إلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ أن يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: ما هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أزْوَاجِهِ".
٥٤٢ - " بَابُ النَّحْرِ في منحر النَّبِيِّ ﷺ بِمِنَى "
٦٣٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
" أنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ في الْمَنْحَرِ يَعْنِي مَنْحَرِ النَّبِيِّ ﷺ ".
ــ
اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وكان الصحابة محرمين بالحج، فأمرهم النبي ﷺ عند دخول مكة بالتمتع بالعمرة، فلما كان يوم النحر أهدى النبي ﷺ عن نسائه البقر. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: جواز البقر في الهدي، وأنه يجوز للحاج أن يذبح عن نسائه كما يذبح عن نفسه دون أمرهن.
ثانياًً: أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح أفضل، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً). ثالثاً: جواز الاشتراك في هدي التمتع والقران خلافاً لمالك، فقد ثبت ذلك في حديث الباب وغيره، فإن رسول الله ﷺ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، وهي رواية تفرد بها يونس إلّا أنه ثقة، وقد أخرجها أبو داود وأحمد وابن ماجة، وفي رواية عن أبي هريرة " أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن " أخرجه أبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: " نحر عن أزواجه أي نحر عنهن البقر ".
٥٤٢ - " باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى "
٦٣٤ - معنى الحديث: كما قال الراوي عن ابن عمر: "أنه كان
стр. 947
٥٤٣ - " بَابُ نحْرِ الإبِلِ مُقَيَّدَةً "
٦٣٥ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄:
" أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِياماً مُقَيَّدَةً (١) سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ".
ــ
ينحر في المنحر" أي كان ابن عمر ﵄ يحرص كل الحرص على أن ينحر هديه في الموضع الذي نحر فيه النبي ﷺ ، ويواظب على ذلك ويداوم عليه كعادته ﵁ في جميع الأماكن التي لها علاقة بالنبي ﷺ . الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي بألفاظ.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية نحر الهدي في منحر النبي ﷺ بمنى وهو مستحب لمن أمكنه ذلك، وليس بواجب لقوله ﷺ : " نحرت ها هنا ومنى كلها منحر " (٢). والمطابقة: في قوله: "كان ينحر في منحر النبي ﷺ ".
٥٤٣ - " باب نحر الإِبل مقيدة "
٦٣٥ - معنى الحديث: كما قال الراوي: " أن ابن عمر ﵄ رأى رجلاً أناخ بدنته " أي رأى رجلاً أقعد بعيره على الأرض لكي
стр. 948
٥٤٤ - " بَاب لَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنَ الْهَديِ شيْئَاً "
٦٣٦ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:
" أمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ أقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أعْطِي عَليْهَا شَيْئَاً فِي جِزَارَتهَا ".
ــ
ينحره " فقال: ابعثها قياماً مقيدة " أي أوقفها مقيدة مربوطة اليد اليسرى، ثم انحرها قائمة " سنة محمد ﷺ " أي فإن تلك هي سنة محمد رسول الله ﷺ . الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة نحر الإِبل قائمة معقولة اليد اليسرى كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: " ابعثها قياماً ".
٥٤٤ - " باب لا يعطى الجزار من الهدي شيئاً "
٦٣٦ - معنى الحديث: يقول علي ﵁: " أمرني النبي ﷺ أن أقوم على البدن " أي وكّلني النبي ﷺ وأنابني عنه في القيام بنحر البدن التي أهداها إلى البيت وأن أتولى نحرها، وأقوم بتوزيع لحمها وكانت مائة " ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها " أي ولا أعطي الجزار شيئاً من لحمها على أنه أجرة له على ذبحها وسلخها، وفي رواية أبي داود " ونحن نعطيه من عندنا ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز أن يُعطى الجزار أجرة عمله من الهدي، أما إذا أُعطي أجرته كاملة وكان فقيراً فتصدق عليه فلا بأس. والمطابقة: في قوله: " ولا أعطي عليها شيئاً في جزارتها ".
***
стр. 949
٥٤٥ - " بَابُ مَا يَأكُلُ مِنَ الْبُدنِْ وَما يَتَصَدَّقُ "
٦٣٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
كُنَّا لا نَأكلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنىً، فَرَخَّصَ لنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأكلْنَا وَتَزَوَّدْنَا ".
ــ
٥٤٥ - " باب ما يأكل من البدن وما يتصدق "
٦٣٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: " كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى " أي كانت قد نزلت بالناس " دافة " أي قحط ومجاعة فأمرهم النبي ﷺ أن لا يأكلوا من لحوم الهدي والأضاحي سوى أيّام منى الثلاث، وما زاد عن ذلك يوزع على الفقراء لسد حاجتهم ومواساتهم في محنتهم، ومد يد المعونة لهم، " فرخص لنا النبي ﷺ فقال: كلوا وتزودوا " أي فلما زالت تلك المجاعة، وتحسنت أحوال الناس، أجاز لنا ﷺ أن نتصرف في الهدي والأضاحي بالأكل والتزود والادخار منها، فقال: " كلوا وتزودوا ". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الأكل من الهدي، وهو مصداق قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). واختلفوا فيما يؤكل منه من الهدي، فقال مالك: يؤكل ما عدا الفدية وجزاء الصيد وما نذر للمساكين، وما عطب من هدي التطوع. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز الأكل من هدي التمتع والقران والتطوع، وهو المعتمد، وقال الشافعي: لا يؤكل إلاّ من هدي التطوع. ولا حد لما يؤكل اتفاقاً. والمطابقة: في قوله ﷺ : " وتزودوا ".
стр. 950
٥٤٦ - " بَابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ "
٦٣٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
قَالَ رَجُل للنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ: " لَا حَرَج "، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ! قَالَ: " لا حَرَجَ "، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي: قَالَ: " لا حَرَج ".
ــ
٥٤٦ - " باب الذبح قبل الحلق "
٦٣٨ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قال رجل للنبي ﷺ : زرت قبل أن أرمي " أي طفت طواف الإِفاضة قبل رمي جمرة العقبة فقدَّمت الطواف على الرمي، " قال: لا حرج "، أي لا مانع من تقديم بعض المناسك على بعض ولا إثم ولا فدية " قال: حلقت قبل أن أذبح " أي قدمت الحلق على الذبح وخالفت الترتيب الشرعي المطلوب الذي يقتضي تقديم الذبح على الحلق " قال: لا حرج " عليك في مخالفة هذا الترتيب ما دمت قد فعلت ذلك ناسياً أو جاهلاً، " قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج " فبين النَّبِيَّ ﷺ للسائل أنه لو خالف الترتيب الشرعي بين هذه الأعمال، وقدم بعضها على بعض ناسياً أو جاهلاً لا إثم عليه ولا فدية.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الترتيب الشرعي بين أعمال يوم النحر على النحو الآتي: رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة أو الزيارة كما سماه في الحديث، وعلى أن النحر أو الذبح قبل الحلق كما ترجم له البخاري، وقد اتفق فقهاء الإِسلام على مشروعية هذا الترتيب، إلاّ أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واوجب أو مستحب. فذهب النخعي والحسن البصري وقتادة إلى أن الترتيب بينها واجب (١) فمن قدم وأخر شيئا ناسياً أو
стр. 951
عامداً فقد ترك واجباً، ولزمه دم (١) لحديث أنس " أن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه، ثم أخذ بشقه الأيسر فحلقه فدفعه إلى أبي طلحة ". أخرجه مسلم وأبو داود والبيهقي، ولقول ابن عباس ﵄: " من قدم شيئاً من حجه، أو أخر فليهرق لذلك دماً "، أخرجه الطحاويُّ وابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم (٢).
وقال الشافعي وأحمد وعطاء وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق: الترتيب بين أعمال يوم النحر سنة فقط فإن قدّم وأخّر فلا شيء عليه، سواء فعل ذلك عالماً أو جاهلاً ناسياً أو عامداً، واستدلوا بحديث الباب، لأنه ﷺ لما سئل عن الطواف قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، والذبح قبل الرمي، قال: " لا حرج " فإنه صريح في أنه لا حرج في ترك الترتيب، ولا دم، ولا إثم فيه (٣)، ولا شيء على من خالفه مطلقاً في عموم الأحوال قال الطبري: لم يسقط النبي ﷺ الحرج إلاّ وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة. اهـ. وأيضاًً لو كان الترتيب واجباً لأمره بالفدية. ومما يؤكد أيضاًً عدم وجوبه ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " من قدم من نسكه شيئاً أو أخره فلا شيء عليه " أخرجه البيهقي. وفي رواية عن الإِمام أحمد. أنّه فرق بين الناسي والجاهل وغيرهما فقال: إن ترك الترتيب ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن تركه عامداً عالماً وجب عليه دم (٤)، وهذا القول وإن كان مخالفاً للقياس والقاعدة العامة، لأن من ترك واجباً وجب عليه دم مطلقاً ناسياً كان أو عامداً، جاهلاً أو عالماً، ولأن الجهل والنسيان
стр. 952
لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه (١) في الحج إلاّ أنه يدعمه الحديث النبوي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: " سمعت النَّبِيَّ ﷺ يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال ارم ولا حرج " أخرجه الشيخان. فإن قوله: " ولم أشعر فحلقت قبل أن أذبح " معناه أن السائل قدم وأخر ناسياً، فقال له النبي ﷺ " لا حرج عليك " فيما فعلت، لأنه فعله ناسياً ولم يشعر بما وقع منه فعلَّق النبي ﷺ حكمه برفع الحرج عنه على كونه لم يشعر بما وقع منه، ومفهومه أنه لو شعر بذلك وتعمده لكان عليه الحرج ولو جبت عليه الفدية فهذا نص صريح على أن الفدية لا تجب على من خالف الترتيب ناسياً، ومفهومه أنّه لو خالفه -عامداً- لوجبت عليه وما دام قد ورد النص بذلك، فإنه لا يلتفت إلى القياس، لأنّه لا قياس مع النص. " أما المالكية " فإنّهم فرقوا بين هذه الأعمال فقالوا: الترتيب واجب بين رمي جمرة العقبة وبين الحلق والإِفاضة، فلو قدم أحدهما على الرمي لَوَجَبَ عليه دم (٢)، ومستحب بين الرمي والنحر، وبين النحر والحلق وبينها -أي بين النحر والحلق- وبين طواف الإفاضة، فمن نحر قبل الرمي أو حلق قبل النحر، أو طاف قبل الحلق، أو طاف قبل النحر فقد ترك مستحباً ولا دم عليه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في إجابته للسائل عن الحلق قبل الذبح، بقوله: " لا حرج " فإنه يدل على أن تقديم الذبح على الحلق مستحب وإلّا لترتب الحرج على من حلق قبل أن يذبح، وهو ما ترجم له البخاري.
...
стр. 953
٥٤٧ - " بَابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ "
٦٣٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
" حَلَقَ رَسُولُ اللهَ ﷺ في حَجَّتِهِ ".
٦٤٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ "، قَالُوا: والْمُقَصِّرينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ "، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " والْمُقَصِّرينَ ".
٦٤١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أنَّهُ قَالَ:
" اغْفِرْ بَدَلَ ارْحَمْ، قَالَهَا ثَلَاثاً، قال: ولِلْمُقَصِّرينَ ".
ــ
٥٤٧ - " باب الحلق والتقصير عند الإِحلال "
٦٣٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " حلق رسول الله ﷺ " شعر رأسه كله بعد أن انتهى من الرمي والنحر " في حجته " أي: في حجة الوداع، كما جاء في رواية أخرى عن أنس " أنه ﷺ أتى جمرة العقبة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، وقال للحلاق: " خذ " وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس " أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: " حلق رسول الله ﷺ ".
٦٤٠ - معنى الحديث: أنّ النَّبِيَّ ﷺ دعا بالرحمة للمحلقين مرتين، وللمقصرين مرة واحدة، وذلك دليل على فضل الحلق على التقصير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
٦٤١ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ ﷺ دعا بالمغفرة للمحلقين ثلاثاً،
стр. 954
٦٤٢ - عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ:
قصرت عنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بمِشْقَصٍ.
٥٤٨ - " بَابُ رَمْي الجِمَارِ "
٦٤٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
" أنَهُ سَألهُ رَجُلٌ: مَتَى أرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارمِهْ، فَأعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْألةَ، قَالَ: كُنَّا نتحيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا ".
ــ
وللمقصرين مرة. الحديث: أخرجه الشيخان. ومطابقة الحديثين للترجمة: في كونه ﷺ دعا للمحلقين والمقصرين معاً.
٦٤٢ - معنى الحديث: يقول معاوية ﵁: " قصرت عن رسول الله ﷺ " أي قصرت له شعره وذلك عند تحلله من عمرة الجعرانة " بمشقص " وهو نصل عريض يرمى به الوحش. والمطابقة: في قوله: " قصرت عن رسول الله ﷺ ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.
فقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على مشروعية الحلق والتقصير، وكونهما من واجبات الحج التي تجبر بالدم، كما دلت على أنّ الحلق أفضل لكونه ﷺ دعا للمحلقين بالرحمة مرتين، وبالمغفرة ثلاثاً ودعا للمقصرين مرة واحدة.
٥٤٨ - " باب رمي الجمار "
٦٤٣ - معنى الحديث: أن رجلاً سأل ابن عمر ﵄: عن وقت رمي الجمار الثلاث عدا جمرة العقبة " قال: إذا رمى إمامك فارمه " بهاء السكت أي إذا رمى أمير الحج فارم جمارك، وذلك لأنه خشي أن يخالف، فتحدث فتنة مع أن الأمر واسع "وأعاد عليه المسألة قال: كنا نتحين فإذا
стр. 955
٥٤٩ - " بَابُ رَمْي الْجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي "
٦٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
أنَّهُ رَمَى مِنْ بَطنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: أنَّ نَاساً يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: " وَالَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ".
ــ
زالت الشمس رمينا" أي نترقب زوال الشمس فنرمي عند الزوال. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود. والمطابقة: في قوله: " فإذا زالت الشمس رمينا ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية رمي الجمار الثلاث، وهي واجبة عند الجمهور، وأن وقتها من الزوال إلى الغروب، لقوله: " فإذا زالت الشمس رَمَيْنا " وعن ابن عباس ﵄ " أن النَّبِيَّ ﷺ رمى الجمار عند زوال الشمس أو بعد زوال الشمس " أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي، وتأخيره إلى الليل جائز مع الكراهة اتفاقاً، أما تقديمه قبل الزوال فلا يجوز عند الجمهور، فإن رماها قبله أعادها، فإذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فات الرمي اتفاقاً، ويجبر بالدم، كما أفاده العيني، فإنْ تركها كلها أو بعضها أو واحدة منها عليه دم، وقال أبو حنيفة: إن تركها كلها عليه دم، وإن ترك واحدة فصاعداً فعلى كل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن تبلغ دمَّا يترك الجميع، إلاّ جمرة العقبة، فمن تركها فعليه دم، وقال الشافعي: في الحصاة مد، وفي الحصاتين مدان.
٥٤٩ - " باب رمي الجمار (١) من بطن الوادي "
٦٤٤ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ كان يرمي جمرة العقبة من أسفل الوادي فيجعل مكة عن يساره ويستقبل الجمرة، فقيل
стр. 956
٥٥٠ - " بَابُ رَمْي الْجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ "
٦٤٥ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
" أنَّهُ انتهَى إلى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَل الْبَيْتَ عَنْ يِسَارِهِ، ومِنىً عَنْ يَمِينهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ ".
ــ
له: إن بعض الناس يصعد الجبل ويرميها، فأقسم على أنّ هذا المكان هو الذي رمى منه رسول الله ﷺ ، وهو معنى قوله: " هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة " وخصها بالذكر لتضمنها معظم أحكام الحج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية رمي جمرة العقبة وهو واجب اتفاقاً، من تركه فعليه دم، ووقتها المستحبُّ من طلوع الشمس إلى الزوال، وإن أخّرها إلى الليل، فقال مالك: عليه دم، وإن أخّرها إلى الغد فعليه دم عند مالك وأبي حنيفة خلافاً للشافعي، وأما تقديمها فقد أجاز أحمد والشافعي رميها بعد نصف ليلة النحر خلافا لمالك وأبي حنيفة، كما أفاده ابن رشد. ثانياًً: أن السنة رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، سواء كان ذلك من أعلاها أو أسفلها أو وسطها فالأمر واسع. والمطابقة: في قوله: " رمى من بطن الوادي ".
٥٥٠ - " باب رمي الجمار بسبع حصيات "
٦٤٥ - معنى الحديث: أنّ ابن مسعود ﵁ " انتهى إلى الجمرة الكبرى " أي بلغ جمرة العقبة ووصل إليها فوقف عن يمين الكعبة المشرفة " جعل البيت عن يساره " أي جعل الكعبة عن يساره " ورمى بسبع " أي
стр. 957
٥٥١ - " بَابُ إذَا رَمَى الْجَمْرَتيْنِ يَقُومُ مُسْتقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُسْهِلُ "
٦٤٦ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄:
"أنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبر على إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمَ حَتَّى يُسهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلاً، ويدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيه، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطىَ، ثم يَأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ،
ــ
بسبع حصيات، " وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة " أي هكذا رمى نبينا ﷺ الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وإنما ذكر هذه السورة بالذات لاشتمالها على معظم أحكام الحج.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن عدد حصيات الرمي سبع حصيات. ولا تجزىء ست، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأحمد وعطاء، كما يستفاد منه استحباب جعل الكعبة عن يسار الحاج عند رمى جمرة العقبة، أما عند رمي بقية الجمرات، فإنه يستحب استقبال القبلة. واختلفوا فيمَنْ ترك حصاة فأكثر، فقال مالك: عليه دم، وقال الشافعي: في الواحدة مدٌ، وفي الاثنتين مدين، وفي الثلاثة دم. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: " رمي بسبع ".
٥٥١ - " باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل "
٦٤٦ - معنى الحديث: يحدثنا سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه " أنه كان يرمي الجمرة الدنيا " أي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، " ثم يكّبر على إثر كل حصاة " أي بعد كل حصاة " ثم يتقدم حتى يسهل " بضم الياء وسكون السين، أي يتقدم حتى ينزل إلى السهل من بطن الوادي " فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه " أي فيقف وقوفاً
стр. 958
فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو، ويَرْفَعُ يَدَيْه، وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطنِ الْوَادِي، ولا يقفُ عِنْدَهَا، ثمَّ ينْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأيْتُ النَّبِي ﷺ يَفْعَلُهُ".
٥٥٢ - " بَابُ طَوافِ الْوَدَاعَ "
٦٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:
" أمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالْبَيْت، إلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عنِ الحَائِضِ ".
ــ
طويلاً في بطن الوادي متوجهاً إلى القبلة ضارعاً إلى الله بخالص الدعاء، " ثم يرمي الوسطى " أي الجمرة الوسطى، " ثم يأخذ ذات الشمال " أي يتقدم قليلاً إلى الجانب الأيسر، " ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو ويرفع يديه "، أي: فيصنع عند الجمرة الوسطى كما صنع عند الأولى من الوقوف واستقبال القبلة؛ والدعاء؛ ورفع اليدين عند الدعاء " ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها " كما صنع عند الجمرتين السابقتين، " ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل " أي مثل هذا الفعل رأيت رسول الله ﷺ يفعل في رمي الجمرات الثلاث. الحديث: أخرجه البخاري.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى والوسطى مستقبلاً القبلة، ضارعاً بالدعاء رافعاً يديه.
ثانياًًً: أن الرمي يكون بسبع حصيات. ثالثاً: استحباب التكبير إثر كل حصاة. والمطابقة: في قوله: " فيقوم مستقبل القبلة ".
٥٥٢ - " باب طواف الوداع "
٦٤٧ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: "أمر
стр. 959
٥٥٣ - " بَاب مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بالأبْطَحِ "
٦٤٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
" أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ والْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بالْمحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ ".
ــ
الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت" أي أمر النَّبِيَّ ﷺ الحجاج أن يكون آخر نسكهم بمكة الطواف بالكعبة طواف الوداع، وفي رواية: " لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت "، " إلاّ أنه خفف عن الحائض "، أي: إلاّ أن الله أراد التخفيف والتيسير على الحائض فرفع عنها طواف الوداع، ورخَّصَ لها في تركه وفي مغادرة مكة بدونه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: استدل به الجمهور على وجوب طواف الوداع على الحاج، قالوا: ويؤكد ذلك قول عمر ﵁: " فإن آخر النسك الطواف بالبيت، فهو واجب يلزم من تركه الدم إلاّ أنه يسقط عن الحائض والنفساء، وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء على تاركه. والمطابقة: في قوله: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ".
٥٥٣ - " باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح ".
٦٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵂ عن النبي ﷺ أنه صلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمُحَصَّبِ " وهو الأبطح أو البطحاء التي بين مكة ومنى " والمعنى " أنّ النبي ﷺ عجَّل برمي الجمار في اليوم الثالث فرمى عند الزوال مباشرة، ونفر إلى مكة، فنزل بالمحصب أو الأبطح وصلّى به الظهر والعصر المغرب والعشاء "ثم ركب إلى البيت
стр. 960
٥٥٤ - " بَابٌ إِذَا حَاضَتِ الْمَرأةُ بَعْدمَا أفَاضَتْ "
٦٤٩ - " عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال:
"رخِّصَ للْحَائِضِ أن تَنْفِرَ إذَا أفَاضَتْ، قالَ: وسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِنَّهَا لا تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمعتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ".
ــ
فطاف به " طواف الوداع. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " إنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب النزول بالمحصب يوم النفر وهو مذهب الجمهور، والحكمة فيه شكر الله تعالى على نصر نبيّه ﷺ على أعدائه الذين حاصروه فيه مع بني هاشم قصداً لإظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، كما أفاده ابن القيم.
٥٥٤ - " باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت "
٦٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رخص للحائض، إذا حاضت بعد طواف الإفاضة، ولم تطف طواف الوداع أن تسافر دون طواف الوداع، وقد كان ابن عمر يفتي بأنه لا يجوز لها أن تسافر حتى تظهر وتطوف، ثم رجع عن ذلك حين بلغه هذا الحديث.
الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إن النَّبِيَّ ﷺ رخص للحائض أن تنفر ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمالك حيث، قال: إنه سنة لا دم فيه.
стр. 961
٥٥٥ - " بَابُ الْمُحَصَّبِ "
٦٥٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵁ عَنْهُمَا قَالَ:
" لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِل نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ".
٥٥٦ - " بَابُ مَنْ نزَلَ بِذِي طُوَى إذَا رجَعَ مِنْ مَكَّةَ "
٦٥١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
" أنَّهُ كَانَ إذَا أقْبَلَ باتَ بِذِي طَوَى، حَتَّى إذَا أصْبَحَ دَخَلَ، وإذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طَوَى، وباتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وكانَ. يَذْكُرُ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ".
ــ
٥٥٥ - " باب المحصب "
٦٥٠ - معنى الحديث: أن النزول بالمحصب أو ما يسمى الأبطح -كما يرى ابن عباس ﵄ ليس من مناسك الحج ولا من السنن.
الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: " ليس التحصيب بشيء ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن النزول بالمحصب عند النزول من منى ليس من المناسك، ولا من السنن، وهو مذهب ابن عباس وعائشة وعروة ﵃، حيث قالوا: " إن النبي ﷺ نزل به اتفاقاً، وقال الأئمة الأربعة النزول به سنة اقتداءً بالنبي ﷺ ، وقد كان أبو بكر وعمر وابن عمر ينزلون به ". اهـ. كما في " تكملة المنهل العذب " ج ١.
٥٥٦ - " باب من نزل بذي طوى (١) إذا رجع من مكة "
٦٥١ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ كان ينزل بذي
стр. 962
طوى ويبيت فيها عند قدومه إلى مكة وخروجه منها، وهو موضع في الزاهر غربي مكة، وقد كان ابن عمر يحدث أن النَّبِيَّ ﷺ كان يفعل ذلك.
الحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله: " وإذا نفر مر بذي طوى ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب النزول بذى طوى والمبيت به عند القدوم إلى مكة وعند الخروج منها، وهو ما ترجم له البخاري. كما يستحب أداء صلاة الصبح فيه وليس ذلك من مناسك الحج اتفاقاً. أما الغسل عند دخول مكة فقد استحبه الجمهور مطلقاً حتى للحائض والنفساء، وقال مالك: إنما يستحب لغيرهما.
***
стр. 963
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" أبوَابُ الْعُمْرَةِ "
٥٥٧ - " وُجُوبُ الْعُمْرَةِ وَفضلُهَا "
٦٥٢ - وقال ابْنُ عُمَرَ ﵄:
" لَيْسَ أحَدٌ إلَّا وعَلَيْهِ حَجَّة وعُمْرَة ".
ــ
" أبواب العمرة "
أي هذه أبواب أحكام العمرة وأركانها ومواقيتها، وكل ما يتعلق بها ثم قال:
٥٥٧ - " وجوب العمرة وفضلها "
وذكر بعض الآثار والأحاديث الدالّة على وجوبها وفضلها منها.
٦٥٢ - " قول ابن عمر ﵄: ليس أحدٌ إلاّ وعليه حجة وعمرة ".
ومعنى هذا الأثر: ما من مسلم بالغ قادر مستطيع إلاّ وتجب عليه العمرة كما يجب عليه الحج، وقد جاء التصريح بالوجوب في رواية أخرى عن ابن عمر أنه كان يقول: " ليس من خلق الله تعالى أحدٌ إلاّ وعليه حجة (١) وعمرة واجبتان " أخرجه ابن أبي شيبة، وقيد الوجوب بالاستطاعة في رواية ابن جريج عن نافع فقال: من استطاع إليه سبيلاً، فمن زاد على هذا فهو
стр. 964
٦٥٣ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْعُمْرَةُ إلى الْعُمْرَةِ كَفَّارَة لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ المبرورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةُ ".
ــ
تطوع وخير" أخرجه ابن خزيمة والحاكم، وفي رواية: " الحج والعمرة فريضتان ". أخرج هذا الأثر: أيضاًً ابن أبي شيبة والحاكم وابن خزيمة بألفاظ مختلفة متقاربة.
فقه هذا الأثر: دل هذا الأثر على وجوب العمرة مرة واحدة في العمر، وأنها فرض كالحج، وهو مذهب الشافعي وأحمد لما في هذا الأثر من الدلالة على وجوبها، ولأن الله عطفها على الحج (١) في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) والمعطوف على الفرض فرض، وهو المعتمد. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: " لا، وأن تعتمروا هو أفضل "، أخرجه أحمد والترمذي وفي سنده الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف كما قال الحافظ في " الفتح ". والمطابقة: في قوله: " إلاّ وعليه حجة وعمرة ".
٦٥٣ - معنى الحديث: يقول ﷺ : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " أي إذا تكررت العمرة فجاءت عمرة أخرى بعد العمرة الأولى كانت العمرتان سبباً في تكفير السيئات والذنوب التي تقع بينهما، ومحوها من كتاب الحفظة، وإسقاط العقوبة عليها، وعدم المؤاخذة بها يوم القيامة. ثم بين ﷺ فضل الحج فقال: " والحج المبرور ليس في جزاء إلاّ الجنة "، يعني أن الحج الكامل المستوفي لشروطه وأركانه وسننه ومستحباته، الخالص لوجه الله تعالى، المنفق عليه من مال حلال، ليس له ثواب عند الله يوم القيامة إلاّ الفوز بالجنة
стр. 965
٥٥٨ - " بَابُ مَنِ اعْتَمَرَ قبْلَ أنْ يَحُجَّ "
٦٥٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ قبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لا بَأسَ، وقَالَ: " اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أن يَحُجَّ ".
ــ
والنجاة من النار. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷺ : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما "، حيث دل على فضل العمرة، وهو الجزء الثاني من الترجمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على فضل العمرة وأثرها العظيم في تكفير السيئات، ومحوها من كتاب الحفظة، وقد رجح الباجي أنها تكفر الصغائر والكبائر لعموم قوله: " كفارة لما بينهما ". ثانياًً: استحباب مواصلة الاعتمار مرة بعد أخرى لما في قوله: " كفارة لما بينهما " من الترغيب في الإكثار منها ليتكرر الغفران بتكررها، واختلفوا هل يجوز تكرارها في العام الواحد، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، وقد اعتمر عبد الله (١) بن عمر عمرتين في كل عام، واعتمرت عائشة في سنة ثلاث مرات ولم يعب عليها أحد، وكره مالك تكرارها في العام أكثر من مرة.
٥٥٨ - " باب من اعتمر قبل أن يحج "
٦٥٤ - معنى الحديث: أن ابن عمر سئل عن حكم من أَتى بعمرة قبل أن يؤدي فريضة الحج التي عليه، وقبل أن يحج حجة الإِسلام هل يجوز له ذلك؟ وهل تصح عمرته " فقال: لا بأس " أي لا مانع من ذلك، وعمرته صحيحة مقبولة واستدل على ذلك بأن النَّبِيَّ ﷺ اعتمر عدة مرات
стр. 966
٥٥٩ - " بَاب كَمَ اعْتَمَرَ النبي ﷺ - "
٦٥٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁:
أنَّهُا سئِلَ كَمِ اعْتَمَرَ النبي ﷺ ؟ قَالَ: "أرْبَعَاً، عُمْرةُ الْحُدَيْبِيَّةِ في ذِي القَعدَةِ حيث صدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَة منْ الْعَامِ المُقْبِلِ في ذي
ــ
قبل أن يحج الفريضة وهو معنى قوله: " اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج "، وذلك لأنه ﷺ اعتمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة كل ذلك قبل أن يحج حجة الوداع. الحديث: أخرجه أيضاًً أبو داود. والمطابقة:
في قوله: "اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من اعتمر قبل أن يحج حجة الإِسلام صحت عمرته. لأن النبي ﷺ اعتمر قبل أن يحج حجة الوداع. وعن عكرمة بن خالد: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة، فلقيت ابن عمر، فقلت: إنا لم نحج قط أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم فقد اعتمر رسول الله ﷺ عمره كلها من المدينة قبل حجه؟.
٥٥٩ - " باب كم اعتمر النبي ﷺ "
٦٥٥ - معنى الحديث: " أن أنساً سئل عن عدد عمرات النبي ﷺ قال: أربعاً " أي اعتمر أربع عمرات، وهي عمرة الحديبية، وعمرة القضاء في السابعة من الهجرة، وعمرة الجعرانة -بكسر الجيم وسكون العين وفتح الراء المخففة، وقد تشدَّد- هي موضع بين مكة والطائف، وسمَّيت عمرة الجعرانة لأن النبي ﷺ دخل مكة ليلاً وأدّى مناسك العمرة، ثم خرج منها ليلاً، فبات بالجعرانة حتى أصبح وزالت الشمس من اليوم التالي فتوجه إلى المدينة، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة، وأما العمرة الرابعة فهي التي
стр. 967
القَعْدَةِ حَيثُ صَالَحَهُمْ، وعُمْرَةُ الجِعْرَّانَة إذ قَسمَ غنيمةَ أرَاهُ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: كم حَجَ؟ قَالَ: وَاحِدةً".
٥٦٠ - " بَابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمَ "
٦٥٦ - عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ (١) ﵄:
" أنَّ النبي ﷺ أمَرَهُ أن يُرْدِفَ عَائِشَةَ ويُعمِرَهَا من التنعِيم " وأنَّ سُرَاقَةَ
ــ
كانت مع حجته ﷺ ولم يذكرها الراوي في هذا الحديث إلاّ أنها ذكرت في روايات أخرى، ثم قال الراوي: " قلت: كم حج؟ قال: واحدة "، أي حج حجة واحدة بعدما فرض الحج، لم يحج غيرها، وهي حجة الوداع. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على عدد عمرات النبي ﷺ وأسمائها، قال في " فيض الباري ": واختلف الرواة في عددها، فبعضهم لم يعدوا عمرة الحديبية لعدم تمامها، وبعضهم لم يعدوا عمرة الجعرانة لكونها في سواد الليل، وبعضهم لم يعد العمرة التي مع حجته لعدم تميزها.
٥٦٠ - " باب عمرة التنعيم "
٦٥٦ - معنى الحديث: أن عائشة لما حجت مع النبي ﷺ حجة الوداع فاتتها العمرة قبل الحج بسبب الحيض الذي أصابها في " سرف " بالقرب من مكة، فأفسد عليها عمرتها، فلما طهرت وطافت طواف الإِفاضة قالت: يا رسول الله أتنطلقون بعمرة وحجة وأنطلق بالحج؟. أي أتعودون إلى المدينة
стр. 968
ابْنَ جُعْشم لَقِىَ النبي ﷺ وهو بالْعَقَبَةِ وهو يَرْمِيهَا فَقَالَ: ألكُمْ خاصةً يا رَسُول اللهِ؟ قَال: " لا، بَلْ لِلأبَدِ ".
ــ
بعمرة وحجة معاً، وأعود بالحج وحده دون عمرة، فأمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن ﵁ أن يذهب بها إلى " التنعيم " موضع على طريق المدينة على بعد ستة كيلو من مكة، وأمرها أن تحرم بالعمرة من هناك. لأنه بالحل خارج الحرم، ثم ذكر في الحديث أن سراقة بن مالك قال للنبي ﷺ عند جمرة العقبة " ألكم خاصة يا رسول الله؟ " إلخ وهذه مسألة أخرى سببها أن النبي ﷺ لما أمر أصحابه عند قدومهم مكة بفسخ الحج إلى العمرة شك سراقة في جواز ذلك، هل هو حكم استثنائي خاص بالنبي ﷺ وأصحابه، أو هو عام للمسلمين جميعاً، وباق إلى قيام الساعة، فسأله عن ذلك بقوله:
" ألكم خاصة؟ " يعني جواز فسخ الحج إلى العمرة خاص بكم في تلك الحجة فقط " قال: بل للأبد " أي بل يجوز هذا الفسخ لعموم المسلمين إلى قيام الساعة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " ويعمرها من التنعيم ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث: أولاً: على أنّه يستحب لمن حج مفرداً أن يعتمر بعد حجه فيخرج إلى الحل خارج الحرم، ويحرم منه، ولا يختص ذلك بالتنعيم وإنما أمر ﷺ عائشة بالإِحرام منه مصادفة، أو لأنه أقرب الحل. ثانياًً: أن المعتمر أن كان مكياً أو خارج مكة وداخل الميقات فميقاته الحل، وإن كان خارج الميقات فميقاته ميقات حجه. ثالثاً: جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهو مذهب أحمد وأهل الظاهر خلافاً للجمهور.
***
стр. 969
٥٦١ - " بَابُ أجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدرِ النَّصَبِ "
٦٥٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أن النبي ﷺ قَالَ لَهَا في الْعُمْرَةِ: " ولكنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكَ أو نَصَبِكَ ".
٥٦٢ - " بَابٌ عُمْرةٌ في رَمَضانَ "
٦٥٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لامْرَأة مِنَ الأنْصَارِ: "مَا مَنَعَكِ أن تَحُجِّي
ــ
٥٦١ - " باب أجر العمرة على قدر النصب "
٦٥٧ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال لعائشة حين أمرها أن تحرم بالعمرة من الحل " ولكنها على قدر نفقتك أو نصَبك " أي أحرمي بالعمرة من التنعيم ولا تأسفي على ما وقع لك من فوات العمرة قبل الحج، فإن تعبك ومجهودك الذي تبذلينه الآن في عمرتك هذه لن يضيع سدى، ولكن أجر العمرة وثوابها يزيد ويتضاعف بقدر زيادة النفقة وكثرة المشقة والتعب.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن فضل العمرة بحسب ما أنفق فيها من مال حلال وما بذل فيها من جهد خالص لوجه الله تعالى. والمطابقة: فِى قوله ﷺ : " ولكنها على قدر نفقتك ونصبك ".
٥٦٢ - " باب عمرة في رمضان "
٦٥٨ - معنى الحديث: يحدثَنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث: " أن رسول الله ﷺ قال لامرأة من الأنصار " وهي أم سنان
стр. 970
مَعَنَا؟ قالَتْ: كان لَنَا نَاضِح فرَكِبَهُ أبو فلان وابنُهُ لِزَوْجِهَا وابْنِهَا، وتركَ ناضحاًْ ننْضَحُ عَلَيْهِ، قال: " فإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعتمرِي فِيهِ، فإِنَّ عُمْرَة في رَمَضَانَ حَجَّةٌ " أوْ نَحْواً مِمَّا قَالَ.
ــ
رضي الله، عنها كما جاء في رواية أخرى للبخاري ومسلم في باب حج النساء: " ما منعك أن تحجين معنا؟ " على رواية كريمة والأصيلي بإثبات نون الرفع مع سبق أن الناصبة على خلاف القواعد النحوية، قال القسطلاني: وهو قليل، ويُنْقَلُ أنها لغة لبعض العرب، وفي رواية لأبي ذر وابن عساكر: " ما منعك أن تحجي، " بحذف نون الرفع، وهي أفصح من جهة النحو. " والمعنى ": ما هو المانع لك من الحج معنا في حجة الوداع، وما عذرك في ذلك " قالت: كان لنا ناضح " أي بعيرٌ نستقي عليه " فركبه أبو فلان وابنه " أي فركبه زوجي أبو سنان وابني سنان، ولم يبق لي ما أركب عليه " قال: فإذا كان رمضان فاعتمري فيه " أي فإذا جاء رمضان القادم فأت بعمرة في رمضان تعوضين بها عن هذه الحجة التي فاتتك معنا، " فإنّ عمرة في رمضان حجة " أي كحجة أو تعدل حجة في الأجر والمثوبة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل العمرة في رمضان، وأن ثوابها كثواب حجة، ولكنها لا تسقط الحجة المفروضة، بل لا بد من الإِتيان بها، وأنّ ما فات من الحج تطوعاً فالعمرة في رمضان تقوم مقام حج التطوع (١) وهذا فضل من الله ونعمه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فإن عمرة في رمضان حجة ".
...
стр. 971
٥٦٣ - " بَابُ متى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ "
٦٥٩ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄:
" أنَّها كَانَتْ كُلَّمَا مَرَّتْ بالْحَجُونِ تَقُولُ صَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، لقد نَزَلْنَا مَعَهُ ها هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَليلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَة أزوادُنَا، فاعْتَمَرْتُ أنا وأختي عَائِشَةُ والزُّبَيْرُ وفلانٌ، فلما مَسَحْنَا البَيْتَ، أحْلَلْنَا ثم أهْلَلْنَا مِنَ الْعشِىِّ بِالْحَجِّ ".
ــ
٥٦٣ - " باب متى يحل المعتمر؟ "
٦٥٩ - معنى الحديث: أن أسماء ﵂ كانت كلما مرت بالحجون وهو جبل بالمعلى مقبرة مكة على يسار الذاهب إليها تصلّي على النبي ﷺ وتذكره لأن الشيء بالشيء يذكر، وتقول: " قد نزلنا ها هنا ونحن يومئذ خفاف " أي خفاف الأجسام " قليل ظهرنا " أي وليس معنا. من الدواب التي نمتطيها إلاّ عدد قليل، ثم قالت: " فاعتمرت أنا وعائشة والزبير " أي ففسخنا الحج إلى العمرة بأمر رسول الله، وذلك عند قدومنا مكة، وإنما ذكرت عائشة مع أن عمرتها قد فسدت بالحيض، لأنّها كانت معهم، ثم طرأ عليها الحيض " فلما مسحنا البيت أحللنا " يعني فلما طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة. تحللنا من إحرامنا " ثم أهللنا من العشي بالحج " أي: ثم أحرمنا يوم التروية بالحج.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: على أن المعتمر يتحلل من إحرامه بالطواف والسعي، وعلى أن أركان العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي، وهو مذهب المالكيّة والحنابلة. وقالت الشافعية (١): أركانها خمسة:
стр. 972
٥٦٤ - " بَابُ استِقْبَالِ الْحَاجِّ الْقَادِمِينَ "
٦٦٠ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" لَما قَدِمَ النَّبِي ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغيلمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ واحِداً بَين يَدَيْه وآخَرَ خَلْفَهُ ".
ــ
الإحرام من الميقات والطواف والسعي والحلق أو التقصير والترتيب بين الأركان. وقالت الحنفية: لها ركن واحد فقط: الوقوف بعرفة، وأكثر طواف العمرة، وأما الحلق والتقصير والترتيب فهو واجب عند الجمهور خلافاً للشافعية. ثانياًً: فسخ الحج إلى العمرة وقد تقدم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " فلما مسحنا البيت أحللنا ".
٥٦٤ - " باب استقبال الحاج القادمين "
٦٦٠ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح استقبله غلمان أسرته الهاشمية من بني عبد المطلب مهلّلين فرحين مستبشرين بمقدمه الميمون، فحمل ﷺ عبد الله بن جعفر أمامه وقثم بن العباس خلفه. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة استقبال الحاج، بل استقبال القادم من السفر، والحفاوة به، سيَّما إذا كان قريباً أو صديقاً تقديراً له، وإكراماً لشخصه. والمطابقة: قي قوله: " استقبله أغيلمة بني عبد المطلب ".
стр. 973
٥٦٥ - " بَابٌ: لا يَطْرُقُ أهْلَهُ إِذَا بَلَغ الْمَدِينَةَ "
٦٦١ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:
"نَهَى النبي ﷺ أن يَطرقَ أهلَهُ لَيْلاً".
٥٦٦ - " بَابُ مَنْ أسْرَعَ ناقتهُ إِذَا بَلَغ الْمَدِينَةَ "
٦٦٢ - عنْ أنَس ﵁ قَالَ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأبصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أوْضَعَ نَاقَتَهُ وإن كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا ".
ــ
٥٦٥ - " باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة "
٦٦١ - معنى الحديث: أن النبي ﷺ نهى القادم من السفر أن يفاجىء أهله بالدخول عليهم ليلاً لئلا يراهم على حال يكرهها، لأنّهم ربما قصروا في تقديم الخدمات اللازمة له عن غير قصد لعدم استعدادهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة أن يتحين المسافر عند قدومه الوقت المناسب لدخول بلده، والقدوم على أهله فلا يأتيهم ليلاً لئلا يكونوا على غير استعداد لاستقباله والقيام بخدمته وحسن ضيافته، والنهي في الحديث محمول على كراهة التنزيه بمعنى أن الأفضل والأولى له أن لا يفاجئهم ليلاً، وأن يأتيهم نهاراً ليستعدوا لمقابلته. والمطابقة: في كون الحديث دليلاً على الترجمة.
٥٦٦ - " باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة "
٦٦٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: " كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر " أي كان إذا وصل من سفره وأشرف على المدينة
стр. 974
واقترب منها " فأبصر درجات المدينة " أي رأى أشجارها الطويلة ومبانيها العالية " أوضع ناقته " أي دفع ناقته إلى الإِسراع في سيرها " وإن كانت دابّة حركها " بيده الشريفة أو بعصاه ليحثها على السير السريع، أي وإنما كان يفعل ذلك بسبب شدة حبه للمدينة وشوقه إليها. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شدة حبه ﷺ للمدينة ذلك الحب الذي يتجلى في كل عمل من أعماله، أو قول من أقواله، أو حركة من حركاته ﷺ ، فهو ﷺ يسرع بدابته عند قدومه إلى طيبة، واقترابه منها، شوقاً إليها، حتى إنه ﷺ في بعض أسفاره طرح رداءه، وقال: هذه أرواح طيبة، كما جاء في بعض الروايات الصحيحة، وفي بعضها " أنه ﷺ كان إذا قدم المدينة يسير أتمَّ السير، ويقول: " اللهم اجعل لنا بها قراراً ورزقاً حسناً وإذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا بمكة " أخرجه أحمد في " مسنده "، وما ذلك إلاّ لأنه ﷺ كان يحب الموت بالمدينة، فمن السنة أن يستشعر المسلم عند اقترابه من المدينة مشاعر الفرحة والبهجة وأن يسرع بسيارته، فإنها المدينة التي تحن إليها قلوب المؤمنين، ورحم الله الشاعر إذ يقول في الحنين إلى طيبة:
دَارُ الحَبِيْبِ أحقُّ أن تَهْوِاهَا ... وَتَحِنُّ مِنْ طَرب إلَى ذِكْرَاهَا
والمطابقة: في قوله: " أوضع ناقته ".
***
стр. 975
" أبواب المحصر "
وهو اسمٍ مفعول لمن وقع عليه إحصار شرعي منعه عن حجه أو عمرته.
والإحصار لغة المنع، وشرعاً ينقسم إلى إحصار عن العمرة وسيأتي، وإحصار عن الحج. وهو ما سنوضحه هنا: فالإحصار عن الحج: اختلف الفقهاء في معناه وفي سببه.
أما معناه: فإن الفقهاء فيه على مذهبين: الأول: مذهب مالك وأبي حنيفة ومن وافقهم: وهم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة، فمن لم يتمكن من الركنين فهو محصر يتحلل من إحرامه ويحلق رأسه في المكان الذي أحصر فيه، وإن قدر على أحد الركنين فليس بمحصر (١) ولا سبيل إلى تحلله، ويبقى محرماً أبداً حتى يطوف للزيارة، قال في " الإِفصاح ": وعليه دم (٢) لترك الوقوف بالمزدلفة إن لم يكن وقف بها، وعليه دم لرمي الجمار إن لم يكن رماها، وكذلك لتأخير الحلق، وعليه دم لتأخير طواف الزيارة عن أيّام النحر عند أبي حنيفة، وعند مالك يجب عليه دم لتأخير طواف الزيارة إلى محرم (٣). الثاني: مذهب الشافعي وأحمد ومن وافقهم من أهل العلم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن إتمام مناسك الحج مطلقاً سواء وقع له هذا المنع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة، وسواء طاف بالبيت أو لم يطف، فإن هذا كله سواء، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) حيث أطلق الحكم ولم يقيده قال في " الافصاح " (٤) والصحيح عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي
стр. 976
في قوله الجديد وأحمد، فإن قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) محمول على العموم في حق كل من أحصر، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، بمكة أو بغيرها، وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف، فإن له أن يتحلل كما قال تعالى، لأنه سبحانه أطلق ذلك ولم يخصصه. اهـ. حيث قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وفيه إضمار.، ومعناه (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي.
وأما سبب الإحصار: فإن الجمهور يرون أن الِإحصار لا يكون إلاّ بسبب العدو خاصة، وهو بذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية، لأن الآية نزلت في حصر النبي ﷺ وأصحابه في الحديبية من العدو، قال الشافعي (١): فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية، لأنها نزلت في الحائل من العدو، ذكره البيهقي، بدليل قوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) والأمن لا يكون إلاّ من العدو، وقال عبد الله بن عمر: " المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة " أخرجه مالك في " الموطأ ". وذهب ابن مسعود وزيد بن ثابت وسفيان الثورى وأبو حنيفة وأحمد في رواية، إلى أن الإحصار يتحقق بكل سبب يمنع من الاستمرار في موجب الإِحرام من مرض ولدغ وجراحة وذهاب نفقة، وعطل سيارة، أو موت محرم، أو زوج، لأنّ الإِحصار في أصل اللغة هو المنع (٢) من الشيء بسبب المرض، أما المنع بسبب العَدوِّ فهو حصرٌ، تقول العرب: أحصره المرض إحصاراً فهو محصرٌ، وحصره العدُوُّ حصراً فهو محصور، ولكن لما كان سبب نزول الآية العدو عدل عن لفظ الحصر المختص بالعدو إلى الإحصار المختص بالمرض فدل ذلك على أنه أريد باللفظ ظاهره، وهو المرض، ويدخل
стр. 977
فيه العدو بالمعنى، لأن (١) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما تَمَسُّكَ الفريق الأول بقوله تعالى: في الآية: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) واستدلالهم بذلك على أن المراد بالإِحصار إحصار العدو خاصة، لأن الأمن لا يكون إلاّ من العدو، فإنه غير مسلم به لأن الأمن كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره من الموانع. ومما يدل دلالة صريحة على أن الإِحصار يكون بأيّ مانع من مرض أو كسر أو جرح أو نحوه، حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : " من كُسِر أو عَرَجَ أو مرض فقد حَل وعليه الحج من قابل " أخرجه الأربعة (٢)، وقال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري.
أما الأحكام المترتبة على الإِحصار فهي: أولاً: فسخ الإِحرام والخروج منه، وهو المسمى شرعاً " بالتحلل " وأما ما يتحلل به، فإن أمكنه الوصول إلى البيت تحلل بعمل عمرة، وإن تعذر عليه ذلك ذبح الهدي -عند الجمهور- حيث أُحصر في حل أو حرم وقت حصره، لأن النبي ﷺ لما منعه كفار قريش نحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية قبل يوم النجز، فله النحر في موضعه كما فعل النبي ﷺ وقالت الحنفية: لا يذبح الهدي إلاّ في الحرم فيبعث شاة تذبح هناك. ثانياًًً: أن كُلَّ مَنْ أحْصر وجب عليه أن يتحلل بهدي، سواء كان حاجاً أو معتمراً أو قارناً، لأن النبي ﷺ لما صده المشركون عن البيت وكان معتمراً، نحر، ثم حلق، وقال لأصحابه: " قوموا فانحروا ثم احلقوا " واختلفوا في القارن، فقال الشافعية والحنابلة: عليه دم واحد، وقال الحنفية: عليه دمان بناءً على أنه محرم بإحرامين فلا يحل إلاّ بدمين عندهم،
стр. 978
وعند الآخرين محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد (١). فإن لم يكن مع المحصر هدي، وعجز عنه، انتقل عند الحنابلة إلى صوم عشرة أيّام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، لأنه دم واجب للإِحرام، فكان له بدل، كدم التمتع، والطيب واللباس، ويبقى على إحرامه حتى يصوم أو ينحر الهدي، لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلا يحل قبلهما وانتقل عند الشافعية على الأصح إلى الإِطعام، فتقوّم الشاة دراهم، ويخرج بقيمتها طعاماً، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، وإذ انتقل إلى الصوم فله التحلل في الحال في الأظهر (٢) وقال الحنفية: ليس للهدي الواجب بالإِحصار بدل، لأنّه لم يذكر في القرآن، فالمحصر عندهم لا يجزئه شيء عن الهدي (٣).
ثالثاً: أنه لا بد من الحلق عند التحلل في قول أكثر أهل العلم فالتحلل عند الشافعية والحنابلة يكون بثلاثة أشياء، ذبح، ونية التحلل بالذبح، وحلق أو تقصير، والحلق شرط أيضاًً عند المالكية، وقال الإِمام أبو حنيفة ومحمد: لا يشترط الحلق في التحلل، وإنما يحل المحصر بالذبح بدون الحلق لِإطلاق نص الآية حيث قال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولم يشترط الحلق، ولم يذكره، قالوا: فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الواجب وهذا خلاف النص، ولأن الحلق للتحلل من أفعال الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج، فلا حلق، والحديث في الحلق بالحديبية محمول على الندب (٤). رابعاً: اختلفوا في قضاء المحْصَر لحجه وعمرته من العام القابل على أقوال ومذاهب.
الأول: مذهب الحنفية: وهم يقولون: إذا كان المحرم مفرداً بالحج وتحلل
стр. 979
٥٦٧ - " بَاب إذَا أحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ "
٦٦٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
" قَدْ أحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ ﷺ حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً ".
ــ
من إحصاره، فإن عليه حجة وعمرة: قضاء عما فاته، لأنه في معنى فائت الحج الذي يتحلل بأفعال العمرة، فإن لم يأت بها قضاها، هذا إذا لم يحج من عامه، فإن حج منه فلا عمرة عليه. لأنّه ليس في معنى فائت الحج، وإذا كان المحصر محرماً بالعمرة فإنه يجب عليه قضاء ما شرع فيه، وإذا كان المحصر قارناً فعليه حجة وعمرتان، أمّا العمرة الأولى فلأنه في معنى فائت الحج وأما الثانية فلأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها. قالوا: وقضاء الحج من قابل واجب مطلقاً، سواء كان فريضة أو تطوعاً. الثاني: مذهب المالكية وهم يقولون يجب على المحصر إذا تحلل من إحرامه قضاء حجه من قابل إن كان فرضاً أو تطوعاً تحلل منه لمرض أو خطر أو حبس بحق، فإن كان تطوعاً آخر فلا قضاء عليه. الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة: أنّهُ يجب على المحصر قضاء الفرض دون النفل، وأما العمرة فلا يجب قضاؤها عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة.
٥٦٧ - " باب إذا أحصر المعتمر "
٦٦٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: " قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه " أي مُنع رسول الله ﷺ عن أداء العمرة التي قدم إليها في صلح الحديبية سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن دخول مكة ذلك العام، فلما أحصر، ومنع عن
стр. 980
٥٦٨ - " بَابُ الإِحْصَارِ في الْحَجِّ "
٦٦٤ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
ــ
عمرته، تحلل منها في الموضع الذي أحصر فيه، وهو الحديبية، فأتى بالأعمال المشروعة في التحلل. فنحر هديه أولاً، ثم حلق رأسه، ثم جامع نساءه، هذا هو الترتيب الشرعي الذي وقع منه، ولا عبرة بتقديم الحلق في نص الحديث.
لأن الواو لمطلق الجمع، لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً " حتي اعتمر عاماً قابلاً " أي واستمر ﷺ متحللاً من إحرامه يلبس الثياب ويتطيب، ويحلق رأسه، ويباشر النساء، حتى كان العام القادم فقضى عمرته التي أحصر عنها بعمرة أخرى في السنة السابقة سميت بعمرة القضاء.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المعتمر إذا أحصر ومنع عن أداء عمرته تحلل منها، ونحر هديه، وحلق رأسه حيث أحصر وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا ينحر إلاّ في الحرم. ثانياًً: مشروعية قضاء العمرة على من أحصر عنها، لأن النبي ﷺ قضاها، وهو واجب عند أبي حنيفة، مستحب عند الجمهور، حيث يرون أنه لا قضاء على المحصر إلّا في حج الفريضة (١). الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث جواباً للترجمة.
٥٦٨ - " باب الإِحصار في الحج "
أي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على الأحكام المترتبة على الإحصار في الحج. والإحصار في الحج: معناه أن يواجه المحرم بالحج بعد
стр. 981
"أليْسَ حَسْبُكُمْ سنَّة رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ حُبِسَ أحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بالبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، ثم حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحجَّ عَاماً قَابِلاً، فَيُهْدِي أو يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً".
ــ
إحرامه به من الأسباب والأعذار ما يمنعه عن إتمام مناسك الحج، سواء وقع له ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
٦٦٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: " أليس حسبكم سنة النبي ﷺ " أي ألا يكفيكم ما جاء في سنة نبيكم ﷺ " إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل " أي إن أحصر أحدكم، ومنع عن الوقوف بعرفة لعذر من الأعذار الشرعية ولكنه تمكن من دخول مكة، فإنه يجب عليه أن يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يخلع ثياب إحرامه فيصبح حلالاً يحل له كل شيء حتى النساء كما قال ﷺ : " ثم حل من كل شيء " أي تحلل من جميع محظورات الإِحرام وأصبحت له حلالاً يلبس الملابس، ويتطيب، ويحلق الشعر، ويباذر النساء " حتى يحج عاماً قابلاً " أي يشتمر. متحللاً من إحرامه حتى يقضي حجه من العام القادم " فيهدي " أي يذبح هدياً مع الحلق والنية قال العيني: أي يذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلاّ بنية التحلل والذبح والحلق " أو يصوم " أي وإن لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع. الحديث: أخرجه أيضاًً النسائي. والمطابقة: ظاهرة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن المحصر عن الوقوف بعرفة إذا بلغ مكة وتمكن من الطواف والسعي فإنه يترتب عليه الأحكام الآتية: الأول: أن يتحلل بعمرة لا تجزئه عن عمرة الإِسلام، وهو مذهب
стр. 982
٥٦٩ - " بَابُ النَّحْرِ قَبلَ الْحَلْقِ في الْحَصْرِ "
٦٦٥ - عَنْ الْمِسْوِرِ بْنِ مَخْرَمَةٍ ﵁:
" أن رسول الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وأمرَ أَصْحَابَهُ بذَلِكَ ".
ــ
الجمهور، وقال الشافعية: لا ينوي بها العمرة. الثاني: أن يقضي حجه الذي أحصر عنه في العام القابل، وهل يقضيه مطلقاً، فريضة أو تطوعاً، أو يقضي الفريضة فقط. قال أبو حنيفة يقضيه مطلقاً، سواء كان الحج فريضة أو تطوعاً، وقال الجمهور: إنما يقضي الفريضة فقط. الثالث: أنّه يجب عليه الهدي لقوله ﷺ : " فيهدي " وهو مذهب الجمهور، وقال: أبو حنيفة: لا هدي عليه، ولا يعد محصراً، لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي (١)، وأما من بلغها، فحكمه عنده كحكم من فاته الحج، يحل بعمرة ويحج من قابل، ولا هدي عليه (٢).
ثانياًً: أن من بلغ مكة وتمكن من البيت وحبس عن الوقوف يعد محصراً خلافاً لأبي حنيفة.
٥٦٩ - " باب النحر قبل الحلق في الحصر "
٦٦٥ - معنى الحديث: يحدثنا المسور ﵁: " أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق " أي أنّ النبي ﷺ عندما أحصر عن أداء العمرة في صلح الحديبية، نحر هديه قبل أن يحلق شعره، فقدم النحر على الحلق، " وأمر أصحابه بذلك "، أي بأن يفعلوا كفعله. الحديث: أخرجه البخاري.
стр. 983
٥٧٠ - " بَاب قَوْلِ اللهِ تعَالَى (أَوْ صَدَقَةٍ) وَهِيَ إطْعَام سِتَّةِ مَسَاكِينَ "
٦٦٦ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عجْرَةَ ﵁ قَالَ:
وَقَفَ عَلَيَّ رَسول اللهِ ﷺ بالْحدَيْبِيَةِ ورأسِي يَتَهَافَت قَمْلاً فقالَ:
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الهدي على المحصر بالعدوِّ وهو مذهب الشافعي وأحمد في أصح الروايتين، قال ابن تيمية: والمحصر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعاً، وهو إحدى الروايتين، وقالت المالكية: لا هدي عليه في حصر العدو، وهو مذهب ابن القاسم، وإنما ينتظر مدة من الزمن مَا رَجا كشفَ الإِحصار عنه، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي عليه، والمعتمد عندهم أنّه لا يتحلل إلاّ بحيث لو سار إلى عرفة من مكانه لم يدرك الوقوف، فان ظن أو شك (١) في زوال المانع قبل الوقوف فلا يتحلل حتى يفوت، فإن فات الوقوف فعل عمرة، والحديث صريح في وجوب الهدي، لأن النبي ﷺ لما حصره العدوُّ عن عمرته لم يتحلل حتى نحر الهدي، ولكن المالكية يحملون حديث الباب على من ساق الهدي معه، ويقولون: إن كان مع المحصر هدي نحره، وإلّا فلا هدي عليه. ثانياًً: تقديم النحر على الحلق في التحلل. والمطابقة: في قوله: " نحر ﷺ قبل أن يحلق ".
٥٧٠ - " باب قول الله تعالى: (أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين "
٦٦٦ - معنى الحديث: يقول كعب ﵁: "وقف علي
стр. 984
" يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: " فاحْلِقْ رَأَسْكَ " قَالَ: فيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) إلَى آخِرها، فَقَالَ النبي ﷺ : " صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ أو تَصَدَّق بِفَرْقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ أو انْسُكْ بمَا تَيَسَّرَ ".
ــ
رسول الله بالحديبية ورأسي يتهافت" أي يتساقط " قملاً فقال: يؤذيك هوامك " أي قملك " قلت نعم قال فاحلق رأسك " أي فأمره بحلق رأسه " قال في نزلت هذه الآية " وهو قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فقال النبي ﷺ مبيناً الفدية المطلوبة: " صم ثلاثة أيام " أي إن شئت صم ثلاثة أيام " أو تصدق بفرق " بفتح الفاء والراء أو سكونها، وهو ثلاثة آصع، " أو أنسك بما تيسر " أي اذبح ما تيسّر لك من الذبائح، وأقلها شاة. الحديث: أخرجه الستة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب الفدية على من ارتكب محظوراً من محظورات الإِحرام، لأن كعب بن عجرة لما ارتكب بحَلْقِ رأسه محظوراً أمره النبي ﷺ بالفدية، وكذلك سائر المحظورات. ثانياًً: أن الفدية الواجبة ثلاثة أنواع: أولها: صيام ثلاثة أيام غير مقيدة بزمان، ولا بالتوالي كما يدل عليه ظاهر الحديث، لأن النبي ﷺ لم يذكر شيئاً من ذلك وإنما يُسْتَثْنَى من ذلك العيدان عند الجمهور، وقال أبو حنيفة، والشافعي: يستثنى من ذلك العيدان وأيّام التشريق، فلا يجوز صومها في الفدية. الثاني: التصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع على ستة مساكين. الثالث: ذبح ذبيحة أقلّها شاة. والمطابقة: في قوله ﷺ : " أو تصدق بفرق "
стр. 985
٥٧١ - " بَابُ قَوْلِ اللهِ (فَلَا رَفَثَ) "
ــ
٥٧١ - "باب قول الله (فَلَا رَفَثَ) "
معنى الآية: أن الله تعالى قال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فنفى عن المحرم هذه الأمور الثلاثة، ومعنى ذلك أن الله تعالى حرم عليه هذه الثلاثة، ومنعه منها، وحظر عليه ارتكابها وهي: ١ - الجدال والمخاصمة مع الرفقاء والخدم، ٢ - والفسوق، وهو ارتكاب المعاصي التي تخرج العبد عن طاعة الله، ٣ - والرفث وهو الجماع ومقدماته ودواعيه من التقبيل واللمس بشهوة، ومخاطبة المرأة فيما يتعلق بوطئها. واتفقوا على أن الجماع عمداً قبل الوقوف بعرفة يفسد الحج عليهما واجباً أو تطوعاً، طوعاً أو كرهاً، وأن عليهما أن يمضيا في حجهما الفاسد، وعليهما القضاء أنزل أو لم ينزل، وعليه الكفارة وهي شاة عند أبي حنيفة، وهدي عند مالك، وبدنة عند الشافعي وأحمَد. وإن كان الجماع بعد الوقوف وقبل التحلل الأول فإنه يصح حجه عند أبي حنيفه (١) وعليه بدنة، ويفسد عند مالك، ويفسد وعليه بدنة عند الشافعي وأحمد. وإن كان جماعه بعد التحلل الأول: وقبل طواف الإِفاضة، فقال مالك وأحمد: يمضي في الإِحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم يتم الطواف والسعي بإحرام صحيح، وقال الشافعي في قول وأبو حنيفة في رواية: يتم حجه ولا يستأنف، وعليه بدنة، أما إذا لمس بشهوة أو قبل فإنه يفسد حجه عند مالك (٢) إذا أنزل، ولا يفسد عند الشافعيّة، ويلزمه شاة (٣) فقط، هذا إذا أنزل وأما إذا لمس