← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾ حالُ هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم. ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم السالفة. ﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشهدُ عليهم بما فَعلوا وهو بينهم. و ﴿إِذَا﴾ إشارة إلى وقت المجيء بالرسل للشهادة، والعامل في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيمِ الشأن. ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّةِ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. * * * (٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا أمره ونهيه. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ بيانٌ لحالهم حينئذ؛ أي: يودُّ الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول في ذلك الوقت ويتمنَّون أنْ تسوَّى بهم الأرض بأنْ يكونوا من جملةِ الأرض ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وهذا لأن الأرض إنما تسوَّى بشيء منها (١). ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عطفٌ على ﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يَودُّون ذلك ولا يقدِرون كتمانَه؛ لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم بذلك.

стр. 1087

وقيل: الواو للحال؛ أي: يودُّون أن تُسوَّى بهم الأرض، وحالُهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا ولا يَكْذِبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم، فيَشتبِهُ الأمر عليهم، فيتمنَّون أن تُسوَّى بهم الأرض. * * * (٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: لا تَدْنوا إلى مواضع الصلاة - وهي المساجدُ - حالةَ السُّكر؛ لعطف قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عليه، وهو نهيُ الجنُب عن قُربان المساجد؛ لأنَّ الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ في حقِّ المساجد دون الصلاة، ولا يجوز أن يكون معناه إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ (١)، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ. ثم إنه على تقدير اعتبار الشرط المذكور لا يبقى فرق بين المسافر والمقيم. والنهيُ عن قُربان المساجد حالةَ السُّكر نهيٌ عن الصلاة في تلك الحال على أبلغِ وجهٍ بطريق الدلالة؛ لأن حرمةَ موضعها لحُرمتها، ثم إنَّ النهي ليس عن الصلاة لأنها عبادةٌ لا يُنهى عنها، بل هو نهيٌ عن الإفراط في الشرب في وقتٍ يلزمُه أداء

стр. 1088

الصلاة حالةَ السُّكر فما ذُكر ينطبق على سببِ النزول دلالةً وإنْ لم ينطبق عليه (١) عبارةً، وهو ما رُوي أنَّ عبد الرحمن بنَ عوفي ﵁ صنع مائدةً ودعا نفرًا من الصحابة ﵃ حين كانت الخمرُ مباحةً، فأكلوا وشربوا حتى ثَملوا، وجاء وقتُ صلاة المغرب، فتقدَّم أحدهم ليصلِّيَ بهم، فقرأ: أعبدُ ما تَعبدون، فنزلت (٢). وقرئ: (سَكَارَى) بالفتح، و: (سَكْرَى) على أنه جمعٌ كـ: هلكى، أو مفردٌ بمعنى: وأنتم قوم سَكْرَى (٣)، و: (سُكْرَى) كحُبْلَى على أنه صفةُ الجماعة (٤). والسُّكْر من السَّكْر وهو السَّدُّ. ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّن (٥) أن السكر المانع هو أن يصيرَ بحالٍ لا يَعلم ما يقول. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إذ الجملة مع الواو في موضع النصب على الحال (٦)، والجنب: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع؛ لأنَّه يجري مجرى المصدر.

стр. 1089

﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا تقربوا المسجد في عامةِ الأحوال إلا في حالِ العبور، أو صفةٌ لقوله: ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: جنبًا غيرَ عابري سبيل. قيل في نزوله: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد، وكانت (١) تصيبهم جنابةٌ ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢). وإضافةُ العابر إلى السبيل لتخصيصِ الرُّخصة بحالِ الضرورة، بأنْ لا يكونَ له سبيلٌ إلا في المسجد، ولهذا قال أبو حنيفة: لا يجوز له المرورُ في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق (٣). ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايةُ النهي عن القربان حالةَ الجنابة، والتيمُّمُ بدلٌ عنه، فذكرُ الاغتسال يُغني عن ذكره. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا (٤) يمنعُه عن استعمال الماء حقيقةً؛ كما إذا لم يكن ماءٌ، ولا يقدر على الحركة، وليس عنده مَن يأتي به، أو حُكمًا كما إذا كان مرضُه يشتدُّ باستعمال الماء أو يمتدُّ. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ أي: مسافرين، أراد به البُعدَ من العُمران ومواضعِ الماء، ولم يُردْ به كمال مدةِ السفر، ولا مسافرًا يجد الماء.

стр. 1090

ولمَّا ثبت أنَّ الحكم لم يتعلَّق بعين المرض والسفر بل بمعنًى فيهما، وهو العجز عن استعمال الماء، وإنما علِّق بهما ظاهرًا لأن العجز عنه يقعُ فيهما غالبًا، ثبت أن الحكم كذلك في كلِّ موضع تحقَّق العجزُ، وظهر به صحةُ قول أبي حنيفة في إجازة التيمُّم للجنابة في المِصر إذا عَدِمَ الماءَ الحارَّ، وخاف أن يضرَّه الاغتسالُ بالماء البارد. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئنُّ من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذ الكنيف في البيوت، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحَدَث، ولمَّا كان الاجتماعُ في السفر مندوبًا - بخلافِ التغيُّطِ فإن المندوب فيه الانفرادُ - غيَّر الأسلوب، ولم يقل: أو جئتم من الغائط. وأمَّا قولُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فعلى طريقةِ مقابَلة الجمع بالجمع، ففيه أيضًا رُوعي (١) ما هو المندوب. وقرئ: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ (٢)؛ أي: جامعْتُم فاجتَنبتُم، قال ابن عباس ﵄: الملامسةُ واللمس والمباشرة والإفضاء كناياتٌ عن الجماع (٣). ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ حقيقةً أو حكمًا؛ كما إذا يكن مقدورَ الاستعمال لمانعٍ، أو يكون في استعماله نوعُ حرجٍ لضررِ بدنٍ (٤) أو مالٍ. بقي هاهنا إشكال، وهو أن الجمع بين الأمور المذكورة في الشرط المرتَّب عليه جزاءٌ واحدٌ وهو الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، مع أن سببية الأوَّلَينِ إنما هي

стр. 1091

للترخُّص، والثالثِ لوجوب الوضوء، والرابعِ لوجوب الغسل، وليس الأمر بالتيمُّم معنًى واحد (١) يعم الكل. ووجهُ حلِّه: هو أن القصد إلى الترخُّص في التيمُّم بالتراب مَن وجَب عليه التطهير ولم يجد الماء، فقيدُ عدم الوجدانِ راجعٌ إلى الكل، وقيدُ وجوب التطهير المكنيِّ عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ اللَّذينِ هما من أغلب أسباب وجوب التطهير معتبرٌ في الكلِّ حتى المرضى والمسافرين (٢)، وذكرُهما تخصيصٌ قبل التعميم بناءً على زيادةِ استحقاقهما للترخيص بغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنه قيل: إن جاء أحد منكم (٣) من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء خصوصًا المرضى والمسافرين فتيمَّموا، ووجهُ سببيَّةِ مضمونِ الشرط لمضمونِ الجزاء ظاهرٌ. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ التَّيمُّم: القصدُ، والصَّعيد: وجهُ الأرض، والطيِّب: الطاهرُ. ويجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من أجزاء الأرض عند أبي حنيفة؛ لَزِقَ بالكفِّ أو لم يَلْزقْ؛ عملًا بإطلاقِ النص. وعند محمدٍ كذلك لكنْ إذا لزق بالكفِّ، لقوله في المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: من بعضه. وعند أبي يوسف: الصعيدُ هو الترابُ والرمل.

стр. 1092

وعند الشافعيِّ: هو التراب لا غير، والطيِّب: المنبِتُ من الأرض عنده. واللائق بموضع الطهارة إنما هو المعنى الأولُ (١). وشرط (مِن) التبعيضيةِ - وهو صحة وضع (بعض) موضعَها - منتَفٍ هاهنا؛ إذ لو قيل: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بعضَه، أفاد أن المطلوب جعلُ الصعيد ممسوحًا والعضوِ ماسحًا (٢)، وهو فاسدٌ بالاتِّفاق (٣). ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٤) لأنَّه بدلٌ (٥) عن الوضوء، فيتقدَّر بقَدْرِ (٦) الأصل، ولأنه ﵇ تيمَّم ومسح يديه إلى مرفقيهِ. ومسحُ الشيء: إمرارُ اليد على الشيء (٧)، تقول: مسحتُ برأسه، ومسحتُ رأسَه، بمعنًى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ إشارةٌ إلى وجه الترخُّص والتيسير؛ لأن مَن كانت عادته العفوَ عن الخطَّائينَ والغفرانَ عن المذنبين فلَأنْ يكونَ ميسِّرًا غيرَ معسِّر أَحْرَى.

стр. 1093

(٤٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ كلمةُ تعجُّبٍ عن أمر قد بلغ المخاطَبَ، فيُخْرجُ مُخرجَ التذكير، أو لم يبلغه فيُخرج مُخرج التعليم، من رؤية البصر؛ أي: ألم تنظُرْ إليهم، أو القلب وتعديتُه بـ (إلى) لتَضمُّنه معنى الانتهاء. ﴿نَصِيبًا﴾: حظًّا، وتنكيره يَحتمِل التعظيمَ والتحقير. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: التوراة، أو جنسِ الكتب السماوية (١)، و ﴿مِنَ﴾ للتبعيضِ أو للبيان. ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: يستبدِلون اليهودية التي هم عليها بالهدى الذي (٢) هو دينُ الإسلام؛ لتَمكُّنهم منه بعد ما تبيَّن لهم من علم الكتاب أنه الحقُّ. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أيها المؤمنون ﴿السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحق، وتَنخرِطوا في سِلكهم. * * * (٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أخبرهم بعداوتهم وما يريدون بهم تحذيرًا (٣) إياهم.

стр. 1094

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يلي أمركم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ينصركم عليهم، فثِقوا عليه واكتفُوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل (كفى) لتوكيد الاتصال الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ. * * * (٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان لـ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأنَّه متناوِلٌ لليهود والنصارى، والجمل الثلاث توسَّطت بينه وبين المبيَّن على سبيل الاعتراض: الأولى للتصريح بما أومن (١) إلى سببه لأن المخالفة في الدين سببُ العداوة، والباقيتان لتشجيعهم وتقوية قلوبهم في عدم الميَلان بأعدائهم، ولذلك كرَّر ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ لتقرير معنى كفايةِ الله تعالى عنهم في تقوُّلهم، وأن ولاية الله تعالى بالانفراد كافيةٌ لهم كما أن نصرةَ الله تعالى وحدها كافية. أو بيان لـ (أعدائكم) وما بينهما اعتراضٌ. ويجوز أن يكون صلةً لـ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ينصركم من الذين هادوا؛ كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أو كلامًا مبتدأً على أنَّ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صفةُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: من الذين هادوا قوم. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾؛ أي: يُميلونه.

стр. 1095

﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ التي وضعه الله تعالى فيها، بإزالتهِ عنها وإثباتِ غيره فيها، أو يؤوِّلونه على ما يشتهون فيُميلونه عمَّا (١) أنزل الله فيه. والكَلِمُ والكَلِمةُ كالتَّمْرِ والتَّمْرةِ، على أنه اسمُ جنس فُرِّق بينه وبين واحدِه بالتاء، لا على أنه جمع، ولهذا ذكِّر الضمير (٢)، وأمَّا جمع المواضع فلتكرُّره في التوراة (٣) في مواضعَ بحسب الجنس. وقرئ: (الكِلْمَ) بكسر الكاف وسكونِ اللام على أنه جمعُ كِلْمةٍ تخفيفَ كَلِمةٍ (٤)، وتذكير الضمير على هذه القراءة لإرادةِ جنس الكَلِم. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولَك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك (٥). ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه، أو: اسمع كلامًا (٦) غير مسمَعٍ إياك لأن أُذنك تنبو عنه، فيكون مفعولًا به. وأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهًا (٧)، من قولهم: أسمعه فلان، إذا

стр. 1096

سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم وعصينا أظهروا الخلاف والشقاق. ﴿وَرَاعِنَا﴾: انظُرنا نكلِّمْك ونفهمْ كلامك. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: فتلًا بها وصرفًا للكلام إلى ما يُشبِهُ السبَّ، حيث وضعوا (راعنا) موضع (انظُرنا)، و (غيرَ مسمَعٍ) موضع: لا أُسمعتَ مكروهًا (١). ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ كانوا يقولون له ﵇: السَّام عليك، فيخرجون ويقولون: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقّ (٢) فلماذا [لا] (٣) يعذِّبنا الله بهذا؟ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ ﴿أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ فاعلُ فعلٍ محذوف دلَّ عليه معنى الثبوت والتحقُّق (٤) في (إنَّ)؛ أي: ولو ثَبتَ أنهم قالوا، يعني: ولو ثبت قولُهم هذا مكان ما قالوا. والضمير المستكنُّ في ﴿لَكَانَ﴾ يرجع إلى هذا القول. ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: وأعدل. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: خذلهم الله، وأبعدهم عن الهدى.

стр. 1097

﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا إيمانًا قليلًا لا يُعبأ به، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل. ويجوز أن يراد بالقلة: العدمُ؛ لأنَّه رديفُها في الغالب؛ أي: لا يؤمنون إلا إيمانًا معدومًا، على طريقة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: إن كان الإيمان المعدوم إيمانًا فهم يُحدثون شيئًا من الإيمان، فهو في المعنى تعليق بالمحال بكون ما بعد (إلا) موافقًا لِمَا قبلها في المعنى (١)، ولا يجوز ذلك في الاستثناء، وكذا لا يجوز أن يكون المعنى: إلا قليلًا منهم آمنوا، أو: سيؤمنوا؛ لعدم صحة تسبُّبه عمَّا تقدَّم، فافهم. * * * (٤٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ خطاب لليهود والنصارى. ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو القرآن. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب الذي أنزل على نبيَّكم، يعني: التوراةَ والإنجيلَ متضمِّنًا صفة النبيِّ ﷺ وصحةَ ما جاء به.

стр. 1098

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: مِن قبلِ أن نمحوَ تخطيطَ صورها ونجعلَها على هيئة أدبارها، يعني: الأقفاء، أو نُنكِّسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة (١). وأصل الطمْس: محوُ الأثر وإزالةُ الأعلام، وقد يُطلق بمعنى الطَّلْس (٢) في إزالة الصورة، ولمطلَق القلب والتغيير، ولذلك قيل: معناه: من قبلِ أن نغيِّر وجوهًا فنسلبَ وَجاهتَها وإقبالها ونكسوَها الصَّغار والإدبار، أو نردَّها حيث جاءت منه، وهي أذرعاتُ الشام، يعني: إجلاءَ بني النضير. أو: من قبل أن نطمس وجوهًا بأنْ نُعْميَ الأبصار عن الاعتبار، ونُصِمَّ الأسماع عن سماع الحق بالطبع، ونردَّها عن الهداية إلى الضلالة. ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: نُخزيَهم بالمسخ كما أخزينا به (٣) أصحاب السبت، أو باللعن المتعارَف. والضميرُ لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوهَ قوم، أو لـ ﴿الَّذِينَ﴾ على طريقة الالتفات، أو للوجوه إنْ أريد الوجهاء. وعطفُه على الطمس بالمعنى الأول يدلُّ على أن المراد به ليس مسخَ الصورة

стр. 1099

في الدنيا، ومَن حمل الوعيدَ على تغيير الصورة في الدنيا قال: إنه بعدُ مترقَّبٌ، أو كان وقوعه مشروطًا بعدم إيمانهم وقد آمَن بعضهم. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإيقاع شيء. ﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا، إنما المنتظَر إبداؤه بالنظر إلى المقيدين بقيد متى (١)، لا إبداعُه المجردُ عنه. * * * (٤٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لأنَّه بتَّ (٢) الحكم على خلود عذابه، ويشاركُه في الحكم المذكورِ ما في منزلته وهو سائر وجوه الكفر، فإن الحكم على خلود عذابها أيضًا قد ثبت (٣)، ولوجود هذا القسم قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ﴾ ولم يقل: يغفر غيره، مع أنه أخصرُ وأظهرُ دلالةً على المراد، على تقديرِ عدمِ قسمٍ آخَرَ (٤)، فتدبَّر والله الهادي إلى الرَّشاد. وإنما قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع أنه معلوم أن المغفرة لا تكون إلا بمشيئةِ الله تعالى؛ للدلالةِ على أنها لا تعمُّ، والإشارةِ إلى أنَّ ما دون الشرك يخالفه من (٥)

стр. 1100

حيث إن المشيئة لا تتعلق بمغفرته (١) أصلًا. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى﴾: فقد ارتكب مفتريًا؛ أي: مفتعِلًا ما لا يصحُّ كونُه. ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ تستحقَر دونه الآثام. ويجوز أن يكون المعنى: فقد افترى أمرًا (٢) عظيمًا، وذلك الأمرُ لكونه سببًا للإثم عبِّر عنه بالإثم مبالغةً، كما عبِّر بالنار عن موجَبها في قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وهذا أبلغ، وفيه إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب. * * * (٤٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] و: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، و: إنَّا نعلِّم أبناءَنا الصغارَ التوراة فتكفَّر بذلك ذنوبنا فنصير كأننا لا ذنب (٣) لنا، وفي ذلك غضٌّ (٤) على من يزكي نفسه بزيادة الطاعة والتقوى. ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي﴾ ﴿بَلِ﴾ إضرابٌ عن (٥) تزكيتِهم أنفسَهم، وإنما قدِّم ﴿اللَّهُ﴾ على الفعل للتخصيص، أي: لا يزكِّي أحدٌ نفسَه ولا غيرَه، فإنه غيرُ معتبرٍ ولا معتدٍّ به، إذ لا علمَ لأحدٍ بما ينطوي عليه الإنسانُ من حُسنٍ وقبحٍ، بل الله خاصةً يزكِّي.

стр. 1101

﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من المرتضَينَ من عباده الذين عَرف منهم الزَّكاء، وأصل التزكية: نفي ما يُستقبح فعلًا أو قولًا. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: أقلَّ قليلٍ من الظلم، والفتيل - وهو (١) ما يُفتل من الوسخ عند دَلْكِ الأصبع بالأصبع - مَثَلٌ في القِلَّة؛ أي: يثابون على زكائهم ولا يُنقص من ثوابهم الموعودِ شيء. * * * (٥٠) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم (٢): نحن عند الله أزكياءُ. ﴿وَكَفَى بِهِ﴾: بافترائهم هذا. ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ من جملة آثامهم. * * * (٥١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ قد سبق تفسيرُه في هذه السورة. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجبتُ في الأصل: اسم صنم، ثم أُطلق على كلِّ ما عُبد (٣) من دون الله، والطاغوت: الشيطان، وكلُّ رأس في الضلال.

стр. 1102

نزلت في يهودٍ كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضَى عند الله مما يدعو إليه محمد (١). ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لأَجْلهم وفيهم. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارةٌ إليهم. ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذفوا (٢) المفعول لا اختصارًا بل احتقارًا. ﴿سَبِيلًا﴾ أرشدُ دينًا وأقومُ طريقًا. * * * (٥٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يمنع العذاب عنه بالنصرة، والخطابُ لكلِّ أحد (٣). * * * (٥٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزة إنكارُ أن يكون لهم نصيبٌ من الملك، والتنكيرُ في ﴿نَصِيبٌ﴾ للتحقير، ففيه جحدٌ (٤) على أبلغ وجهٍ لِمَا زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم.

стр. 1103

﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ النقير: النُّقرة في ظهر النَّواة، ومعنى (إذًا): أنه لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لا يُؤتون أحدًا مقدارَ نقيرٍ لفَرْط بخلهم، وهذا هو الإغراقُ في بيان شحِّهم، فإنهم إذا بخلوا بالنقير وهم ملوك، فما ظنُّكم (١) بهم إذا كانوا أذلَّاء متفاقرين. و (إذًا) إذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريكِ مفردٍ جاز فيه الإلغاء والإعمال، ولذلك قرئ: (لا يؤتوا) بالنصب (٢). ثم انتقل من هذه الخصلةِ الذَّميمة إلى خصلةٍ أشدَّ منها وهي الحسد، فإن البخل: مَنْعُ البخيلِ (٣) وصولَ خيرٍ من نفسه إلى الغير، والحسدَ: تَمنِّي زوال ما أَعْطَى الله تعالى الغيرَ من الخير، فقال: * * * (٥٤) - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ إنكارٌ لحسدهم رسولَ الله ﷺ والمؤمنين على ما آتاهم الله تعالى من النُّصرة والغلَبة، وازديادِ العزِّ والقوة والتقدُّم كلَّ يوم. واللام في ﴿النَّاسَ﴾ للماهية، كأنهم الناسُ بالحقيقة وما عدَاهم من اليهود ليس بالناس (٤).

стр. 1104

﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: النبوةَ والكتاب والنصرةَ والإعزاز. ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ إلزامٌ لهم بما عرَفوه من إيتاء الله تعالى الكتابَ والنبوَّةَ والملكَ العظيم إلى آل (١) إبراهيمَ الذين (٢) هم أسلافُ محمد ﵇، وأنَّه ليس ببِدْعٍ أن يؤتيَه اللّه تعالى مثلَ ما أُوتي أسلافه (٣). * * * (٥٥) - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: فمن اليهود ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾: بما ذُكر من حديث آل إبراهيم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنكر مع علمِه بصحته. أو: فمِنهم مَن آمَنَ برسول الله ﷺ ، ومنهم مَن أنكر نبوته. أو: من آل إبراهيم ﵇ مَن آمَن بنبوَّته، ومنهم مَن كفر، فلا تتعجَّب من قومك فإن أحوال جميع الأمم هكذا، وذلك تسليةٌ له ﵇. ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مسعورةً يعذَّبون بها إن لم يُعجَّلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أُعد لهم من سعير جهنم. * * * (٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

стр. 1105

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ كالبيان والتقرير لذلك، وتنكير ﴿نَارًا﴾ للتعظيم. قال سيبويه: (سوف) كلمة تُذكر للتهديد والوعيد [وينوبُ عنها السين]، وقد يزادان (١) في الوعد أيضًا (٢). ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: بلغت إلى حدٍّ لا يتأثَّر من الإحراق. ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: أعدْنا تلك الجلودَ غيرَ محترقةٍ، قال ابن عباس ﵁: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] إن الأرض تلك الأرض لكن بدِّلتْ آكامُها وجبالها وأنهارها وأشجارها. والجملة في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿نُصْلِيهِمْ﴾. ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: ليتجدَّد لهم ذَوقُ العذاب، ولما كان تأثُّر الذائقة أسرعَ وأقوى من تأثُّر (٣) اللامسة استُعير الذوق لإدراك اللامسة (٤) مبالغةً في التأثُّر (٥) عن العذاب. وقيل: يخلقُ مكانه جلدًا آخَر. والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدرِكة لا لآلةِ إدراكها، فلا محذور. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العزيز: القادر الغالب، والحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب.

стр. 1106

إنما قاله لأنَّه قد يقع في القلب تعجُّب من كون الكريم الرحيم يعذِّب الشخص الضعيف إلى هذا الحدِّ العظيم أبدَ الآباد، فقيل: ليس هذا بعجَبٍ؛ لأنَّه القادر على ذلك، وكما أنه رحيم فهو أيضًا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك. * * * (٥٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الوعد والوعيد متعاقبان في الذكر غالبًا، وقدِّم الوعيد هاهنا لأن الكلام في الكفار. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد سبق تفسيره. ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ صفةٌ مشتقَّةٌ من لفظ الظلِّ لتأكيدِ معناه، كما يقال: ليلٌ أليلُ، ويومٌ أَيْوَمُ، وهو ما كان مُطْبِقًا لا فُرجةَ فيه، ودائمًا لا يُنسخ، وسَجيجًا لا حرَّ فيه ولا بردَ. ولمَّا (١) كانت بلادُ العرب في غاية الحرارة، كان الظلُّ عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا جعلوه كنايةً عن الراحة، قال ﵇: "السلطانُ ظلُّ اللهِ في الأرض" (٢) فلا يتَّجهُ السؤال بأنْ يقال: إذا لم يكن في الجنة شمسٌ تؤذي بحرِّها فما فائدةُ وصفها بالظلِّ الظليل؟

стр. 1107

(٥٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا﴾ بأنْ تؤدُّوا. ﴿الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطابٌ يعمُّ المكلَّفين والأمانات وإن كان سببُ النزول خاصًّا، وهو أخذُ رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة من سادنيها (١) وردُّه لهم بعد نزول هذه الآية. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا﴾ بأنْ تحكموا. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل يقابله الجَور، والإنصاف يقابله الظلم. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (ما) في ﴿نِعِمَّا﴾ نكرةٌ موصوفةٌ منصوبةٌ؛ أي: نِعْمَ شيئًا يعظُكم، أو معرفةٌ موصولةٌ مرفوعة؛ أي: نعمَ الذي يعظُكم به. والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ؛ أي: ذلك، يعني: المأمور به من أداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ بأقوالكم وأحكامكم (٢). ﴿بَصِيرًا﴾ بما تعملون في الأمانات. * * * (٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.

стр. 1108

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كرِّر لفظ ﴿وَأَطِيعُوا﴾ تعظيمًا لأمر الرسول ﷺ ، ولهذا - أي: لِمَا ذُكر من أن تكرُّره للتعظيم - تُرك إعادتُه في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ فرقًا بين المطاعَين في التعظيم (١). لمَّا أَمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل، أَمر الناس بأن يُطيعوهم ويمتثِلوا أمرهم، والمراد بهم أمراء المؤمنين القائمون بالعدل الثابتون على الحق، لا أمراءُ الجور، على ما ستقف على وجهه فيه. وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ تمهيدٌ للرخصة في المنازعة المفروضة في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ لمَّا كان في الأمر بالطاعة لأُولي الأمر إشعارٌ باشتراطِ العدالة وكونِهم على الحق، وفيما تقدم من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ﴾ الآيةَ نوعُ تمهيدٍ لذلك، رتب الشرطية المذكورة على ما قبله. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمور الدِّين وأمور الدنيا. ﴿فَرُدُّوهُ﴾: فراجعوا فيه (٢). ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: إلى كتابه (٣) تعالى. ﴿وَالرَّسُولِ﴾: إلى سنَّته قوليةً كانت أو فعليةً أو تقريريةً، هذا يَنتظِم حالتي حياتهِ ومماته (٤).

стр. 1109

﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإنَّ الإيمان بالمبدأ والمَعاد يوجبُ ذلك. صدر الأمر بطاعة أولي الأمر بأمرهم بالحكم بالعدل، وقيَّده (١) بجمعهم مع الله ورسوله في العطف وتخصيصِهم بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وذَنَّبه بالأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنَّة فيما أَشكَل واختُلفَ فيه، إعلامًا بأنَّ طاعة المتغلِّبة من أمراء الجور الذين هم على خلافِ ذلك ليست بواجبةٍ، بل الواجب مخالفتُهم وعصيانُهم فيما لا يطابق الكتابَ والسنَّة من أحكامهم. واحتجَّ بالآية المذكورة منكِرو القياس، حيث حَصَر المرجعَ إليه في الكتاب والسُّنَّة، ولم يَذكر القياس، لكنها حجةٌ عليهم لا لهم؛ لأنَّه تعالى أَوجب في كل متنازَعٍ فيه الردَّ إليهما، ولا يوجد في كلِّ حادثةٍ نصٌّ ظاهر، فعُلم أنه أمرٌ (٢) بالنظر في مُوْدَعاته، والعملِ بمدلولاته ومقتضياته. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ لكم (٣) ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبةً. * * * (٦٠) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ

стр. 1110

يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن منافقًا خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهودي إلى النبيِّ ﷺ ، ودعاه (١) المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكَما إلى رسول الله ﷺ فحكم لليهودي، فلم يَرض المنافق، وقال: نتحاكمُ إلى عمر، فقال اليهودي لعمر ﵁: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرضَ بقضائه، وخاصَم إليك! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرجَ إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء رسول الله ﷺ ، فنزلت، وقال جبريل: إن عمر فرَقَ بين الحقِّ والباطل، فسمِّي الفاروق (٢). والطاغوت على هذا كعبُ بن الأشرف، وفي معناه مَن يحكم بالباطل، سُمِّي بذلك لفَرْط طغيانه ولشَبَههِ بالشيطان من حيثُ إنه الحاملُ عليه كما قال. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقرئ: (بها) (٣)، على أن الطاغوتَ جمعٌ كقوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ (٤) ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قيل: ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه كان المخاصم منافقًا من أهل الكتاب كأنْ يُظهرَ الإسلام على سبيل النفاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] إنما يليقُ

стр. 1111

بمثل هذا المنافق، وأما صيغةُ الجمع فلعلها لدَرْجِ أمثاله فيما ذُكر فإنهم في صدد ذلك وإن لم يظهر منهم. * * * (٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ لمَّا بيَّن رغبتَهم في التحاكم إلى الطاغوت بيَّن هنا رغبتهم عن التحاكم إلى الرسول ﵇، وقد سبق الكلام في ﴿تَعَالَوْا﴾ في سورة آل عمران. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ في موقع الحال. ﴿صُدُودًا﴾؛ أي: يعرضون عنك إعراضًا (١). * * * (٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر ﵁ المنافقَ، أو النقمة من الله تعالى. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكم إلى غيرك وعدمِ الرضا بحُكمك. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ عطف على ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾؛ أي: بعد ما أصابتهم جاءوك للاعتذار، أو على ﴿يَصُدُّونَ﴾ وما بينهما اعتراض.

стр. 1112

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ. ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما أردنا بذلك إلا الفصلَ بالوجه الأحسن، والتوفيقَ بين الخصمين. وقيل: جاء أصحاب القتيل طالبينَ بدمه، وقالوا: ما أردنا بالتحاكُم إلى عمر ﵁ إلا أن يُحْسنَ إلى صاحبنا ويوفِّقَ بينه وبين خصمه (١). * * * (٦٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، فلا يُغني عنهم الكتمانُ والحَلِفُ الكاذبُ من العقاب. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن عقابهم في الدنيا لمصلحةٍ في استبقائهم، أو: عن قبول معذرتهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك، وكُفَّهم عما هم عليه، وهذه المخاطبةُ لا تنافي الإعراض عن المعاتبة. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما يحلُّ بهم من العذاب إن لم يرجعوا، وما يصلُ إليهم من الثواب إن رجعوا. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثِّر فيهم، أمره بالتجافي عن معاتَبتهم والنصحِ لهم، والمبالغة فيه بالترهيب والترغيب كما هو مقتضى شفقةِ الأنبياء ﵈ (٢).

стр. 1113

وتعلُّق الظرف بـ ﴿بَلِيغًا﴾ على معنى: بليغًا في أنفسهم مؤثرًا فيها، يجوز على أصل الكوفيين خلافًا للبصريين (١). * * * (٦٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه لطاعته، أو: بسببِ إذنِ الله تعالى في طاعته؛ أي: بأمره للمبعوث إليهم أن يُطيعوه؛ لأنَّه مبلِّغ عن اللّه تعالى وخليفةٌ له، فطاعتُه طاعةُ الله تعالى، لمَّا أَمر النبيَّ ﷺ بوعظِهم وإبلاغِ القول فيهم أَمرهم بطاعته فيما أَمر واتِّعاظهم بما وَعظ، ولا دلالة فيه على أنَّ مَن لم يتَّعظ (٢) ولم يَرْضَ بحكمه كان كافرًا مستوجِبَ القتل، فإن الكفر لا يستوجب القتل البتة، كيف والذِّمِّيُّ والمستأمَن كافران ولا (٣) يجب قتلُهما. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكُم إلى الطاغوت. ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبينَ منه، وهو خبر (أنَّ)، و (إذ) متعلِّقٌ به. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ مخلصِينَ له (٤)، معتذرِينَ إليك مما ارتكبوه من ردِّ قضائك، حتى استغفرت لهم.

стр. 1114

ولمَّا كان تحاكُمُهم إلى الطاغوت إساءةً على الرسول ﵇، وإدخالًا للغمِّ في قلبه، لزمهم الاعتذارُ له ﵇ وطلبُ الاستغفار منه. وإنما قال (١): ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ على طريقة الالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لاستغفاره، وتنبيهاً على أنَّ مَن كان رسولَ الله ﷺ فاستغفارُه وشفاعته من الله بمكان (٢)، وأمَّا قبول اعتذار التائب فلا دخل فيه لوصف الرسالة، فلا وجه للتنبيه عليه بالالتفات. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: قابلًا لتوبتهم، متفضِّلًا عليهم بالرحمة. ﴿تَوَّابًا﴾ حال و ﴿رَحِيمًا﴾ بدلٌ منه، أو حالٌ من الضمير فيه. * * * (٦٥) - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾؛ أي: فوَربِّكَ، و (لا) مزيدةٌ لتأكيد القسَم؛ لا لتُظاهِرَ (٣) (لا) في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. وفي إضافته تعالى نفسَه إليه ﵇ في القَسَم رفعُ قَدْره. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 1115

﴿فِيمَا شَجَرَ﴾: فيما اختَلَف ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واختلط، ومنه: الشجر؛ لتَداخُل أعضائه واختلافِها في الجهات. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيْقًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾: مما حكَمْتَ به، أو: مِن حُكمك. وإنما قال: ﴿ثُمَّ﴾ لأن المحتمَل الغالِبَ وجدانُ ذلك بعد زمان. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: وينقادوا انقيادًا بظاهرهم وباطنهم. * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (أنْ) مصدريةٌ، أو مفسِّرةٌ لأنَّ ﴿كَتَبْنَا﴾ في معنى: أمرنا. ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾؛ أي: لو أوجبْنا عليهم مثلَ ما أوجبْنا على بني إسرائيل حين استتابتِهم من عبادة العجل مِن قتلهم أنفَسهم أو إخراجِهم (١) من ديارهم. ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير للمكتوب الذي دلَّ عليه ﴿كَتَبْنَا﴾. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قوم قليلٌ (٢) ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم المخلِصون. وهذا توبيخٌ بليغٌ لهم، لمَّا بيَّن أن إيمانهم لا يَتِمُّ إلا بأنْ يُسلِّموا حقَّ التسليم نبَّه على قصور أكثرهم ووَهْنِ إسلامهم. وقرئ بالنصب على الاستثناء، أو على: إلا فعلًا قليلًا (٣).

стр. 1116

{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من متابعةِ الرسول ومطاوَعتِه في أوامره ونواهيه بلا اعتراضٍ وشبهةٍ في أنفسهم. {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} في عاجلهم وآجلهم. {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} لإيمانهم وأنفسِهم، وأبعدَ اضطرابًا، ونصبُه على التمييز. وهذه الآية نزلت في شأن المنافق واليهوديِّ (١)، وقيل غيرُ ذلك. * * *> ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ¶٤¶٦٧ (٦٨) - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: وفَّقناهم لطريق التوحيد، وزيادةِ الخيرات، والاستقامةِ في الأحوال.

стр. 1117

(٦٩) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ مزيدُ ترغيبٍ في الطاعة بالوعد عليها (١) موافقةِ أكرم الخلائق وأعظمِهم قَدْرًا. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيان لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أو حال منه أو من ضميره. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ هم الصادقون في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم وأحوالهم، المتقدِّمون لغاية الصدق في تصديق الأنبياء من أفاضل أصحابهم. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الباذلون للأرواح لله تعالى لغايةِ حضورهم وشهودهم له. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ هم أهل الاستقامة إلى الله تعالى بالأعمال المقرِّبة، أو في الله بالتخلُّق بأخلاقه، والاتِّصاف بصفاته، وليس المراد من المعية (٢) المعيةَ في الدرجة، فإن ذلك غير ممكن (٣)، بل المعنى: أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقَها مع الأرواح الكاملة في الدنيا بقيتْ بعد المفارَقة تلك العلائقُ، فينعكِس الشعاعُ من بعضها على بعضٍ، فتصيرُ أنوارُها في غاية القوة. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يفيدُ التعجُّب؛ كأنه قيل: وما أحسنَ أولئك رفيقًا! و ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، ولذلك لم يُجمع إذ لم يقصد الأنواع، ويجوز أن يَنتصِب على الحال.

стр. 1118

(٧٠) - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ قُصد بها التعظيم ﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُه (١) ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُه. أو ﴿الْفَضْلُ﴾ خبرٌ، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارةِ. وفيه تنبيهٌ على ما أُعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقةِ المنعَم عليهم، فضلٌ (٢) خاصٌّ منه تعالى لا عدلٌ متقدِّرٌ (٣) بإزاء طاعتهم، بل مزيدٌ عليه من عنده، وتفضُّلٌ به عليهم تكملةً لثوابهم وإكرامًا لهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَن أطاعه؛ لعلمه بأحواله، وما يقتضي هذا الفضلُ من استعدادهم بحسب العناية الأولى في حقِّهم، فهو يوفِّقهم على حسب تلك العناية. * * * (٧١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أي: احذروا واحتَرِزوا من العدوِّ، ولا تمكِّنوه من أنفسكم، كأنهم أُمروا بأن يجعلوا الحذرَ آلتَهم التي يَقُون بها أنفسَهم، ويَعصمون بها أرواحهم، والحِذْرُ والحَذَرُ بمعنًى كالإثْر والأَثَر، يقال: أخذَ حِذْرَه: إذا تَيَقَّظَ واحْترَزَ من المَخُوف. ﴿فَانْفِرُوا﴾ يقال: نفر القوم: إذا نهضوا لقتال عدوِّهم وخرجوا للحرب. ﴿ثُبَاتٍ﴾ نصب على الحال؛ أي: جماعاتٍ متفرِّقةً سَرِيَّةً بعد سريَّةٍ، جمعُ

стр. 1119

ثُبَةٍ، من ثبَّيتُ (١) على الرجل: إذا أثنيتَ عليه كأنك جمعتَ محاسنَه. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعِينَ كوكبةً واحدةً، ولا تتفرَّقوا وتتخاذلوا فتُلقوا بأيديكم إلى التهلُكة، والآيةُ نزلت في الحرب، ولا دلالة (٢) في لفظها إلى وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها. * * * (٧٢) - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطابُ لعسكر الرسول ﷺ المؤمنين منهم والمنافقين، والمبطِّئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلَّفوا عن الجهاد، مِن بَطَّأ بمعنى: أَبطأَ، وهو لازم، أو بطَّأ غيرَه كما فعل ابن أبيٍّ يومَ أحد. واللام الأولى للابتداء دخلت اسمَ (إنَّ) للفصل بالخبر، والثانية جوابُ قسم محذوفٍ، والقسمُ بجوابه صلةُ (مَن)، والراجعُ إليه ما استكنَّ في ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، والتقدير: وإنَّ منكم لمن أَقسم بالله ليبطِّئن، ووجوهُ التأكيد لتحقيق حال المنافقين، وأنهم على خلافِ ما يُظهرون من الإيمان. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتلٍ وهزيمة. ﴿قَالَ﴾؛ أي: المبطِّئُ. ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا فيصيبَني ما أصابهم، و ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ ظرف ناصبُه ﴿أَنْعَمَ﴾ بمعنى: مَنَّ.

стр. 1120

(٧٣) - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ من الفتح والغنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك المنافق، أكَّده لفَرْطِ تحسُّره، وقرئ بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (مَن)؛ لأنَّه في معنى الجماعة (١). ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعتراضٌ بينه وبين مفعوله، وهو: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ حكى الله سرورَ المنافق عند نكبةِ المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسببِ فَوَاته الغنيمة، فقَبْلَ أن يذكر الكلام بتمامه ألقى هذا القولَ في البَيْن للتعجُّب كأنه (٢) يقول: انظروا إلى ما يقولُه هذا المنافق كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودةٌ ومخالطةٌ أصلًا (٣)، والذي حَسَّن موقع الاعتراض كونُ ما بعدها فاصلةً وهي ليست بفاصلةٍ. أو حالٌ (٤) من الضمير في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، أو داخلٌ في المقول؛ أي: يقولُ المبطِّئ لمن يثبِّطه من المنافقين وضَعفةِ المسلمين تقريعًا (٥) وحسدًا: كانْ لم يكن بينكم وبين محمدٍ ﷺ مودةٌ حيث لم يَستعن بكم فتَفوزوا بما فاز، يا ليتني كنتُ معهم.

стр. 1121

و ﴿كَأَنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُه ضمير الشأن وهو محذوف. وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء (١) لتأنيث لفظ المودَّة. والمنادى في ﴿يَالَيْتَنِي﴾ محذوفٌ؛ أي: يا قوم، وقيل: (يا) أُطلق للتنبيه على الاتِّساع. ﴿فَأَفُوزَ﴾ نصبٌ على جواب التمنِّي. وقُرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوزُ في ذلك الوقت (٢)، أو العطفِ على ﴿كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ ليندرج الفوز مع الكون معهم في حكم التمنِّي فيكونا متمنَّيين (٣) جميعًا. * * * (٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إنْ جُعل ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يبيعون، فالأمر للمؤمنين؛ أي: إنْ صدَّ هؤلاء المبطِّئون عن القتال فليقاتلِ الثابتون في الإيمان، المخلِصون الذين يستحبُّون الآخرة على الدنيا ويستبدلونها بها. وإنْ جعل بمعنى: يشترون، فالأمر للمبطِّئين الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعُظوا بأنْ يغيِّروا نيَّاتهم وما بهم من النفاق، ويخلِصوا (٤) الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا في سبيل الله.

стр. 1122

فالفاء على الأول جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وعلى الثاني للتعقيب، يعني: ينبغي أنْ يُعْقِبوا ما صدَر عنهم من التثبيط عن القتال والثباتِ على النفاق بالتحريض على القتال. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ لم يقل: فيُغْلَبْ أو يَغْلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجرَ له، ولم يقل: فيُقْتَلْ أو يَقْتُلْ؛ للتنبيه على أنه يَستحقُّ الأجرَ بالغلبة قُتل أو لم يُقتل، وعلى أنَّ حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاءِ الحق وإعزاز الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر. والاقتصارُ عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعزَّ نفسَه بالشهادة أو الدينَ بالظَّفَر والغلبة. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قيل: وَعد له الأجرَ غُلِبَ أو غَلَب؛ ترغيبًا للقتال، وتكذيبًا لقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]. وفيه: أنه لم يُصِبْ في قوله: غُلِبَ، على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وكذا في قوله: وتكذيبًا؛ لأن مراد ذلك المنافق من القول المذكور مطابقٌ للواقع. * * * (٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبره. ﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في الظرف من معنى الفعل. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرورٌ عطفٌ على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعَفين، أو نصبٌ على الاختصاص؛ أي: وأَخْتَصُّ من سبيل الله

стр. 1123

خلاصَ المستضعفين (١)؛ فإن سبيل الله تعالى تمامٌ في كل خير (٢)، ومن أعظم الخيرات خلاصُهم من أيدي الكفار، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقُوا بين أظهُرهم مستذَلِّين. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ جعل الولدانَ من جملة المستضعَفين تسجيلًا على الظَّلَمة بإفراطِ الظلم حتى بلغ أذاهم الصبيانَ إرغامًا وإيذاء لآبائهم وأمَّهاتهم، ومَبْغَضةً وإيلامًا لهم. ويجوز أن يكون ذكرُ الولدان مع المستضعفين لإشراكهم الأطفال في الدعاء استرحامًا من الله تعالى بدعاء الصغار الذين لم يُذْنبوا. ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرارُ والحرائر، وبالولدان: العبيدُ والإماء؛ لأن العبد يُدْعَى بالوليد فغلِّب الذَّكَر وأُطلق عليهما الولدان، كما يقال الوالدان. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أرادوا بالتوصيف التنبيهَ على أن طلبهم الخروجَ منها لظلمِ أهلها، وإلا فهي وطنُهم وأشرفُ البقاع، لا يريدون الخروج منها بلا اضطرارٍ، ولمَّا كان المراد من القرية مكةَ - شرَّفها الله تعالى - تجنَّبوا عن المبالغة في ظلم أهلها بنسبة الظلم إلى القرية، ولم يسلكوا مسلَكَ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨]. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: وهيِّئْ لنا من عندك مَن يتولَّى كفايتنا. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾: مَن ينصرُنا ويمنعُنا من عدوِّنا. فاستجاب الله تعالى دعاءهم، جعَل رسول الله ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بنَ أَسِيدٍ

стр. 1124

ناصرَهم (١)؛ قال عطاء: فكان يَستنفِذُ واحدًا واحدًا منهم ويبعثُه على يد مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ إلى المدينة (٢). * * * (٧٦) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيما يَصِلُون به إلى الله. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: فيما يبلُغ بهم إلى الشيطان. ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ لمَّا حرَّضهم ورغَّبهم (٣) على القتال في سبيل الله، وفي خلاصِ المستضعفين، شجَّعهم ورغَّبهم فيه ترغيبًا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله فاللهُ وليُّهم وناصرُهم، والكفارُ يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليَّ لهم إلا الشيطان. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ أي: كيدُه للمؤمنين في جنب كيدِ الله تعالى للكافرين أضعفُ شيء وأوهنُه، فلا تخافوا أولياءَه. * * * (٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.

стр. 1125

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتال. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: واشتغِلوا بما أُمرتم به. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ على ما طُبع عليه البشر من المخافة لا عن المخالفة (١). وذلك أن المسلمين كانوا بمكة مكفوفينَ عن القتال، وكانوا يتمنَّون أن يؤذَن لهم فيه، فلمَّا كُتب عليهم القتال بالمدينة أَحجم فريق منهم خوفًا من الموت، وضِنَّةً بالأرواح، وجُبنًا عن الأخطار بها، لا ريبةً في الدين. ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة جيء بها في جواب الشرط مع الجملة الاسمية بدلَ الفاء، و ﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأٌ تخصَّص بالصِّفة وهي ﴿مِنْهُمْ﴾، خبرُه: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ (٢). ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في موضعِ النصبِ صفةً للمصدر المحذوف؛ أي: خشيةً مثلَ ما يُخشَى اللهُ، فهي مضافةٌ إلى المفعول، أو على الحال من ضمير ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون الناسَ (٣) مثلَ أهلِ خشيةِ الله منه. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ نصبٌ عطفٌ على المصدر؛ أي: خشيةً مثلَ خشيةِ اللهِ أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله، على أن الخشية خاشيةٌ (٤). أو جرٌّ عطفٌ على (خشيةِ الله)؛ أي: كخشيةِ الله أو كخشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله،
следующие страницы →