Полный текст (4 038 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثابتة متواترةٍ لمجرد الرأي أو مخالفة قاعدة نحوية هي عنده مقدَّمة على القراءة المتواترة:
فمن أشد ما ردَّ به عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كلامَه في قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، حيث قال: (فقد رُدَّتْ بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة .. فكيف به في غيره؟).
وهذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر.
ثم تعقب كلام الزمخشري بقوله: (لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تَثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس الفهم … واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِن ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد).
لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف رغم كلامه المذكور كان أكثر اعتدالًا ممن ردوا على الزمخشري، فقد شنع عليه العلماء رده لقراءةٍ متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربيٍّ صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيَّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا .. إلى آخر ما قال.
وكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا
стр. 72
الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كلٌّ منهم حرفًا قرأ به اجتهادًا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهَلة، فلذلك غلَّط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبيِّن منشأَ غلطه، وهذا غلط صريح يُخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعةَ متواترةٌ جملةً وتفصيلًا عن أفصح مَن نطق بالضاد ﷺ ، فتغليطُ شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ ، بل تغليطِ الله ، نعوذ بالله سبحانه من ذلك.
قلت: والعجب من البيضاوي على إمامته تأثر بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر.
ومن تعقباته على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، حيث قال: (وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجع أكثر. فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً).
وفيه رد على الزمخشري في قوله: هي لغة مرذولة.
كما رد عليه في طعنه بقراءة حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).
стр. 73
وقد تقدم تفصيل الكلام فيها. وما ذكرناه كاف في بيان المراد، والله وليُّ السداد.
* * *
الإسرائيليات في تفسير ابن كمال باشا
الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارف اليهود وثقافتهم المتمثلة بالتوراة وشروحها، والأسفارِ وما اشتملت عليه، والتلمودِ - وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائع دينية وأدبية ومدنية، وشروح وتفاسير وتعاليم وروايات كانت تتناقل وتدرَّس شفهيًّا من حين إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق ففيها كذب صُرَاح، وإن كان فيها سمين ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيَرهم، ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم.
والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء
стр. 74
قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب (١).
وقد كثر في كتب التفسير إيراد الإسرائيليات وأكثرها كما تقدم طامات لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارًا للشك والطعن والتقوُّل على الإسلام ونبيِّه ﷺ .
ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها:
فمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولى بالذكر.
ومنها: ما علمنا كذبه لكونه خالف ما عندنا، فلا يجوز ذكره.
ومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذبه ولا نصدقه، وتجوز حكايته، لكن لا فائدة فيه تعود على الدين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسرين لملء الفراغات التي يتركها القرآن في القصص بأسلوبه المعجز المترفِّع عن إيراد التفصيلات التي لا لزوم لها، بل قد تشتِّت الذهن وتصرف عن العبرة التي سيقت القصة لأجلها.
ومن أهم ملامح هذا التفسير إعراضُه شِبْهُ التام عن الإسرائيليات وتجنُّبُه لذكرها مع ما تحويه من التفاصيل التي لا لزوم لها، وقد أوضح منهجه هذا بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]: (اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه).
_________
(١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).
стр. 75
فأعرَضَ عما اختلفوا فيه عندما رأى أن لا فائدة فيه، بالإضافة إلى عدم ورود شيء يبيِّن ذلك في شرعنا.
وأشار أيضا إلى هذا المنهج في تفسير سورة الصافات فقال في تفسير قصة يونس ﵇: (واختُلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه).
فهذه الإسرائيليات بما تحويه من التفصيلات لا حاجة لها عند أمثال المؤلف ممن أوتي العلم الواسع والذهن الثاقب والنظر العميق، فهو قادر بما اَتاه الله تعالى من النظر والاستنباط أن يستخرج التفاصيل من ثنايا الألفاظ وخفايا التراكيب.
فلذلك تجده يُهملها حتى في المواضع التي لم يَخْل منها كتاب من كتب التفسير المعروفة، معتمدًا على الاستنباط من ثنايا الألفاظ، وما تُخفيه من دلالات لا تظهر إلا لمن آتاه الله الذوق في الفهم والقدرة على الاستنباط كما سنراه من خلال ذكر بعض الأمثلة عليه:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ وقال: (العجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ).
ومنه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: (وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلُّمُ المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة).
стр. 76
ومنه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال: (قيل: هنا جملٌ محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ).
وكذا ما جاء بعده في القصة نفسها: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحة، وقبله مضمَرٌ؛ أي: فاستجاب الله دعاءهم ونصرهم).
ومثله قوله بعده: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن الله تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة).
ومن ذلك ربط القصص القرآنية بعضها ببعضٍ بالتنبيه على فصاحة الواو والفاء الواردة في إحدى القصص معبِّرة عن محذوفٍ يفهم من سياق القصة نفسها في موضع آخر:
فمن ذلك قوله في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه).
قلت: يريد قوله في سورة طه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.
وقريب منه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] قال: (والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا
стр. 77
يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب).
وليس ذلك فحسب بل يرد على الروايات والقصص الواردة في تفسير بعض الآيات بآيات القرآن الأخرى:
ومن أجمل الأمثلة وأبينها على ردها بما في القرآن وعدم اعتداده بها: كلامه على ما في سورة يوسف من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾، قال: وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردود بنصِّ الكتاب فافهم، والله الهادي إلى الصواب).
ومن ذلك ما ذكره من أن قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] يردُّ ما قيل: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكة موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فقال: (فإن مبنى هذا الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ).
стр. 78
ومثله: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] قال: (يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].
قيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضًا الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات ٣١].
وكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نَمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضعٍ آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات ٢٩]).
* * *
الفقه في تفسير ابن كمال باشا
لم يَترك المؤلف ﵀ الوقوف عند الآيات التي تتعلق بالأحكام، وبيانَ ما استنبطه منها الأئمةُ المجتهدون، وذكرَ اختلافهم فيها، مع التصريح بمذهبه في أكثر الأحيان، والترجيح له في بعض، سالكًا في ذلك سبيل الإنصاف دون تعصُّبٍ ولا اعتساف، بل قد يتعقَّب أحيانًا أصحاب مذهبه حيق يرى استدلالهم خلاف استدلاله.
стр. 79
فمن أمثلة العرض دون ترجيح وقوفُه عند آيات الحج في سورة البقرة، حيث أكثر من ذكر المذهبين الشافعي والحنفي دون ترجيح كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهدي ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ و: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفةَ، ولا يجوز في أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة).
ومثله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي).
وفي تفسير ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] قال: (أخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار لا للاشتراط).
стр. 80
ولا يقتصر على المذهبين فقط، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قال: (ظاهرٌ في تحريم المتروك عليه اسمُ الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافا للشافعي؛ لقوله ﵇: "ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه " (١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه بالميتة وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]).
وقد يلمّح أحيانًا لترجيح مذهبه الحنفي كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث على يده يومَ أمارة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]).
وعند تفسير: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: قال: ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي عندها حكمُ الغَسل عند زفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم الله تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما
_________
(١) حديث مرسل معلول كما سيأتي في مكانه.
стр. 81
وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير ولا إلى التغيير).
وجاء عند قوله: إلا حاجة إلى التقدير) في هامش إحدى النسخ: (فيه رد لمن قال: تقديره وأيديكم مضافة إلى المرافق … ).
وعند قوله: (ولا إلى التغيير) في هامش النسخة المذكورة: (فيه رد لمن زعم أن إلى بمعنى في).
ومن الاستنباطات الحسنة للاستدلال على مذهبه قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجرة).
ثم إنه إذا رأى الآيةَ لا تساعد قولَ إمامٍ نبَّه عليه، ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى من سورة النساء: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، قال: (والشافعي حمله على مؤمنٍ اختلط بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم).
وهذا ينسحب حتى على مذهبه حين يرى أنْ لم يساعد مذهبَه الدليل كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] حيث قال: (وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبُكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها).
стр. 82
ثم عقبه بقوله: (ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
ومما يدل على قوة عقله وتحرره من التقليد الأعمى قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني: الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ).
قال المؤلف: (ونحن نقول: إن التشبيه بالخيط للتنبيه على أن العبرة لأوَّلِ طلوعه فلا مساغ للاختلاف المذكور).
ومثله في الآية نفسها: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ قال: (تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهر فيما ذكره المخالفُ، حيث قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر).
لكن تبقى السِّمة العامة لمنهجه في الأحكام الفقهية الاختصارَ وعدمَ الخوض والتوسع في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين العلماء وسُطرت في بيانها الصفحات في التفاسير الأخرى، فاكتفَى - مثلًا - في الخلاف الواقع في المؤلفة وإعطائهم من الصدقات بقوله؛ (واختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره).
وفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قال: (إمساكُ الكلب
стр. 83
الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعدي بن حاتم: "وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أمسك على نفسه " (١)، هذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازي ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، وُيعْرف هذا في الفقهيات).
* * *
النحو في تفسير ابن كمال باشا
من المعروف أنَّ النحو من أهمِّ عناصر تفسير القرآن الكريم، فهو المرقاةُ إلى فهم معاني التنزيل، وبه تظهر وجوه المعاني التي تحتمِلها الآيات، وقد تفاوتت العناية به بين التفاسير، فتلك التي تُعنَى بالمأثور يقلُّ فيها العناية بالإعراب، أما التي تعتمد الاستنباط والتأويل، فلا بد فيها من التوسع في الإعراب وتقليب الوجوه للتوصل بذلك إلى بيان المعاني المختلفة التي تحتملها الآيات.
وعلى كلِّ حالٍ فلا بد للمفسِّر من أن يكون عالمًا بالنحو، متعمِّقاً في مسائله، مطَّلعًا على ما ألِّف فيه، والمؤلِّف ﵀ إلى جانب تعمُّقه في كتب التفسير، وإلمامه بعلوم القرآن، يُعدُّ من كبار علماء النحوِ المتأخرين كما يشهَد بذلك كتاباتُه ورسائله الكثيرة في مباحث النحو أصوله وفروعه، والتي تدلُّ على تمكنه منه، وجدارتهِ بأن يكون من السابقين المقدَّمين في تفسير القرآن الكريم.
وهذا التفسير خير دليل على ما ذكرنا، فهو لا يُهمل فيه موضعًا يحتاج إلى
_________
(١) متفق عليه كما سيأتي في مكانه.
стр. 84
الإعراب إلا أعربه، ولا آيةً يتطلب بيان معناها الإعرابَ حتى يُعربها إعرابًا تامًّا ممهِّدًا بذلك لتفسيرها على الوجه الأكمل، مستفيدًا من ذاك الكم الهائل الذي خلَّفه العلماء الأوائل، وما أبدعوه من المسائل:
فمن ذلك قوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو لأن الأممَ تتشعَّبُ منه ﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفة لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أمم سنمتِّعُهم).
ومنه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ [الأنعام: ١٦١] بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا … ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم ﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
لكنه في إعرابه يُعنى بالاختصار وعدم التطويل مع عدم ترك شيء من الوجوه، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧] قال في إعراب ﴿الَّذِينَ﴾: بدلٌ من قوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾، قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾
стр. 85
حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب).
ويلاحظ أنه زيادة على الإعراب يُعنى ببيان بعض الفوائد النحوية والقواعد الضرورية، ومنها دقائقُ يصعب العثور عليها في كتب النحو:
فمن ذلك تناوله بعضَ القواعد التي تتعلق بـ (لو) في قوله: (والهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ … (لو) في مثل هذا التركيبِ تجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرسٍ" (١)، والمعنى: على كلِّ حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعلَ، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادُها لاستقصاء الأحوال. ولما كانت الواوُ للحال لم تَحتجْ (لو) إلى جواب؛ لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط).
ومنه كلامه في بعض ما يتعلق بأفعل التفضيل في قوله: ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] قال: (إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا
_________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٦) عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مرسلًا. وانظر تتمة تخريجه في مكانه.
стр. 86
يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران).
ومن إيراده للفوائد أيضًا قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: ٣٦] لما كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.
وفي قوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] قال: (وإذا اجتمعَ ضميران وليس أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها).
ومن ذلك كلامه في ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ﴾ [مريم: ٤٠] حيث قال: (﴿نَحْنُ نَرِثُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ الرفع خبرُ (إنَّ)، ولا يجوز أن يكون (نحن) فَصْلًا؛ لأنَّ (نرث) نكرةٌ، والفَصْل لا يقع إلا بين معرفتين، أو قريبين من المعرفة).
وكذا كلامه في علة العطف بالمضارع في قوله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ بعد الماضي في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩]، فقال: (على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.
وهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ، أو يتميَّز بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك).
стр. 87
ومن الأمثلة الحسنة لوقفات المؤلف النحوية، ولعنايته بالناحية النحوية والإعرابية المتعلقة بالمعاني مع ردِّه لما ذهب إليه الزمخشري والبيضاوي: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣]، حيث قال: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣] على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد.
قيل [القائل الزمخشري وتابعه البيضاوي]: يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَن يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب.
وهذا الذي قرَّره لا يصح؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًا بـ (لم)، وذلك إن جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب).
والكلام هنا منقول من "البحر المحيط" (١).
كما يلاحظ أن منهجه في إيراد الأقوال النحوية هو أنه يجزم بالأقوى والأولى عنده ولا يلتفت إلى غيره بل يهمله ولا يذكره أصلًا، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
_________
(١) انظر: "البحر" (١١/ ٣٣٩).
стр. 88
قال: (و (مِن) للتبعيض، فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن).
هذا بينما أجاز الزمخشري: فإن قلت: فيم انتصب رِزْقًا؟ قلت: إن كانت "من" للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولًا لأخرج.
وقال الطيبي معقبا مؤيدا لما ذهب إليه الزمخشري من احتمال (من) للوجهين وموجِّها له: قيل: إذا كانت "من" للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل "لكم" منصوب على أنه مفعول به لـ "رزقا؛ لأنَّه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و"لكم " صفة لـ "رزقا ".
ومن ذلك جزمه بوجه مع إهمال غيره، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] بأن وجد بمعنى علم ولم يذكر غيره من قريب ولا بعيد، بينما أجاز غيره غير ذلك كما في "البحر" (١).
وكما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، حيث قال: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ.
كذا اقتصر على هذين الوجهين مع الاختصار في بيانهما، في حين أن
_________
(١) انظر: "البحر" (٢/ ٣٣٤).
стр. 89
فيها وجوها وتفصيلات ذكرها صاحب "الدر المصون" (١).
وأكثر من ذلك جزمه بوجه مع نفي غيره، كما في ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]، حيث جزم بكون الباء في ﴿بِكُمُ﴾ للسببية، ونفى أن تكون للاستعانة أو الملابسة، وهو ما أجازه غيره، كما في "روح المعاني" (٢).
ومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، حيث قال: و ﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله.
وهذا الذي جزم بنفيه قد أجازه غيره بلا توقف، قال ابن الحاجب: في "أماليه": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبَيْنَ صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها (٣).
* * *
_________
(١) انظر: "الدر المصون" (٥/ ٣٣٥).
(٢) انظر: "روح المعاني" (٢/ ١٦٥).
(٣) انظر: "أمالي ابن الحاجب" (١/ ٢٨٣)، و"فتوح الغيب" (٣/ ١٢) (٨/ ٢٨٣)، و"حاشية الشهاب" (٥/ ٢٦٥)، و"روح المعاني" (١٢/ ٢٥٤).
стр. 90
العناية باللغة وشرح الألفاظ
إن من أبرز سمات هذا التفسير عنايته الفائقة بالمعاني اللغوية للألفاظ القرآنية، فلا يمر على لفظ يحتاج إلى شرح وبيان إلا بينه وشرحه شرحا وافيا، وساق تصريفاته إن تطلب الحال ذلك، ومثل هذا لا يحتاج لكثير استدلال لأنَّه سمة ملازمة له من أوله وحتى النهاية، لكن سنسوق بعض الأمثلة زيادة في التوثيق:
فمن ذلك قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به الكبار.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا﴾ قال: أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو: مَنعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا.
وقد جاء فيه بعض المعاني الدقيقة التي لم أجد لها مصدرًا فيما توفر من مصادر:
فمن ذلك: ما ذكره في قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ حيث شرح الفئة فقال: والفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.
وكذا قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد.
وكذا في تفسير سورة إبر اهيم: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨] قال:
стр. 91
الاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة، ومنه: اشتدَّ به الوجع؛ لأنَّه أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.
فهذه المعاني لم أجد من ذكرها.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [هود: ٣٤] النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ.
فقد جاء ما هو قريب منه كقول النسفي: وحقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية (١).
والأمر فيها واسع حيث قال ابن الأثير: النَّصيحةُ: كلمةٌ يُعَبَّرُ بها عن جملةٍ، هي إرادةُ الخير للمنصوح له، وليس يمكنُ أنْ يُعَبَّر هذا المعنى بكلمةٍ واحدةٍ تجمع معناه غيرِها (٢).
ويجزم أحيانًا بمعنى مع وجود معان أخرى، ومن ذلك قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان.
بينما قال أبو حيان: الذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد ويكونان باللسان والجنان (٣).
* * *
_________
(١) انظر: "تفسير النسفي" (١/ ٥٧٦).
(٢) انظر: "النهاية" (مادة: نصح).
(٣) انظر: "البحر" (١/ ٤٦٩) و"الدر المصون" (١/ ٣١١)، و"حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي" (٢/ ١٤٤) و"روح المعاني" (٢/ ١٣٨).
стр. 92
التفسير الإشاري عند ابن كمال باشا
ولم يخلُ هذا التفسير من بعض العبارات اللطيفة التي قد تكون أقرب إلى كلام أهل الإشارة، لكنها مع ذلك لا تخرج عما في القرآن من العبارة، كما وقع عند بعض المنتمين إلى الصوفية، من الخروج بالكليَّة عن الألفاظ القرآنية والمعاني الربانية، وما ذكره المؤلف بعضُه منقول عن أهل هذا الفن، وبعضه عن غيرهم، ومنه ما هو من إنشاءاته الجميلة وعباراته البديعة.
فمن عباراته الجميلة قولُه في أول الفاتحة ملخِّصًا ما قيل في اشتقاق الإله: فمجموع الأقاويل: هو المعبودُ للخواصِّ والعوامِّ، المفزوعُ إليه عند الأمور العِظامِ، المرتفِعُ عن الأوهامِ، المُحتجِبُ عن الأَفهامِ، الظاهرُ بالأَعلامِ، الذي تحيَّر في صفاته الأَحلامُ، وسَكنَتْ في عبادتِه الأَجسام، ووَلعَتْ به نفوسُ الأنام، وطرِب إليه قلوبُ الكرام.
وقال أيضًا في تفسير سورة الفاتحة: وإنَّما خصَّ إضافةَ (مَلِك) إليه لأنَّ الأملاك يومئذٍ زائلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فكأَنَّه يقول: خلقتكَ أولًا فأنا إلهٌ، ثمَّ ربيتكَ بوجوه النِّعمة فأنا ربّ، ثمَّ عصيتَ فسترتُ عليكَ فأنا رحمن، ثم تُبتَ فغفرتُ لكَ فأنا رحيم، ثمَّ لا بدَّ من إيصال الجزاءِ إليك فأنا مالكُ يوم الدِّينِ.
ومن ذلك قوله: ثمَّ إنَّ ربوبيَّته تعالى بمعنى الخالِقيَّة والمالِكيَّة والسَّيِّديّة والمَعبوديَّة عامَّةُ، وبمعنى التَّربية والإصلاح خاصةٌ، بحسب أنواعِ الموجوداتِ
стр. 93
متفاوتةٌ، فهو مربِّي الأشباحِ بأنواع نِعَمه، ومربِّي الأرواحِ بأصناف كرمِه، ومربِّي نفوسِ العابدِينَ بأحكام الشَّريعة، ومربِّي قلوب العارفينَ بآداب الطَّريقةِ، ومربِّي أسرار الأبرارِ بأنواع الحقيقةِ، ولقد أحسنَ مَن قال: إنّه تعالى يملِك عبادًا غيرَك كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنتَ ليس لك ربّ سواه، ثمَّ إنكَ تتساهل في خدمته كأنَّ لكَ ربًّا غيرُه، وهو يعتَني في تربيتك كأنْ ليس له عبدٌ سِواكَ، يحفظكَ بالنَّهار عن الآفاتِ بلا عِوَضٍ، ويحرسُك باللَّيل عن المخافاتِ من غيرِ غرضٍ، فما أحسنَ هذه التريبة!
ومنه قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]: وزيادة ﴿هُمْ﴾ لأنَّ غيرهم يتَّعظون باختبارهم أنَّ سنَّة الله تعالى أنْ لا يُخْليَ أرباب التكليف من دلائل التَّعريف، والتّحريكِ لهم في كلِّ وقتٍ بنوعٍ من البيان، والتَّعريكِ في كل أوان بضربٍ من الامتحان، فمنهم مَن لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادة الخذلان، والحجبةَ عن قرائر البيان.
ومنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] قال: مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا نفعُ ولا أرفعُ إن أراد الله بكم شيئًا، ولم يُرِدْ به اتِّقاء الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التقدير؛ لأنَّه لا يناسب شأن النبيِّ ﵇ أن يوصيَ بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التقدير بالتدبير بحسب الظاهر المتبادر إلى الأفهام، بما مرجعه إلى أن الحذر
стр. 94
لا يُغني من القدر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن مظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: قيل: لما رأى أمره إلى الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.
ومن ذلك ما نقله عن القشيري في شرح قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٢٦] قال: مَن تبرَّأ عن اختياره في احتياله، وصَدَق رجوعه إلى الله تعالى في أحواله، ولم يستعن بغير الله مِن أشكاله؛ آواه إلى كهف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له محلًّا يتفيَّا فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (١).
وقال في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: لا دنياهم بكرائمها، ولا عُقباهم بعظائمها … لمَّا قصَّر لهم لسان المعارَضة سكتوا متضرِّعين بقلوبهم بين يدي الله تعالى، داعين له بحسن الابتهال، فتولَّى خصومَتهم فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلخ: لا تنظر يا محمَّد إلى خِرقتهم على ظواهرهم، وانظر إلى حُرقتهم في سرائرهم، كانوا مستورين فشهَرهم الله تعالى (٢).
ومنه أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]
_________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٣٨٢).
(٢) المصدر السابق (١/ ٤٧٥).
стр. 95
قال: بيَّنَ أنَّ الآيات وإنْ توالَتْ، وشُموسَ البرهان وإنْ تعالَت، فمَنْ قصمَتْه العزَّة، ووكسته القسمة، لم يزدْه ذلك إلا ضلالًا، فلم يَستجدْ إلَّا للقسوة حالًا (١).
وقوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ (٢).
وصرح بالنقل منه عند تفسير: ﴿مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ فقال: وقال القشيريُّ: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، فقلبُ العادة من الله ليس بمستبدَعٍ (٣).
ومما نقل عن النسفي: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] قال: أضاف الإطعام إلى وليِّ الإنعام؛ لأنَّ الرُّكون إلى الأسباب عادةُ الأنعام.
وبعده: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ لم يقلْ: أَمرضني؛ لأنَّه قصدَ الذِّكْرَ بلسانِ الشُّكر، فلم يُضفْ إليه ما يقتضي الصَّبر، ولأنَّ ذلك لم يكون مقصودًا بذاته كسائر ما ذُكِرَ مِن أفعاله تعالى الكمالية، وإنَّما هو من روادف الطَّعام والشَّراب (٤).
فهذا ما وفَّقَنا إليه سبحانه في بيان منهج المؤلف وتوضيحه، ولعله يكون
_________
(١) المصدر السابق (١/ ٤٩٥)، ولفظه: "لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت، فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالًا".
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٥٦).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٧٨).
(٤) انظر: "تفسير النسفي" (٢/ ٥٦٨).
стр. 96
كافيًا في إعطاء الوصف الصحيح له، ورسم الصورة التي يستحقُّها، والكلام في هذا طويل، لكن اقتصرنا منه على هذا النَّزْر اليسير، ظنًّا بأنه كافٍ في أداء الغَرض، والله وليُّ التوفيق.
لكن كل عمل مهما بلغ شأنه، وعلا مقدارُه، واتَّسعت فوائدُه، لا بد وأن يكون فيه بعض المآخذ، وأن يقع مؤلفه ببعض السقطات؛ لأن الكمال لم يجعل إلا لكتاب اللهِ وكلامِ رسوله، فرأينا لزامًا علينا التنبيهَ إلى بعض ما ورد فيه من التغريبات، وما وقع فيه مؤلفه من الأخطاء أو السقطات.
* * *
стр. 97
خامسًا: المآخذ التي يمكن أن تذكر على هذا الكتاب الجليل
وهذه المآخذُ منها ما يتعلق بالاستدلال بالأحاديث الموضوعة أو التي لا تعرف، ومنها ما يتعلق ببعض الآراء التي خالف فيها المؤلف العلماء وردوا عليه فيها، ومنها ما تابع عليه غيرَه في سهو أو خطأ، ومنها غير ذلك.
فمن استدلاله بالأحاديث التي لا أصل لها: قوله في مستهلِّ سورة البقرة في تفسير ﴿الم﴾ بعد أن ذكر الوجه الأوجه فيها: والمرويُّ عن الصَّدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه، وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما.
قال: والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇، ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ : "علمتُ"، فقال: ها، قال: "علمتُ"، فقال: يا، قال: "علمتُ"، فقال: عين قال: "علمتُ"، فقال: صاد، قال: "علمتُ"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ؟
وهذا الخبر لم أجده في كتاب من كتب الحديث ولا غيره، فلا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ لأن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
стр. 98
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] قال: وإنَّما ذكر آلة العلم في مقام الامتنان والحثِّ على الشكر دون آلة القدرة تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … " الحديث.
وهذا الحديث قال عنه الزركشي في " اللآلئ المنثورة": قال بعض الحفاظ: ليس هذا من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف (١).
ومن ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] استَدل بحديث نسبه إلى النَّبيِّ عليه الصلاة السلام أنه قال: "اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء ".
والحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه، وإن كانت قد وردت أحاديث كثيرة لاستحباب استخدام اليمين في الوضوء وما يستحسن، والنهي عن استخدامها في الاستنجاء.
وفي الكلام عن صلاة الخوف في سورة النساء ذكر مذهب أبي حنيفة: أنه يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة.
ثم ختم ذلك بقوله: كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃.
_________
(١) انظر: "اللآلئ المنثورة" (ص: ١٣٦).
стр. 99
وفي نسبة ما ذكر لحديث ابن مسعود وابن عمر نظر، فليس في حديثهما هذه الهيئة من التنصيص على أن الأولى قضت بلا قراءة والأخرى بقراءة، وإنما هو شيء عزاه الميرغيناني لخبر ابن مسعود، والصواب أنه من كلام أبي حنيفة كما في "أحكام القرآن" للجصاص و"المحلى" لابن حزم وقال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله (١).
قلت: وحديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وحديث ابن مسعود رواه أبو داود (٢).
ومما يؤخذ عليه أيضًا عدمُ تمكنه من معرفة الحديث، فيجعل كلام التابعي حديثاً كما في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، حيث قال في آخرها: فالآيةُ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: "مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان ".
ولم نجده حديثًا بل رواه ابن أبي شيبة عن أبي ميسرةَ قوله (٣).
وأحيانا يقع في عكس هذا حيث ينسب الحديث المتفق عليه لكلام صحابي، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال:
_________
(١) انظر: "أحكام القرآن " للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و"المحلى" لابن حزم (٥/ ٣٩)، و"الهداية" مع "فتح القدير" (٢/ ٩٧)، و"نصب الراية" (٢/ ٢٤٣).
(٢) انظر تخريجه في موضعه من التفسير.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٩٠).
стр. 100
أي: حبِّ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل: أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيح تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر.
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (١).
وقد ينسب الصحة إلى الحديث الضعيف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: وما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: "لِسُرادق النَّار أربع جُدُرٍ … " يعضدُ ما ذكرنا.
والحديث المذكور قد رواه الترمذي كما قال، لكنه ما صححه ولا حسنة، بل أشار لضعفه بقوله: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تُكُلِّم فيه من قِبَل حفظه (٢).
والمؤلف في نقل التصحيح عن الترمذي تابع في ذلك القرطبي (٣).
ومما يمكن أن يؤخذ عليه في هذا الباب أيضًا: هو رد الحديث الصحيح بعقله، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قال: مَوثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا
_________
(١) رواه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وفيهما: "تخشى الفقر وتأمل الغنى"، وفي رواية لمسلم: " وتأمل البقاء".
(٢) "سنن الترمذي" (٢٥٨٤).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٦٢).
стр. 101
وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ؛ فإني أُوتى مالًا وولدًا حينئذٍ.
ثم تعقبه بقوله: وفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.
وهذا الكلام مردود لأن الحديث متفق عليه (١)، ولعله ظنه من الأخبار التي يذكرها الزمخشري ولا يعرف لها إسنادٌ، حيث إنه نقله عن الزمخشري.
ومن هذا الباب ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]: أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار - لا يُناسِبُ المقامَ.
كذا قال، وفي كلامه نظر، فقد رد به تفسيرًا مرفوعًا للنبي ﷺ ، رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهلُ الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (٢). وصحح إسناده القرطبي وابن حجر، ولذلك فقد قال الآلوسي بعد ما أتبع الحديث بما اختاره المؤلف ورجحه من أن الإرث مستعار للاستحقاق في نه أقوى أسباب
_________
(١) رواه البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، من حديث خباب ﵁.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٣٤١).
стр. 102
الملك: واختير الأول لأنَّه تفسير رسول الله ﵊ على ما صححه القرطبي.
قلت: ولعل المؤلف اغترَّ بصنيع البيضاوي حيث قدم ما اختاره المؤلف، وأخر القول بالحديث المرفوع مقدِّما له بـ (قيل) على عادته في تضعيف ما لا يرتضيه من أقوال.
ومما تابع عليه البيضاوي أيضًا قوله في سورة الحجر: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى.
فتابع المؤلف البيضاوي في قوله: "بالياء مسندًا … "، وأُورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله ﵀ قد سها (١).
وتابع الزمخشريَّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَار﴾ [الأحزاب: ١٥] فذكر عن ابن عباس ﵄ قوله: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم.
فقول ابن عباس هذا قد نقله من "الكشاف"، وفيه نظر من جهتين:
الأولى: في نسبته، فقد ذكره السمعاني والثعلبي والبغوي في تفاسيرهم
_________
(١) انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٥/ ٢٨٤)، و"حاشية القونوي على البيضاوي" (١١/ ١٢٢)، و"روح المعاني" (١٣/ ٤٣٠)
стр. 103
عن مقاتل والكلبي لا عن ابن عباس، فنسبته لابن عباس لا تصح؛ وحتى لو كان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فلا يصح.
وأما الثانية: ففي معناه، فقد قال السمعاني والبغوي: وهذا القول ليس بمرضيٍّ؛ لأن الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة لم يكن فيهم شاك ولا من يقول هذا القول.
ومن ذلك متابعة الزمخشري والبيضاوي في التصدير بالقراءة الشاذة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٠] بالتاء. ثم قال: (وقرئ بالياء … )، ففي هذا تأكيد على أن المصدَّر بها هي القراءة بالتاء، وهي قراءة شاذة تنسب للحسن بن أبي الحسن، أما المتواتر فهو القراءة بالياء، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.
ولا يخلو الأمر من بعض أوهام وقعت له هو نفسه، فمن ذلك: قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]: أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب، وعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين: كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل.
فقوله: (من البصريين) لعله وهم منه ﵀، فالذي في "البحر المحيط" والكلام منه: (ذهب الكسائي وهشام ومن أصحابنا أبو بجعفر بن مضاء)، فلعل
стр. 104
المؤلف استبدل (من أصحابنا) بـ (من البصريين)، والصواب والله أعلم أن مراد أبي حيان بأصحابه هو: الأندلسيون، فأبو جعفر المذكور هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي، وهو قرطبي جَيَّانيُّ الأصل توفي بإشبيلية سنة (٥٩٢ هـ)، وكان محدثًا مقرئًا مجتهدًا في العربية.
ومما يمكن أن يعدَّ من الأوهام وأن يعدَّ من تحريف النساخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] حيث قال: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا با لابتداءِ، أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير الله، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة منصوبة مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ ..
قوله: (منصوبة) كذا جاء في أكثر النسخ، وفي إحداها: (منصوب)، وكلاهما تحريف، مع وقوع سقط بعدها يجعل الكلام غير مستقيم، وصواب العبارة كما في "الكشاف" والكلام منه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة لا محل لها، مثل: يرزقكم في الوجه الثالث. اهـ. فتأمل.
ومن أكثر الأمور التي تعقبوه فيها وعدُّوها من غرائبه كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] فإنه بعد أن ذكر أنه مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤُولُ إليه، أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، لرجوع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه، والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، فهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.
стр. 105
عقبه بقوله: هذا بحسب الجليل مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب. ثم ختم كلامه هذا بقوله: فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ.
ويضاف إلى هذا ما كتب بهامش أكثر النسخ الخطية: (حتى ينكشف لكَ سِرُّ اختيار حبس النفس، ويتضح وجه صحة قوله ﵇: الصَّدقة والصِّلة تعمران الدِّيار وتزيدان في الأعمار. منه).
وقول المؤلف قد نقله الشهاب في "الحاشية على البيضاوي" مشنعًا عليه فيما ذهب إليه، لكنه لم يسمه، بل قال: ومن العجيب ما قيل هنا: إنَّ المعمر المقدَّر له عمر طويل، وهو يجوز فيه أن يبلغ فيه حدّ ذلك العمر وأن لا يبلغه … - إلى آخر كلام المؤلف - وعدَّه سرًّا دقيقًا، وهو مما لا يعوِّل عليه عاقل، ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود، مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر: "سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة"، وقد أطال المحشي فيه وفي رده وهو غنيٌّ عنه. اهـ.
أما الآلوسي فقد نقل كلامه أيضا معيِّنا إياه باسمه، ونقل كذلك ما ذكر في
стр. 106
حواشي النسخ الخطية، مصدِّرًا كلَّ ذلك بالتعجُّب منه، ومتعقِّبا إياه بما أوردناه من ردِّ الشهاب، وهو - والله أعلم - الموافق للصواب.
ومما قد يؤخذ عليه أيضًا المبالغةُ في الاختصار بحيث يَغمض المعنى ولا يظهر عود الضمائر، فنضرب عليه مثالًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، قال: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾، ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
فقوله: (حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ الأَولى أن يقوله: (حال من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾) كما هي عبارة "البحر".
وقوله: (و ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له)؛ أي: صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.
وقوله: (أو حال منه)؛ أي: ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾.
وقوله: (أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾؛ أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾.
كل هذا واضح في عبارات "الكشاف" و"البحر المحيط".
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨] قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا.
ومعنى الكلام: أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففًا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن
стр. 107
ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل (١).
ومما قد يؤخذ عليه أيضًا قلة التحري في اللغة أحيانًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال: وقرئ بفتح الشين وضمِّها، أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْداً فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل.
فقوله: (من حد علم) يعني في الماضي والمضارع فقط، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، وكان الأجدر أن يقول: من حد طَرِبَ - كما في "مختار الصحاح " - فهو المطابق له في كل التصريفات.
وقوله: (من حد دخل) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في "مختار الصحاح " لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.
فهذه أمثلة على بعض الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذا الكتاب، لكنها لا تَغضُّ من قيمته ولا تَحطُّ من مكانته، ولا تُذكر إلى جانب ما حواه من الفوائد، واشتمل عليه من النكت والعوائد.
* * *
_________
(١) انظر: "روح المعاني" (٩/ ٥٥).
стр. 108
سادسًا: وصف النسخ الخطية
تمَّ الاعتمادُ في تحقيق هذا السِّفر العظيم على عدد من النسخ الخطية النفيسة، علمًا أن للكتاب نسخًا كثيرة تزيد عن الأربعين، بعضها يشمل كل ما وجد من التفسير وهو إلى سورة الصافات، وبعضها الآخر يحوي قطعة منه من أوله أو وسطه، وقد زيد في أواخر بعضها تفسير السور التالية: الملك والنبأ والنازعات والطارق جميعها أو بعضها، وكل ما ذكرناه سيظهر من خلال الوصف الآتي للنسخ، ونبدأ بنسختي مكتبة فيض الله:
١ - النسخة الأولى من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (م)، وتتألف من قطعتين:
القطعة الأولى: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥١)، تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة يوسف. وجاء على غلافها: "الجلد الأول من تفسير ابن الكمال"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ"، وفيها تفردات صحيحة، وزيادات كأنَّها شرح، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٠٥) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٣٣) سطرًا، وفي كل سطر (١٤) كلمة تقريبًا.
القطعة الثانية: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥٢)، تبتدئ بأول تفسير سورة الرعد، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات. وجاء على غلافها؛ "جلد أخير من تفسير كمال باشا زاده"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف
стр. 109
شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ".
وهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٣٢٣) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا.
ثم يأتي عند نهاية سورة الصافات تفسير كلٍّ من السور التالية: (الملك والنبأ والنازعات والطارق)، وجاء في خاتمة ذلك ما نصُّه: "انتهى ما وجد من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى، وكان الفراغ من كتابته في ليلةٍ يُسفر صبحُها عن يوم الثلاثاء، ثاني شهر رجب الفرد الحرام، من شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلة حسب الطاقة على أصله المنقول منه، على ما في أصله من بعض التحريفات، مع إصلاح ما فيه من بعض الكلمات، والله الموفق للطاعات ".
٢ - النسخة الثانية من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ف):
وهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (٥٣)، وهي أيضًا نسخة نفيسة، لكنها حوت مِن التحريفات أكثر مِن باقي النسخ، رغم تفردها بالصواب أحيانًا وكثرة الهوامش، وجاء على غلافها: "تفسير ابن كمال باشا هو الفاضل العلامة شمس الدين أحمد بن سنان، المتوفى سنة أربعين
стр. 110
وتسع مئة، بلغ فيه إلى سورة الصافات"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: "وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ".
وهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، وهي بخطّ فارسيّ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٧٠) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا، وجاء في خاتمتها ما نصُّه: "تمَّ الكتاب بعون الملك الوهاب، في صبيحة الإثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه ".
ثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورتي الملك والنبأ، وجاء في خاتمة هاتين الرسالتين ما نصُّه: "تمَّ تنميق الرسالتين لأفضل المتأخرين أحمد بن سليمان بن كمال، عفا عنهم الملك المتعال، والحمد لله وحده ".
٣ - نسخة كوبريلي في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ك):
وهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير، تحت رقم (٦٤)، تبتدئ من أول التفسير، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، ثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورة الملك كاملة، وهنا تنتهي هذه النسخة، حيث جاء في خاتمة سورة الملك ما نصُّه: "هذا ما وجد من هذا التفسير، وصلى الله على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:
رقم المرجِّي عفوَ ذي الجلال … محمدُ بنُ الصالحي الهلالي
следующие страницы →