← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٤٥٦ - " بَابُ ما جَاءَ في عَذَابِ الْقَبْرِ " ٥٣٢ - عن عَائِشَةَ ﵂: أنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فذكَرَتْ عذابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ من عذَابِ الْقَبْرِ، فسألَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عن عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: " نَعَمْ عَذَابُ القبْرِ " قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعدُ صَلَّى صَلَاةً إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. ــ ٤٥٦ - " باب ما جاء في عذاب القبر " ٥٣٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث " أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر " وفي رواية أبي وائل عن مروان عن عائشة ﵂: " دخلت عجوزان من يهود المدينة فقالتا إن أهل القبور يعذبون في قبورهم "، قال الحافظ: وهو محمول على أن إحداهما تكلّمت وأقرّتها الأخرى، قال: ولم أقف على اسم واحدة منهما. قالت عائشة في هذه الرواية فكذبتهما، وإنما كذبتهما لأنّها لم تسمع من النبي ﷺ ما يثبت ذلك، " فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر " هل هو حق أم لا، " فقال: نعم عذاب القبر " أي نعم عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة حق ثابت لا شك فيه، كما جاء في رواية أخرى " أن النبي ﷺ أجابها بقوله: "عذاب القبر حق"، وقد جاء ذلك مبيناً ومفصلاً في الأحاديث الصحيحة وسيأتي إيضاحه فيما يستفاد من الحديث. " قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر "، أي فكان بعد ذلك لا يصلّي صلاة فرضاً أو نفلاً إلَّا تعوذ في آخرها بعد التشهد من عذاب القبر.

стр. 807

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثبات عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة، وكونه حقيقة ثابتة، وقضية معروفة مسلم بها في جميع الأديان السماوية، بدليل أن اليهودية ذكرته لعائشة، وأخبرتها عنه. وقد تكاثرت فيه الأحاديث والأخبار الصحيحة. فروي عن عائشة ﵂ " أن النبي ﷺ قال: " إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم " أخرجه الشيخان وابن أبي شيبة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً يلدغه حتى تقوم الساعة " أخرجه أحمد وأبو يعلى (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " المؤمن في قبره في روضة ويرحب له قبرُه سبعون ذراعاً، وبنور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنّه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة " أخرجه أبو يعلى (٢). وعن يعلى بن مرة قال: " مررت مع النبي على مقابر، فسمعت ضغطة في قبر فقلت: يا رسول الله سمعت ضغطة في قبر، قال: وسمعت يا يعلى: قلت: نعم، قال: فإنه يعذب في يسير من الأمر، قلت: وما هو؟ قال: كان يمشي بين الناس بالنميمة، وكان لا يتنزّه عن البول " أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة ". وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه أفاق، فقال: علام جلدتموني، قالوا: إنك صليت بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره " أخرجه أبو الشيخ (٣) وعن أبي سعيد الخدري في حديث طويل جاء فيه: "وإذا دفن

стр. 808

العبد الفاجر أو الكافر يقول القبر له: لا مرحباً ولا أهلاً، أما إنك كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إليّ، فإذ وُلِّيتُكَ اليوم، وصرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه، حتى تلتقي وتختلف أضلاعه، وقال ﷺ بأصابع يديه فشبكهما: ثم يُقَيَّض له تسعون تنيناً، أو قال: تسعة وتسعون، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فتنهشه وتخدشه حتى يبعث إلى الحساب، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار " (١). فهذه الأحاديث كلها أثبتت عذاب القبر للكافر والعاصي. وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة، ولا يصح عليها التواطؤ (٢). وقال ابن القيم (٣): عذاب القبر قسمان: دائمٌ، وهو عذاب الكفار وبعض العصاة. ومنقطع وهو عذاب من خفت جرائمهم من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته، ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة ونحو ذلك. اهـ. قال العلماء (٤): عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه نَالَهُ ما أراد به، قُبِرَ أو يُقْبَر، ولو صلب. أو غرّق في البحر، أو أكلته الدواب، ْأو أحرق حتى صار رماداً أو ذري في الريح، ومحله الروح والبدن جميعاً، باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم، كما أفاده السيوطي. ثانياًً: أنه يستحب التعوذ من عذاب القبر في آخر كل صلاة بعد التشهد، وقبل السلام، لقول عائشة ﵂ في حديث الباب: " فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلّى صلاةً إلاّ تعوذ من عذاب القبر ". أمّا الصيغة المأثورة في ذلك فهي كما جاء في حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدعو:

стр. 809

٥٣٣ - عن أسمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: " قَامَ فينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيباً، فذكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِْ التي يُفتَتَنُ بِهَا المَرْءُ، فلَما ذَكَرَ ذَلكَ ضَج الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً ". ــ " اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " أخرجه الشيخان. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " نعم عذاب القبر ". ٥٣٣ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت أو بكر ﵂: " قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً، فذكر فتنة القبر "، يعني وقف رسول الله ﷺ يوماً يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم الدّار الآخرة، حتى تطرّق إلى القبر وأحواله، وذكر فتنة القبر، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين منكر ونكير للعبد عن ربه ونبيّه ودينه وسمي بذلك لأنه فتنة عظيمة يختبر بها إيمان العبد ويقينه، فمن وفق في هذا الاختبار فاز، ومن فشل هلك. قالت: " فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة " أي صاحوا صيحة عظيمة هلعاً وخوفاً من فتنة القبر. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. فقه الحديث: دل الحديث على إثبات سؤال الملكين للعبد في قبره، وقد سمّاه النبي ﷺ فتنة " لما ذكرناه في شرح الحديث " ودل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ)، أي ويثبتهم عند سؤال الملكين، ويوفقهم إلى الجواب الصحيح ويكون السؤال لكل ميت مسلماً كان أو كافراً، طائعاً أو عاصياً. قال ابن القيم: وفي الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) قلت: ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي

стр. 810

عن جابر ﵁ مرفوعاً: " إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان فانتهراه، فقام يهب كما يهب النائم فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام، ديني، ومحمد نبيي، فينادى منادٍ أن قد صدق فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، يقول: دعوني أخبر أهلي، فيقال له: اسكن ". أخرجه البيهقي. وفي رواية عن أنس ﵁: " فإن كان كافراً يقولان: من ربك قال: لا أدرى. قالا: من نبيك قال: لا أدرى قالا: من إمامك؟ قال: لا أدري، فيضربانه بعمود ضربة حتى يلتهب عليه القبر ناراً ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه " أخرجه الديلمي. قال القسطلاني: وهل يسأل الطفل، الذي لا يميّز، جزم القرطبي في " تذكرته " أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم به غير واحد من الشافعية. وقد صح أن المرابط في سبيل الله لا يفتتن، كما في حديث مسلم وغيره، وكذلك شهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي وقع فيه قاصداً بإقامته ثواب الله، راجياً صدق موعوده، لحديث البخاري والنسائي عن عائشة مرفوعاً: " فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما قد كتبه الله له إلاّ كان له مثل أجر شهيد " ووجه الدليل أن الصابر في الطاعون نظير المرابط في سبيل الله، وقد صح أن المرابط لا يفتتن. والصحيح الذي رجحه ابن القيم أن سؤال القبر لا يختص بهذه الأمّة، وإنما هو لجميع الأمم، لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة ما يقتضي ذلك. ولا شك أن سؤال القبر عذاب للكافر والمنافق، لأنهما إذا سئلا ولم يجيبا عُذِّبا أشد العذاب، وضربا بمطارق من حديد، كما في الحديث عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدرى، كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ". أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " فذكر فتنة القبر "، أي سؤال الملكين.

стр. 811

٤٥٧ - " بَابُ ما يُنْهى عنْ سَبِّ الأمْوَاتِ " ٥٣٤ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قد أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا ". ــ لأن هذا السؤال عذاب للكافر والمنافق. ٤٥٧ - " باب ما ينهي عن سب الأموات " ٥٣٤ - معنى الحديث: تحدثنا السيدة عائشة ﵂ في هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تسبوا الأموات "، أي أن النبي ﷺ نهى عن سب أموات المسلمين نهياً صريحاً، وذلك لأن أعراض المسلمين مصانة في الحياة وبعد الممات لعموم قوله ﷺ : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه "، بل إن عرض الميت أولى بالحرمة والصيانة لعجزه عن الدفاع عن نفسه، فالله يدافع عنه، " فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " بفتح الهمزة من الإفضاء وهو الوصول إلى الشيء. أي ليس هناك أي مبرر لسبّهم، وإن أساءوا في حياتهم، لأنهم قد وصلوا إلى الجزاء العادل على أعمالهم إن كانت خيراً أو شراً، وانتهوا إلى أحكم الحاكمين، ولستم مسؤولين عن أعمالهم حتى تسبوهم بعد موتهم (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي. فقه الحديث: دلَ الحديث على تحريم سب أموات المسلمين، لأن عرض المسلم حرام حياً كان أو ميتاً، وإذا كانت غيبة الحي حرام، فالميت أولى. ومن أدب الإِسلام أن نشيد بمحاسن الميت، ونكف عن مساويه، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: " اذكروا محاسن موتاكم، وكفّوا عن مساويهم "، أخرجه الترمذي وأبو داود. وأما الكافر فلا حرج من ذكر مساويه ما لم يتأذّ بذلك المسلم، لقوله ﷺ لما سبّ أحد الأنصار عبد المطلب: " لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا "، أخرجه النسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لا تسبوا الأموات ".

стр. 812

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري تأليف حمزة محمد قاسم راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط عني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون الجزء الثالث مكتبة دار البيان ص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥ دمشق - الجمهورية العربية السورية مكتبة المؤيد ص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١ الطائف - المملكة العربية السعودية

стр. 813

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بيروت ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

стр. 814

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " كتاب الزكاة " الزكاة لغة: كما قال الراغب (١): النمو الحاصل عنِ بركة الله تعالى، يقال زكا الزرع إذا حصل فيه نمو وبركة. وتطلق أيضاً على الطهارة، وزكاة النفس: تطهيرها، وتنسب إلى النبي ﷺ كما في قوله تعالى: (وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) لكونه تسبب في تطهير نفوسهم، وتنمية أموالهم بما شرعه لهم من الزكاة المفروضة. والزكاة شرعاً: اسم لما يخرجه الإنسان من حق (٢) مالي لله تعالى في زمن مخصوص على وجه مخصوص. وسميت زكاةً لما فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس، وتطهيرها من الآثام، والأمراض النفسية من شح وبخل وشره. شرعت في السنة الثانية من الهجرة. بعد زكاة الفطر. وهي خمسة أنواع: زكاة الحرث، وزكاة النقد، وزكاة الماشية، وزكاة التجارة، وزكاة الفطر. والحكمة فيها: تطهير النفس، والتسامي بها، وتحريرها من الشحِ، وتمكينها من السيطرة على غريزة الحرص والشح الموجودة في البشر جميعاً. ومن ثَمَّ كان أفضل الصدقة ما يخرجه العبد أثناء صحته، عندما تكون هذه الغريزة في أقوى عنفوانها وسلطانها، كما يشير إليه قوله ﷺ عندما سئل أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: " أن تَصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى " أخرجه الشيخان والنسائي، أي إن أفضل الصدقة ما كافح به الإِنسان

стр. 815

٤٥٨ - " بَابُ وُجُوبِ الزَكَاةِ " ٥٣٥ - عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذاً إلى الْيَمَنِ فَقَالَ: " ادعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإن هُمْ أطاعُوا لِذَلِكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْم وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فأعْلِمْهُمْ أن اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أغنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ". ــ غريزة الشح في نفسه. أضف إلى ذلك ما تؤدي إليه الزكاة وتحققه من تضامن اجتماعي، فإن كل مجتمع تؤدى فيه الزكاة على وجهها الصحيع هو مجتمع تربط بين أفراده أواصر المودة والمحبة والرحمة، ولهذا فإنه يكون جديراً برحمة الله وإفاضة نعمه عليه، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ). ولا شك أن في إخراج الزكاة مواساة للفقراء، وتطيباً لنفوسهم، وكسباً لمودتهم، وإزالةً للأحقاد من نفوسهم. ٤٥٨ - " باب وجوب الزكاة " ٥٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن "، أي أرسله سنة عشر من الهجرة قبل حجة الوداع والياً أو قاضياً، " فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله "، أي: ادعهم قبل كل شيء إلى الإِقرار بوحدانية الله تعالى ورسالة نبيه محمد ﷺ ، لأنه الشرط الأول في قبول الأعمال، وصحة جميع العبادات الشرعية، " فإن هم أطاعوا لذلك "، أي فإذا أقّروا بتوحيد الله ورسالة نبيّه ﷺ " فأعلمهم أنّ الله افترض فعليهم خمس صلوات في اليوم والليلة "، أي فأخبرهم أن الله

стр. 816

٥٣٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن أعرابِيَّاً أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ: قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ به شَيْئَاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَة، ــ قد أوجب عليهم هذه الصلوات الخمس، وكتبها عليهم كل يوم وليلة، " فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم "، أي تؤخذ من كل فرد يملك النصاب الشرعي، " وترد على فقرائهم "، أي وتصرف على فقراء بلدتهم. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الزكاة، وكونها ركناً من أركان الإِسلام، لقوله ﷺ : " فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة "، وهذه الصدقة هي الزكاة، فمن جحدها قتل كافراً، إلاّ أن يكون حديث عهد بالإِسلام، ومن امتنع عن دفعها ولم يجحدها فهو فاسق، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهراً مع تعزيره، وليس له أن يأخذ من ماله زيادة عليها، خلافاً لأحمد والشافعي في القديم حيث قالا: يأخذها ونصف ماله. ثانياًً: أن الزكاة تجب على كل مسلم غني، وهو من يملك النصاب الشرعي، واتفقوا على أنّها تجب بخمسة شروط: الإِسلام، والغنى (وهو امتلاك النصاب)، والحرية، واستقرار الملك، وتمام الحول. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً ". ٥٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة في حديثه هذا: " أن أعرابياً " أي رجلاً من البادية، " أتى النبي ﷺ فقال: دلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة "، أي دلّنى على عمل يترتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، فأجابه النبي ﷺ بأن دخول الجنة والنجاة من النار يتوقفان على أداء أركان الإِسلام حيث قال: " تعبد الله لا تشرك به شيئاً " وهو معنى

стр. 817

وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ" قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَا أزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظرُ إلى رَجُلٍ مِنْ أهْلٍ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظر إِلَى هَذَا ". ــ شهادة أن لا إله إلاّ الله، التي هي الركن الأول من أركان الإِسلام، لأن معناها: لا معبود بحق إلاّ الله، ومقتضاها إفراد الله بالعبادة، وذلك بعبادة الله وحده، وأن لا تشرك به شيئاً " وتقيم الصلاة المكتوبة "، أي وتقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله وأوجبها على عباده في كل يوم وليلة " وتؤدي الزكاة المفروضة "، أي وتعطي الزكاة الشرعية التي أوجبها الله عليك، وتدفعها لمستحقها، وهو موضع الترجمة، " وتصوم رمضان "، أي وتحافظ على صيام رمضان في وقته. " قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا " أي لا أزيد على العمل المفروض الذي سمعته منك شيئاً من الطاعات، وزاد مسلم " ولا أنقص منه " " فلما ولى قال النبي ﷺ : " من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فينظر إلى هذا "، أي فلينظر إلى هذا الأعرابي فإنه سوف يكون من أهل الجنة إن داوم على فعل ما أمرته به، لقوله في حديث أبي أيوب " إن تمسك بما أمر به دخل الجنة " أخرجه مسلم. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان بعض أركان الإِسلام، وهي التوحيد والصلاة، والزكاة، والصوم، ولم يذكر الحج مع أنه الركن الخامس من أركان الإِسلام، لأنه لم يكن شرع بعد. ثانياًً: بيان مشروعية الزكاة ووجوبها وأنها ركن من أركان الدين الحنيف، لقوله ﷺ : " وتؤدي الزكاة المفروضة ". ثالثاً: قال القسطلاني (١): فيه أن المبشر بالجنة أكثر من العشرة كما ورد النص في الحسن والحسين ﵄ وأمهما

стр. 818

٥٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: لما تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وكان أبو بَكْرٍ، وكفَرَ من كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فقال عُمَرُ: كيف تُقاتِلُ النَّاسَ وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُمِرْتُ أن أقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فمن قالَهَا فقدْ عَصَمَ منِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ على اللهِ تَعالى " فَقَالَ: وَاللهِ لأقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ ــ ﵂، وأمهات المؤمنين، فتحمل بشارة العشرة بأنهم بشروا دفعة واحدة، أو بلفظ بشره بالجنة، أو أن العدد لا ينفى الزائد. رابعاً: قال القرطبي (١): لا يقال إن مفهوم الحديث يدل على ترك التطوعات، أي النوافل، لأنا نقول لعلّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإِسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة، لئلا يثقل عليهم فيملوا، فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على ثواب المندوبات، سهلت عليهم. والمطابقة: في قوله: " وتؤدي الزكاة الفروضة ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٥٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة في هذا الحديث أنه: " لما ْتوفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر "، أي لما توفي النبي ﷺ وصار أبو بكر خليفة المسلمين " وكفر من كفر من العرب "، أي وارتد العرب عن الإِسلام، فبعضهم ادعى النبوة كبني حنيفة وأسد وغطفان، وبعضهم ترك الصلاة ومنع الزكاة، وبعضهم ترك الزكاة متأوّلاً أنها كانت واجبة في حياة النبي ﷺ ، ولم يثبت على الإِسلام والطاعة سوى أهل مكة والمدينة والطائف وأسلم وغفار ومزينة وأشجع وهوزان وأهل صنعاء، فلما فعلوا ذلك عزم أبو بكر على قتالهم، " فقال عمر: " منكراً عليه العزم على قتالهم: "كيف

стр. 819

بَيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزكاةَ حَقّ المَالِ واللهِ لوْ مَنَعُونِي عنَاقاً كانوا يُؤَدُّونَهَا إلى رسُولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُهُمْ على مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ فَواللهِ مَا هُوَ إلَّا أنْ قَدْ شَرحَ اللهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقّ. ــ تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلاّ بحقه؟ " وهذا استفهام إنكاري معناه النفي أي: لا يجوز لك مقاتلة مانعي الزكاة بعد نطقهم بكلمة التوحيد، وقد جعلها النبي ﷺ سبباً في عصمة الدماء والأموال، فلا يقتل من قالها إلاّ في حق من الحقوق الشرعية " وحسابه على الله "، أي وحسابه على سريرته التي يضمرها في قلبه، إنما هي لله وحده، فهو الذي يجازيه على ما يخفيه في قلبه من كفر وإيمان، لأنه هو المطلع عليه وحده. أما نحن فإنا نحكم بإسلامه أو كفره بما يبدو لنا من ظاهره، والله أعلم بسريرته، " فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " أي أقسم بالله تعالى لأقاتلن من فرق بين حكمهما، فقال الصلاة واجبة والزكاة غير واجبة، لأن وجوب الزكاة معلومٌ من الدين بالضرورة. ومن أنكر شيئاً معلوماً من الدين " بالضرورة فإنه يقاتلِ. " فإن الزكاة حق المال "، كما أن الصلاة حق البدن، فمن أنكرها أنكر حقاً من حقوق الإِسلام يقاتل عليه كما يقاتل على الصلاة. " والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لقاتلتهم كل منعها "، أي أقسم بالله لو منعوني أنثى من المعز كانوا يعطونها زكاةً في عهد النبي ﷺ لقاتلتهم على منعها " فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق " أي فعلمت أنه الحكم الشرعي الصحيح الثابت بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الزكاة حق المال

стр. 820

كما أن الصلاة حق البدن، فهما عبادتان إسلاميتان واجبتان من أركان الإِسلام، فالصلاة عبادة بدنية والزكاة عبادة مالية وحكمهما واحد. ثانياًً: كما أفاده في " كشف الشبهات " (١) أن الرجل إذا أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وهو مصداق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا). فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإِسلام قتل، وكذلك هذا الحديث وأمثاله. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ قال في الخوارج: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " أخرجه البخاري فلم تنفعهم (لا إله إلا الله) ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإِسلام لما ظهر منهم من مخالفة الشريعة، اهـ. ثالثاً: قال القشيري: أجمع العلماء على أن من منع الزكاة منكراً لوجوبها تؤخذ منه قهراً فإن نصب الحرب دونها قتل كما فعل أبو بكر بأهل الردة ووافق على ذلك جمع من الصحابة. ولا يشترط فيها البلوغ، ولا العقل خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا زكاة على مجنون ولا صبي. ثم إنه لا يجوز نقل الزكاة من بلدة المزكي إلى بلدة أخرى لقوله ﷺ : " تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم " " ويستثنى من ذلك " باتفاق أهل العلم ما إذا استغنى عنها أهل بلدها واختلفوا فيما عدا ذلك. فقال أبو حنيفة: يجوز نقلها لقرابة محتاجين إليها. وقالت الشافعية: إلّا إذا فقد من يستحقها في البلد. وقال مالك: يجوز نقلها إذا وقع في البلد الأخرى حاجة لها، قال: وذلك راجع إلى نظر الإمام واجتهاده. قال في تيسير العلام (٢): والصحيح جواز نقلها سيّما مع المصلحة، بأن يكون له أقارب فقراء في غير بلده، أو إعانة على جهاد أو علم. قال: وكان النبي ﷺ يبعث عماله على الصدقة فيأتون بها المدينة ليفرقها فيها، وهي إحدى الروايات عن الإِمام أحمد، والمشهور من مذهبه الأوّل. الحديث: أخرجه

стр. 821

٤٥٩ - " بَابُ إِثْمَ مَانِعَ الزكَاةِ " ٥٣٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤدِّ زكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يأخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَا مَالُكَ أنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا (لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) الآيَةَ. ــ الشيخان وأبو داود، والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة "، والله أعلم. ٤٥٩ - " باب إثم مانع الزكاة " ٥٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من آتاه الله مالاً " أي من أعطاه الله مالاً بلغ النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة، " فلم يؤد زكاته "، أي فلم يخرج زكاته، " مُثل له يوم القيامة شجاع أقرع "، أي صُوِّر له ماله الذي بخل به، ولم يؤدّ زكاته بصورة ثعبان سامّ، أبيض الرأس. وهو من أخطر الثعابين، لأنه كلما كثر سم الثعبان ابيض رأسه، كما أفاده الفاكهي، " له زبيبتان " أي فوق عينيه نقطتان سوداوان، وهو من أخبث الحيات " يطوقه " (١) أي يهجم عليه ويلتف حول عنقه " ثم يأخذ بلهزمتيه (٢) يعني بشدقيه " أي يمسك بجانبي فمه ويعضهما، ويفرغ سمه فيهما، " ثم تلا (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ

стр. 822

٤٦٠ - " بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طيِّبٍ " ٥٣٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمرَةٍْ مِنْ كَسْب طيَبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطيَبَ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بيمينه، ثُمَّ يُرَبيهَا لِصَاحِبهَا، كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ". ــ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وإنما قرأ هذه الآية ليستدل بها على ما قال. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: إثم مانع الزكاة والوعيد الشديد المترتب على ذلك، وأن منع الزكاة كبيرة من الكبائر، وإلا لما ترتب عليه هذا الوعيد. ثانياًً: أن العبد إذا لم يشكر النعمة، ويؤدي حق الله فيها تكون نقمة ووبالاً عليه يوم القيامة، وتتمثل له في أبشع الصور التي تؤلمه وتؤذيه. والمطابقة: في قوله: " من أتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل يوم القيامة شجاعاً أقرع ... إلخ ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. ٤٦٠ - " باب الصدقة من كسب طيب " ٥٣٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " قال رسول الله ﷺ : من تصدق بعدل (١) تمرة من كسب طيب "، أي بمقدار تمرة من مال حلال اكتسبه عن طريق مشروع بصفة مشروعة، وحصل عليه بوسيلة مشروعة من تجارة؛ أو صناعة؛ أو زراعة؛ أو وظيفة، " ولا يقبل الله إلاّ الطيب "، وهي جملة معترضة بين الشرط وجوابه " معناها " ولا يقبل الله صدقة إلَّا إذا كانت خالصة لله تعالى وكانت من مال حلال "فإن الله

стр. 823

يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها"، أي فإن الله يتقبل الصدقة الطيبة بيمينه، كما يتقبل الأشياء الشريفة الكريمة، ثم " يربيها " أي ينميها، ويضاعف ثوابها لصاحبها " كما يربي أحدكم فلوه " (بفتح الفاء وضم اللام وفتح الواو المشددة)، وهو المهر، أي الصغير من الخيل، أي وما يزال الله يضاعف ثواب الصدقة، ويكبر حجمها " حتى تكون مثل الجبل "، أي حتى تكون الصدقة عند وضعها في الميزان يوم القيامة مثل الجبل صورة وحجماً وثقلاً. والحاصل أنّ من تصدق بصدقة قليلة خالصة من الرياء والسمعة من مال حلال، فإن الله يكبر صورتها، ويضاعف ثوابها، ويثقل وزنها في ميزانه يوم القيامة، حتى تكون كالجبل الضخم في صورتها ووزنها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الصدقة لا تقبل عند الله تعالى إلاّ إذا كانت طيبة. ومعنى كونها طيبة، أن يتوفر فيها شرطان: الأول: أن تكون خالصة لله تعالى ليس فيها رياء، ولا سمعة. والثاني: أن تكون من مال حلال. أما إذا كانت رياءً فإنها ترد على صاحبها لقول الله تعالى كما في الحديث القدسي " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك في معي غيري -أي راءى فيه غيري- تركته وشركه ". وكذلك الصدقة من الحرام لا تقبل، لقوله ﷺ في حديث الباب: " ولا يقبل الله إلا الطيب " وقوله في حديث آخر: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول " أي ولا يقبل صدقة من مال حرام. ثانياًً: أن الصدقة، لا تُقَوَّمُ بحجمها، وإنما تقوم بإخلاص صاحبها، وبالمال الذي خرجت منه، حلالاً كان أو حراماً. فإذا توفر فيها الجوهر الطيب، وهو المال الحلال، والنية الخالصة، كان لها حجم ووزن في ميزان الله وإن كانت قليلة. ثالثاً: أن الأعمال الصالحة تحول يوم القيامة إلى أجرام مادية لها صورة وحجم ووزن، فتوضع في ميزان العبد، وتوزن في كفه حسناته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله ﷺ : " ولا يقبل الله إلاّ الطيب ".

стр. 824

٤٦١ - " بَابُ الصَّدَقَةِ قَبلَ الرَّدِّ " ٥٤٠ - عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " تَصَدَّقُوا فإِنَّهُ يَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فأمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لي بِهَا ". ٥٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيفِيضَ ــ ٤٦١ - " باب الصدقة قبل الرد " ٥٤٠ - معنى الحديث: يقول حارثة بن وهب: " سمعت النبي ﷺ يقول: تصدقوا فإنه يَأتِي عليكم زمان "، أي بادروا بإخراج الزكاة وانتهزوا فرصة قبولها بوجود الفقراء قبل أن يأتي عليكم زمان يكثر فيه المال حتى أنه " يمشي الرجل بصدقته "، أي يمشى بزكاته يبحث عن فقير يعطيها له فلا يجده، " يقول الرجل " الذي يقدم له الصدقة. " لو جئت بها بالأمس " أي أاعتذر إليك عن قبول صدقتك ولو جئتني قبل هذا اليوم لأخذتها منك، أما اليوم فلا حاجة لي، لأنني غني. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولة: " يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها ". ٥٤١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " قال رسول الله ﷺ . لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض " المراد بالساعة هنا يوم القيامة أو المواد أنه لا ينتهي القرن الأول الهجري حتى يكثر المال، وتعم الثروة وينتشر الرخاء، وتتوفر السيولة النقدية في أيدي الناس جميعاً، فلا يحتاج أحد

стр. 825

حَتَّى يُهِمَّ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أرَبَ لِي فِيهِ". ٥٤٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، والآخَرُ يَشْكُو قَطع السَّبِيل، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَّا قَطع السَّبِيلِ فَإِنهُ لا يَأتِي عَلَيْكَ إلَّا قَلِيل حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إلى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ وَأما ــ إلى الصدقة، " حتى عم رب المال من يضل صدقته " أي حتى يجتهد رب المال في البحث عن شخص فقير يقبل منه صدقته فلا يجده. " فيقول الذي يعرضه عليه " أي فيقول الشخص الذي يعرض عليه المال " لا أرب في فيه " أي لا حاجة في فيه. والمطابقة: في قوله: " فيقول الذي يعرضه عليه لا حاجة في فيه ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٥٤٢ - ترجمة راوي الحديث: هو عدي بن حاتم الطائي ﵁. أسلم سنة تسع، وقال له عمر ﵁: آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وأول صدقة بيضت وجه رسول الله كانت صدقة جئت بها، شهد فتح العراق، وشارك فيه، وجاهد في سبيل الله، وتوفي سنة ثمان وستين من الهجرة. معنى الحديث: يقول عدي بن حاتم ﵁: " كنت عند رسول الله ﷺ فجاءه رجلان يشكو أحدهما العيلة " بفتح العين يعني الفقر والفاقة، " ويشكو الآخر قطع السبيل " أي قطع الطريق باللصوص، " فقال رسول الله ﷺ : أمّا قطع السبيل فإنه لا يَأتِي عليك إلاّ قليل " أي لا يمر عليك سوى زمن قصير وإذا به قد انتشر الإِسلام، واستتب الأمن في جزيرة العرب،

стр. 826

الْعَيْلَةُ فَإن السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتى يَطُوفَ أحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَن أحدُكُمْ بَيْنَ يَدي اللهِ لَيْسَ بيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَاب، وَلَا تَرْجُمَان يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيقُولَنَّ لَهُ: ألَمْ أوتِكَ مالاً! فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: ألمْ أرْسِلْ إلَيْكَ رَسُولاً! فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظرٌ عَنْ يَمِينهِ فَلا يَرَى إلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أحدُكُمْ النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طيبةٍ". ــ " حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير "، أي حتى تسير القافلة التجارية إلى مكة دون حارس يحرسها. " وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم "، أي لا تقوم القيامة أو لا ينتهي القرن الأوّل الهجري حتى يعم الغنى والثراء " حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها " وذلك لتواجد المال في أيدي الناس، " ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان "، أي يقف أمام الله دون حائل، ويكلمه مباشرة بدون واسطة ترجمان، لأن الله عليم بكل اللغات، " ثم ليقولن له: ألم أوتك مالاً، فيقول بلى، ألم أرسل إليك رسولاً " أي ألم أرسل إليك رسولاً يبين لك أركان الإِسلام، ومنها الزكاة، " فيقول: بلى ". أي فيقول مانع الزكاة: بلى قد أرسلت إلي رسولاً وأخبرني أن الزكاة من أركان الإِسلام، " فينظر عن يمينه فلا يرى إلاّ النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلاّ النار " فعند ذلك يتأكد أنه قد حاق به العذاب بسبب شحه وبخله " فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة " أي فليجعل بينه وبين النار حاجزاً من الصدقة، ولو أن يتصدق بنصف تمرة، فإن الصدقة تطفىء غضب الرب، " فإن لم يجد " ما يتصدق، " فبكلمة طيبة " أي فليرد رداً جميلاً يطيب به نفس السائل. الحديث: أخرجه النسائي أيضاً. والمطابقة: في قوله: " لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها ".

стр. 827

٥٤٣ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاس زَمَانٌ يَطُوفُ فِيهِ الرَّجُلُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أحداً يَأخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأةٍ يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وكَثْرَةِ النِّسَاءِ ". ــ ٥٤٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " وليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة من الذهب "، أي يطوف بزكاته من الذهب ويبحث عمن يعطيها له، " ثم لا يجد أحداً يأخذها منه " قيل إن ذلك كان في زمن عمر بن عبد العزيز، وقال المناوي، وقيل: إنه يقع في زمن عيسى. " ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به " أي يعرضن عليه الزواج منهن " من قلة الرجال " بسبب كثرة الحروب. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحد يأخذها منه ". فقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في المبادرة إلى إخراج الزكاة وانتهاز الفرصة المناسبة لِإخراجها، وعدم التباطؤ بها، والحرص على إخراجها عند مسيس الحاجة إليها، والتحذير من التسويف بها، لأنه قد يكون التأخير سبباً في عدم وجود من يقبلها، ولهذا قال الفقهاء: يجب إخراج الزكاة فوراً، ويحرم تأخيرها عن وقتها إلاّ لعذر شرعي لهذا الحديث، ولقوله ﷺ : " ما خالطت الصدقة مالاً إلاّ أهلكته " أخرجه البخاري، وزاد الحميدي: يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال. ثانياً: أن من معجزاته ﷺ إخباره عن التطور الاقتصادي حيث أخبر عن انتشار الغنى بين أفراد المسلمين في آخر الزمان قرب الساعة، حتى لا يوجد من يقبل الصدقة ويحتمل أن يكون إشارة إلى

стр. 828

٤٦٢ - " بَابٌ اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تمْرَةٍ " ٥٤٤ - عن أبي مَسْعُودٍ الأنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أمرَنَا بالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أحدُنَا إلَى السُّوْقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وِإنَّ لبَعْضِهِمْ الْيَومَ لَمِائَةِ ألفٍ ". ٥٤٥ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم (١) ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسوُلَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ". ــ ما وقع في عهد عمر بن عبد العزيز، فقد أغنى عمر الناس حتى كان الرجل لا يجد من يأخذ زكاته. والمطابقة: في كونه ﷺ حث على الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها. ٤٦٢ - " باب اتقوا النار ولو بشق تمرة " ٥٤٤ - معنى الحديث: يقول أبو مسعود الأنصاري: " كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل " بضم الباء، أي يجهد نفسه في الكسب، ويكد وينصب " فيصيب المد " أي وبعد تعب وجهد يكسب مداً من طعام، " وهو رطل وثلث " فيتصدق منه، " وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف " أي يمتلك مائة ألف، ولا يتصدق كما كنا نتصدق. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتصدقون بكل ما يقدرون عليه، ولو كان قليلاً. ٥٤٥ - معنى الحديث: يحدثنا عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ : " يقول: اتقوا النار " أي اجعلوا بينكم وبين النار ستراً وحجاباً

стр. 829

٤٦٣ - " بَابٌ أيُّ الصَّدَقَةِ أفضلُ " ٥٤٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُل إلى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْراً؟ قَالَ: " أن تَصَّدَّقَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيح تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأمَلُ الْغِنَى، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، ولِفُلان كَذَا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ ". ــ بالصدقة، وتصدقوا بكل ما تستطيعون التصدق به مهما كان يسيراً، " ولو بشق تمرة "، أي ولو لم تجدوا ما تتصدقون به إلاّ نصف تمرة، فتصدقوا به، ولا تحقروا من الصدقة شيئاً، ولو كان قليلاً، فإنّه ينفع المتصدِّق، وينفع المتصدق عليه، كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: " يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة " أخرجه أحمد. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. فقه الحديث: دل الحديثان على ما يأتي. أولاً: الترغيب في الصدقة واستحباب الحرص على فعلها مهما كانت يسيرة، لأنّها تسد مسدها، وهي وقاية لفاعلها من النار، مهما قلت، كما يدل عليه الحديث الثاني. ثانياً: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكدون ويجدون في كسب المال من عرق جبينهم ليقوا أنفسهم مذلة السؤال، ويتصدقوا منه على إخوانهم. ٤٦٣ - " باب أي الصدقة أفضل " ٥٤٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً "، أي أكثر ثواباً، " قال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى " أي أفضل الصدقة

стр. 830

٤٦٤ - " بَاب إذَا تصَدَّقَ على غَنِي وَهُوَ لَا يَعْلمُ " ٥٤٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُل: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقتِهِ فوضَعَهَا في يَدِ سَارِق، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها في ــ أن تتصدق في حال صحتك واستكمال قواك الجسمية، وحرصك الشديد على تنمية ثروتك وطمعك في الغنى وخشيتك من الفقر، وحبك الشديد لمالك، فإذا تصدقت وأنت على هذه الحال كانت صدقتك أعظم أجراً، لما في ذلك من مجاهدة النفس، ومقاومة غريزة الشح فيها، وقد أثنى الله تعالى على من فعل ذلك في قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، " ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم " أي بلغت الروح الحلقوم وأوشكت على مفارقة البدن، " قلت: لفلان كذا "، أي أوصيت بجزء من مالك لفلان وفلان، فإن هذه الوصية وإن كانت مشروعة إلاّ أن الصدقة في حال الصحة أفضل، لأن مالك قد أصبح عند مفارقتك الحياة لورثتك. فقه الحديث: دل الحديث على أن الصدقة في وقت صحة الإِنسان وسلامته أفضل من الوصية، وأن الوصية جائزة مشروعة أيضاً. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة. ٤٦٤ - " باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم " ٥٤٧ - معنى الحديث: يقول رسول الله ﷺ : " قال رجل " من بنى إسرائيل " لأتصدقن بصدقة " طيبةٍ نافعة أخرجها من مال حلال، وأدفعها لمن يستحقها، وأقسم على ذلك، والتزم به صدقته، " فخرج بصدقته "

стр. 831

يَدَيْ زَانِيةٍ، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصدِّقَ اللَّيْلَةَ على زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيةٍ، لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدَيْ غَنِيٍّ، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على غَنِي! فَقَال: اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ على سَارِق، وَعَلى زَانِيةٍ، وَعَلى غَنِي، فَأتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أما صَدَقَتُكَ ــ يريد أن يضعها في يد رجل صالح يستحقها، " فوضعها في يد سارق "، أي فأخطأ عن غير قصد، فوضعها في يد رجل سارق، وهو يظن أنّه رجل صالح وإنسان شريف، " فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق! " أي يتكلمون في ذلك، ويتعجبون منه، لأن الصدقة كانت عندهم -فيما يبدو- لا تدفع إلاّ لأهل الخير والصلاح، كما أفاده العيني. " فقال: اللهم لك الحمد "، فحمد الله تعجباً مما وقع له حيث إنه أراد أن يتصدق على رجل صالح، فوقعت صدقته في يد فاسق وحمد الله لكونه لم يقدر عليه ما هو أسوأ من ذلك، لأنه ما من بلية إلاّ وهناك أعظم منها، " لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها " خطأً ودون قصد " في يد زانية " وهو يظنها امرأة شريفة، " فقال: اللهم لك الحمد على زانية "، فحمد الله أيضاً، وهو الذي لا يحمد على مكروه سواه، " لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غني "، يعني فأعطى صدقته خطأً لرجل غني، والغني لا تحل له الصدقة، ولكنه لم يجزع، وإنما قال: " اللهم لك الحمد على سارق! وعلى زانية، وعلى غني؟ " أي فحمد الله على خطئه ثلاث مرات راضياً بما قدره الله عليه، وابتلاه به، " فأتي " بالبناء للمجهول، أي فعامله الله بحسب قصده، وكافأه على حُسِنْ نيته، فرأى في منامه، أو هاتفاً يخاطبه، " فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته "، أي فبشره أن الله قد قبل منه صدقاته كلها، فأمّا الصدقة الأولى فلعله أن ينتفع

стр. 832

على سَارِق فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وأمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أعْطَاهُ اللهُ". ٤٦٥ - " بَاب إِذَا تصَدُّقَ عَلى ابْنِهِ وَهُو لَا يَشْعُرُ " ٥٤٨ - عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: ــ بها ذلك اللص، وتسد حاجته وفقره إن كان فقيراً، وتغنيه عن السرقة، وكذلك الصدقة الثانية كما قال، " وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها "، أي أن تستعين بذلك المال على سد حاجتها وفقرها، وتستغني عن الزنا. وأمّا الصدقة الثالثة فقد تجعل من ذلك الغني البخيل رجلاً كريماً كما قال: " فأمّا الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أخطأ في صدقته أو زكاته فأعطاها إلى غني وهو يظنه فقيراً صحت صدقته، وأجزأته، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد وأبي عبيد، وذهب مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري إلى أنها لا تجزئه، وعن أحمد روايتان. ثانياً: أن الصدقة كانت عندهِم لا تعطى إلاّ لأهل الخير والصلاح، أما في شريعتنا فإنّها تعطى للفقير صالحاً أو فاسقاً. وفي الحديث إشارة إلى استحباب الصدقة على الفاسق إذا كانت تؤدّي إلى إعفافه عن جريمته، وإصلاح حاله. والمطابقة: في قوله: " فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ". ٤٦٥ - " باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر " ٥٤٨ - ترجمة الراوي: وهو " مَعْنُ " بفتح الميم وسكون العين " ابن يزيد السلمي " بضم السين. أسلم هو وأبوه وجده، وشهد فتح دمشق

стр. 833

بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنا وأبي وَجَدِّي وخَطَبَ عَلَي فأنْكَحَنِي، وخَاصَمْتُ إلَيْهِ، وكانَ أبي يَزِيدُ أخرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فوضَعَهَا عِنْدَ رَجُل في الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فأخَذْتُهَا فأتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أردْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أخَذْتَ يَا مَعْنُ ". ــ وكان له عند الفاروق منزلة عظيمة، وقتل في مرج راهط سنة أربع وخمسين من الهجرة. معنى الحديث: يقول معن ﵁: " بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي " وهو الأخنس بن حبيب السلمي، " وخطب علي " أي وخطب لي النبي ﷺ امرأة فزوجني إياها، " وخاصمت إليه " أي شكوت إليه أبي في قضية فحكم لي، " وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها " في الزكاة المفروضة " فوضعها عند رجل " ليصرفها لمن تجوز عليه الزكاة، " فجئت فأخذتها فأتيته بها "، أي فأخبرت والدي بأني أخذتها، " فقال: والله ما إياك أردت "، أي ما قصدت أن أعطي هذه الزكاة لك، لأنّها لا تحل للولد. وأراد أن يسترجعها مني، " فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال " لأبي لا تستردها منه، فإن " لك ما نويت "، من إعطاء زكاتك لمن تحل له شرعاً، " ولك ما أخذت " لأنك فقير. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من أخطأ هو أو وكيله في الزكاة، فأعطاها لمن تحرم عليه من ولد أو غيره دون قصد، ثم تبين له خطؤه أجزأته، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد لما في حديث الباب، حيث إن النبي ﷺ أمضى زكاة يزيد حين وصلت إلى ولده خطأً، ولم يطالبه بأخرى، وقال مالك والشافعي: لا تجزئه، وهو مذهب أحمد في

стр. 834

٤٦٦ - " بَابُ مَنْ أمَرَ خادِمَهُ بالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ " ٥٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إذَا أنْفَقَتِ الْمَرأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتهَا غَير مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، ولِزَوْجِهَا أجْرُه بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شَيْئاً ". ــ رواية. ثانياً: أنها لا تجوز الزكاة على الولد إذا كان يعوله، وكذلك كل من ينفق عليه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: كما قال العيني: من حيث إن يزيد أعطى دنانير ليتصدق عنه، فجاء ابنه فأخذها من الرجل فكأنه تصدق عليه وهو لا يشعر. ٤٦٦ - " باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه " ٥٤٩ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة "، أي إذا أعطت المرأة من طعام بيتها لعيال زوجها وأضيافه، غير مبذرة، ولا قاصدة إتلاف ماله، وإلحاق الضرر به، " كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب "، أي كان لها ثواب الإنفاق، وللزوج ثواب آخر مقابل كسبه وسعيه، " وللخادم مثل ذلك "، أَي ولمن عُهِدَ إليه بحفظ الطعام أجر آخر على الإِنفاق من طعام سيده، " لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً ". قال العيني: منصوب بنزع الخافض، أي لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً، كما في رواية الترمذي، حيث قال فيها: " لا ينقص كل واحد منهما من أجر صاحبه شيئاً ". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " وللخادم مثل ذلك " أي مثل أجر سيده. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المسلم إذا أمر خادمه

стр. 835

٤٦٧ - " بَابُ مَنْ أحَبَّ تعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا " ٥٥٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العَصْرَ فأسْرَع، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أو قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: " كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْراً من الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُبيِّته، فَقَسَمْتُهُ ". ــ بالصدقة أو أذن له فيها وأخرجها عنه قبلت صدقته، وكان له ثوابها كما لو كان أخرجها بنفسه، لقوله: " وللخازن مثل ذلك " أي يكون للرجل أجر الصدقة، وللخادم أجر إخراجها، وهو ما ترجم له البخاري. ويؤكد ذلك صراحةً قوله ﷺ في رواية أخرى: " الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به، فيدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين " أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ثانياً: أن ظاهر الحديث يدل على أنه يجوز للزوجة الإِنفاق من طعام زوجها بإذنه، أو بغير إذنه، ما لم يكن هناك إسراف، لكن ليس على إطلاقه، وإنما هو محمولٌ على ما إذا أذن الزوج بالإِنفاق، أو عُلِمَ رضاه عنه، قال (محيي السنة): عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه؛ أو علمها برضاه، وكذلك الخادم، والحديث خرج على عادة أهل الحجاز، يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق. ٤٦٧ - " باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها " ٥٥٠ - معنى الحديث: يقول عقبة ﵁: " صلى بنا النبي ﷺ العصر فأسرع " وفي رواية أخرى للبخاري " صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه "، "ثم دخل البيت " أي دخل أحد بيوت زوجاته، " فقلت له: "

стр. 836

٤٦٨ - " بَابُ التَحْرِيض علَى الصَّدَقَةِ والشَّفاعَةِ فيهَا " ٥٥١ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ ". ــ أي فسألته عن ممبب خروجه من المسجد مسرعاً " فقال، كنت خلفت في البيت تبراً من الصدقة " وفي رواية أخرى: " ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا ". قال ابن دريد: التبر هو الذهب كله، أي سبب خروجي أني كنت تركت في بيتى شيئاً من ذهب الصدقة " فكرهت أن أبيته "، أي فرغبت وأحببت أن أبادر إلى قسمته في يومه، وكرهت أن أبيته إلى الغد خوفاً من العوائق والموانع. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. ويستفاد من الحديث: فوائد كثيرة منها: استحباب المبادرة إلى إخراج الصدقة والزكاة في وقتها فوراً، وكراهية تأخيرها خوفاً من تغير الأحوال. والمطابقة: في قوله: " فكرهت أن أبيته ... " إلخ. ٤٦٨ - " باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها " ٥٥١ - معنى الحديث: يقول أبو موسى الأشعري ﵁: " كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل " المحتاج بطلب الصدقة " أو طلبت " بضم الطاء وكسر اللام " إليه حاجة " أي أو جاءه صاحب الحاجة يطلب منه ﷺ قضاءها له، ومساعدته عليها " قال اشفعوا تؤجروا " أي اسألوني واطلبوا مني قضاء حاجته ما لم تكن معصية أو إسقاط حدٍ من حدود الله تعالى، أما ما عدا ذلك من الحاجات كإنظار المعسر، وإعانة المدين والإِصلاح

стр. 837

٥٥٢ - عَنْ أسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِي ﷺ : "لا تُوكي فَيُوكَى عَلَيْكِ ". ــ بين متخاصمين فبادروا إلى السعي عندي في ذلك. اهـ. والتحريض والشفاعة متقاربان، فهما يجتمعان غاية، لأنْ كلاً منهما يؤدي إلى إيصال الخير، أو دفع الشر عن المشفوع له؛ أو المحرض له، ويفترقان وسيلة، لأن التحريض يعتمد على الترغيب، والشفاعةُ تعتمد على السؤال (١). وقد أمر النبي ﷺ بالشفاعة في الخير وبيّن أن الشافع مأجور، سواء حصل المطلوب أم لا، فإن قضاء الأمور وتحقيقها ليست بأيديهم، كما قال ﷺ : " ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء "، وما أراد من قضاء ذلك الأمر أو عدمه. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. فقه الحديث: دل الحديث على استحباب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها وفي سائر أعمال الخير، وأن الساعي مأجور وإن خاب سعيه. والمطابقة: في قوله: " اشفعوا تؤجروا ". ٥٥٢ - معنى الحديث: يقول ﷺ لأسماء: " لا توكي " بضم التاء وكسر الكاف يقال: أوكأ سقاءه إذا شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، أي لا تمنعي ما عندك، " فيوكى عليك " بفتح الكاف منصوب لاقترانه بالفاء في جواب النهي، أي لا تمنعي مالك عن الصدقة خشية (٢) نفاده فتنقطع عنك مادة الرزق. ويستفاد منه: أن الصدقة تنمي المال، وأن البخل بالصدقة سيما الواجبة يؤدي إلى إتلافه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " لا توكي " حيث حرضها على العطاء والصدقة، وحذرها من البخل.

стр. 838

٤٦٩ - "بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةْ، فَمَنْ لَمْ يَجِد فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ " ٥٥٣ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةْ " فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: " يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ " قَالُوا: فَإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: " يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ " قَالُوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: " فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشر فَإنَّهَا لَهُ صَدَقَة ". ــ ٤٦٩ - " باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف " ٥٥٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " على كل مسلم صدقة "، أي: أن الصدقة بغير الزكاة المفروضة حق مطلوب من كل مسلم؟ أن يؤديه ندباً واستحباباً، فيستحب لكل مسلم أن يتصدق مهما كانت ظروفه وأحواله، فلما سمع الصحابة ذلك ظنوا أن الصدقة المطلوبة من كل مسلم هي " الصدقة بالمال " " فقالوا: فمن لم يجد؟ "، أي: فمن كان فقيراً لا يملك مالاً يتصدق منه ماذا يصنع، فبين لهم النبي ﷺ أنه ليس المقصود من الصدقة صدقة المال فقط، وإنما هي شيء آخر أعم وأشمل، وهو " صنع المعروف " (١) سواء كان بالمال أو بالبدن واللسان، كما وضح ذلك النبي ﷺ في بقية الحديث حيث " قال: يعمل بيده، لينفع نفسه ويتصدق " أي إن لم يجد مالاً حاضراً يتصدق منه. فعليه أن يسعى لتحصيله وكسبه بالعمل في أي مهنة شريفة يحصل منها على المال الحلال، فينفق على نفسه ويتصدق على غيره، " قالوا: فإن لم يجد، قال يعين ذا الحاجة الملهوف " أي قالوا:

стр. 839

٤٧٠ - " بَابُ الْعَرْض في الزَّكَاةِ " ٥٥٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁: أنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ ، ــ فإن لم يقدر على العمل، أو لم يجد مهنة يكسب منها المال فيتصدق منه، قال: يعين ذوي الحاجات من عاجز أو مظلوم، بقوله أو فعله قدر استطاعته، فإنّ هذا العمل البدني وهذه الخدمة البدنية التي يقدمها لمن استغاث به تحتسب له صدقة " قالوا: فإن لم يجد " القدرة على مساعدة غيره ببدنه أو لسانه " قال: فليعمل بالمعروف "، أي فليأت بنوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وقراءة قرآن " وليمسك عن الشر " أي يتجنب المحرمات من غيبة ونميمة وكذب، " فإنها في صدقة " أي فإن فعل الخير والكف عن الشر له ثواب الصدقة. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الصدقة مطلوبة من كل مسلم غنياً أو فقيراً، فإن كان غنياً فالصدقة بالنسبة إليه هي صدقة المال، وإن كان فقيراً فإنّ عليه أيضاً صدقة مندوبة مستحبة وهي فعل الخير وصنع المعروف، سواء كان بالبدن أو باللسان. ثانياًًً: أن كل معروف صدقة فإغاثة الملهوف صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وقراءة القرآن صدقة، ونوافل العبادات البدنية كلها صدقة. ثالثاً: أن الإِمساك عن الشر واجتناب المحرمات صدقة لقوله ﷺ : "وليمسك عن الشر فإنها له صدقة ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : "على كل مسلم صدقة ". ٤٧٠ - " باب العرض (١) في الزكاة " ٥٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا أنس في هذا الحديث "أن أبا بكر

стр. 840

" وَمَنْ بَلَغتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ بِنْتُ لبونٍ، فإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، ويُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَماً أو شَاتَيْنِ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لبونٍ، فإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ولَيْسَ مَعَهُ شَيءٌ ". ــ الصديق ﵁ كتب له التي أمر الله رسوله"، أي أن الصديق ﵁ كتب لأنس ﵁ كتاباً يبين له فيه فريضة زكاة الماشية التي أمر الله تعالى رسوله بأخذها، " ومن بلغت صدقته بنت مخاض "، أي ومما ذكره ﵁ في هذا الكتاب أن صاحب الماشية إذا أصبحت الفريضة الواجبة عليه بنت مخاض " وهي التي أتمت حولاً ودخلت في الثاني، وتجب في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين من الإِبل، فإذا وجبت عليه " " وليست عنده، وعنده بنت لبون " وهي التي أتمت عامين ودخلت في الثالث " فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين "، أي فإنّ الساعي يأخذ من صاحب الماشية بنت اللبون، التي هيِ أكثر من الفريضة المطلوبة منه، ويدفع له الفرق بين السنين عشرين درهماً، أو شاتين " فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء " أي ولا يعطيه شيئاً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استدل به البخاري على جواز أخذ العرض - وهو ما عدا النقدين - في الزكاة، أي استبدال زكاة الماشية بعرض آخر، ودفعه بدلاً عن الفريضة المطلوبة من صاحب الماشية، لأن النبي ﷺ أمر الساعي أن يأخذ من صاحب الماشية بنت اللبون، التي هي أكثر من الفريضة المطلوبة منه، وإعطاءه بدلاً عن الفرق بين السنين شاتين، والشاتان عرض آخر من غير الجنس الواجب، فدل ذلك على أنه

стр. 841

يجوز للساعي أن يأخذ أكثر من الفريضة، ويدفع الفرق بين السنين عرضاً آخر، وكذلك العكس، وهو أن يأخذ أقل من الفريضة ويأخذ الفرق بين السِّنيْن عرضاً آخر، وفي هذا دليل على جواز استبدال زكاة الماشية بالعروض الأخرى، وهو مذهب أبي حنيفة. وأجاب الجمهور بأنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل. وأجاب الحنفية بأنّ الشارع لم يقدر التفاوت بمقدار محدود لا يزيد ولا ينقص، وإنما نظر إلى قيمة الفرق بين السنين حسب اختلاف الزمان والمكان، وتفاوت الأسعار، بدليل ما روى عن علي ﵁ أنه قدر " الجبران " ما بين السنين في بعض الأحوال بشاة أو عشرة دراهم - أي بأقل مما قدره الصديق، وقد كان علي ﵁ مصدّق رسول الله ﷺ وساعيه على الزكاة، فلو كان الفرق دائماً هو شاتان أو عشرون درهماً لما عدل عنه وخالف الصديق في تقديره، فتقدير عليّ للفرق بهذا التقدير الذي يختلف عما جاء في كتاب أبي بكر يدل على أنّ هذا الفرق ما هو إلاّ قيمة تختلف حسب اختلاف الظروف والأسعار وأنّ من باب استبدال الزكاة المفروضة بغيرها من العروض، ولهذا قال البخاري: باب العرض في الزكاة، أي استبدال زكاة الماشية بغيرها من العروض، واستدل على ذلك أيضاً، بقول معاذ لأهل اليمن: إيتوني بعرض ثيابكم (خميص)، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ . ثانياًًً: استدل الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه إذا اختلف السن المطلوب فإن على رب الماشية أن يدفع أعلى منه، ويأخذ من الساعي عشرين درهماً أو شاتين، أو يدفع أدنى منه ويعطى للساعي عشرين درهماً أو شاتين، وأنّ التفاوت بين السنين محدد بذلك كما ذكر في الحديث فهو دائماً عشرون درهماً أو شاتين لا يزيد

стр. 842

٤٧١ - " بَاب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرق وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع " ٥٥٥ - عَنْ أنسٍ ﵁: أنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ : " وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ". ــ ولا ينقص. قال في " المنهل العذب " (١): وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن من لزمه سن ولم يوجد عنده، يدفع أدنى منه، والفرق بين السنين بالغاً ما بلغ أو يدفع أعلى من السن الواجب، ويأخذ الفرق بين السنين من الساعي إن شاء، لأنه في حكم البيع، وهو مبني على التراضي أو يدفع قيمة السن المطلوب، وقالوا: تقدير الفرق في الحديث بالشاتين أو العشرين درهماً بناءً على أن ذلك كان قيمة التفاوت في زمنهم لا أنه تقدير لازم، فقد روي عن علي ﵁ أنه قدر " الجُبْران " ما بين السنين بشاة واحدة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله ﷺ وما كان يخفى عليه مثل هذا، ولا يظن به مخالفة رسول الله، وقال مالك: يلزم رب المال بإحضار السن الواجب، وإنْ بشراء والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين ". ٤٧١ - " باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع " ٥٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث " أن أبا بكر كتب له التي فرض رسول الله ﷺ " أي بعث إليه كتاباً بيّن له فريضة الزكاة التي فرضها النبي ﷺ ، ومما جاء في كتابه هذا " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة "، أي لا يجوز لأرباب

стр. 843

٤٧٢ - " بَابُ مَا كَانَ مِنْ خلِيطَيْنِ فإنهُمَا يَتَراجَعَانِ بالسَّوِيَّة " ٥٥٦ - وفي روَايةٍ عَنْ أنَسٍ ﵁: أنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ المواشي أن يجمعوا المواشي المتفرقة بين عدة أشخاص، ويضموها إلى بعضها في مجموعة واحدة احتيالاً منهم لتنقيض الصدقة، كأن يكون هناك ثلاثة أشخاص لكل واحد منهم أربعون شاة، فلما عرفوا أنّ على كل واحد منهم شاة أرادوا جمعها معاً حتى تصير مائة وعشرين فتصبح عليهم شاة واحدة. فلا يجوز لهم جمعها لأنه احتيال لتنقيص فريضة الزكاة، كذلك لا يجوز لهم التفريق بين مجتمع من أجل تنقيص الزكاة كأن يكون للشريكين مائتا شاة فيكون عليهم ثلاث شياه فيريدان أن يفترقا حتى يكون لكل منهما مائة شاة، ولا تجب عليه سوى شاة واحدة، فلا يجوز لهما التفرق، لأنه حيلة لتنقيص الزكاة. فقه الحديث: دل الحديث على أنّه لا يجوز الجمع بين متفرق أو التفريق بين مجتمع لتنقيص الزكاة، كما تقدم شرحه، لأنّه تهرُّبٌ عن أداء الحق الشرعي ولا يجوز أيضاً للساعي أن يفرّق المجتمع أو يجمع المتفرق لتكثير الصدقة، فقوله خشية الصدقة، وإن كان في الأصل يرجع إلى رب الماشية إلاّ أنه يرجع أيضاً إلى الساعي بضده، فإذا كان الأوَّل لا يجوز له الجمع والتفريق خوفاً من الصدقة فإنه لا يجوز ذلك للساعي أيضاً طمعاً في زيادتها، ومحل النهي عن ذلك في الجنس الواحد كالإِبل مثلاً. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود في حديث طويل. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. ٤٧٢ - " باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية " ٥٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس في رواية أخرى "أن أبا بكر

стр. 844

" ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ ". ــ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " أي أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب إلى أنس ﵁ فريضة الزكاة التي فرضها رسول الله ﷺ ، فقال فيها ما معناه: أن الخليطين إذا اشتركا في المكان والمرعى والمورد والفحل والمراح دون الاشتراك في الملك، فإن المالين يصيران كالمال الواحد (١) فيهما زكاة واحدة، يأخذها الساعي من المجموع، ثم يتراجع الخليطان فيما بينهما، أي يتحاسبان فيما بينهما بنسبة ما لكل منهما من الماشية، فإذا كان المجموع مثلاً مائة وثلاث وعشرون شاة، لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث، فإن الساعي يأخذ شاة واحدة من المجموع ثم يتحاسبان فيرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بقيمة الثلث الذي دفعه زيادة عما عليه. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. فقه الحديث: دل الحديث على أن الخليطين كالشريكين، مالهما كالمال الواحد، فتؤخذ منهما زكاة واحدة، ثم يتحاسبان بينهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا بلغت ماشيتهما معاً النصاب وجبت فيها الزكاة، وإن لم يكن لكل منهما نصاب (٢)؛ وقال مالك: لا أثر للخلطة إلاّ إذا كان كل منهما يملك نصاباً لقوله ﷺ : " فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين " يعني من الغنم - فليس فيها شيء، لأن هذا الحكم بعمومه يشمل الخليطين. ...

стр. 845

٤٧٣ - " بَابُ زَكَاةِ الإِبِلَ " ٥٥٧ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ أعْرَابِيَّاً سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: " وَيْحَكَ إنَّ شَأنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إبل تُؤَدِّي صَدَقَتَها؟ " قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: " فَاعْمَلْ من وَرَاءِ الْبِحَارِ فإِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرِكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً ". ــ ٤٧٣ - " باب زكاة الإِبل " ٥٥٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁: " أن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن الهجرة " أي عن حكمها بالنسبة إليه وهل تجب عليه الهجرة من البادية إلى المدينة أم لا؟ " فقال له: ويحك إن شأنها شديد " أي فأمره النبي ﷺ أمر إرشاد وتوجيه أن يصرف نظره عن الهجرة رفقاً به، وشفقة عليه، لأن الهجرة أمر شاق عليه، لما فيها من مفارقة الوطن والأهل والأحباب، " فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها " أي تخْرِج زكاتها؟ " قال: نعم " لدي إبل أخرجُ زكاتها الشرعية " قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً " أي لن ينقصك من عملك شيئاً ما دمت تؤدي زكاة إبلك فما عليك بعد ذلك إلاّ أن تحافظ على بقية شعائر دينك وعباداتك البدنية، فإذا تمكنت من أداء ما افترض الله عليك في ديار قومك، فلا هجرة عليك وإن الله يثيبك على عملك وعبادتك، ولو كنت في أقصى المعمورة. فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب زكاة الإِبل لقوله ﷺ " فهل لك من إبل تؤدّي زكاتها " وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًًً: أن الهجرة وإن كانت مشروعة مطلقاً لقوله ﷺ في حديث معاذ: " ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة " إلاّ أنها لا تكون واجبة إلاّ إذا كان المسلم
следующие страницы →