و ﴿كَأَنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُه ضمير الشأن وهو محذوف.
وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء (١) لتأنيث لفظ المودَّة.
والمنادى في ﴿يَالَيْتَنِي﴾ محذوفٌ؛ أي: يا قوم، وقيل: (يا) أُطلق للتنبيه على الاتِّساع.
﴿فَأَفُوزَ﴾ نصبٌ على جواب التمنِّي.
وقُرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوزُ في ذلك الوقت (٢)، أو العطفِ على ﴿كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ ليندرج الفوز مع الكون معهم في حكم التمنِّي فيكونا متمنَّيين (٣) جميعًا.
* * *
(٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إنْ جُعل ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يبيعون، فالأمر للمؤمنين؛ أي: إنْ صدَّ هؤلاء المبطِّئون عن القتال فليقاتلِ الثابتون في الإيمان، المخلِصون الذين يستحبُّون الآخرة على الدنيا ويستبدلونها بها.
وإنْ جعل بمعنى: يشترون، فالأمر للمبطِّئين الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعُظوا بأنْ يغيِّروا نيَّاتهم وما بهم من النفاق، ويخلِصوا (٤) الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا في سبيل الله.
стр. 1122
فالفاء على الأول جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وعلى الثاني للتعقيب، يعني: ينبغي أنْ يُعْقِبوا ما صدَر عنهم من التثبيط عن القتال والثباتِ على النفاق بالتحريض على القتال.
﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ لم يقل: فيُغْلَبْ أو يَغْلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجرَ له، ولم يقل: فيُقْتَلْ أو يَقْتُلْ؛ للتنبيه على أنه يَستحقُّ الأجرَ بالغلبة قُتل أو لم يُقتل، وعلى أنَّ حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاءِ الحق وإعزاز الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر.
والاقتصارُ عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعزَّ نفسَه بالشهادة أو الدينَ بالظَّفَر والغلبة.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قيل: وَعد له الأجرَ غُلِبَ أو غَلَب؛ ترغيبًا للقتال، وتكذيبًا لقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢].
وفيه: أنه لم يُصِبْ في قوله: غُلِبَ، على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وكذا في قوله: وتكذيبًا؛ لأن مراد ذلك المنافق من القول المذكور مطابقٌ للواقع.
* * *
(٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبره.
﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في الظرف من معنى الفعل.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرورٌ عطفٌ على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعَفين، أو نصبٌ على الاختصاص؛ أي: وأَخْتَصُّ من سبيل الله
стр. 1123
خلاصَ المستضعفين (١)؛ فإن سبيل الله تعالى تمامٌ في كل خير (٢)، ومن أعظم الخيرات خلاصُهم من أيدي الكفار، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقُوا بين أظهُرهم مستذَلِّين.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ جعل الولدانَ من جملة المستضعَفين تسجيلًا على الظَّلَمة بإفراطِ الظلم حتى بلغ أذاهم الصبيانَ إرغامًا وإيذاء لآبائهم وأمَّهاتهم، ومَبْغَضةً وإيلامًا لهم.
ويجوز أن يكون ذكرُ الولدان مع المستضعفين لإشراكهم الأطفال في الدعاء استرحامًا من الله تعالى بدعاء الصغار الذين لم يُذْنبوا.
ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرارُ والحرائر، وبالولدان: العبيدُ والإماء؛ لأن العبد يُدْعَى بالوليد فغلِّب الذَّكَر وأُطلق عليهما الولدان، كما يقال الوالدان.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أرادوا بالتوصيف التنبيهَ على أن طلبهم الخروجَ منها لظلمِ أهلها، وإلا فهي وطنُهم وأشرفُ البقاع، لا يريدون الخروج منها بلا اضطرارٍ، ولمَّا كان المراد من القرية مكةَ - شرَّفها الله تعالى - تجنَّبوا عن المبالغة في ظلم أهلها بنسبة الظلم إلى القرية، ولم يسلكوا مسلَكَ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨].
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: وهيِّئْ لنا من عندك مَن يتولَّى كفايتنا.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾: مَن ينصرُنا ويمنعُنا من عدوِّنا.
فاستجاب الله تعالى دعاءهم، جعَل رسول الله ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بنَ أَسِيدٍ
стр. 1124
ناصرَهم (١)؛ قال عطاء: فكان يَستنفِذُ واحدًا واحدًا منهم ويبعثُه على يد مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ إلى المدينة (٢).
* * *
(٧٦) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيما يَصِلُون به إلى الله.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: فيما يبلُغ بهم إلى الشيطان.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ لمَّا حرَّضهم ورغَّبهم (٣) على القتال في سبيل الله، وفي خلاصِ المستضعفين، شجَّعهم ورغَّبهم فيه ترغيبًا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله فاللهُ وليُّهم وناصرُهم، والكفارُ يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليَّ لهم إلا الشيطان.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ أي: كيدُه للمؤمنين في جنب كيدِ الله تعالى للكافرين أضعفُ شيء وأوهنُه، فلا تخافوا أولياءَه.
* * *
(٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
стр. 1125
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتال.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: واشتغِلوا بما أُمرتم به.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ على ما طُبع عليه البشر من المخافة لا عن المخالفة (١).
وذلك أن المسلمين كانوا بمكة مكفوفينَ عن القتال، وكانوا يتمنَّون أن يؤذَن لهم فيه، فلمَّا كُتب عليهم القتال بالمدينة أَحجم فريق منهم خوفًا من الموت، وضِنَّةً بالأرواح، وجُبنًا عن الأخطار بها، لا ريبةً في الدين.
﴿إِذَا﴾ للمفاجأة جيء بها في جواب الشرط مع الجملة الاسمية بدلَ الفاء، و ﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأٌ تخصَّص بالصِّفة وهي ﴿مِنْهُمْ﴾، خبرُه: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ (٢).
﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في موضعِ النصبِ صفةً للمصدر المحذوف؛ أي: خشيةً مثلَ ما يُخشَى اللهُ، فهي مضافةٌ إلى المفعول، أو على الحال من ضمير ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون الناسَ (٣) مثلَ أهلِ خشيةِ الله منه.
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ نصبٌ عطفٌ على المصدر؛ أي: خشيةً مثلَ خشيةِ اللهِ أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله، على أن الخشية خاشيةٌ (٤).
أو جرٌّ عطفٌ على (خشيةِ الله)؛ أي: كخشيةِ الله أو كخشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله،
стр. 1126
أو على ﴿اللَّهِ﴾ على أن الخشية من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: كخشيةِ الله أو خشيةٍ هي أشدُّ في كونه مختشيًا من الله، كما ذكر في ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
أو نصبٌ على العطف في محلِّ الكاف.
والخشية في الأصل: الخوف مع تعظيم المَخوف منه، والمراد هنا: المبالغةُ في الخوف، وكلمة أو (١) للدلالة على تفاوُته في الخشية، فإن خشية بعضهم كان مثلَ خشية الله تعالى، وخشيةَ بعضهم كان أشدَّ منها (٢).
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ هذا المقالُ لا يناسب حالَ الصحابيِّ الراسخِ قدمُه في الإيمان، المنشرِحِ جَنانُه بالإسلام، الذي يرى الوصول إلى الدار الآجلةِ خيرًا من القرار في الدار العاجلة، ولهذا قيل: هم المنافقون، والتأويل بأنهم ما تفوَّهوا به ولكنهم قالوه في أنفسهم فحَكَى الله عنهم، مع أنه بعيد لم يُعهَد مثله في القرآن، لا يُجدي نفعًا.
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ استزادةً في مدةِ الكفِّ عن القتال حذَرًا عن الموت، كأنهم حَسِبوا القتال قتلًا فتمنَّوا تأخيرَ الأجَل، وهذا آيةُ غايةِ جُبنهم.
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: سريع التَّقضِّي.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي؛ المعاصيَ.
стр. 1127
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ شيئًا يسيرًا (١) بالنقصِ عن الثواب الموعود، لا بالزيادة على العقاب المعهود، وقد تقدَّم تفسير الفتيل، وفيه ترغيبٌ في التحمُّل على مشاقِّ القتال، وترهيبٌ عن مخالفة الامتثال لأمر الجهاد.
وقرئ: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) لتقدم الغيبة.
* * *
(٧٨) - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي (٣): لا خلاصَ لكم من الموت، والجهادُ موتٌ يستعقبُه سعادةٌ أُخروية، فإذا كان لا بدَّ من الموت، فالموتُ في سبيل الله تعالى أولى.
وقرئ: (يدركُكم) بالرفع على حذف الفاء (٤)، كما في قوله:
مَن يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها (٥)
стр. 1128
أو على أنه كلامٌ مبتدأ، و ﴿أَيْنَمَا﴾ متصلٌ بـ (لا تُظلمون)، وعلى هذا (أين) ظرفُ مكان لا اسم شرطٍ، وانتفاءُ الظلم يَنتظِم الدارين.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾: في قصورٍ أو حصونٍ مرتفعةٍ، والبرج في الأصل: بيت على طَرَف القصر، وأصل البروج: الظهور، ومنه: تَبَرَّجت المرأة، إذا أظهرت محاسنَها.
وقرئ: (مُشيِّدةٍ) وصفًا لها بوصفِ فاعلها (١)؛ كقولهم: شِعرٌ شاعرٌ، و (مَشِيْدةٍ) (٢) من شاد القصر: إذا رفعه.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: نعمةٌ كخصبٍ.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: نسبوها إليه تعالى نسبةً مجرَّدةً عن توسُّط كسبِ العبد.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بَلِيَّةٌ كقحطٍ.
الحسنةُ والسيئة كما يقعان على الطاعة والمعصية، كذلك يقعان على النعمة والبليَّة.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: أضافوها إليك، وقالوا: إنْ هي إلا شؤمُك؛ كما قالت اليهود: منذ دخل محمدٌ ﷺ المدينةَ نَقَصتْ ثمارُها وغَلَتْ أسعارها.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: بتقديرِ الله، واقعٌ على حَسَبِ سنَّته في خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [لأعراف: ١٦٨] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].
стр. 1129
ولما كان هذا تفصيلَ ذلك المجمَل المنزَل ظهَر حُسن الموقع للفاء في قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يوعَظون به وهو القرآن، وتنكيرُه للتعظيم والتنبيهِ على أنه لا حاجةَ إلى الإشارة عند الإطلاق ومساعدةِ المساق (١).
نفَى المقاربةَ وهو أبلغ من نفي الفعل.
* * *
(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
﴿مَا أَصَابَكَ﴾ خاطَب النبيَّ ﷺ ليُعلم حالُ ما أصاب غيرَه بطريق الدلالة.
﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾: من نعمة.
﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تفضُّلًا منه، فإنَّ كلَّ ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئُ نعمة الله، فكيف (٢) يقتضي غيرَه.
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾: من بَليَّةٍ (٣).
﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني: هو وإن كان من عند الله باعتبارِ الإيجاد والفاعليَّة، لكنْ لمَّا كان السببُ القابلُ (٤) المقتضي لذلك فعلَك واستحقاقَك فهو من عندك، وبما كسَبَتْ
стр. 1130
يداك واستدعائك إياه أنزلت بك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
لمَّا نسبوا النعمة إلى الله، والبليَّةَ إلى النبيِّ ﷺ ، ردَّ الله عليهم بأنَّ الكلَّ من عند الله لا فاعلَ لها سواه، ولا واسطة في البلايا سوى أنفسِهم دون النبيِّ ﷺ على ما زعموا، فتمامُ الردِّ عند قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١).
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ جميعًا، لا للعرب خاصةً كما زعمه بعض المنكِرين، وهذا المعنى مستفادٌ من ذكر اسم الجنس بمساعدة المقام (٢).
﴿رَسُولًا﴾ حالٌ قُصد بها التأكيد، ويجوز نصبُه على المصدر كقوله:
ولا خارجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (٣)
ولا يجوزُ تعلُّق الجارِّ بها؛ لأنَّه يُفهَم منه اختصاصُ رسالته ﷺ بجنسِ الإنس.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك بنصبِ المعجزة، فوجب على الكلِّ طاعتُك واتِّباعُك، ولهذا قال:
* * *
(٨٠) - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
стр. 1131
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لا لأنَّه في الحقيقة مبلِّغٌ والَامرُ هو الله تعالى؛ لأنَّه لا ينتظِمُ إطاعتَه في غير الأحكام الشرعية، بل لأنَّه تعالى أرسله وأَمر بإطاعته.
والعدول عن الضمير إلى المُظهَر للإشعار بترتُّب إيجاب الإطاعة على وصف الرسالة.
ورُوي أنه ﷺ قال: "مَن أحبَّني فقد أَحَبَّ اللهَ، ومَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ" فقال المنافقون: لقد قارَفَ الشركَ وهو يَنهَى عنه، ما يريد إلا أنْ نتَّخِذَه ربًّا كما اتَّخذت النصارى عيسى، فنزلت (١).
﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾؛ أي: عن طاعته؛ حُذف جزاؤُه وهو: فأَعْرِضْ عنه، وأُوقع ما هو سببٌ (٢) له موقعَه فقيل:
﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبُهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وهو حالٌ من الكاف.
* * *
(٨١) - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمرتهم أمرًا أو نهيتهم عن شيء.
﴿طَاعَةٌ﴾؛ أي: أمرُنا طاعةٌ؛ أي: لك، وأصلُها النصبُ على المصدر، والعدولُ إلى الرفع للدلالة على الثبات.
стр. 1132
﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: غابوا عنك، والفاءُ للدلالة على عدم التراخي بين قولهم الموافقِ وفعلهم المخالف (١).
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: زوَّرت وسوَّت (٢).
﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خلافَ ما قلتَ لها، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة.
والتبييت: إمَّا من البيتوتة لأن الأمور تدبَّر بالليل، أو من البيت المبنيِّ لأنَّه يسوَّى ويدبَّر.
وقرئ: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٣) بالإدغام؛ لقُربهما في المخرج.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ وعيدٌ لهم؛ أي: يُثْبتُ في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه، أو: يكتب في جملةِ ما يُوحي إليك فيطلعُك عليه، فلا يُغني عنهم إسرارُهم.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تشتغل بالانتقام منهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في الأمور كلِّها سيَّما في شأنهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لمن توكَّل عليه، فهو الرافع كيدَهم عنك، والمنتقمُ منهم لك.
* * *
(٨٢) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
стр. 1133
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الهمزة للإنكار، والفاءُ للعطف على محذوفٍ، أي: أيقدَحون في القرآن فلا يتدبَّرونه (١)؛ لأنهم لو تدبَّروه حقَّ التدبُّر لم يكن لهم شكٌّ في تَوافُق معناه وتناسُقِ نَظْمه.
والتدبر: إثارةُ المعاني بغَوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاعتبار، وهو في الأصل: النظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبتِه، ثم استُعمل في كلِّ تأمُّلٍ ونظرٍ سواءٌ كان في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقِه وأعقابه، وفيه باعتبار أصله إشارةٌ إلى ما في مقاطع (٢) الكلام من مظانِّ الطعن في بادئ الرأي، التي تزول عند التأمُّل وتدقيق النظر.
والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك، وفيه دلالةٌ على أنه كلام الله تعالى، وأمَّا إعجازه فالثابتُ به أنه ليس من كلام البشر، ولا يلزمُ منه أن يكون كلامَ الله تعالى.
﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر (٣)، وما يوجد فيه من الاختلاف في الأحكام لاختلاف الأحوال في الحِكَم، لا للتناقض في الحُكْم.
стр. 1134
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، وبيانُ (الأمر) بمجموعِ الأمن والخوف؛ أي: ما يوجبهما، لا بأحدهما على سبيل البدل، فكلمة ﴿أَوِ﴾ للتنويع لا لمنع الجمع.
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: فعلوا الإذاعة به، وهو أبلغُ من: أذاعوه؛ للدلالة على أنه يوجد نفس الحقيقة؛ كما في نحو ينظر ويمنع، ولِمَا (١) فيه من الإبهام والتفسير.
والإذاعة: الإشاعة والإفشاء، كان يفعلُه قوم من ضَعَفة المسلمين إذا بلَغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله ﷺ ، أو أخبرهم (٢) الرسول ﵇ بما أُوحي إليه من ظَفَرٍ بالعدوِّ أو تخويفٍ من الكفرة، أذاعوا به لعدم حزمهم، وكانَ فيه مفسدةٌ.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أي: الأمرَ.
﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: لم يحدِّثوا به حتى يكون النبيُّ ﷺ هو الذي يحدِّث به.
﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم كبارُ الصحابة ﵃ البُصَراءُ بالأمور، أو أمراءُ السرايا.
﴿لَعَلِمَهُ﴾ على أيِّ (٣) وجهٍ يُذكر.
﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم، وأصل
стр. 1135
الاستنباط: إخراج النَّبَط، وهو الماء الذي يخرجُ من البئر أوَّلَ ما تُحفر. وقيل: كانوا يسمعون أراجيفَ (١) المنافقين فيذيعونها، فيعود وبالًا على المسلمين، ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى يسمعوه منهم وَيعرفوا أنه هل يصحُّ أن يُذاع؟ لعُلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي (٢) الأمر؛ أي: يستخرجون علمه من جهتهم.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيها الرسول والمؤمنون بما أَنزل من الهدى، وأَظهر من كيد الشيطان والمنافقين.
﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ودُمتم على الكفِّ عن القتال والإصغاء إلى المنافقين المثبِّطين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم رسلُ الله صلوات الله عليهم أجمعين والمستنبِطين (٣)، وفيه تحريكٌ من حميَّة الضَّعَفة مع لُطفٍ وإخمادٍ لحال الأقوياء.
* * *
(٨٤) - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.
ثم قال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإذا كان الأمر كذلك من أنك أُوتيتَ الفضل والرحمة مع ما وفِّقت له من سابقة القَدَم في التجنُّب عن اتِّباع الشيطان، قاتلْ في
стр. 1136
سبيل الله وإعلاءِ كلمة الرحمن، ولا تُبالِ بكيد المنافقين واستجرارِهم الضعفاء، وما تحصَّلَ من مَفسدة الإذاعة، فإنه لا يَضرُّك خذلانُ خاذلٍ قويٍّ أو ضعيف (١)، فالله ناصرك لا الجنودُ، بإحلال بأسه بمن يُعاديك.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نصبٌ على الحال من فاعل ﴿فَقَاتِلْ﴾؛ أي: فقاتل (٢) غيرَ مكلَّفٍ إلا نفسَك وحدها؛ يعني: لا يضرُّك مخالفتُهم وتقاعدُهم فتقدَّمْ إلى الجهاد وإنْ لم يساعدك أحدٌ، فإن الله ناصرُك لا الجنود.
رُوي: أنه ﵇ دعا الناس في بدرٍ الصُّغرى إلى الخروج، فكرهه بعضُهم فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يَلْوِ على أَحَدٍ (٣).
وقرئ: (لا تُكلَّف) بالجزم، و: (لا نُكلِّفُ) بالنون على بناء الفاعل؛ أي: لا نكلِّفُكَ إلا فِعْلَ نفسِك، لا أنَّا لا نكلِّف أحدًا إلا نفسَك (٤)؛ لقوله:
стр. 1137
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال، وما عليك إلا تحريضُهم فحسْبُ، لا التَّعنيفُ بهم.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفارِ قريش، وقد كفَّ، وقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عامٌ مجدِبٌ، فرجع بهم (١).
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ من قريش.
﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تعذيبًا منهم، وفيه تقريعٌ لمن لم يتَّبعه.
* * *
(٨٥) - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي التي رُوعي بها حقُّ مسلم، ودُفع بها عنه شرٌّ، أو جُلب بها إليه خيرٌ، لا في حدٍّ من حدود الله أو حقٍّ من حقوقه، طلبًا لرضى الله تعالى لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، والسيئةُ بخلاف ذلك.
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهو ثوابُ الشفاعة والتسبُّبِ إلى الخير الواقع بها.
وقيل: الشفاعة الحسنةُ هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعةِ إلى الله تعالى، وعسن النبي ﵇: "مَن دعا لأخيه المسلمِ بظهرِ الغيب استُجيبَ له، وقال له الملك: ولك مثلُ ذلك" (٢)، فذلك النصيب، والدعوةُ على المسلم بضدِّ ذلك.
стр. 1138
﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: نصيبٌ من وِزْرِها مُساوٍ له في القَدْر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: مقتدِرًا، من أقاتَ على الشيء: إذا قدر عليه.
أو: شهيدًا حافظًا، من القُوت فإنه يقوِّي البدنَ ويحفظُه.
* * *
(٨٦) - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الجمهور على أنه في السلام، ويدلُّ على وجوب الجواب؛ إمَّا بأحسن منها وهو أن يزيد عليه: ورحمة الله، فإن قاله المسلِّم زاد: وبركاتُه، وهي النهاية، وذلك لاستجماعه أقسامَ مطالب السلامة عن المضارِّ، وحصولِ المنافع وثباتها. أو بردِّها (١) بأن يقول: عليك (٢)، إنْ بلغ المسلِّم نهايته؛ لِمَا رُوي: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : السلام عليك، قال: "وعليك السلام ورحمة الله"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: "وعليك" فقال الرجل: نَقَصْتني (٣) فأين ما قال الله؟ وتلا الآية، فقال ﵇: "إنك لم تترك لي فضلًا فردَدْتُ عليك مثلَه" (٤).
فكلمة ﴿أَوْ﴾ للتنويع لا للتخيير؛ لِمَا عَرفتَ أنَّ كلًّا من الزيادة وردِّ المثل مشروطٌ بشرطٍ ينافي شرطَه الآخر فلا يجتمعان.
стр. 1139
وأيضًا: التخيير بين أمرين أحدُهما أيسرُ من الآخر لا يكون على وجه الوجوب، على ما تقرَّر في موضعه.
وهذا الوجوبُ على الكفاية، وحيث السلامُ مشروعٌ فلا يُردُّ في الخطبة وقراءة القرآن، وفي الحمام وعند قضاء الحاجة.
والتحية: تفعلةٌ من حيَّى يُحيِّي تحيَّةً.
وكانت تحيةُ العرب عند اللقاء: حيَّاك الله؛ أي: أطال الله حياتَك، ونُقل ذلك في الإسلام إلى السلام، وبقي الاسم كذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يحاسبُكم على التحية وغيرها.
* * *
(٨٧) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾) خبرٌ، أو اعتراضٌ والخبر:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أَخبر بجمعه العالَم في يوم القيامة للمجازاة، وإنما قال:
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ تنبيهًا على أن جمعهم بطريق الحشر. والقيامُ والقيامةُ كالطِّلاب والطِّلابة، وهي قيامُ الناس من قبورهم أو للحساب.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليوم، أو في الجمع، فهو حال من اليوم أو صفة للمصدر.
ولمَّا ذكر الجمع مُقسِمًا عليه أردفه بقوله:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾؛ أي: لا أحد أصدق ﴿مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجهٍ؛ لأنَّه نقص ينافي الألوهية.
стр. 1140
(٨٨) - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ الفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدَّم من أنَّ ما نزل (١) في حقِّ المنافقين وبيانِ أحوالهم حقٌّ مطابقٌ للواقع.
﴿لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فما لكم تفرَّقتُم في أمر المنافقين فرقتين ولم تتَّفقوا على كفرهم الذي نطق به المنزَل، وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة (٢)، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم (٣). وقيل غيرُ ذلك.
و ﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال من الضمير في (ما لكم) والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، كقولك: ما لك قائمًا.
و ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: متفرِّقين فيهم، أو من الضمير؛ أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراقِ مستفاد من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: ردَّهم في حُكم المشركين. أصل الرَّكْس: ردُّ الشيء مقلوبًا.
стр. 1141
﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من لحوقهم بهم (١)، واحتيالِهم على رسول الله ﷺ .
أو: ردَّهم في الكفر بسبب مرضِ قلوبهم وسوءِ عقيدتهم.
جملةٌ اعتراضية مُثْبتةٌ لوجوب اتِّفاق المؤمنين على نِفاقهم، رافعةُ لاختلافهم في ذلك، مقرِّرةٌ لمعنى الإنكارِ الذي في (ما) الاستفهاميةِ، أو حالٌ مبيِّنة.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ إلى الحق ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ عن طريق الحقِّ.
معنى (٢) الهمزة: إنكارُ إرادتهم هدايةَ مَن أضلَّ اللهُ تعالى لكونه مستحيلًا، ولذلك قال (٣): ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: إلى الاهتداء، أو: لن تجد لهدايته سبيلًا؛ لاستحالةِ وقوع ما أراد الله (٤) خلافَه تقريرًا لإنكار إرادتهم (٥) المتعلِّقة بالمحال.
* * *
(٨٩) - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمنَّوا راغبين في أن تكفروا ككفرهم، أكد ودادتَهم لكفرهم بـ ﴿لَوْ﴾ وبقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾؛ أي لا يرضَون (٦) بما شأنكم (٧)
стр. 1142
الكفر، بل تمنَّوا لكم كفرًا بالغًا أصيلًا راسخًا مثلَ كفرهم، ثم بالَغ في ذلك بقوله:
﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ لا يترجَّح كفرُهم، عطفٌ على ﴿وَتَكْفُرُونَ﴾؛ أي: ودُّوا كفرَكم وكونَكم مستوِينَ معهم في الضلال، ويجوز نصبُه على جواب التمنِّي (١).
﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: فلا تتولَّوهم وإنْ أظهروا الإيمان.
﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حتى يظاهِروا الإيمان بهجرةٍ صحيحةٍ في سبيل الله، بنيَّةٍ صادقة لله ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا.
وسبيلُ الله: ما أَمر بسلوكه.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: فإن أعرضوا عن الهجرة المستقيمة التي تصدِّق إيمانهم.
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: فحكمُهم حكمُ (٢) سائر المشركين في وجوب قتلهم حيث وُجدوا في الحِلِّ والحَرَم.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: وإنْ بذلوا لكم الولاية والنُّصرة، فلا تقبلوا وجانِبوهم مجانَبةً كلِّيةً.
* * *
(٩٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
стр. 1143
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ استثناءٌ من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلا الذين يتصلون (١) وينتهون إلى قوم عاهدوكم ويفارقون محارَبتكم، فإنهم (٢) في حكمهم في الميثاق، وهم مَن وادَعَ رسول الله ﷺ وقتَ خروجه إلى مكةَ على أنْ لا يُعِينوه ولا يُعِينوا عليه، ومَن لجأ إليهم فله من الجِوارِ مثلُ ما لهم.
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ عطفٌ على صلة الموصول؛ أي: أو إلا الذين جاءوكم كافِّين من قتالكم وقتالِ قومهم، استثنى عن المأمور بالأخذ والقتل مَن ترك المحارِبين ولحقَ المعاهَدين، ومَن جاء المؤمنين وكفَّ عن قتالِ الفريقين.
لا (٣) على صفةِ ﴿قَوْمٍ﴾ لأن الاستثناء يدلُّ بأن سبب ترك التعرُّض لهم أمران:
أحدهما: الاتصال بالمعاهَدين.
والآخر: الاتصال بالكافِّين عن القتال إن كان العطف على الصفة، ونفسُ الكفِّ عن القتال إن كان العطف على الصلة، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يرشدُ إلى أنه الكفُّ.
وقرئ بغير العاطفِ (٤) على أنه بيانٌ لـ ﴿يَصِلُونَ﴾، أو بدلٌ، أو استئنافٌ.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في موضع الحال بإضمارِ (قد)، يدلُّ عليه قراءة: ﴿حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ (٥)، و: (حَصِرَاتٍ [صدورُهم])، و: (حاصِراتٍ صدورُهم) (٦)، وجعلَه
стр. 1144
المبرِّد صفة لموصوفٍ؛ أي: أو جاءوكم قومًا حَصِرَت صدورُهم (١).
وقيل: بيان لـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾. وهم بنو مُدْلجٍ، جاءوا إلى رسول الله ﷺ غيرَ مقاتلين.
والحَصَر: الضِّيقُ والانقباض.
﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: عن أن يقاتلوا، صلةٌ لـ ﴿حَصِرَتْ﴾، أو: كراهةَ أن يقاتلوكم، مفعولٌ له.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولو شاء الله أن يبتليَكم بهم لابتلاكم بتسليطهم عليكم، وهذا بيانُ القدرة ولا يلزمه الموافقةُ للحكمة فإنها تستتبعُ الوقوع دون القدرة (٢).
﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ولم يكفُّوا عنكم.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ أي: فإنْ لم يتعرَّضوا لكم.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلام والانقياد.
﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: فما أذِنَ لكم في قتلهم وأخذِهم.
* * *
(٩١) - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
стр. 1145
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أسدٌ وغطفان.
وقيل: بنو عبد الدار، أتوا المدينة وأظهروا الإسلام فلمَّا رجعوا كفروا.
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾: كلما دعاهم قومُهم إلى قتال المسلمين.
﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ رُدُّوا فيها وقلبوا أَخْبثَ قلبٍ وأشنعَه (١)؛ لضمِّهم الكفر إلى الغدر ونقضِ العهد.
﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ والانقياد ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالكم، كلاهما معطوفان على ﴿يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ في حُكم الجزم بـ ﴿لَمْ﴾.
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيث تمكَّنْتُم منهم؛ لأنهم لم يَكفُّوا أيديَهم عن القتال (٢).
﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ إشارة إلى أن الموصوفين بدوامِ نقض العهد والخيانةِ مرةً بعد أخرى في جميع الأوقات إنما يستحقُّون تسليط الله تعالى إياكم عليهم، وإظهارَكم بالحجة لهذه الصفات.
﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً واضحة في التعرُّض لهم بالقتل والسَّبي؛ لظهور حالهم في الكفر والعداوة والغدر، أو: تسلُّطًا ظاهرًا حيث أَذن لكم في قَتْلهم أينما اقتَدَرْتم عليهم.
стр. 1146
(٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أي: ليس من شأنه ولا يليقُ بوصف الإيمان.
﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ يباشرَ بقتله مِن عند نفسه بلا إيجابِ الشرع ولا رخصةٍ منه.
﴿إِلَّا خَطَأً﴾ مفعولٌ له؛ أي: لعلةٍ ما (١) إلا للخطأ وحده، أو حالٌ بمعنى: مخطئًا؛ أي: ليس له قتلُه في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ الخطأ، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إلا قتلًا خطأً، وهو ما لا يُضامُّه القصدُ إلى الفعل أو الشخصِ، فما لا يُقصد به زُهوق الروح غالبًا من قَبيل الأول؛ لأنَّه ما قَصد إلى القتل بل قَصد إلى الضرب، وما لا يُقصد به محظورٌ - كرمي مسلم في صفِّ الكفار مع الجهل بإسلامه - من قبيل الثاني؛ لأنَّه ما قصد إلى الشخص المسلم في زعمه، بل قصد الشخص الكافر، والمعتبَر في القصد زعمُ القاصد.
وأمَّا غير المكلَّف فالشرعُ لم يعتبر قصدَه، فأعطاه حكمَ الخطأ.
وقرئ: (خطاءً) بالمد (٢)، و: (خطًا) كعصًا بتخفيف الهمزة (٣).
стр. 1147
والآيةُ نزلت في عيَّاشِ بن أبي ربيعةَ أخِ أبي جهلٍ من الأمِّ، لقي الحارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم، ولم يَشعرْ به عياشٌ فقتله (١).
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه - أو: فواجبُه - تحريرُ رقبة.
والتحريرُ: جعل الإنسان حرًّا، كما أن الإعتاق: جعلُه عتيقًا، والحرُّ: العتيق والكريم؛ لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، وحُرُّ الوجه: أكرمُ موضعٍ منه.
والرقبةُ يعبَّر بها عن النَّسَمة كما يعبَّر عنها بالرأس.
﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: كبيرةً كانت أو صغيرةً، ذكرًا كان أو أنثى.
﴿وَدِيَةٌ﴾: عطفٌ على (تحرير).
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مؤداة.
﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ تُصْرف إلى ما تُصْرف إليه تركتُه، فالأهل يَنتظِم الوصيَّ وأمينَ بيت المال (٢).
ولم يعيِّن الله تعالى في كتابه ما يُعطَى في الدِّية، ولم يبيِّن فيه أن إيجابها على العاقلة أو القاتل، وإنما أُخذ ذلك من السُّنة.
﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، وأصلُها على القاتل وتحملُها العاقلة تخفيفًا عليه، وسمِّي العفو عنها بالتصدُّق حثًّا عليه، وتنبيهاً على فضله، وعن النبيِّ ﷺ : "كلُّ معروفٍ صدقةٌ" (٣).
стр. 1148
وهو متعلِّقٌ بـ (عليه) (١)، أو بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: تجب الدِّية عليه - أو: يسلِّمها إلى أهله - إلا حالَ تصدُّقهم إياها عليه، فهو في محلِّ النصب على الحال من القاتل، وأمَّا انتصابُه على الظرف فقيل: إنه مخالفٌ لنصِّ النحويين على منعِ قيام (أنْ) وما بعدها مقامَ الظرف، فإنه مما اختَصَّ به (ما) المصدريةُ.
﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول (٢) ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾: كفارٍ محاربين ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: المقتول ﴿مُؤْمِنٌ﴾ يعني: إذا أسلم الحربيُّ في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتَلَه مسلم ولم يعلم بإيمانه.
ولإفادة هذا القيد صدِّر الكلام بالفاء المرتِّبة له على ما تقدم، وفيه الكفارةُ لا غير، وهو قوله:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قيل: دون الدِّيَة لأهله؛ إذ لا وراثة بينه وبينهم لأنهم محاربون.
وكأن هذا القائل غافلٌ عن العموم المذكور فيما سبق في مصرِف الدية.
والشافعيُّ حمله على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يَنتظِم عهدَ الأمان وعقدَ الذمة.
﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: حكمُه حكمُ المسلم في وجوب الكفارة والدية، وتقديم الدية هاهنا اهتمامًا في رعاية حكم الميثاق.
стр. 1149
قيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيِّ ﷺ عهدٌ على أن يُسلِموا أو يؤذَنوا بحربٍ إلى أجلٍ معلوم، ومَن قُتل منهم وجَبتِ الدية والكفَّارة، ثم نُسخ بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وأما ما قيل: ولعله فيما إذا كان المقتول معاهَدًا وكان له وارثٌ مثلُه (١)، فلا صحة له:
أمَّا أولًا: فلأن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ صريحٌ في كون المقتول معاهَدًا، فلعله لم يُصِبْ محزَّه.
وأما ثانيًا: فلأن دية الذِّمِّي تؤخَذ لبيت المال إذا لم يكن له وارثٌ، وديةَ الحربي إنما تُعطى بحكم العهد، فقوله: أو كان (٢) له وارثٌ، مما لا وجه له.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنة، بأنْ لم يملكها ولا ما يَتوصَّل به إليها، أو لم توجد في دياره.
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾: فعليه - أو: فواجبٌ - صيامُ شهرين.
﴿مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً﴾ مصدر مؤكِّد؛ أي: تاب الله عليه توبةً، أو مفعولٌ له؛ أي: شَرَع ذلك توبةً منه.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفتُها.
стр. 1150
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بالأحوال، ويندرجُ فيها حالُ القاتل دخولًا أوليًا.
﴿حَكِيمًا﴾ في الأفعال، ومنها ما أَمر في شأنه.
* * *
(٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ عَدَل هنا عن الماضي إلى صيغة المستقبل استبعادًا لوقوع هذا النوع من القتل.
﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ اقتَصر هنا (١) على بيانِ حكمه الأُخرويِّ لأنَّه بيَّن حكمَه الدنيويَّ في سورة البقرة.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ المراد بالتخليد: المكثُ الطويل، دون التأبيد، ولهذا لم يقل: أبدًا؛ لأن الدلائل متظاهرةٌ على أن عُصاة المسلمين لا يدومُ عذابهم.
وقيل: إنه مخصوصٌ بمن لم يَتُب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوِه.
أمَّا تخصيصُه بالمستحلِّ له كما ذكره عكرمةُ وغيرُه (٢)، ففيه: أنه تخصيصٌ بلا
стр. 1151
مخصِّصٍ، فإن سبب النزول لا يَصلُح له، وهو أن مِقْيَسَ بن ضُبابةَ وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النَّجار، ولم يَظهر قاتلُه، فأخذ منهم الدِّيَةَ بأمره ﵇، ثم حَمل على مسلمٍ فقتله فرجع إلى مكة مرتدًّا (١) = إذ لا تصريحَ فيه بقتله مستحِلًّا، وقد تقرَّر في الأصول أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوصِ السبب.
ومراد ابن عباس ﵄ من قوله: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا (٢)، التشديدُ (٣)؛ إذ رُوي عنه خلافُه (٤).
стр. 1152
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: انتَقَم منه وطرده من رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾؛ لاجْتِرائه على الله.
لمَّا كان قتلُ النفس المحرَّمة أكبرَ الكبائر بعد الشرك بالله (١)، بالَغ فيه بأنْ جعله منافيًا للإيمان حيث قال:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ﴾ أي: ينافي وصفَ الإيمان قتلُ المؤمن، ثم بتنكير (مؤمن)؛ أي: ليس لأيِّ مؤمن كان، ثم بحذف الخبر المقدَّم لشدة العناية بالتصريح بالكفَّارة، ثم بإيجاب الدية والكفَّارة على قاتل الكافر المعاهَد حرمةً لها - وإن كانت كافرةً - بمجرد العهد، ثم بالوعيد مع التوبة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ لأنَّه أعظم الإثم بعلمه به، وإلا لقال: (غفورًا رحيمًا) اعتدادًا بالتوبة وتفخيمًا لها، فحقَّر التوبة في جنب الإثم مع كونه خطأً؛ لِمَا عسى يقعُ من تفريطٍ فيما يجب عليه من الاحتياط والتحفظ، ثم بالتهديد العظيم والإيعاد، والإبراق الشديد والإرعاد، على قتل العمد العدوَان بالوجوه المذكورة؛ من دخول جهنم، والخلودِ فيها، واستحقاقِ الغضب، ثم العذابِ العظيم، كلُّ ذلك تغليظٌ للدلالة على غلظ الأمر وعظم الخطب (٢).
* * *
(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
стр. 1153
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إذا غزوْتم وسرتُم إلى الجهاد.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقرئ: ﴿فَتَثَبَّتوا﴾ (١)، وتَفَعَّلَ (٢) بمعنى استَفْعَلَ الدالِّ على الطلب؛ أي: فاطلبوا بيانَ الأمر وثباتَه ولا تَعْجَلوا فيه، وقد قُوبل البيانُ بالعجلة في قوله ﵇: "التبيينُ من الله والعجلة من الشيطان" (٣).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ أي: لمن حيَّاكم بتحيةِ السلام (٤).
وقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ (٥)؛ أي: الاستسلامَ والانقياد، وفسِّر به ﴿السَّلَامَ﴾ أيضًا.
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنما فعلتَ ذلك متعوِّذًا. وقرئ: (مؤمَنًا) بالفتح من آمَنه (٦)؛ أي: لا يُؤْمِنُك.
﴿تَبْتَغُونَ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿تَقُولُوا﴾، مُشعِرٌ بما هو الحاملُ لهم على العجلة؛ أي: لا تقولوا ذلك مبتغينَ.
﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الغنيمةَ التي هي (٧) حطامٌ سريع النفاد، فتتركون التثبُّت والتفحُّص عن حالِ مَن تقتلونه لأجْله.
стр. 1154
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يُغْنِمُكموها فتُغنيكم عن مِثْل هذه الفعلة الشنيعة، والفاءُ لتعليل النهي.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أوَّلَ ما دخلتُم في الإسلام سُمعت منكم كلمة الشهادة فحُصِّنت بها دماؤكم وأموالكم من غير اطِّلاع على قلوبكم ومواطأتِها لألسنتكم.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالاستقامة والتصلُّبِ في الدِّين والاشتهارِ بالإيمان والتقدُّم فيه، والفاء للعطف على ﴿كُنْتُمْ﴾.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: فافعلوا بالداخلينَ في الإسلام كما فُعل بكم، ولا تُبادِروا إلى قتلهم ظنًّا بأنهم دخلوا فيه اتِّقاءً وخوفًا، فإن إبقاءَ أَلْفِ كافرٍ أهونُ عند الله تعالى من قتلِ امرئٍ مسلمٍ.
وتكريرُ الأمر بالتبيين، والإيعادُ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، للتأكيد؛ لتعظيم الأمر، وترتيبِ الحكم على ما ذكر، والمبالغةِ في التحذير عن مثل ما فَعلوا؛ أي: كونوا محترِزين محتاطِين مجتهدِين لإعلاء كلمة الإسلام وإعزازِ الدِّين، لا لطلبِ الغنيمة والمال، فإن الله مطَّلعٌ على ما في ضمائركم، خبيرٌ بأعمالكم وما يبتني عليها من نيَّاتكم فيؤاخذُكم بها، فلا تتهافَتوا في القتل.
رُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فَدَكٍ، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت (١).
стр. 1155
ولا دلالةَ فيه على صحة إيمان المكرَه، وإن ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء (١).
* * *
(٩٥) - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ عن الحرب.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الحال من القاعدين، أو من الضمير فيه.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالرفع بدلٌ من القاعدين، أو صفةٌ لهم؛ لأنَّه لم يُقصد بهم قومٌ بأعيانهم، ولأن (غير) قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين.
وقرئ بالنصب (٢) على الحال أو الاستثناء (٣)، وقُرئ بالجر على أنه صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو بدلٌ منه (٤).
رُوي: أنها نزلت ولم يكن فيها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فقال ابنُ أمِّ مكتوم: وكيف وأنا أعمى؟ فنزل القيدُ المذكور (٥).
стр. 1156
والضَّرر: النُّقصان، بدنيًّا كان كالعمى والعَرَج، أو ماليًّا كعدم الأُهْبة، ولمَّا كان مساقُ الكلام للتحريض على الجهاد كان الاستثناءُ المذكور لبيان أنهم غيرُ مُرادِين بالتحريض، وغيرُ المكلَّفين بالخروج إليه، لا أنهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ القاعدين عن الجهاد بلا عذرٍ، وفيه تذكيرُ ما بينهما من التفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته، وأنفةً (١) عن انحطاط منزلته.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ نصبٌ على المصدر، وتنكيرُها للتعظيم، والمعنى: على القاعدين أُولي الضرر، نصَّ على ذلك الإمامُ الواحدي في "الوسيط" ثم قال: وذلك أن المجاهدين مباشرون للطاعة فلهم فضيلةٌ على القاعدين من أهل العذر وإن كانوا على نية الجهاد وقَصْدِه (٢).
وتفصيله: أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: أنَّ بين المجاهدين والقاعدين غير الأضرَّاء بونًا بعيدًا، وأنْ ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضرَّاء هذا البونُ البعيد، ولكن بينهم تفاوتٌ أيضًا (٣)، وكان هذا المعنى محتاجًا إلى البيان فبيَّنه بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ وبما عُطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ﴾، فكلتا الجملتين
стр. 1157
بيانٌ له لا الجملةُ الأولى فقط، فبيَّن بالكلام الأول أنهم مفضَّلون على أهل العذر درجة، ثم قال:
﴿وَكُلًّا﴾ يعني: المجاهدَ والقاعدَ المعذور، كذا (١) نقل في "الوسيط" عن مقاتل (٢).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنةُ؛ لحُسْن عقيدتهم وخلوصِ نيَّتهم، وإنما التفاوُتُ في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. ثم بيَّن بقوله:
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أن المجاهدين مفضَّلون على القاعدين من غير عذرٍ بدرجات.
وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ لأن (فضَّل) بمعنى: أَجَر، أو المفعولِ الثاني له لتضمُّنه معنى الإعطاء، كأنه قيل: وأعطاهم زيادةً على القاعدين أجرًا عظيمًا.
* * *
(٩٦) - ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ كلُّ واحدة منها بدلٌ من ﴿أَجْرًا﴾.
أو ينتصبُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصبَ ﴿دَرَجَةً﴾، كما تقول: ضربتُ سوطًا أو سوطاتٍ، أي: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: فضَّلهم تفضيلات، و ﴿أَجْرًا﴾ حالٌ عن ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مقدَّمةٌ عليها لكونها نكرةً، وينتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعلهما؛ أي: وغفَر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.
стр. 1158
وقيل: الدرجة: ارتفاعُ منزلتهم عند الله، والدرجات: منازلُهم في الجنة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما عسى يَفرط منهم ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعد لهم.
* * *
(٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بحذف التاء؛ أي: تتوفاهم الملائكة، وقرئ: (تَوفَّتْهم) بتاء التأنيث على الماضي، و: (تُوفَّاهم) (١) على المضارع المبني للمفعول من (وُفِّيتْ) بمعنى: أن الله تعالى يوفِّي الملائكة أنفسَهم فيتوفونها؛ أي: يمكِّنُهم من استيفائها فيَتوفَّونها (٢).
﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: في حال ظلمِهم أنفسَهم بترك الهجرة وموافقةِ الكفرة، فإنها نزلت في ناسٍ من مكةً أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ واجبةً (٣).
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة للمتوفَّين، وهو خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: قالوا لهم، حُذف الراجع.
﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: بأيِّ سببٍ كنتُم على ما كنتُم عليه من مخالطة المشركين وموافقتِهم، ولفظةُ (في) هاهنا كالتي في قوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
стр. 1159
قيل: أي: في أيٍّ شيء كنتُم من أمرِ دينكم، ولا يَنتظِم الجوابَ (١).
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكة، أجابوا اعتذارًا مما وُبِّخوا به بضعفهم عن مقاومة المشركين، وعدمِ قدرتهم للمخالفة.
قيل: وعجزهم عن الهجرة. ولا ينتظمُه الردُّ (٢).
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة ردًا لهم:
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطرٍ آخر فتتخلَّصوا عن أيدي المشركين كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة.
هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم.
﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ لتركهم الواجبَ ومساعدتهم المشركين، وهو جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلها مستنتجةٍ منها.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ مصيرُهم، أو جهنمُ. كان الهجرةُ من فرائض الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ ، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﵇: "لا هجرةَ بعد الفتح" (٣).
وكأنه غافلٌ عن هذا مَن قال: وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضعٍ لا يتمكَّن فيه الرجل (٤) من إقامة دينه.
стр. 1160
والإشارةُ إلى القوم المذكورين على العموم، ولهذا استثنَى منهم المستضعَفين العاجزين حقيقةً بقوله:
* * *
(٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قيل: لمَّا نزل الوعيدُ المذكور قال المسلمون: هلك إخواننا الذين بمكة، فنزل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآيةَ (١).
وذكرُ الولدان إنْ أريدَ به المماليك فظاهر، وإنْ أريد به الصبيان فللمبالغةِ في أمر الهجرة (٢)، وإيهامِ أنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلَّفين لوجب عليهم، والإشعارِ بأنه لا محيصَ لهم عنها البتةَ إذا بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وبأنَّ العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان.
وقيل: لتحقيق خروج الرجال والنساء عن الوعيد عند عدم الاستطاعة، فإنهم حينئذ كالولدان في عدم الإثم.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ صفة لـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كقوله:
ولقد أَمرُّ على اللَّئيم يَسبُّني (٣)