← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقيل: هو قول الولي عند العقد: أُنكحكَ على ما في كتاب الله من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، وكان ذلك معتادًا في السلف. (٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾: التي نكح. ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ وإنما ذكر ﴿مَا﴾ دون: مَن؛ لأنَّه أريدَ به الصِّفةُ. وقيل: مصدريةٌ على إرادة المفعول من المصدر، فلا يأباه البيانُ بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ وِزانُه وِزانُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ففائدتُه تأكيد ما في ﴿نَكَحَ﴾ من العموم. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قيل: استثناءٌ من المعنى اللازم للنهي؛ كأنه قيل: تستحقُّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد مضى قبل التحريم، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم؛ كقوله: ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائب (١) والمعنى: ولا تنكحوا حلائلَ آبائكم إلا ما قد سلف إنْ أمكنكم أن تنكحوه (٢).

стр. 1052

وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور (١)، وتقف على أن هذا هو الوجه (٢). ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ علةٌ للنهي، وزيادة ﴿كَانَ﴾ للدلالة على أنه لم يرخَّص فيه في شريعةٍ من الشرائع. ﴿وَمَقْتًا﴾: ممقوتًا، والمقت: البغضُ باستحقار. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سبيلُ مَن يراه ويفعلُه. وكانوا ينكحون روابَّهم (٣)، وناسٌ من ذوي مروءاتهم يمقُتونه ويسمُّونه (٤): نكاحَ المقت، وكان المولود عليه يسمَّى: المَقْتيَّ، ولذلك قيل: ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾؛ أي: في دِين الله تعالى مُفْرِطةَ القبح، مقتًا في المروءة والعرف، ولا مزيدَ على ما يجمع القبحين شرعًا وعرفًا، وبه زاد على الزنا، فإنه تعالى قال فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].

стр. 1053

(٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ أراد تحريم التمتُّع بهن؛ لأن المفهوم في العرف مِن حُرمته (١): عينُ حرمةِ ما هو المقصود منه، ويلزمه حرمة النكاح؛ لأنَّه موضوعٌ لملك المتعة فلا يصح بدونه. والأم حقيقةً: هي الوالدة، وفي معناها: كلُّ امرأة (٢) رجع نسبُك إليها بالولادة من جهةِ أبيك أو من جهةِ أمك. والبنت: هي كلُّ ابنة ولدْتَها، وفي معناها: كلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة؛ بدرجةٍ أو درجات، بإناثٍ أو ذكور. والأختُ: كلُّ مَن جمعك وإياها صُلبٌ أو بطنٌ. والعمة: كلُّ مَن جمع أباك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدَّك - قريبًا كان أو بعيدًا - وإياها صلبٌ أو بطنٌ. والخالة: مَن جمع أمَّك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدتكَ - قريبةً كانت أو بعيدةً - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.

стр. 1054

ونوافلُ الأخ والأخت وإن بَعدت داخلاتٌ في الحكم بالذكور يُدْلِين، أو بالإناث والإخوة من أيِّ جهة كانت. ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ نزَّل الله تعالى تعالى الرَّضاعةَ منزلةَ النسب، حتى سمَّى المرضعةَ: أمًّا، والمراضِعةُ: أختًا، فلزم منه أنَّ زوج المرضعة أبوه، وأبويه جدَّاه، وأختَه عمتُه، وكلّ ولدٍ وُلد له من غير المرضعة (١) قبل الرضاع وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه (٢)، وأمّ المرضعة جدتُه، وأختها خالتُه، وكلّ مَن ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﵇: "يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ مِن النَّسَب" (٣). وقالوا: تحريم الرَّضاع كتحريم النَّسب إلا في مسألتين: إحداهما: أنه لا يجوزُ للرجل أن يتزوَّج أخت ابنه من النسب، ويجوزُ أن يتزوج أخت ابنه من الرَّضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. والثانية: لا يجوز أن يتزوَّج أمَّ أخيه من النسب، ويجوز في الرَّضاع؛ لأن المانع

стр. 1055

في النسب وطءُ الأبِ إياها، وهذا المعنى غيرُ موجود في الرَّضاع. وفي الحصر نظرٌ؛ لأن أمَّ النافلةِ - أي: زوجةَ الابن (١) - وجدةَ الولد أيضًا يَحرمان من (٢) النسب؛ لأن أمَّ النافلة زوجةُ الابن، وجدةَ الولد أمُّ الزوج، ولا يحرمان من الرضاع؛ كمَن أرضعت ولد ولدِك، وكأمٍّ (٣) أجنبيةٍ أرضعت (٤) ولدك. هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب، فلا حاجة إلى الاستثناء أصلًا. ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر أولًا محرَّمات النسب، ثم الرَّضاعةِ لأنها لُحمةٌ كلُحمة النسب، ثم محرَّمات المصاهرة فإن تحريمهنَّ عارض لمصلحة الزواج. والربائب: جمع رَبيبة، والربيبُ ولد المرأة من آخَرَ، سُمي به لأنَّه يربِّيه كما يربي ولدَه في غالب الأمر، فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ، وإنما لحقه التاءُ لأنَّه صار اسمًا لولد المرأة وإنْ لم يُربِّه. وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ كنايةٌ عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم، وقالوا: إنَّ ذِكره خَرج مَخرجَ العادة لا مخرجَ الشرط، ولهذا اكتُفي في موضع الإحلال بنفي الدخول، وهذا ما بحسب جليلِ النظر، والذي هو بحسبِ دَقيقه هو أنه تقويةُ العلة (٥) وتكميلُها.

стр. 1056

والمعنى: إذا دخلتم بأمهاتهنَّ وهنَّ في احتضانكم، أو من شأنهنَّ وحقِّهنَّ الكونُ فيه، قَوِيَ الشبهةُ بينها وبين أولادكم، فصارت أحقَّاءَ بأن تُجروها مجراهم، وعلى هذا - أي: على تقدير أن يكون المعنى ما (١) قرَّرناه من تعميم المراد للَّتي مِن شأنها أن تكون في احتضانهم كما هو مقتضَى كونِ الوصف المذكور لتقوية العلَّة - يكون ذلك الوصفُ للحرمة (٢)، والاكتفاءُ في موضع الإحلال بنفي الدخول لاستلزام انتفائه انتفاءه (٣). و ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ حال من ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ أو صفةٌ، أو من جملة الصلة؛ أي: اللاتي من نسائكم، وهو أولى بنظم الكلام. والباء في ﴿بِهِنَّ﴾ للتعدية، والمعنى: أدخلتُموهنَّ السِّتر، وهي كنايةٌ عن الجماع، وعندنا يقوم اللَّمس مقامه. ولا يجوز أن يكون ﴿اللَّاتِي﴾ وصفًا لـ ﴿نِسَائِكُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لعدم الحاجة في إفادةِ المعنى المراد إلى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، والكلامُ البليغ يجب صونُه عن الحشو. والرسول ﵇ فرَّق بين أمِّ المرأة وبنتِها فقال [في] رجلٍ (٤) تزوَّج امرأة

стр. 1057

وطلقها قبل أن يدخل بها: "لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحلُّ له أن يتزوج أمها" (١)، وهذا الدخولُ (٢) شرط بالإجماع، بخلاف كون الربائب في حجورهم فإنه خرج على الأغلب، وليس بشرطٍ عند عامة العلماء. ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أريدَ استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار، فمعنى الكون مقدَّم في الاعتبار. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في نكاح الربائب، وهذا البيانُ مهمٌّ عند مَن لا يقول بحجِّيَّة المفهوم، وعند مَن قال بها فائدتُه دفعُ القياس. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: زوجاتُهم، سُميت حليلةً لحقَها لزوجها، أو لحُلولها معه في محلٍّ (٣). ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ بالذات أو بالواسطة، احترز به عن المتبنَّى؛ لأنهم كانوا يجعلونه كولدِ الصُّلب، لا عن الابن من الرضاع.

стр. 1058

﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ في محل الرفع عطفٌ على ما قبلَه من المحرَّمات؛ أي: وحرِّم عليكم الجمع بين الأختين في التمتُّع، ويلزمُه حُرمةُ الجمع بينهما بالنكاح - لِمَا قدَّمناه - دون مِلك اليمين؛ لأنَّه يُجامع حرمةَ التمتُّع؛ كما في الأمَة المجوسية، والأختِ رضاعًا، ولا دلالةَ في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على حلِّ المملوكة على كلِّ حال، فلا يعارض هذا القولَ الدالَّ على حرمتها في بعض الأحوال حتى يحتاج إلى الترجيح. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطع معناه: لكنْ ما قد سلف منكم مغفورٌ (١)؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وروَى هشامٌ عن محمد بن الحسنِ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا (٢) يعرفون هذه المحرَّمات إلا ثنتين: نكاحَ امرأة الأب، ونكاحَ الأختين معًا، فلذلك قال هناك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣).

стр. 1059

(٢٤) - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بفتح الصاد، أي: أَحصنَهنَّ التزويج، وقُرئ بكسرها (١)؛ أي: اللاتي أَحصَنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (٢). والإحصان: العفَّة، وتحصينُ النفس من الوقوع في الحرام. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من اللاتي سُبِيْنَ وأُخْرجن (٣) بدون أزواجهنَّ، فإن الفُرقة إنما تقع بتبايُنِ الدارين لا بالسَّبْي، ولا تَجلب العِدَّةَ، وتحل للغانم بملكِ اليمين بعد الاستبراء، ولا مساغَ لأخذِه على عمومه، فإنها إذا كانت مجوسيةً أو محرَّمةً بسبب الرضاع أو المصاهرة، أو بسببٍ آخر، أو مشتراةً وهي ذاتُ زوج، لا

стр. 1060

تَحلُّ لمالكها، فلا يكون حجةً على أبي حنيفة في قوله: لو سُبي الزوجان معًا لا يرتفعُ النكاح ولا تَحلُّ للسَّابِي. ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكِّدٌ؛ أي: كَتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو تحريمُ ما حرَّم. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على (كَتَب) المقدَّرِ الناصبِ، يدلُّ عليه قراءةُ: (كَتَبَ الله عليكم وأَحَلَّ لكم) (١). وقرئ: (كُتُبُ اللهِ) بالجمع والرفع (٢)، أي: هذه فرائضُ الله عليكم. ومَن قرأ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ على البناء للمفعول (٣) عَطَفه على ﴿حُرِّمَتْ﴾. ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما سوى المذكورِ من الأصناف المحرَّمة (٤) بالنسب أو الرَّضاع أو المصاهرة أو الجمع، وما ثَبت حرمتُها بالسُّنَّةَ ليست بخارجةٍ منها. الكافُ والميم في ﴿ذَلِكُمْ﴾ خطابٌ للرجال، والذالُ إشارةٌ إلى المذكورِ قبله من المحرَّمات، ولو أشار إليها لقال: وراء تِلْكُم. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ مفعولٌ له، أي: لِأنْ تبتغوا بأموالكم ما أُحلَّ لكم من النساء، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ على الاشتمال، والأفصحُ أن لا يقدَّر المفعول؛ أي: ليَصدُر منكم الابتغاءُ بأموالكم، وهو إخراجُها في مهور النساء واشتراءِ الإماء.

стр. 1061

﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ صفةٌ، أو حالٌ أخرى. والمعنى: بيِّن لكم ما يحلُّ مما يحرمُ لكيلا تضيِّعوا أموالكم فيما لا يحلُّ لكم، فتخسروا في دنياكم ودينكم، وتجمَعوا بين الخُسرانين. والسِّفاح: الزنا، من السَّفْح: وهو صبُّ المائع بإطلاق، ومنه: السَّفَّاح، وهو المسرِفُ في القتل، وفي الزنا: تضييعُ الماء؛ لعدمِ ثبوت النسب به، وفي الآية دلالةٌ على أنه لا نكاحَ إلا بمهرٍ من جنس المال. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل - على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجر (١). ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورَهنَّ، والأجر بدل منافع العين في الإجارة، وبدل منافع البضع في النكاح. ﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ من الأجور بمعنى: مفروضة، أو مصدر وُضع موضع: إيتاءً؛ لأن الإيتاء مفروضٌ، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: فَرض الله ذلك فريضةً مفروضة. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مِن حطِّ شيءٍ منها، أو هِبَتِها كلِّها منه، أو من زيادته عليها، أو فيما تراضَيا به من نفقةٍ أو مُقامٍ أو فراق. وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثةَ أيام حين فتحت مكةُ ثم نسخت، وهي غيرُ النكاح المؤقَّت على ما بُيِّن في محله. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرع من الأحكام.

стр. 1062

(٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: غنًى، وأصله: الفضل والزيادة. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: لأنْ ينكحَ الحرائرَ؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ يعني: الإماءَ (١) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال الشافعي: لا يجوز نكاحُ الأمَة الكتابية بناءً على مفهوم الوصف، ولا نكاحُ الأمَة المسلمة عند القدرة على مهر الحرة ونفقتِها بناءً على مفهوم الشرط، وكِلَا المفهومَين ليس بحجة عندنا، على أن اللازم على تقديرِ حجيَّة المفهوم عدمُ إباحة نكاحهما، ويجوز أن يكون ذلك لكراهيته لا لعدم صحته، ونحن لا ننازع فيها. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ تأنيسٌ بنكاح الإماء وإزالةِ الاستنكاف منه؛ أي: أعلمُ بتفاصيل ما بينكم وبين أرقَّائكم في الإيمان، فربما كان إيمانُ الأمَة أرجحَ من إيمان الحرة، وإيمانُ الحرَّة (٢) أرجحَ من إيمان الرجل، ولا ينبغي للمؤمِن أن يطلب الفضلَ والرجحان إلا باعتبارِ الإيمان والإسلام، لا بالأحساب والأنساب، وقولُه: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ تأكيد لذلك المعنى؛ أي: أنتم وأرقَّاؤكم متواصلون ومتناسبون، نسبُكم من آدم ﵇، ودينُكم الإسلام.

стр. 1063

﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: مَواليهِنَّ، اعتبارُ إذنهم دون مباشرتهم ظاهرٌ في انعقاد النكاح بعبارتهن، إذ لو كانت مباشرتُهم أو مباشرةُ وكيلهم شرطًا لكان المهمُّ ذكرَها لا ذكرَ الإذن؛ لأن ذكره لا يُغني عن ذكرها، وهذا ظاهرٌ، والمنكِر مكابرٌ، وذكرُها يغني عن ذكره. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأَتوا مواليَهُنَّ مُهورهن، وحُذف (١) لأنهنَّ وما في أيديهن ملكُ الموالي، فكان الأداء إليهنَّ أداءً إلى الموالي، وقال مالك: ليس للسيد أن يأخذ مهرَ أَمَته (٢) ويدَعها بلا جَهَاز (٣). ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بغيرِ مَطْلِ وضررٍ ونقصانٍ. ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائفَ. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غير مجاهرات بالسِّفاح. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أخلَّاءَ في السرِّ. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بالتزويج. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: بزنًا. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني: الحرائرَ. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ما على الحرائر من الحدِّ وهو الجلدُ؛ لأنَّ الرجم

стр. 1064

لا يتنصَّف، والعذاب المعهود هاهنا هو الحد، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. كان زناهنَّ في الجاهلية من وجهين: بالسِّفاح وهو بالأجر لكلِّ (١) مَن رغب فيها، والمخادَنةِ وهي في صديق لها على الخصوص، وكان الأول يقع إعلانًا والثاني سرًّا. وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس لنفي الحدِّ عنها إذا لم تُنكح، بل لبيانِ أنها بالنكاح لا يزداد حدُّها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى نكاحِ الإماء. ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: خاف الإثم الذي قد يقع فيه مِن غلبةِ الشهوة. والعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، مستعارٌ لكلِّ مشقَّةٍ قادحةٍ؛ لاشتراكهما في التضرُّر والألم، ولا ضررَ أعظمُ من تَبِعة المأثم (٢) بأفحشِ القبائح. وقيل: المراد الحد. أخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار (٣) لا للاشتراط. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: صبرُكم عن نكاح الأمة.

стр. 1065

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن فيه إرقاقَ الولد، وقال ﵇: "الحرائرُ صلاحُ البيوت، والإماءُ هلاكُ البيوت" (١). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ للزنا بإقامة الحد إذا احتَسَب ذلك. ﴿رَحِيمٌ﴾ إذ جعل العذاب عليه الحدَّ في الدنيا لا العقوبةَ في الآخرة. (٢٦) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما هو خفيٌّ عنكم من مصالح دِينكم، أصله: يريد الله أنْ يبيِّن لكم، فزيدت اللام لتأكيد إرادةِ التبيين كما زيدت في: لا أبا لك لتأكيد إضافةِ الأبِ لا لتأكيدِ معنى الاستقبال اللازمِ للإرادة، فإنه لا ينبغي أن يَخطر بالبال في مثل هذا المقال. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مناهجَ مَن تَقدَّمَكم من أهل الرشد لتسلكوا طريقهم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: ويقبلَ توبتكم إذا رجعتم إليه بسلوك مناهجهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرَع لهم.

стр. 1066

(٢٧) - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾ تقديمُ اسم الله على الفعل للاختصاصِ مع تقوِّي الإسناد؛ أي: واللّهُ خاصةً يريد إرادةً تامة. ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بسلوك طريقِ الحقِّ التي هداكم إليها. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: الفَجَرةَ أتباعَ الشهوة في كلِّ حالٍ مذموم؛ لأن ذلك ائتمارٌ لها من حيث ما دعت الشهوةُ إليه، أمَّا إذا كان الاتِّباع من حيث العقلُ أو الشرعُ فذلك هو اتِّباعٌ لهما لا للشهوة. وقيل: اليهود. وقيل: المجوس (١)، فإنهم يُحلُّون (٢) الأخواتِ من الأب (٣)، وبناتِ الأخ والأخت. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ إلى الباطل عن القصد والحقِّ بموافقتهم على اتِّباع الشهوات. ﴿مَيْلًا﴾ التنكير للتكثير. ﴿عَظِيمًا﴾ توصيفه بالعِظَم للمبالغة، فإنه فوق الكثير (٤)، وهو المناسبُ بمقام التنفير والتحذير.

стр. 1067

ولقوة إرادته تعالى، وضعفِ إرادتهم، واستلزامِها للمراد، وتخلُّفِ مُرادهم عن إرادتهم، قدَّمه على الفعل وأخَّرهم عنه. (٢٨) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بإحلال نكاح الإماء وسائر الرُّخص. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ لا يصبر عن الشهوات، ولا يتحمَّل مشاقَّ التكاليف. (٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بالوجه الغيرِ المشروع، كالشركة والمضارَبة الفاسدتين، والربا والقمار، وأما السرقةُ والغصب ونحوُهما فلا يناسبها قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنْ كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ مَنْهيٍّ عنه؛ أو (١): اقْصدوا كونَ تجارةٍ. و ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ صفةُ ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي المتعاقدَينِ، وخَصَّ التجارة بالذكر لأن أكثر أسباب الرزق يتعلَّق بها.

стр. 1068

وقرئ: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب (١) على (كان) الناقصة، وإضمارِ الاسم؛ أي: إلا أن تكون التجارةُ - أو: الجهةُ - تجارةً. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: مَن كان مِن جنسكم من المؤمنين، فإنهم كنفسٍ واحدةٍ. أو: ولا تقتلوا أنفسَكم بالبَخْع (٢) كما يفعلُه بعض الجَهَلة. أو: بإلقاءِ النفس إلى التهلكة، ويؤيِّده ما رُوي أنَّ عمرو بن العاص ﵁ تأوَّله في التيمُّم لخوف البرد، ولم ينكِر عليه النبيُّ ﷺ (٣). أو: بارتكاب ما يؤدِّي إلى قتلِها. جمع في التوصية بين حفظ النفس والمالِ الذي هو شقيقُها من حيث إنه سببُ قوامها؛ استبقاءً لهم ريثما تستكمل النفوس وتستوفي فضائلها رأفةً بهم ورحمةً؛ كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ما نهاكم عمَّا يضرُّكم إلا لرحمته عليكم. وقيل: معناه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ﴾ يا أمَّةَ محمدٍ ﴿رَحِيمًا﴾ لمَّا أَمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه. (٣٠) - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.

стр. 1069

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قتل النفس؛ أي: مَن يُقْدِم على قتل النفس (١). ﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ لا اقتصاصًا وعدلًا، والمراد من العدوان: التعدِّي على الغير، ومن الظلم: الإتيان بما لا يستحق. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾) نُدخله إياها، وقرئ بالتشديد مِن صَلَّى، وبفتح النون مِن صَلَاه يَصْليهِ، ومنه: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ، و (يَصْليهِ) بالياء على أن الضمير لله تعالى، أو لـ ﴿ذَلِكَ﴾ من حيث إنه سببُ الصُّلِيِّ (٢). ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عسرَ فيه ولا صارفَ عنه. (٣١) - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الاجتناب: التَّباعُد، والكبائر: جمع كبيرةٍ، وهي الفعلةُ العظيمة الإثمِ، وقد أضافها إلى جميع المنهيَّات، وقرئ: (كبيرَ) على إرادة الجنس (٣). ﴿نُكَفِّرْ﴾ نَستر ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ من الصغائر، والكبيرةُ والصغيرةُ وُضعت كلُّ واحدةٍ منهما بالقياس إلى صاحبتها، فكلُّ ما كانت المخالفةُ فيها أكثرَ والنهيُ

стр. 1070

عنها أغلظَ كان أكبرَ وبالعكس، والتكفيرُ مبالغةٌ في سترها بجعلها كأنْ لم تكن حيث لا عقاب عليها. وعن أمير المؤمنين عليٍّ ﵁: الكبائرُ سبعٌ: الشركُ بالله، والقتلُ، والقذفُ، والربا، وأكلُ مال اليتيم، والفرارُ من الزحف، والتعرُّبُ بعد الهجرة (١). وزاد ابن عمر ﵄: السحر، واستحلال البيت الحرام (٢). وابن عباس ﵄: أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعِ مئةٍ أقربُ؛ لأنَّه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (٣)، وفيه ما فيه. وقيل: أراد بها هاهنا أنواع الشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وفيه نظر، وكأن هذا القائل غافلٌ عن الفرق بين ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ وبين: غير ذلك، ولم يتنبَّه لوجه العدول عن الثاني - مع كونه أخصرَ وأظهرَ - إلى المنزل (٤).

стр. 1071

أضاف السيئات إلى المخاطبين؛ لأن المراد الذنوبُ التي فعلوها، ولم يضف الكبائر إليهم؛ لأن المراد منها ما اجتنبوا عنها، وفي عبارة الاجتناب إشارةٌ إلى أن تلك الكبائر مما يَعترض (١) للناس في طرق معاشه ومكاسبه ومعاملته، فالاحترازُ عنها لا يخلو عن مشقَّةٍ وكُلفةٍ، فتلك الكفارة جزاؤه، ولو قيل: إن لم تفعلوا، لفاتت تلك الفائدة. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضمِّ الميم، وهو مصدرٌ، أو مكانُ الإدخال وهو الجنة، وبفتحها (٢) وهو مكان الدخول، أو مصدر منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فتدخلوا مَدخلًا، حُذف لدلالة الفعل المطاوع عليه. (٣٢) - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد (٣)؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علمًا بأنه هو الذي فيه صلاحه.

стр. 1072

ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ (١) لحصول الشيء له من غير طلبٍ وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظٍّ، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (٢) = لم يكن على بصيرةٍ. ثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف. ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور (٣). ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ بيانٌ لذلك؛ أي: لكلٍّ من الرجال والنساء نصيبٌ مقدَّرٌ على ما تقتضيه الحكمة (٤)، فلا ينبغي للمفضول أن يتمنى نصيب الفاضل.

стр. 1073

ونَسب الكسبَ إليهم وجَعل النصيبَ منه لأنَّه جَعل سعيَه سببًا لوصول ما قدِّر له إليه. ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: لا تتمنَّوا أنصباءَ غيركم من الفضل فإنه طلبٌ للمُحال، ولكن سَلُوا الله من خزائن جُوده التي لا تَنفَدُ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ وهو يعلم ما يستحقُّه كلُّ إنسان، فيفضِّل عن علم وتبيان. رُوي أن أمَّ سلمة قالت ونسوةٌ معها: ليتَ الله كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال، فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لهم، فنزلت (٢). (٣٣) - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صفةٌ لـ (كلٍّ﴾ مبيِّنةٌ له؛ أي: لكلِّ شيء مما ترك الوالدان جعلنا ورَّاثًا يَلُونه ويُحرزونه، و (لكلٍّ) أحدُ مفعولي (جعَل). أو صفةٌ لمحذوفٍ على أن ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ صفةٌ لـ (كلّ)؛ أي: ولكلِّ قوم جعلناهم موالي نصيبٌ مما ترك الوالدان، والراجع محذوفٌ وهو أحد مفعولي

стр. 1074

(جعل)، و (لكلٍّ) خبر مبتدأ محذوفٍ وهو (نصيبٌ). ولا يجوز أن يكون المعنى: ولكلِّ ميت جعلنا وارثًا مما تركه، إذ لا يلزم أن يكون لكلِّ ميت وارثٌ فضلًا أن يكون وارثًا من الوالدين والأقربين. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مولى الموالاة (١)، كان الحليفُ يورَّث السدسَ من مال حليفه، فنسخ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وعند أبي حنيفة: إذا تعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا (٢) صح وورث بحق الموالاة، خلافًا للشافعي. وحملُه على الأزواج على أن العقد عقد نكاح يأباه قوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، وهو مبتدأ ضمِّن معنى الشرط، وخبره: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أو منصوب بمضمرٍ يفسِّره ما بعده؛ كقولك: زيدًا فاضربه، أو معطوف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ جملة مسبَّبةٌ عما تقدم، والضمير للموالي. وقرئ: ﴿عَقَدَتْ﴾ (٣) بمعنى: عقدت (٤) عهودَهم أيمانُكم، فحُذف العهود وأُقيم الضمير المضافُ إليه مقامه، ثم حُذف كما حذف في القراءة الأخرى (٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ تهديدٌ لمن خالَف الأمر.

стр. 1075

(٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يقومون عليهنَّ آمرينَ ناهينَ كالولاة، وعلَّل ذلك بأمرين: مَوهبيٍّ وكَسبيٍّ فقال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بسبب تفضيل الرجال على النساء، والتعبير عنه على وجه الإبهام للإيهام بأن هذا التفضيل من جملة التفضيلات الواقعةِ في القِسْمة الأزلية على مقتضَى الحكمة المذكورِ فيما تقدم بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. وفيه دليلٌ على أن الرجال إنما يستحِقُّون الولاية عليهن بالفضل لا بالتغلُّب (١) والقهر، وهو كمالُ العقل وحُسن التدبير، وقوةُ العزم والحزم، ومَزيدُ القدرة على الطاعات وسائرِ الأعمال، ولذلك خُصُّوا بالنبوَّة والإمامة والولاية، وإقامةِ الشعائر، ووجوبِ الجهاد والجمعةِ ونحوها. ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ وبسبب ما أخرجوا في نكاحهن. ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في مهورهن ونفقاتهن، رُوي أن سعد بن ربيع نَشزت عليه امرأتُه فلطَمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ فشكَى، فقال ﵇: "لتقتصَّ منه" فنزلت فقال: "أردْنا أمرًا وأرادَ الله أمرًا، والذي أرادَ اللهُ خيرٌ" (٢).

стр. 1076

ثم بيَّن أن النساء نوعان، فالفاء في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ لتفصيل المجمل المفهومِ مما تقدَّم. ﴿قَانِتَاتٌ﴾؛ أي: النساءُ الموصوفاتُ بالصلاح هنَّ المطيعاتُ لله تعالى، القائماتُ بحقوق الأزواج. ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: لغَيبة الأزواج، والمعنى: بمواجب الغيبة، أي: يحفَظْنَ في غَيبة الأزواج ما يجب عليهن حفظُه من الفروج والأولاد والبيوت والأموال. وقيل: لما غاب من الحسِّ من أسرارهم، والوجه هو الأول لما روي عنه ﵇: "خيرُ النساءِ امرأةٌ إنْ نَظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإنْ أَمرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالها ونَفْسِها" وتلا الآية (١). ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بحفظِ الله إياهنَّ، يعني: أن حفظهنَّ للغيب ليس من قِبَلِ أنفسهنَّ، بل ذلك بحفظِ الله إياهنَّ لذلك. وقيل: [بحفظ الله إياهن] بالأمر بحفظ الغيب والحثِّ عليه بالوعد والوعيد. ويَرِدُ عليه: أنه لا اختصاص بحفظ الله تعالى بهذا المعنى بالنوع الأول منهنَّ، ومن رام الإصلاح بزيادة قوله: والتوفيقِ له (٢)، لم يَدْرِ أن الذي زاده وجهٌ مستقلٌّ، ومعنًى تامٌّ.

стр. 1077

وقرئ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بالنصب (١) على أنَّ (ما) موصولةٌ، أي: بالأمر الذي يحفظُ حق الله وأمانةَ الله، وهو التعفُّفُ والتحصُّنُ والشفقةُ على الرجال. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهنَّ وترفُّعَهنَّ (٢) عن مطاوعة الأزواج، من النَّشز (٣). ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال الإمام أبو منصور: العظَةُ كلامٌ يُلين القلوبَ القاسية، ويرغِّب الطبائعَ النافرةَ، وهو بتذكير العواقب (٤). ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم ينفع الوعظُ وظهر النشوزُ فأدِّبوهن بالهجر، وهو القطع، والمضاجع: جمع مَضجعٍ، وهو موضعُ وضعِ الجَنْب للنوم، ولم يُرِدْ به تبعيدَها عن مضجعه، ولذلك لم يقل: عن المضاجع، بل أراد أن يُوليَها ظهرَه وهما في مضجعٍ (٥) واحدٍ، إعلامًا بالعتب والمؤاخذة (٦). ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي (٧): إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران فأدِّبوهن بالضرب لإصرارهن على النشوز، وهو ضربٌ غير جارحٍ ولا خادشٍ ولا شائنٍ. وما ذُكر من الترتيب مع النظم بالواو مستفادٌ من قرينة المقام وسَوقِ الكلام؛ للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة (٨).

стр. 1078

﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: فلا تتعرَّضوا لهن بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهنَّ كأنْ لم يكن بعد الرجوع إلى الطاعة وتركِ النشوز. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: إنكم تَعْصونه تعالى مع علوِّ شأنه وكبرياءِ سلطانه، ولا يؤاخذكم بأول الحال، ويدعو إلى التوبة ويقبل إذا تاب، ولا يؤاخذُ بما قد كان، والعبدُ أحقُّ بذلك. وفي ذكر علوِّه تعالى وكبريائه تحذيرٌ للعبد، ومنعٌ عن مجاوزة الحد فيما يقيمه عليها على (١) وجه التأديب. * * * (٣٥) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لوُلاة الأمر. ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ خلافًا بين المرأة وزوجها، أضمَرهما قبل الذِّكر لذكر ما يدلُّ عليهما، وأصل الشقاق: أن يصير أحدهما في شقٍّ والآخَرُ في شقٍّ بالمخالَفة والمباعَدة، وإضافتُه إلى الظرف إمَّا لإجرائه مجرى المفعول كقوله: يا سارقَ الليلة، أو الفاعل كقولهم: نهارُه صائمٌ. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ متى اشْتبَه عليكم حالُهما؛ لتبيين (٢)

стр. 1079

الأمر أو إصلاح (١) ذات البين، رجلًا عدلًا مرضيًا به يصلُح للحكومة والإصلاح من أهله، وآخَرَ من أهلها؛ لأن الأقارب من الطرفين أعرف ببواطن الأحوال، وأَطلَبُ للصلاح، وتَسكُنُ إليهم نفوسُ الزوجين، ولا يَحتشِمان من إبراز ما في ضمائرهما من الحبِّ والبغض، وإرادةِ الصحبة والفرقة، وهذا على وجه الاستحباب، فلو نصِّبا من الأجانب جاز. وقيل: الخطاب للأزواج والزوجات، ولا يساعدُه نظمُ الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. واختُلف في أنهما يليان الجمع والتفريق بينهما بحسَب ما رأَيا، أو لا إلا بإذن الزوجين؟ والأصح أن ذلك إليهما، وما جُعلا حكَمين إلا وإليهما بناءُ الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما، وبه استُدل على جواز التحكيم. ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾؛ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ لذات البَيْنِ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: أوقع الله بحُسن سعيهما الموافقةَ بين الزوجين. وقيل: الضميران كلاهما للحكَمين؛ أي: إنْ قصدا (٢) الإصلاح يوفِّق الله بينهما لتتَّفق كلمتهما، ويحصل مقصودُهما. وقيل: للزوجين؛ أي: إن أرادا الإصلاح وزوالَ الشقاق أوقع الله بينهما الأُلفة والوفاق. وفيه تنبيهٌ على أنَّ مَن أَصلح نيَّته فيما تحرَّاه أَصلح الله مُبتغاه.

стр. 1080

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بالظواهر والبواطن، فيعلمُ كيف يُرْفَعُ الشقاقُ ويُوْقَعُ الوفاق به. إنما ذكر إرادة الإصلاح والتوفيق بينهما، وأهمل ذكر التفريق - مع كون الحكمين منصوبَين لِمَا رأيا من الأمرين جميعًا - حثًّا لهما وبعثًا للزوجين على الوفاق والجمعية والألفة، وردعًا لهما عن الخلاف والتقاطع والفُرقة، وترجيحًا للأول على الثاني. * * * (٣٦) - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ من الأشياء في العبادة، أو: شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأَحْسِنوا بهما إحسانًا. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ بكلِّ مَن بينكم وبينه قرابةٌ، عَطَف بتكرير الجارِّ ليُفيد أن إحسان ذي القربى بالأصالة لا بالتبعيَّة. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي قَرُبَ جوارُه، وليس له اتصالٌ بنسب، وإلا لَمَا فُصِل بينه وبين ذي القربى بالأجنبيِّ. وقرئ: (الجارَ ذي القربى) نصبًا على الاختصاص (١)؛ تعظيمًا لحقِّ الجوار.

стр. 1081

﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذي بَعُد جِوارُه ولا قرابةَ له، قال النبيُّ ﵇: "الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ واحد وهو حقُّ الجِوار وهو الجارُ المشرِك، وجارٌ له حقَّان حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام وهو الجار المسلم، وجار له ثلاثةُ حقوق حقُّ الجار وحقُّ الإسلام وحقُّ القرابة وهو الجارُ المسلمُ القريب" (١). ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ هو الذي (٢) صَحِبَك بأنْ حصَل بجنبك: إمَّا رفيقًا في سفرٍ، أو شريكًا في تعلُّمِ علمٍ أو حِرفة. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر، والضيفُ في حكمه. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من الرقيق. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ تيَّاهًا يتكبَّر عن إكرام أقاربه وجيرانه وأصحابه ومماليكه فلا يلتفتُ إليهم، وقد سبق أنَّ عدم المحبة عبارةٌ عن البغض. ﴿فَخُورًا﴾ يتفاخر عليهم. * * * (٣٧) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

стр. 1082

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما مُنحوا به (١) ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ أمرَ إرشاد ﴿بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الغنى والعلم. بدلٌ من قوله: ﴿مِنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾ قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾ حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهانون به في الآخرة غايةَ الإهانة (٢)، وهذا يُستفاد من جَعل الوصف أمرًا ظاهرَ اللزوم للموصوف بحيث لا فائدةَ في ذكره إن لم يُحمل على المبالغة (٣)، والمعنى: أعتدنا لهم وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]. والعدول عن المضمَر إلى الظاهر للإشعار بأنَّ أمرهم الناسَ بالبخل، وإخفاءَهم ما أنعم الله تعالى عليهم من المال وسعةِ الحال، أثرُ الكفر. وفيه تنبيهٌ على أن الكفران لنعمة الله تعالى من وادي الكفر، قال طاوسٌ: البخلُ هو أن يبخل الإنسان بما في يده، والشحُّ هو أن يَشحَّ بما في أيدي الناس، فهم جامعون بين البخل والشح.

стр. 1083

(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ ليقال: ما أسخاهم وما أَجْوَدهم، لا ابتغاءَ وجه الله. عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وإنما شاركهم في الذمِّ والوعيد؛ لأنَّ البخل والسَّرَفَ - الذي هو الإنفاق لا على ما ينبغي - من حيث إنها طرفُ إفراطٍ وتفريطٍ سواءٌ في القبح واستجلابِ الذم. أو مبتدأ خبره محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ليتحرَّوا بالإنفاق مَراضِيَه وثوابَه، ونفقةُ مَن لا يؤمن لا تكون لرضا اللهِ، بل تكون لتزيين الشيطان، ولذلك ختم الآيةَ بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ حيث حملهم على البخل والرِّياء وكلِّ رذيلة، أو حين يُقرَن بهم في النار فيكون وعيدًا لهم. في ﴿فَسَاءَ﴾ ضميرٌ مبهَمٌ ﴿قَرِينًا﴾ تفسيرُه وبيانُه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: الشيطان. * * * (٣٩) - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: وأيُّ تَبعةٍ ووبالٍ في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمرادُ: الذمُّ والتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة (١)،

стр. 1084

والاعتقادِ في الشيء على خلافِ ما هو عليه، وإيهامٌ أنهم في الاعتياد بالرذائل والشَّغَف بالكفر والقبائح كأنهم يعتقدون أنهم مُثابون على ذلك، ومُعاقَبون على أضدادها من الفضائل والإيمان والمحاسن، وتحريض على الفكر (١) في طلب الجواب لعله يؤدِّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد (٢) الجميلة، وتنبيهٌ على أنَّ المدعو إلى أمر لا ضررَ فيه (٣) ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا تضمَّن المنافع. ولمَّا قَصد في الآية الأولى إلى ذمِّهم بالإنفاق رياءً لكونهم غيرَ مؤمنين، قدَّم ذكره وجعل قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الحال تنبيهًا على أن ذلك منهم لكونهم غيرَ مؤمنين، ولمَّا حثَّهم في هذه الآية على ما يجب أن يتَّخذوه ابتدأ بذكر الإيمان تنبيهًا على أن إنفاقهم غيرُ معتدٍّ به إلا بعد الإيمان. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: أنشأهم على علمه بأنهم لا يؤمنون؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تَضرُّه (٤). * * * (٤٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: لا يَنقصُ من الثواب الموعود ولا يَزيدُ في

стр. 1085

العقاب المعهود أصغرَ شيءٍ كالذرَّة، وهي النملةُ الصغيرة، ويدلُّ عليه قراءةُ (مثقالَ نملة) (١). والمثقال: مِفعالٌ من الثِّقَل، وفيه تنبيهٌ على أن الأعمال صورٌ مثاليةٌ لها ثقلٌ وخفَّةٌ، وإيماءٌ إلى حكمة الميزان (٢). ﴿وَإِنْ تَكُ﴾ مثقالُ ذرَّة ﴿حَسَنَةً﴾ وتأنيثُ الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى الذرة، وحُذف النون من غيرِ قياسٍ تشبيهًا بحروفِ العلة. وقرئ: ﴿حَسَنَةً﴾ بالرفع على كان التامَّة (٣). ﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يضاعِفْ ثوابَها، وقرئ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ (٤) والمعنى واحد. ﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: صاحبَها. ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده تفضُّلًا (٥)، وفيه تنبيه على أنَّ إطلاق الأجر عليه بحسَب الوعد لا ينافي كونَه تفضُّلًا في الحقيقة. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ما وصفَه الله تعالى بالعظم فمَن يعرفُ مقداره؟ مع أنه سمَّى الدنيا وما فيها قليلًا، وسمَّى هذا الفضل عظيمًا.

стр. 1086

(٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾ حالُ هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم. ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم السالفة. ﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشهدُ عليهم بما فَعلوا وهو بينهم. و ﴿إِذَا﴾ إشارة إلى وقت المجيء بالرسل للشهادة، والعامل في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيمِ الشأن. ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّةِ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. * * * (٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا أمره ونهيه. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ بيانٌ لحالهم حينئذ؛ أي: يودُّ الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول في ذلك الوقت ويتمنَّون أنْ تسوَّى بهم الأرض بأنْ يكونوا من جملةِ الأرض ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وهذا لأن الأرض إنما تسوَّى بشيء منها (١). ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عطفٌ على ﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يَودُّون ذلك ولا يقدِرون كتمانَه؛ لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم بذلك.

стр. 1087

وقيل: الواو للحال؛ أي: يودُّون أن تُسوَّى بهم الأرض، وحالُهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا ولا يَكْذِبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم، فيَشتبِهُ الأمر عليهم، فيتمنَّون أن تُسوَّى بهم الأرض. * * * (٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: لا تَدْنوا إلى مواضع الصلاة - وهي المساجدُ - حالةَ السُّكر؛ لعطف قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عليه، وهو نهيُ الجنُب عن قُربان المساجد؛ لأنَّ الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ في حقِّ المساجد دون الصلاة، ولا يجوز أن يكون معناه إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ (١)، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ. ثم إنه على تقدير اعتبار الشرط المذكور لا يبقى فرق بين المسافر والمقيم. والنهيُ عن قُربان المساجد حالةَ السُّكر نهيٌ عن الصلاة في تلك الحال على أبلغِ وجهٍ بطريق الدلالة؛ لأن حرمةَ موضعها لحُرمتها، ثم إنَّ النهي ليس عن الصلاة لأنها عبادةٌ لا يُنهى عنها، بل هو نهيٌ عن الإفراط في الشرب في وقتٍ يلزمُه أداء

стр. 1088

الصلاة حالةَ السُّكر فما ذُكر ينطبق على سببِ النزول دلالةً وإنْ لم ينطبق عليه (١) عبارةً، وهو ما رُوي أنَّ عبد الرحمن بنَ عوفي ﵁ صنع مائدةً ودعا نفرًا من الصحابة ﵃ حين كانت الخمرُ مباحةً، فأكلوا وشربوا حتى ثَملوا، وجاء وقتُ صلاة المغرب، فتقدَّم أحدهم ليصلِّيَ بهم، فقرأ: أعبدُ ما تَعبدون، فنزلت (٢). وقرئ: (سَكَارَى) بالفتح، و: (سَكْرَى) على أنه جمعٌ كـ: هلكى، أو مفردٌ بمعنى: وأنتم قوم سَكْرَى (٣)، و: (سُكْرَى) كحُبْلَى على أنه صفةُ الجماعة (٤). والسُّكْر من السَّكْر وهو السَّدُّ. ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّن (٥) أن السكر المانع هو أن يصيرَ بحالٍ لا يَعلم ما يقول. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إذ الجملة مع الواو في موضع النصب على الحال (٦)، والجنب: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع؛ لأنَّه يجري مجرى المصدر.

стр. 1089

﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا تقربوا المسجد في عامةِ الأحوال إلا في حالِ العبور، أو صفةٌ لقوله: ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: جنبًا غيرَ عابري سبيل. قيل في نزوله: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد، وكانت (١) تصيبهم جنابةٌ ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢). وإضافةُ العابر إلى السبيل لتخصيصِ الرُّخصة بحالِ الضرورة، بأنْ لا يكونَ له سبيلٌ إلا في المسجد، ولهذا قال أبو حنيفة: لا يجوز له المرورُ في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق (٣). ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايةُ النهي عن القربان حالةَ الجنابة، والتيمُّمُ بدلٌ عنه، فذكرُ الاغتسال يُغني عن ذكره. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا (٤) يمنعُه عن استعمال الماء حقيقةً؛ كما إذا لم يكن ماءٌ، ولا يقدر على الحركة، وليس عنده مَن يأتي به، أو حُكمًا كما إذا كان مرضُه يشتدُّ باستعمال الماء أو يمتدُّ. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ أي: مسافرين، أراد به البُعدَ من العُمران ومواضعِ الماء، ولم يُردْ به كمال مدةِ السفر، ولا مسافرًا يجد الماء.

стр. 1090

ولمَّا ثبت أنَّ الحكم لم يتعلَّق بعين المرض والسفر بل بمعنًى فيهما، وهو العجز عن استعمال الماء، وإنما علِّق بهما ظاهرًا لأن العجز عنه يقعُ فيهما غالبًا، ثبت أن الحكم كذلك في كلِّ موضع تحقَّق العجزُ، وظهر به صحةُ قول أبي حنيفة في إجازة التيمُّم للجنابة في المِصر إذا عَدِمَ الماءَ الحارَّ، وخاف أن يضرَّه الاغتسالُ بالماء البارد. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئنُّ من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذ الكنيف في البيوت، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحَدَث، ولمَّا كان الاجتماعُ في السفر مندوبًا - بخلافِ التغيُّطِ فإن المندوب فيه الانفرادُ - غيَّر الأسلوب، ولم يقل: أو جئتم من الغائط. وأمَّا قولُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فعلى طريقةِ مقابَلة الجمع بالجمع، ففيه أيضًا رُوعي (١) ما هو المندوب. وقرئ: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ (٢)؛ أي: جامعْتُم فاجتَنبتُم، قال ابن عباس ﵄: الملامسةُ واللمس والمباشرة والإفضاء كناياتٌ عن الجماع (٣). ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ حقيقةً أو حكمًا؛ كما إذا يكن مقدورَ الاستعمال لمانعٍ، أو يكون في استعماله نوعُ حرجٍ لضررِ بدنٍ (٤) أو مالٍ. بقي هاهنا إشكال، وهو أن الجمع بين الأمور المذكورة في الشرط المرتَّب عليه جزاءٌ واحدٌ وهو الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، مع أن سببية الأوَّلَينِ إنما هي
следующие страницы →