← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بنعمةٍ عظيمةٍ؛ وهيَ السلامةُ، وهرب العدوِّ منهم (١). ﴿وَفَضْلٍ﴾: وهو الربح في التجارةِ، فإنهم لما أتوا بدراً وافوا بها سوقاً فاتَّجروا وربحوا (٢). ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: ما يسوؤهم من الضررِ؛ بَدنيًّا كانَ أو ماليًّا، والتنكيرُ للتقليل والتحقير (٣). ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارينِ، بجرأتهم وخروجِهم. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: بتوفيقِهم لما فعلوا، والتفضُّلِ عليهم بسعادةِ الدنيا والآخرة من الربحِ والرِّضوان، وفيهِ تحسيرٌ للمتخلفِ، وتخطئةُ رأيهِ حيث حرَمَ نفسَهُ ما فازوا به. (١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إنما ذلكُم المثبِّط (٤) هو الشيطان، وما بعدَهُ بيانٌ لشيطنتِه (٥)، أو صفتُه (٦) وما بعدَهُ خبرُه، وبجوزُ أن تكون

стр. 982

الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: إنما ذلكُم قول الشيطانِ، يعني: إبليسَ. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ القاعدين عنِ الخروجِ مع الرسولِ ﷺ ، أو: يخوفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ الثاني على الأول، وللأولياء على الثاني. ﴿وَخَافُونِ﴾: من مخالفة أمرِي، فجاهِدوا مع رسولي. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ يرجِّحُ خوفَ اللهِ تعالى على كلِّ خوفٍ. * * * (١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعونَ فيه سريعاً، ويرغَبون فيهِ أشدَّ رغبةٍ، وهم المنافقونَ وقومٌ من اليهودِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] (١). والمعنى: لا يحزُنك خوفُ أن يضروك ويُعينوا عليك؛ لقولِه: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يضرُّوا أولياءَ اللهِ بتلك المسارعةِ، وإنما يضرُّون بها أنفُسَهم، وإنما أضاف الضررَ إلى نفسِه تشريفاً لأوليائه. و ﴿شَيْئًا﴾ يحتمِلُ المفعولَ والمصدرَ، وتنكيرُه للتحقيرِ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾: نصيباً في الثوابِ.

стр. 983

﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: وهو يدلُّ على تمادي طغيانهم وموتِهم على الكفرِ. وفي ذكرِ الإرادة إشعار بأن كفرَهم بلغ الغايةَ حتى أرادَ أرحمُ الراحمينَ أن لا يكونَ لهم حظٌّ من رحمتِهِ، أو بأن مسارعتَهم إلى الكفرِ لأنهُ تعالى لم يُرِد لهم أن يكونَ لهم حظٌّ في الآخرةِ. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مكانَ الثوابِ. * * * (١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: تعميم للكفرةِ بعد تخصيصِ المنافقينَ وقومٍ من اليهودِ، فيتناولُهم ويكونُ كالبرهانِ على أن وبالَ كفرهم وضررَهُ لا يعود إلا إليهم، وأن لهم عذاباً مؤلماً مع عِظَمه. * * * (١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نصبٌ على المفعوليةِ على قراءة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاءِ (١). والخطابُ لكل مَن يحسَبُ، وقد نبَّهتُ فيما سبق على أن هذا أبلَغُ من تخصيص الخطابِ بالرسول ﷺ ، وقولُه: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾: بدلٌ منه على الاشتمالِ (٢)، و (ما) مصدريةٌ،

стр. 984

وحقُّها أن تُكتبَ منفصلةً، ولكنها وقعَت في خطِّ الإمامِ متصلةً فاتُّبعَ سُنتُه. وإنما اقتصَرَ على أحد المفعولَينِ مع امتناعِ ذلك في أفعال القلوبِ؛ لأن الاعتمادَ على البدلِ، والمبدَلُ منه في حكم المنحَّى ليس بمقصود، فالبدلُ وهو (أنَّ) معَ اسمِه وخبرِه ينوبُ عنِ المفعولين، ويجوزُ أن يقدَّرَ مضافٌ، أي: ولا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا (١). وعلى قراءته بالتاءِ ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفعٌ على الفاعليةِ. والإملاء: الإمهالُ وإطالةُ العمرِ، وقيلَ: تخليَتُهم وشأنَهم، مِن: أملى لفرسِه، إذا أرخى لهُ الطِّوَلَ ليرعى كيف شاءَ. ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: جملة استئنافية لتعليل الحكم السابقِ، و (ما) كافةٌ، واللامُ للتعليلِ، فإن القائلينَ بأن الخيرَ والشرَّ بإرادةِ الله تعالى يجوِّزون التعليلَ بمثل هذا، إما لأنَّه غرضٌ والغرضُ لا يلزَمُ أن يكونَ مطلوباً، بل يكفي جعلُه غايةً للفعل، وإما لأنهُ مرادٌ مع الفعل تشبيهاً بالعلةِ، وهم الذين لا يجعلون فعلَ الله تعالى معلَّلاً بالغرض. وقرئ: (أنما) بالفتح وبكسر الأولى (ولا يحسبن) بالياء (٢)، على معنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ بل للتوبة والدخولِ في الإيمان، و (إنَّ ما نملي لهم خيرٌ) اعتراضٌ معناه: إن إملاءنا لهم خيرٌ إن انتبَهوا وتداركوا فيهِ ما فرَطَ منهم.

стр. 985

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على هذا (١) يجوزُ أن يكون حالاً من الواو؛ أي: ليزدادوا إثماً معدًّا لهم عذابٌ مهينٌ، * * * (١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ أراد استمرارَ النفي، لا نفيَ الاستمرارِ، فمعنى ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار واللامُ في: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيدِ النفي. ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاطِ المؤمنين المخلِصين بالمنافقين حتى يَميزَ بينَهُم، والخطابُ للمؤمنين المخلصين؛ لأنهم الممنونُ عليهم، والموصوفون بالطيبِ، ولقوله: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾. ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ تسجيل على المنافقين بالخبثِ، وعلى المؤمنين بالطيبِ؛ أي: حتى يُعزَلَ المنافق عن المخلصِ لئلا يتعدَّى خبثُهُ إليهِ. والالتفاتُ إلى الخطاب تقريبٌ للمؤمنين وتخصيصٌ، والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يُعرَفُ مخلِصكم من منافقكم حتى يميزَ المنافقَ من المخلصِ، بالوحيِ إلى نبيِّهِ بأحوالكم، أو بالتكاليفِ الشاقة التي لا يَصَرُ عليها ولا يُذعِنُ لها إلا الخلَّصُ المخلِصون منكُم؛ كبذل الأموالِ والأنفسِ في سبيل الله؛ ليختبِرَ بواطِنكم، ويستدلَّ به على عقائدكم.

стр. 986

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: من مضمرات (١) القلوبِ وغيرِها، فإنَّ ذلك مما (٢) استأثرَ اللّهُ تعالى به. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: فيعلَم بعضَ المغيَّباتِ بالوحيِ أو بطريقٍ آخرَ، وليسَ هذا مِن قبيلِ الاطلاع، ولذلك قطعَ الاستثناءَ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بأن تعرِفوه حقَّ معرفتِهِ، وتعلَموه وحدَهُ مطَّلعاً على الغيبِ. ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بأن تعلَمُوهم عباداً مجتبَين، لا يعلمُون إلا ما علَّمَهم اللهُ تعالى، ولا يخبِرُون إلا بما أخبرَهم اللهُ تعالى من الغيوبِ بالوحي، وليسوا (٣) من علمِ الغيب في شيءٍ قليلٍ. قال الكافرون: إن كانَ محمدٌ صادقاً فليخبرنا بمن يؤمنُ منا ومَن يكفُرُ، فنزلَتْ (٤). وقيلَ: إنه ﵇ قالَ: "عُرِضَت عليَّ أمتي، وأُعلِمت مَن يؤمن بي ومَن يكفُرُ" فقالَ المنافقون: إنه يزعمُ [أنه يعرف] مَن يؤمن بهِ ومَن يكفُرُ، ونحنُ معه ولا يعرِفُنا، فنزلَت (٥). ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ حقَّ الإيمانِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النفاقَ ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه. * * *

стр. 987

(١٨٠) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ القراءات فيه ما سبقَ، ومَن قرأ بالتاءِ قدَّرَ مضافاً ليتطابقَ مفعولاهُ؛ أي: ولا تحسبنَّ بخلَ الذين يبخلُون هو خيراً لهم. وكذا مَن قرأ بالياءِ وجَعلَ فاعلَهُ ضميرَ الرسول، أو: حاسبٌ، ومَن جعلَ فاعلَهُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ جعَل مفعولَهُ الأولَ ما دلَّ عليهِ ﴿يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: بخلَهم، وسوَّغَ حذفه لذلك (١)، ﴿هُوَ﴾ فصل، وقرئ بغير (هو) (٢). ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: البخل ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لاستجلابِ العقاب عليهم. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفسيرٌ لقولهِ: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، والتطويق يستفاد للإلزام تشبيهاً لما لا ينفَكُّ عن الرجلِ بالطَّوقِ؛ أي: يستلزمون وبالَ ما بخلوا بهِ إلزامَ الطوقِ. وقيل: يُجعَلُ ما بخِلوا من الزكاة حيةً يُطوَّقُها في عنقِه يوم القيامةِ تنهشُهُ مِن قرنه إلى قدمِهِ، وتنقُرُ رأسَهُ وتقولُ: أنا مالُكَ (٣). ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما يتوارثُهُ أهلُها من مالٍ وغيرِهِ، فما لهم يبخلُونَ عليهِ بماله (٤) من ملكِه، ولا ينفقُونَهُ في سبيلِه.

стр. 988

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المنعِ والإعطاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكُم، وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (١)، وهو أبلغ في الوعيد (٢). * * * (١٨١) - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قالتهُ اليهودُ لمَّا سمعوا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وعيدٌ بليغٌ، وقد أكَّدَهُ بالقسَمِ في ﴿لَقَدْ﴾؛ أي: ولم يخفَ عليهِ، وأنهُ أعدَّ لهم العقابَ عليهِ. وكذلكَ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ كما يقولُ المهدِّدُ لمرتكب الجرائمِ إذا وقفَ منه على جريمةٍ جديدةٍ: لقد سمِعتُها، وسأكتُبها مع صواحبِها، يريدُ ما نسيتُ (٣) جرائمك أجمعها، وأُلحقُ إحداها بالأُخرى محفوظةً مكتوبةً عندي حتى أواخذك (٤) بالكلِّ. فالكلامُ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية، ومفرداتُه على حقائقها، والسينُ لتأكيدِ الإثباتِ، كما أنَّ (لن) لتأكيدِ النفي، أتى بها ليكونَ الوعيدُ على طريقِ التأكيدِ، كما في الإخبارِ بوجود السماعِ لأنَّ الجريمة عظيمةٌ، إذ هو كفرٌ بالله تعالى، واستهزاءٌ بالقرآن.

стр. 989

﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾: هذا العطفُ تذكيرٌ لهم بما يستحقُونَ بهِ أشدَّ العذابْ إظهاراً لشدةِ الغضبِ، وتوبيخٌ شديدٌ؛ أي: هذه عظيمةٌ مثلُها، ولهم سوابقُ في ذلكَ، ومَن ارتكبَ قتلَ الأنبياءِ لم يُستبعَد منهُ الاجتراءُ على مثل هذا القولِ. ولا احتمالَ لأنْ يكونَ قتلُ الأنبياء بحقٍّ فقولِه: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بيانٌ للواقع زيادةً في التفضيحِ. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ تتمةٌ للوعيدِ معَ تهكّمٍ بالغٍ، ننتقم منهم بهذا القولِ، وذُقْ كلمةٌ يقولُها المنتقِمُ للمنتقَمِ منهُ؛ أي: ذوقوا كما أذقتُم المسلمينَ الغُصصَ. * * * (١٨٢) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّ من عذابِ الحريقِ تهويلاً وتعظيماً. والذوقُ: إدراكُ الطعمِ، وعلى الاتِّساعِ يُستعمَلُ لإدراك سائرِ المحسوساتِ والحالاتِ، والتهكُّمُ بهِ لأن سببَ العذابِ قولُهم الناشئُ عن البخلِ والتهالكِ على المالِ، وغالبُ الحاجةِ إليهِ لتحصيلِ المطاعم، ومعظَمُ بخلِه للخوفِ من فقدانِه، ولذلكَ كثُرَ ذكرُ الاكلِ مع المالِ. ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى العذابِ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن قتلكم الأنبياءَ، وقولهم هذا، وسائرِ معاصيهم (١). ولما كانَ أكثرُ الأعمالِ تُزاول بالأيدي، جعَلَ كل عملٍ وإن كان بالقلبِ أو اللسانِ

стр. 990

وسائرِ الجوارح عملاً بالأيدي، على سبيلِ التغليبِ، ولأن اليدَ مظهَرُ القدر (١) وآلةُ المباشَرةِ نسبوا الكسبَ إليها، كأنهم أرادوا كسبَ النفسِ وحدَها بلا مشاركةِ أحدٍ فيهِ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: عطف على ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾؛ أي: ذلك بسببِ كسبكُم بأنفسكُم، وبأن الله عادلٌ لا يجازيكُم إلا بما كسبتُم. وقضيةُ العدلِ: عقابُ المسيء وثوابُ المحسن، وصيغةُ المبالغة للتنبيهُ على أن شأنَهُ تعالى البلوغُ إلى الغايةِ في كلِّ وصف يتَّصفُ به، فعلى تقدير اتصافهِ بالظلمِ يلزَمُ أن يكون ظلَّاماً. * * * (١٨٣) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: هم كعبُ بن الأشرفِ وأضرابه (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ يعني: أمرَنا في التوراة وأوصانا. ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾: بأن لا نؤمن. ﴿لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: بهذه المعجزةِ الخاصة التي كانت لبني إسرائيلَ، وهو أن يقرِّبَ بقربانٍ، فيقوم النبيُّ فيدعُوَ، فتنزلَ نار سماويةٌ فتأكله؛ أي: تُحيله إلى طبعها بالإحراقِ.

стр. 991

﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ﴾؛ أي: جاءَ أسلافَكم الذي أنتُم على ملَّتِهم وراضون بفعلهم. ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إلزامٌ لهم بأنَّ رسلاً جاؤوهم قبلَه كزكريَّا ويحيى ﵉ بمعجزاتٍ موجبةٍ للتصديقِ، وبهذه الآيةِ التي اقترحوها، فلمَ قتلُوهم إن كانوا صادقين (١) أن الإيمان يَلزمهم بإتيانها. وأما ما قيلَ: أن هذه الآيةَ ما أوجبت التصديقَ والايمان (٢) إلا بكونها آيةً ومعجزةً، فهي إذاً وسائرُ الآيات سواءٌ في ذلكَ، فلا يُجدي نفعاً في دفعِ ما قالُوا؛ لأنهم (٣) ادعوا العهدَ من الله تعالى فيهِ ذلكَ. قال السديُّ: إن الله أمر بني إسرائيلَ في التوراةِ: مَن جاءكم يزعمُ أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقُوه حتى يأتيَكُم بالقربان تأكلُه النارُ من السماءِ، حتى يأتيكُم المسيحُ ومحمدٌ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغيرِ قربانٍ (٤)، فما ذكروه ليسَ مِن مُفترياتهم بل مِن محرَّفاتهم. * * *

стр. 992

(١٨٤) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: تسلية للرسولِ ﷺ مِن تكذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهودِ. ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الزبر: جمعُ زبورٍ، وهو المكتوبُ، يقالُ: زبرَهُ؛ أي: كتَبهُ، والجمعُ يدلُّ على الكثرةِ، فالمراد (١) منهُ الصحفُ، ومن الكتاب المنيرِ: التوراةُ، والزبورُ، والإنجيلُ. وقرئ: ﴿وَبالزُّبُرِ وَبالْكِتَابِ﴾ بإعادةِ الجارِّ فيهما (٢)، للدلالةِ على أنها مغايرةٌ للبيناتِ بالذاتِ، وأنَّ الكتابَ مغايرٌ لها. * * * (١٨٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّقِ والمكذِّبِ، وهو من تمام التسليةِ؛ إذ بذكرِ الموتِ والفكرة (٣) يهونُ ما يصدُرُ من الكفار من التكذيب وغيره، وفيه دلالةٌ على أن النفسَ غيرُ البدنِ، وأنها لا تموتُ بموتهِ. وقرئ: (ذائقَةٌ الموتَ) بالنصبِ مع التنوين على الأصلِ وعدمِه لالتقاء الساكنين (٤).

стр. 993

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾: تعطَون ثوابَ أعمالكم تامًّا وافياً. ومَن قالَ: جزاءَ أعمالكم خيراً كان أو شراً، فكأنه لم يفرّق بين الأجرِ والجزاءِ. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يعني: في (١) دار الآخرةِ. ولفظُ التوفيةِ إن لم يشعِر بأنه قد يكونُ في هذه الدارِ بعضُ الأجورِ فلا يدلُّ على عدمه، فلا ينافي عليهِ ما يدلُّ على وقوعِهِ من الأخبارِ، كقوله (٢) ﵇: "الصدقةُ والصلاةُ تَعْمُر أن الدِّيارَ وتَزيدان في الأعمار" (٣). وأما ما يُعطى في القبرِ فمما يؤتى (٤) في الدارِ الآخرةِ؛ لأنَّ الموتَ بابُها، والقبرَ أولُ المنزلِ. ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾؛ أي: بُعِّد عنها، وقد سبق في سورة البقرة. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ بالنجاةِ ونيل المرادِ، والفوزِ الظفرِ بالبغيةِ. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لذَّاتُها وزخارِفُها ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: شبَّهها بالمتاع الذي يُدلَّسُ به على المستامِ ويُغرُّ حتى يشتريَهُ، ثم يتبيَّنُ له فسادُهُ ورداءته، والمدلِّسُ هو الشيطانُ.

стр. 994

وإنما هذا التشبيهُ تنفيرٌ وتحذيرٌ لمن اشتراها بالآخرةِ، ويؤْثرُها عليها، وأما بالنسبةِ إلى مَن باعَها بالآخرةِ وعلمَ سرعةَ نفادِها (١)، واتخذ منها زادَهُ، وتركَها واختار الباقيةَ فهي متاعُ (٢) العبورِ لا الغرورِ، والغرورُ مصدرٌ، والإضافةُ للملابسةِ. * * * (١٨٦) - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾؛ أي: والله لتُختَبرُنَّ ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بتكليفِ الإنفاق وما يصيبُهُ من الآفات ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالجهاد والقتلِ، والأسرِ والجَرحِ، وما يَردُ عليها من المخاوفِ والأمراضِ والمتاعب. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾: من هجاءِ الرسولِ ﷺ ، والطعنِ في الدين، وإغراءِ الكفرةِ على المسلمينَ. أخبرَهم بذلك قبلَ وقوعِها ليوطِّنوا أنفسَهم على الصبرِ والاحتمالِ، ويستعدُّوا للقائها حتى لا يرهقَهم نزولها فيفوتَهم الصبرُ والأجرُ والكرامةُ. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ أمرِ الله ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ يعني: الصبرَ والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: من معزومات الأمورِ؛ أي: مما يجبُ العزمُ عليه من الأمورِ، أو مما عزم الله أن يكونَ منكم، وقطعَه عليكُم، وبالغَ فيه.

стр. 995

والعزمُ: القطعُ، قالَ ﵇: "لا صيامَ لمن لم (١) يَعزمِ الصيامَ من الليل" (٢)، أي: لم يبيّت، ولا اختصاصَ له بالرأي. * * * (١٨٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: اذكر وقتَ أخذِه ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يريدُ به العلماءَ.

стр. 996

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: حكايةٌ لمخاطبتهم (١)، وقرئ بالياءِ (٢) لأنهم غُيَّبٌ. واللامُ جوابُ القسمِ الذي نابَ عنه قولُه: ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ﴾ والضميرُ للكتابِ. ﴿فَنَبَذُوهُ﴾، أي: الميثاقَ وما عُهِدَ إليهم. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ شنَّعَ على أهل الكتابِ، وبالغَ في توبيخِهم بأنهم إذ اخذَ الله ميثاقَهم وعهِدَ إليهم، وأكَّدَهُ بالقسمِ أن يُظهِروا الكتاب، وأوجبَ عليهم بالتأكيدِ بيانَ ما فيه واجتنابَ كتمانِه، فقابلوا مبالغته في ذلكَ بالمبالغةِ في اطِّراحه وتركِه، فإن النبذَ وراء الظهرِ مثلٌ في (٣) الطرحِ بالكليَّةِ وتركِ الاعتدادِ بالشيءِ. النبذُ: الرميُ والإبعادُ، وفي الحديثِ: أنه مرَّ بقبر منتبذ عن القبور (٤)، أي: منفردٍ بعيدٍ عنها (٥). والوراءُ كما يطلَقُ على الخلفِ يطلَقُ على الأمامِ، فإضافتُه إلى الظهرِ لتعيين معنى الخلفِ. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ﴾: وأخذوا بدله (٦). ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مِن حطام الدنيا وأعراضِها.

стр. 997

﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: يختارون لأنفُسِهم، وقد سبقَ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة البقرةِ. وكفى به دليلاً على أنه مأخوذٌ على العلماءِ أن يُبيِّنوا الحقَّ للناسِ، وأن لا يكتموا مما علِموه شيئاً لغرضٍ فاسدٍ؛ مِن تسهيلٍ على الظَّلمةِ، وتطييبٍ لنفوسِهم، واستجلابٍ لمسارِّهم (١)، أو لجر منفعةٍ، أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليهِ ولا أمانةَ، أو لبخلٍ (٢) بالعلم أو غيره أن يُنسَب إليه غيرُهم. وعنِ النبيِّ ﷺ : "مَن كتمَ علماً عَن أهلِه أُلجِمَ بلجامٍ من نارٍ" (٣). * * * (١٨٨) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الخطابُ لرسول الله ﷺ ، ومَن ضمَّ الباءَ جعل الخطابَ له وللمؤمنينَ. وأحد المفعولَين ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثاني ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، وقولُه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ، والفاءُ للإشعار بأن أفعالهم المذكورةَ علةٌ لنفي الحسبانِ والنهي عنهُ، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحُون بما فعلوا من التدليسِ وكتمان الحقِّ، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا

стр. 998

لَمْ يَفْعَلُوا﴾ منَ الوفاءِ بالميثاقِ، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصدقِ ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ منجاةٍ ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي (١): فائزينَ بالنجاة منهُ. وقرئ بالياء وفتح الباء في الأول وضمِّها في الثاني (٢)، على أن ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ ومفعولا ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوفانِ يدلُّ عليهِما مفعولا مؤكِّدِه، وكأنه قيلَ: ولا يَحْسِبنَّ الذين يفرحون بما أتوا فلا يَحْسِبُنَّ أنفسهم بمفازةٍ. وقيلَ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ للفعلِ وفاعلِه ومفعولِه الأول (٣). وفيه: أن التأكيد للفعلِ والفاعلِ فقط إذ ليسَ المذكورُ سابقاً إلا الفعلُ والفاعلُ (٤)، فالضميرُ المنصوب المتصلُ بالتأكيدِ هو المفعولُ الأول ولا حذفَ (٥). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم وتدليسهم، روي أنه ﵇ سألَ اليهود عن شيء في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيهِ، وأروهُ أنهم قد صدَقوه وفرحوا بما فعلوا، فنزلت (٦)، وقيلَ غيرُ ذلكَ.

стр. 999

والحقُّ أنه شاملٌ لكلِّ مَن أتى بحسنةٍ ففرحَ بها فرحَ إعجابٍ، وأحبَّ أن يحمدَهُ الناس بما ليسَ فيه من الفضيلةِ، وبما لم يفعل من أنواع البرِّ، وأَوْهَم ولبَّسَ، وإن كان السببُ خاصًّا. * * * (١٨٩) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو يملك أمرَهم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على عقابهم. * * * (١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لدلالاتٍ واضحةً على وجود الصانعِ ووحدَتهِ، وكمالِ علمِه وقُدرَته لذوي العقولِ الخالصة عن قشورِ الأوهامِ، والعاداتِ الصافيةِ عن مشوبِ الهوى، والخيالاتِ المدركةِ للحقائقِ بنظرِ الاعتبار، المتدبرةِ للمعاني بصوابِ الأفكارِ، وعن النبي ﷺ : "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" (١). والاقتصارُ على الثلاثةِ المذكور لأن مناطَ الاستدلالِ هو التغييرُ وأنواعُه الثلاثةُ يوجَدُ فيها؛ لأنَّه إما أن يكون في الأحوال الخارجةِ عن الشيءِ كتغير الأفلاكِ، أو في جزئه كتغيرِ العناصرِ بتبدُّلِ صورها، أو في ذاته كتغيرِ الليل والنهارِ، ووجهُ الترتيب ظاهرٌ.

стр. 1000

(١٩١) - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ محلُّهُ النصبُ على الحال عطفاً على إخوتهِ؛ أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين، يعني: يذكرونَ اللهَ تعالى ذكراً دائماً على أيِّ حالٍ كانوا من قيامٍ وقعودٍ واضطجاع. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: في خلقِ العالم استدلالاً واعتباراً، وهو أفضلُ العباداتِ كما قالَ ﵇: "لا عبادة كالتفكُّر" (١) لأنَّه عملُ القلبِ. والمقصود من الخلق (٢)، وفيهِ إشعارٌ بأن ذوي الألبابِ بيانَهم وتفسيَرهم الذين يذكُرون اللهَ دائماً على أيِّ حالٍ كانوا، المتفكِّرُون في خلقِه. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: مقولُ قولٍ مقدَّرٍ؛ أي: يقولونَ، وهو في موضعِ الحالِ بمعنى: يتفكَّرون قائلينَ، و ﴿بَاطِلًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: ما خلقتَهُ خَلْقاً باطلاً بغيرِ حكمةٍ، أو حالٌ من ﴿هَذَا﴾، وهو إشارة إلى ما عبَر عنه بقُطريهِ، وهو عالَمُ الملكِ، وفيه ضربٌ من التعجيبِ، وظهورِ أمره في العظمةِ. وكما أنَّ (ذلك) يُستعمَلُ في التعظيمِ. لبعدِ المرتبةِ وعلوِّ القدرِ، فكذلك (هذا)

стр. 1001

يستعمَلُ لظهورِ أمره في ذلكَ المعنى، وتعيُّنهِ وانفرادِه بذلكَ (١)؛ أي: ما خلقتَ هذا العالمَ العجيبَ الشأنِ، النتز البرهانِ، المتفردَ (٢) بالعظمةِ وغرابةِ الإبداعِ، باطلاً. وفي السكوتِ على هذا القدْرِ من البيان دلالةٌ على قصور العبارةِ عن بيانِ فوائده ومنافعِه ولو إجمالاً. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهاً لكَ من فعل العبثِ، وخلقِ الباطلِ، وهو اعتراضٌ. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ للإخلال بالنظرِ فيهِ، والقيامِ بما يقتضيهِ، ولكونِ الدلالة على وجوبِ الاعتبار به واجتنابِ الغفلةِ عنهُ مأخوذةً في: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حَسُنَ تعقِيبهُ بهذا الكلام. والفاءُ للسببيةِ، أي (٣): إذا ذكَرناك وأقرَرنا بك فقِنا. * * * (١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ غايةَ الإخزاءِ، وهذا مستفادٌ من جعل الجزاءِ أمراً ظاهر اللزوم للشرطِ بحيثُ لا فائدةَ في ذكرِه ما دامَ محمولاً على إطلاقِه، فيُحمَلُ على أخصِّ الخصوص ليفيدَ، والمرادُ به تهويلُ المستفادِ منه. قالَ ابن السكِّيتِ: خَزِيَ يخزَى خزياً؛ إذا وقعَ في بليةٍ؛ فلا إشعارَ فيه بأن العذابَ الروحاني أفظَعُ.

стр. 1002

وقد تمسَّكَ بهذه الآيةِ أصحابُ الوعيدِ وقالوا: مَن دخلَ النار ينبغي أن لا يكونَ مؤمناً؛ لقولِه: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]. والجوابُ: أن المرادَ من الذينَ آمنوا معهُ الأصحابُ ﵃، لا الذينَ آمنوا مطلقاً (١). ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ اللام للعهدِ، والإشارةِ إلى مَن يدخلُ النارَ، والإعلامِ بأن مَن يدخُلُ النارَ فلا ناصرَ لهُ، ووُضع المظهَرُ موضعَ المضمرِ للدلالة على أن ظلمَهم سببٌ لإدخالهم النارَ وانقطاعِ النصرة عنهم في الخلاصِ منها، ولا يلزَمُ من نفي النصرةِ نفيُ الشفاعة؛ لأن النصرةَ دفعٌ بقهرٍ. * * * (١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ إذا أُريدَ (٢) تخصيصُ سماع القول بمن سُمعَ منهُ، وأُوقعَ (٣) الفعلُ على مَن سُمعَ منهُ، وحُذِفَ المسموعُ، ووُصف المتكلمُ الموقَعُ عليهِ الفعل بما سُمِعَ منه، أو جُعِلَ حالاً منهُ، فيسُدُّ الحالُ أو

стр. 1003

الوصفُ مسدَّهُ (١)، تقول: سمعت رجلاً يقولُ، وسمعت زيداً يتكلم. وذكَرَ النداء مطلقاً ثمَّ قيدَهُ بالإيمان تعظيماً للمنادي وهوَ الرسولُ، وتفخيماً لشأنهِ، والنداءُ والدعاءُ ونحوُهما يُعدَّى بـ (إلى) واللام لتضمُّنِها معنى الانتهاءِ والاختصاصِ. ﴿أَنْ آمِنُوا﴾: أي آمِنوا، أو: بأنْ آمِنوا ﴿بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: فامتثلنا، والفاء للعطفِ على ﴿سَمِعْنَا﴾، أو مسبَّبةٌ عن ﴿آمِنُوا﴾؛ أي: تسبَّبَ عنه إيماننا. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء للسببية؛ أي: إذا آمنا فاغفِرْ لنا: ﴿ذُنُوبَنَا﴾ كبائرنا فإنها ذاتُ تبعةٍ. ﴿وَكَفِّرْ﴾ تجاوز ﴿عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: صغائرنا فما نها مستقبَحةٌ. في تخصيصِ كلٍّ من التعديتين بمقامهِ نوعُ إشارةٍ إلى أن المرادَ من الذنوبِ الكبائرُ كما يناسِبُها معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (٢) واختصاصه به تعالى، ومن السيئات الصغائرُ كما يناسبها أيضا معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (٣) وجوازِ استعماله في غيرِه تعالى. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: مخصوصينَ بصُحبتهم، معدودين في زمرَتهم، ولا دلالةَ فيه على طلب التوفِّي حتى يكون فيهِ تنبيهٌ على أنهم يحبُّونَ لقاءَ الله تعالى. والأبرارُ: جمعُ بَرٍّ، أو بارٍّ؛ كأربابٍ وأصحابٍ.

стр. 1004

(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾: عطفٌ على الدعواتِ السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذِ بذكره، والخضوعِ بالمربوبية، وكذا جميع التكرارات في الآية. ﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على تصديق رسلكَ من الثوابِ. قيل: لمَّا ظهرَ امتثاله لِمَا أُمرَ بهِ سألَ ما وُعِدَ عليهِ، لا خوفاً من إخلافِ الوعدِ، بل مخافة أن لا يكونَ من الموعودينَ لسوءِ عاقبته، أو قصورٍ في الامتثالِ (١). وَيرِدُ عليهِ: أنه على تقديرِ وقوعِ ما خافَهُ لا يكونُ السؤال المذكورُ مناسباً لحاله، وعلى تقديرِ عدمِهِ لا حاجةَ إلى السؤالِ، فالوجه أن يُقالَ: إنه تعبدٌ واستكانةٌ، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: منزلاً على رُسلك، أو على (٢) ألسنةِ رسلك. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بأن تعصِمَنا عما يقتضيه. ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: بإثابةِ المؤمن (٣) وإجابة الداعي. * * * (١٩٥) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.

стр. 1005

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾؛ أي: طلبهم (١)، وهو أخصُّ مِن (أجاب)، ويُعدَّى بنفسه وباللام. وفي الآثار: مَن حَزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف (٢). ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: بأني لا أضيعُ، وقرئ بالكسر على إرادة القولِ (٣). ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيانُ ﴿عَامِلٍ﴾. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الذكرَ من الأُنثى والأنثى من الذكرِ، أو لفرط الاتصالِ والاتحادِ لأنهما من أصلٍ واحدٍ. أو للاجتماع والاتفاقِ في الدينِ، وهي جملة معترضة بيَّنَ بها شركةَ النساءِ مع الرجالِ فيما وَعد للعمالِ. رُوي أن أم سلمةَ ﵂ قالتَ: يا رسولَ اللهِ! إني أسمع اللّهَ يذكرُ الرجال في الهجرةِ ولا يذكُر النساءَ. فنزلت (٤). ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلخ، تفصيل لأعمال العمالِ وما أُعِدَّ لهم من الثوابِ على سبيل المدحِ والتعظيمِ، والمعنى: فالذين هاجروا الأوطانَ والعشائرَ ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ بسببِ إيمانهم باللهِ، ومن أجله. بدأ أولاً بالخاص، وهي الهجرةُ، وهي أشقُّ شيءٍ على النفسِ، وثنَّى بما هو أعمُّ منها، فإن الخروجَ من الديار لا يستلزِمُ الهجرة إلى المدينةِ؛ كخروجِ مَن خرجَ

стр. 1006

إلى الحبشةِ وإلى جندل، وأتى ثالثاً بذكرِ الإذاية (١) وهو أعمُّ من أن يكونَ بإخراجٍ من الديارِ وبغيرهِ، وارتقى بعد هذه الأوصافِ السَّنِيةِ إلى رتبةِ الجهاد فقالَ: ﴿وَقَاتَلُوا﴾ الكفارَ ﴿وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله، وقرئ بالعكس (٢) ولا منافاةَ؛ لأنَّ الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضلُ لإشعاره بأنه قُتلَ بعضُهم وقاتل الباقونَ ولم يضعُفوا. وقرئ: ﴿قُتِلُوا﴾ بالتشديدِ للتكثيرِ (٣). ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (كفَّرَ) إذا عُدِّي بـ (عن) يفيدُ معنى: تجاوَزَ (٤). ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: يثيبُهم (٥) بذلك إثابةً من عند الله تفضُّلاً منه، فهو مصدر مؤكِّدٌ. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ على الطاعاتِ، قادر عليهِ. بالَغَ في جزائهم بالتأكيدِ القسَمي، وإيرادُ المصدرِ المؤكِّدِ، وتقييدُه بالعنديةِ بعد الإطلاقِ، والالتفاتُ في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإظهارُ اسمِه في الجملةِ بعدَهُ، وجعلُ الجملة الظرفية خبراً= غايةٌ في البلاغةِ. * * * (١٩٦) - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.

стр. 1007

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: ظاهرُ النهي للتقلُّب وحقيقتُهُ للمخاطَبِ - وهوَ رسول الله ﷺ تثبيتاً (١) له على ما كان عليهِ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]- أو لكلِّ أحدٍ؛ ليفيد (٢) نفيَ السببِ، وهو من بابِ تنزيلِ السببِ منزلة المسبَّبِ؛ لأن التقلُّبَ لو غرَّهُ لاغترَّ بهِ، فمنعُ السببِ - أي: التغريرِ - يستلزِمُ امتناع المسبَّبِ الذي هو الاغترارُ مبالغةً، والمعنى: لا تنظر إلى ما الكفرةُ عليه من السعةِ والحظ، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في مكاسبِهم ومتاجِرهم ومزارعِهم. روي أن بعض المؤمنين كانوا يرونَ المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون: إن أعداء اللهِ فيما يُرَى من الخيرِ وقد هلكنا من الجوعِ والجَهدِ؛ فنزلت (٣). * * * (١٩٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك التقلبُ متاعٌ قليلٌ، وصِفَ بالقلةِ بالنسبة إلى ما فاتهم من نعمِ الآخرةِ، أو بالنسبةِ إلى ثواب المؤمنين، وأراد (٤) قلَّتهُ في نفسه ودنوَّ قدره لسرعةِ انقضائه (٥) وزوالِه. ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: عطفٌ على محذوفٍ؛ كأنهُ قيلَ: يؤاخَذون بتبعَتِه يوم القيامةِ، ثم مأواهُم جهنمُ (٦)، و (ثم) للتراخي في الرتبةِ.

стр. 1008

﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: ما مَهَدوا لأنفسِهم، فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ. * * * (١٩٨) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خافوه، ولم يخالفوا أمرَهُ ولا نهيَهُ. ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: قابلَ جهنم بالجناتِ، وقلةَ متاعِهم بالخلودِ في النعيمِ، فوقعت (لكنْ) أحسَن مواقعها؛ لأنَّه آلَ معنى الجملتين إلى تعذيبِ الكفارِ وإلى تنعيمِ المتقين، فهي واقعةٌ بين الضدين. ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزلُ بسكون الزاي وضمِّها: ما يقامُ للنازل عند نزولهِ من القِرى، وفيهِ تنبيهٌ على أن وراء ذلكَ ما هو أعظَمُ منهُ كرامةً، وانتصابُه إما على الحالِ من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصيصِها بالوصفِ، والعامل الظرفُ؛ أي: حاصلةً لهم الجناتُ نزلاً، أو على أنه في معنى مصدرٍ مؤكِّدٍ كقوله: ﴿ثُوَاباً﴾، كأنهُ قيلَ: رزقاً أو عطاءً من عندِ الله. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لكثرتِه ودوامِه ﴿خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ مما يتقلَّبُ فيه الفجَّارُ؛ لقلته وسرعةِ زوالهِ. أو خبر (١) في بيانِ حال (٢) الذين كفروا بحذفِ المبتدأ والمخصوص بالذمِ واقتصار الكلام للتحقيرِ والازدراءِ وعدم الاعتدادِ بهم وبمتاعِهم، وأطنَبَ في وصف المتقينَ إظهاراً للعنايةِ بهم وبشأنِهم ومآلهم، أولاً بقوله: ﴿لَكِنِ﴾ ليستدرك مآلَهم المخالفَ

стр. 1009

بمآلهم المباينِ بما لا يوصَفُ بَونه، ثم بقوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ وتنكيرِ ﴿جَنَّاتٌ﴾ للتعظيمِ، ووصفها للإبهامِ والتوضيحِ، وتقويةِ الإسناد إليهم بتكريرِ النسبةِ في ﴿لَهُمْ﴾، والجملةِ الظرفيةِ، والتقييد بالحالِ، والتأكيد بقولِه: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والجملةِ الاعتراضيةِ (١) أي: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. * * * (١٩٩) - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: نزلت في ابن سلامٍ وأصحابه (٢)، وقيل غيرُ ذلكَ (٣)، وإنما دخلَت اللامُ على الاسمِ للفصلِ بينَه وبينَ (إنَّ) بالظرفِ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتابِ. ﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين خاضعين ﴿لِلَّهِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ وجمَعَه هاهنا وفي ﴿إِلَيْهِمْ﴾ باعتبارِ المعنى بعدَ ما أفرَدهُ باعتبارِ اللفظِ. ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كما يفعلُ مَن يُسلمُ مِن أحبارهم. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكرَ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي يختصُّ بهم، وهو ما وُعِدوه في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].

стр. 1010

﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّ علمهُ يحيطُ بكل شيءٍ، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأنٍ، والمرادُ: أن الأجر سريعُ الوصول، فإن سرعةَ الحسابِ تستدعي سرعةَ الجزاءِ. * * * (٢٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ على مشاقِّ الطاعاتِ وما يُصيبُكم من الشدائدِ. ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداءَ اللهِ في الجهاد؛ أي: غالبُوهم في الصبرِ على شدائدِ الحربِ، ولا تكونوا أقلَّ صبراً منهم، وتخصيصُه بعد الأمر بالصبرِ مطلقاً لشدَّته وصُعوبته. ﴿وَرَابِطُوا﴾: أقيموا في الثغورِ رابطين خيلَكُم فيها مترصِّدين مستعدين للغزوِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مخالفةِ أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفلِحُوا، والفلاحُ: الأمنُ مما يخافُ، والو صولُ إلى ما يرام. والحمدُ لله على التمامِ، والصلاة (١) على نبيهِ سيد الأنام، وعلى آلهِ وصحبهِ الكرام، ما تعاقبَ الليالي والأيام (٢).

стр. 1011

سُورةُ النِّسَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ عامّ يتناول الموجودين في زمان الخطاب ومَن بعدَهم (١) دون المنقرِضين. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ في مخالفة أمره ونهيه. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ ﵇، ترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لِمَا فيها من الدلالة على أن (٢) قدرته تعالى على إهلاكهم وإنشاءِ خَلْقٍ آخَرين (٣) على أسهل وجه، لا (٤) لِمَا فيها من الدلالة على القدرة العظيمة، وإلا لكان خلقُ السماوات والأرض أحقَّ بالذِّكر. وما في ذكر الربِّ من الإشارة إلى نعمة التربية الموجبةِ للطاعة لتضمين الترهيب معنى الترغيب.

стр. 1012

﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حوَّاءَ، خلقها من ضِلَعٍ من أضلاع آدم ﵇. بيانُ خَلْقهم من نفسٍ واحدة على وجه الاستئناف؛ كأنه قيل: إنهم خُلقوا من ذكرٍ وأنثى لا من ذكَرٍ وحده؟ فأُجيب بأن تلك الأنثى قد خُلقت منه، فالواو استئنافيةٌ لا عاطفة؛ لِمَا عرفتَ أن مدخولها مقرِّر ومبيِّنٌ لِمَا تقدم، والعاطف لا يَتخلَّل بين الشيء ومقرِّره. وعلى تقدير العطف على محذوفٍ - أي: خلَقها وخلَق منها زوجها - يندفع المحذور (١) المذكورُ، إلا أنه لا دخل للمقدَّر في تقريرِ ما ذُكر، ومن شرائط البلاغة تجريدُ الكلام عمَّا لا يقتضيه المقام (٢). ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾؛ أي؛ نشر (٣) من النَّفْسين المذكورَين من جهة التناسُل والتوالُد، أراد بيانَ كيفية توالُدهم ولذلك قال (٤): ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ دون: ذكوراً كثيراً وإناثاً، ومَن لم يتفطَّن لهذه الدقيقة الأنيقة قال في تفسيره: بناتٍ وبنينَ كثيرةً (٥). وذكِّر ﴿كَثِيرًا﴾ حفلاً على معنى الجمع، وحُذف وصف النساء لدلالة وصفِ قرينِها (٦) عليه.

стр. 1013

وقُرئ: (وخالق … وباثٌّ) (١) على حذف مبتدأ، تقديره: وهو خالقٌ وباثٌّ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: يسأل بعضكم بعضاً به، فيقول: أسألك بالله. أو: تسألون غيرَكم، فجيء بـ (تَفَّاعَلُون) (٢) موضع (تَفْعلون) للكثرة، وَيعضُده قراءة: (تَسْألون) (٣). وأصله: تتساءلون، فأُدغمت التاء الثانية في السين، وقُرئ بطرحها (٤). ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمجرور، وينصره قراءة: (تَسْألون به وبالأرحام) (٥)، أو على ﴿اللَّهَ﴾؛ أي: اتَّقوا الله واتَّقوا الأرحام فصِلوها ولا تقطعوها. وقرئ بالجر عطفاً على الضمير المجرور (٦). وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما

стр. 1014

يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد (١). وقرئ: بالرفع على أنه مبتدأٌ محذوف الخبر (٢)، تقديره: والأرحامُ كذلك؛ أي: مما يُتَّقَى، أو مما يُتساءل به. وقد نبَّه تعالى إذ قَرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكانٍ منه (٣)، وعنه ﵇: "الرحم معلَّقةٌ بالعرش تقول: ألَا مَن وَصَلني وَصَلَه اللهُ، ومَن قَطَعَني قَطَعَه الله" (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: حافظاً مطَّلعاً. * * * (٢) - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ كما بلَغوا إنْ أُونس منهم الرُّشدُ، ولذلك أَمر بابتلائهم صغاراً، واليتامى: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، مِن اليتم وهو الانفراد - ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، إذا انفَردت في صَدَفها - إمَّا على أنه لمَّا جرى مجرى الأسماء كفارسٍ وصاحبٍ جُمع على يتائم ثم قُلب فقيل: يتامى، أو على أنه

стр. 1015

جُمع على يَتْمَى كأسرى لأنَّه من باب الآفات، ثم جُمع (١) يَتْمَى على يتامى؛ كأسرى وأَسارى. وحقُّ هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء (٢)، إلا أنه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلَغَ الرجال، فإذا بلغوه زال عنهم هذا الاسم، وعلى وفق هذا ورد عُرفُ الشرع (٣)، قال ﵇ (٤): "لا يُتْمَ بعد الحُلُمِ" (٥)، أي: لا يجري عليه أحكام اليتيم ولا يحتاج إلى الولي، والمراد في الآية البالغُ على الاتِّساع؛ لقُرب عهدهم بالصغر (٦)، حثاً على أن تُدفع إليهم أموالهم أولَ بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم (٧). روي: أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغ طلب المال منه فمنعه، فنزلت فلمَّا سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوبِ الكبير (٨).

стр. 1016

﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: لا تستبدلوا (١) الحرام وهو مالُ اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب (٢)، والتفعُّل بمعنى الاستفعال كثير. أو (٣): ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم، وتُعطوا الخسيس مكانه. ورُدَّ بأنه تبديل لا تبدُّلٌ، فإن في التبدُّل وكذا في الاستبدال ما دخلتْه الباء متروكٌ، وما تعدَّى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس. ومبناه على اعتبار الأخذِ والإعطاء من الوليِّ بالنظر إلى حالِ نفسه، ومرادُ القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم، فدائرة الردِّ على الفهم لا على المفهوم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: لا تضمُّوها إلى أموالكم في الأكل (٤)، فدلَّ (٥) قوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ على أن المخاطبين أغنياءُ، وذلك لأنَّه إذا كان فقيراً يجوز أن يأكل بالمعروف، وفيه تعريضٌ بأنهم كانوا يفعلون كذلك. وفائدةُ التقييد بالمعيَّة: الدلالةُ على غاية قبح فعلهم، حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ولم يميزوا بينها وبينها، كما هو حال البهائم، وقُصد بذلك تشهيرُ ما كانوا عليه من ارتكاب هذه الأمور القبيحة (٦)؛ ليكون أزجرِ لهم (٧)،

стр. 1017

ولهذا عُدل عن مقتضَى الظاهر، وهو نهيُ الغنيِّ عن أكل مال اليتيم مطلَقاً. ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للأكل. ﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: ذنباً عظيماً، والحوب: مطلَقُ الإثم، قال ﵇: "ربَّ تَقبَّلْ توبَتي واغْسِلْ حَوْبَتي" (١)؛ أي: إثمي، ولو اعتُبر فيه العِظَمُ لَمَا وُصف بالكبير (٢)، فتدبر. وقرئ: (حَوباً) وهو مصدر حابَ (٣)، وكذا: (حاباً)، وقد قُرئ به أيضاً؛ كقال قولاً وقالا (٤). * * * (٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوَّجتُم بهن. ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فتزوَّجوا ما حلَّ لكم من غيرهن. كان الرجل يجدُ اليتيمة لها مالٌ وجمالٌ، أو يكون (٥) وليَّها، فيتزوَّجها ضِنًّا بها

стр. 1018

عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن، فيُخاف لضعفهن وفَقْدِ مَن يغضب لهن أن يَظلمهن حقوقهنَّ ويفرِّط فيما يجب لهن، فقيل لهم: [إن خفتُم أن لا تُقسطوا في يتامى النساء فانكحوا مِن غيرهنَّ ما طاب لكم]. وإنما عبِّر عنهنَّ بـ ﴿مَا﴾ ذهاباً إلى الصفة. وقرئ: (تَقْسِطوا) بفتح التاء (١) على أن (لا) مزيدةٌ مثلَها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ أي: إن خفتُم أن تَجُوروا. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبةٌ على الحال من فاعل ﴿طَابَ﴾، معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة: ثنتين ثثتين وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعةً، غيرُ منصرفةٍ لوجود العدل والوصفِ، فإنها بُنيتْ صفاتٍ وإن كانت أصولها لم تُبْنَ لها (٢). ومعناها: الإذن في الجمع بأن ينكح ما شاء من العدد المذكور متَّفقينَ فيه ومختلفينَ (٣)؛ كقولك: اقتسموا هذه البذرة درهمين درهمين وثلاثةً ثلاثةً، ولو أفرد كان المعنى تجويزَ الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو عطف ب (أو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد.

стр. 1019

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فيما فوقه. ﴿فَوَاحِدَةً﴾: فالزموا - أو: فاختاروا - واحدة وذرُوا الجمع، وقرئ بالرفع (١) على أنه فاعلُ فعلٍ محذوف أو خبره (٢)، تقديره: فتكفيكم واحدةٌ، أو فالمَقْنَعُ واحدةٌ. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سوَّى بين المنكوحة الواحدة وبين الإماء مطلقاً واحدةً كانت أو متعدِّدةً بلا حصرٍ ولا تعيينِ عددٍ في التسرِّي والترخُّص، لخفَّةِ مؤنتهن، وعدمِ شرطِ العدلِ بينهنَّ لا في القَسْم ولا في العزل، ونسبة هذا المِلك إلى اليمين للفرق والتفاوُت بينه وبين مِلك اليد. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي. ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أقربُ من أنْ لا تميلوا فتَجُوروا، يقال: عال الميزان، إذا مال، وعال الحاكم: إذا جار. وفسِّر بـ: أن لا تَكثُر عيالُكم، على أنه من عال الرجلُ عيالَه يَعُولهم: إذا مانهم، فعبّر عن كثرة العيال بكثرةِ المؤن على الكناية، ويؤيِّده قراءة: (أنْ لا تُعيلوا) (٣) مِن أعال الرجل: إذا كثر عيالُه، ووجهُه على تقدير أن تكون الإشارةُ إلى التسرِّي: أن العزل يجوز، فهو مَئِنَّةُ قلَّة الولد. * * *

стр. 1020

(٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مهورَهنَّ، والخطابُ للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور مَوْليَّاتهم (١). ﴿نِحْلَةً﴾ عطية، يقال: نَحله كذا نِحْلةً ونُحْلاً: إذا أعطاه إياه عن طِيبِ نفسٍ بلا توقُّعِ عِوَضٍ، ونصبُها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء. وقيل: معناه: نحلةً من الله؛ أي: إعطاءً (٢) من عنده وتفضُّلاً منه عليهن. وقيل: ديانة، على أنه مفعولٌ له أو حالٌ من الصدقات؛ أي: دِيناً من الله مشروعاً مفروضاً. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ جارٍ مجرى اسم الإشارة في التذكير على ما ذكره رؤبة، وقد سبق في تفسير سورة البقرة (٣)، كأنه قيل: عن شيء من ذلك؛ أي: ما ذكر من الصَّدُقات.
следующие страницы →