يجوز للساعي أن يأخذ أكثر من الفريضة، ويدفع الفرق بين السنين عرضاً آخر، وكذلك العكس، وهو أن يأخذ أقل من الفريضة ويأخذ الفرق بين السِّنيْن عرضاً آخر، وفي هذا دليل على جواز استبدال زكاة الماشية بالعروض الأخرى، وهو مذهب أبي حنيفة. وأجاب الجمهور بأنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل. وأجاب الحنفية بأنّ الشارع لم يقدر التفاوت بمقدار محدود لا يزيد ولا ينقص، وإنما نظر إلى قيمة الفرق بين السنين حسب اختلاف الزمان والمكان، وتفاوت الأسعار، بدليل ما روى عن علي ﵁ أنه قدر " الجبران " ما بين السنين في بعض الأحوال بشاة أو عشرة دراهم - أي بأقل مما قدره الصديق، وقد كان علي ﵁ مصدّق رسول الله ﷺ وساعيه على الزكاة، فلو كان الفرق دائماً هو شاتان أو عشرون درهماً لما عدل عنه وخالف الصديق في تقديره، فتقدير عليّ للفرق بهذا التقدير الذي يختلف عما جاء في كتاب أبي بكر يدل على أنّ هذا الفرق ما هو إلاّ قيمة تختلف حسب اختلاف الظروف والأسعار وأنّ من باب استبدال الزكاة المفروضة بغيرها من العروض، ولهذا قال البخاري: باب العرض في الزكاة، أي استبدال زكاة الماشية بغيرها من العروض، واستدل على ذلك أيضاً، بقول معاذ لأهل اليمن: إيتوني بعرض ثيابكم (خميص)، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ . ثانياًًً: استدل الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه إذا اختلف السن المطلوب فإن على رب الماشية أن يدفع أعلى منه، ويأخذ من الساعي عشرين درهماً أو شاتين، أو يدفع أدنى منه ويعطى للساعي عشرين درهماً أو شاتين، وأنّ التفاوت بين السنين محدد بذلك كما ذكر في الحديث فهو دائماً عشرون درهماً أو شاتين لا يزيد
стр. 842
٤٧١ - " بَاب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرق وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع "
٥٥٥ - عَنْ أنسٍ ﵁:
أنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ : " وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ".
ــ
ولا ينقص. قال في " المنهل العذب " (١): وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن من لزمه سن ولم يوجد عنده، يدفع أدنى منه، والفرق بين السنين بالغاً ما بلغ أو يدفع أعلى من السن الواجب، ويأخذ الفرق بين السنين من الساعي إن شاء، لأنه في حكم البيع، وهو مبني على التراضي أو يدفع قيمة السن المطلوب، وقالوا: تقدير الفرق في الحديث بالشاتين أو العشرين درهماً بناءً على أن ذلك كان قيمة التفاوت في زمنهم لا أنه تقدير لازم، فقد روي عن علي ﵁ أنه قدر " الجُبْران " ما بين السنين بشاة واحدة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله ﷺ وما كان يخفى عليه مثل هذا، ولا يظن به مخالفة رسول الله، وقال مالك: يلزم رب المال بإحضار السن الواجب، وإنْ بشراء والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي.
والمطابقة: في قوله: " ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين ".
٤٧١ - " باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع "
٥٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث " أن أبا بكر كتب له التي فرض رسول الله ﷺ " أي بعث إليه كتاباً بيّن له فريضة الزكاة التي فرضها النبي ﷺ ، ومما جاء في كتابه هذا " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة "، أي لا يجوز لأرباب
стр. 843
٤٧٢ - " بَابُ مَا كَانَ مِنْ خلِيطَيْنِ فإنهُمَا يَتَراجَعَانِ بالسَّوِيَّة "
٥٥٦ - وفي روَايةٍ عَنْ أنَسٍ ﵁:
أنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
المواشي أن يجمعوا المواشي المتفرقة بين عدة أشخاص، ويضموها إلى بعضها في مجموعة واحدة احتيالاً منهم لتنقيض الصدقة، كأن يكون هناك ثلاثة أشخاص لكل واحد منهم أربعون شاة، فلما عرفوا أنّ على كل واحد منهم شاة أرادوا جمعها معاً حتى تصير مائة وعشرين فتصبح عليهم شاة واحدة.
فلا يجوز لهم جمعها لأنه احتيال لتنقيص فريضة الزكاة، كذلك لا يجوز لهم التفريق بين مجتمع من أجل تنقيص الزكاة كأن يكون للشريكين مائتا شاة فيكون عليهم ثلاث شياه فيريدان أن يفترقا حتى يكون لكل منهما مائة شاة، ولا تجب عليه سوى شاة واحدة، فلا يجوز لهما التفرق، لأنه حيلة لتنقيص الزكاة.
فقه الحديث: دل الحديث على أنّه لا يجوز الجمع بين متفرق أو التفريق بين مجتمع لتنقيص الزكاة، كما تقدم شرحه، لأنّه تهرُّبٌ عن أداء الحق الشرعي ولا يجوز أيضاً للساعي أن يفرّق المجتمع أو يجمع المتفرق لتكثير الصدقة، فقوله خشية الصدقة، وإن كان في الأصل يرجع إلى رب الماشية إلاّ أنه يرجع أيضاً إلى الساعي بضده، فإذا كان الأوَّل لا يجوز له الجمع والتفريق خوفاً من الصدقة فإنه لا يجوز ذلك للساعي أيضاً طمعاً في زيادتها، ومحل النهي عن ذلك في الجنس الواحد كالإِبل مثلاً. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود في حديث طويل. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.
٤٧٢ - " باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية "
٥٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس في رواية أخرى "أن أبا بكر
стр. 844
" ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ ".
ــ
كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " أي أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب إلى أنس ﵁ فريضة الزكاة التي فرضها رسول الله ﷺ ، فقال فيها ما معناه:
أن الخليطين إذا اشتركا في المكان والمرعى والمورد والفحل والمراح دون الاشتراك في الملك، فإن المالين يصيران كالمال الواحد (١) فيهما زكاة واحدة، يأخذها الساعي من المجموع، ثم يتراجع الخليطان فيما بينهما، أي يتحاسبان فيما بينهما بنسبة ما لكل منهما من الماشية، فإذا كان المجموع مثلاً مائة وثلاث وعشرون شاة، لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث، فإن الساعي يأخذ شاة واحدة من المجموع ثم يتحاسبان فيرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بقيمة الثلث الذي دفعه زيادة عما عليه. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود. والمطابقة:
في كون الترجمة من لفظ الحديث.
فقه الحديث: دل الحديث على أن الخليطين كالشريكين، مالهما كالمال الواحد، فتؤخذ منهما زكاة واحدة، ثم يتحاسبان بينهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا بلغت ماشيتهما معاً النصاب وجبت فيها الزكاة، وإن لم يكن لكل منهما نصاب (٢)؛ وقال مالك: لا أثر للخلطة إلاّ إذا كان كل منهما يملك نصاباً لقوله ﷺ : " فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين " يعني من الغنم - فليس فيها شيء، لأن هذا الحكم بعمومه يشمل الخليطين.
...
стр. 845
٤٧٣ - " بَابُ زَكَاةِ الإِبِلَ "
٥٥٧ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:
أنَّ أعْرَابِيَّاً سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: " وَيْحَكَ إنَّ شَأنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إبل تُؤَدِّي صَدَقَتَها؟ " قَالَ: نَعَمْ: قَالَ:
" فَاعْمَلْ من وَرَاءِ الْبِحَارِ فإِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرِكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئاً ".
ــ
٤٧٣ - " باب زكاة الإِبل "
٥٥٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁: " أن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن الهجرة " أي عن حكمها بالنسبة إليه وهل تجب عليه الهجرة من البادية إلى المدينة أم لا؟ " فقال له: ويحك إن شأنها شديد " أي فأمره النبي ﷺ أمر إرشاد وتوجيه أن يصرف نظره عن الهجرة رفقاً به، وشفقة عليه، لأن الهجرة أمر شاق عليه، لما فيها من مفارقة الوطن والأهل والأحباب، " فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها " أي تخْرِج زكاتها؟ " قال: نعم " لدي إبل أخرجُ زكاتها الشرعية " قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً " أي لن ينقصك من عملك شيئاً ما دمت تؤدي زكاة إبلك فما عليك بعد ذلك إلاّ أن تحافظ على بقية شعائر دينك وعباداتك البدنية، فإذا تمكنت من أداء ما افترض الله عليك في ديار قومك، فلا هجرة عليك وإن الله يثيبك على عملك وعبادتك، ولو كنت في أقصى المعمورة.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب زكاة الإِبل لقوله ﷺ " فهل لك من إبل تؤدّي زكاتها " وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًًً: أن الهجرة وإن كانت مشروعة مطلقاً لقوله ﷺ في حديث معاذ: " ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة " إلاّ أنها لا تكون واجبة إلاّ إذا كان المسلم
стр. 846
٤٧٤ - " بَابُ زَكَاةِ الْغنَمَ "
٥٥٨ - عن أنسٍ ﵁:
أنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابِ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْبَحْرَيْنِ:
ــ
لا يأمن على نفسه وماله ودينه ولا يتمكن من أداء شعائر الإِسلام في حرية تامة لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فإنّ هذا يدل على وجوبها على كل مسلم مضطهد، قال الإِمام محمد عبده: ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه أو يؤذى فيها إيذاءً لا يقدر على احتماله، وتكون الهجرة مندوبة فقط إذا كان المسلم في بلد يأمن فيه على نفسه وماله ودينه فلا تجب عليه الهجرة في هذه الحالة لحديث الباب حيث قال ﷺ للأعرابي لما سأله عن الهجرة: " فاعمل من وراء البحار ". أي فإنك إذا تمكنت من أداء العبادات المفروضة عليك كما أمرك الله لا تجب عليك الهجرة. ولهذا قال الإِمام محمد عبده: وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع .. أي لا يمنع من أداء شعائر الدين وأركان الإِسلام، ولا يؤذي إذا عمل بدينه، فلا يجب عليه أن يهاجر، بل ربما كانت الإِقامة في دار الكفر سبباً لظهور محاسن الإِسلام وإقبال الناس عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها " فإنها تدل على وجوب زكاة الإِبل وهو ما ترجم له البخاري، والله أعلم.
٤٧٤ - " باب زكاة الغنم "
٥٥٨ - معنى الحديث: أن أبا بكر الصديق ﵁ عندما
стр. 847
" بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والَّتِي أَمرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ على وجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، ومنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلا يُعْطِ: في أرْبَع وعِشْرِينَ منَ الإِبِلِ فَمَاَ دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْس شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَت خَمْسَاً وَعِشْرِين إِلَى خَمسٍ وَثَلاثِينَ ففِيهَا بِنْتُ مَخَاض أُنثى، فإِذَا بَلغَتْ سِتَّاً وثَلَاثِينَ إلى خَمسٍ وأرْبَعِينَ ففيهَا بِنْتُ لبون أُنثى. فإذا بَلَغَتْ سِتاً وأرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ فَفيها حِقَّةٌ طروقَةُ الْجَملِ، فَإِذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّينَ إلى خَمسٍ وسَبْعِينَ فِفيهَا جَذَعَةً، فَإِذا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتَّاً وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لبونٍ، فَإذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتسْعينَ إِلى عشْرينَ وَمائَةٍ فَفيهَا حقَّتَان طروقَتَا
ــ
أرسل أنس بن مالك إلى البحرين ليكون عاملاً عليها، وكلفه بأخذ الزكاة المفروضة (١) من أهلها كتب له هذا الكتاب ليعتمد عليه في معرفة فريضة الزكاة (٢)، وتطبيقها وتحصيلها ممن تجب عليه، وكتب له فيه أن من سئل مقدار هذه الفريضة فإنه يجب عليه دفعها، ومن سئل أكثر من ذلك فلا يجب عليه. وهي كما يلي:
الفريضة في الإِبل:
من ٥ إلى ٢٤ في كل خمس شاة.
من ٢٥ إلى ٣٥ بنت مخاض وهي التي دخلت في السنة الثانية.
من ٣٦ إلى ٤٥ بنت لبون وهي التي دخلت في السنة الثالثة.
من ٤٦ إلى ٦٠ حقة وهي التي دخلت في السنة الرابعة.
стр. 848
الْجَمَلِ، فإذا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ففِي كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أرْبَع مِن الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةُ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فإذَا بَلَغَتْ خمساً مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاة.
وفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أرْبَعَيْنَ إلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاة، فَإِذَا زَادَتْ على عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلى مِائَتَيْنِ شاتَانِ، فإِذَا زَادَتْ على مِائَتَيْن إلى ثَلَاِثمِائَةٍ فِفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذا زَادَتْ على ثَلَاِثمِائَةٍ ففي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أرْبَعِينَ شاةً واحدةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أنْ يَشَاءُ رَبُّهَا.
وفي الرِّقَّةِ (١) رُبُعُ الْعُشْرِ، فإنْ لَمْ تَكُن إلَّا تِسْعِينَ ومِائَةٍ (٢)، فَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا ".
ــ
من ٦١ إلى ٧٥ جذعة وهي التي دخلت في السنة الخامسة.
من ٧٦ إلى ٩٠ فيها بنتا لبون.
من ٩١ إلى ١٢٠ فيها حقتان.
وما زاد على ذلك، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا زكاة في أقل من خمس من الإِبل، فإذا بلغت خمساً ففيها شاة واحدة، ثم في كل خمس شاة، حتى تبلغ أربعاً وعشرين كما أوضحناه. وأما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغت أربعين. فالفريضة فيها كما يأتي:
من ٤٠ إلى ١٢٠ فيها شاة واحدة.
стр. 849
٤٧٥ - " بَابٌ لَا تُؤْخذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تيْسٌ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ "
٥٥٩ - عَنْ أنسٍ ﵁:
أنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَب لَهُ الَّتى أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ: " ولَا يُخْرَجُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تَيْسٌ إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ ".
ــ
من ١٢١ إلى ٢٠٠ فيها شاتان.
من ٢٠١ إلى ٣٠٠ فيها ثلاث شياه.
وما زاد على ذلك في كل مائة شاة، ولا تجب الزكاة إلاّ في سائمتها أما فريضة الفضة فهي ربع العشر ونصابها مائتا درهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان فريضة زكاة الغنم والإِبل والفضة كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " وفي صدقة الغنم " حيث بين زكاة الغنم، كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
٤٧٥ - " باب لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلّا ما شاء الصدق "
٥٥٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن أبا بكر " كتب له التي أمر الله رسوله: ولا يخرج في الصدقة هرمة " أي أن الصِّدِّيق كتب لأنس كتاباً يبين له فيه فريضة زكاة الماشية التي أمر الله رسوله بأخذها من أصحاب المواشي، ومما كتب له في هذا الكتاب: " أنه لا تؤخذ في الزكاة شاة كبيرة السن سقطت أسنانها. " ولا ذات عوار " أي ولا شاة معيبة بعيب شرعي واضح يمنع قبولها في الأضحية مثل الشاة المريضة أو الهزيلة أو
стр. 850
٤٧٦ - " بَابٌ لَيْسَ فيمَا دُونَ خمْس ذَودٍ صَدَقَةٌ "
٥٦٠ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسَقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أواقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ
ــ
العوراء "ولا تيس" أي ولا يؤخذ الذكر من المعز " إلاّ ما شاء المصدق " إلا إذا وافق الساعي على أخذه لكثرة لحمه أو سمنه فلا مانع من ذلك. الحديث: أخرجه أيضاً أبو داود.
فقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا تؤخذ في الزكاة الشاة المعيبة الواضحة العيب كالمريضة والهزيل والهرمة التي لا تقبل في البيع ولا خلاف في ذلك، فإن كانت كلها معيبة أخذ الوسط عند الجمهور، وكلف بإحضار سليمة عند مالك. ثانياًًً: أنه لا تؤخذ في الزكاة سوى الأنثى وهو مذهب الجمهور، إلاّ إذا كانت كلها ذكوراً فيجزىء الذكر عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجزىء الذكر مطلقاً ولو كان فيها إناث.
والمطابقة: في قوله: " ولا يخرج في الصدقة هرمة ".
٤٧٦ - " باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة "
٥٦٠ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة "، أي لا زكاة في أقل من خمسة أوسق من الحبوب والثمار، والوسق ستون صاعاً، قال في " تيسير العلام ": والصاع النبوي أقل من الكيلة الحجازيّة، والصاع النجدي بالخمس وخمس الخمس، فيكون النصاب بالصاع النبوي ثلاثمائة صاع، وبالصاع النجدي والكيلة الحجازية مائتي صاع وثمانية وعشرين صاعاً نجدياً أو كيلة حجازية. " وليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق " بكسر الراء وهي الفضة "صدقة " أي ولا تجب
стр. 851
خَمسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَة".
ــ
الزكاة في أقل من خمس أواق من الفضة والأوقية الحجازية أربعون درهماً فيكون نصاب الفضة مئتي درهم. " وليس فيما دون خمس ذود من الِإبل صدقة " أي ولا تجب الزكاة في أقل من خمس من الإبل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان أنصبة الزكاة، فنصاب التمر والحبوب خمسة أوسق أي ثلثمائة صاع نبوي، وإليه ذهب أكثر أهل العلم (١) خلافاً لأبي حنيفة، حيث أوجب الزكاة في قليلها وكثيرها لعموم قوله: " فيما سقت السماء العشر ". ونصاب الفضة: خمس أواق أي مائتا درهم، فإذا بلغت ذلك ففيها ربع العشر. وأما نصاب الذهب فهو عشرون ديناراً أو مثقالاً، قال في " تيسير العلام ": فيكون اثني عشر جنيهاً سعودياً أو انجليزياً لأن وزنهما واحد. ونصاب الإِبل وهو ما ترجم له البخاري " خمس ذوْد " أي خمس من الإِبل، فإذا بلغت ذلك ففيها الزكاة شاة واحدة، فإذا زادت ففيها فريضة الزكاة المقررة في موضعها، ولا تجب الزكاة فيها إلاّ بثلاثة شروط (٢): أن تبلغ نصاباً وأن يحول عليها الحول، وأن تكون سائمة.
وأوجب مالك الزكاة في المواشي مطلقاً سائمة أو غير سائمة، وقال الشافعي إن علفت قدراً تعيش بدونه وجبت فيها الزكاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " وليس في خمس ذوْدٍ صدقة ".
...
стр. 852
٤٧٧ - " بَابُ الزَّكَاةِ على الزَّوْجِ والأيْتَامِ في الْحِجْرِ "
٥٦١ - عَنْ زَيْنَبَ امرأة عبد اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَت:
انْطَلَقْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأةً من الأنْصَارِ على البَابِ، حَاجَتُهَا مِثلُ حاجَتِي، فمرَّ علينا، بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيِّ ﷺ أيجْزِيءُ عَنِّي أن أنْفِقَ علَى زَوْجِي وأيتام لِي في حَجْرِي؟ فَقَالَ: " نَعَمْ، ولَهَا أجْرَانِ، أجْرُ القَرَابَةِ وأجْرُ الصَّدَقَةِ ".
ــ
٤٧٧ - " باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر "
٥٦١ - معنى الحديث: تحدثنا الصحابية الجليلة السيدة زينب امرأة ابن مسعود ﵄ حديثها هذا عن النبي ﷺ فتقول: " انطلقت إلى النبي ﷺ "، أي ذهبْتُ إليه في منزله كما جاء في حديث خروج النبي ﷺ إلى المصلى يوم العيد حيث قال فيه: فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، قالت ﵂: " فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي " أي قضيتها التي تريد السؤال عنها مثل قضيتي تماماً، لأنَّها كانت تريد السؤال عن الصدقة على الأقارب مثلها تماماً " فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ أيجزى عنّي أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري " أي أتجزىء الزكاة وتصح شرعاً إذا دفعتها لزوجي الفقير، وهؤلاء الأيتام الفقراء الذين قمت بتربيتهم. قال العيني: وفي رواية الطيالسي: " وهم بنو أخيها وبنو أختها " " فقال: نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة " قال الحافظ: أي أجر صلة الرحم وأجر منفعة الصدقة.
стр. 853
٤٧٨ - " بَابُ الاسْتِعْفَافِ عن الْمَسْألَةِ "
٥٦٢ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:
أنَّ ناساً من الأنْصَارِ سَألوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فأعْطَاهُمْ، ثمَّ سَألوهُ فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا يَكُونُ عِنْدِي من خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، ومن يَسْتَعْفِفُ يعفَّهُ اللهُ، ومن يَستَغْن
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال الحافظ: واسْتُدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد. اهـ.
وقال مالك: إن كان يستعين بما يأخذه على نفقتها فلا يجوز. ثانياًً: جواز إعطاء الصدقة للأيتام في الحجر لما فيه من أجر القرابة، وأجر الصدقة كما جاء في الحديث. ثالثاً: جواز الزكاة على الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم، واستحباب ذلك شرعاً لما فيه من الصدقة والصلة معاً، ولهذا ترجم البخاري في باب آخر بقوله: " باب الزكاة على الأقارب ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون امرأة ابن مسعود لما قالت للنبي ﷺ : أتجزىء عنّي أن أنفق على زوجي وأيتام في حجري قال: نعم " إلخ.
٤٧٨ - " باب الاستعفاف في المسألة "
٥٦٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁: " أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده " بكسر الفاء أي حتى انتهى ما عنده من المال، " فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم " أي إنّي لا أمنع عنكم شيئاً من المال يكون عندي فأحتفظ به لغيركم، ثم حثهم على القناعة والتعفف
стр. 854
يُغْنِهِ اللهُ، ومَنْ يَتَصَبَّرَ يُصَبِّرهْ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرَاً وأوْسَعَ من الصَّبْرِ".
ــ
عن السؤال وطرق الأسباب المشروعة لكسب المال، فقال: " ومن يستعفف يعفه الله " أي ومن يكف نفسه عن السؤال مرة بعد أخرى يمنحه الله العفة، ويجعلها طبيعة له راسخة في نفسه، فيأنف السؤال، ويكرهه بطبيعته، "ومن يستغن يغنه الله " أي ومن يعمل ويسعى ويطرق أسباب الكسب الشريف يهيىء الله تعالى له أسباب الغنى ويغنيه عن الناس "ومن يتصبّر يصبره الله" أي ومن يعود نفسه على الصبر مرة بعد أخرى يمنحه الله إياه حتى يصبح طبيعة له " وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوْسَعَ من الصبر " أي ما أعطى الله أحداً نعمة ولا خلقاً كريماً أفضل ولا أوسع من الصبر، لأنه يتسع لكل الفضائل، فكلها تصدر عنه، وتعتمد عليه من عفة، وشجاعة، وعزيمة، وإرادة، وإباء، وغيرها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في التعفف عن السؤال، لما فيه من إراقة ماء الوجه، وإهدار كرامة الإِنسان، فلا يجوز إلّا لحاجة ماسّة على قدر الكفاية عند العجز عن السعي، قال ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوِي ". ثانياًً: أن الأخلاق الكريمة يمكن اكتسابها والوصول إليها عن طريق التعود عليها كما قال ﷺ : " ومن يستعف يعفه الله ". والمطابقة: في قوله: " ومن يستعف يعفه الله ".
***
стр. 855
٥٦٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأنْ يأخُذَ أحدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأتِيَ رَجُلاً فَيَسْألهُ أعْطَاهُ أو مَنَعَهُ ".
ــ
٥٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده" أي يقسم النبي ﷺ بالله الذي روحه بيده على أن العمل مهما يكن نوعه فهو أفضل من سؤال الناس وإراقة ماء الوجه لهم، وأنه مهما يكن شاقّاً عنيفاً فهو أرحم من مذلّة السؤال " لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه " أي لأن يذهب إلى الغابة فيقتطع الحطب من أشجاره، ويجمعه ويحمله على ظهره حتى يأتي السوق فيبيعه فيه، " خير له "، أي أشرف وأكرم وأرحم له من أن يمد يده لغيره، سواء أعطاه أو منعه، فإن منعه فقد كسر نفسه، وإن أعطاه فقد منّ عليه، وقد قال الشاعر:
لَحَمْل الصَخْرِ مِنْ قِمَمِ الجِبَالِ ... أحبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرجَالِ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في السعي والعمل وطرق الأسباب المشروعة لكسب الرزق بشرف وكرامة وعزّة نفسٍ، وليس في الإِسلام مهنة وضيعة إلَّا فيما حرمه الشرع كالمخدرات والقمار، والتسول إلَّا لضرورة. ثانياًًً: محاربة الإِسلام للتسول والبطالة، ولذلك أوجب السعي والعمل، ولو كان شاقاً " كالاحتطاب " مثلاً. ثالثاً: أن الفقير القادر على الكسب لا تحل له الزكاة، لأنّ النبي ﷺ دعاه في هذا الحديث إلى العمل، ولقوله تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) وهو مذهب الجمهور وقد نص الشافعية والحنابلة على أنّه لا تجوز الزكاة لقادر على الكسب، وكذلك المالكية، واستثنى الفقهاء من ذلك "القادر على العمل
стр. 856
٥٦٤ - عَنْ حكيم بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَألتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَألتُهُ فَأعطَانِي، ثُمَّ قَالَ: " يَا حَكِيمُ إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى " قَالَ حَكِيمُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ والَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ لا أرزَأُ احَداً بَعْدَكَ شَيْئَاً حَتَّى أفَارِقَ
ــ
إذا لم يجد من يستعمله" أو طالب العلم إذا تفرغ له. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له ".
٥٦٤ - معنى الحديث: يقول حكيم ﵁: " سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة " بفتح الخاء وكسر الضاد " حلوة " أي شيء محبوب مرغوب ترغبه النفس وتحرص عليه بطبيعتها، كما تُحَبُّ الفاكهة النضرة، الشهية المنظر، الحلوة المذاق " فمن أخذه بسخاوة نفس " أي فمن حصل عليه عن طيب نفس، وبدون إلحاح وشره " بورك له فيه " أي وضع الله له فيه البركة فينمو ويتكاثر، وإن كان قليلاً، ورزق صاحبه القناعة، فأصبح غنيَّ النفس، مرتاح القلب، وعاش به سعيداً، " ومن أخذه بإشرافِ نفس " أي بإلحاح وشره وبدون طيب نفس " لم يبارك له فيه " أي نزع الله منه البركة، وسلب صاحبه القناعة، فأصبح فقير النفس دائماً ولو أعطي كنوز الأرض، " وكان كالذي يأكل ولا يشبع ", أي كالملهوف الذي لا يشبع من الطعام مهما يأكل منه. " اليد العليا خير من اليد السفلى " أي: اليد المتعففة خير من اليد السائلة لأنّها قد تعالت وترفعت بنفسها عن ذل السؤال، على عكس الأخرى
стр. 857
الدُّنْيَا، فَكَانَ أبُو بكرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيماً إلى الْعَطَاءِ، فَيَأبَى أنْ يَقبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فأبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئَاً، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ على حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْه حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأبَى أنْ يَأخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأ حَكِيم أحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولَ اللهَ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ ".
ــ
التي حطت من قدر نفسها وكرامتها بما عرضت له نفسها من المذلة. " فقلت لا أرزأ أحداً بعدك " أي لا أسأل أحداً شيئاً بعدك " فكان أبو بكر يدعوه إلى العطاء فيأبى أن يقبل منه " فلا يأخذ منه شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: " إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم: أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه " قال العيني: وإنما أشهد عمر على حكيم لأنه خشي سوء التأويل فأراد تبرئة ساحته بالإِشهاد عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: الترغيب في الاستعفاف عن السؤال والقناعة والرضا بالقليل، وأن اليد العفيفة المتعففة خير عند الله من اليد السائلة، لأنّها يد عليا صانت نفسها عن ذل السؤال. وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًًً: أن من أخذ المال من طرقه المشروعة عن سماحة نفس وقنع بما أعطاه الله منه بارك الله له فيه، وجعل له القليل كثيراً، والعكس بالعكس. ثالثاً: أن سؤال السلطان لا عار فيه كما قال المهلب. والمطابقة: في قوله: " اليد العليا خير من اليد السفلى " لأن المراد باليد العليا اليد المتعففة.
***
стр. 858
٤٧٩ - " بَابُ مَنْ أعْطَاهُ اللهُ شيْئاً مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ ولا إِشْرَافِ نفْسٍ "
٥٦٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِيني الْعَطَاءَ فَأقُولُ أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: " خُذْهُ، إِذا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيء وَأنْتَ غَيْرُْ مُشْرِفٍ ولا سَائِلٍ فَخُذْهُ، ومَالا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ " (١).
ــ
٤٧٩ - " باب من أعطاه الله شيئاً من في مسألة ولا إشراف نفس "
٥٦٥ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: " كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء " أي: كان رسول الله ﷺ يعطي لعمر ﵁ شيئاً من مال الزكاة على أنه عمولة على عمله فيها، لا على أنه صدقة، لأنه ليس بفقير. " فأقول: أعطه من هو أفقر مني " لأنّه ظن أنه يعطيه إياه على أنه صدقة، " فقال: خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف " أي غير متطلع إليه ولا حريص عليه ولا ساع في سبيله، " فخذه " حلالاً.
فقه الحديث: دل الحديث على مشروعية أخذ العطية بدون سؤال ولا إشراف نفس. فإنه يندب أخذها، وليس فيه دليل على إعطاء الزكاة من لا يستحقها، فإن ما أخذه عمر عمولة لا صدقة، أمّا إذا خالط المال حرام، فقد كرهه (٢) مالك والثوري، وأجازه ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.
стр. 859
٤٨٠ - " بَابُ مَنْ سَألَ النَّاسَ تكَثُّراً "
٥٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم، وقالَ: إِنَّ الشَّمسَ تَدْنُو يَومَ القِيَامَةِ حتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأذُنِ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ "
ــ
٤٨٠ - " باب من سأل الناس تكثراً "
٥٦٦ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة (١) لحم "، أي ما يزال الرجل المتسول يكثر من التسول ويلحّ في سؤال الناس عن غير عوز وفاقة، وإنما يسأل تكثراً ويذل نفسه ويمتهن كرامته التي أوجب الله عليه صيانتها.
فيغضب الله عليه فيذله ويهينه يوم القيامة كما أذل نفسه في الدنيا، ويفضحه على رؤوس الأشهاد، فيسلخ له وجهه كله، حتى يأتي أمام الناس وليس في وجهه قطعة لحم جزاءً وفاقاً لما فعله في الدنيا من إراقة ماء الوجه، " وقال: إنّ الشمس تدنو يوم القيامة " أي تقترب من رؤوس العباد، ويشتد حرها، فيعرقون " حتى ييلغ العرق نصف الأذُن " فإذا وقع ذلك كان أذاها لمن لا لحم في وجهه أشد وألمها أقوى وأعظم، كما أفاده القسطلاني، " فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد " أي ذهبوا إلى الأنبياء السابقين من آدم إلى نوح إلى عيسى يلتمسون منهم الشفاعة لفصل القضاء، فلم يشفعوا لهم، فذهبوا إلى سيدنا محمد ﷺ ، فشفّعه الله في خلقه.
стр. 860
٤٨١ - "بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وكَم الغِنَى "
٥٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيْس الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الذي لا يَجِدُ غِنى يُغْنِيْهِ، وَلَا يُفْطنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأل النَّاسَ ".
ــ
فقه الحديث: دل الحديث على تحريم السؤال على الغني تكثراً، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على معصية، وقد توعد الله المتسول تكثراً بسلخ وجهه يوم القيامة، كما أراق ماء وجهه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، لأن السؤال مذلة، والله لا يرضى للمسلم أن يعرّض نفسه لهذه المهانة إلاّ لضرورة.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ".
٤٨١ - " باب قول الله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وكم الغنى "
ومعنى قوله: " وكم الغنى " أي وما مقدار المال الذي يكون به المسلم غنياً لا تحل له الصدقة ولا الأخذ من الزكاة.
٥٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: " أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين الذي يطوف " أي ليس المسكين الأولى بأخذ الزكاة هو ذلك المتسول الذي يتجوّل في الأسواق، ويتكفف الناس، ويلح في التسول صباح مساء، " ولكن المسكين " الذي هو أحق بالصدقة والزكاة، هو ذلك الضعيف الحال، " الذي لا يجد غنى يغنيه " أي لا يملك
стр. 861
٤٨٢ - " بَابُ خرْصِ التَّمرِ "
٥٦٨ - عن أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ:
غزَوْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكٍ، فلمَّا جَاءَ وَادِي القُرَى إِذَا امْرَأة في حَدِيْقَةٍ لهَا، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ لأصْحَابِهِ: اخْرُصُوا وخَرَصَ رَسُولُ اللهِ
ــ
إلّا قليلاً من المال، لا يكفي لنفقته ونفقة عياله، وهو مع ذلك صابر متعفف يستر حاله عن الناس " ولا يُفطَنُ له " بالبناء للمجهول، أي لا يشعر به أحد من الناس، ولا يتنبهون لفقره بسبب عفته، وشدة حيائه، وتجمُّلِهِ.
" ولا يقوم فيسأل الناس " حتى يعلموا حاجته فيتصدقوا عليه، وفي رواية أخرى: " ولكن المسكين الذي ليس له غنى، ويستحي، ولا يسأل الناس إلحافاً ". الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله: " ولا يقوم فيسأل الناس ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحديد معنى الفقير الذي تحل له الزكاة بأنه هو الذي لا يجد غنى يغنيه، أي الذي لا يجد الكفاية من المال لنفقته ونفقة عياله، فإن وجد الكفاية فهو غني، لا يجوز له الأخذ من الزكاة، واختلفوا في الكفاية، فقالت المالكية والحنابلة كفاية السنة، وقالت الشافعية: كفاية العمر لأمثاله، وقالت الحنفية: امتلاك النصاب الشرعي للزكاة زائداً عن حاجته وحاجة عياله. ثانياًًً: الثناء على الفقير المتعفف، وكونه أحق بالصدقة من المتسول.
٤٨٢ - " باب خرص التمر "
٥٦٨ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك " وهي تلك الغزوة التي خرج فيها النبي ﷺ في شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة لقتال الروم، "فلما جاء
стр. 862
- ﷺ عَشرَةَ أوْسُق، فَقَالَ لَهَا: أحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَلَمَّا أتيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ ريحٌ شَدِيدَةٌ، فلا يَقُومَنَّ أَحدٌ، وَمَنْ كانَ مَعَهُ بَعِير فَلْيَعْقِلْهُ، فَعَقَلْنَاهَا وهَبَّتْ ريح شَدِيدَةٌ، فقامَ رَجُل فألْقَتهُ بِجَبَل طيَءٍ، وأهدَى مَلِكُ أْيلَةَ للنَّبِيِّ ﷺ بَغَلَةً بَيضَاءَ، وكسَاهُ بُرْداً، وكَتَبَ لَهُ ببحرِهِمْ، فَلَمَّا أَتى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأةِ: كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ، قَالَتْ: عَشرَةَ أوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّي مُتَعَجِّلٌ
ــ
وادي القُرى إذا امرأة في حديقة لها" أي: فلما وصلنا وادي القرى وجدنا امرأة في بستان لها يحتوي على بعض النخيل المثمرة، " فقال النبي ﷺ لأصحابه: " اخرصوا " وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق " أي: وقدر النبي ﷺ أن تلك الثمرة التي على النخل إذا جفت تبلغ عشرة أوسق، أي ستمائة صاع من التمر، لأن الوسق ستون صاعاً، " فقال لها أحصي ما يخرج منها " أي كيليها إذا جفت، واعرفي كم صاعاً بلغت، واضبطي عدد كيلها، " فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة "، أي عاصفة قويّة " فلا يقومن أحدٌ، ومن كان معه بعير فليعقله "، أي فليربطه لئلا تحمله " العاصفة وتؤذيه " وهبت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيء " (١) في ضواحي حائل. " وأهدى ملك أيلة " وهي العقبة " للنبي ﷺ بغلة بيضاء " تُسمَّى دلدل، واسم الملك يوحنا بن رُوبَة " وكساه بُرْداً "، أي بعث إليه كسوة فاخرة " وكتب له ﷺ ببحرهم " أي وأمره النبي ﷺ على تلك المنطقة البحرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر. " فلما أتى ﷺ وادي القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك " أي: كم صاعاً أثمرت حديقتك " قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ "، أي بلغت ثمرتها عشرة أوسق مثل
стр. 863
إلى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أراد مِنْكُمْ أنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلَ، فلَمَّا - قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا - أشْرَفَ علَى الْمَدِينَةِ قَالَ: " هَذِه طَابَةُ " فَلمَّا رَأَى أحُداً قَالَ: " هَذَا جُبَيْلٌ يُحبُنّاَ وَنُحِبَّهُ ألا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ دوُرِ الأنْصَارِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أو دُورِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرجِ، وفي كُلِّ دُورٍ الأنْصَارِ يَعْنِي خَيْراً.
ــ
خرص النبي ﷺ تماماً، " فلما أشرف على المدينة " ورأى مبانيها " قال: هذهْ طابة " أي هذه هي المدينة الطيبة التي سماها الله طابة لطيبها " فلما رأى ﷺ أحداً قال: هذا جُبَيْلٌ يحبنا " حقيقة لا مجازاً كما أخبر النبي ﷺ ، ولا حاجة إلى تأويله " ألا أخبركم بخير دور الأنصار، قالوا: بلى، قال: دور بني النجار ": أي أفضلها قبائل بني النجار، كما أفاده العيني، " وفي كل دور الأنصار "، أي وجميع قبائل الأنصار لها مزية وشرف وفضل في الجاهلية والِإسلام.
فقه الحديث: دل الحديث على فوائد وأحكام كثيرة " منها " مشروعية الخرص (بفتح الخاء، وقد تكسر) وهو تقدير ما على النخل من الرطب تمراً، ليحصى على مالكه، فيتوصل به إلى تحديد فريضة الزكاة فيها، وهو مذهب الجمهور، عملاً بحديث الباب، وحديث عتاب بن أسيد " أنّه ﷺ كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم " أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. وفيه انقطاع، لأن ابن المسيب لم يسمع من عتّاب وعنه ﷺ : " إذا خرصتم فخذوا (١) ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث
стр. 864
٤٨٣ - " - بَابُ الْعُشُرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ أو بالْمَاءِ الْجَارِي "
٥٦٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِياً الْعُشْرُ، ومَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشُرِ ".
ــ
فدعو الربع" أخرجه الخمسة. قال مالك: فإذا أخطأ الخارص في التقدير، وكان مأموناً وتحرى الصواب وجب دفع ما خرص. وقال ابن حزم: إذا غلط الخارص أو ظلم رُدَّ إلى الحق. وأنكر أبو حنيفه الخرص، وقال: إنه ظن وتخمين ورجم بالغيب لا يلزم به حكم شرعي. والمطابقة: في قوله: " وخرص رسول الله ﷺ ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
٤٨٣ - " باب العشر فيما يسقى من ماء السماء أو الماء الجاري "
٥٦٩ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثرياً " (١) وهو ما سقى بالأنهار والعيون والوديان الجارية " العشر " أي عشر غلته. " وما سقي بالنضح " بفتح النون وسكون الضاد (٢)، أي: وكل زرع سقي بسبب إخراج الماء من البئر بالبعير أو الآلة فإن فيه " نصف العشر " أي نصف عشر غلته. الحديث: أخرجه أيضاً أصحاب السنن. والمطابقة: في قوله ﷺ : " فيما سقت السماء إلخ ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان فريضة زكاة الحبوب والثمار، وأنها العشر فيما سقى بالأمطار والعيون والأنهار دون آلة أو مؤنة، ونصف العشر فيما سقى بآلة من ساقية أو مضخة أو نحوهما.
ثانياًًً: دل الحديث بمفهومه على أنّ ما سقي نصف العام بآلة ونصفه بغيرها فيه ثلاثة أرباع العشر، قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافاً.
стр. 865
٤٨٤ - " بَابُ أخذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صرِامِ النَّخلِ، وَهَلْ يُتركُ الصَّبِيُّ فيمسُّ تمر الصَدَقَة "
٥٧٠ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤتَى بالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَمِ النَّخْلِ، فَيَجِىءُ هذا بِتَمْرِهِ، وهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حتى يَصِير عِنْدَهُ كَوْماً مِنْ تَمْرٍ، فجعَلَ الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بذَلِكَ التَّمْرِ، فأخَذَ أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَنَظر إِلَيْهِ رَسُولُ ﷺ فأخرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: " أمَا عَلِمْتَ أنَّ آل مُحَمَّدٍ لَا يَأكلُونَ الصَّدَقَةَ ".
ــ
٤٨٤ - " باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة "
٥٧٠ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: " كان رسول الله ﷺ يؤتى بالتمر عند صرام النخل " أي يأتيه الناس بزكاة تمورهم عند قطع التمر عن النخل بعد إدراكه وتمام جفافه (١)، " فجلس الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر فأخذ أحدهما " وهو الحسن " تمرة " من تمور الزكاة فنظر إليه رسول الله " نظرة نهي ولوم له على ما فعل، " فأخرجها من فيه "، أي فأخرج الحسن تلك التمرة من فمه، " فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلوِن الصدقة "، أي أما علمت أنّ بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة تكريماً وتشريفاً لهم " لأنها من أوساخ الناس " كما قال ﷺ (٢).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن زكاة التمر تؤخذ
стр. 866
٤٨٥ - " بَابٌ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ صَدَقَةٌ "
٥٧١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَيْسَ على الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ في عَبْده ولا فَرَسِهِ ".
ــ
عند جذاذه وتمام إدراكه وجفافه، لأن الصحابة كانوا يأتون بها عند صرام النخل، وهو ما ترجم له البخاري. ثانياًًً: أن الصدقة مطلقاً فريضة أو تطوعاً لا تحل لآل النبي ﷺ لحديث الباب، وحديث سلمان ﵁ قال: " كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة ". أخرجه أحمد، أما آل النبي الذين لا تحل لهم الصدقة فهم عند مالك وأبي حنيفة بنو هاشم فقط، ويدخل فيهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله ﷺ : " أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد " أخرجه البخاري وأحمد. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يؤتى بالتمر عند صرام النخل ".
٤٨٥ - " باب ليس على المسلم في عبده صدقة "
٥٧١ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسة " أي: لا يجب على المسلم أن يُخْرج زكاةً عن عبده ولا عن فرسه وإن كانت من الأشياء المملوكة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه لا زكاة في العبيد والجواري وهو مذهب الظاهرية، وقال الجمهور: إن كانت للتجارة ففيها الزكاة. ثانياًًً: أن لا زكاة في الخيل، وهو مذهب الظاهرية، وقال
стр. 867
٤٨٦ - " بَابٌ إذَا تحوَّلَتِ الصَّدَقَةُ "
٥٧٢ - عنْ أَنَسٍ ﵁:
أن النَّبِيَّ ﷺ أتِي بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَريْرَةَ فَقَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّة ".
ــ
الجمهور: إن كانت للتجارة ففيها الزكاة، وقال أبو حنيفة. إن كانت سائمة ففيها الزكاة.
٤٨٦ - " باب إذا تحولت الصدقة "
٥٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بِرَيْرَة " مولاة عائشة، وكانت امرأة فقيرة يتصدق عليها الناس، فأتت يوماً بشيء من ذلك اللحم الذي تصدق به عليها إلى النبي ﷺ وأعطته إياه فتقبله منها " فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية " أي فأكل منه ﷺ وقال: إن هذا اللحم الذي هو بالنسبة لبريرة صدقة، قد صار بالنسبة إلينا هدية وحل لنا الأكل منه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على أن الصدقة إذا وصلت إلى يد صاحبها وتسلّمها المتصدق عليه صارت ملكاً له، يحق له أن يهديها، ويبيعها، ويتصرف فيها كيف يشاء، فيحل للغني وللهاشمي أن يأخذها منه بيعاً أو هدية. ويؤخذ منه أيضاً جواز الهدية لآل بيت النبوة وتحريم الصدقة عليهم، والفرق بين الهدية والصدقة أن الهدية عطية يقصد بها ثواب الدنيا، والصدقة يقصد بها ثواب الآخرة. والمطابقة: من حيث إن الصدقة على بريرة صارت هدية منها بسبب تملكها لها، كما أفاده العيني.
стр. 868
٤٨٧ - " بَابٌ في الرِّكازِ الخمس "
٥٧٣ - عَنْ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدَنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ".
٤٨٨ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقينَ مَعَ الإِمَامِ "
٥٧٤ - عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ:
ــ
٤٨٧ - " باب في الركاز الخمس "
٥٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : "العجماء جبار"، أي أن ما تحدثه البهيمة من تلف أو ضرر فهو هدر لا ضمان فيه، " والبئر جبار، والمعدن جبار " فإذا وقع إنسان في بئر ماء، أو منجم ذهب، فمات فلا ضمان فيه، " وفي الركاز الخمس " أي ويجب إخراج الخمس من كل كنز جاهلي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه إذا انفلتت الدابة فأتلفت مالاً أو نفساً، ولم يكن صاحبها حاضراً، فلا ضمان عليه، أما إن كان معها صاحبها فإنه يضمن ما حدث منها، وهو مذهب مالك. ومن وافقه من أهل العلم (١). ثانياًًً: أن من وقع في بئر أو منجم فمات فلا ضمان فيه.
ثالثاً: وجوب الخمس في الركاز وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة.
٤٨٨ - " باب قول الله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ومحاسبة المصدقين مع الإِمام "
стр. 869
" اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ ".
٤٨٩ - " بَابُ وَسْمَ الإِمَامَ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ "
٥٧٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
"غَدَوْتُ إلى رَسُولِ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ
ــ
أي هذا باب يذكر فيه الأحاديث المتعلقة بقوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ومحاسبة الإِمام للمصدقين، جمع مصدّق، وهو الساعي والعامل الذي يجمع الزكاة من أصحابها.
٥٧٤ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: " واستعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأسد " بفتح الهمزة وسكون السين أي من: الأزد، وهي قبيلة عربية معروفة، أي أرسله ساعياً وعاملاً لجمع الزكاة من أصحابها، " فلما جاء حاسبه " على الزكاة التي جمعها حرصاً منه ﷺ ومحافظة على حقوق المستحقين لها.
فقه الحديث: دل الحديث على أنه يجب على الإِمام أن يعيّن ساعياً لجمع الزكاة، وأن يحاسبه عليها محافظة على حقوق ذويها والمستحقين لها، ويسمى هذا الساعي عاملاً، وجمعه عاملون، كما في قوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ويسمى مصدقاً، وهو المعْنِيُّ بقول البخاري: ومحاسبة المصدق. أي محاسبة الإِمام للساعي كما فعل النبي ﷺ في هذا الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " فلما جاء حاسبه ".
٤٨٩ - " باب وسم الإِمام إبل الصدقة "
٥٧٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: "غدوت إلى
стр. 870
بِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبلَ الصَّدَقَةِ".
ــ
رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه"، أي ذهبت صباحاً بعبد الله ابن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ من أجل أن يحنكه، والتحنيك: هو أن تمضغ تمرة ثم تجعل في حنك الصبي، وتحك فيه حتى تتحلل في فمه، وكانوا يفعلون ذلك تبركاً بريقه ﷺ . " وافيته في يده الميسَمُ " أي فوجدته في يده الميسم، وهو آلة من حديد يكوى بها البعير فتُحْدِثُ فيه علامة تميزه عن غيره، " يسم إبل الصدقة " أي يكوي بهذه الآلة إبل الصدقة لتحدث فيها " وسماً " أي علامة خاصة بها تختلف عن سواها فتميزها عن غيرها. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب وسم إبل الصدقة وبقرها وغنمها، فأما الإِبل والبقر فتوسم في أفخاذها أما الغنم فتوسم في آذانها. ثانياًً: أنه يستحب تحنيك الصبي وأن يقوم به أهل الخير والفضل والصلاح. والمطابقة: في قوله: " يسم إبل الصدقة ".
***
стр. 871
" أبوابُ صدَقَةِ الْفِطْرِ "
٤٩٠ - " بَابُ فَرْض صَدَقَةِ الْفِطْرِ "
٥٧٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زكَاةَ الْفِطر صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أو صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ والْحُرِّ، والذَّكَرِ والأنثى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وأمَرَ بِهَا أن تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاس إلى الصَّلَاةِ ".
ــ
" أبواب صدقة الفطر "
أي الأبواب التي نذكر فيها الأحاديث المتعلقة بزكاة الفطر. وصدقة الفطر: لفظ إسلامي لم يكن معروفاً قبل الإِسلام وإنما هو من الأداء الشرعية والمصطلحات الإِسلامية الخاصة بديننا الحنيف، كما أفاده العيني. والحكمة في مشروعيتها تهذيب النفس وإصلاح الطبيعة البشرية والتسامي بها، وهي طُهْرَةٌ للصائم، وطعمة للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال يوم العيد.
٤٩٠ - " باب فرض صدقة الفطر "
٥٧٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر " أي شرع رسول الله ﷺ لهذه الأمة زكاة الفطر، وحدد حكمها، فجعلها فرض عين على كل مسلم ومسلمة. ثم بين رسول الله ﷺ أن مقدارها صاع وهو خمسة أرطال وثلث عند الجمهور، وثمانية أرطال عند أبي حنيفة. ثم بين الأصناف التي تخرج منها، وأنها من غالب قوت البلد كما قال ﵁: "صاعاً من تمر
стр. 872
أو صاعاً من شعير" وفي رواية أخرى " صاعاً من طعام " وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر ". اهـ. فجعلها النبي ﷺ في هذه الأصناف لأنّها غالب قوت أهل المدينة، ثم بين ﷺ أنها تجب: " على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير " ويخرجها عنه وليه " والكبير من المسلمين " خاصة " وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " أي بعد صلاة الفجر وقبل خروج الناس إلى صلاة العيد. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنّ زكاة الفطر فرض على كل مسلم يملك ما يزيد على قوته وقوت عياله، سواء كان ذكراً أو أنثى عبداً أو حراً، صغيراً أو كبيراً، وقال أبو حنيفة: إنها واجبة وليست فرضاً وتجب على من يملك النصاب الشرعي، وليس عليه دليل. ثانياًًً: أنّ مقدارها صاع، وهو خمسة أرطال وثلث عند الجمهور، وثمانية أرطال عند أبي حنيفة. ثالثاً: أنها تخرج من غالب قوت البلد من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط (١) أو غيرها، وإنما ذكر النبي ﷺ هذه الأصناف، لأنها غالب قوت المدينة في العهد النبوي. رابعاً: قال أبو حنيفة: الواجب من القمح نصف صاع فقط، لقول معاوية على المنبر: -أي على منبر السجد النبوي- " إني أرى مدين من حمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، وموافقة الصحابة على قوله هذا. وقد اختاره ابن تيمية (٢)، والجمهور على أن في البر صاعاً كغيره لعموم الأحاديث. خامساً: أنه يستحب إخراجها قبل صلاة العيد وسيأتي تفصيله. والمطابقة: في قوله: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر ".
стр. 873
٤٩١ - " بَابُ الصَّدَقَةِ قَبلَ الْعِيدِ "
٥٧٧ - عن ابنِْ عُمَرَ ﵄:
" أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ ".
٥٧٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال:
" كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَام،
ــ
٤٩١ - " باب الصدقة قبل العيد "
أي هذا باب يذكر فيه حكم إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد وأن إخراجها في هذا الوقت بالذات مستحب لا واجب، وأن الواجب هو إخراجها في جميع نهار عيد الفطر سواء كان قبل الصلاة أو بعدها، قال الحافظ في " الفتح ": وحمل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار.
٥٧٧ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا: " أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة " أي أمر النبي ﷺ أصحابه وسائر المسلمين أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب.
أن يخرجوا زكاة الفطر قبل خروج الناس لصلاة العيد، قال العيني: ظاهره يقتضي وجوب الأداء قبل صلاة العيد، لكنه محمول على الاستحباب، وذلك ليحصل الغناء للفقراء في هذا اليوم، ويستريحوا عن الطواف. الحديث:
أخرجه الخمسة، أي ما عدا ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة " وأقل مقتضيات الأمر الندب والاستحباب وهو ما ترجم له البخاري.
٥٧٨ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁: "كنا نخرج
стр. 874
وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرُ والزَّبِيبُ والأقطُ والتَّمْرُ".
ــ
في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر" أي كان الوقت الذي نخرج فية زكاة الفطر في زمن النبي ﷺ هو يوم عيد الفطر " صاعاً من طعام " أي وكانت صدقة الفطر مقدار صاع من غالب قوت المدينة وطعامها الذي نأكله فيها، " وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط " (١) أي وكان غالب طعام المدينة من الأصناف المذكورة، ومنها الأقط. والمطابقة: في قوله: " كنا نخرج في عهد رسول الله يوم الفطر ".
ويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولاً: استحباب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وأن لها وقتين: وقت ندب واستحباب: وهو قبل الصلاة، لقول ابن عمر ﵄، كما في الحديث الأول: " أمر ﷺ بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة " وأقل مقتضيات الأمر الاستحباب.
ووقت وجوب: وهو يوم عيد الفطر سواء كان ذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة لقول أبي سعيد: " كنا نخرج في عهد رسول الله يوم الفطر، فمن أخرجها في يوم العبد (٢) فقد أدّى ما عليه من زكاة الفطر ". وقد أخرج البخاري حديث أبي سعيد بعد حديث ابن عمر ليوضح أن الأمر في حديث ابن عمر للاستحباب فقط وهو مذهب الجمهور حيث قالوا: إنما يستحب إخراجها قبل الصلاة ولا يجب، وقال ابن حزم: يجب إخراجها قبل الصلاة متمسكاً بظاهر حديث ابن عمر، وقال: يحرم تأخيرها، واختلفوا في يوم الفطر الذي تجب الزكاة فيه فقال أبو حنيفة ومالك: من فجر اليوم إلى الغروب، والباقون على أنه من غروب شمس آخر رمضان. ثانياًً: أن الفطرة من غالب قوت البلد. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.
стр. 875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" كتابُ الْحَجِّ "
٤٩٢ - " بَاب وجُوبِ الْحَجِّ وَفضلِهِ "
٥٧٩ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
كَانَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس رَدِيفَ رسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتْ امْرَأةٍ من خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظرٌ إليهَا وتَنْطر إليْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ
ــ
٤٩٢ - " باب وجوب الحج وفضله "
أي هذا باب يذكر فيه الأحاديث الدالة على وجوب الحج ... إلخ. والحج لغة: كما قال الخليل هو " كثرة القصد إلى من تعظمه ". وشرعاً: قصد البلد الحرام لأداء عبادة الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وسائر المناسك استجابة لأمر الله تعالى محرِماً بنيّة الحج. والمختار عند الجمهور أنّه شرع في السنة السادسة من الهجرة لأنها هي السنة التي نزل فيها قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) بناءً على أن المراد بالإِتمام " إقامة الحج " ويؤيده قراءة علقمة، ومسروق والنخعي: "وأقيموا الحج والعمرة لله " رواه الطبراني بسند صحيح، ورجح ابن القيم افتراض الحج في السنة التاسعة أو العاشرة (١). أما حكمه وشروطه فسيأتي بيانها.
٥٧٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: "كان
стр. 876
وَجْهَ الْفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ على عِبَادِهِ في الْحَجِّ قَدْ أدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عَنْهُ، قَالَ: " نَعَمْ "، وذلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
ــ
الفضل بن العباس رديف رسول الله ﷺ " أي راكباً خلفه على الدابّة " فجاءت امرأة من خثعم " أي: فجاءت إلى النبي ﷺ امرأة جميلة من خثعم وهي قبيلة يمنية تسأل رسول الله عن الحج، " فجعل الفضل ينظر إليها " أي ينظر إلى جمالها وحسن صورتها " وتنظر إليه " أي وكانت هي أيضاً تبادله نظرة بنظرة، وتكرر النظر إلى وجهه لوسامته وملاحته وحسن صورته، لأنه ﵁ كان شاباً وسيماً مليح الصورة كما في الرواية الأخرى حيث قال: وكان الفضل رجلاً وضيئاً " وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر " أي فلما لاحظ النبي ﷺ عليهما تبادل النظرات صار يدير وجه الفضل إلى الجهة الأخرى، ليكف بصره عن النظر إليها، ولتقلع هي أيضاً عن النظر إليه " فقالت: يا رسول الله إنّ فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخاً كبيراً " أي أن الله قد شرع الحج وفرضه على عباده عندما أصبح أبي شيخاً هرماً طاعناً في السن، أو أنه لم تتوفر فيه شروط الحج إلاّ في هذه السن المتأخرة من عمره التي أصبح فيها عاجزاً ضعيف الجسم منهوك القوى، حتى أنه " لا يثبت على الراحلة " أي لا يستقر جسمه على الدابة التي يركبها، ولهذا فقد أصبح عاجزاً عن الحج، " أفأحج عنه؟ " أي هل يجوز أن أنوب عنه في الحج، وهل يجزىء عنه ذلك في حج الفريضة.
وتسقط عنه حجة الإِسلام وتبرأ ذمته منها. " قال: نعم " حُجِّي عنه، فإنه تصح النيابة عنه فِي الفريضة ما دام عاجزاً عنها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الحج وكونه
стр. 877
ركناً من أركان الإِسلام لقولها: " إن فريضة الله على عباده " حيث سمّت الحج فريضة وأقرها النبي ﷺ على ذلك، ولأن الحديث دل على تأكيد الأمر بالحج حتى إن العاجز عنه لعارض بدني من شيخوخة، أو غيرها لا يعذر في تركه، ولا يسقط عنه، كما قال العيني، بل يحج عنه بدليل أن الخثعمية لما قالت للنبي ﷺ : أفأحج عنه؟ قال: "نعم " والحج واجب بالكتاب والسنة والإِجماع بشروطه المجمع عليها عند الفقهاء، وهي الإِسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. وتتحقق الاستطاعة عند الجمهور بثلاثة أمور:
أمن الطريق، والزاد، والراحلة، ومعنى الزاد أن يملك المسلم ما يكفيه ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الأصلية من مسكن وملبس ومركب، أمّا الراحلة فمعناها في عصرنا هذا أن يجد أجرة الطائرة أو السيارة أو الباخرة التي تمكنه من الوصول والعودة. وقال مالك: لا يشترط في الحج الزاد والراحلة، وإنما معنى الاستطاعة عنده القدرة على الوصول راكباً أو ماشياً والتمكن من الحصول على الزاد ولو بالسؤال. والحج واجب في العمر مرة واحدة، لحديث الأقرع بن حابس ﵁ أنه قال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرّة واحدة؟ قال: " بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع " أخرجه أبو داود وابن ماجة والدراقطني والحاكم. ثانياًً: دل الحديث على جواز الاستنابة في حج الفريضة لعجز ميئوس من زواله وهو قول الجمهور وابن حبيب من المالكية، سواء وجب الحج حال صحته أو حال عذره، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تجزىء النيابة عنه إلاّ إذا لزمه الحج حال عذره.
وقال مالك والليث: لا يحج أحد عن أحدٍ إلاّ عن ميت لم يحج حجة الإِسلام (١) لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 878
٤٩٣ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) "
٥٨٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثم يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمةً ".
ــ
سَبِيلًا) والاستطاعة لا تكون إلا بالنفس، فمن لم يستطع بنفسه لا يلزمه الحج. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: أولهما: أن هذا الحديث معارض للقرآن والعمل بالقرآن أرجح. وثانيهما: أن هذا الحكم خاص بالخثعمية لما في رواية ابن حزم التميمي حيث جاء فيها: " وليس لأحد بعد " رواه ابن حبيب في " الواضحة " بإسنادين مرسلين. ثالثاً: مشروعية كشف المرأة عن وجهها في الحج. والمطابقة: في قولها: " إنّ فريضة الله على عباده في الحج " حيث سمت الحج فريضة، وأقرها النبي ﷺ على ذلك، وأيضاً في قوله ﷺ : " نعم " في جواب قولها: " أفأحج عنه؟ ". الحديث: أخرجه الستة.
٤٩٣ - " باب قول الله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) "
قال مجاهد: سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب، ولذلك ذكر البخاري هذه الآية.
٥٨٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته" أي بعيره " من ذي الحليفة " أي من آبار علي الذي هو ميقات أهل المدينة " ثم يهل حين تستوي قائمة " أي ثم يرفع صوته بالتلبية عندما تقوم به دابته وتعتدل في قيامها. الحديث: أخرجه
стр. 879
الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الركوب في الحج لركوبه ﷺ على راحلته، كما في حديث الباب، ولا خلاف بين العلماء في جواز الركوب والمشي معاً، لقوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا) أي مشاة (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) أي وركباناً على الإِبل الضامرة، وإنما اختلفوا أيّهما أفضل في الحج، فذهب البخاري ومالك والشافعي (١) وغيرهم إلى تفضيل الركوب، لأنه ﷺ حج راكباً، وذهب آخرون إلى أن المشي أفضل لأن الله تعالى قدم المشاة على الركبان، ولحديث ابن عباس ﵄: مرفوعاً: " من حج إلى مكة ماشياً كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم " قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: " كل حسنة بمائة ألف حسنة " أخرجه الحاكم " وصححه وقال الحافظ الذهبي في " التلخيص ": ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذباً، وعيسى (يعنى ابن سوادة الذي في سنده) قال أبو حاتم: منكر الحديث. ثانياًً: أنه يستحب للحاج والمعتمر أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته قائمة، أو ركب سيارته متوجهاً لطريقه، كما فعل النبي ﷺ وبه استدل مالك وأكثر الفقهاء (٢) على أن يهل الراكب إذا استوت راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقب الصلاة. اهـ. فالأفضل للمحرم عند المالكية والشافعية أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته من ذي الحليفة لحديث الباب. ولما رواه مسلم عن جابر " أمرنا رسول الله ﷺ لما أهللنا -أي لما أردنا أن نهل- أن نحرم إذا توجهنا ". وقال أبو حنيفة: الأفضل التلبية عقب الصلاة لأنه ﷺ " لبى في دبر صلاته " (٣) أخرجه الترمذي والنسائي كما في نصب الراية ". ويجوز
стр. 880
٤٩٤ - " بَابُ الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ "
٥٨١ - عَنْ أنسٍ ﵁:
" أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وكَانَتْ زَامِلَتَهُ ".
ــ
عند الحنابلة على السواء الإِحرام عقب الصلاة أو إذا استوت به راحلته، أو بدأ السير، فإذا استوى على راحلته لبّى. والمطابقة: في قوله: " رأيت رسول الله يركب راحلته ".
٤٩٤ - " باب الحج على الرحل "
٥٨١ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ حج على رحل " وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه صاحبه، بمنزلة السرج للفرس " وكانت زاملته " أي وكانت تلك الرحل وحدها هي حاملته، وحاملة أمتعته، وزاده: " ولم يكن معه سواها اللهم إلّا بعيره ". والمطابقة: في قوله: " وكانت زاملته ". الحديث: أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الاقتصار في الحج على قدر الكفاية، والابتعاد عن كل مظاهر الإِسراف والبذخ، لأنه ليس رحلة سياحية للنزهة والاستجمام، وإنما هو عبادة وقربة، ورياضة روحية، وجهاد للنفس، وقد قال عمر ﵁: " شدّوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين (١)، فسماهِ جهاداً لأنه يجاهد فيه الإِنسان نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء الشيطان عن الشهوات (٢).
ثانياًً: جواز الركوب في الحج، بل هو الأفضل.