وَجْهَ الْفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ على عِبَادِهِ في الْحَجِّ قَدْ أدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عَنْهُ، قَالَ: " نَعَمْ "، وذلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
ــ
الفضل بن العباس رديف رسول الله ﷺ " أي راكباً خلفه على الدابّة " فجاءت امرأة من خثعم " أي: فجاءت إلى النبي ﷺ امرأة جميلة من خثعم وهي قبيلة يمنية تسأل رسول الله عن الحج، " فجعل الفضل ينظر إليها " أي ينظر إلى جمالها وحسن صورتها " وتنظر إليه " أي وكانت هي أيضاً تبادله نظرة بنظرة، وتكرر النظر إلى وجهه لوسامته وملاحته وحسن صورته، لأنه ﵁ كان شاباً وسيماً مليح الصورة كما في الرواية الأخرى حيث قال: وكان الفضل رجلاً وضيئاً " وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر " أي فلما لاحظ النبي ﷺ عليهما تبادل النظرات صار يدير وجه الفضل إلى الجهة الأخرى، ليكف بصره عن النظر إليها، ولتقلع هي أيضاً عن النظر إليه " فقالت: يا رسول الله إنّ فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخاً كبيراً " أي أن الله قد شرع الحج وفرضه على عباده عندما أصبح أبي شيخاً هرماً طاعناً في السن، أو أنه لم تتوفر فيه شروط الحج إلاّ في هذه السن المتأخرة من عمره التي أصبح فيها عاجزاً ضعيف الجسم منهوك القوى، حتى أنه " لا يثبت على الراحلة " أي لا يستقر جسمه على الدابة التي يركبها، ولهذا فقد أصبح عاجزاً عن الحج، " أفأحج عنه؟ " أي هل يجوز أن أنوب عنه في الحج، وهل يجزىء عنه ذلك في حج الفريضة.
وتسقط عنه حجة الإِسلام وتبرأ ذمته منها. " قال: نعم " حُجِّي عنه، فإنه تصح النيابة عنه فِي الفريضة ما دام عاجزاً عنها.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الحج وكونه
стр. 877
ركناً من أركان الإِسلام لقولها: " إن فريضة الله على عباده " حيث سمّت الحج فريضة وأقرها النبي ﷺ على ذلك، ولأن الحديث دل على تأكيد الأمر بالحج حتى إن العاجز عنه لعارض بدني من شيخوخة، أو غيرها لا يعذر في تركه، ولا يسقط عنه، كما قال العيني، بل يحج عنه بدليل أن الخثعمية لما قالت للنبي ﷺ : أفأحج عنه؟ قال: "نعم " والحج واجب بالكتاب والسنة والإِجماع بشروطه المجمع عليها عند الفقهاء، وهي الإِسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. وتتحقق الاستطاعة عند الجمهور بثلاثة أمور:
أمن الطريق، والزاد، والراحلة، ومعنى الزاد أن يملك المسلم ما يكفيه ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الأصلية من مسكن وملبس ومركب، أمّا الراحلة فمعناها في عصرنا هذا أن يجد أجرة الطائرة أو السيارة أو الباخرة التي تمكنه من الوصول والعودة. وقال مالك: لا يشترط في الحج الزاد والراحلة، وإنما معنى الاستطاعة عنده القدرة على الوصول راكباً أو ماشياً والتمكن من الحصول على الزاد ولو بالسؤال. والحج واجب في العمر مرة واحدة، لحديث الأقرع بن حابس ﵁ أنه قال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرّة واحدة؟ قال: " بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع " أخرجه أبو داود وابن ماجة والدراقطني والحاكم. ثانياًً: دل الحديث على جواز الاستنابة في حج الفريضة لعجز ميئوس من زواله وهو قول الجمهور وابن حبيب من المالكية، سواء وجب الحج حال صحته أو حال عذره، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تجزىء النيابة عنه إلاّ إذا لزمه الحج حال عذره.
وقال مالك والليث: لا يحج أحد عن أحدٍ إلاّ عن ميت لم يحج حجة الإِسلام (١) لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 878
٤٩٣ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) "
٥٨٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثم يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمةً ".
ــ
سَبِيلًا) والاستطاعة لا تكون إلا بالنفس، فمن لم يستطع بنفسه لا يلزمه الحج. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: أولهما: أن هذا الحديث معارض للقرآن والعمل بالقرآن أرجح. وثانيهما: أن هذا الحكم خاص بالخثعمية لما في رواية ابن حزم التميمي حيث جاء فيها: " وليس لأحد بعد " رواه ابن حبيب في " الواضحة " بإسنادين مرسلين. ثالثاً: مشروعية كشف المرأة عن وجهها في الحج. والمطابقة: في قولها: " إنّ فريضة الله على عباده في الحج " حيث سمت الحج فريضة، وأقرها النبي ﷺ على ذلك، وأيضاً في قوله ﷺ : " نعم " في جواب قولها: " أفأحج عنه؟ ". الحديث: أخرجه الستة.
٤٩٣ - " باب قول الله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) "
قال مجاهد: سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب، ولذلك ذكر البخاري هذه الآية.
٥٨٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته" أي بعيره " من ذي الحليفة " أي من آبار علي الذي هو ميقات أهل المدينة " ثم يهل حين تستوي قائمة " أي ثم يرفع صوته بالتلبية عندما تقوم به دابته وتعتدل في قيامها. الحديث: أخرجه
стр. 879
الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الركوب في الحج لركوبه ﷺ على راحلته، كما في حديث الباب، ولا خلاف بين العلماء في جواز الركوب والمشي معاً، لقوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا) أي مشاة (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) أي وركباناً على الإِبل الضامرة، وإنما اختلفوا أيّهما أفضل في الحج، فذهب البخاري ومالك والشافعي (١) وغيرهم إلى تفضيل الركوب، لأنه ﷺ حج راكباً، وذهب آخرون إلى أن المشي أفضل لأن الله تعالى قدم المشاة على الركبان، ولحديث ابن عباس ﵄: مرفوعاً: " من حج إلى مكة ماشياً كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم " قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: " كل حسنة بمائة ألف حسنة " أخرجه الحاكم " وصححه وقال الحافظ الذهبي في " التلخيص ": ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذباً، وعيسى (يعنى ابن سوادة الذي في سنده) قال أبو حاتم: منكر الحديث. ثانياًً: أنه يستحب للحاج والمعتمر أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته قائمة، أو ركب سيارته متوجهاً لطريقه، كما فعل النبي ﷺ وبه استدل مالك وأكثر الفقهاء (٢) على أن يهل الراكب إذا استوت راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقب الصلاة. اهـ. فالأفضل للمحرم عند المالكية والشافعية أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته من ذي الحليفة لحديث الباب. ولما رواه مسلم عن جابر " أمرنا رسول الله ﷺ لما أهللنا -أي لما أردنا أن نهل- أن نحرم إذا توجهنا ". وقال أبو حنيفة: الأفضل التلبية عقب الصلاة لأنه ﷺ " لبى في دبر صلاته " (٣) أخرجه الترمذي والنسائي كما في نصب الراية ". ويجوز
стр. 880
٤٩٤ - " بَابُ الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ "
٥٨١ - عَنْ أنسٍ ﵁:
" أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وكَانَتْ زَامِلَتَهُ ".
ــ
عند الحنابلة على السواء الإِحرام عقب الصلاة أو إذا استوت به راحلته، أو بدأ السير، فإذا استوى على راحلته لبّى. والمطابقة: في قوله: " رأيت رسول الله يركب راحلته ".
٤٩٤ - " باب الحج على الرحل "
٥٨١ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: " أن رسول الله ﷺ حج على رحل " وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه صاحبه، بمنزلة السرج للفرس " وكانت زاملته " أي وكانت تلك الرحل وحدها هي حاملته، وحاملة أمتعته، وزاده: " ولم يكن معه سواها اللهم إلّا بعيره ". والمطابقة: في قوله: " وكانت زاملته ". الحديث: أخرجه أيضاً ابن أبي شيبة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الاقتصار في الحج على قدر الكفاية، والابتعاد عن كل مظاهر الإِسراف والبذخ، لأنه ليس رحلة سياحية للنزهة والاستجمام، وإنما هو عبادة وقربة، ورياضة روحية، وجهاد للنفس، وقد قال عمر ﵁: " شدّوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين (١)، فسماهِ جهاداً لأنه يجاهد فيه الإِنسان نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء الشيطان عن الشهوات (٢).
ثانياًً: جواز الركوب في الحج، بل هو الأفضل.
стр. 881
٤٩٥ - " بَابُ فضلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ "
٥٨٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
يا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أفْضَلَ الأعْمَالِ أفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: " لا، لَكُنَّ أفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌ مَبْرُورٌ ".
ــ
٤٩٥ - " باب فضل الحج المبرور "
٥٨٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال " أي: لقد سمعنا الكثير عن فضائل الجهاد حتى صرنا نظن أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى " أفلا نجاهد؟ " الهمزة للاستفهام الاستخباري، وقد قُدِّمت على فاء العطف لما في الاستفهام من الصدارة في الكلام، كما أنها تقدم أيضاًً على الواو، وثم (١) نحو أو لا يعلمون أثم إذا ما وقع والنية بها التأخير، وما عداها من حروف العطف لا تقدم عليه عند جمهور النحاة. " والمعنى " إذا كان هذا هو فضل الجهاد، فأخبرنا ألا يجوز لنا أن نجاهد فنشارك الرجال في هذا الفضل العظيم. " قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور " والظاهر أن " لا " تفيد النهي والنفي معاً، ولكن (بفتح اللام وضم الكاف وتشديد النون). أي لا تقاتلن يا معشر النساء، لأن الجهاد المسلح لم يشرع لكنَّ، وليس هو أفضل الأعمال بالنسبة للمرأة، أمَّا إذا أردتن أن تعرفن أفضل الأعمال وأشرف الجهاد بالنسبة إليكن فإنه " الحج المبرور " أي المقبول عند الله تعالى المستوفي لأحكامه الخالي من الرياء والسمعة والإِثم والمال الحرام، وفي رواية " لكِنّ " بزيادة ألف بعد اللام، وكسر الكاف وتشديد النون، والرواية الأولى أنسب. الحديث:
стр. 882
٥٨٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَجَّ لله فلَمْ يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أمُّهُ ".
ــ
أخرجه أيضاًً النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " لكن أفضل الجهاد حج مبرور ".
٥٨٣ - معنى الحديث: يقول النبي ﷺ : " من حج لله فلم يرفث " أي فلم يفعل شيئاً من الجماع أو مقدماته " ولم يفسق " أي: ولم يرتكب إثماً أو مخالفة شرعية صغيرة أو كبيرة تخرجه عن طاعة الله تعالى " رجع كيوم " بالجر على الإِعراب (١)، وبالفتح على البناء " ولدته أمه " أي عاد بعد حجه نقياً من خطاياه، كما يخرج المولود من بطن أمه، أو كأنه خرج حينئذ من بطن أمه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " رجع كيوم ولدته أمه ".
فقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولاً: أن الحج المقبول الخالي من الرياء والسمعة والمال الحرام، ومن الجماع ومقدماته، ومن الآثام والسيئات صغيرها وكبيرها، لا يعدله شيء من القربات، لأنّه أفضل الأعمال بعد الإِيمان بالله تعالى. وقد اختلفت الروايات في الحج والجهاد أيُّهما أفضل، والتحقيق تفضيل الحج، لأنه ركن من أركان الإِسلامٍ الخمسة، وفرض عيني على كل مسلم، رجلاً كان أو امرأة إذا كان مستطيعاً، في حين أنّ الجهاد فرض كفاية إلّا في حالات استثنائية فقط، وذلك إذا تعرضت بلاد المسلمين لمداهمة العدو، فالأصل هو أفضلية الحج. أما تقديم الجهاد في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: " إيمان بالله ورسوله "، قيل: ثم ماذا؟
стр. 883
٤٩٦ - " بَابُ مُهَلِّ أهُلِ مَكَّةَ لِلْحَج وَالْعُمْرَةِ "
٥٨٤ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
"إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّام الْجُحْفَةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِل، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ
ــ
قال: " جهاد في سبيل الله " قيل: ثم ماذا؟ قال: " حج مبرور " أخرجه البخاري. فإنما قدم الجهاد للحاجة إليه في أوّل الإِسلام، حيث كان الجهاد فرض عين على كل مسلم. ثانياًً: أن المرأة لم يشرع لها القتال وحمل السلاح، وإنما جهادها الحج فقط، لقوله ﷺ في الحديث الأول: " لا لكن أفضل الجهاد حج مبرور ". وقال الشاعر:
كتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذّيُوْلِ
ثالثاً: دل الحديث الثاني على أن الحج الخالي عن المخالفات الشرعيّة صغيرة أو كبيرة يكفر جميع الذنوب المتعلقة بحقوق الله تعالى حتى الكبائر بشرط التوبة، كما رجحه الأكثرون، لقوله ﷺ : " رجع كيوم ولدته أمه ".
٤٩٦ - " باب مهل أهل مكة للحج والعمرة "
٥٨٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ عن مواقيت الحج فيقول: " إن النبي ﷺ وقّت لأهلِ المدينة ذا الحليفة " أي أن النبي ﷺ شرع لأهل كل جهة من بلاد المسلمين مكاناً معيّناً يُحْرِمُونَ منه للحج أو العمرة، يسمى " ميقاتاً مكانياً " فجعل ميقات أهل المدينة ذا الحليفة في الجنوب الغربي من المدينة على بعد ستة أميال، " ولأهل الشام الجحفة " وهي قرية بالقرب من " رابغ "، وضعت عندها لوحة باسمها " ولأهل نجد قرن المنازل " (بفتح القاف وسكون الراء) بين مكة والطائف
стр. 884
أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فمِن حَيْثُ أنْشَأ حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ".
ــ
يسمى حالياً بالسيل الكبير، على بعد ستة عشر فرسخاً أو ٤٨ ميلاً من مكة، " ولأهل اليمن يلملم " جبل من جبال تهامة يبعد عن مكة ثمانين (كم) كما في " تيسير العلام " " هن لهن ولمن أتى عليهن " أي هذه المواقيت لأهل تلك البلاد، ولكل من مرَّ بها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها بدون إحرام " ممن أراد الحج والعمرة " أما من لم يردهما فلا مانع من ذلك، " ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ " أي فإنه يحرم من المكان الذي بدأ منه الحج من منزله أو مسجد قريته " حتى أهل مكة من مكة " أي يحرمون من مكة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحديد المواقيت المكانيّة للإِحرام بالحج والعمرة، وهي خمسة، ذكر منها في الحديث أربعة، أما الميقات الخامس، فهو " ذات عرق " لأهل العراق، ويقع في الشمال الشرقي على بعد ٩٤ كم من مكة، والتحقيق أنه ثابت بالنص، وأن النبي ﷺ وقته كما يراه الجمهور لحديث عائشة " أن النبي ﷺ ، وقت لأهل العراق ذات عرق " أخرجه أبو داود والنسائي. ثانياًًً: أنّ هذه المواقيت هي لأهل تلك الجهات، ولكل من مرّ عليها، ولو لم يكن من أهلها، فلا يجوز له مجاوزتها دون إحرام إذا كان حاجاً أو معتمراً، فإن تجاوز الميقات فقد ترك واجباً، وعليه دم، وأما من أراد دخول مكة لغير حج ولا عمرة فإنه يجوز له بغير إحرام كما يدل عليه مفهوم قوله: " ممن أراد الحج والعمرة "، وهو مشهور مذهب الشافعي (١)، وقال الجمهور: يجب الإِحرام على كل من يريد دخول مكة، ولو لغير نسك لقوله ﷺ : " ولا يدخل أحد مكة إلاّ محرماً " أخرجه
стр. 885
٤٩٧ - " بَابٌ " (١)
٥٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أناخَ بالبَطْحَاءِ التي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ ".
٤٩٨ - " بَابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ "
٥٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
"أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرةِ وَيَدْخُلُ مِنْ
ــ
البيهقي بإسناد جيد. ثالثاً: أن ميقات أهل مكة منها، وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " حتى أهل مكة من مكة ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٤٩٧ - " باب "
٥٨٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة " قال العيني: ويعرفها أهل المدينة " بالمعرس " وقد أناخ بها ﷺ في رجوعه من مكة إلى المدينة، وكان يبيت بها، وهي أسفل من مسجد ذي الحليفة، وقد نزل به ﷺ " فصلى بها " أي فيها.
ويستفاد منه: استحباب النزول بالبطحاء عند العودة إلى المدينة، وليس من سنن الحج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
٤٩٨ - " باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة "
٥٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: "أن
стр. 886
طَرِيقِ المُعَرَّسِ وأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصَلِّي في مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وِإذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وبَاتَ حتَّى يُصْبِحَ".
ــ
رسول الله ﷺ كان يخرج" إلى العمرة أو الحج " من طريق الشجرة " أي من طريق الشجرة التي عند مسجد ذي الحليفة " ويدخل من طريق المعرس " وهو بطحاء ذي الحليفة ويسمى " المعرس " لأن النبي ﷺ كان إذا رجع إلى المدينة نزل فيه آخر الليل، فسمي معرساً من التعريس، وهو النزول آخر الليل، وكان ﷺ ينزل فيه ويصلي فيه، ويبيت فيه، ويقع أسفل من مسجد ذي الحليفة، قال ابن عمر: " وكان إذا خرج إلى مكة " أي إذا خرج لحج أو عمرة " يصلي في مسجد الشجرة " أي يصلى في مسجد ذي الحليفة، وكان يعرف في ذلك العصر بمسجد الشجرة " وإذا رجع صلى ببطن الوادي " أي وإذا رجع من سفره نزل آخر الليل في وسط وادي ذي الحليفة، وصلى فيه، وبات فيه إلى الصباح (١).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن للمحرم أن يصلّي ركعتين في مسجد ذي الحليفة، ينوي بها سنة الإِحرام، يقرأ في الأولى بالفاتحة والكافرون، وفي الثانية بالفاتحة والإِخلاص. ثانياًً: أنه يستحب النزول بالمعرس عند العودة إلى المدينة والمبيت فيه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " كان يخرج من طريق الشجرة ".
стр. 887
٤٩٩ - " بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ " الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ "
٥٨٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: " أتانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ في هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وقُلْ: عُمرَةً في حَجَّةٍ ".
ــ
٤٩٩ - " باب قول النبي ﷺ : " العقيق واد مبارك "
٥٨٧ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ يقول: " سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي " وهو جبريل كما في رواية البيهقي " فقال: صل في هذا الوادي المبارك " أي صل ركعتي الإِحرام في وادي العقيق، ووصفه بالبركة، لأن أهل المدينة يستبشرون به إذا سأل، ويستدلون به على غزارة الأمطار " وقل: عمرةً في حجةٍ " بنصب عمرة على حكاية اللفظ، أي قل جعلتها عمرة في حجة، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي هذه عمرة في حجة، و" في " إما بمعنى " مع " أي عمرة وحجة معاً، فيكون النبي ﷺ قد أحرم بهما معاً، أو تكون " في " على أصلها: أي عمرة مدرجة في حجة، فيكون النبي ﷺ قد أحرم أولاً مفرداً بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولاً: فضل وادي العقيق وبركته ونفعه لأهل المدينة قاطبة وللمسلمين عامة، ومن مزاياه أنه إذا سال ارتفع منسوب المياه بالمدينة. ثانياًًً: مشروعية ركعتي الإِحرام في مسجد ذي الحليفة وهي سنة. لقول جبريل: " صل في هذا الوادي المبارك ". ثالثاً: أنه ﷺ كان قارناً، لأنه أمر أن يقول: "عمرة
стр. 888
٥٨٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّهُ ﷺ رُئِيَ وهُوَ مُعَرِّسٌ بذي الْحُلَيْفَةِ بِبَطن الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ ".
٥٠٠ - " بَابُ غَسْلِ الْخلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثيابِ "
٥٨٩ - عَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَّةَ ﵁:
ــ
في حجة ". والمطابقة: في قوله ﷺ : " وقل: عمرة في حجة ".
٥٨٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر في حديثه هذا " عن النبي ﷺ أنه رُئي وهو مُعَرِّسٌ بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له: إنك ببطحاء مباركة " أي أن النبي ﷺ بينما كان نازلاً في آخر الليل بذي الحليفة، رأى وهو نائم في وسط الوادي جبريل ﵇، يقول له: إنك ببطحاء مباركة، أي في أرض رملية خصبة كثيرة الخيرات والبركات. والمطابقة: في قوله: " إنك ببطحاء مباركة ".
فقة الحديث: دل هذا الحديث على فضل وادي العقيق، وكثرة خيراته، لا سيما لأهل المدينة. وعلى أنه يستحب النزول والمبيت فيه، والصلاة به، اقتداءً به ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
٥٠٠ - " باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب "
أي هذا باب يذكر فيه مشروعية غسل الخلوق من الثوب ثلاث مرات، وهو نوع من الطيب مخلوط بالزعفران.
٥٨٩ - ترجمة راوي الحديث: وهو يعلى بن أمية التميمي صحابي
стр. 889
أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أرنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بالْجِعْرَّانَةِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرى في رَجُلٍ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَتَضَمِّخٌ بِطِيِبٍ؟
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فأشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَأسِ رَسُولِ الله ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أظلَّ بِهِ، فَأدْخَلَ رَأسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ فَقَالَ: " أينَ الَّذِي سَأل عَنِ الْعُمْرَةِ "، فَأتِي بَرجُلٍ فَقَالَ: " اغْسِلْ الطِّيبَ الذي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وانْزَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، واصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كما تَصْنعُ في حَجَتِكَ ".
ــ
جليل (١)، روى عن النبي ﷺ ثمانية وعشرين، حديثاً اتفق الشيخان على ثلاثة، قتل بصفين سنة ٣٨ هـ.
معنى الحديث: أن يعلى بن أمية ﵁ " قال لعمر: أرني النبي ﷺ حين يوحى إليه " أي أخبرني عن النبي ﷺ إذا جاءه الوحي لأراه في أثناء ذلك وأتعرّف على كيفية نزوله عليه. " فبينما النبي ﷺ بالجعرانة " (بكسر الجيم وإسكان العين وفتح الراء المخففة) موضع بين مكة والطائف وهو أحد مواقيت العمرة لمن كان بمكة. " جاءه رجل فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب " أي: وهو متلطخِ بالطيب في ثوبه وبدنه " فسكت النبي ﷺ " عن إجابته، ولم يجبه فوراً
стр. 890
بعد سؤاله، " فجاءه الوحي فأشار عمر " أي فأشار إليَّ عمر بيده لكي أحضر لديه ﷺ وأرى كيفية نزول الوحي عليه، " فجئت وعلى رأس رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به، فأدخلت رأسي " وراء الثوب، " فإذا رسول الله ﷺ محمرّ الوجه وهو يغط " بفتح الياء وكسر الغين، أي تتردد أنفاسه بصوت مسموع " ثم سرِّي عنه " أي: ثم انقطع عنه نزول الوحي فهدأت نفسه. وأخذت تنكشف عنه تلك الحالة " فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات " أي كَرِّرْ غسله ثلاث مرات، وفي رواية قال له: " اغسل عنك أثر الخلوق " بفتح الخاء، فأمره بإزالة أثر الطيب عن بدنه وثوبه " وانزع عنك الجبة " لأنها مخيط "واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" أي اصنع إذا كنت معتمراً ما تصنعه حاجاً من اجتناب الطيب وغيره، لأنّ محظورات الحج والعمرة واحدة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " اغسل الطيب ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم التطيب عند الإِحرام بالنسبة إلى الثياب، بكل ما يبقى أثره لوناً أو رائحة، لأنه ﷺ أمر الرجل بغسل الطيب ثلاث غسلات وأن ينزع الجبة، وهو ما ترجم له البخاري، والجمهور على أنه لا يكره الطيب على البدن عند الإِحرام، بل يستحب لقول عائشة: " كنت أطيّب رسول الله ﷺ لِإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " أخرجه الجماعة وسيأتي إيضاحه. ثانياًً: أن من لبس مخيطاً أو أصاب طيباً وهو محرم ناسياً أو جاهلاً، ثم بادر بإزالته لا فدية عليه، وكذلك المحظورات الأخرى، وهو قول الشافعي وأحمد وداود، خلافاً لمالك وأبي حنيفة.
***
стр. 891
٥٠١ - " بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ "
٥٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:
" كُنْتُ أطيَبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ".
٥٠٢ - " بَابُ مَنْ أهَلَّ مُلبِّداً "
٥٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلبِّداً ".
ــ
٥٠١ - " باب الطيب عند الإِحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم "
٥٩٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " كنت أطيّب رسول الله ﷺ لِإحرامه " أي عند إحرامه " ولحله " أي وعند تحلله من الاحرام بعد رمي الجمرة.
فقه الحديث: استدل الجمهور بهذا الحديث على استحباب الطيب عند الإِحرام خلافاً لمالك، حيث منع من ذلك مستدلاً بحديث يعلى بن أمية ﵁ المذكور في الباب السابق، وفيه أن رسول الله ﷺ قال للرجل المحرم المتطيب اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وأجابوا عنه بأنه منسوخ بحديث عائشة هذا، لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: " كنت أطيب رسول الله لإِحرامه ".
٥٠٢ - " باب من أهل ملبداً "
٥٩١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: "سمعت
стр. 892
٥٠٣ - " بَابُ الإِهْلالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ "
٥٩٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدَ " يَعْنِي مَسْجِدِ ذَي الْحُلَيفَةِ.
ــ
رسول الله ﷺ يهل ملبداً" أي سمعته ﷺ يرفع صوته بالتلبية حال كونه واضعاً الصمغ على رأسه لحفظه من القمل.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب رفع الصوت بالتلبية، وفي الحديث عن زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: " جاءني جبريل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج " أخرجه أحمد وابن ماجة، وهو قول الجمهور: إلاّ أن مالكاً استثنى مساجد الجماعات، فلا يرفع صوته فيها ما عدا المسجد الحرام. ثانياًً: استحباب التلبيد للمحرم وقاية للشعر من القمل، ولا خلاف في ذلك إلاّ أن المالكية خصصوه بالشعر اليسير الذي لا يؤدي تلبيده إلى ستر الرأس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " يهل ملبِّداً ".
٥٠٣ - " باب الإِهلال عند مسجد ذي الحليفة "
٥٩٢ - معنى الحديث: يقول ابن عمر: " ما أهل رسول الله ﷺ إلّا من عند المسجد " أي لم يبدأ الإِحرام والتلبية إلاّ من مسجد ذي الحليفة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب ابتداء الإِحرام والتلبية من مسجد ذي الحليفة بعد الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقالت المالكية والشافعية: الأفضل بدء الإِحرام والتلبية إذا استوت به الراحلة قائمة، وقد تقدم. ثانياًً: أن التلبية تبدأ مع الإِحرام. الحديث: أخرجه
стр. 893
٥٠٤ - " بَابُ الرَّكُوبِ والارْتِدَافِ في الحَجِّ "
٥٩٣ - عن ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄:
" أن أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِي ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إلى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلى مِنى، فَكِلاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلبَي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبةِ ".
ــ
الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " ما أهل رسول الله إلاّ من عند المسجد".
٥٠٤ - " باب الركوب والارتداف في الحج "
٥٩٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة " أي راكباً خلفه " ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النَّبِيُّ ﷺ يلبّي حتى رمى جمرة العقبة " أي: استمر في التلبية إلى أن رمى جمرة العقبة، وهى الجمرة الكبرى غربي منى مما يلي مكة. الحديث: أخرجه الشيخان.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز الركوب في الحج والارتداف على الدابة، وليس فيه تعذيب للحيوان، لأنه خلق لذلك.
ثانياًً: استمرار التلبية حتى رمي جمرة العقبة بأول حصاة، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أحمد وإسحاق: يلبّي حتى يُنهي الجمرات كلها، وقال مالك: حتى تزول الشمس من يوم عرفة، وأما المعتمر فيلبي حتى يستلم الحجر. والمطابقة: في قوله: " كان ردف النبي ﷺ ".
стр. 894
٥٠٥ - " بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثيابِ والأرْدِيَة والأُزُرِ "
٥٩٤ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
"انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ ورِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْه عَنْ شَيءٍ مِنَ الأرْدِيَة والأزُرِ تُلْبَسُ إلَّا المُزَعْفَرَةَ التي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى على الْبَيْدَاءِ أهلَّ هُوَ وأصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وذَلِكَ لِخَمْسِ بقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأرْبَعِ لَيَالٍ خَلَونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وسَعَى بِيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلَمْ يُحِلّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ، لأنهُ قلَّدَهَا، ثُمَّ
ــ
٥٠٥ - " باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأُزر "
٥٩٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " انطلق النبي ﷺ من المدينة " أي: خرج منها ﷺ في حجة الوداع يوم السبت ما بين الظهر والعصر لخمس بقين من ذي القعدة " بعد ما ترجل " أي سرح شعره، " وادهن " أي تطيب بالمسك، " فلم ينه عن شيء من الأردية والأزرِ تلبس إلاّ المزعفرة " أي المصبوغة بالزعفران " التي تردع على الجلد " أي تؤثر في بدن لابسها بلونها أو ريحها " فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل " أي حتى اعتدل بناقته على البيداء، رفع صوته بالتلبية، ولم يكن هذا الإِهلال بداية إحرامه، فإنه ﷺ أحرم من مسجد ذي الحليفة، وأهل إهلاله الأوّل من هناك، ثم أهل إهلاله الثاني حين استقلت به ناقته، ثم أهل للمرة الثالثة حين علا شرف البيداء، وهو ما ذكره هنا " فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة " أي أنه قدم صبيحة اليوم الرابع منه " فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة " أي طاف طواف القدوم
стр. 895
نَزَلَ بأعلى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وهو مُهِلّ بالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوافِهِ بِهَا حَتَّى رَجِعَ مِن عَرَفَة، وأمَرَ أصْحَابَهُ أن يَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ، وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّروا مِنْ رُووسِهِم، ثُمَّ يُحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فهِي لَهُ حَلَال، والطِّيبُ والثَيابُ ".
٥٠٦ - " بَابُ الْتَّلْبيَةِ "
٥٩٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
"أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ
ــ
" ولم يحل من أجل بدنه " أي ولم يتحلل من إحرامه من أجل أنه قد ساق الهدي " ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون " وهو جبل مشرف على المحصب على بعد ميل ونصف من البيت " ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة " أي لشغلٍ منعه من ذلك " وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة " ثم يقصّروا من رؤوسهم " أي أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ويتحللوا بالطواف والسعي، " وذلك لمن لم يكن معه بدنة " أي ولكن أمره ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة خاص بمن لم يسق الهدي. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: "دل هذا الحديث على جواز الإِحرام بكل إزار ورداء إلا الثياب المصبوغة بالزعفران، وهو نبت أصفر كالسمسم، له رائحة عطرية، فإنها تحرم، وهي تحرم مطلقاً عند المالكية، ولو لم يكن لها رائحة، وقال الجمهور: تجوز إذا ذهبت رائحتها. والمطابقة: في قوله: " فلم ينه عن شيء من الأردية والأزُر إلاّ المزعفرة ... " إلخ.
٥٠٦ - " باب التلبية "
٥٩٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: "أن تلبية
стр. 896
لَبَّيكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ".
٥٠٧ - " بَابُ الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ "
٥٩٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
" أنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بذِي الْحُلَيْفَةِ أمَرَ برَاحِلَتِهِ فَرُحِّلَتْ، ثمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ استَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قائماً، ثُمَّ يُلبَي حتَّى يَبْلُغَ الْحَرَمَ، ثم يُمْسِكُ حتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوىً بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ
ــ
رسول الله ﷺ لبيك" أي أن الصيغة التي كان يلبي بها هي " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " أي أكرر إجابتي لك في امتثال أمرك بالحج، فأنت المستحق للشكر والثناء، لأنك المنفرد بالكمال المطلق، ولأنك المنعم الحقيقي، وما من نعمة إلّا وأنت مصدرها، وأنت المتفرد بالملك الدائم، وكل ملك لغيرك إلى زوال.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية التلبية في الحج، وهي سنة عند الجمهور، واجبة عند مالك، تجبر بالدم، شرط في الإِحرام عند أبي حنيفة. ثانياًً: بيان صيغة التلبية المشروعة المأثورة عن النبي ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إن تلبية رسول الله ﷺ لبيك " ... إلخ.
٥٠٧ - "باب الإِهلال مستقبل القبلة"
٥٩٦ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄: " كان إذا صلى بالغداة بذي الحليفة " أي إذا صلى الصبح بوقت الغداة " بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت " أي أمر بإعداد دابته فأعدّت، ووضع عليها الرحل
قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " أما مُوسى فكأني أنظر إليه إذَا انْحَدَر في الوَادِي يلبِّي ".
٥٠٩ - " بَابُ قول اللهِ تعَالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) "
٥٩٨ - ْ عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" أشهر الحجِّ شوَالٌ وذو القعدة، وعشرُ من ذي الحجة ".
ــ
فذكروا الدجال أنه قال: مكتوب بين عينيه كافر، فقال ابن عباس: لم أسمعه، ولكنه قال: " أما موسى فكأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي " أي كأني أشاهده الآن، وأراه بعيني رؤيا حقيقية، وهو يهبط وادي الأزرق بين مكة والمدينة ملبياً، وفي رواية مسلم: " أن النبي ﷺ لما مر بوادي الأزرق قال: كأني أنظر إلى موسى واضعاً أصبعيه في أذنيه، ماراً بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية ". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إذا انحدر في الوادي يلبّي ".
فقه الحديث: دل الحديث على استحباب التلبية عند كل هبوط وصعود وفي بطون الأودية.
٥٠٩ - " باب قول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على تفسير قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) فإن الله قد أخبرنا في هذه الآية الكريمة أنه قد جعل للحج أشهراً محددة معينة معروفة عند الناس، وجعل من هذه الأشهر ميقاتاً زمانياً له، فما هي هذه الأشهر التي جعلها الله ميقاتاً زمانياً للحج، هذا ما سنتعرف عليه في الأثر القادم.
٥٩٨ - معنى الأثر: يقول ابن عمر ﵄: "أشهر
стр. 899
٥١٠ - " بَابُ التَّمَتُّعِ والإِقْرانِ والإِفْرَادِ بالحَجِّ وفسخِ الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ "
٥٩٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" كَانُوا يَرَوْنَ أن الْعُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أفْجَرِ الْفُجُورِ في الأرْضِ،
ــ
الحج" التي شرع الله تعالى الحج فيها وجعلها ميقاتاً زمانياً للحج هي " شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة " يريد رضي الله تعالى عنه أن الأشهر المعلومات، المذكورة في الآية الكريمة، هي الأشهر المعروفة عند العرب بأشهر الحج، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، هذه هي الأشهر المعلومات للحج التي قال الله تعالى فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ). الأثر: أخرجه البخاري والدارقطني.
فقه الأثر: دل هذا الأثر على ما يأتي: أولاً: دل هذا الأثر على تفسير الآية الكريمة وبيان الميقات الزماني للحج، وهي الأشهر المذكورة، فمن أحرم فيها فقد أحرم بالحج في وقته، واختلفوا فيمن أحرم قبلها، فقال الشافعي:
الإِحرام فيها واجب، لا ينعقد الحج في غيرها، وقال غيره ينعقد في غيرها، ولا يصح شيء من أفعال الحج إلاّ فيها. ثانياًًً: دل الأثر على دخول يوم النحر وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يدخل، وقال مالك: يدخل في أشهر الحج شهر الحج كله. والمطابقة: ظاهرة.
٥١٠ - " باب التمتع والإِقران والإِفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي "
٥٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " كانوا " أي العرب في الجاهلية " يرون أن العمرة في أشهر الحج " أي
стр. 900
وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَراً، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وعَفَا الأَثَرْ، وانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالْحَجِّ، فَأمرَهُمْ أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عنْدَهُمْ، فَقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: " حِلٌّ كُلُّهُ ".
ــ
يعتقدون أن الإِحرام بالعمرة فيها " من أفجر الفجور " أي من أعظم المعاصي، ويحرمون العمرة إلى نهاية محرم، " ويجعلون المحرم صفراً " أي ويتلاعبون في الأشهر الحرم على حسب أهوائهم، فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي ذمه الله تعالى في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) إلخ " ويقولون إذا برا (١) " بفتح الباء والراء " الدبر " بفتح الدال والباء، وهو الجرح الذي يكون في ظهر الإِبل، بسبب اصطكاك الأقتاب، أي إذا شفيت الجراحات التي في ظهر الإِبل، والتي تحدث بسبب الحمل عليها، وكثرة احتكاكها في أسفارها الطويلة، " وعفا الأثر " أي اندرست آثار أقدام الإِبل التي تحدثها في سيرها، " وانسلخ صفر " (٢) أي وانتهى شهر صفر الذي هو في الحقيقة شهر محرم بسبب النسيء " حلت العمرة لمن اعتمر " أي فعند ذلك تجوز العمرة لمن أرادها " قدم النبي ﷺ وأصحابه " أي دخلوا مكة " صبيحة رابعه " أي صبيحة يوم الأحد الموافق لليوم الرابع من ذي الحجة.
" فأمرهم أن يجعلوها عمرة " أي أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ويتحللوا بالطواف والسعي " فتعاظم ذلك عندهم " أي فتعاظم عندهم مخالفة العادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحج كما قال العيني، وفي رواية: " فكبر ذلك عندهم "، وروي أنّهم قالوا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلّا خَمْسٌ أي إلاّ خمسة أيام أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا
стр. 901
٦٠٠ - عَنْ حَفْصَهً زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ أنهَا قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أنت مِنْ عُمْرتَكِ! قَالَ ﷺ : "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فَلا أحلُّ حَتَّى أنْحَرَ".
ــ
المني، فقال ﷺ : " قد علمتم بأني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون ". اهـ. كما في حديث جابر. " فقالوا: يا رسول الله أي الحل " أي ما هي نوعية هذا الحل؟ هل هو تحلل خاص ببعض الأشياء، أو عام في جميعها؟ " قال: حل كله " أي بل هو تحلل عام فيحل لكم كل شيء من الأشياء التي كانت محرمة عليكم أثناء العمرة، بما في ذلك الجماع.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فأمرهم أن يجعلوها عمرة ".
٦٠٠ - معنى الحديث: أن حفصة ﵂ " قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل " وسبب سؤالها هذا أن النبي ﷺ لما قدم مكة أمر من لم يسق الهدي أن يفسخ الحج ويجعلها عمرة، يتحلل منها بالطواف والسعي، ففعلوا ذلك، أما هو ﷺ ومن ساق الهدي فبقوا على إحرامهم، فسألته زوجته حفصة لِمَ حلّ الناس ولَمْ تحلل؟ " قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل " بفتح التاء أي ما المانع لك أن تفعل ما فعلوا، وأن تحل كما حلوا، ما دمت قد أمرتهم به؟ تريد أن تعرف السبب " قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي " أي أني كنت قارناً -فلبدت رأسي- بالصمغ، وقلدت الهدي وسقته معي، وذلك يمنعني من التحلل قبل نحر الهدي " فلا أحل (١) حتى أنحر " أي فلا أتحلل من
стр. 902
٦٥١ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله ﵄:
أنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بالْحَجِّ مُفْرَداً، فَقَالَ لَهُمْ: " أحِلُّوا من إحْرَامِكُمْ بَطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةَ، وَقَصَروا، ثمَّ أقِيمُوا حَلالاً، حتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التروِية، فَأهِلُّوا بالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً "، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ، فَقَالَ: " افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلا أنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذِّي أمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ".
ــ
إحرامي حتى أنحر الهدي بمنى. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي.
والمطابقة: في قولها: " ما شأن الناس حلوا بعمرة " حيث ﷺ ذلك على تمتعهم بالعمرة، وفي قوله ﷺ أيضاًً: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي ". حيث دل ذلك على أنه كان قارناًْ.
٦٠١ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁: " أنه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن (١) معه " من المدينة إلى مكة في حجة الوداع " وقد أهلوا بالحج مفرداً " أي أحرموا مفردين بالحج " فقال لهم " عند قدومهم إلى مكة " أحلوا من إحرامكم " أي افسخوا الحج إلى العمرة، وتحللوا من عمرتكم بالطواف والسعي، " ثم أقيموا حلالاً " يحل لكم كل شيء حتى الجماع " حتى إذا كان يوم التروية " وهو اليوم الثامن من ذي الحجة " فأهِلوا "، أي أحرموا " بالحج "، وتوجهوا إلى عرفة، " واجعلوا التي قدمتم بها متعة (٢) " أي تمتعاً بالعمرة، " قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج " أي كيف نجعلها تمتعاً وقد نوينا الحج مُفْرداً "فقال: افعلوا ما أمرتكم
стр. 903
به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم" أي لفعلت مثل الذي أمرتكم، وفسخت الحج إلى العمرة. " ولكن لا يحل مني حرام " أي لا يحل في شيء من محظورات الإِحرام " حتى يبلغ الهدي محله " أي حتى يصل الهدي إلى المكان الذي ينحر فيه بمنى يوم النحر. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " أهلو بالحج مفرداً " حيث دل على إفرادهم بالحج عند خروجهم من المدينة، وفي قوله ﷺ : " أحلوا من إحرامكم بطوافٍ " حيث دل أمره ﷺ لأصحابه بالتمتع عند دخولهم مكة.
فقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على مشروعية الأنساك الثلاثة في الحج: الإِفراد، والقران، والتمتع.
أما الافراد: فلقول عائشة ﵂: " خرجنا مع النبي ﷺ لا نرى إلاّ أنه الحج، وقول جابر: " وقد أهلوا بالحج مفرداً "، وحديث ابن عباس ﵄: "قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ".
وأما القران: فلأن النبي ﷺ كان قارناً، ولهذا قال لحفصة: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر ". وهناك أحاديث أخرى صريحة في أنه ﷺ كان قارناً، منها قول أنس " حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما " أخرجه الشيخان وأبو داود، وحديث عمر أن النبي ﷺ قال: " أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجةٍ ". أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة.
وأما جواز التمتع: فلأن النبي ﷺ حين قدموا مكة أمر من لم يسق منهم الهدي أن يجعلها عمرة، ويتحلل بالطواف والسعي، وأبطل ما كان يعتقده العرب في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور كما في حديث
стр. 904
ابن عباس ﵄. واختلفوا أيها أفضل؟ فقال أحمد في المشهور عنه وبعض الشافعية واللخمي من المالكية: التمتع أفضل، لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه، ودعاهم عندما قدموا مكة إلى فسخ الحج إلى العمرة، وتمنى أنه لو يسق الهدي حتى يجعلها عمرة ويتحلل مثلهم، وهو لا يختار فيما يأمر به إلاّ الأفضل، وهو أفضل أيضاًً لأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ كما قال الإِمام أحمد. واختار مالك الإِفراد وهو المشهور من مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم، واحتجوا على أفضليته بأدلة: أولها الأحاديث الصحيحة التي تدل على أنه كان مفرداً عن جابر وابن عمر وعائشة وابن عباس، ففي حديث عائشة " وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج " وهو لا يحتمل إلاّ الإفراد، وفي حديث جابر " أنّه حج مع النبي ﷺ يوم ساق البدن معه. وقد أهلوا بالحج مفرداً " كما رواه الشيخان، وفي حديث ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ أهل بالحج مفرداً " وفي حديث ابن عباس: " أهل رسول الله ﷺ بالحج " أخرجه مسلم فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي ﷺ أحرم مفرداً، ورواتها من أضبط الرواة وأصحهم، أضف إلى ذلك أن المفرد لا دم عليه وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران دليل أفضليته، لأن الكامل في نفسه الذي لا يحتاج إلى جبره بالدم أفضل من المحتاج إليه كما في " أضواء البيان "، ثم إن الافراد هو الذي عليه الخلفاء الراشدون وهم أفضل الناس وأتقاهم وأشدهم اتباعاً لسنته ﷺ . ومما يدل على أفضليته أيضاًً إجماع الأمة على جوازه دون كراهة مع اختلافهم في غيره، فقد كره عمر وعثمان التمتع، كما كره بعضهم القران. اهـ. كما في " أضواء البيان " (١). وقال الثوري وأبو حنيفة: القران أفضل، واختاره ابن القيم، لأن النبي ﷺ حج قارناً، وقال ابن تيمية: " القِران أفضل من التمتع إن ساق هدياً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد "
стр. 905
٥١١ - " بَابٌ مِنْ أيْنَ يَخرُجُ مِنْ مَكَّةَ "
٦٠٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:
"أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التي
ــ
قال في " تيسير العلام ": هذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه، وقد ساق ابن القيم ما يزيد على عشرين حديثاً صحيحة صريحة في ذلك وكثيرٌ منها في " الصحيحين ". منها: حديث ابن عمر ﵄: " أنه ﷺ قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً -ثم قال: - هكذا فعل رسول الله ﷺ أخرجه مسلم. " وحديث عمر " قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: " أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة " أخرجه البخاري.
وحديث سراقة بن مالك: أن النبي ﷺ قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (١) قال: وقرن النبي ﷺ في حجة الوداع "، أخرجه أحمد، وإسناده ثقات. وحديث جابر: " أن النبي ﷺ قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافاً واحداً " أخرجه أحمد. قال النووي وأما ما جاء في بعض الروايات من أنه ﷺ أهل بالحج مفرداً فمعناه أنّه أحرم أولاً بالحج مفرداً، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، فمن روى أنه كان مفرداً وهم الأكثرون اعتمدوا أوّل الإِحرام، ومن روى أنّه كان قارناً اعتمد آخره. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث تدل على مشروعية التمتع والقران والإِفراد.
٥١١ - " باب من أين يخرج من مكة "
٦٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: " أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء " بفتح الكاف والمد والجر بالفتحة لأنه
стр. 906
بالبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَنِيَّةِ السُّفْلَى".
٥١٢ - " بَابُ مَا ذُكِرَ في الْحَجَرِ الأَسْوَدِ "
٦٠٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁:
أنَّهُ جَاءَ إلى الْحَجَرِ الأسْودِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: " إِنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا إِنِّي رَأيْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ ".
ــ
اسم لا ينصرف "من الثنية العليا " وهي الطريق العالية التي ينزل منها الناس إلى المعلى " التي بالبطحاء " أي: الواقعة بجانب الأبطح أو المُحَصَّبِ " وخرج من الثنية السفلى " وهي التي عند باب الشبيكة قرب شعب الشاميين، وتسمى كُدَى (١). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: " وخرج من الثنية السفلى ".
فقه الحديث: دل الحديث على استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى لمن تيسر له ذلك اتباعاً للسنة.
٥١٢ - "باب ما ذكر في الحجر الأسود"
٦٠٣ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ " جاء إلى الحجر الأسود فقبله " اقتداء بالنبي ﷺ " فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع " وإنما أراد عمر بقوله هذا: أن تقبيله للحجر لم يكن عن اعتقاد أن له أي تأثير من نفع أو ضر، وإنما فعل ذلك تعظيماً لأوامر الله، واتباعاً لسنة نبيه ﷺ " ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك " أي إنما قبلتك اقتداءً بفعل النبي ﷺ . قال الطبري: وإنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثي
стр. 907
٥١٣ - " بَابُ مَنْ كَبَّرَ في نوَاحِي الْكَعْبَةِ "
٦٠٤ - عن ابْنِ عِبَّاس ﵄:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَا قَدِمَ أبى أن يَدْخُلَ الْبَيْتَ وفيه الآلِهَةُ، فأَمَرَ
ــ
عهد بعبادة الأصنام (١)، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.
فقه الحديث: دل الحديث على أن من سنن الطواف تقبيل الحجر الأسود أول الطواف بلا صوت بعد استلامه ولمسه بيده اليمنى أو بكفيه (٢)، فإن لم يستطع تقبيله قبَّل يده لقول نافع: " رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله " أخرجه مسلم، قال النووي: وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر، وإلا فالقادر يقبل الحجر، وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال القاسم بن محمد التابعي المشهور ولا يستحب التقبيل، وبه قال مالك في أحد قوليه (٣). الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك ".
٥١٣ - " باب من كبر في نواحي الكعبة "
٦٠٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ لما قدم " مكة يوم الفتح " أبى " أي كره "أن يدخل البيت
стр. 908
بِهَا فأخْرَجَتْ، فأخْرجُوا صُورَةَ إبْراهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وفي أيدِيهِمَا الأزْلَامُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قاتَلَهُمُ اللهِ أما وَاللهِ قد عَلِمُوا أنَّهُمَا لمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ " فَدَخَلَ الْبَيْتَ فكَبَّرَ في نَوَاحِيهِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ ".
ــ
وفيه الآلهة" أي والأصنام معلقة على جدرانه، ومنصوبة عليه، " فأمر بها فأخرجت. فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل " أي ومن ضمنها تمثالان لإبراهيم وإسماعيل " وفي أيديهما الأزلام " أي أقداح الأزلام، قال القرطبي (١): ويقال: كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئاً، فإن كان عليه: أمرني ربي، خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره " فقال رسول الله: قاتلهم الله أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط " أي أن هذه الصور التي صوروا فيها إسماعيل وإبراهيم والأزلام في أيديهما صور كاذبة لا تمت إلى الواقع بصلة، لأنهم يعلمون علم اليقين أنهما لم يستقسما بالأزلام طول حياتهما. " فدخل البيت وكبر في نواحيه " أي في جهاته الأربع " ولم يصل فيه " هكذا يقول ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة عندما دخلها، لكن ثبت في حديث بلال ﵁ أنه ﷺ صلى في الكعبة، وهو مقدم عليه، لأنه دخل مع النبي ﷺ الكعبة، وشاهد ما فعله النبي ﷺ فيها، ولم يدخل معه ابن عباس ﵄. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يستحب لمن دخل الكعبة أن يكبر في جهاتها الأربع. ثانياًًً: أنه يستحب دخول الكعبة للحاج وغيره، وليس من المناسك عند الجمهور. ثالثاً: نفى ابن عباس رضي
стр. 909
٥١٤ - " بَابٌ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ "
٦٠٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
"قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَتْهُمُ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلَاثةَ، وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يَأمُرَهُمْ انْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الإِبقَاءُ عَلَيْهِمْ".
ــ
الله عنهما أن يكون النبي ﷺ قد صلى في الكعبة، لكن المعتمد أنّه صلى فيها لحديث بلال الذي ذكرناه، والجمهور على صحة الصلاة فيها فرضاً أو نفلاً، واستحب الشافعية الصلاة فيها. والمطابقة: في قوله: " فكبر في نواحيه ".
٥١٤ - " باب كيف كان بدء الرمل "
٦٠٥ - معنى الحديث: أن قريشاً أطلقت الشائعات الكاذبة على أن أصحاب النبي ﷺ قد أضعفتهم حمى المدينة، فأراد النبي ﷺ أن يثبت للناس كذب هذه الإشاعات، فأمر النبي ﷺ أصحابه في عمرة القضاء (١) أن يرملوا أي يسرعوا في الثلاثة الأشواط الأولى من الطواف، ما عدا ما بين الركنين " ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاّ الإبقاء عليهم " أي إلاّ الشفقة عليهم والرفق بهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل الحديث على أن من سنن الطواف (٢) للرجال الرملُ
стр. 910
٥١٥ - " بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوف وَيَرْمُلُ ثَلَاثاً "
٦٠٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقدَمُ مَكَّةَ إِذَا استلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ ".
٥١٦ - " بَابُ الرَّمَلِ في الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ "
٦٥٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁:
أَنَّهُ قالَ: "فَمَا لَنَا ولِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أهْلَكَهُمُ
ــ
في الأشواط الثلاثة الأولى. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
٥١٥ - " باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثاً "
٦٠٦ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا قدم مكة بدأ طوافه باستلام الحجر الأسود وتقبيله، ثم يرمُل في الأشواط الثلاثة الأولى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنن الطواف: استلام الحجر وتقبيله (١) وكذلك الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى. والمطابقة: في قوله: " استلم الركن الأسود ".
٥١٦ - " باب الرمل في الحج والعمرة "
٦٠٧ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: "فما لنا
стр. 911
اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أن نَتْرُكَهُ".
ــ
وللرمل" قال العيني: ويروى والرَّمل بغير لام، والنصب فيه على الأفْصَح، وفي رواية عن زيد بن أسلم: " فيم الرمل والكشْفُ عن المناكب " "إنما كُنا راءينا به المشركين" أي إنما شرع الرَّمل في الأصل بسبب وهو أن المشركين أشاعوا أن النبي وأصحابه قد أضعفتهم حمي يثرب فأمر النبي أصحابه في عمرة القضاء أن يرملوا في الطواف ليظهروا لهم سلامتهم وصحتهم وقوة أجسامهم تكذيباً لِإشاعتهم الباطلة، أما الآن فقد هزم الله الشرك وأهله، وفتحت مكة وزال السبب الداعي إلى الرمل، ولكنَّهُ بقي سنة مشروعة سنها رسول الله ﷺ ، فنفعلها اقتداءً به، وعملاً بسنته، وإحياءً لهذه الذكريات الإِسلامية الخالدة، وهو معنى قوله: " ثم قال: - شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه " أي فنحن الآن وقد أهلك الله تعالى المشركين ولا حاجة لنا بالرمل (١)، ولكنه شيء صنعه النَّبِيُّ ﷺ فلا نحب أن نتركه، اتباعاً له، لأنه ﷺ ثبت أنه رمل في حجته ولا مشرك يومئذ، فعلم أنَّه من مناسك الحج.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " شيء صنعه النَّبِيُّ ﷺ ".
فقه الحديث: دل الحديث على أن الرمل في الطواف من السنن المشروعة فيه، وأن مشروعيته باقية رغم زوال سببه، وهو من الأعمال التي زال سببها وبقى حكمها ومشروعيتها، قال الخطابي (٢): وقد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب، فيزول ذلك السبب ولا يزول حكمه، كالعرايا والاغتسال للجمعة. وقال الطبري (٣): ثبت أن النَّبِيَّ ﷺ رمل في حجته ولا
стр. 912
٥١٧ - " بَابُ استِلَامِ الرُّكْنِ بالْمِحْجَنِ "
٦٥٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ ".
٥١٨ - " بَابُ تقْبِيلِ الْحَجَرِ "
٦٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنهُ سَألهُ رَجُل عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فَقَالَ: "رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ
ــ
مشرك يومئذ يراه، فعلم أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى على من تركه عامداً أو ساهياً قضاءً ولا فدية، لأن من تركه فليس بتارك العمل، إنما هو تارك لهيئته وصفته كالتلبية التي فيها رفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها. اهـ.
٥١٧ - " باب استلام الركن بالمحجن "
٦٠٨ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ ﷺ طاف في حجة الوداع راكباً على بعيره يشير إلى الحجر الأسود بمحجنه وهي عصا محنية الرأس مكتفياً بذلك عن استلام الحجر.
فقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز عند الزحام استلام الحجر بعصا ونحوها، وكذلك تجوز الإِشارة إليه باليد وتقبيلها عند الجمهور. وقال مالك: إن لم يصل إليه بعود كبر إذا حاذاه ومضى ولا يشير إليه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " يستلم الركن ".
٥١٨ - " باب تقبيل الحجر "
٦٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي "أن ابن عمر سأله رجل
стр. 913
يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ، فَقَالَ: أرأيْتَ إِنْ غُلِبْتُ قَالَ: اجْعَلْ أرأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمهُ ويُقَبِّلُهُ".
ــ
عن استلام الحجر" الأسود، وهو وضع اليد عليه عند بداية الطواف " فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله " وهذا يقتضي أنّ استلامه وتقبيله سنة " فقال: أرأيت إن غلبت " أي أخبرني إن زاحمني الناس عليه، وحاولت الوصول إليه فعجزت عنه، هل أعذر في ترك استلامه وتقبيله " قال: اجعل أرأيت باليمن " أي عليك باتباع سنة نبيك، ودع الرأي هناك، وظاهره أنه لا يرى في الزحام عذراً. الحديث: أخرجه أيضاًً الترمذي والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنن الطواف استلام الحجر وتقبيله وأن ابن عمر لا يرى في الزحام عذراً، لكن الجمهور على أنه إذا عجز عن تقبيله يكفيه أن يضع يده عليه ويقبلها، ومالك قال لا يقبلها، وإنما يضعها على فمه فقط، أما إن عجز عن استلامه بيده، فإنه يستلمه بشيء في يده كالعصا فإن عجز أشار بيده (١) لأن النبي ﷺ كما قال ابن عباس: " طاف على بعير، كلما أَتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده "، وإن لم يشر إليه استقبله مهلِّلاً مكبراً. والمطابقة: في قوله: " رأيت النَّبِيُّ ﷺ يستلمه ويقبله ".
...
стр. 914
٥١٩ - " بَابُ مَنْ طَاف بالْبَيْتِ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبلَ أنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتهِ "
٦١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
" أنَّ أَوَّلَ شَيء بَدَأ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أبو بَكْرٍ ﵁ وَعمَر ﵁ مِثْلَهُ ".
ــ
٥١٩ - " باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته "
٦١٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم ﷺ مكة " أي أنّ أول عمل فعله النَّبِيُّ ﷺ عند وصوله إلى مكة " أنه توضأ ثم طاف " أي بدأ بالوضوء والطواف بالبيت، فبدأ النبي ﷺ بالطواف قبل أن يذهب إلى بيته الذي يريد النزول فيه كما قال البخاري " ثم لم تكن عمرة " أَي: ولم يفسخ النبي ﷺ نفسه (١) الحج إلى العمرة لأنه كان قارناً، وساق الهدي فلم يتمتع بالعمرة كما فعل غيره، " ثم حج أبو بكر وعمر ﵄ مثله " أي مثل حج النبي ﷺ ، كما أفاده العيني.
فقه الحديث: دل الحديث على أنّ من السنة لمن قدم مكة أن يبدأ بالطواف أولاً، سواء كان حاجاً أو معتمراً أو لم يكن أحدهما، فإن كان قارناً فطوافه طواف قدوم، وهو سنة، أو طواف ركن على أن عليه طوافين، وسعيين، وهو مذهب أبي حنيفة، وإن كان مفرداً فطوافه طواف قدوم، وهو سنةٌ
стр. 915
٥٢٠ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخرُجَ إلَى عَرَفَةَ "
٦١١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ وسعى بين الصَّفا والْمَرْوَةَ، ولم يقرب الكَعْبَةَ بعد طَوافِهِ بها حتى رَجِعَ من عَرَفَةَ ".
ــ
وإن كان متمتعاً فطوافه طواف عمرة، وهو ركن من أركانها، وإن لم يكن شيئاً من ذلك فطوافه تطوع وتحية للمسجد. وفي الحديث دليل على أن الوضوء شرط في صحة الطواف، لقولها " أنه توضأ ثم طاف "، وقوله ﷺ : " الطواف صلاة إلاّ أنّ الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلّا بخيرٍ " أخرجه الترمذي والدارقطني وصححه الحاكم، قال العثماني الشافعي: ومن شرط الطواف الطهارة وستر العورة عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: ليس بشرط في صحته (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: " إن أوّل شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف إلخ ".
٥٢٠ - " باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة "
ْ٦١١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث عن عدد المرات التي طافها النَّبِيُّ ﷺ بالبيت قبل طلوعه إلى عرفة في حجة الوداع، فيقول: " قدم النبي ﷺ مكة " يعني في حجة الوداع " فطاف " مرة واحدة، أو طوافاً واحداً " وسعى بين الصفا والمروة " سعياً واحداً، واكتفى بطواف واحد، وسعى واحد قبل طلوعه إلى عرفة، لأنه انشغل بأمور أخرى " ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها " هذه المرة "حتى