﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: لا تستبدلوا (١) الحرام وهو مالُ اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب (٢)، والتفعُّل بمعنى الاستفعال كثير.
أو (٣): ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم، وتُعطوا الخسيس مكانه.
ورُدَّ بأنه تبديل لا تبدُّلٌ، فإن في التبدُّل وكذا في الاستبدال ما دخلتْه الباء متروكٌ، وما تعدَّى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس.
ومبناه على اعتبار الأخذِ والإعطاء من الوليِّ بالنظر إلى حالِ نفسه، ومرادُ القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم، فدائرة الردِّ على الفهم لا على المفهوم.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: لا تضمُّوها إلى أموالكم في الأكل (٤)، فدلَّ (٥) قوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ على أن المخاطبين أغنياءُ، وذلك لأنَّه إذا كان فقيراً يجوز أن يأكل بالمعروف، وفيه تعريضٌ بأنهم كانوا يفعلون كذلك.
وفائدةُ التقييد بالمعيَّة: الدلالةُ على غاية قبح فعلهم، حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ولم يميزوا بينها وبينها، كما هو حال البهائم، وقُصد بذلك تشهيرُ ما كانوا عليه من ارتكاب هذه الأمور القبيحة (٦)؛ ليكون أزجرِ لهم (٧)،
стр. 1017
ولهذا عُدل عن مقتضَى الظاهر، وهو نهيُ الغنيِّ عن أكل مال اليتيم مطلَقاً.
﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للأكل.
﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: ذنباً عظيماً، والحوب: مطلَقُ الإثم، قال ﵇: "ربَّ تَقبَّلْ توبَتي واغْسِلْ حَوْبَتي" (١)؛ أي: إثمي، ولو اعتُبر فيه العِظَمُ لَمَا وُصف بالكبير (٢)، فتدبر.
وقرئ: (حَوباً) وهو مصدر حابَ (٣)، وكذا: (حاباً)، وقد قُرئ به أيضاً؛ كقال قولاً وقالا (٤).
* * *
(٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوَّجتُم بهن.
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فتزوَّجوا ما حلَّ لكم من غيرهن.
كان الرجل يجدُ اليتيمة لها مالٌ وجمالٌ، أو يكون (٥) وليَّها، فيتزوَّجها ضِنًّا بها
стр. 1018
عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن، فيُخاف لضعفهن وفَقْدِ مَن يغضب لهن أن يَظلمهن حقوقهنَّ ويفرِّط فيما يجب لهن، فقيل لهم: [إن خفتُم أن لا تُقسطوا في يتامى النساء فانكحوا مِن غيرهنَّ ما طاب لكم].
وإنما عبِّر عنهنَّ بـ ﴿مَا﴾ ذهاباً إلى الصفة.
وقرئ: (تَقْسِطوا) بفتح التاء (١) على أن (لا) مزيدةٌ مثلَها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ أي: إن خفتُم أن تَجُوروا.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبةٌ على الحال من فاعل ﴿طَابَ﴾، معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة: ثنتين ثثتين وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعةً، غيرُ منصرفةٍ لوجود العدل والوصفِ، فإنها بُنيتْ صفاتٍ وإن كانت أصولها لم تُبْنَ لها (٢).
ومعناها: الإذن في الجمع بأن ينكح ما شاء من العدد المذكور متَّفقينَ فيه ومختلفينَ (٣)؛ كقولك: اقتسموا هذه البذرة درهمين درهمين وثلاثةً ثلاثةً، ولو أفرد كان المعنى تجويزَ الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو عطف ب (أو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد.
стр. 1019
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فيما فوقه.
﴿فَوَاحِدَةً﴾: فالزموا - أو: فاختاروا - واحدة وذرُوا الجمع، وقرئ بالرفع (١) على أنه فاعلُ فعلٍ محذوف أو خبره (٢)، تقديره: فتكفيكم واحدةٌ، أو فالمَقْنَعُ واحدةٌ.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سوَّى بين المنكوحة الواحدة وبين الإماء مطلقاً واحدةً كانت أو متعدِّدةً بلا حصرٍ ولا تعيينِ عددٍ في التسرِّي والترخُّص، لخفَّةِ مؤنتهن، وعدمِ شرطِ العدلِ بينهنَّ لا في القَسْم ولا في العزل، ونسبة هذا المِلك إلى اليمين للفرق والتفاوُت بينه وبين مِلك اليد.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي.
﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أقربُ من أنْ لا تميلوا فتَجُوروا، يقال: عال الميزان، إذا مال، وعال الحاكم: إذا جار.
وفسِّر بـ: أن لا تَكثُر عيالُكم، على أنه من عال الرجلُ عيالَه يَعُولهم: إذا مانهم، فعبّر عن كثرة العيال بكثرةِ المؤن على الكناية، ويؤيِّده قراءة: (أنْ لا تُعيلوا) (٣) مِن أعال الرجل: إذا كثر عيالُه، ووجهُه على تقدير أن تكون الإشارةُ إلى التسرِّي: أن العزل يجوز، فهو مَئِنَّةُ قلَّة الولد.
* * *
стр. 1020
(٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مهورَهنَّ، والخطابُ للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور مَوْليَّاتهم (١).
﴿نِحْلَةً﴾ عطية، يقال: نَحله كذا نِحْلةً ونُحْلاً: إذا أعطاه إياه عن طِيبِ نفسٍ بلا توقُّعِ عِوَضٍ، ونصبُها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء.
وقيل: معناه: نحلةً من الله؛ أي: إعطاءً (٢) من عنده وتفضُّلاً منه عليهن.
وقيل: ديانة، على أنه مفعولٌ له أو حالٌ من الصدقات؛ أي: دِيناً من الله مشروعاً مفروضاً.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ جارٍ مجرى اسم الإشارة في التذكير على ما ذكره رؤبة، وقد سبق في تفسير سورة البقرة (٣)، كأنه قيل: عن شيء من ذلك؛ أي: ما ذكر من الصَّدُقات.
стр. 1021
أو يرجع إلى ما دلَّ عليه الصَّدُقات من الصَّداق.
و ﴿نَفْسًا﴾ تمييز (١) لبيان الجنس، ولذلك وُحِّد.
والمعنى: فإن أعطين لكم من الصداق عن طيبِ نفسٍ، لكنْ جَعَل العِدةَ طِيبَ النفس للمبالغة، وعدَّاه ب (عن) لتضمين معنى التجافي والتجاوُز.
وفيه دليل على وجوب الاحتياط في ذلك، وضِيقِ المسلَك في قبول شيءٍ من الصَّداق منهن؛ لأنَّه بنَى الشرطَ على طِيب النفس الذي هو أمرٌ خفيٌّ يطرق بها أنْ تدَّعيَ أنها ما طابت نفساً إن ندمَتْ، ولهذا لم يقل: فإن وهبت، أو: سمحت؛ إشعاراً بأن الشرط تجافي نفسها عن الموهوب من طيبةٍ لا من ضرورة، ثم قال: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ بعثاً لها على تقليل الموهوب.
﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أما صفتان للمصدر؛ أي: أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حالان من ضمير (كلوه)؛ أي: كلُوه في حالة كونه هنيئاً مريئاً (٢).
والهنيء: ما يَلَذُّه الآكل، والمريء: ما يحمد عاقبته، وقد سبق ما في الأكل من الدلالة على سائر وجوه الإنفاق.
رُوي أن ناساً [كانوا] (٣) يتأثَّمون أن يَقبل أحدهم من زوجته شيئاً مما ساق إليها، فنزلت.
* * *
стр. 1022
(٥) - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الخطاب للأولياء بدلالة السباق واللحاق - ﴿السُّفَهَاءَ﴾: هم الذين ينفقون أموالهم فيما لا ينبغي من وجوه التبذير، ولا يمكنهم (١) إصلاحُها بالتثمير، والتصرُّفُ فيها بالتدبير (٢) - وإضافةُ الأموال إليهم لأنها في تصرُّفهم وتحت ولايتهم.
أو لأنَّه لم يُقصد بها (٣) الخصوصيةُ الشخصية، بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاش وتميل إليه القلوب، وهي بهذا المعنى لا تختصُّ باليتامى كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] قصداً إلى جنس التقوِّي (٤)، وهذا (٥) أوفق لقوله:
﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تقومون بها وتنتعشون.
وعلى الأول يؤوَّل بأنها التي من جنس ما جعَل الله لكم قياماً، سمي ما به القيام قياماً للمبالغة.
стр. 1023
وقرئ: ﴿قِيَامًا﴾ (١) بمعناه كعِوَذٍ بمعنى عِيَاذ.
وقرئ: (قِوَاماً) (٢) وهو ما يُقام به.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ الظرف متعلِّق بالمعطوفَين كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ تنبيهاً على ما قال ﵇: "ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلُها الزكاةُ" (٣) فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح لا من أصل المال فيأكلَه الإنفاق.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: كلاماً يُؤْنسهم ويؤلِّفُ قلوبهم، ومنه عِدَةٌ جميلةٌ وكلُّ ما سكنت إليه النفسُ واستحسنَتْه لحسنه عقلاً أو شرعاً أو عرفاً فهو معروفٌ، وكلُّ ما نَفَرتْ عنه (٤) وكرهتْه فهو منكَر.
* * *
(٦) - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: واختبِروا عقولهم بتصرُّفاتهم قبل البلوغ.
стр. 1024
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلوغُ النكاح كنايةٌ عن البلوغ؛ لأنَّه يصلُح النكاح عنده.
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (١): فإن تبينتم منهم رشداً؛ أي: اهتداء إلى مصالحهم.
و قرئ: (أَحَسْتُم) بمعنى: أحسستم (٢).
﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخيرٍ عن وقت البلوغ.
وتنكيرُ الرشد معناه: نوعاً من الرشد، وهو الرشد في التصرُّف والتجارة، أو: طرفاً من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه.
ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب (إذا) المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم.
ويجوز أن تكون (إذا) لمجرَّد الظرفية ليست متضمِّنةً لمعنى الشرط؛ أي: ابتلُوهم إلى وقت البلوغ.
وفي الآية دلالة على أن لا يُدفع إليهم مالهم قبل البلوغ (٣)، وأمَّا عدمُ دفعه إليهم بعد البلوغ قبل الإيناس فلا دلالة عليه: أمَّا منطوقاً فظاهر، وأمَّا مفهوماً فلأنَّ مفهوم قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ عدمُ الدفع على الفور، لا عدمُ الدفع مطلقاً (٤).
стр. 1025
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾؛ أي: مجاوزةً عن الحد.
﴿وَبِدَارًا﴾؛ أي: مبادَرةً، وهي المسارعة.
﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أن يَبلغوا؛ أي: لا تأكلوا مسرفينَ ومبادرينَ، وهو كقولك: بادرتُ مجيءَ زيد؛ أي: فعلتُ قبل مجيئه، والمعنى: لا تأكلوا (١) قبل بلوغهم واستردادِهم ما لهم منكم، وليس هذا قصرَ التحريم على الإسراف وعلى مبادرةِ البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالبِ الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ في تقييد (٢) النهي بالإسراف والبِدار إيماءٌ إلى أن للأوصياء حقًّا، فقُسم الأمر بين أن يكون الوصيُّ غنيًّا وبين أن يكون فقيرًا، فاُمر (٣) الغنيُّ بالاستعفاف من أكل مال اليتيم إلى ماله، وتركِ الطمع في مال اليتيم، والاقتناعِ بما رزقه الله تعالى من ماله؛ إشفاقًا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقيرُ بالأكل بالمعروف؛ أي: بأكله قُوتًا مقدَّرًا محتاطًا في تقديره على وجه الأجرة لقيامه عليه بحفظه وتثميره، وعلى اليتيم بتسديده وتدبيره.
وفي الاستعفاف مبالغةٌ، كأنه مأمور بطلب زيادة العفَّة، ولو قال: فليَعْفِفْ، لم يكن فيه ذلك.
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم تسلَّموها وقبضوها وبَرِئتْ عنها
стр. 1026
ذممُكم؛ لئلا يَتوجَّه اليمينُ عليكم عند التناكُر، ولتظهر أمانتكم وتَبرَأَ ساحتُكم عن التهمة، فالأمر بالإشهاد (١) هنا كالأمر به في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلا دلالة فيه على أن القيِّم لا يصدَّق في دعواه إلا بالبيِّنة.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو: محاسبًا يحاسبُكم (٢) بالبراءة وعدمها والقبضِ وعدمه، فعليكم بالتصادُق وإياكم والتكاذُبَ.
* * *
(٧) - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ يريد بهم المتوارتينَ بالقُرابة (٣)، قيل: كان اليونانُ يعطون جميعَ المال للبنات؛ لأنَّ الرجل لا يعجز عن الكسب والمرأةَ تعجز، وكانت العرب لا يعطون البنات، فردَّ الله تعالى على الفريقين، فكان المقام مقامَ التفصيل والإطناب.
وفي عبارة (الرجال) إشارة إلى أن قدرتهم على الكسب غيرُ مانعٍ لاستحقاقهم، فإذا كان الرجل مع قدرته على الكسب مستحِقًّا للنصيب، فالصبيُّ مع عجزه عنه يكون مستحِقًّا له بطريق الأَولى.
﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل من (ما ترك) بإعادة العامل.
стр. 1027
وتقديمُ الظرف على المبتدأ في (الرجال) و (النساء) تخصيصٌ لكلِّ واحدة (١) من القبيلتين بنصيبٍ مفروضٍ على ما فَرض الله مُؤذِنٌ بأنْ لا بد لكلٍّ منهم ما خصَّه الله به لا يستأثرُ به غيرهم ولا يغلبه عليه، ثم أكَّده بقوله:
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني نصيبًا مقطوعًا واجبًا، أو على أنه مصدر مؤكِّد كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، كأنه قيل: قسمةً مفروضةً، أو حال إذ المعنى: ثبت لهم مفروضًا نصيب.
وإنما ذُكِر النصيب على الإبهام لأن التعيين خارج عما سِيق له الكلام في هذا المقام، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه.
(٨) - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾؛ أي: قسمة التركة.
﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ممن لا يرث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من الأجانب.
فرَّق بين مَن لا يرث من الأقارب وبين مَن يرث بقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ حيث لم يعيِّن لهم نصيبًا، وندب إلى أن يُرضخوا بقليلٍ منه إيماءً إلى أنْ لا حق لهم فيه، ألا ترى كيف جعل أموال اليتامى للسفهاء مكان رزقهم حيث قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ لأنها حقُّهم؟
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو أن يدْعوا لهم، ويَستقلُّوا ما أعطَوهم، ولا يمنُّوا
стр. 1028
عليهم، والأمرُ للندب، والمأمور البالغ من (١) الورثة، قالوا: ولو كان فريضةً لضُرب له حدٌّ ولو إجمالًا، كالمتعة حيث قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
(٩) - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَمر الأوصياء بالخشية متمثِّلين (٢) في أنفسهم حالَ اليتامى بحالِ أولادهم على الصفة المذكورة ليخشَوا الله في رعايتهم أو أكلِ مالهم، أو متمثِّلين (٣) المتوفَّى وأبنائه بحالهم وذرياتُهم خَلْفَهم على تلك الصفة، فيَرِقُّوا لهم، وهذا الوجهُ هو الأنسبُ الأَلْيَقُ بنَظْم الكلام من بينِ الوجوه المذكورة في التفاسير، فيكونُ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ تتمةً له، وتصريحًا بحال الأوصياء لو خالفوا مقتضَى الشفقة وأكلوا مال اليتيم، وتهديدًا لهم على ذلك.
و ﴿الَّذِينَ لَوْ﴾ بما في حيِّزه صلةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أي: وليخشَ الذين (٤) حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا لأنْ يتركوا خلفَهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم الضَّياعَ لفَقْدِ كافلِهم وكاسبِهم، وفي ترتيب الأمر عليه إشارةٌ إلى المقصود منه والعلَّةِ فيه، وبعثٌ على الترحُّم وأن يُحِبَّ لأولاد غيره ما يحبُّ لأولاده.
стр. 1029
﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (١) أَمَرَهم بالتقوى الذي هو غاية الخشية بعد ما أَمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهَى إذ لا ينفع الأول بدون الثاني، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب.
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾: ظالمين، أو: على وجه الظلم.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ملءَ بطونهم.
﴿نَارًا﴾ تهويلٌ في الردع، ومبالغة في التهديد، بجعلِ بطونهم ظروفًا مملوءةً نارًا، ولمَّا أراد أن يصوِّر سرعة جَرِّ (٢) ما يأكلون أنفسَهم إلى النار جَعَلهم يأكلون النار كأنه نارٌ بالحقيقة، ونكَّرها؛ أي: نارًا (٣) تتعاظَمُ عن الوصف، وقوَّاهُ بتنكير ﴿سَعِيرًا﴾ في قوله:
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾؛ أي: سعيرًا لا (٤) يُحتمل سماعُ وصفه، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، من: سَعَرتُ النار، بمعنى: ألهَبْتُها، وقرئ: (سيُصلون) بضم الياء وتخفيف اللام (٥) .......................
стр. 1030
وتشديدها (١)، تقول: صَلِيَ (٢) النار: قاسَى حرَّها، وصَلَيْتُه: شَوَيْتُه، وأَصْلَيْتُه وصَلَّيْتُه: ألقَيْتُه فيها.
(١١) - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يأمرُكم وَيعْهَدُ إليكم.
﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: في شأن ميراثهم، وهو إجمالٌ تفصيلُه:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ التعريف في الموضعَين للعهد، والمعهود: الذَّكر والأنثَيان من الأولاد، ولا (٣) حاجة إلى تقدير: منهم.
وتخصيصُ الذَّكَرِ بالتنصيص على حظِّه لفضله على الأنثى، وإنما لم يقل: للذَّكَر مِثْلَا حظِّ الأنثى، أو: مِثْلَ حظَّي الأنثى؛ لأنَّه حينئذ لا يُعلم عدم نقصان حصة الابن عند تعدُّد البنت، فإنها إذا تعدَّدتْ ينتقصُ حصة سائر العصبات، فيجوِّز العقلُ أن تَنقص حصتُه أيضًا إذا تعدَّدت (٤).
стр. 1031
وأمَّا العكسُ فغير محتمَلٍ، فبعبارة المنزَل عُلم حدُّ حصةِ الابن مع البنتين (١)، وبدلالته عُلم حصتُه مع الواحدة.
وأدنى الاختلاطِ: أن يجتمع ابنٌ وبنتٌ، وللابن حينئذ الثلثان، فعُرف بهذه الإشارة أن للبنتين الثلثين (٢) في الجملة، وليس ذلك إلا في حالة انفرادهما عن الأب، ولمَّا كان حكم الاثنتين (٣) حالةَ الانفراد معلومًا بهذه الإشارة رتَّب عليه بيانَ حكمها إذا كانت فوق اثنتين بقوله:
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ﴿كُنَّ﴾ ضميرُ الأولاد طابَق به الخبر (٤)؛ كما في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] (٥)، أو على تأويل المولودات؛ أي إن كانت الأولاد نساءً خلصًا ليس معهنَّ رجل.
﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خبر ثانٍ لـ (كان)، أو صفة للنساء؛ أي: زائدات على اثنتين.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ المتوفَّى منكم، يدلُّ عليه المعنى.
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾؛ أي: المولودة ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وقرئ: ﴿واحدةٌ﴾
стр. 1032
بالرفع على أن (كان) تامةٌ (١)، والنصبُ أوفق لقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾.
ولا يجوز أن يكون الضميران في ﴿كُنَّ﴾ و ﴿كَانَتْ﴾ مبهَمَين مفسَّرَينِ بـ ﴿نِسَاءً﴾ و ﴿وَاحِدَةً﴾ منصوبَين على التفسير على أنَّ (كان) تامةٌ؛ لأن (كان) ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمرًا (٢) يفسره ما بعده، بل هذا مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما.
اختلف في الثنتين، فقال ابن عباس ﵄: حكمُهما حكمُ الواحدة؛ لأنَّه تعالى جعل الثلثين لمَا فوقهما (٣).
وقال الباقون: حكمُهما حكمُ ما فوقَهما؛ لِمَا قرَّرناه فيما سبق، وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ لبيانِ أنَّ كثرة عددِهن لا يزيد على ما لهنَّ عند التعدُّد والانفراد عن الذكور، فشرطُ المفهوم مفقودٌ، على أنه لا يعارض المنطوقَ، والوجهُ الذي قدَّمنا (٤) من قَبيل المنطوق.
وأمَّا ما قيل: إنَّ البنتين أمسُّ رَحمًا من الأختين اللتين تُحرزان الثُّلثين، فهما أولى بذلك الإحراز.
فيَرِدُ عليه: أن الابن مع كونه أمسَّ رحمًا من ابن الأخ قد لا يحرِز ما يُحرزه، كما
стр. 1033
إذا كانت البنت فوق الأربع، وإذا جاز ذلك في (١) العصبة - والمعتبر فيه قوةُ القرابة - فلَأنْ يجوزَ فيمَن لا يُعتبر فيه تلك القوةُ من أصحاب الفرائض بطريقِ الأَولى.
وكذا ما قيل: إن الأخت إذا كانت مع أخيها وجب لها الثلثُ، فبالأَولى أن يجبَ لها ذلك إذا كانت مع أختٍ أخرى مثلِها - غيرُ تامٍّ؛ لأن مَبْناه أيضًا على أن مَن أخذ سهمًا مع وارثٍ يأخذ ذلك السهم مع وارثٍ (٢) آخَرَ دونه بطريقِ الأَولى، وقد عرفتَ عدمَ (٣) صحة ذلك المبنَى.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾؛ أي (٤): ولأبوي الميت.
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ بدلٌ منه بتكرير العامل، وفائدتُه: التنصيص على استحقاق كلِّ واحدٍ منهما السُّدسَ، والتفصيل بعد الإجمال للتأكيد.
﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأٌ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ خبرُه، والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان.
﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: من جُملته.
﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت.
﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ أو أنثى، وولدُ الابن وإنْ سَفلَ يقومُ مَقام الصُّلبيِّ (٥) عند عدمه للإجماع، غير أن الأبَ يأخذ مع الأنثى ما بقي من الفروض بالعُصوبة بعد أخذه فرضَه.
стр. 1034
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (١) فحسبُ.
﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مما ترك.
لم يذكر حصَّةَ الأب؛ لأنَّه لمَّا فُرِض أن الوارث أبواه فقط، وعُيِّن نصيب الأم، عُلم أن الباقيَ للأب، ولم يعكس مع كونه أحقَّ ببيان نصيبه أصالةً لفضله؛ لأنَّه يَلزم حينئذٍ أن يكون هو صاحبَ فرض وصاحبتُه عصبة، وهو خلاف وضع الشرع (٢).
ومعنى القيد: أنه إذا ورث مع أبويه أحدُ الزوجين لم يكن لها الثلثُ مما ترك، بل ثلثُ ما بقي بعد فرضه كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لابن عباس ﵄.
والمعنى: أن الأبوين إذا انفردا بالإرث تقاسَما الميراث للذَّكَر مثلُ حظ الأنثيين (٣)، ولذلك لزم أنهما إذا كانا مع أحد الزوجين كان لها ثلثُ ما بقي، وإلا انقلب الفاضل مفضولًا فيما إذا كانا (٤) مع الزوج؛ لأن فرضه النصف، فلو فُرض لها الثلثُ بقي للأب السدسُ مع كونه أقوى، وكونهِ ذا فرض وتعصيب.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت، والفاءُ هنا أيضًا لترتيب أحد القسمين على الآخر.
﴿إِخْوَةٌ﴾ (٥) المراد منها ما يعمُّ الأخوات على طريقة عموم المجاز، لا على طريقة التغليب؛ إذ حينئذ لا يتناول الأخوات المنفردةَ، وهذا التعميمُ لا بد
стр. 1035
منه عند الجمهور خلافًا لابن عباس، ومن صيغة الجمع ما يتناولُ المثنَّى، وفيه خلافٌ لابن عباس (١).
وإطلاقُ الإخوة يدلُّ على أنهم يردُّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون كما إذا كانوا مع الأب، وعن ابن عباس ﵄ أنهم يأخذون السدس الذين حجَبوا عنه الأم، فالجمهور على أن الاثنين من الإخوة أو من الأخوات أو منهما سواءٌ كانا من الأعيان أو من العَلَّات أو من الأَخياف، متَّفقَينِ أو مختلفَين، محجوبَينِ أو غير محجوبَين يردُّونها من الثلث إلى السدس.
стр. 1036
﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (١) مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ متعلق بجميعِ ما تقدم (٢) من قسمةِ المواريث كلِّها؛ أي: هذه الأنصِباءُ للورثة من بعد ما كان من وصيةٍ يوصي بها أو دين.
وإنما قال بـ ﴿أَوْ﴾ التي للإباحة - ومعنى الإباحةِ هنا: التسويةُ في الوجوب (٣) - دون الواو؛ للدلالةِ (٤) على أنهما متساويان في التقدُّم على القسمة مجموعَين ومنفردَين، وإن لم يكونا متساويين في التعلُّق بالتركة، فإن الدَّين لا يسقط منه شيءٌ بذهاب بعض المال بخلافِ الوصية.
وإنما قدِّمت على الدَّين وهي متأخِّرة عنه في الحكم؛ لأن مَظِنَّة الاشتباه (٥) تقديمها، فكان هو أحوجَ إلى البيان، وأما كونها مشبَّهةً بالميراث فيَشُقُّ إخراجُها على الورثة، فلا يَنتظِم بعض الوصايا كالوصية للحج.
ثم أكَّد أمرَ (٦) الوصية ورغَّب فيها بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ معترِضًا (٧)؛ أي: هم نصحاؤكم وأهلُ شفقَتِكم ومحبَّتِكم لا يريدون بكم إلا خيرًا، باعثًا لهم على إمضائها، مبيِّنًا ذلك المعنى بقوله:
﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أيُّ الفريقين منهم أنفعُ لكم: أهو مَن أَوصى
стр. 1037
منهم أم (١) مَن لم يُوصِ؟ لأنَّ مَن أوصى عرَّضكم لثواب الآخرة بإمضائها، وهو وإن كان آجلًا فهو بالحقيقة أقربُ لكم نفعًا وأوفرُ جَدْوى لأنَّه خيرٌ وأبقى، ومَن لم يُوصِ أبقاكم على خيرِ الدنيا، وهو وإن كان عاجلًا لكنه في الحقيقة أبعدَ نفعًا وأقربَ ضرًّا وأقل جَدْوى لأنَّه سيزول ويفنى.
﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم آباؤكم وأبناؤكم ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾ بيانٌ لحالهم، أو مبتدأ خبره ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾.
﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ في موقع المصدر المؤكِّد؛ أي: فرضَ ذلك فرضًا، أو حالٌ مؤكِّدة بمعنى: مفروضةً؛ أي: لكم الأنصباءُ المذكورةُ بيَّنَّاها مفروضةً.
ولمَّا فَرَض أنصباءهم، وأَثبتَ الوصيةَ (٢)، وسلَب علمَهم به، قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بمصالح (٣) دُنياكم وأُخراكم.
﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما (٤) فَرض وقَسَم من المواريث، وحَكَم به من الوصية وغيرها.
(١٢) - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ
стр. 1038
بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾؛ أي: ولدٌ وارثٌ، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم، وولدُ الابن وإنْ سفلَ يقوم مقام الصُّلبيِّ في الحجب المذكور عند عدمه بالإجماع.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:
يستوي الواحدةُ والعددُ منهنَّ في الرُّبع والثُّمن، فَرَض للرجل بحقِّ الزواج ضعفَ ما للمرأة كما في النسب، قيل: وهكذا قياسُ كلِّ رجل وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى عنه إلا أولادُ الأم والمعتَق والمعتَقة.
وفي الحصر نظر؛ فإن الأبوين أيضًا من هذه الجملة.
﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾؛ أي: الميت.
﴿يُورَثُ﴾؛ أي: يورَث منه، مِن وَرِثَ، صفةٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾.
﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، أو ﴿يُورَثُ﴾ خبرُه و ﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير فيه، وهو مَن لم يخلِّف ولدًا ولا والدًا، أو مفعول له، والمراد بها قرابةٌ ليست من جهة الوالد والولد.
стр. 1039
ويجوز أن يكون (١) الرجلُ الوارثَ، و ﴿يُورَثُ﴾ من أَوْرَثَ، ﴿كَلَالَةً﴾ مَن ليس بوالدٍ ولا ولد.
وقرئ: (يُورثُ) على البناء للفاعل (٢)، فالرجلُ الميتُ، ﴿كَلَالَةً﴾ يحتمِلُ المعانيَ الثلاثَة، وعلى الأول خبرٌ أو حالٌ، وعلى الثاني: مفعول (٣) له، وعلى الثالث: مفعول به.
وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ (٤) لا يقارنُها النسبة (٥)، لأنها كالَّةٌ (٦) ضعيفة بالنسبة إلى التي تقارنها النسبةُ، ثم وُصف بها المورِّثُ والوارثُ (٧) بمعنى: ذي كلالةٍ، كقوله: فلان من قرابتي؛ أي: من ذي قرابتي، ويجوز أن تكون صفةً، كأنه من غايةِ الضعف نفسُ الكلالة.
﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾.
﴿وَلَهُ﴾؛ أي: ولواحدٍ منهما، فلا ضرورةَ للحمل على الاقتصار؛ كما ذهب
стр. 1040
إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه (١).
﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾؛ أي: من الأمِّ، على ما نُصَّ عليه في قراءة: (وله أخٌ أو أختٌ من الأمِّ) (٢) - وقد ذُكر في آخر السورة أن (٣) للأختين الثلثين، وللإخوة الكلَّ، وهو لا يليق بأولاد الأم، وما قُدِّر هاهنا فرضُ الأم (٤)، فيناسبُ أن يكون لأولادها.
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ سوَّى بين الذَّكَر والأنثى لأن الإدلاء بمحضِ (٥) الأنوثة، وقد عَرَفْتَ أن الكلالة استُعيرت لقرابة لا تقارنها (٦) النسبة، فينتظِم قرابةَ الأمِّ والجدَّة دون البنت وبنتِ الابن؛ لأن النسب إلى الآباء دون الأمهات، فلا تخصيص فيَ مفهوم الآية (٧).
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾؛ أي: لورثته، وذلك أن يوصيَ بزيادةٍ على الثلث، أو يوصيَ بالثلث فما دونه ونيَّتُه (٨) مضارَّةُ ورثته لا وجهُ الله تعالى.
стр. 1041
وعن الحسن: المضَارَّة في الدَّين أنْ يوصيَ بدَينٍ ليس عليه، ومعناه: الإقرارُ.
اعتبر المضارَّة في الدَّين أيضًا بناءً على تأخير الحال عنهما، واعتبر الإيصاء فيه أيضًا بناءً على عطفه على ﴿وَصِيَّةً﴾؛ كأنه قيل: أو دَين يوصَى بها، على قاعدةِ تقييد المعطوف بما قيِّد به المعطوف عليه.
﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو منصوبٌ بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على المفعول به، ويؤيدُه القراءة بإضافة (مُضارِّ) إلى (وصيةٍ)؛ أي: (غيرَ مضارِّ وصيةٍ) (١)؛ [أي: لا يضارُّ وصيةً] من الله، وهو الثلث فما دونه بالزيادة، أو بوصيةٍ منه بالأولاد بالإسراف في الوصية والإقرار الكاذب (٢).
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن جار ومَن عدل في وصيته.
﴿حَلِيمٌ﴾ عن الجائر؛ إذ لا يعاجِلُه بعقوبة، وهذا وعيد بليغ.
(١٣) - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدَّمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: شرائعُه التي كالحدود المحدودةِ التي لا يجوزُ مجاوَزتها.
стр. 1042
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حَمل أولًا على لفظ ﴿وَمَنْ﴾ (١) في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فأَفرد، ثم حَمل على المعنى في قوله:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فجَمع، وانتصابُه على الحال المقدَّرة، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ على مذهب الكوفيين، وبه أخذ الزجَّاج هنا (٢)، ولا يحتاج إلى إبراز الضمير عندهم إذا (٣) لم يَلتبس.
﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي تُستحقَرُ دونه الدنيا وما فيها.
(١٤) - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ زاد هاهنا على العصيان تعدِّيَ الحدود - وهو في الأعمال - صرفًا للعصيان إلى ما يكون في العقائد، وفائدتُه: التنبيه على أن المراد من الإطاعة في قسيمه ما يكون في العقائد، وأنَّ الموعود مِن دخول الجنة ليس بمشروطٍ بالعمل
стр. 1043
الصالح، وذلك في مقابلةِ الإهانة؛ لأنَّه لا يتعدَّاها إلا مَن اغترَّ فناسبه (١) الإهانة، والمراد غايتُها، وهذا مستفادٌ من توصيف العذاب به، فإنه ظاهرٌ بحيث لا فائدة في ذكره ما دام محمولًا على إطلاقه، فيحمل على الكمال ليفيد.
وأفرد هنا ﴿خَالِدًا﴾ وجمع فيما قبله إشارةً إلى ما في حقِّ المطيعين من لذةٍ روحانيةٍ ومن حظ الاستئناس، وما في حقِّ العاصين من ألم روحانيٍّ وهو عذاب الوحشة.
(١٥) - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: يفعلن الفعلة القبيحة (٢)، والمراد الزنا؛ لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فاطلبوا أيها الأئمةُ الذين إليكم إقامةُ الحدود.
﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من الرجال المؤمنين (٣) ليشهدوا عليهن بالزنا (٤).
﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهنَّ به.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ فخلِّدوهن محبوساتٍ.
стр. 1044
﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾: يستوفي أرواحهن ﴿الْمَوْتُ﴾، أو: يتوفاهنَّ ملائكة الموت.
قيل: كان ذلك عقوبتَهن في أوائل الإسلام فنُسخ بالحد.
﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كتعيين الحد المخلِّص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السِّفاح.
(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ يعني: الزاني والزانية، وُصِفَا بما يُوصَف به الذَّكَران تغليبًا للذَّكر على الأنثى، والظاهرُ من زيادة ﴿مِنْكُمْ﴾) هنا، ومن زيادة ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فيما سبق، تخصيصُ الحكم بالمسلمين والمسلمات.
﴿فَآذُوهُمَا﴾ بالتوبيخ والتقريع.
قال الحسن: أولُ ما نزل من حدِّ الزنا الأذى، ثم الحبسُ، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النزول على خلاف ترتيب التلاوة.
وقال الضحاك: كان الرجل إذا زنَى بامرأة وكانا بِكرين حُبس كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمر بهما مارٌّ إلا آذاهما بالتعيير.
وعلى هذا يكون الأذى مع الحبس مشروعَين في وقتٍ واحد في حقِّ الرجل والمرأة جميعًا.
وقال مجاهد: آيةُ الأذى في الرجلين؛ أي: الذَّكَرُ يفعل ذلك بالذَّكَر وهو اللِّواطة (١).
стр. 1045
قال أبو منصور: آيةُ الأذى هذا يكون حجةً لأبي حنيفة في أنه يعزَّر ولا يحدُّ بالجَلد أو الرَّجم (١).
﴿فَإِنْ تَابَا﴾ عن المعصية ﴿وَأَصْلَحَا﴾: وغيَّرا الحالَ إلى العفاف.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ بالإغماض والسَّتر، واقطعوا عنهما الأذى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ يَقبل توبة التائب ﴿رَحِيمًا﴾ فلا يعذِّبه، وهو علةُ الأمر بالإعراض وتركِ المذمَّة.
(١٧) - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ مِن تاب الله عليه: إذا قبل توبته، لا مِن تاب العبد: إذا رجع إليه.
﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ مُلْتبسين بها، وليست هي عدمَ العلم بأنه ذنبٌ؛ لأنَّه عذرٌ، لكنها تركُ التفكُر في العاقبة كفعلِ مَن يجهلُه.
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: من زمانٍ قريب؛ أي: قبل حضور الموت؛ لقوله ﵇: "إن الله يقبلُ توبة عبده ما لم يُغَرغِرْ" (٢) وسماه قريبًا لأنَّ أمد الحياة قريبٌ.
стр. 1046
وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنه لم يُرَدْ من القربِ القربُ من عمل السوء حقيقةً.
﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وعد بالوفاء بما وَعد به وكتب على نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وفائدة (أولئك) والفاءِ: أنهم إذا تابوا في هذا الزمان تَسبَّب (١) توبتُهم للقبول.
ومعنى الحصرِ في ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾: التي كتب الله على نفسه قبولَها ليست إلا هذه، فيلزم أن لا يَقبل غيرها، ولهذا فصَل الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: بالتوبة الموصوفة بما يقتضي القبول، والتي لم تتصف به، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يقبل إلا الأولى، فإنه تهديد ووعيد، وما يناسب القبول ترغيبٌ ووعد، فلو لم يكن الحصرُ والسببيةُ لكان ينبغي أن يقول: وكان الله غفورًا رحيمًا.
ولذلك (٢) وللفرق بين التوبتين صغَّر المعصية هنا بتوحيد السوء والتقييد بالجهالة؛ أي: الغفلة، وقيَّد مجال التوبة بالقرب، وعظَّمها في قوله:
(١٨) - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ حيث جمع السيئات، وبعَّد مجال التوبة بحرف الغاية، وأضاف إلى المحتضَر قول التوبة لا نفسها، وزاد قوله:
стр. 1047
﴿الْآنَ﴾، وسوَّى بين الذين سوَّفوا توبتهم (١) إلى ذلك الأمد البعيد الذي هو حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر، مبالغةً في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وأكَّد الوعيد بقوله:
﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: الموصوفون بأحد الوصفين: التوبةِ وقتَ الاحتضار، والموتِ على الكفر، استحَقُّوا عذابًا أليمًا بسبب اتِّصافهم بما ذُكر، وفخَّم وعيدَهم بتقديم الظرف وتنكير العذاب، ووصفَه بالألم، فافهم.
والإعتاد: التهيئة، من العتَاد وهو العُدَّة.
وقيل: أصله: أَعْدَدنا، فأُبدلت الدالُ الأولى تاءً.
وإنما لم يقل: إذا حضرهم (٢) الموت؛ لأن المتبادِر منه الموتُ النادر، وهو أن يموت جماعةٌ معًا، وذلك لا يناسب مقام التغليظ للتقصير.
(١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان الرجل إذا مات وله عصبةٌ، ألقى ثوبه على امرأته، وقال: أنا أحقُّ بها، ثم إنْ شاء تزوَّجها بصَداقها الأول، وإن شاء زوَّجها غيرَه وأَخذ صَداقها، وإن شاء عضَلها لتفتديَ بما ورثت من زوجها،
стр. 1048
فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: لا يحلُّ لكم أن تَحوزوها على سبيلِ الإرث كما يُحاز الميراث وهن كارهاتٌ لذلك، أو مكرَهاتٌ (١) عليه.
والتقييدُ بالكره لتقرير معنى الأخذِ على سبيل الإرث، وإظهارِ ما فيه من القبح، فلا دلالةَ فيه على جوازه إذا كان طوعًا.
وقرئ: ﴿كَرْهًا﴾ (٢) وهما لغتان فيه، وقيل: بالضم المشقَّةُ، وبالفتح ما يُكره عليه.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تم الكلام عند (٣) ﴿كَرْهًا﴾، ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل وهو الحبسُ والتضييق، ومنه: عضَّلَتِ المرأةُ بولدها: إذا اختنقت رحمُها به فخرج بعضه وبقي بعضه.
كان أحدهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العِشرة معها وشكاسةِ الخُلق حتى تفتديَ منه بمالها وتختلع، فمُنعوا منه وقيل لهم: ولا تحبِسوهنَّ لتأخذوا منهن بعضَ ما آتيتُموهن من الصَّداق.
والواوُ لعطف الجملة، وأمَّا عطفه على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ على أن يكون الخطابُ لمَن خوطب فيما سبق، فيأباه قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، ولا يَنتظِم مع قوله:
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الاستثناءُ من أعمِّ عامِّ الظرف أو المفعول له، تقديره: ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقتَ أن يأتين الفاحشةَ، والمراد بها: شَكَاسةُ الخُلق، وإيذاءُ الزوج وأهلِه بالبَذاء والسَّلَاطة، ويدلُّ عليه قراءة: (إلا أنْ يَفْحُشْنَ عليكم) (٤).
стр. 1049
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالإنصاف في الفعل والإجمالِ في القول.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قوله: ﴿فَعَسَى﴾ إلخ علةٌ للجزاء أُقيم مقامه لاستلزامه إياه؛ أي: فلا تُفارقوهن لكراهة النفس وحدَها، واصبروا عليهن مع الكراهة، فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، ونوِّن ﴿خَيْرًا﴾ تعظيمًا، ووصفُه بالكثرة مبالغةٌ.
(٢٠) - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: إن عزَمْتُم على أن تأتوا بزوجٍ مكانَ زوجٍ مستبدِلين بها إياها، وتصويرُ الكلام في هذه الصورة لتعيينِ أن يكون التطليق لرغبته في تجديد الفراش، لا لسببٍ من جهتها فإنه حينئذ يجوز أخذُ المال في مقابَلة الطلاق.
﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾: إحدى الزوجات، جَمع الضمير لأنَّه أراد بالزوج الجنس.
﴿قِنْطَارًا﴾: مالًا كثيرًا، ضمِّن الكلام الإشارةَ إلى جواز المغالاة في الصَّدُقات، ولهذا تعرَّض لكثرة ما أَعطى، والإشارةَ إلى جواز الاستبدال مع تعدُّدها، ولهذا أتى بعبارةٍ تُفصح عنه، وكان يكفي أن يقول: وأتيتم إياها.
﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾: من القنطار ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ باهتينَ وآثمين، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتفعلون هذا مع ظهور قُبحه.
стр. 1050
قيل: يحتمل انتصابها على العلَّة وإن لم تكن غرضًا، كقولهم: قعدتُ عن الحرب جبنًا.
وفيه: أن الإثم ليس بعلة للأخذ، بل الأمر بالعكس.
وتخصيص البهتان بالذكر لأنهم كانوا إذا أرادوا جديدةً بَهتوا التي تحتهم بفاحشةٍ حتى يُلْجئوها إلى الافتداء منهم بما أعطَوها ليَصْرِفوه إلى تزوُّج الجديدة، فنُهوا عن ذلك.
والبهتانُ أفحش الكذب؛ لأنَّه إذا كان عن قصدٍ يكون إفكًا، والإفكُ إذا كان على الغير يكون افتراءً، والافتراءُ إذا كان بحضرة المقولِ فيه يكون بهتانًا؛ لأنَّه يدهشه ويتركه متحيِّرًا، من بهتَ: إذا دَهِشَ وتَحيَّر.
(٢١) - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنكار لاسترداد المهر.
﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: والحالُ أن معكم ما يَصرف عنه، والإفضاءُ هو الخلوة، من الفضاء: وهو المفازة الخالية، كذا فسَّره الكلبي، وهو حجةُ أصحابنا في أن المهر يتأكَّد بالخلوة الصحيحة من غير وطءٍ.
﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: العهد الوثيق، والغليظ: المبالغةُ فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] واللهُ تعالى أخذ هذا (١) الميثاق على عباده لأجلهنَّ فهو كأَخْذِهن.
стр. 1051
وقيل: هو قول الولي عند العقد: أُنكحكَ على ما في كتاب الله من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، وكان ذلك معتادًا في السلف.
(٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾: التي نكح.
﴿آبَاؤُكُمْ﴾ وإنما ذكر ﴿مَا﴾ دون: مَن؛ لأنَّه أريدَ به الصِّفةُ.
وقيل: مصدريةٌ على إرادة المفعول من المصدر، فلا يأباه البيانُ بقوله:
﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ وِزانُه وِزانُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ففائدتُه تأكيد ما في ﴿نَكَحَ﴾ من العموم.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قيل: استثناءٌ من المعنى اللازم للنهي؛ كأنه قيل: تستحقُّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد مضى قبل التحريم، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم؛ كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائب (١)
والمعنى: ولا تنكحوا حلائلَ آبائكم إلا ما قد سلف إنْ أمكنكم أن تنكحوه (٢).
стр. 1052
وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور (١)، وتقف على أن هذا هو الوجه (٢).
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ علةٌ للنهي، وزيادة ﴿كَانَ﴾ للدلالة على أنه لم يرخَّص فيه في شريعةٍ من الشرائع.
﴿وَمَقْتًا﴾: ممقوتًا، والمقت: البغضُ باستحقار.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سبيلُ مَن يراه ويفعلُه.
وكانوا ينكحون روابَّهم (٣)، وناسٌ من ذوي مروءاتهم يمقُتونه ويسمُّونه (٤): نكاحَ المقت، وكان المولود عليه يسمَّى: المَقْتيَّ، ولذلك قيل: ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾؛ أي: في دِين الله تعالى مُفْرِطةَ القبح، مقتًا في المروءة والعرف، ولا مزيدَ على ما يجمع القبحين شرعًا وعرفًا، وبه زاد على الزنا، فإنه تعالى قال فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
стр. 1053
(٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ أراد تحريم التمتُّع بهن؛ لأن المفهوم في العرف مِن حُرمته (١): عينُ حرمةِ ما هو المقصود منه، ويلزمه حرمة النكاح؛ لأنَّه موضوعٌ لملك المتعة فلا يصح بدونه.
والأم حقيقةً: هي الوالدة، وفي معناها: كلُّ امرأة (٢) رجع نسبُك إليها بالولادة من جهةِ أبيك أو من جهةِ أمك.
والبنت: هي كلُّ ابنة ولدْتَها، وفي معناها: كلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة؛ بدرجةٍ أو درجات، بإناثٍ أو ذكور.
والأختُ: كلُّ مَن جمعك وإياها صُلبٌ أو بطنٌ.
والعمة: كلُّ مَن جمع أباك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدَّك - قريبًا كان أو بعيدًا - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.
والخالة: مَن جمع أمَّك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدتكَ - قريبةً كانت أو بعيدةً - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.
стр. 1054
ونوافلُ الأخ والأخت وإن بَعدت داخلاتٌ في الحكم بالذكور يُدْلِين، أو بالإناث والإخوة من أيِّ جهة كانت.
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ نزَّل الله تعالى تعالى الرَّضاعةَ منزلةَ النسب، حتى سمَّى المرضعةَ: أمًّا، والمراضِعةُ: أختًا، فلزم منه أنَّ زوج المرضعة أبوه، وأبويه جدَّاه، وأختَه عمتُه، وكلّ ولدٍ وُلد له من غير المرضعة (١) قبل الرضاع وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه (٢)، وأمّ المرضعة جدتُه، وأختها خالتُه، وكلّ مَن ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﵇: "يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ مِن النَّسَب" (٣).
وقالوا: تحريم الرَّضاع كتحريم النَّسب إلا في مسألتين:
إحداهما: أنه لا يجوزُ للرجل أن يتزوَّج أخت ابنه من النسب، ويجوزُ أن يتزوج أخت ابنه من الرَّضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
والثانية: لا يجوز أن يتزوَّج أمَّ أخيه من النسب، ويجوز في الرَّضاع؛ لأن المانع
стр. 1055
في النسب وطءُ الأبِ إياها، وهذا المعنى غيرُ موجود في الرَّضاع.
وفي الحصر نظرٌ؛ لأن أمَّ النافلةِ - أي: زوجةَ الابن (١) - وجدةَ الولد أيضًا يَحرمان من (٢) النسب؛ لأن أمَّ النافلة زوجةُ الابن، وجدةَ الولد أمُّ الزوج، ولا يحرمان من الرضاع؛ كمَن أرضعت ولد ولدِك، وكأمٍّ (٣) أجنبيةٍ أرضعت (٤) ولدك.
هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب، فلا حاجة إلى الاستثناء أصلًا.
﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر أولًا محرَّمات النسب، ثم الرَّضاعةِ لأنها لُحمةٌ كلُحمة النسب، ثم محرَّمات المصاهرة فإن تحريمهنَّ عارض لمصلحة الزواج.
والربائب: جمع رَبيبة، والربيبُ ولد المرأة من آخَرَ، سُمي به لأنَّه يربِّيه كما يربي ولدَه في غالب الأمر، فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ، وإنما لحقه التاءُ لأنَّه صار اسمًا لولد المرأة وإنْ لم يُربِّه.
وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ كنايةٌ عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم، وقالوا: إنَّ ذِكره خَرج مَخرجَ العادة لا مخرجَ الشرط، ولهذا اكتُفي في موضع الإحلال بنفي الدخول، وهذا ما بحسب جليلِ النظر، والذي هو بحسبِ دَقيقه هو أنه تقويةُ العلة (٥) وتكميلُها.