← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حواشي النسخ الخطية، مصدِّرًا كلَّ ذلك بالتعجُّب منه، ومتعقِّبا إياه بما أوردناه من ردِّ الشهاب، وهو - والله أعلم - الموافق للصواب. ومما قد يؤخذ عليه أيضًا المبالغةُ في الاختصار بحيث يَغمض المعنى ولا يظهر عود الضمائر، فنضرب عليه مثالًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، قال: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾، ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾. فقوله: (حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ الأَولى أن يقوله: (حال من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾) كما هي عبارة "البحر". وقوله: (و ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له)؛ أي: صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾. وقوله: (أو حال منه)؛ أي: ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾. وقوله: (أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾؛ أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾. كل هذا واضح في عبارات "الكشاف" و"البحر المحيط". ومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨] قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا. ومعنى الكلام: أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففًا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن

стр. 107

ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل (١). ومما قد يؤخذ عليه أيضًا قلة التحري في اللغة أحيانًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال: وقرئ بفتح الشين وضمِّها، أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْداً فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل. فقوله: (من حد علم) يعني في الماضي والمضارع فقط، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، وكان الأجدر أن يقول: من حد طَرِبَ - كما في "مختار الصحاح " - فهو المطابق له في كل التصريفات. وقوله: (من حد دخل) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في "مختار الصحاح " لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى. فهذه أمثلة على بعض الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذا الكتاب، لكنها لا تَغضُّ من قيمته ولا تَحطُّ من مكانته، ولا تُذكر إلى جانب ما حواه من الفوائد، واشتمل عليه من النكت والعوائد. * * * _________ (١) انظر: "روح المعاني" (٩/ ٥٥).

стр. 108

سادسًا: وصف النسخ الخطية تمَّ الاعتمادُ في تحقيق هذا السِّفر العظيم على عدد من النسخ الخطية النفيسة، علمًا أن للكتاب نسخًا كثيرة تزيد عن الأربعين، بعضها يشمل كل ما وجد من التفسير وهو إلى سورة الصافات، وبعضها الآخر يحوي قطعة منه من أوله أو وسطه، وقد زيد في أواخر بعضها تفسير السور التالية: الملك والنبأ والنازعات والطارق جميعها أو بعضها، وكل ما ذكرناه سيظهر من خلال الوصف الآتي للنسخ، ونبدأ بنسختي مكتبة فيض الله: ١ - النسخة الأولى من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (م)، وتتألف من قطعتين: القطعة الأولى: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥١)، تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة يوسف. وجاء على غلافها: "الجلد الأول من تفسير ابن الكمال"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ"، وفيها تفردات صحيحة، وزيادات كأنَّها شرح، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٠٥) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٣٣) سطرًا، وفي كل سطر (١٤) كلمة تقريبًا. القطعة الثانية: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥٢)، تبتدئ بأول تفسير سورة الرعد، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات. وجاء على غلافها؛ "جلد أخير من تفسير كمال باشا زاده"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف

стр. 109

شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ". وهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٣٢٣) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا. ثم يأتي عند نهاية سورة الصافات تفسير كلٍّ من السور التالية: (الملك والنبأ والنازعات والطارق)، وجاء في خاتمة ذلك ما نصُّه: "انتهى ما وجد من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى، وكان الفراغ من كتابته في ليلةٍ يُسفر صبحُها عن يوم الثلاثاء، ثاني شهر رجب الفرد الحرام، من شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلة حسب الطاقة على أصله المنقول منه، على ما في أصله من بعض التحريفات، مع إصلاح ما فيه من بعض الكلمات، والله الموفق للطاعات ". ٢ - النسخة الثانية من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ف): وهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (٥٣)، وهي أيضًا نسخة نفيسة، لكنها حوت مِن التحريفات أكثر مِن باقي النسخ، رغم تفردها بالصواب أحيانًا وكثرة الهوامش، وجاء على غلافها: "تفسير ابن كمال باشا هو الفاضل العلامة شمس الدين أحمد بن سنان، المتوفى سنة أربعين

стр. 110

وتسع مئة، بلغ فيه إلى سورة الصافات"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ". وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، وهي بخطّ فارسيّ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٧٠) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا، وجاء في خاتمتها ما نصُّه: "تمَّ الكتاب بعون الملك الوهاب، في صبيحة الإثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه ". ثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورتي الملك والنبأ، وجاء في خاتمة هاتين الرسالتين ما نصُّه: "تمَّ تنميق الرسالتين لأفضل المتأخرين أحمد بن سليمان بن كمال، عفا عنهم الملك المتعال، والحمد لله وحده ". ٣ - نسخة كوبريلي في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ك): وهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير، تحت رقم (٦٤)، تبتدئ من أول التفسير، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، ثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورة الملك كاملة، وهنا تنتهي هذه النسخة، حيث جاء في خاتمة سورة الملك ما نصُّه: "هذا ما وجد من هذا التفسير، وصلى الله على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: رقم المرجِّي عفوَ ذي الجلال … محمدُ بنُ الصالحي الهلالي

стр. 111

يرجو من المولَى بجاهِ المصطفى … سحابَ أفضالٍ بعفوٍ وكفَى وذلك في أواخر سنة (٩٩٠ هـ)، والحمد لله وحده"، وهي بخطٍّ فارسيٍّ واضح، عدد أوراقها (٥٩٦) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٨) كلمة تقريبًا، وعليها وقف نصُّه: "هذا ما وقفه الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبي عبد الله محمد عرف بكوبريلي، أقال الله عثاره ". وهي الوحيدة بين النسخ المعتمدة التي خلت هوامشها تقريبًا من الحواشي أو التعليقات، ويكثر فيها السقوطات مقارنة مع باقي النسخ، وإن كانت قليلة من حيث الواقع. ٤ - نسخة الحرم المكي (ح): وهي قطعة من التفسير؛ تحت رقم (٥٤٨ عام)، وجاء على غلافها: "الجزء الأول من تفسير ابن كمال باشا ﵀ ونفع به، آمين "، وعليها تملك ووقف، وبهامشها تعليقات نفيسة، وورد على الوجه الثاني من الورقة الأولى منها - وبخطٍّ مختلف عن خطِّ النسخة الخطية - ترجمة لمؤلِّف هذا التفسير ابن كمال باشا نقلًا عن كتاب "الشقائق النعمانية في الدولة العثمانية". وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الأنعام، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٢٠٦) ورقات، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٣١) سطراً، وفي كل سطر (١٦) كلمة تقريبًا، ولم يرد فيها خاتمة.

стр. 112

ويكثر في هو امشها التنبيه على الردود بلفظ: (رد) دون زيادة، كما أنها تشترك مع باقي النسخ عدا (ك) بكثرة التعليقات على الهوامش، وفي هامشها نقل عن "قطف الأزهار" انفردت به. وهو كتاب للسيوطي عنوانه الكامل: " قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة". ٥ - نسخة دوغملو باباس في المكتبة السليمانية باسطنبول ورمز لها بالحرف (د): وهي قطعة من التفسير؛ تحت رقم (٥)، وجاء على غلافها: "كمال باشا زاده تفسير"، وعليها تملكات وأوقاف، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة، خطها جيد واضح وهي من النسخ الجيدة على ما فيها من بعض التحريفات الواضحة، وجاء في خاتمتها ما نصُّه: "والحمد لله على التمام والصلاة على نبيِّه سيِّد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام، ما تعاقب الليالي والأيام، تمَّ الكتاب بعون الله وحسن التوفيق، قد وقع الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة المباركة على يد العبد الضعيف العبد الفقير الحقير المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى، قليل الخير والإحسان، كثير الذنب والعصيان، أحمد بن حاجي الأكوز غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه، في أواسط ربيع الآخر، سنة ثلاث وستين وتسع مئة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات .... ". وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة آل عمران، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٣٤١) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (١٧) سطرًا، وفي كل سطر (١٢) كلمة تقريبًا.

стр. 113

حواشيها مليئة بالتعليقات الممهورة بكلمة: منه. وأكثر هذه التعليقات مشترك بين النسخ، وإن كانت هذه النسخة قد تفردت في بعضه، يضاف إلى ذلك كثير من التنبيهات على ما في كلام المؤلف من ردود على من سبق مختصرا ذلك بكلمة: رد. وقد يعيَّن المتعقَّب أحيانا مثل: (رد للتفتازاني) كما في تفسير ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ الورقة (١٨٢)، وقد أثبتنا بعضها وأهملنا الكثير لكثرته. ومن الملاحظات عليها وقوع التحريف في كثير من المواضع لت (أي) إلى: (إلى). ٦ - نسخة المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (س): وهي قطعة من التفسير؛ تبتدئ من أول تفسير سورة مريم، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الحج، وهي بخطٍّ فارسيِّ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (١٤٧) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (١٩) سطرًا، وفي كل سطر (١٦) كلمة تقريبًا، وجاء في هامش خاتمتها ما نصُّه: "تاريخ الفراغ من تأليف هذه السورة: يوم (١٣) شهر الله المحرم، من شهور سنة (٩٣٣)، فهي نسخة نفيسة جدًّا لقدمها فهي منسوخة في حياة المؤلف، وحسبتها أولًا بخط المؤلف لتشابه شكلِ الخطِّ، ثم تبيَّن لي أنها بخطٍّ آخر، لكنها لم تشتمل إلا على قدر يسير من التفسير، وهو الذي ذكرناه. ٧ - نسخة يني جامع في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ي): وهي نسخة خطية كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (٢٠)، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة.

стр. 114

كتب على وجه الورقة الأولى: وقف في (سنة ١١٣٧). وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، وفيها قطعة من تفسير سورة المائدة حتى نهاية تفسير الآية (١٢) منها. ثم يأتي بعد نهاية تفسيرِ سورةِ الصافات تفسيرُ كلٍّ من السور التالية: (الملك والنبأ والطارق والنازعات)، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٥٠٤) ورقات، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا. وقد بدأنا الاستفادة منها في أول تفسير سورة المؤمنون. وعلى هامشها كثير من التنبيهات على ردود بلفظ: رد. وقد جاء خلالها بعض الإشارات إلى كونها منقولة عن نسخة المؤلف؛ بل ومع التنبيه على تصحيح هذا الذي وقع في نسخة المؤلف إن كان فيه خطأ أو تحريف: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] وقع في متنها: (يصدوكم)، وجاء في هامشها: (هكذا عن نسخة المؤلف، وصوابه: أن صدوكم). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] وقع بعدها في النسخ عدا (ي): "مِن سلم "، وأثبتنا ما جاء في (ي): (من أسلم)، وقد جاء في هامشها: "في نسخة المؤلف: من سلَّم، ولا وجه له ".

стр. 115

وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] جاء ضمن كلام المؤلف فيها: (فهو أمدحُ لهم مِن أنْ يقول: وأنتم المضعفون). جاء في هامش (ي): "وأنتم، كذا في نسخة المؤلف بالواو، وإن كان الفاء أظهرَ به ". وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] قال المؤلف: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرَّفع عطفًا على محلِّ (أنَّ) … وبالنَّصب عطفًا على اسم (أنَّ)، أو إضمارِ فعلٍ .. ). وقع في النسخ: "وإضمار"، وجاء في هامش (ي): "كذا في نسخة المؤلف، والموافق للقاضي - وهو الظاهر - أن يقال: أو إضمار". وهذا الذي في (ي) هو الصواب، والموافق لما في "تفسير البيضاوي "، فلذلك أثبتناه. وعند تفسير الآية نفسها ذكر في هامش (ي) تنويهات كثيرة، وفي نهايتها قال: (وبالجملة؛ في هذا المحل غلط كثير إلا أنا اتبعنا أثر المؤلف). وهذا وغيره مما ذكرناه يدل على نفاسة هذه النسخة، وأنها مصححة ومقروءة على علماء أعلام فضلًا عن كونها منقولة عن نسخة المؤلف. ٨ - نسخة عاطف أفندي في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ع): وهي نسخة خطية كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (١٠)، وجاء على وجه الورقة الأولى من الغلاف قائمةٌ بأسماء السور المتضمنة في هذا التفسير، وجاء على وجه الورقة الثانية منها ما نصُّه: "من الكتب التي وقفها فيما

стр. 116

بنى وشاد، لمن طالعها واستفاد من العباد، سائلًا منه أن يذكره بالخير والرحمة، فرحم الله من كان من أهل الخير والرحمة، العبدُ الأقل مصطفى العاطف، كفاه الله تعالى يوم لا عاطف "، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة. وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، ثم يأتي بعد ذلك تفسيرُ سورة كلٍّ من الملك والنبأ والطارق والنازعات، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٤٩٦) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا. وهي نسخة نفيسة تفردت مع النسخة (ي) من بين النسخ باحتوائها على تفسير أول المائدة حتى الآية (١٢)، كما جاء فيها الكثير من الهوامش التي تتشارك فيها على الأغلب مع النسخ (ف) و (م) و (ي)، أو مع بعضها. وقد وقفنا على هاتين النسختين قُبيل الانتهاءِ من تحقيق الكتاب، وأفدنا منهما كثيرًا وللهِ الحمد. كما أننا اعتمدنا على النسخةِ الخطيِّةِ لمكتبة بغدادي وهبي في المكتبة السليمانية في اسطنبول تحت رقم (٢٠٤١)، وذلك في سور (الملك - النبأ - النازعات - الطارق)، ورمزنا لها بالحرف (ب). * ملاحظات على النسخ الخطية: لهذا التفسير الكثير من النسخ الخطية، وقد اطَّلعنا على ما يزيد على أربعين نسخة له بعضُها كامل وبعضها جزئي، ثم اجتهدنا في انتقاء الأحسن والأقرب إلى زمن المؤلف، لكن هناك بعض الملاحظات التي لا بد من بيانها:

стр. 117

فأول هذه الملاحظات: اتفاق هذه النسخ على أن سورة المائدة ليست موجودة في التفسير عدا عن القطعة التي وجدت في نسختي عاطف أفندي (ع) و يني جامع (ي)، وقد تم التأكيد على ذلك في النسخ الأخرى: فقد جاء في هامش (ح) عند تفسير ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] من سورة النساء العبارة التالية: (لم يفسر ابن كمال هذا أواخر سورة النساء ولا جميع سورة المائدة بل هذا القدر هو الذي وجد في نسخ المصنف ﵀. لكنها استمرت بعد ذلك حتى سورة الأنعام، مع غياب سورة المائدة بكاملها. وجاء في نهاية الآية (١٧٠) من النساء في هامش (م): "انتهى ما وجد من سورة النساء كما هو في أصله المنقول منه، ويتلوه سورة الأنعام كما هو في أصله أيضًا ". وفي نفس الموضع في هامش (ك): "آخر النساء وسورة المائدة ساقط من الأصل ". وأما الملاحظة الثانية: فهي اتفاق النسخ كذلك على انتهاء التفسير عند نهاية سورة الصافات، وقد جاء في هذا الموضع في خاتمة النسخة (ف): "تم الكتاب بعون الملك الوهاب في صبيحة الاثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه ". وجاء في خاتمة النسخة (ع): "والمشهور في تفسير المرحوم لابن كمال الوزير تحريره إلى هنا ". لكن جاء في النسخ في درج الكلام في هذا الكتاب ما يناقض

стр. 118

كِلَا الملاحظتين، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ [الفرقان: ١٩] قال المؤلف: (المعنى فقد كذبكم المعبودون وهذه مفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول، وقد سبق تحقيق هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] من سورة المائدة). وهذا الموضع لم يرد حتى في النسختين (ع) و (ي) حيث إن ما فيهما ينتهي خلال تفسير الآية (١٢) من سورة المائدة كما تقدم. ومثله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال: (النكاح: العقد، وتخصيص المؤمنات مع أن الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيات تعليم لما هو الأَولى وتحريض عليه، فإن الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّر لنطفته ولا يختار للنسل إلا الطيبة الظاهرة، وجاء في المائدة بيان الجواز). والبيان المذكور لم يرد في القطعة الواردة من تفسير سورة المائدة. وفي تفسير سورة النازعات قال: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] عندَ تَمثُّلِ الأعمالِ بصُورِها وهيئاتها على ما نَطقَ به الأحادِيثُ، وسيأتي تَفصيلهُ في سورةِ الزَّلزَلةِ). وتفسير سورة الزلزلة ليس في هذا التفسير. والذي يترجحُ لي: أن العلَّامة ابن كمال باشا كتب التفسير كاملًا دون تحرير، ثم حرَّره بخطه ووصل في تحريره وتبييضهِ إلى سورة الصافاتِ ووقف،

стр. 119

يدل لذلك اتفاق جميع النسخ التي وقفنا عليها والتي تزيد عن الأربعين وقوفها عند سورة الصافات، وما جاء في النسخة (ع) أنَّ المشهور في تحرير التفسير إلى هذا القدر. أما ما جاء من قطعٍ أخرى في آخر التفسير من سور (الملك والنبأ والنازعات والطارق) فقد يظهر للمتأمل بعض تفاوتٍ عن باقي التفسير الذي حرَّره، والأمر يحتاج إلى زيادة بحثٍ والله تعالى أعلم. * * *

стр. 120

سابعًا: عملنا في الكتاب أما عملنا في الكتاب فكما يلي: ١ - تم تحقيق الكتاب على عدد من النسخ الخطية النفيسة التي تقدم وصفها آنفًا، وقد حرصنا على إثبات الصواب أو الأنسب بسياق الكلام، مع الإشارة إلى الفروق إن كانت وجيهة في الحواشي، وإهمال الفروق التي التحريف فيها ظاهر ولا فائدة في إثباتها بل تثقل الحواشي بلا داع، مع إثبات أكثر ما جاء في حواشي النسخ الخطية من تعقيبات وتعقبات وإشارات لردود وغير ذلك، ولم نترك إلا القليل مما كثر فيه التحريف أو لم يظهر له ارتباط واضح بالنص. ٢ - ضبط النص وتفصيله وترقيمه بعلامات الترقيم المناسبة التي تساعد على فهمه، مع العناية بضبط المشكل. ٣ - الحرص على أن يكون النص صحيحًا سالمًا من الأخطاء والتحريفات والسقوطات، ومن ذلك مقابلته على المراجع التي اعتاد المؤلف النقل منها، والاستفادة من ذلك في تصحيح التحريف، واستدراك الساقط بين معكوفتين، وشرح المبهم، والتنبيه على الخطأ، وغير ذلك. ٤ - تخريج جميع الأحاديث المرفوعة من مصادر التخريج مقتصرين على الصحيحين أو أحدهما إن وجد فيه الحديث، وإلا فمن باقي الكتب الستة و"مسند الإمام أحمد"، فإن لم يوجد الحديث فيها فمن باقي كتب التخريج، مع شرح ما فيها من غريب، وبيانِ علةٍ إن وجدت.

стр. 121

٥ - تخريج الأخبار والآثار وأسباب النزول الواردة فيه من كتب التخريج والتفسير وأسباب النزول. ٦ - تخريج الشواهد الشعرية وغيرها من كتب دواوين الشعر، فإن تعذَّر فمن باقي كتب الأدب المعتمدة. ٧ - توثيق ما ينقله المصنف من مصادره مع مقابلته على ما جاء في تلك المصادر لضمان صحة النص، وبيان الاختلاف إن وجد وكان وجيهًا. ٨ - تعقب المصنف إن وقع خطأ أو سهو أو سبق قلم، والتعليق في المواضع التي تحتاج إلى تعليق. ٩ - كتابة مقدمة للكتاب تتضمن بيان موقع هذا التفسير وأهم المراجع التي نهل منها، مع ترجمة المؤلف ودراسة وافية لخصائص هذا التفسير ولمنهج المؤلف فيه. ١٠ - تذييل الكتاب بالفهارس العلمية المناسبة. والحمد لله ربِّ العالمين ماهر حبوش ١٩/ ٢/ ٢٠١٨ دمشق الشام حرسها الله من الشرور والآثام * * *

стр. 122

ترجمةُ العلَّامةِ ابنِ كمال باشا رحمهُ الله تعالى (١) قلما اجتمع العلم عند أحد كما اجتمع عند هذا العلَّامة، فكيف إذا رافقَ العلمَ الفضلُ والزعامة؟ وتصديق هذا المقال ما سيأتي في هذه الترجمة من قرائن الأحوال، وسوف نتناول سيرته ﵀ من خلال المباحث التالية: أولًا: اسمُه ونسبُه ونشأتُه العلمية. ثانيًا: مناصبه في التدريس والقضاء. ثالثًا: مشاهير شيوخه. _________ (١) ينظر: "مقدمة تحقيق مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا" الذي أصدرته دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث بإسطنبول، وعليها جل الاعتماد في جمع هذه الترجمة. وانظر من مصادر ترجمته التي اعتمدنا عليها: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٢٦)، و"كتائب أعلام الأخيار" للكفوي (٤/ ٣٨٣ - ٣٩٣)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة، و"طبقات المفسرين" للأدنه وي (ص: ٣٧٣)، و"الطبقات السية في تراجم الحنفية" للتميمي (١/ ٣٥٥)، و"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" للغزي (٢/ ١٠٨)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٣٣٥)، و"الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٤٢)، و"الأعلام" للزركلي (١/ ١٣٣)، و"معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة (١/ ٢٣٨)، و"معجم المفسرين" لعادل نويهض (١/ ٣٩).

стр. 123

رابعًا: مشاهير تلامذته. خامسًا: مكانتُه العلميَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه. سادسًا: وفاته. سابعًا: مؤلفاته. * * * أولًا: اسمُه ونسبُه ونشأتُه العلمية هو العلَّامة المحقِّق المدقِّق، شمسُ الدِّين، أحمدُ بنُ سليمان بنِ كمال باشا، المولود بتوقات والمتوفى بقسطنطينيةَ سنة أربعين وتسعِ مئة، عن سبعٍ وستين سنةً، وكان والدُه من الأمراء وجدُّه من الوزراء. كان إمامًا بارعًا في التفسير والفقه، والنحو والتصريف، والمعاني والبيان، والكلام والمنطق والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرَّد في إتقان كلِّ علم من هذه العلوم، وقلَّما يوجد فنٌّ من الفنون إلا وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفات. وقد نُسب إلى جدِّه كمال باشا، فعُرف بابن كمال باشا، أو كمال باشا زادَه (١)، أو ابن كمالِ الوزير، واشتهر أيضًا بـ (مفتي الثَّقلين)، لسعة اطلاعه على العلوم الشرعية في مختلف فنونها، وقوة محاكماته، وتميُّز تعقُّباته وتحريراته. _________ (١) كلمة فارسية معناها: ابن.

стр. 124

ولد سنةَ (٨٧٣ هـ) بمدينة طُوقاتَ من نواحي سِيواسَ (١)، ونشأ في بيتِ عزٍّ وجاه، إذ كان والدُه سليمانُ بنُ كمال باشا من قادة الجنود الإسلاميَّة الخاقانيَّة زمنَ السلطانِ محمَّدٍ الفاتحِ، وكان في فتحِ القُسطنطينيَّة مع جنودِ سنجقِ أماسيَا عام (٨٥٧ هـ)، وصار بعد الفتحِ وكيلًا لجند السُّلطان برتبةِ صُوباشي؛ أي: منصب مَن تتوفَّرُ فيه الكفايةُ لضبطِ البلدِ من جهةِ السلطانِ، ثُم تُوفِّي في إسطنبول، ودفنَ إلى جانبِ مدرسةِ أبيهِ كمال معه. وكذلك كان جدُّه من أمراءِ الدَّولة العُثمانيَّة ومربِّيًا لبايزيد الثاني، وكان ذا حَظوةٍ لدى سلاطينِها، حتى صار نِيْشانجِي (٢) الدِّيوانِ السُّلطانيِّ. وأما أمُّه فهي بنتُ المولى الفاضلِ مُحيي الدِّينِ محمَّد الشهير بابن كُوبَلو (ت ٨٧٤ هـ)، وهو من العلماء المشهورين بالفضلِ في زمانهم، جعله السلطان محمد الفاتح قاضيًا بالعسكر بعدما تولَّى بعضَ المناصب، ثم عزلَه في سنة (٨٧٢ هـ)، وكان للمولى المذكور بنتانِ، تزوَّج إحداهما المولى سِنان باشا، وتزوَّج ثانيتَهما سليمانُ جلبي ابن كمال باشا، فولِد له منها العلَّامة المترجَم أحمد. نشأ العلَّامة في صباه في هذا العزِّ والجاه، وغلبَ عليه حُبُّ الكمال، فاشتغل وهو شابّ بالعلم ليلًا ونهارًا، وأنفق ربيعَ عمره في تحصيل كلِّ فضيلة، وصرفَ حداثة سنِّه في إحراز كلِّ معرفة، ثُم لحقَ بزمرة أهل العسكر، وانقطع _________ (١) طوقات (أو: توقات) وسيواس: مدينتان تقعان شمال شرق تركيا. (٢) أي: الذي يختم المراسم والمكاتيب بختم السلطان المعروف بطغراء السلطان.

стр. 125

بذلك عن طلب العلم، وظلَّ يشتغل ويترقَّى في رتَبِ الجيش، وكان يُرتقبُ منه أن يغدُوَ قائدًا عسكريًّا حازمًا مثل آبائِه وأجداده، لكنَّ حادثة - سيأتي ذكرُها - غيَّرت ما كان يُرتقب منه، فترك الجيشَ، ولازمَ العلماء، وواظبَ في نهلِه من عذبِ مَوردِ أكابرِ الفضلاء، حتى صار من أكابر المدرسين، ثم نال أعلى المراتب والدرجات، كما سيأتي تفصيله بإذن رب العباد. يحكي ابن كمالٍ عن نفسِه فيقول: إنَّه كان مع السلطانِ بايزيد خان في سفر، وكان الوزيرُ وقتئذٍ إبراهيمَ باشا بن خليل باشا، وكان وزيرًا عظيمَ الشأن، وكان في ذلك الزمانِ أميرٌ يُقال له: أحمد بك بنُ أَوْرَنُوس، وكان عظيمَ الشأن جدًّا، لا يتصدَّرُ عليه أحدٌ من الأمراء. قال العلامة رحمه اللهُ تعالى: وكنتُ واقفًا على قدميَّ قدَّام الوزيرِ المزبور، والأميرُ المذكورُ عندَه جالسٌ، إذ جاء رجل من العلماء، رثُّ الهيئة، دنيءُ اللِّباس، فجلس فوق الأمير المذكورِ (أي: متقدمًا عليه في المجلس) ولم يمنعْه أحدٌ عن ذلك، فتحيَّرتُ في هذا، فقلتُ لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جلسَ فوقَ هذا الأميرِ؟! فقال: هو رجلٌ عالم مُدرِّسٌ بمدرسةِ فليبه يقال له: المولى لُطفي، قلتُ: كم وظيفتُه؟ قال: ثلاثونَ درهمًا، قلتُ: فكيف يتصدَّرُ هذا الأميرَ ومنصبُه هذا المقدارُ؟! قال رفيقِي: إنَّ العُلماءَ معظَّمونَ لعلمِهم، ولو تأخَّرَ لم يرضَ بذلك الأميرُ ولا الوزير. قال: فتفكَّرتُ في نفسي فقلتُ: إنِّي لا أبلغُ رتبةَ الأمير المذكور في الإمارة،

стр. 126

وإنِّي لو اشتغلتُ بالعلم يمكنُ أن أبلغَ رُتبةَ العالمِ المذكورِ، فنويتُ أن اشتغلَ بعد ذلك بالعلم الشَّريفِ. قال: فلمَّا رجعنا من السَّفر وصلتُ إلى خدمةِ المولى المذكورِ، وقد اعطيَ هو عندَ ذلك مدرسةَ دار الحديث بمدينة أدرنةَ، وعُيِّنَ له كلَّ يوم أربعون درهمًا، قال: فقرأتُ عليه حواشِيَ "شرح المطالع ". قال الكَفوي: أخذ العلَّامةُ العلمَ من أفواه الرجال النَّحارير، وقرأ الفنون على أفاضل الفضلاء المشاهير، منهم المولى لطفي المزبور، والمولى مصلح الدِّين القَسْطَلَّاني، والمولى خطيب زاده، والمولى معرِّف زاده؛ فأخذ علم الفروع والأصول عن المولى القسطلاني، عن المولى خضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية" عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني صاحب "الهداية"، عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. فهذه طريق العنعنات، بلَّغه الله تعالى أقصى درجات الكمال، ومتَّعه بما خوَّله في الحال والمآل.

стр. 127

ولما كان العلامة ابن كمال باشا في فتح مصر مع السلطان سليم خان، كان قاضيًا بالعسكر، فلما دخل القاهرة لقيه أكابر العلماء وأعظم الفضلاء، وناظروه وباحثوه وتكلموا بما عندهم، فامتحنوه فأعجبوا بفصاحة لسانه وحسن كلامه وبلاغة بيانه وبسط مَرامه، وأقروا له بالفضل والكمال، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أن ليس له في العرب عديل ولا في أفاضل العجم والروم عوض ولا بديل. لكن بعض الحساد سعوا به عند السلطان سليم فعزله، ثم عاد إليه بالإحسان مبتدرًا لمَّا فطن أنّ أمر الفتوى سيكون متعذرًا، فأعطاه مدرسة دار الحديث بمدينة أَدْرَنة، وعيَّن له كل يوم مئة درهم وعطايا سنية في السنة … إلى آخر ما سيأتي من تعيينه مدرسًا بمدرسة السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، انتهاء باستلامه إفتاء الدولة العثمانية. * * *

стр. 128

ثانيًا: مناصبه في التدريس والإفتاء والقضاء ظل ابن كمال باشا ﵀ ينهل من العلم، ويتقلب بين أفاضل العلماء في مصره، حتى اكتمل تكوينُه العلميُّ، وصار من أكابر علماءِ عصره، وبلغَ في العلم منزلةً يُشارُ إليه بالبنان، فكان مُتقنًا للُّغةِ الترُّكيةِ والعربيَّة والفارسيَّة، له في كلٍّ منها مصنفاتٌ تدلُّ على علوِّ كعبه وتقدُّمه في علوم كثيرة، ما جعله يتقلب في مناصب التدريس والقضاء والإفتاء حتى وصل إلى أرفع منصب علمي في السلطنة. ففي سنةِ (٩١١ هـ) صار مُدرِّسًا بمدرسة علي بك الشهيرةِ بالمدرسة الحجريَّة بأدرنةَ، بثلاثين درهمًا يوميًّا، وكُلِّف في الوقت نفسه من السلطانِ بايزيدَ الثاني أن يكتب تاريخ الدولة العثمانيَّة، بتوصيةٍ من عبد الرَّحمنِ بن عليِّ بن المُؤيَّدِ (٩٢٢ هـ)، وكانَ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ أناطولي آنذاك، ولأجلِ ذلك أعطَى له السلطانُ ثلاثين ألفَ درهمٍ، وقد قام العلَّامةُ ابنُ كمال بهذه المُهمَّة خيرَ قيام، فكتب "تواريخَ آلِ عُثمانَ" باللُّغة التّركيَّة، بدءًا من سنةِ (٦٩٩ هـ) - وهي تاريخُ قيام الدولة العثمانيَّة، وانتهاءً إلى عامِ (٩٣٣ هـ)؛ أي: قبلَ تاريخِ وفاتِه بسبعِ سنينَ. وفي سنةِ (٩١٧ هـ) وليَ التَّدريسَ بمدرسةِ إسحاق باشا بمدينة أسكوبَ في البلاد اليونانيَّة، بأربعين درهمًا يوميًّا. وفي سنة (٩١٨ هـ) وليَ التَّدريس بالمدرسةِ الحلبيَّة بأدرنةَ، بستِّين درهمًا يوميًّا.

стр. 129

ثُمَّ صار مُدرِّسًا بإحدى المدرستين المُتجاورتينِ بأدرنةَ. وبعدَها بإحدى المدارسِ الثَّمانِ بإستانبولَ. إلى أن أصبحَ مُدرِّسًا بمدرسةِ السلطان بايزيدَ الثاني بأدرنةَ، وهي من أكبرِ المدارسِ العثمانيَّة آنذاك. وفي سنةِ (٩٢٢ هـ)، بعدَ عودةِ السلطانِ سليمٍ الأوَّل من سفرِه إلى جالدِرانَ، صارَ قاضيًا لأدرنةَ. وفي السَّنةِ نفسِها جعلَه السلطانُ سليمٌ الأوَّلُ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ الأناضول، وذلك قبلَ (٤) جُمادَى الأولى من سنة (٩٢٢ هـ)، وهو تاريخُ خروجِ السُّلطانِ سليمٍ الأوَّلِ إلى القاهرة، وكان هو مع السلطانِ في هذا السَّفر، وعلى ذلك المنصبِ. وفي أثناءِ وجوده بمصر مع السُّلطانِ أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ فيها. وعند عودةِ السلطان من القاهرةِ سنةَ (٩٢٤ هـ (أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ المِلْكيَّةَ وتحريرِها بمدينةِ قونيَة. ويرَى البعضُ - ومنهم الكفوي كما تقدم - أنَّه عُزلَ من القضاءِ بالعسكرِ المنصورِ في ولايةِ الأناضُول في سنةِ (٩٢٥ هـ) بوشايةٍ من حُسَّادِه إلى السُّلطانِ، في حين يرَى آخرونَ أنَّه اعتزلَ من المنصب بطلبٍ منه. وفي السَّنةِ نفسِها - أي: (٩٢٥ هـ) - عُيِّن مدرِّسًا في مدرسة دارِ الحديث بأدرنةَ، وعُيِّن له كلَّ يوم مئةُ درهم.

стр. 130

ثُم أعطاه السلطانُ سليمان القانونيُّ مدرسةَ جدِّه السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، وذلك بعد سنةِ (٩٢٦ هـ)، ومكثَ فيها إلى أن صار مفتيًا بالقُسطنطينيَّة؛ أي: مُفتي الخلافة العليَّة العثمانيَّة، فكان شيخَ الإسلامِ في الدولة العثمانيَّة، وذلك بعدَ وفاة المولَى علاءِ الدِّينِ عليٍّ الجماليِّ الشهيرِ بزنبيلي علي أفندِي في سنة (٩٣٢ هـ). ولم يزَل في منصبِ الإفتاءِ معزَّزًا مكرَّمًا محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام، إلى أن توفِّي ﵀ في عهدِ السُّلطانِ سليمانَ القانونيِّ. * * *

стр. 131

ثالثًا: مشاهير شيوخه ١ - المولى لُطفُ الله التُّوقاتيُّ، الشهيرُ بـ (مُلَّا لُطفي) (ت ٩٠٠ هـ): قرأ العلومَ على المولى سِنان باشا، وتخرَّج به، وحضَل العلوم الرياضيةَ على عليٍّ القوشجيِّ لمَّا دخل بلادَ الرُّوم، وحصَّلَها سنان باشا بواسطته، وربَّاه سنان باشا حالَ وزارته عند السلطان محمد خان الثاني أبي الفتح، فجعلَه أمينًا على خزانةِ الكتب، فاطَّلعَ على غرائبَ منها، وأُعطِيَ في زمن السلطان بايزيد خان الثاني مدرسةً ببرُوسَة، ثم مدرسةَ دارِ الحديثِ بأدرنةَ، ثم إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم مدرسةَ المُراديَّة ببروسة، وكان ﵀ فاضلًا لا يُجارَى، وعالمًا لا يُبارَى، وله عدَّةُ مصنَّفاتٍ منها: حواشٍ على "شرحِ المطالعِ "، وحواشٍ على "شرحِ المفتاحِ" للسَّيّد الشريف، وغيرِ ذلك. (١) ٢ - المولى مُصلحُ الدِّينِ مصطفى القسطلانيُّ (٩٠١ هـ): قرأَ على علماء الرُّوم، ثم تتلمذَ على خَضِر بك، ودرَّس في عدَّة مدارسَ، ثم في إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم صارَ قاضيًا في كلٍّ من أدرنةَ وبرُوسةَ وقُسْطنطينيَّةَ، ثم قاضيًا بالعسكرِ المنصور، وكان عالمًا مشتهِرًا، ذا منزلةٍ خطيرةٍ _________ (١) انظر ترجمته في: "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي ٤١/ ٣٨٦)، و" الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ١٦٩ - ١٧١)، و"الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٢١)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (٣/ ٤٠)، و"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" للغزي (١/ ٣٠٢)، و"الأعلام" للزركلي (٥/ ٢٤٢).

стр. 132

بينَ علماء عصره، وكان لا يُدارِي الناس، ويتكلَّمُ بالحقِّ على كلِّ حالٍ، شغلَه التَّدريسُ والقضاءُ عن التَّفرُّغ للتأليف، توفِّي سنةَ (٩٠١ هـ)، ودُفن إلى جوارِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁. ومن مصنَّفاته: حواشٍ على "شرحِ العقائدِ" للسَّعد، وكتبَ رسالةً يذكرُ فيها سبعةَ إشكالاتٍ على "المواقف" و"شرحه"، وكتب حواشٍ على "المقدِّمات الأربع" لصدر الشريعة (١). ٣ - المولى مُحيِي الدِّين محمدُ بنُ إبراهيمَ الشَّهيرُ بابن الخطيب، أو بخطيب زادَه (٩٠١ هـ): قرأ على والده العلومَ، وعلى العلَّامة عليٍّ الطُّوسيِّ، والمولى خَضِر بك، ثم صار مدرِّسًا في مدارسَ عديدةٍ، وهو من أول المُدرِّسين بإحدى المدارسِ الثَّمانِ، وكان طليقَ اللِّسان، جريء الجَنان، قويًّا فصيحًا عند المحاورة، ولهذا قهرَ كثيرًا من علماء زمانِه، توفِّي سنةَ (٩٠١ هـ). ومن مصنَّفاته: حواشٍ على "حاشيةِ شرحِ التَّجريدِ" للسَّيِّد الشريف، وحواشٍ على "حاشية الكشاف" للسَّيِّد الشريف، وغير ذلك (٢). _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٨٧ - ٨٩)، و"الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٢١)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (٣/ ٣٤٠). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٩٠ - ٩٢)، و"الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٢٥٤).

стр. 133

٤ - المولى سِنانُ الدِّينِ يوسفُ المعروفُ بابنِ المُعَرِّف، أو معرِّف زاده: وهو من ولايةِ بالي كسر، حصَّلَ العلومَ على علماء عصره، ووصل إلى خدمة المولى خَضِر بك بنِ جلالِ الدِّين، ثم اشتغل مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار معلِّمًا للسلطان بايزيد خان، ونال عنده القبولَ التَّامَّ، وأحبَّه محبَّةً عظيمةً، وقد عَمِيَ في آخرِ عُمره، وما ترك السلطانُ بايزيد خان صحبتَه إلى أن توفّي، ﵀ رحمةً واسعةً، ولم يذكُر المؤرِّخون تاريخَ وفاته (١). * * * _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص:١١٩).

стр. 134

رابعًا: مشاهير تلامذته ١ - المولى مُحيي الدِّين محمدُ بنُ بيرٍ محمد باشا الجمالِيُّ (٩٤١ هـ): حصَّل العلومَ على والده، ثم على المولى الفاضلِ أحمدَ بنِ كمال باشا، ثم على المولى علاءِ الدِّين عليٍّ الجماليِّ المُفتِي، ثم صار مدرِّسًا في المدارس الثَّمانِ، ثم قاضيًا بمدينة أدرنةَ، وتوفِّي وهو قاضٍ بِها، وكان عاليَ الهمَّةِ، رفيعَ القدرِ، عظيمَ النَّفسِ، صاحبَ وقارٍ وأدبٍ، وكان له حظٌّ من العلومِ المُتداولةِ والعلومِ الرياضيَّة (١). ٢ - المولى سعدُ الله بنُ عيسى، المعروفُ بسعدِي جَلبِي (٩٤٥ هـ): حصَّلَ العُلومَ على علماء عصرِه، ثم وصل إلى خدمة المولى محمدٍ السَّامسوني، ثم انتقلَ مدرِّسًا في مدارسَ عدَّةٍ، ثم صار مُدرِّسًا في إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم قاضيًا بمدينة قُسطنطينيَّةَ، وشيخَ الإسلامِ بعدَ وفاةِ شيخِه العلَّامةِ ابنِ كمال باشا، وكان مرضيَّ السِّيرةِ في قضائه، محمودَ الطَّريقة، طاهرَ اللِّسان، لا يذكرُ أحدًا إلَّا بخيرٍ، وكان من جملة الذين صرفوا جميعَ أوقاتِهم في الاشتغالِ بالعِلمِ، له حواشٍ على "تفسيرِ البيضاويِّ "، و"شرحٍ مختصَرٍ للهدايةِ"، و"فتاوى" (٢). _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٧٣ - ٢٧٤)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٦٥)، و"الطبقات السنية" للتميمي (٤/ ٢٧ - ٣١)، و"الأعلام " للزركلي (٣/ ٨٨ - ٨٩).

стр. 135

٣ - المولى هدايةُ الله بنُ مولانا بار عليٍّ العجميِّ (٩٤٨ أو ٩٤٩ هـ): قرأَ على علماء عصره، منهم: المولى بير أحمد جَلبي، والمولى مُصلحُ الدِّين مُصطفى بن خليلٍ، والدُ طاشكُبرِي زادَه، والمولى مُحيي الدِّين الفناريِّ، والعلامةُ ابن كمال باشا، ثم اشتغلَ بالتدريس في مدارسَ عديدةٍ، وبإحدى المدارسِ الثَّمانِ، ثُم صار قاضيًا بمكةَ المُكرَّمةَ، ثُم اختلَّت عيناه فتركَ القضاء وذهبَ إلى مصرَ وتوفِّي بها. وكان عالمًا مُشاركًا في العلوم، وله معرفةٌ بالأصولَين والفقه، أديبًا، لبيبًا، وقورًا، حليمًا، مُتواضعًا، مُتخشِّعًا، كريمَ النَّفسِ، مرضيَّ السِّيرةِ، رحمَه الله تعالى رحمةً واسعةً (١). ٤ - المولى مُحيِي الدِّينِ محمدُ بنُ عبد الله الشهيرُ بمحمد بك (٩٥٠ هـ): كان من عبيد السلطان بايزيد خان، وسلكَ طريقَ العِلم، وقرأ على علماء عصرِه، منهم المولى الشَّيخُ مُظفَّرُ الدِّين العجميُّ، والمولى مُحيي الدِّين الفناريُّ، والمولى بير أحمد جلبي، ثم وصل إلى خدمةِ العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، وصار مُعيداً لدرسِه، ثُم أصبح مدرِّسًا في مدارسَ عديدةٍ، ثُم اختلَّ دماغُه، وتركَ التَّدريس، وسافرَ إلى مصرَ، وأُسرَ في أيدي النَّصارى، واستردَّه بعضُ أصدقائِه منهم، ورجع إلى قُسطنطينيَّةَ، واشتغلَ بالتَّدريس، حتى توفِّي _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٩٧)، "الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" للغزي (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٣٩٩ - ٤٠٠).

стр. 136

ببلدةِ كُوتاهْيةَ في سنة (٩٥٠ هـ)، وكان أديبًا، محبًّا للعلمِ وأهله، وله مشاركةٌ في العلوم العقليَّة والرِّياضيَّة (١). ٥ - المولى محمدُ بنُ عبد الوهَّاب بنِ عبدِ الكريم (٩٥٥ هـ): كان جدُّه عبدُ الكريم قاضيًا بعسكرِ دولةِ السُّلطان محمد خان أبي الفتح، ووليَ أبوه عبدُ الوهَّاب الدَّفتردارَّيةَ في عهد السلطانِ سليم خان. حصَّلَ العُلومَ على علماء عصرِه، منهم المولى إسرافيل زادَه، والمولى جِوِي زادَه، والمفتي أبي السُّعود، ثم وصل إلى محطِّ رحالِ الرِّجالِ، المخصوصِ في عهده بالإفادة، المولى الشَّهير بكمال باشا زاده، فتبحَّر في العلوم، وغلب على أقرانه، ثُم اشتغل بالتَّدريس والقضاء، ثُم توفِّي وهو في السِّتِّين من عُمره. وكان ﵀ يَنظمُ الأبياتَ بعدَّةِ لغاتٍ، وكانت له عدَّةُ مؤلَّفاتٍ، ذكرها ابنُ بالِي (٢). ٦ - المولى عبدُ الكريمِ الويزَويُّ (٩٦١ هـ): قرأَ على علماء عصره، ثُم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٩٤ - ٢٩٥)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٤٠٧ - ٤٠٨). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣٨٤ - ٣٨٩)، و"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" للغزي (٣/ ٥٧ - ٥٨)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٥٥)، و"الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٥٦).

стр. 137

باشا المفتِي، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس في المدارسِ المختلفةِ، ثُم صار مُدرِّسًا ومُفتيًا بسلطانيَّةِ مَغنيسَا، وتوفِّي وهو مُدرِّسٌ بها. وكان ﵀ عالمًا فاضلًا، قويَّ الطَّبع، شديدَ الذَّكاء، لطيفَ المُحاورة، حسَنَ المُحاضرة، لذيذَ الصُّحبة، وكانت له مشاركةٌ في العُلوم كلِّها، ﵀ رحمةً واسعة (١). ٧ - المولى درويش محمدٌ (٩٦٢ هـ): كانت أمُّه بنتُ العالمِ الفاضلِ سِنان باشا، قرأَ على عُلماءِ عصرِه، ثُم وصل إلى خدمةِ العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، ثُم اشتغلَ بالتَّدريسِ، وتوفَي وهو مُدرِّسٌ بإحدَى المدرستينِ المُتجاورتينِ بأدرنةَ. وكان ﵀ عالمًا فاضلًا، سليمَ النَّفس، مُستقيمَ الطَّبيعة، مُحبًّا للخيرِ وأهله، مُلازمًا لمُطالعة الكتب وتحصيل العُلوم (٢). ٨ - المولى مُحيِي الدِّين محمدُ بنُ عبدِ القادر، المُشتهِرُ بالمعلُول (٩٦٣ هـ): وهو والدُ الفاضلِ السَّيِّد محمدٍ جَلبِي النَّقيبِ في المماليك العثمانيَّةِ في زمنِ الكفويِّ (١٠٦٩ هـ). قيل عنه: إنَّه زبدةُ آلِ الرَّسول، وصفوةُ أولادِ العُقول، شريفُ الأصلِ، لطيفُ الشَّمائلِ. _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص:٣٠٢). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣٠٧).

стр. 138

أخذَ العِلمَ عن علماءِ عصرِه، منهم المولى مُحيي الدِّين الفناريُّ، والعلامة ابنُ كمال باشا، ثُم اشتغل بالتَّدريس، ثُم صار قاضيًا بمصرَ المحروسةِ، ثُم قاضيًا بالعسكرِ المنصورِ في ولاية أناطولِي، تم توفِّي ودُفنَ عند دارِ القُرَّاء التي بناها بإسطنبول. وكان عالمًا، فاضلًا، صالحًا، مُحقِّقًا، مُدقِّقًا، عالمًا بالعُلوم الشَّرعيَّة والعقليَّة (١). ٩ - المولى مُصلحُ الدِّينِ مُصطفى بنُ المولى سيدي المنتشويِّ (٩٦٤ هـ): قرأَ على عُلماء عصرِه، ثُم وصل إلى خدمة العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، ثُمَّ اشتغلَ بالتَّدريس، وصارَ مُدرِّسًا بإحدَى المدرستينِ المُتجاورتينِ بأدرنةَ، توفِّي وهو مُدرِّسٌ بها. وكان ﵀ جيِّدَ القريحةِ، مُستقيمَ الطَّبعِ، مُلازمًا لمطالعةِ الكُتبِ والعُلومِ، وكانت له مُشاركةٌ في العُلومِ (٢). ١٠ - المولى يَحيى جَلبي بنُ أمينٍ نورِ الدَّينِ، الشَّهيرُ بأمين زادَه (٩٦٤ هـ): ولد بإسطنبول، وكان أبوه من أمراءِ الدَّولة العثمانيَّةِ، واشتَغل بالعلم، _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٢٨٩ - ٢٩٠). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص:٣٠٧ - ٣٠٨).

стр. 139

وحصَّل العلومَ على علماءِ عصره، منهم المولى ابنُ المؤيَّد، والعلامة ابنُ كمال باشا، ثُم وصلَ إلى خدمةِ المولى الفاضلِ علي جَلبِي الجماليِّ المُفتِي بإسطنبول قبل ابنِ كمال باشا، وصار مُعيدًا لدرسِه، واشتغلَ بالتَّدريس والقضاء. كان رحمه اللهُ تعالى عالمًا، زاهدًا، صاحبَ أدبٍ ووقارٍ، وكان أبعدَ النَّاسِ من ذكرِ مساوِئ النَّاس. وكانت له معرفةٌ تامَّةٌ بالتَّفسير، وأصولِ الفقهِ، والعلومِ الأدبيَّة بأنواعها، وكتبَ رسائلَ على بعضِ المواضعِ من "تفسير البيضاويّ "، وعلى بعضِ المواضعِ من "وقاية الدِّراية"، وكان له إنشاءٌ بالعربيَّة والفارسيَّة في غايةِ الحُسنِ والقبول (١). ١١ - المولى مُحيي الدِّينِ محمَّد بنُ حسامِ الدِّينِ الشَّهيرُ بقُرَّه جَلبِي (٩٦٥ هـ): عالمٌ فاضل، له اطِّلاعٌ على عِلم الكلام، ومهارةٌ في الفقه، وكانت له ممارسةٌ في النَّظمِ، واطِّلاعٌ على علمِ التَّواريخ والمُحاضراتِ. قرأ على والدِه حُسامِ الدِّينِ، والعلَّامة ابنِ كمال باشا، واشتغل بوظيفة التَّدريس والقضاء، وتوفِّي وهو قاضٍ بإسطنبول (٢). _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣١٣ - ٣١٤ هـ). (٢) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده=

стр. 140

١٢ - المولى مُحيِى الدِّينِ الشَّهيرُ بابنِ الإمامِ (٩٧٣ هـ): كان أبوه إمامًا في جامعِ محمود باشا، قرأ على العلامة ابن كمال باشا وغيره من أربابِ الفضل والكمال، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس والقضاء والإفتاء في أماكنَ عديدةٍ. وكان من العلماءِ العاملين والفضلاء الكاملين، يُحقِّقُ كلامَ القُدماء، ويُدقِّقُ النَّظرَ في مقالات الفُضلاء، وقد علَّق على أكثرِ الكُتب المُتداولة حواشٍ، إلَّا أنَّه لم يتيسَّر له الجمعُ والتَّرتيب، والتَّبييضُ والتَّهذيب (١). ١٣ - المولى تاجُ الدِّينِ إبراهيمُ بنُ عبدِ الله (٩٧٣ هـ): حصَّل العلومَ على فُضلاءِ عصره، واتَّصل بنورِ الدِّين الشَّهيرِ بصارُو كُوزْ، وصار مُلازمًا له، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس والإفتاء، وكتب حاشيةً على صدرِ الشَّريعة، ردَّ فيها على شيخِه ابنِ كمال باشا، وحاشيةً على بعضِ المواضع من "شرح المفتاح"، يردُّ فيها على ابن كمال باشا في المواضعِ التي يدَّعي التَّفرُّدَ فيها، وله عدَّةُ رسائلَ على مواضعَ من "حاشية التَّجريد" للسَّيِّد الشَّريفِ، وله شرحٌ لمتنِ "المراحِ" من علمِ التَّصريف (٢). _________ = (ص:٢٩٧ - ٢٩٨). (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣٧٠)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٤٧). (٢) انظر ترجمته في: "الطبقات السنية في تراجم الحنفية" للتميمي (١/ ٢٠٢ - ٢٥٣)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (١/ ٣٣)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٤٠)، و"هدية العارفين" للبغدادي (١/ ٢٧ - ٢٨).

стр. 141

١٤ - المولى مُصلحُ الدِّينِ المُشتهرُ ببستانِ (٩٧٧ هـ): ولدَ بقصبةِ تِيرَةَ، وأخذَ العلمَ عن المولى مُحيِي الدِّين الفناريِّ، والمولى شجاعٍ، ثُم عطفَ الزمامَ نحوَ الاشتغالِ على العلامة ابنِ كمال، ثُم صار مُلازمًا من المولى خيرِ الدِّين معلِّمِ السُّلطانِ سُليمانَ، ثُم اشتغل بالتَّدريس والقضاء بمدينة بروسةَ، وأدرنةَ، وإسطنبول، ثُم ولي قضاءَ العسكرِ بولايةِ أناطولي، وبعدَ عشرةِ أيامٍ توفِّي المولى المُشتهرُ بِجِوِي زادَه وهو قاضٍ بالعسكرِ بولايةِ رُوم إيلِي، فنُقلَ مصلح الدين إلى مكانِه. كان ﵀ من أكابرِ العُلماء، والفُحولِ الفضلاء، يغبطُه النَّاسُ على نقاءِ قريحته، وسُرعةِ بديهته، فطنًا ألمعيًّا، لبيبًا لوذعيًّا، فذًّا أديبًا، وكانت المشاهيرُ من كبارِ التَّفاسير مركوزةً في صحيفةِ خاطرِه، وأمَّا العلومُ العقليَّةُ فهو ابنُ بجدتِها، وآخذٌ بناصيتها. كتبَ حاشيةً على "تفسيرِ البيضاويِّ " لسورةِ الأنعامِ، وعلَّقَ حواشٍ على مواضعَ أُخر. وكان يختمُ القرآنَ الكريم في صلواتِه في كلِّ أسبوعٍ مرَّةً، توفِّي في العشرِ الأخيرِ من رمضانَ سنةَ (٩٧٧ هـ) ﵀ رحمةً واسعةً (١). _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣٩٥ - ٣٩٦)، و"سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (٣/ ٣٣٧)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٦٣)؛ و"الأعلام" للزركلي (٧/ ٤٠ هـ)، و"هدية العارفين" للبابرتي (٢/ ٤٣٥)، و"معجم المؤلفين" لعمر بن رضا كحالة (١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).

стр. 142

١٥ - المولى أبو السُّعودِ بنُ محمَّد بنِ مُصطفى العماديُّ (٩٨٢ هـ): كان ﵀ من تلاميذِ ابنِ كمال باشا الخواصِّ، وهو خاتمةُ العُلماءِ المُحقِّقينَ الذين شرَّفُوا القرنَ العاشرَ بالعِلمِ. قرأَ على ابنِ المؤيَّدِ، وابنِ كمال باشا، والمولى القَرمانِي، وأعطَى له شهادتَه العِلميَّةَ المُسمَّاةَ (بالإجازةِ) ابنُ كمال باشا، واشتغل مدَّةً بالتَّدريس، ثُم بالقضاءِ بَبرُوسةَ وإسطنبول، ثُم صار قاضيًا بالعسكرِ في رُوم إيلي، وقد نشأ في حلقاتِه العِلميَّة عُلماءُ وأدباءُ وشعراءُ أجلاءُ، مثلُ المولى سعدُ الدِّينِ، والشَّاعرُ المَشهورُ باقي، وابنُ الحِنَّائيِّ. وله مؤلَّفات عديدةٌ، ورسائلُ مفيدةٌ، من أشهرِها: "إرشادُ العقلِ السَّليمِ إلى مَزايا القُرآنِ الكريمِ "، وهو تفسيرُه المطبوع (١). ١٦ - المولى تاجُ الدِّينِ إبراهيمُ (٩٩٤ هـ): قرأ على علماءِ زمانِه، ووصل إلى خدمةِ العلامة ابن كمال باشا زادَه، فعكفَ على التَّحصيلِ والاستفادةِ، وسعَى في تكميلِ ذاتِه، وبقي مُلازمًا له إلى وفاتِه. واشتغلَ بالتَّدريس في أماكنَ مُختلفةٍ، ثُم عُيِّنَ مُدرِّسًا للمدرسة التي بناها السلطانُ سليمانُ بمدينةِ دمشقَ، وفوَّضَ إليه الفتوى في هذه الدِّيارِ، فدامَ عليها حتى توفِّي. _________ (١) انظر ترجمته في: "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" لحاجي خليفة (١/ ٩٤)، "وشذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٨٤ - ٥٨٦)، و"معجم المفسرين" لعادل نويهض (٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦)، و"الأعلام" للزركلي (٧/ ٥٩ - ٦٠).

стр. 143

وكان ﵀ عارفًا بالعلومِ الدِّينيَّة والمسائلِ اليقينيَّة، خُصوصًا الفقه، فإنَّه كان معروفًا بين أصحابِه، ومعدودًا في عدادِ أربابِه، وكان ﵀ ليِّنَ الجانب، صحيحَ العقيدة، صاحبَ الأخلاقِ الحميدة (١). ١٧ - المولى بالِي بنُ محمد: والدُ صاحبِ "العقد المنظوم في ذكرِ أفاضل الرُّوم" عليّ بنِ بالِي (٩٩٢ هـ)، ولدَ رحمَه اللهُ تعالى سنةَ (٩٠١ هـ)، ولم يذكُر ابنُه في ترجمتِه سنةَ وفاتِه، غيَر أنَّه ذكرَ أنَّه توفِّي في شهرِ رجبٍ في قصبةِ جُوْرلي. وكان ﵀ حادَّ الذِّهنِ، ذكيَّ القريحة، صحيحَ العقيدة، بحَّاثًا بالعِلم، معروفًا به بينَ الأهالِي. وقد كتبَ تفسيرًا من المُعتبراتِ بخطِّه، وصبَّ اهتمامَه خصوصًا لمؤلَّفاتِ أستاذِه العلامة ابنِ كمال باشا، حيثُ كتبَ جميعَ كُتُبِه ورسائله، وعلَّقَ حواشٍ على بعضِ المواضعِ من شرحِه الفرائضَ، وعلى بعضِ المواضعِ من "الإصلاحِ والإيضاحِ "، وكان له اليدُ الطُّولَى في الكلام والهيئة والحساب، وكتبَ على بعض المواضعِ منها كلماتٍ لطيفةً، وكان ﵀ محمودَ السِّيرةِ في قضائه، عاملَه اللهُ بلطفِه يومَ جزائه (٢). * * * _________ (١) انظر ترجمته في: "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" لطاشكبري زاده (ص: ٣٨٣)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (١٠/ ٥٤٩). (٢) انظر: "ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية" (١/ ٩٠).

стр. 144

خامسًا: مكانتُه العلميَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه يكفي العلامةَ ابنَ كمال باشا أنه لما دخل القاهرة منبع العلماء وملتقى الأدباء ومنتهى الفضلاء، أُعجب علماؤها بفصاحةِ لسانه، وحُسنِ كلامِه، وبلاغةِ بيانِه، وأقرُّوا له بالفضلِ والكمالِ، وأجازَ له بعضُ علماءِ الحديثِ بها، وأفادَ واستفادَ، وحصَّلَ بها علوَّ الإسنادِ، وشُهدَ له بالفضائلِ الجمَّة، والإتقانِ في سائرِ العلوم المُهمَّة، وكانوا يذكرونه بغايةِ التَّبجيل والإجلال (١). وقد صارَ للعلَّامةِ ابنِ كمال اليدُ الطولى في علوم العربيَّة والتفسير والكلام، وما مؤلفاته إلا شواهد ناطقةٌ بتقدمهِ فيها وعلوِّ كعبه بين من يعانيها، وإجالةُ نظرٍ عَجْلى على بعض فيها توقِفُ المرءَ على مكانتهِ العلميَّة الرفيعة، ومن هنا فإنَّنا لا نرى داعيةً إلى الموازنة بين العلامةِ ابنِ كمال باشا وغيرهِ من العلماء؛ كالسّيوطي وأبي السُّعود وطاشكُبري زاده وغيرهم ممن كان في عصره أو يقرُب منه؛ فلكلِّ واحدٍ من العلماء فنّ أتقنهُ وعُرف به، وشاركَ في غيره من الفنونِ وكتبَ فيها وإنْ لم يكن ممن برز فيها. فالعلامةُ ابنُ كمال ﵀ أراد أن يبرزَ في العلوم النقلية كما السُّيوطي لكنه وقف دون غايته، والسُّيوطي أرادَ أن يبرز في العلوم العقليَّة فما وصل إلى مَرامه، ونرى أنَّ الموازنة بينهما - إنْ تمت - تكون في كثرةِ التَّأليف وقوةِ التَّحرير بوجهٍ عام، وفي ترجيحِ كفة أحدِهما على الآخَر هاهنا تختلفُ الأنظار (٢). _________ (١) انظر: "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي (٤/ ٣٩٠). (٢) انظر: "مقدمة مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا". ط دار اللباب.

стр. 145

فقد ذهبَ التَّميميُّ إلى أنَّ ابنَ كمال قد حازَ السَّبقَ على السُّيوطيِّ فقال: وعندي أنَّ ابنَ كمال باشا أدقُّ نظرًا من السُّيوطيِّ، وأحسنُ فهمًا، وأكثرُ تصرُّفًا، على أنَّهما كانا جمالَ ذلك العصرِ، وفخرَ ذلك الدَّهرِ، ولم يخلُف أحدًا منهما بعدَه مثلُه، رحمَهما اللهُ تعالى (١). أما العلَّامةُ أبو الحسناتِ عبدُ الحيِّ اللَّكنويُّ (١٣٠٤ هـ) فقد رجَّح كفَّةَ الإمام السُّيوطيِّ، فقال عقبَ كلامِ التَّميميِّ: أقولُ: هو إن كان مساويًا للسُّيوطيِّ في سعة الاطِّلاع في الأدب والأصولِ، لكن لا يُساوِيه في فنونِ الحديثِ، فالسُّيوطيُّ أوسعُ نظرًا، وأدقُّ فكرًا في هذه الفنون منه، بل من جميعِ مُعاصرِيه، وأظنُّ أنَّه لم يُوجد مثلُه بعدَه، وأمَّا صاحبُ التَّرجمةِ فبضاعتُه في الحديثِ مُزجاةٌ، كما لا يخفَى على من طالعَ تصانيفَهما، فشتَّانَ ما بينهما كتفاوتِ السَّماءِ والأرضِ وما بينهُما (٢). قلت: وما قاله هذا العلامة في حقِّ ابن كمال باشا يمكن تلمُّسه في جميع مؤلفاته، حيث يظهر منها ضعفُ الصنعة الحديثية عنده، لكنه في المقابل إمام المباحث العقلية، فكم تعقب من عالم، وكم رد على إمام، وكم أبدع من مسألة، وبحث في موضوع، فأفاد فيما أبدع وأفاض فيما بحث. وحام حول ما ذكرناه الدكتورُ حسَن عِتر ﵀، فقال بعدَ إيرادِ أقوالِ العُلماءِ في مُوازنتِهما: قلتُ: اتَّفقوا على تفضيلهما على جميع علماءِ ذلك العصر، واختلفوا في ترجيح فضلِ أحدهما على الآخر، فإمَّا أن يكون _________ (١) انظر: "الطبقات السنية في تراجم الحنفية" للتميمي (١/ ٣٥٧). (٢) انظر: "الفوائد البهية" للكنوي (ص: ٢٢).
следующие страницы →