة بن عامر " أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت "، أي صلّى عليهم صلاة الجنازة كما يصلي على غيرهم من الموتى العاديين، " ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم " أي: سابقكم وأول واردٍ منكم على الحوض يوم القيامة، " وأنا شهيد عليكم "، أي وأنا شهيد لكم يوم القيامة بالشهادة في سبيل الله، " وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض " أشار بذلك ﷺ إلى اتساع الدولة الإِسلامية، وكثرة فتوحاتها، وتدفق الأموال عليها، لأنّ من فتح بلداً فكأنما تسلم مفاتيح خزائنه، وامتلك ثرواته وأمواله، " ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها " أي ولكنني أخشى أن يحملكم التنافس على المال والجاه على التنازع فيما بينكم فيودي بكم ذلك إلى العداوة والبغضاء والتقاتل على الدنيا وخيراتها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الصلاة على الشهيد وهو مذهب أبي حنيفة خلافاً للجمهور، لقوله في الحديث: " خرج ﷺ يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ". ثانياً: التحذير من إقبال الدنيا وفتنتها ومخاطرها، وسيأتي بيان ذلك في موضعه. والمطابقة: في قوله: في قول عقبة ﵁: " خرج يوماً فصلّى على أهل أحد ".
стр. 804
٤٥٥ - " بَابُ ثَنَاءِ النَّاسُ على المَيِّتِ "
٥٣١ - عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:
أن النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: " أيَّمَا مُسْلِم شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللهِ الْجَنَّةَ "، فَقُلْنَا: وثلاَثةٌ، قَال: " وَثَلاثةٌ "، فَقُلْنَا: واثْنَانِ، قَالَ: " واثْنَانِ " وَلَمْ نَسْأَلهُ عَنِ الْوَاحِدِ ".
ــ
٤٥٥ - " باب ثناء الناس على الميت "
٥٣١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة "، يعني أن أي إنسان مات على الإِسلام وأثنى عليه أربعة من المسلمين بما يعرفونه عنه من الأعمال الصالحة التي كان يفعلها في حياته وزكّوه بالصلاح الذي يعلمونه عنه دون مداراة أو مجاملة، فإنه يرجى له الجنة، لأن عمله الصالح بشير سعادته إن شاء الله. فالمراد بالشهادة له الثناء عليه بالخير الذي يعلمونه عنه، كما فسره به البخاري، بدليل ما جاء في رواية أنس ﵁ أنه قال: " مرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: وجبت، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت، قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " أخرجه البخاري. فإن هذا الحديث يدل على أن الشهادة للميت معناها الثناء عليه بالخير، وهي في معنى التزكية، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وليس المراد بقوله: " شهد له أربعة بخير " الشهادة له بدخول الجنة والنجاة من النار، فإن هذا غيبٌ لا يجوز الشهادة به لأحد، إلاّ لمن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، لأن النبي ﷺ نهى عن القطع لأحد بالجنة أو النار، بدليل ما جاء
стр. 805
في الحديث الصحيح عن أم العلاء امرأة من الأنصار، أنه لما توفي عثمان بن مظعون، وغُسِّلَ وكفن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله -أي لقد أكرمك الله بالجنة- فقال النبي ﷺ : " وما يدريك أن الله أكرمه، أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ". قالت: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً " أخرجه البخاري والنسائي " فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة، فقلنا: واثنان، قال: واثنان "، معناه وكذلك إذا شهد له ثلاثة، أو اثنان، فإنه ترجى له الجنة. " ثم لم نسأله عن الواحد " أي فلا ندري هل يكفي أم لا. الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الثناء على الميت المسلم بما يعلم عنه من الصلاح والخير، وحسن السلوك في حياته، وأن من أثنى عليه اثنان فصاعداً بالاستقامة على الأعمال الصالحة في دنياه، فإنه يرجى له الخير في الدار الآخرة، إن شاء الله، كما يرجى له الفوز بالجنة والنجاة من النار، وذلك لقوله ﷺ : "وجبت له الجنة ". وليس المراد من الشهادة له أن نشهد له بالجنة، فإن هذا لا يجوز إلاّ لمن شهد له ﷺ بالجنة كما تقدم لنا في شرح الحديث. ثانياًً: أن المعتبر في الثناء على الميت ثناء أهل الفضمل والصدق، لما جاء في الشهادات: المؤمنون شهداء الله في الأرض.
قال القسطلاني: فالمراد المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم في الإيمان، فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة، لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة "، فإن المراد به أن الثناء على الميت يبشر بالخير وهو ما ترجم له البخاري.
стр. 806
٤٥٦ - " بَابُ ما جَاءَ في عَذَابِ الْقَبْرِ "
٥٣٢ - عن عَائِشَةَ ﵂:
أنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فذكَرَتْ عذابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ من عذَابِ الْقَبْرِ، فسألَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عن عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: " نَعَمْ عَذَابُ القبْرِ " قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعدُ صَلَّى صَلَاةً إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
ــ
٤٥٦ - " باب ما جاء في عذاب القبر "
٥٣٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث " أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر " وفي رواية أبي وائل عن مروان عن عائشة ﵂: " دخلت عجوزان من يهود المدينة فقالتا إن أهل القبور يعذبون في قبورهم "، قال الحافظ: وهو محمول على أن إحداهما تكلّمت وأقرّتها الأخرى، قال: ولم أقف على اسم واحدة منهما. قالت عائشة في هذه الرواية فكذبتهما، وإنما كذبتهما لأنّها لم تسمع من النبي ﷺ ما يثبت ذلك، " فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر " هل هو حق أم لا، " فقال: نعم عذاب القبر " أي نعم عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة حق ثابت لا شك فيه، كما جاء في رواية أخرى " أن النبي ﷺ أجابها بقوله: "عذاب القبر حق"، وقد جاء ذلك مبيناً ومفصلاً في الأحاديث الصحيحة وسيأتي إيضاحه فيما يستفاد من الحديث. " قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر "، أي فكان بعد ذلك لا يصلّي صلاة فرضاً أو نفلاً إلَّا تعوذ في آخرها بعد التشهد من عذاب القبر.
стр. 807
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة، وكونه حقيقة ثابتة، وقضية معروفة مسلم بها في جميع الأديان السماوية، بدليل أن اليهودية ذكرته لعائشة، وأخبرتها عنه.
وقد تكاثرت فيه الأحاديث والأخبار الصحيحة. فروي عن عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ قال: " إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم " أخرجه الشيخان وابن أبي شيبة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً يلدغه حتى تقوم الساعة " أخرجه أحمد وأبو يعلى (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " المؤمن في قبره في روضة ويرحب له قبرُه سبعون ذراعاً، وبنور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنّه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة " أخرجه أبو يعلى (٢). وعن يعلى بن مرة قال: " مررت مع النبي على مقابر، فسمعت ضغطة في قبر فقلت: يا رسول الله سمعت ضغطة في قبر، قال: وسمعت يا يعلى: قلت: نعم، قال: فإنه يعذب في يسير من الأمر، قلت: وما هو؟ قال: كان يمشي بين الناس بالنميمة، وكان لا يتنزّه عن البول " أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة ". وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه أفاق، فقال: علام جلدتموني، قالوا: إنك صليت بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره " أخرجه أبو الشيخ (٣) وعن أبي سعيد الخدري في حديث طويل جاء فيه: "وإذا دفن
стр. 808
العبد الفاجر أو الكافر يقول القبر له: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إنك كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إليّ، فإذ وُلِّيتُكَ اليوم، وصرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه، حتى تلتقي وتختلف أضلاعه، وقال ﷺ بأصابع يديه فشبكهما: ثم يُقَيَّض له تسعون تنيناً، أو قال: تسعة وتسعون، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فتنهشه وتخدشه حتى يبعث إلى الحساب، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار " (١). فهذه الأحاديث كلها أثبتت عذاب القبر للكافر والعاصي. وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة، ولا يصح عليها التواطؤ (٢). وقال ابن القيم (٣): عذاب القبر قسمان: دائمٌ، وهو عذاب الكفار وبعض العصاة. ومنقطع وهو عذاب من خفت جرائمهم من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته، ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة ونحو ذلك. اهـ. قال العلماء (٤): عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه نَالَهُ ما أراد به، قُبِرَ أو يُقْبَر، ولو صلب. أو غرّق في البحر، أو أكلته الدواب، ْأو أحرق حتى صار رماداً أو ذري في الريح، ومحله الروح والبدن جميعاً، باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم، كما أفاده السيوطي. ثانياًً: أنه يستحب التعوذ من عذاب القبر في آخر كل صلاة بعد التشهد، وقبل السلام، لقول عائشة ﵂ في حديث الباب: " فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلّى صلاةً إلاّ تعوذ من عذاب القبر ". أمّا الصيغة المأثورة في ذلك فهي كما جاء في حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدعو:
стр. 809
٥٣٣ - عن أسمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ:
" قَامَ فينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيباً، فذكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِْ التي يُفتَتَنُ بِهَا المَرْءُ، فلَما ذَكَرَ ذَلكَ ضَج الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً ".
ــ
" اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " أخرجه الشيخان. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " نعم عذاب القبر ".
٥٣٣ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت أو بكر ﵂: " قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً، فذكر فتنة القبر "، يعني وقف رسول الله ﷺ يوماً يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم الدّار الآخرة، حتى تطرّق إلى القبر وأحواله، وذكر فتنة القبر، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين منكر ونكير للعبد عن ربه ونبيّه ودينه وسمي بذلك لأنه فتنة عظيمة يختبر بها إيمان العبد ويقينه، فمن وفق في هذا الاختبار فاز، ومن فشل هلك. قالت: " فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة " أي صاحوا صيحة عظيمة هلعاً وخوفاً من فتنة القبر. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على إثبات سؤال الملكين للعبد في قبره، وقد سمّاه النبي ﷺ فتنة " لما ذكرناه في شرح الحديث " ودل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ)، أي ويثبتهم عند سؤال الملكين، ويوفقهم إلى الجواب الصحيح ويكون السؤال لكل ميت مسلماً كان أو كافراً، طائعاً أو عاصياً. قال ابن القيم: وفي الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) قلت: ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي
стр. 810
عن جابر ﵁ مرفوعاً: " إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان فانتهراه، فقام يهب كما يهب النائم فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام، ديني، ومحمد نبيي، فينادى منادٍ أن قد صدق فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، يقول: دعوني أخبر أهلي، فيقال له: اسكن ".
أخرجه البيهقي. وفي رواية عن أنس ﵁: " فإن كان كافراً يقولان: من ربك قال: لا أدرى. قالا: من نبيك قال: لا أدرى قالا: من إمامك؟ قال: لا أدري، فيضربانه بعمود ضربة حتى يلتهب عليه القبر ناراً ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه " أخرجه الديلمي. قال القسطلاني: وهل يسأل الطفل، الذي لا يميّز، جزم القرطبي في " تذكرته " أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم به غير واحد من الشافعية. وقد صح أن المرابط في سبيل الله لا يفتتن، كما في حديث مسلم وغيره، وكذلك شهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي وقع فيه قاصداً بإقامته ثواب الله، راجياً صدق موعوده، لحديث البخاري والنسائي عن عائشة مرفوعاً: " فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما قد كتبه الله له إلاّ كان له مثل أجر شهيد " ووجه الدليل أن الصابر في الطاعون نظير المرابط في سبيل الله، وقد صح أن المرابط لا يفتتن. والصحيح الذي رجحه ابن القيم أن سؤال القبر لا يختص بهذه الأمّة، وإنما هو لجميع الأمم، لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة ما يقتضي ذلك. ولا شك أن سؤال القبر عذاب للكافر والمنافق، لأنهما إذا سئلا ولم يجيبا عُذِّبا أشد العذاب، وضربا بمطارق من حديد، كما في الحديث عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدرى، كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ". أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " فذكر فتنة القبر "، أي سؤال الملكين.