← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9794

منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري

حمزة قاسم

Полный текст (1 976 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أن نَتْرُكَهُ". ــ وللرمل" قال العيني: ويروى والرَّمل بغير لام، والنصب فيه على الأفْصَح، وفي رواية عن زيد بن أسلم: " فيم الرمل والكشْفُ عن المناكب " "إنما كُنا راءينا به المشركين" أي إنما شرع الرَّمل في الأصل بسبب وهو أن المشركين أشاعوا أن النبي وأصحابه قد أضعفتهم حمي يثرب فأمر النبي أصحابه في عمرة القضاء أن يرملوا في الطواف ليظهروا لهم سلامتهم وصحتهم وقوة أجسامهم تكذيباً لِإشاعتهم الباطلة، أما الآن فقد هزم الله الشرك وأهله، وفتحت مكة وزال السبب الداعي إلى الرمل، ولكنَّهُ بقي سنة مشروعة سنها رسول الله ﷺ ، فنفعلها اقتداءً به، وعملاً بسنته، وإحياءً لهذه الذكريات الإِسلامية الخالدة، وهو معنى قوله: " ثم قال: - شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه " أي فنحن الآن وقد أهلك الله تعالى المشركين ولا حاجة لنا بالرمل (١)، ولكنه شيء صنعه النَّبِيُّ ﷺ فلا نحب أن نتركه، اتباعاً له، لأنه ﷺ ثبت أنه رمل في حجته ولا مشرك يومئذ، فعلم أنَّه من مناسك الحج. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " شيء صنعه النَّبِيُّ ﷺ ". فقه الحديث: دل الحديث على أن الرمل في الطواف من السنن المشروعة فيه، وأن مشروعيته باقية رغم زوال سببه، وهو من الأعمال التي زال سببها وبقى حكمها ومشروعيتها، قال الخطابي (٢): وقد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب، فيزول ذلك السبب ولا يزول حكمه، كالعرايا والاغتسال للجمعة. وقال الطبري (٣): ثبت أن النَّبِيَّ ﷺ رمل في حجته ولا

стр. 912

٥١٧ - " بَابُ استِلَامِ الرُّكْنِ بالْمِحْجَنِ " ٦٥٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ ". ٥١٨ - " بَابُ تقْبِيلِ الْحَجَرِ " ٦٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنهُ سَألهُ رَجُل عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فَقَالَ: "رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ــ مشرك يومئذ يراه، فعلم أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى على من تركه عامداً أو ساهياً قضاءً ولا فدية، لأن من تركه فليس بتارك العمل، إنما هو تارك لهيئته وصفته كالتلبية التي فيها رفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها. اهـ. ٥١٧ - " باب استلام الركن بالمحجن " ٦٠٨ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ ﷺ طاف في حجة الوداع راكباً على بعيره يشير إلى الحجر الأسود بمحجنه وهي عصا محنية الرأس مكتفياً بذلك عن استلام الحجر. فقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز عند الزحام استلام الحجر بعصا ونحوها، وكذلك تجوز الإِشارة إليه باليد وتقبيلها عند الجمهور. وقال مالك: إن لم يصل إليه بعود كبر إذا حاذاه ومضى ولا يشير إليه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " يستلم الركن ". ٥١٨ - " باب تقبيل الحجر " ٦٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي "أن ابن عمر سأله رجل

стр. 913

يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ، فَقَالَ: أرأيْتَ إِنْ غُلِبْتُ قَالَ: اجْعَلْ أرأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمهُ ويُقَبِّلُهُ". ــ عن استلام الحجر" الأسود، وهو وضع اليد عليه عند بداية الطواف " فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله " وهذا يقتضي أنّ استلامه وتقبيله سنة " فقال: أرأيت إن غلبت " أي أخبرني إن زاحمني الناس عليه، وحاولت الوصول إليه فعجزت عنه، هل أعذر في ترك استلامه وتقبيله " قال: اجعل أرأيت باليمن " أي عليك باتباع سنة نبيك، ودع الرأي هناك، وظاهره أنه لا يرى في الزحام عذراً. الحديث: أخرجه أيضاًً الترمذي والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنن الطواف استلام الحجر وتقبيله وأن ابن عمر لا يرى في الزحام عذراً، لكن الجمهور على أنه إذا عجز عن تقبيله يكفيه أن يضع يده عليه ويقبلها، ومالك قال لا يقبلها، وإنما يضعها على فمه فقط، أما إن عجز عن استلامه بيده، فإنه يستلمه بشيء في يده كالعصا فإن عجز أشار بيده (١) لأن النبي ﷺ كما قال ابن عباس: " طاف على بعير، كلما أَتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده "، وإن لم يشر إليه استقبله مهلِّلاً مكبراً. والمطابقة: في قوله: " رأيت النَّبِيُّ ﷺ يستلمه ويقبله ". ...

стр. 914

٥١٩ - " بَابُ مَنْ طَاف بالْبَيْتِ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبلَ أنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتهِ " ٦١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّ أَوَّلَ شَيء بَدَأ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أبو بَكْرٍ ﵁ وَعمَر ﵁ مِثْلَهُ ". ــ ٥١٩ - " باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته " ٦١٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ " أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم ﷺ مكة " أي أنّ أول عمل فعله النَّبِيُّ ﷺ عند وصوله إلى مكة " أنه توضأ ثم طاف " أي بدأ بالوضوء والطواف بالبيت، فبدأ النبي ﷺ بالطواف قبل أن يذهب إلى بيته الذي يريد النزول فيه كما قال البخاري " ثم لم تكن عمرة " أَي: ولم يفسخ النبي ﷺ نفسه (١) الحج إلى العمرة لأنه كان قارناً، وساق الهدي فلم يتمتع بالعمرة كما فعل غيره، " ثم حج أبو بكر وعمر ﵄ مثله " أي مثل حج النبي ﷺ ، كما أفاده العيني. فقه الحديث: دل الحديث على أنّ من السنة لمن قدم مكة أن يبدأ بالطواف أولاً، سواء كان حاجاً أو معتمراً أو لم يكن أحدهما، فإن كان قارناً فطوافه طواف قدوم، وهو سنة، أو طواف ركن على أن عليه طوافين، وسعيين، وهو مذهب أبي حنيفة، وإن كان مفرداً فطوافه طواف قدوم، وهو سنةٌ

стр. 915

٥٢٠ - " بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخرُجَ إلَى عَرَفَةَ " ٦١١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ وسعى بين الصَّفا والْمَرْوَةَ، ولم يقرب الكَعْبَةَ بعد طَوافِهِ بها حتى رَجِعَ من عَرَفَةَ ". ــ وإن كان متمتعاً فطوافه طواف عمرة، وهو ركن من أركانها، وإن لم يكن شيئاً من ذلك فطوافه تطوع وتحية للمسجد. وفي الحديث دليل على أن الوضوء شرط في صحة الطواف، لقولها " أنه توضأ ثم طاف "، وقوله ﷺ : " الطواف صلاة إلاّ أنّ الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلّا بخيرٍ " أخرجه الترمذي والدارقطني وصححه الحاكم، قال العثماني الشافعي: ومن شرط الطواف الطهارة وستر العورة عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: ليس بشرط في صحته (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: " إن أوّل شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف إلخ ". ٥٢٠ - " باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة " ْ٦١١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث عن عدد المرات التي طافها النَّبِيُّ ﷺ بالبيت قبل طلوعه إلى عرفة في حجة الوداع، فيقول: " قدم النبي ﷺ مكة " يعني في حجة الوداع " فطاف " مرة واحدة، أو طوافاً واحداً " وسعى بين الصفا والمروة " سعياً واحداً، واكتفى بطواف واحد، وسعى واحد قبل طلوعه إلى عرفة، لأنه انشغل بأمور أخرى " ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها " هذه المرة "حتى

стр. 916

٥٢١ - " بَابُ مَا جَاءَ في زَمْزَمَ " ٦١٢ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: " سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ من زمزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ ". ــ رجع من عرفة" وعند ذلك طاف طواف الإفاضة. الحديث: أخرجه البخاري. فقه الحديث: دل الحديث على أن الحاج ليس عليه قبل عرفة سوى طواف واحد، فإن كان مفرداً كان طوافه طواف قدوم اتفاقاً وهو سنة، وإن كان متمتعاً فطوافه طواف العمرة، وهو ركن من أركانها اتفاقاً، وإن كان قارناً فطوافه طواف قدوم عند الجمهور، وهو سنة، وليس عليه من أركان الحج سوى طواف واحد وهو طواف الإِفاضة، وقال أبو حنيفة: إن كان قارناً فطوافه ركن، لأن على القارن طوافين وسَعْيَين. والمطابقة: في قوله: " لم يقرب الكعبة بعد طوافه بها ". ٥٢١ - " باب ما جاء في زمزم " ٦١٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ سقيت رسول الله من ماء زمزم فشرب من ذلك الماء حال كونه قائماً. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: قال القسطلاني: فيه الرخصة في الشرب قائماً. ثانياًً: دل الحديث على فضل بئر زمزم وشرفها، لأنه ﷺ ذهب إليها ووقف عليها، وشرب منها، وعلى استحباب الشرب من ماء زمزم والتضلع منه اقتداءً بنبينا ﷺ . قال ابن المنير: وكأنه عنوان عن حسن العهد، وكمال الشوق، فإن العرب اعتادت الحنين إلى مناهل الأحبة، وموارد أهل المودة، وروي عن ابن عباس ﵄ قال:

стр. 917

٥٢٢ - " بَابُ وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ " وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ الله " ٦١٣ - عنْ عَائِشَةَ ﵂: أنهَا سَألهَا ابْنُ أخْتِهَا عُرْوَةُ عَنْ قَوْلِ اللهِ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فَقَالَ: فَوَاللهِ ما عَلَى أحدٍ جُنَاح أن لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ: ــ صلّوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار، قيل: وما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: زمزم. ويستحب استقبال الكعبة عند شربه، والدعاء بصالح الدعاء، وقد كان ابن عباس ﵄ إذا شرب منه قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داءٍ. وهو ماء مبارك يستفيد الناس منه في قضاء حاجاتهم بإذن الله تعالى، فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له ". قال ابن القيم: وقد جربت أنا وغيري (١) من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله تعالى، وشاهدت من يتغذى به لأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر، وأخبرني أنّه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع أهله ويصوم ويطوف مراراً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " سقيت رسول الله ﷺ من زمزم ". ٥٢٢ - " باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله " ٦١٣ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ " سألها ابن أختها عروة عن قول الله (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ

стр. 918

بِئْسَ مَا قُلْتُ يا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أولْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ في الأنْصَارِ، كانُوا قَبْلَ أن يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيةِ التي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطوفَ بالصَّفَا والْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أسْلَمُوا سَألوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّج أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فأنزلَ اللهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآيَة قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ــ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) "، أي أنّ عروة سأل خالته عائشة عن معنى هذه الآية، وقال: إني فهمت من قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أن السعي غير واجب على الحاج " قال: فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما " أي لا إثم على من ترك السعي بينهما، " قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي " أي لقد أخطأت فيما قلت: ولم توفق في فهمك هذا " إن هذه " الآية " لو كانت كما أوّلتها " أي كما فسرتها " كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما " أي لكان لفظها كما قالت عائشة لأنّها لا تدل على عدم وجوب السعي إلاّ إذا اقترنت بلا النافية، ثمَّ بينت سبب نزول الآية الكريمة في قولها: " لكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة " أي يحجون لصنم يسمى مناة عند المُشلَّلِ " بضم الميم، وهي ثنية بين مكة والمدينة تشرف على قديد " فكان من أهل " أي فكان من حج من الأنصار " يتحرجٍ أن يطوّف بالصفا والمروة " أي كان يرى في السعي بين الصفا والمروة إثماً عظيماً، لأنّه كان فيهما صنمان يعبدهما غيرهم، وهما

стр. 919

٥٢٣ - " بَابُ مَا جَاءَ في السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ " ٦١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأوَّلَ خَبَّ ثَلَاثاً، وَمشى ــ " أساف " و" نائلة "، وكانوا يكرهونهما " فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك " أي عن السعي بينهما هل فيه إثم كما يظنون " فأنزل الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فبين لهم أن لا إثم عليهم في السعي بين الصفا والمروة كما كانوا يظنون، لأن السعي بينهما من شعائر الله، أي من مناسك الحج والعمرة "وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما" أي وقد شرع النبي ﷺ لنا السعي بينهما. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج والعمرة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: هو واجب يجبر بالدم، وذهب ابن عباس وابن الزبير وابن سيرين وأحمد في رواية إلى أنّه سنة، لما جاء في مصحف ابن مسعود (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ورجح ابن قدامة وجوبه، لأن الدليل الذي ورد فيه إنما يدل على مطلق وجوبه لا على أنه لا يتم الواجب إلاّ به. وقد قال عبد الله بن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قد كتب عليكم السعي فاسعُوا " رواه الطبراني وهو حديث حسن. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: " وقد سنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما ". ٥٢٣ - " باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة " ٦١٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " كان رسول الله ﷺ إذا طاف الطواف الأول " أي طواف القدوم أو العمرة

стр. 920

أرْبَعاً، وَكَانَ يَسْعَى بَطنَ الْمسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ". ٥٢٤ - " بَابُ تقضي الْحَائِضُ الْمَنَاسِك كُلَّهَا إلَّا الطَّوَاف بِالبَيْتِ " ٦١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مكَّةَ وأَنا حَائِضٌ، ولَمْ أطُفْ بالْبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أن لا تَطُوفِي بالْبَيْتِ حتى تطهُرِي ". ــ " خبَّ ثلاثاً " أي أسرع في الأشواط الثلاثة الأولى، وهو ما يسمى بالرمل " وكان يسعى بطن المسيل "، أي وكان يفعل ذلك الإِسراع المسمى بالرمل أو الخبب وسط المسعى بين الميل الأخضر المعلق بجوار المسجد، والميلين الأخضرين المعلق أحدهما بجوار المسجد، والثاني بدار العباس ﵁. الحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. ويستفاد منه: بيان كيفية السعي، وأنه كله مشي إلاّ ما بين الميلين فيستحب الرمل للرجال. والمطابقة: في كون الحديث مبيناً لكيفية السعي. ٥٢٤ - " باب تقضي الحائض المناسك إلا الطواف " ٦١٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " قدمت مكة " أي وصلت إلى مكة " وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة " أي وكنت حائضاً فلم أطف بالكعبة، ولم أسع بين الصفا والمروة، لأنّ الطهارة شرط في الطواف، ولتوقف السعي على الطواف " فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ " أي شكوت إليه استمرار الحيض وخشيت أن يمنعني من أداء جميع المناسك " قال: افعلي كما يفعل الحاج " من الوقوف بعرفة

стр. 921

٥٢٥ - " بَابٌ أيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَروية ؟ " ٦١٦ - عَنْ أنسٍ ﵁: أَنَّهُ سَألهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أخبِرْنِي بِشَيءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أينَ صَلَّى الظهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التروِيَة؟ قَالَ: بِمِنَى، قَالَ: فَأيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ ــ ومزدلفة والمبيت بمنى وغير ذلك " غير أن لا تطوفي بالبيت " أي غير أنّك لا تطوفين بالكعبة طواف الإفاضة " حتى تطهري " من الحيض. ويستفاد منه ما يأتي: أَولاً: أن الحيض يفسد الحج، لقوله ﷺ لها: " افعلي كما يفعل الحاج " حيث أمرها ﷺ بالاستمرار في أداء مناسك الحج، وهذا يدل على صحة حجها، وعدم فساده بالحيض. ثانياًًً: أن الحيض يفسد الطَّواف، لأن من شروط الطواف الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، والحيضُ حدث أكبر، والحائض غير طاهرة فلا يصح طوافها. ولذلك فإن الحائض تفعل كل مناسك الحج غير الطواف والسعي، وهو ما ترجم له البخاري حيث قال: " تقضي الحائض - أي تفعل المناسك كلها إلّا الطواف بالبيت " أي فلا تطوف لأنّه لا يصح طوافها، ولا تسعى، لأن السعي يتوقف على الطواف. والمطابقة: في قوله ﷺ : " افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ". الحديث: أخرجه الشيخان. ٥٢٥ - " باب أين يصلي الظهر يوم التروية؟ " ٦١٦ - معنى الحديث: أن أنساً ﵁ " سأله رجل فقال: أخبرني بشيء عقلته عن النَّبِيُّ ﷺ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ " أي أخبرني عن شيء كنت قد أدركته مع النَّبِيُّ ﷺ وحضرته معه، وعلمته من النَّبِيُّ ﷺ مباشرة دون واسطة أو رواية شخص آخر عنه "أين صلى

стр. 922

النَّفْرِ؟ قَالَ ﵁: بِالأبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يفعَلُ أُمَرَاؤُكَ. ٥٢٦ - " بَابُ صَوْمَ يَوْمَ عَرَفَةَ " ٦١٧ - عَنْ أُمِّ الْفَضْل ﵂ قَالَتْ: "شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ ــ الظهر والعصر؟ " أي في أي مكان صلى النَّبِيُّ ﷺ صلاة الظهر وصلاة العصر " يوم التروية "؟ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة " قال: بمنى " أي صلاهما في منى لا في مكة. " قال: أين صلّى العصر يوم النفر؟ " أي: يوم النفر من منى إلى مكة " قال بالأبطح " أي صلّى العصر يوم النفر في الأبطح بين مكة ومنى. وسيأتي بيانه في موضعه " ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك " في هذه الأعمال. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب صلاة الظهر والعصر يوم التروية بمنى والخروج إليها بعد صلاة الصبح والمبيت بها ليلة التاسع من ذي الحجة، وأداء المغرب والعشاء والصبح بها، والخروج إلى عرفة بعد طلوع الشمس، لقول ابن عباس ﵄: " صلى النبي ﷺ الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى " أخرجه مسلم. ثانياًًً: أنه يستحب للحاج أن يصلي العصر بالمحصب يوم النفر بين الحجون وجبل النور إن تيسر، وإلّا فعليه أن يراعي الظروف، لقول أنس ﵁: افعل كما يفعلُ أمراؤك. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة. ٥٢٦ - " باب صوم يوم عرفة " ٦١٧ - ترجمة راوية الحديث: وهي لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس ﵄ تعرف بلبابة الكبرى أول امرأة أسلمت بعد خديجة ﵂، وكانت من المنجبات أنجبت ستة لم تلد امرأة مثلهم: الفضل،

стр. 923

في صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ". ٥٢٧ - " بَابُ التَّهجِير بالرَّوَاحِ إلى عَرَفَةَ " ٦١٨ - عَنْ سَالِم بْنُ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِك إِلَى الحَجَّاجِ أن لا يُخَالِفَ ابن عُمَر فِي الحَجِّ، فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ ﵄ وَأنا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرادِقِ الْحَجَّاجِ، فخَرَجَ ــ وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن. معنى الحديث: تقول أم الفضل ﵂: " شك الناس يوم عرفة في صوم النبي ﷺ " أي شك الصحابة هل صام ذلك اليوم، لكثرة ما ورد في فضل صيامه من الأحاديث أو أفطر، لأن للحاج ظرفه الاستثنائي قالت: " فبعثت إلى النَّبِيُّ ﷺ بشراب " أي بقدح من لبن " فشربه "، وعند ذلك تأكدت ﵂ من إفطاره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. فقه الحديث: دل الحديث على أنه يندب للحاج الإِفطار يوم عرفة اقتداءً بالنَّبِيُّ ﷺ وعملاً بسنته، فهو الأفضل، وصيامه خلاف الأولى (١). والمطابقة: في كونه ﷺ لم يصم يوم عرفة فِي حجة الوداع. ٥٢٧ - " باب التهجير بالرواح إلى عرفة " أي هذا باب يذكر فيه أن من السنة التعجيل بالذهاب إلى عرفة في الهاجرة بعد الزوال، وعقب أداء الظهر والعصر في مسجد نمرة ببطن عرنة. ٦١٨ - معنى الحديث: أن ابن عمر " أتى يوم عرفة حين زالت الشمس عند سرادق الحَجَّاج " أي صاح منادياً عليه عند مخيمه لأن عبد الملك لما وَلَّى الحجَّاج إمارة مكة أمره أن لا يخالف ابن عمر في المناسك فحج

стр. 924

وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَالَكَ يا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأنْظِرْنِي حتى أُفِيضَ عَلَى رَأسِي ثم أخْرُجَ، فَنَزَلَ حتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ، فسَارَ، فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بن عَبْدِ الله وَكَانَ مَعَ أبيهِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظرٌ إلى عبدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ عبد اللهِ قَالَ: صَدَقَ. ــ " الحَجَّاجُ " ذلك العام، فلما توجه من مني إلى عرفة نزل في نمرة ونصب سرادقه هناك كما كان يفعل غيره من الأمراء اقتداءً بسنة النبي ﷺ ، فلما حان وقت الزوال ذهب إليه ابن عمر ليبين له المناسك، فصاح به منادياً عليه " فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ " يعني ابن عمر " فقال: الرواح إن كنت تريد السنة " أي عجّل بالذهاب إلى عرفة بعد الزوال. عقب أداء صلاتي الظهر والعصر قصراً وجمعاً ببطن عُرَنة إن كنت تريد العمل بسنته ﷺ " قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجّاج فسار فقال له سالم وكان مع أبيه: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة " أي فاختصر الخطبة وأدِّ صلاتي الظهر والعصر ببطن عرنة قصراً وجمعاً وخففهما " وعجل بالوقوف " أي وسارع إلى الوقوف بعرفة عقب الصلاة مباشرة لتقف بها في الهاجرة عند منتصف النهار لما في حديث جابر ﵁ قال: " لما زاغت الشمس أَتى ﷺ بطن الوادي، أي وادي عرنة، فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم ركب القصواء (بفتح القاف) وهي ناقته المشهورة، حتى أتى الموقف " إلخ. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من السنة أن

стр. 925

يصلي الإِمام الظهر والعصر قصراً وجمعاً في مسجد نمرة (بفتح النون وكسر الميم) ويقع هذا المسجد ببطن وادي عُرنَة، ومن السنة أيضاًً أن يخفف الخطبة والصلاة ويسارع بالذهاب إلى الموقف فيقف هناك في الهاجرة كما فعل النبي ﷺ وهو ما ترجم له البخاري، فالتهجير سنة مستحبة، أما الانتقال من عُرنَةَ إلى الموقف من عرفة فهو أمر لا بد منه، ولا يتحقق الوقوف بدونه، لأنّ عُرنة ليست من عَرفة عند الجمهور، فمن اقتصر على الوقوف فيها لا يجزئه ذلك، فهي واد بين العلمين اللذين هما على حد عرنة، والعلمين اللذين هما على حد الحرم فليست من عرفة ولا من الحرم (١). اهـ. كما ذكره الفاسي في " تاريخه "، وحكى ابن المنذر عن مالك أن عُرَنَةَ من عرفات، وفي صحة ذلك عنه نظر على مقتضى ما ذكره الفقهاء المالكية في كتبهم، ولعل ما حكاه ابن المنذر عن مالك رواية غير مشهورة في المذهب. فقد نص خليل في " مختصره " على أن من وقف في بطن عرنة لا يصح وقوفه بها ولا يجزئه. وإنما اختلف المالكية في " مسجد نَمِرَةَ " هل هو من عَرَفَةَ أو من عُرنَة؟ فمن قال إنه من عرفة قال يجزىء الوقوف به ومن قال إنه من عُرنة، قال لا يجزىء. ولذلك اختلفوا في حكمه على خمسة أقوال: الإِجزاء وعدمه والإِجزاء مع وجوب الدم (٢)، والتوقف في حكمه، فقد روى القرافي عن مالك أنه قال: لم يصب (٣) من وقف به، فمن فعل لا أدري (٤) وخامسها: الإِجزاء مع الكراهة، وهو ما حكاه خليل في " مختصره " حيث قال: " وأجزأ " أي الوقوف " بمسجدها بكُرْهٍ " قال الحطاب يعني أن من وقف بمسجد نمرة فإنه يجزئه وقوفه مع الكراهة، وعند غيرهم لا يجزىء. إذن فالمعتمد عندهم أن

стр. 926

٥٢٨ - " بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ " ٦١٩ - عَنْ جُبَيْرِ بْن مُطْعِم ﵁ قَالَ: " أضْلَلْتُ بَعِيراً، فَذَهَبْت أطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفَاً بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الْخمْسِ فما شَأنُة هَا هُنَا ". ــ الوقوف بمسجد نمرة يجزىء مع الكراهة (١). ثانياًًً: أن من دخل عرفة قبل الصلاة فقد خالف سنة النَّبِيُّ ﷺ لأن السنة في ذلك اليوم أن تؤدّى الصلاة ببطن عرنة، ثم يعجل بعد ذلك بالرواح إلى الموقف في عرفة، لقوله: " إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل بالوقوف " وفي حديث جابر الطويل " حتى إذا زاغت الشمس أمر ﷺ بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس -إلى أن قال- ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلّى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (بفتح أوَّلِهِ وثانِيه وثالِثه) وهي الأحجار المغروسة في أسفل جبل الرحمة " ومعنى ذلك أنه ﷺ : لم يذهب إلى عرفة إلاّ بعد الصلاة، إذن فهذا هو السنة. والمطابقة: في قوله: " الرواح إن كنت تريد السنة ". ٥٢٨ - " باب الوقوف بعرفة " ٦١٩ - معنى الحديث: يقول جبير ﵁: " أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفة " أي أضعت بعيري في الجاهلية فذهبت أبحث عنه يوم عرفة، حتى وصلت إلى عرفات " فرأيت النَّبِيُّ ﷺ واقفاً بعرفة " كسائر القبائل العربية الأخرى غير قريش وما شابهها. " فقلت: هذا والله من الحمس " وهم قريش وكنانة وجديلة حموا بذلك لتحمسهم في دينهم، ومحمد ﷺ منهم لأنه قرشي. " فما شأنه ها هنا " أي فما باله يقف ها

стр. 927

هنا (١) في عرفات وهو من الحمس، والحصر إنما يقفون بمزدلفة ولا يتجاوزونها إلى عرفة، لئلا يخرجوا عن حدود الحرم، قال الحافظ (٢): والمعتمد أن هذه القصة كانت في الجاهلية عن قبل الإِسلام وأن النبي ﷺ قد حج في ذلك العهد، فخرج جبير يبحث عن بعيره الضائع، فلقيه مصادفة في عرفة، فتعجب لذلك واستنكره، لما رواه اسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على حمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا وفي رواية: فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية الوقوف بعرفة، وهو رُكن من أركان الحج لا يتم الحج إلاّ به، ولا يجزىء ولا يصح إلّا بفعله إجماعاً لما رواه عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي ﷺ بعرفة، فجاء نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع - بفتح الجيم وسكون الميم. فقد تم حجه " أخرجه أبو داود وابن ماجة (٣). أي فمن وقف على أرض عرفة ليلة العاشر من ذي الحجة فقد أدرك الحج وأدرك الوقوف بعرفة. وقد اختلفوا في وقت الوقوف بعرفة، فقال الجمهور: وقت الوقوف بعرفة هو ما بين الزوال، زوال الشمس يوم عرفة وطلوع فجر يوم النحر. وقال أحمد (٤): وقت الوقوف بعرفة ما بين فجر يوم عرفة وفجر يوم النحر. واتفق الجمهور " الحنفية والحنابلة والشافعية " على أن من وقف في أي جزء من هذا

стр. 928

الوقت من ليل أو نهار فقد أدّى هذا الركن، وحجه صحيح. إلاّ أنهم قالوا: يجب عليه الوقوف بعرفة إلى الليل ليجمع بين الليل والنهار، فإن النَّبِيُّ ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس - كما في حديث جابر، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم لقول ابن عباس: " من ترك نُسكاً عليه دم " (١). ومشهور مذهب الشافعي أن مدَّ الوقوف إلى الليل سنة فقط ولا دم على من دفع قبل الغروب. وإن لم يعد إليها بعده، لما في الخبر الصحيح " من أَتى عرفة قبل الفجر ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه " ولو لزمه دم لكان حجه ناقصاً، وإنما (٢) يسن له " الدم " خروجاً من خلاف من أوجبه. وقالت المالكية: لا يتحقق هذا الركن إلاّ بالوقوف جزءاً من الليل بعد الغروب، فإن مشهور مذهب مالك أنه لا بد من الوقوف جزءاً من الليل، فلو فاته بطل حجه ولا يكفي الوقوف نهاراً فقط، لقول ابن عمر: " من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج " أخرجه مالك (٣)، ولهذا قال في " القوانين الفقهية " (٤): " لا يدفع من عرفة إلاّ بعد غروب الشمس فإن دفع قبل الغروب فعليه العود ليلاً وإلّا بطل حجه. وأجاب الجمهور بأن مراد ابن عمر أن الحج يفوت بعدكم الوقوف بعرفة في وقته قبل طلوع فجر يوم النحر لا أنه يفوته بعدم الوقوف ليلاً لأنه أراد بذلك بيان آخر وقت الوقوف، لقول النَّبِيُّ ﷺ : " من شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع، ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى نسكه " قال: الترمذي حديث

стр. 929

٥٢٩ - " بَابُ السيرِ إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ " ٦٢٠ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: " أنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَيْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في حِجَّةِ الْوَدَاع حِينَ دَفَعَ ﷺ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ ". ــ صحيح (١). واستدل أحمد على أن الوقوت بعرفة يبدأ من طلوع فجر ذلك اليوم بعموم قوله ﷺ : " ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً " قال أحمد فإن لفظ الليل والنهار مطلق يشمل كل النهار والليل، وأجاب الجمهور عنه أن المراد بالنهار ما بعد الزوال لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين لم يقفوا إلّا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك (٢). والمطابقة: في قوله: " رأيت النبي واقفاً بعرفة ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. ٥٢٩ - " باب السير إذا دفع من عرفة " ٦٢٠ - معنى الحديث: أن أسامة ﵁ " سئل عن سير رسول الله ﷺ في حجة الوداع حَين دفع ﷺ " أي عندما أفاض من عرفات، " قال: كان يسير العنق " بفتح العين، أي: يسير سيراً متوسطاً، ولا يسرع، لئلا يضايق الناس، ويؤذيهم، وليكون قدوة لغيره، " فإذا وجد فجوة " أي طريقاً واسعاً فسيحاً " نصّ " أي أسرع في سيره، قال أبو عبيد: " النص تحريك الدابة حتى تستخرج أقصى ما عندها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل الحديث على مشروعية الالتزام بالهدوء والسكينة عند

стр. 930

٥٣٠ - " بَابُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ وِإشارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ " ٦٢١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄: أنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْراً شَدِيدَاً وَضَرْبَاً للإِبِلِ، فَأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وَقَالَ: " أيّهَا النَّاس عَلَيْكمْ بالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإِيضَاعِ ". ــ الإِفاضة من عرفة، والمحافظة على السير المتوسط والابتعاد عن السرعة وأن على إدارة المرور أن تقوم بواجبها في ذلك، وعلى الإِمام أن يسير أمام الناس ليكون قدوة لهم. والمطابقة: في قوله: " كان يسير العنق ". ٥٣٠ - " باب أمر النَّبِيُّ ﷺ بالسكينة عند الإِفاضة وإشارته إليهم بالسوط " ٦٢١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أنه دفع مع النَّبِيُّ ﷺ يوم عرفة " أي أفاض مع النَّبِيُّ ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، وشاهد حركة سيره بينهما قال: " فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً " أي فبينما النبي ﷺ ينظم حركة السير بين عرفة والمزدلفة، ويسير بينهم ويشرف عليهم إذا به يسمع خلفه ضجة وأصواتاً عاليةً " وضرباً للإِبل " أي ويرى الناس يضربون الإِبل لتسرع في سيرها " فأشار بسوطه إليهم " إشارة ينهاهم فيها عن السرعة الشديدة " وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة " أي بالهدوء وتخفيف السرعة، والتزام الرفق وعدم مزاحمة الآخرين ومسابقتهم، " فإن البِرَّ ليس بالإيضاع " أي فليست طاعة الله في سرعة السير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " عليكم بالسكينة ".

стр. 931

٥٣١ - " بَابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْل فَيَقِفُونَ بالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَدْعُونَ ويُقَدِّمُ إذَا غَابَ الْقَمَرُ " ٦٢٢ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْير ﵄: "أنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْع عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ فَقَامَتْ تُصَلِّي فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فارْتَحِلُوا، فارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا حَتَّى ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من السنة الالتزام عند الإِفاضة من عرفات بالهدوء والسكينة، وتخفيف السرعة، وتنفيذ قواعد المرور محافظة على سلامته وسلامة الآخرين. ثانياًًً: مشروعية تنظيم حركة المرور، لا سيما عند الإِفاضة من عرفات، وإشراف المسؤولين عليها، فقد كان ﷺ يتولى ذلك بنفسه، كما في حديث الباب. ٥٣١ - " باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر " ٦٢٢ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن كيسان مولى أسماء ﵂ " عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة " أي أنّها نزلت ليلة العيد بعد الإِفاضة من عرفات في مزدلفة فأحيت بعض الليل بالعبادة والصلاة، وهو معنى قوله: " فصلت ساعة " أي: بعض الوقت من الليل، " ثم قالت " لمولاها عبد الله بن كيسان: " هل غاب القمر؟ " تريد أن تتعرف بغياب القمر على أنّها قد صارت في الثلث الأخير من الليل، لأن غياب القمر ليلة العاشر من الشهر يكون فيه كما هو معروف "قال: لا، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قال: نعم،

стр. 932

رَمَتِ الْجَمْرةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ في مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهُ مَا أَرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، أَتالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أذِنَ لِلْظُّعُنِ". ٦٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فاسْتَأذَنت النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَةُ أن تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاس، وكانت امْرَأةٍ بطيئَةً فَأذنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاس، وأقَمْنَا ــ قالت فارتحلوا" أي فلما علمت بغياب القمر، وعرفت من ذلك أنهما صارت في الثلث الأخير من الليل أمرته بالنزول معها إلى مني " قال: فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة " أي رمت جمرة العقبة في آخر الليل قبل الفجر " ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه " بفتح الهاء وسكون النون أي يا هذه " ما أرانا إلّا قد غلسنا " أي تسرعنا في الرحيل من مزدلفة ورمي الجمرة بالليل، " قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظعن " بضم الظاء والعين، أي رخص لضعفه النساء مثلي في النزول من مزدلفة في آخر الليل قبل الفجر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود ومالك وأحمد والطبراني ". والمطابقة: في قولها ﵂: " أن رسول الله ﷺ أذن للظعن ". ٦٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: " نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي ﷺ سودة أن تدفع قبل حطمة (١) الناس، وكانت امرأة بطيئة " أي بطيئة الحركة لسِمَنِها وضخامة جسمها كما جاء ذلك في رواية أخرى للبخاري عن عائشة حيث قالت فيها: " وكانت ثقيلة ثبْطَةً " (بفتح الثاء وسكون الباء) أي: وكانت سودة امرأة ضخمة سمينة (٢) ثقيلة

стр. 933

حَتَّى أصْبَحنَا نَحْنُ، ثمَّ دفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فلان أكونَ اسْتَأذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأذَنَتْ. سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَّي مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ". ــ الحركة، بطيئة السير، فاستأذنت النبي ﷺ أن تنزل من مزدلفة آخر الليل قبل حطمة الناس - أي قبل شدة الزحام، لأن الزحام يشتد بعد الفجر، فأرادت أن تخلص من شدة الزحام بالنزول قبل الفجر، لأنّها من ضعفة النساء وأهل الأعذار. فلا تقدر على مزاحمة الناس لها، " فأذن لها " بالنزول في آخر الليل فنزلت قبل الفجر، " وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه "، أي نزلنا عند الإِسفار " فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحبُّ إلي من مفروح به " أي فلما رأيت شدة الزحامِ تمنيت لو كنت فعلت كما فعلت سودة، ولو أني استأذنت مثلها لسررت كثيراً ولفرحت فرحاً عظيماً بالتخلص من ذلك التعب الذي عانيناه من شدة الزحام. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها: " وكانت امرأة بطيئة فأذن لها ". فقه الحديثين: دل هذان الحديثان على ما يأتي: أولاً: أنه يرخُصُ لأهل الأعذار من النساء والصبيان والشيوخ بالنزول من مزدلفة بعد منتصف الليل، لقول أسماء ﵂: " أنّ رسول الله ﷺ أذن للظعن "، ولأنه ﷺ أذن لسودة بالنزول آخر الليل قبل الفجر. ثانياًًً: مشروعية الوقوف بمزدلفة لقول عائشة " نزلنا المزدلفة " ومشروعية المبيت فيها حتى الصباح لقولها: " وأقمنا حتى أصبحنا " أي حتى صلينا الصبح فيها: وهذا المبيت واجب يجبر بالدم، عند أحمد وأبي حنيفة وقالت الشافعية: الواجب التواجد فيها ولو لحظة في النصف الثاني من ليلة النحر، وقالت المالكية: الواجب النزول بمزدلفة ليلة النحر، قبل الفجر بمقدار حط الرحال، سواء كان ذلك أوّل الليل أو آخره. أما المبيت فهو سنة عند المالكية والشافعية. وسيأتي تفصيل ذلك في

стр. 934

٥٣٢ - " بَابُ صَلَاةِ الْفَجْرِ في الْمُزْدَلِفَةِ (١) " ٦٢٤ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ قَدِمَ جَمْعَاً فَصَلَّى الصَّلَاَتيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بأذانٍ وِإقَامة، والْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثم صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ وقائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلَع الْفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِنّ ــ الباب القادم فراجعه هناك. ثالثاً: قال العيني: استدل بحديث أسماء قوم على جواز الرمي قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر للذين يتقدمون قبل الناس، وهو قول عطاء وطاووس بن كيسان وسعيد بن جبير والشافعي، وقال عياض: مذهب الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل، ومذهب مالك أن الرمي يحل بطلوع الفجر، ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد أنها لا ترمى إلاّ بعد طلوع الشمس (٢) فإن رموها قبل ذلك أجزأهم وأساءوا. ٥٣٢ - " باب صلاة الفجر في المزدلفة " ٦٢٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الرحمن بن يزيد " عن عبد الله " ابن مسعود ﵁ " أنه قدم جمعاً " (بفتح الجيم وسكون الميم) اسم لمزدلفة سميت به لاجتماع الناس فيها، أي أنه وصل إلى مزدلفة، فنزل بها " فصلى الصلاتين " أي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، " كل صلاة وحدها بأذان وإقامة " أي كل واحدة منهما بأذان وإقامة مستقلة " والعَشاء بينها " أي وتناول ﵁ طعام العشاء بينهما، " ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع " أي صلّى الفجر

стр. 935

هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا في هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ، فلا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعَاً حَتَّى يُعْتِمُوا وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثمَّ وَقَفَ حتَّى أسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لو أنَّ أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أفَاضَ الآنَ أصَابَ السُّنَّةَ، فما أدْرِي أقَوْلُهُ: كَانَ أسْرَعَ أمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁؟ فلم يَزَلْ يُلبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ". ــ في وقت الغلس (١) حتى أن الناس - من شدة الظلام اختلفوا في طلوع الفجر وعدمه " ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب (٢) والعشاء " أي أن المغرب والعشاء غيرتا عن وقتهما، وذلك بتأخير المغرب إلى وقت العشاء " وصلاة الفجر هذه الساعة " أي بعد طلوع الفجر مباشرة، وقبل ظهوره للعامة لشدة الظلام، " ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين " عثمان ﵁ " أفاض الآن أصاب السنة " أي لو نزل الآن في وقت الإِسفار وقبل طلوع الشمس إلى مني لوافق سنة النبي ﷺ ، قال الراوى " فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان " أي فبادر عثمان ﵁ بالنزول حتى كأن نزوله سبق قول ابن مسعود ﵁. الحديث: أخرجه أيضاًً أحمد. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية المبيت في مزدلفة، والوقوف بها إلى الإِسفار، وهو واجب عند أحمد وأبي حنيفة (٣)

стр. 936

والثوري يجب الدم على من تركه، وقال مالك: المبيت بمزدلفة سنة لا واجب، والواجب النزول بها بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من الأكل والشرب فيها، فإذا لم ينزل بها فعليه دم. وقالت الشافعية: الواجب هو الحصول بها لحظة أو المرور بها وإن لم يمكث بها بعد نصف الليل (١)، وقضاء بقية الليل بها سنة فقط. ثانياًًً: أنه يسن الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير، وقد اختلفوا في الأذان والإِقامة لهما، فقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، لقول ابن عمر: " جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة " أخرجه مسلم، وقال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية: يقام لهما إقامتين ولا يؤذن لهما، لما جاء في حديث أسامة ﵁ " أنه ﷺ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً " أخرجه البخاري وأبو داود ومالك في " الموطأ " وقال مالك: يجمع بينهما بأذانين وإقامتين، لحديث الباب، والله أعلم. ثالثاً: أداء صلاة الفجر بالمزدلفة في وقت الغلس، وأنه يسن التبكير بها أوّل الوقت، وهو متفق عليه، وهذا ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " صلى الفجر حين طلع الفجر - وقائل يقول: لم يطلع ". ...

стр. 937

٥٣٣ - " بَابٌ مَتَى يَدفَعُ مِنْ جَمْعٍ " ٦٢٥ - عَنْ عُمَرَ ﵁: أنَّهُ صَلَّى بِجَمْعِ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ، أشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأن النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثم أفاضَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ". ــ ٥٣٣ - " باب متى يدفع من جمع " أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على وقت النزول من جمع - يعني من مزدلفة. ٦٢٥ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن ميمون " عن عمر ﵁ أنه صلى بجمع الصبح " فيقول كما في البخاري: شهدت عمر ﵁ صلّى بجمع الصبح، أي حضرت مع عمر ﵁، ورأيته بعيني وقد صلى في مزدلفة صلاة الصبح، " ثم وقف " أي ثم إنه لم يسارع بالنزول من مزدلفة بعد صلاة الصبح مباشرة، ولكنه وقف إلى وقت الإِسفار. " فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس " أي فلما حان وقت الإِسفار قال: إن المشركين كانوا لا ينزلون من مزدلفة إلى منى إلاّ بعد طلوع الشمس والتأكد من طلوعها وإشراقها " ويقولون: أشرِق " (بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الشين) فعل أمر " ثبير " بفتح الثاء وكسر الباء جبل في مزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، قيل: إنه أعظم جبال مكة وهو منادى بياء محذوفة " والمعنى " لتطلع عليك الشمس يا ثبير " وأن النَّبِيَّ ﷺ خالفهم " أي خالفهم في بقائهم بمزدلفة إلى طلوع الشمس فكان ﷺ ينزل في الإِسفار، " ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس " يحتمل أن يكون الفاعل

стр. 938

٥٣٤ - " بَابُ التَّلْبِيَةِ والتكبير غُدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يرمِي الْجمْرَةَ " ٦٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ــ عمر، أي ثم نزل عمر من مزدلفة في وقت الإِسفار وقبل طلوع الشمس، ويحتمل أن يكون الفاعل رسول الله ﷺ فيكون العطف على قوله خالفهم، وهو ما يقتضيه التركيب والسياق، وهو المعتمد ويؤكده ما جاء في رواية الثوري حيث قال فيها: " لمخالفتهم النَّبِيُّ ﷺ فأفاض " وفي رواية الطبري " وأن رسول الله ﷺ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس ". الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الإِفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس من يوم النحر. قال العيني: واختلفوا في الوقت الأفضل للإِفاضة، فذهب الشافعي إلى أنه إنما يستحب بعد كمال الإِسفار، وهو مذهب الجمهور لحديث جابر الطويل، حيث قال فيه: " فلم يزل ﷺ واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس ". وذهب مالك إلى استحباب الإِفاضة من المزدلفة قبل الإِسفار (١) ولكن قال خليل: " ووقوفه بالمشعر يكبر ويدعو للإِسفار " قال في " التوضيح ": ظاهر كلامه جواز التمادي بالوقوف إلى الإِسفار، وقال في " المدونة ": وإذا أسفر فلم يدفع الإِمام دفع الناس وتركوه. اهـ. ومعنى ذلك أن حد الوقوف بمزدلفة إلى الإِسفار، فإذا أسفر نزل فوراً. اهـ. هذا هو تحرير مذهب المالكية في المسألة، كما أفاده الحطاب. والمطابقة: في قوله: " ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس ". ٥٣٤ - " باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة " قال العيني: " أي هذا باب في بيان التلبية والتكبير غداة يوم النحر "

стр. 939

أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأخبَرَ الْفَضْلُ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ. ــ حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية الكشميهني " حين يرمي جمرة العقبة ". ٦٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: " أن النَّبِيَّ ﷺ أردف الفضل "، أي أنه ﷺ صلى الفجر في مزدلفة، وبقى بها حتى الإِسفار، ثم ركب راحلته متوجهاً إلى منى، وأردف الفضل بن العباس، أي أركبه خلفه بين مزدلفة ومنى، " فأخبر الفضل " أي: فحدثه الفضل عن تلبية الرسول ﷺ حديث شاهد عيان، وأخبره عما أبصره بعينه، وسمعه بأذنه، فذكر " أنه لم يزل " النبي ﷺ " يلبي حتى رمى جمرة العقبة "، أي أن النبي ﷺ استمر في التلبية ليلة عيد النحر وصبيحة يوم النحر إلى أن رمى جمرة العقبة، فلم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ مختلفة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يطلب من الحاج أن يستمر ملبياً حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يقطع التلبية، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النَّبِيُّ ﷺ وغيرهم أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والجمهور، أن الحاج مفرداً أو متمتعاً أو قارناً يقطع التلبية مع أول حصاة يَرْميها من جمرة العقبة لقول ابن مسعود ﵁: " رمقت النَّبِيَّ ﷺ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة " أخرجه البيهقي وفيه شريك وعامر بن شقيق، وقد وثقهما بعض المحدثين وضعفهما البعض الآخر، لكن جاء في رواية أخرى عن الفضل بن العباس " أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة " أخرجه الشيخان من حديث طويل. وقال مالك وسعيد بن

стр. 940

٥٣٥ - " بَابُ رُكُوبِ الْبُدنَ " ٦٢٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: " اركَبْهَا "، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةُ، فَقَالَ: " ارْكَبْهَا "، فَقَالَ: أنَّهَا بَدَنَة، فَقَالَ: " ارْكَبْهَا وَيْلَكَ! " في الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيةِ ". ــ المسيب: يلبي الحاج إلى زوال شمس يوم عرفة، وهو مروي عن علي وابن عمر وعائشة وجمهور فقهاء المدينة، لما رواه القاسم بن محمد عن عائشة " أنّها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف " أي بعرفة بعد الزوال، وما رواه جعفر بن محمد عن أبيه " أن علي بن أبي طالب كان يلبي في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية " أخرجهما مالك في " الموطأ " (١) وقال: ذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وأجيب بأن ترك علي وعائشة التلبية عند زوال الشمس يوم عرفة يحتمل أنه كان لاشتغالهما بالدعاء، والاستغفار، وأنهما عادا إلى التلبية بعد ذلك. والمطابقة: في كون الترجمة جزءاً من الحديث تقريباً. ٥٣٥ - "باب ركوب البدن " البدن: جمع بدنة وهي الواحد من الإِبل ذكراً كان أو أنثى، والمراد به الهدي (١). ٦٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ " أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة " أي يسوق أمامه بعيراً وهو ماش على قدميه " قال: اركبها " أي فأمره النَّبِيُّ ﷺ بركوبها، " قال: إنها بدنة " أي

стр. 941

٥٣٦ - " بَابُ من أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ " ٦٢٨ - عن المِسْوَرِ بْنِ مِخْرَمَةَ ومَرْوَانَ ﵄ قَالا: "خَرَجَ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ في بِضْعَ عَشْرةَ مِائَةٍ حتى إِذَا كانُوا بذِي الْحُليْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأَحرَمَ بِالْعُمْرَةِ ". ــ إنها بدنة مهداة إلى الكعبة فكيف أركب الهدي، " قال: اركبها ويلك " وأصل الويل العذاب الشديد، وهو غير مقصود، وإنما أراد النبي ﷺ أن يغلظ له في القول ليركبها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز ركوب الهدي مطلقاً لحاجة أو لغير حاجة وهو مذهب مالك. وقال أحمد والشافعي: يجوز عند الحاجة لحديث أنس " أن النَّبِيَّ ﷺ رأى رجلاً يسوق إبله وقد جهده المشي، قال: اركبها " أخرجه النسائي، وهو رواية عن مالك وقال أبو حنيفة: لا يركب الهدي إلاّ لضرورة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود النسائي. والمطابقة: في قوله: " قال: اركبها " حيث أمره ﷺ بركوب الهدي. ٥٣٦ - " باب من أشعر وقلد بذي الحليفة " ٦٢٨ - " عن المِسْوَر بن مِخرَمة " بكسر الميم وسكوِن الخاء وفتح الراء بن نوفل بن عبد مناف القرشي، ولد بعد الهجرة بسنتين، وروى اثنين وعشرين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد كُلٌّ منهما بواحد، وتوفي سنة أربع وستين من الهجرة. " ومروان بن الحكم " ابن أبي العاص، ولد بعد الهجرة بسنتين، وروى عن عثمان وعمر وعلي، ولم يصح له سماع من النبي ﷺ ، وقد كان من الفقهاء، تولى الخلافة نصف سنة، وتوفي سنة خمس وستين من الهجرة.

стр. 942

ومعنى الحديث: أن النَّبِيَّ ﷺ خرج من المدينة في عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه، وهو معنى قولهما: " في بضع عشرة مائة " والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، " حتى إذا كانوا بذي الحليفة " ميقات أهل المدينة، وكل من أتى إلى الحج ومرّ بالمدينة، فإنها كذلك ميقات له، يعني فلما وصل النَّبِيَّ ﷺ إلى الميقات المحدد شرعاً لأهل المدينة ومن مر عليها " قلّد النبي ﷺ الهدي " أي جعل في أعناق الهدي قلادة تميزه عن غيره، من جلد أو نعلين أو نحوها، قالوا: والحكمة في تعليق النعلين في عنقها أن العرب تعد النعل مركوبة للإنسان، لكونها تقي صاحبها، وتحمل عنه وعر الطريق. فكأن الذي أهدي خرج عن مركوبه لله تعالى، كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثَمَّ استحب نعلين لا واحدة عند الجمهور، واشترطه الثوري، وقال الجمهور تجريء الواحدة أو قطعة جلد، " وأشعره " أي شق الإبل المعدة للهدي من جانب سنامها الأيمن لتعرف أنها هدي. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أنه يسن تقليد الهدي، مطلقاً، وكره مالك وأبو حنيفة تقليد الغنم كما يسن إشعاره بأن تشق البدنة من جانب سنامها الأيمن لتعرف أنّها هدي، وهو مذهب الجمهور، وكرهه أبو حنيفة لأنّه مثلة. ثانياًً: أنّه يستحب تقليد الغنم في الاشعار من الميقات اتباعاً للنبي ﷺ ، قال الزرقاني: وفائدته الإعلام بأنّها هدي ليتبعها من يحتاج إلى ذلك. والمطابقة: في قوله: " حتى إذا كان بذي الحليفة قلّد الهدي وأشعره ". ***

стр. 943

٥٣٧ - " بَابُ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَاِئدَ بِيَدِهِ " ٦٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " أنَّهُ بَلَغَهَا أنَّ ابْنَ عَبَّاس ﵄ يَقُولُ مَنْ أهدَى هَدْيَاً حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ على الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْس كَمَا قَالَ ابن عَبَاس، أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيهِ، ثُمَّ بَعَثَ بَهَا مَعَ أبي، فَلَمْ يَحرُمْ على رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ ". ــ ٥٣٧ - " باب من قلد القلائد بيده " ٦٢٩ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يهدون إلى البيت من غير أن يحجوا، فسمعت عائشة أنّ ابن عباس ﵄ يقول: من قدم إلى البيت هدياً ولم يحج، يحرم عليه ما يحرم على الحاج من الطيب والنساء وحلق الشعر ونحوه حتى ينحر هديه بمنى، فنفت ذلك، وأكدت أنّه لا يحرم عليه شيء من ذلك، لأنّ النبي ﷺ أهدى إلى البيت ولم يحرّم على نفسه شيئاً، وقالت: مبالغة في تأكيد ذلك " أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولهم: " ثم قلدها بيده ". فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب للحاج أن يقلد هديه بيده، كما يستحب لغيره أن يهدي ولا يحرم عليه شيء.

стр. 944

٥٣٨ - " بَابُ تقْلِيدِ الْغنَمِ " ٦٣٠ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلَائِدَ للنَّبِيَّ ﷺ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويقيمُ في أهْلِه حَلَالاً ". ٥٣٩ - " بَابُ الْقَلَاِئدِ مِنَ الْعِهْنِ " ٦٣١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: " فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْن كَانَ عِنْدِي ". ــ ٥٣٨ - " باب تقليد الغنم " ٦٣٠ - معنى الحديث: أن عائشة تقول: "كنت أفتل (١) القلائد للنبي ﷺ " أي أضم خيوطها بعضها إلى بعض " فيقلد الغنم " أي يعلق القلائد في أعناق الغنم كما يقلد غيرها " ويقيم في أهله حلالاً " أي فلا يحرم على نفسه شيئاً من محظورات الإِحرام. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية تقليد الغنم، وأنّها تُقَلَّد كما يُقَلَّدُ غيرها من الإِبل والبقر وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة ومالك في المشهور عنه، حيث قالا بكراهته. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: " فيقلد الغنم ". ٥٣٩ - " باب القلائد من العهن " ٦٣١ - معني الحديث.: أن عائشة ﵂ تحدثنا أنّها فتلت قلائد هدي النَّبِيَّ ﷺ من " العهن " أي من الصوف المصبوغ ألواناً. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.

стр. 945

٥٤٠ - " بَابُ الجلالِ لِلْبُدنِ " ٦٣٢ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: " أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا ". ٥٤١ - " بَابُ ذَبْحِ الرَّجْلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ " ٦٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لا نُرَى ــ فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب القلائد من الصوف، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك وربيعة (١): الأولى أن تكون من نبات الأرض من الحلفاء وغيرها. والمطابقة: في قولها: " من العهن ". ٥٤٠ - " باب الجلال للبدن " ٦٣٢ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ ﷺ كسا البُدْنَ التي أهداها في حجة الوداع، فلما نحرها أمر علياً أن يتصَدَّقَ بهذه " الجلال " التي كساها بها. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يسن تجليل البدن بكساءٍ فوق ظهرها من أفخر الثياب وأغلاها، ثم التصدق به على الفقراء، كما يتصدق بجلودها ولحومها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: " أمرني أن أتصدق بجلالها ". ٥٤١ - " باب ذبح الرجل البقر عن نسائه " ٦٣٣ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ خرج في حجه من المدينة في

стр. 946

إلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ أن يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: ما هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أزْوَاجِهِ". ٥٤٢ - " بَابُ النَّحْرِ في منحر النَّبِيِّ ﷺ بِمِنَى " ٦٣٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ في الْمَنْحَرِ يَعْنِي مَنْحَرِ النَّبِيِّ ﷺ ". ــ اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وكان الصحابة محرمين بالحج، فأمرهم النبي ﷺ عند دخول مكة بالتمتع بالعمرة، فلما كان يوم النحر أهدى النبي ﷺ عن نسائه البقر. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز البقر في الهدي، وأنه يجوز للحاج أن يذبح عن نسائه كما يذبح عن نفسه دون أمرهن. ثانياًً: أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح أفضل، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً). ثالثاً: جواز الاشتراك في هدي التمتع والقران خلافاً لمالك، فقد ثبت ذلك في حديث الباب وغيره، فإن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، وهي رواية تفرد بها يونس إلّا أنه ثقة، وقد أخرجها أبو داود وأحمد وابن ماجة، وفي رواية عن أبي هريرة " أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن " أخرجه أبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " نحر عن أزواجه أي نحر عنهن البقر ". ٥٤٢ - " باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى " ٦٣٤ - معنى الحديث: كما قال الراوي عن ابن عمر: "أنه كان

стр. 947

٥٤٣ - " بَابُ نحْرِ الإبِلِ مُقَيَّدَةً " ٦٣٥ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِياماً مُقَيَّدَةً (١) سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ". ــ ينحر في المنحر" أي كان ابن عمر ﵄ يحرص كل الحرص على أن ينحر هديه في الموضع الذي نحر فيه النبي ﷺ ، ويواظب على ذلك ويداوم عليه كعادته ﵁ في جميع الأماكن التي لها علاقة بالنبي ﷺ . الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي بألفاظ. فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية نحر الهدي في منحر النبي ﷺ بمنى وهو مستحب لمن أمكنه ذلك، وليس بواجب لقوله ﷺ : " نحرت ها هنا ومنى كلها منحر " (٢). والمطابقة: في قوله: "كان ينحر في منحر النبي ﷺ ". ٥٤٣ - " باب نحر الإِبل مقيدة " ٦٣٥ - معنى الحديث: كما قال الراوي: " أن ابن عمر ﵄ رأى رجلاً أناخ بدنته " أي رأى رجلاً أقعد بعيره على الأرض لكي

стр. 948

٥٤٤ - " بَاب لَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنَ الْهَديِ شيْئَاً " ٦٣٦ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: " أمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ أقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أعْطِي عَليْهَا شَيْئَاً فِي جِزَارَتهَا ". ــ ينحره " فقال: ابعثها قياماً مقيدة " أي أوقفها مقيدة مربوطة اليد اليسرى، ثم انحرها قائمة " سنة محمد ﷺ " أي فإن تلك هي سنة محمد رسول الله ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة نحر الإِبل قائمة معقولة اليد اليسرى كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " ابعثها قياماً ". ٥٤٤ - " باب لا يعطى الجزار من الهدي شيئاً " ٦٣٦ - معنى الحديث: يقول علي ﵁: " أمرني النبي ﷺ أن أقوم على البدن " أي وكّلني النبي ﷺ وأنابني عنه في القيام بنحر البدن التي أهداها إلى البيت وأن أتولى نحرها، وأقوم بتوزيع لحمها وكانت مائة " ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها " أي ولا أعطي الجزار شيئاً من لحمها على أنه أجرة له على ذبحها وسلخها، وفي رواية أبي داود " ونحن نعطيه من عندنا ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز أن يُعطى الجزار أجرة عمله من الهدي، أما إذا أُعطي أجرته كاملة وكان فقيراً فتصدق عليه فلا بأس. والمطابقة: في قوله: " ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها ". ***

стр. 949

٥٤٥ - " بَابُ مَا يَأكُلُ مِنَ الْبُدنِْ وَما يَتَصَدَّقُ " ٦٣٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا لا نَأكلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنىً، فَرَخَّصَ لنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأكلْنَا وَتَزَوَّدْنَا ". ــ ٥٤٥ - " باب ما يأكل من البدن وما يتصدق " ٦٣٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى " أي كانت قد نزلت بالناس " دافة " أي قحط ومجاعة فأمرهم النبي ﷺ أن لا يأكلوا من لحوم الهدي والأضاحي سوى أيّام منى الثلاث، وما زاد عن ذلك يوزع على الفقراء لسد حاجتهم ومواساتهم في محنتهم، ومد يد المعونة لهم، " فرخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا " أي فلما زالت تلك المجاعة، وتحسنت أحوال الناس، أجاز لنا ﷺ أن نتصرف في الهدي والأضاحي بالأكل والتزود والادخار منها، فقال: " كلوا وتزودوا ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الأكل من الهدي، وهو مصداق قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). واختلفوا فيما يؤكل منه من الهدي، فقال مالك: يؤكل ما عدا الفدية وجزاء الصيد وما نذر للمساكين، وما عطب من هدي التطوع. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز الأكل من هدي التمتع والقران والتطوع، وهو المعتمد، وقال الشافعي: لا يؤكل إلاّ من هدي التطوع. ولا حد لما يؤكل اتفاقاً. والمطابقة: في قوله ﷺ : " وتزودوا ".

стр. 950

٥٤٦ - " بَابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ " ٦٣٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ رَجُل للنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ: " لَا حَرَج "، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ! قَالَ: " لا حَرَجَ "، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي: قَالَ: " لا حَرَج ". ــ ٥٤٦ - " باب الذبح قبل الحلق " ٦٣٨ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قال رجل للنبي ﷺ : زرت قبل أن أرمي " أي طفت طواف الإِفاضة قبل رمي جمرة العقبة فقدَّمت الطواف على الرمي، " قال: لا حرج "، أي لا مانع من تقديم بعض المناسك على بعض ولا إثم ولا فدية " قال: حلقت قبل أن أذبح " أي قدمت الحلق على الذبح وخالفت الترتيب الشرعي المطلوب الذي يقتضي تقديم الذبح على الحلق " قال: لا حرج " عليك في مخالفة هذا الترتيب ما دمت قد فعلت ذلك ناسياً أو جاهلاً، " قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج " فبين النَّبِيَّ ﷺ للسائل أنه لو خالف الترتيب الشرعي بين هذه الأعمال، وقدم بعضها على بعض ناسياً أو جاهلاً لا إثم عليه ولا فدية. فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الترتيب الشرعي بين أعمال يوم النحر على النحو الآتي: رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة أو الزيارة كما سماه في الحديث، وعلى أن النحر أو الذبح قبل الحلق كما ترجم له البخاري، وقد اتفق فقهاء الإِسلام على مشروعية هذا الترتيب، إلاّ أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واوجب أو مستحب. فذهب النخعي والحسن البصري وقتادة إلى أن الترتيب بينها واجب (١) فمن قدم وأخر شيئا ناسياً أو
следующие страницы →