← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

والضَّرر: النُّقصان، بدنيًّا كان كالعمى والعَرَج، أو ماليًّا كعدم الأُهْبة، ولمَّا كان مساقُ الكلام للتحريض على الجهاد كان الاستثناءُ المذكور لبيان أنهم غيرُ مُرادِين بالتحريض، وغيرُ المكلَّفين بالخروج إليه، لا أنهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ القاعدين عن الجهاد بلا عذرٍ، وفيه تذكيرُ ما بينهما من التفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته، وأنفةً (١) عن انحطاط منزلته. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ نصبٌ على المصدر، وتنكيرُها للتعظيم، والمعنى: على القاعدين أُولي الضرر، نصَّ على ذلك الإمامُ الواحدي في "الوسيط" ثم قال: وذلك أن المجاهدين مباشرون للطاعة فلهم فضيلةٌ على القاعدين من أهل العذر وإن كانوا على نية الجهاد وقَصْدِه (٢). وتفصيله: أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: أنَّ بين المجاهدين والقاعدين غير الأضرَّاء بونًا بعيدًا، وأنْ ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضرَّاء هذا البونُ البعيد، ولكن بينهم تفاوتٌ أيضًا (٣)، وكان هذا المعنى محتاجًا إلى البيان فبيَّنه بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ وبما عُطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ﴾، فكلتا الجملتين

стр. 1157

بيانٌ له لا الجملةُ الأولى فقط، فبيَّن بالكلام الأول أنهم مفضَّلون على أهل العذر درجة، ثم قال: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني: المجاهدَ والقاعدَ المعذور، كذا (١) نقل في "الوسيط" عن مقاتل (٢). ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنةُ؛ لحُسْن عقيدتهم وخلوصِ نيَّتهم، وإنما التفاوُتُ في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. ثم بيَّن بقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أن المجاهدين مفضَّلون على القاعدين من غير عذرٍ بدرجات. وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ لأن (فضَّل) بمعنى: أَجَر، أو المفعولِ الثاني له لتضمُّنه معنى الإعطاء، كأنه قيل: وأعطاهم زيادةً على القاعدين أجرًا عظيمًا. * * * (٩٦) - ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ كلُّ واحدة منها بدلٌ من ﴿أَجْرًا﴾. أو ينتصبُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصبَ ﴿دَرَجَةً﴾، كما تقول: ضربتُ سوطًا أو سوطاتٍ، أي: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: فضَّلهم تفضيلات، و ﴿أَجْرًا﴾ حالٌ عن ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مقدَّمةٌ عليها لكونها نكرةً، وينتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعلهما؛ أي: وغفَر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.

стр. 1158

وقيل: الدرجة: ارتفاعُ منزلتهم عند الله، والدرجات: منازلُهم في الجنة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما عسى يَفرط منهم ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعد لهم. * * * (٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بحذف التاء؛ أي: تتوفاهم الملائكة، وقرئ: (تَوفَّتْهم) بتاء التأنيث على الماضي، و: (تُوفَّاهم) (١) على المضارع المبني للمفعول من (وُفِّيتْ) بمعنى: أن الله تعالى يوفِّي الملائكة أنفسَهم فيتوفونها؛ أي: يمكِّنُهم من استيفائها فيَتوفَّونها (٢). ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: في حال ظلمِهم أنفسَهم بترك الهجرة وموافقةِ الكفرة، فإنها نزلت في ناسٍ من مكةً أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ واجبةً (٣). ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة للمتوفَّين، وهو خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: قالوا لهم، حُذف الراجع. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: بأيِّ سببٍ كنتُم على ما كنتُم عليه من مخالطة المشركين وموافقتِهم، ولفظةُ (في) هاهنا كالتي في قوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].

стр. 1159

قيل: أي: في أيٍّ شيء كنتُم من أمرِ دينكم، ولا يَنتظِم الجوابَ (١). ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكة، أجابوا اعتذارًا مما وُبِّخوا به بضعفهم عن مقاومة المشركين، وعدمِ قدرتهم للمخالفة. قيل: وعجزهم عن الهجرة. ولا ينتظمُه الردُّ (٢). ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة ردًا لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطرٍ آخر فتتخلَّصوا عن أيدي المشركين كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة. هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم. ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ لتركهم الواجبَ ومساعدتهم المشركين، وهو جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلها مستنتجةٍ منها. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ مصيرُهم، أو جهنمُ. كان الهجرةُ من فرائض الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ ، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﵇: "لا هجرةَ بعد الفتح" (٣). وكأنه غافلٌ عن هذا مَن قال: وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضعٍ لا يتمكَّن فيه الرجل (٤) من إقامة دينه.

стр. 1160

والإشارةُ إلى القوم المذكورين على العموم، ولهذا استثنَى منهم المستضعَفين العاجزين حقيقةً بقوله: * * * (٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قيل: لمَّا نزل الوعيدُ المذكور قال المسلمون: هلك إخواننا الذين بمكة، فنزل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآيةَ (١). وذكرُ الولدان إنْ أريدَ به المماليك فظاهر، وإنْ أريد به الصبيان فللمبالغةِ في أمر الهجرة (٢)، وإيهامِ أنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلَّفين لوجب عليهم، والإشعارِ بأنه لا محيصَ لهم عنها البتةَ إذا بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وبأنَّ العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان. وقيل: لتحقيق خروج الرجال والنساء عن الوعيد عند عدم الاستطاعة، فإنهم حينئذ كالولدان في عدم الإثم. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ صفة لـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كقوله: ولقد أَمرُّ على اللَّئيم يَسبُّني (٣)

стр. 1161

أو حالٌ عنه، أو عن المستكنِّ فيه. واستطاعة الحيلة: وجدانُ أصحاب الهجرة وما تتوقَّف عليه. واهتداء السبيل: معرفةُ الطريق بنفسه أو بدليل. * * * (٩٩) - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) من الله تعالى دليلُ الوقوع؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريم إذا أطمع أَنجز، وفي لفظ العفو إيذانٌ بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقِّه أن لا يأمن (١)، ويترصَّدَ الفرصة ويعلِّقَ بها قلبه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا﴾ بالتخفيف عن العاجزين ﴿غَفُورًا﴾ للقادرين الذين أخَّروا الهجرة بعد وجوبها إلى نزول الوعيد، فبقي الفرقةُ الثالثة - وهم القادرون الذين تركوا الهجرة - تحت الوعيد. * * * (١٠٠) - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾: مهاجَرًا يهاجرُ إليه على رغمِ مَن يفارقه، أو طريقًا (٢) يُراغِمُ بسلوكه أنوفَ قومه المفارِق هو (٣) منهم.

стр. 1162

والرَّغْم: الذلُّ والهو أن، وأصله: لصوقُ الأنف إلى الرَّغام وهو التراب. ﴿وَسَعَةً﴾ في الرزق وإظهارِ الدين. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ذُكر تمهيدًا لذكر الهجرة إلى رسول الله ﷺ ؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا على قَصْد اختصاصه بالله تعالى. ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ وقرئ: (يدركُه) بالرفع على أنه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ثم هو يدركُه، وبالنصب على إضمار (أنْ) (١)، والجمهورُ على أن هذا في الواو والفاء في غير جوابِ (٢) الأشياء الثمانية ضرورةً فكيف في (ثم)؟. ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فقد ثبت وتحقَّق بموجب وعدِه، قال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل آية الوعيد بعث رسول الله ﷺ بها إلى مسلِمي مكة، فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني احملوني (٣) فإني لستُ من المستضعفين، وإني لأهتدي (٤) الطريق، وكان شيخًا كبيرًا، فحمله بنوه على سرير متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، فبلغ الأصحاب ﵃ موته فقالوا: لو لحق بنا لأتمَّ الله أجره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ وأَعلم أنه لا يخيب مَن الْتَمَس رضاه (٥).

стр. 1163

﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر له ما كان من القعود إلى أن خرج. ﴿رَحِيمًا﴾ يرحمه بإكمال أجرِ المهاجرين له. * * * (١٠١) - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سافرتُم. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بتنصيفِ ركعاتها (١). والقصرُ رخصةٌ عند الشافعي ﵀؛ لأن نفي الحرج في الرخصة لا في العزيمة. قلنا: في الآية بيانُ حكم الخوف، فتوقَّف حكمُ حالة الأمن على قيام الدليل، وقد ورد ذلك في الحديث بلفظِ الصدقة (٢)، ولو بقي فرضُ الأربعة فأين الصدقة؟ فمَن وَهَم (٣) أنَّ الآية تخالِفُ قولَ عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيِّكم (٤)، وقولَ عائشة ﵂: أوَّلُ ما فُرضت الصلاة ركعتين، فأُقرَّت في السفر وزِيدت في الحضر (٥) = فقد وَهِمَ.

стр. 1164

وقُرئ: (تُقْصِروا) من أَقْصَرَ بمعنى قَصَر (١). و ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ صفةُ محذوفٍ - أي: شيئًا من الصلاة - عند سيبويه، ومفعولُ ﴿تَقْصُرُوا﴾ بزيادة ﴿مِنَ﴾ عند الأخفش. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ يقصدكم الكفار بما يُكره من قتلٍ أو جَرحٍ أو أخذٍ، والخوفُ شرطٌ لجواز القصر عند الخوارج أخذًا بمفهوم هذه الآية، وعند الجمهور ليس بشرطٍ: أمَّا عند مَن لم يقل بحجِّية المفهوم فظاهر، وأمَّا عند مَن قال بها فلأنها مشروطةٌ بعدم معارضته (٢) منطوقِ نصٍّ. وقرئ: (من الصلاة أنْ يَفتِنكم) (٣) بغير ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ بمعنى: كراهةَ أنْ يفتنكم. ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: أعداءً، والعدوُّ يستوي فيه المفردُ والجمع، وإنما قال: (﴿مُبِينًا﴾) على اللفظ فإنه للمفرد (٤) في الوضع وفيه إشعار بأن وصف الكفر الجامع لهم الباعث للعداوة جهة وحدتهم. * * * (١٠٢) - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ

стр. 1165

فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وهي صلاة الخوف، وتعلَّق بالشرط المذكور (١) مَن خصَّها بحضرة الرسول قائلًا: إنها على خلافِ القياس، فلا يتعدى مورد النص، والجمهور على أنها غير مختصَّةٍ به ﵇، فإن الأئمة بعده نوَّابُه، فحضورُهم حضورُه، فينتظِمُهم النصُّ بطريقِ الدلالة لا بطريقِ القياس. ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يصلُّون، وتقوم الطائفةُ الأخرى تُجاه العدوِّ، وأمَّا جَعْلُهم طائفتين فمفهوم اقتضاء (٢). ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾؛ أي: المصلُّون ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون الضمير للطائفة الأخرى؛ لأنَّه حينئذ يتفرَّق الضمائر فيتنافر عليك النَّظم الذي هو أمُّ (٣) إعجاز القرآن، والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي على طريقة التقدير دون التصوير، ومراعاتُه (٤) أهمُّ ما يجب على المفسِّر (٥).

стр. 1166

﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ عبَّر بالسجود عن الركعة. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: إذا صلَّت هذه الطائفة التي معك ركعةً تامةً فليَرْجعوا ليقفوا بإزاء العدو، وفي ﴿وَرَائِكُمْ﴾ تغليبُ المخاطَب على الغائب. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ هذا الإظهار دليل ظاهر على أن الضمائر فيما سبق للطائفة الأولى. ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾؛ لانشغالهم بالحراسة. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الركعةَ الثانية. ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾: ما يتحذَّرون من العدو؛ من التُّرس والدِّرع والمِغْفر. ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: ما يقاتلون به من السيف والرمح والقوس، كذا فسَّر الإمام أبو منصور (١)، والذي يناسب بلاغة القرآن هو أنه جمع بين الحذر والأسلحة في وجوب الأخذ إيذانًا للغازي بأنه يجب عليه (٢) أن يجعل التحرُّز آلةً للحرب كالأسلحة، فجُعلا مأخوذَين (٣)، جُمع بينهما في الأمر هاهنا مبالغةً في الاحتياط؛ لأنَّه مَظِنَّة هجوم العدو، فإن تنبُّهه بكونهم في الصلاة يكون بعد سجودهم. ذكر صلاةَ طائفة ركعةً مع النبيِّ ﷺ وصلاةَ طائفةٍ أخرى ركعةً معه ﷺ ، ولم يبيِّن كيفيَّة إتمام الطائفتين، واختَلفت الأخبار في ذلك، واختَلف باختلافها العلماء؛

стр. 1167

فعند أبي حنيفة ﵁ (١): يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة. كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃ (٢). والسجودُ مجازٌ عن الركعة على ما نبَّهْتُ عليه فيما سبق، لا على ظاهره (٣). ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾؛ أي: أحبَّ الكفَّار غفلتكم ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ متمنِّيًا ذلك. ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيشدُّون عليكم شدَّةً واحدةً، وهو بيانُ ما لأَجْله أُمروا بأخذ الحذر والسلاح. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى﴾: تعبٌ.

стр. 1168

﴿مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ لم يقل: أو مرضٍ، لعدم دلالته على العموم وهو المراد. ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ لمَّا كانت حالةُ المرضِ مما يَشُقُّ حمل السلاح فيها، وحالةُ المطر مما يثقِلُ العدوَّ ويمنعُه من خفَّة الحركة للقتال، رخَّص لهم فيهما وضعَ السلاح. وفي قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ دلالة على أن الأمر بالأخذ للإيجاب دون الاستحباب. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أمرَهم مع ذلك بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدوُّ. ولمَّا كان الأمر بالحذر موهِمًا لتوقُّع غلبةِ العدوِّ وقوَّتِه، وأنَّ الله وكَلَهم إلى أنفُسهم ولم يكلَأْهم، أزال ذلك الوهمَ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ تقويةً لقلوبهم، وتشجيعًا وتبشيرًا بأنَّ الله تعالى مُهينٌ عدوَّهم ويخذلُه وينصرهم عليه، وإعلامًا بأن الأمر بالحذر إنما هو تعبُّدٌ لا تخليةٌ بينهم وبين عدوهم مراعاةً لحكمة الله وسنَّته. * * * (١٠٣) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أدَّيتُم وفرغتُم منها. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ فدُوموا على الذكر في جميع الأحوال، وهو الذكر باللسان والدعاءُ بالنصر، فإنه حال ملاقاة العدوِّ، وهو كما قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].

стр. 1169

وقيل: وإذا أردتُم أداء الصلاة فصلُّوا قيامًا إن قدرتُم عليه، وقعودًا إن عجزتُم عن القيام، ومضطجِعينَ إن عجزتُم عن القعود بسبب الجرح؛ أي: أدُّوها على حسب الوسع، وهذا عند اشتداد الحرب بقرينة قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أي: سكنتْ قلوبكم من الخوف. وعلى كلَا التفسيرين لا دلالةَ فيه على صحة الصلاة في حال المسايَفة. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعدِّلوا وأدُّوها تامةً بطائفةٍ واحدة. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ مفروضًا محدودًا بأوقاتٍ معيَّنةٍ (١)، فلا يؤخَّر عنها بسبب الخوف، فهو كالتعليل لِمَا سبق، وأمَّا أنه لا يؤخَّر عنها بسببٍ من الأسباب فلا دلالةَ عليه في الكلام، فلا يكون دليلًا على وجوب أدائها في حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وأما عدمُ دلالته على أن المراد بالذكر الصلاةُ فظاهرٌ. وإنما قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الكلام في أدائها، والإيمانُ شرط صحته وإنْ لم يكن شرطَ وجوبها عند القائلين بأنَّ الكفار مخاطبون بالعبادات المفروضة. * * * (١٠٤) - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: ولا تَضعفوا. ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: في طلب الكفار بالقتال. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ به؛ أي: لا تتوانَوا بسبب الألم والجراح، ثم علَّل النهي:

стр. 1170

﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ به ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فإن الألم ليس مختصًّا بكم، بل هو مشترك بينهم وبينكم، ثم إنهم يصبرون مع ذلك، وأنتم أولى بالصبر منهم لأنكم ترجون من الله الثوابَ العظيم في الآخرة بإظهار دين الله وإعزازه وهم لا يرجون، فما لكم (١) لا تصبرون؟! وفيه طرف من التوبيخ والتقريع على التَّواني فيه. وقرئ: ﴿أَنْ تَكُونُوا﴾ بالفتح (٢)، بمعنى: لِأَنْ تكونوا. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح العباد حين دعاهم إلى الجهاد. ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير أمورهم في المبدأ والمعاد. * * * (١٠٥) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسًا به. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ رُوي: أنَّ طُعمة بن أُبَيرِقٍ سرق درعًا في جِرابٍ فيه دقيقٌ لقتادةَ بن النعمان وخبَّأها عند يهوديٍّ، فحلف طعمةُ ما لي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهوديِّ فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمةُ، واختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فجاء اليهود وشهدوا على براءة اليهودي، وجاء بنو ظفر - وهم قوم طعمةَ - وشهدوا بالسرقة على اليهودي، فهمَّ النبيُّ ﷺ أن يعاقب اليهودي فنزلت (٣).

стр. 1171

﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: بما عرَّفك الله وأَوْحَى به إليك، وليس من الرؤية بمعنى العلم، وإلا استَدْعَى ثلاثةَ مفاعيل. ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾: لأجْلهم والذَّبِّ عنهم، وهم طعمةُ وقومه الذين شهدوا زورًا على اليهودي. ﴿خَصِيمًا﴾ للبُرآء، وهو اليهوديُّ. * * * (١٠٦) - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما همَمْتَ به. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يستغفرُه. * * * (١٠٧) - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يخونونها؛ فإنَّ وبال خيانتِها يعودُ عليها، أو جَعل معصية العاصِين خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلمًا عليها.

стр. 1172

وضمير الجمع - وإن كان الخائنُ طعمةَ وحده - يشملُ كلَّ خائن؛ لعمومِ الحكم، ولأن (١) قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء في الإثم. ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يُكنى بعدم المحبة عن البغض في جميع الألسنة. ﴿مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾: مُبالِغًا في الخيانة بالإصرار عليها. ﴿أَثِيمًا﴾: منهمِكًا فيه (٢). وإنما أورد صيغةَ المبالغة فيهما تعريضًا بحالِ طعمة وإفراطهِ في الخيانة، حيث سرق ورمى بالسرقة يهوديًّا وحلف كاذبًا، وقد كان سارقًا في الجاهلية. * * * (١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يستترون منهم خوفًا وحياء. ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاستخفاء منه تعالى؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ويجوز أن يكون الاستخفاء كنايةً عن الاستحياء لأنَّه من أسبابه؛ أي: لا يستحْيون منه تعالى وهو أحقُّ بأن يُستحْيَى منه. ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ لا يخفى عليه سرُّهم، فلا طريق معه إلا تركُ ما يستقبحُه ويؤاخِذ عليه.

стр. 1173

﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾: يدبِّرون ويزوِّرون سرًّا، وأصله أن يكون بالليل. ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾: مِن رَمْي البريء، والحَلِفِ الكاذب، وشهادةِ الزور. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهه. * * * (١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ وخبرٌ، وفيه مبالغةٌ عظيمة في التوبيخ؛ أي: مُشارٌ إليكم في الجدال بالباطل، لا يمكن ذمُّكم بأَزيدَ مما أنتم عليه، فأنتم أنتم لا تشهيرَ لكم بوصفٍ أظهرَ في القبح مما انفردْتُم به وتعيَّنْتُم من بين سائر الناس. ثم أكَّده بالتنبيهين، والإجمالِ في اسم الإشارة والتفصيلِ في بيانه، والإيذانِ بأنَّ الجدال بالباطل لا يجدي في الآخرة، إنما هو في الدنيا لكونها موضعَ التلبيس والاشتِباه، ولا يغني عنهم شيئًا عند الافتضاح على رؤوس الأشهاد وانتقامِ العزيز القهَّار، وإنْ دَفَع الفضيحةَ في الدنيا والعقوبةَ فيها، فقوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جملةٌ مبيِّنةٌ (١) لوقوع (أولاء) خبرًا، أو صلةً عند من يجعله موصولًا. ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: محاميًا يحميهم من عذاب الله.

стр. 1174

(١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ قبيحًا يَسوءُ به غيره. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يَختصُّ به ولا يتعدَّاه [إلى] (١) غيره. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بالتوبة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الاستمرار لا يكون مانعًا إذا لم يؤدِّ إلى الإصرار. ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لذنوبه ﴿رَحِيمًا﴾ بقبول توبته، وإمهالهِ إلى أن يتوب، وفيه حثٌّ للمذنبين على الاستغفار، ويدخل فيه طعمةُ وقومُه دخولًا أوليًا. * * * (١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدَّاه وبالُه؛ كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ به ﴿حَكِيمًا﴾ في مُجازاته. * * * (١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾: صغيرةً، أو ما لا عَمْدَ فيه. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾: كبيرةً، أو ما كان عن عمدٍ. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كما فعل طُعمة، ووخَد الضمير لمكانِ ﴿أَوْ﴾. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾؛ أي: بسبب إنكاره ورميهِ به بريئًا.

стр. 1175

﴿بُهْتَانًا﴾ برميه البريءَ، قدَّمه لأنَّه أفظعُ (١)، و ﴿احْتَمَلَ﴾ أبلغُ من (حَمَلَ) لأن افْتَعَلَ فيه التَّسبُّبُ. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ بتبرئةِ النفس الخاطئة، وليس فيه التسويةُ بين الكاسِبَينِ، بل تشريكُهما فيما تحمَّلا بسبب ما فعلاه بعد الكسب. * * * (١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾؛ أي: عصمتُه عن الخطأ. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بما أوحَى إليك من الإطْلاع على سرِّهم. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: من بني ظفرٍ، أو: من الناس والطائفةُ بنو ظفر. ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن القضاء بالحق مع علمهم بأنَّ الجانيَ صاحبُهم، والجملة جوابُ (لولا)، وليس القصد فيه إلى نفي همِّهم، بل إلى المبالغة في نفي تأثيره بتنزيله منزلةَ العدم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنهم ما أزالوك عن الحق، وعاد وبالُ عملهم عليهم. ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن الله تعالى عاصمُك يَحول بينك وبين الخطأ في الحكم، وما خطر ببالك كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر لا ميلًا في الحكم. و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضعِ النصب على المصدر؛ أي: شيئًا من الضَّرر.

стр. 1176

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: السُّنّةَ المنقسمةَ إلى (١) القولية والفعلية كالحكمة، وفيه تنبيهٌ على أن السنَّة التي هي إحدى أركان الشريعة من قَبيل الوحي الغيرِ المتلوِّ (٢). ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من خفيَّاتِ الأمور، أو من أمور الدِّين والأحكام. ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضل أعظمُ من الرسالة العامة. * * * (١١٤) - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: من تَناجيهم. ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾: إلا نجوَى مَن أَمر، على حذف المضاف، وهو في محلِّ الجرِّ على البدل من ﴿كَثِيرٍ﴾ (٣)، أو في محلِّ النصب على الاستثناء المنقطِع؛ أي: لكنْ مَن أمر بصدقةٍ ففي نجواهُ الخير. ﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو عامّ في كلِّ جميلٍ شرعًا وعقلًا وعُرفًا. ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: أو إصلاحِ ذاتِ البَين. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: يأمر بالخير لأنَّ الفعل كثيرًا ما يُطلق على القول والأمر. ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ويجوز أن يُرتَّب الوعد على الفعل

стр. 1177

تحريضًا للأمر بالخير على فعله، وتنبيهًا على أنَّ الأمر بفعله دون فعله لا يُستحسَنُ، بل الأمرُ به دليل على أن فعله أهمُّ، وإنما يوجِب الثوابَ لإفضائه إليه، فثوابُه تَبعٌ لثواب فعله، وإنما شرط أن يكون لطلب مرضاة (١) الله تعالى لأن الأعمال بالنيات، فإذا لم يقارنه النيةُ أو عَرَض لصاحبه الرِّياء والسُّمعة فليس بخيرٍ، بل هو إلى الشرِّ واستيجابِ العقاب أقربُ. ووُصِف الأجرُ بالعظم تنبيهًا على حقارةِ ما فات من أعراض الدنيا في جَنْبه. * * * (١١٥) - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾: يخالفْه، من الشَّقِّ فإن كلًّا من المخالِفَين يكونُ في شِقّ غيرِ شقِّ الآخر. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾: ظهر له الحقُّ بالوقوف على المعجزات. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك هو السبيلُ الذي اتَّفقوا على صحَّته من الدِّين الحنيفي القيِّم، فيندرِج فيه الإجماعُ والاجتهاد، فإنه أيضًا مما اتَّفقوا على صحَّته، وعلى كون الثابتِ به من الدِّين، وهذا كالبيان لمخالفةِ الرسول ﷺ ، فإنَّ مَن اتَّبع الإجماعَ أو اجتهادَ مجتهدٍ فهو موافقٌ له ﵇ في الحقيقة وإن كان مخالفًا لظاهر الكتاب والسنَّة. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: نجعلْه واليًا لِمَا تولَّاه من الضَّلال بأنْ نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره.

стр. 1178

﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾: وندخِلْه فيها؛ أي: نَخذلْه في الدنيا ونعذّبْه بالنار في الآخرة، وقرئ: (نَصْلِه) بفتح النون مِن صَلَاه (١). ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ جهنمُ. قيل: تدلُّ الآيةُ على حُرمةِ مخالفةِ الإجماع؛ لأنَّه تعالى رتَّب الوعيد الشديدَ على المشاقَّة واتِّباعِ غيرِ سبيل المؤمنين، وذلك إمَّا لحرمةِ كلٍّ منهما، أو أحدِهما، أو الجمعِ بينهما، والثاني باطل إذ يَقبُحُ أن يقال: مَن شرب الخمر وأكل الخبز (٢) استوجَب الحدَّ، وكذا الثالث لأن المشاقَّة محرمة ضُمَّ إليها غيرُها أو لم يُضَمَّ، وإذا كان اتِّباع غيرِ سبيلهم محرَّمًا كان اتِّباع سبيلهم واجبًا (٣). ومبناه على أن لا يكون قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتقرير المخالفة المذكورة وبيانِها، وذلك غير مسلَّم. * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ كرَّره (٤) لقصة طُعمةَ، واتصالُه بها أنه (٥) أشرك بعد الإيمان وليس للمشرك غفرانٌ.

стр. 1179

قال مقاتل: فخرج طعمةُ من مكة ولحق بحَرَّةِ بني سُلَيمٍ، فعَبد صنمهم حتى مات على الشِّرك، فنزل فيه الآيةُ، فبَيَّن أن طعمة لو لم يشرك لكان في سَعة رحمة الله تعالى أن (١) يغفر له. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، أي: لا يتناهَى تَماديهِ في الضلال؛ إذ لا جهل أفحشُ من الجهل بالله، وإنما ذكر في الآية الأولى ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا﴾ (٢) [النساء: ٤٨] لأنها متصلةٌ بقصة أهل الكتاب، ومنشأُ شركهم كان افتراءَهم، وهو دعوى النبيِّ ﷺ على الله، وهذه في شأن مَن ليس من أهل الكتاب ولا علمَ عنده، فناسَبَ وصفه بالضلال، وأيضًا فقد تقدَّم ذكرُ الهدى (٣) وهو ضدُّ الضلال. * * * (١١٧) - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: اللات والعزَّى ومناةَ ونحوَها، كان لكلِّ حيٍّ صنم يعبدونه ويُلبسونه أنواع الحليِّ، ويسمُّونه أنثى بني فلان. وقيل: كانو ا يقولون في أصنامهم: هنَّ بنات الله، وقيل: المراد الملائكةُ؛ لقولهم: الملائكة بنات الله تعالى. وهو جمع أُنثى كرِبَابٍ ورُبَّى (٤)، وقُرئ: (أنثى) على التوحيد، و: (أُنُثًا) على أنه جمع أنيث كخُبُثٍ وخبيثٍ، و: (وُثنًا) بالتخفيف والتثقيل، وهو جمع

стр. 1180

وثن كأَسَدٍ وأُسْدٍ وأُسُدٍ، و: (أُثنًا) بهما على قلبِ الواو لضمَّتها همزةً (١). ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ﴾: وإن يعبدون بعبادتها. ﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾؛ لأنَّه هو الذي بعثهم على ذلك ودعاهم إليه فأطاعوه، فجُعلت طاعتُهم له عبادةً (٢). ﴿مَرِيدًا﴾؛ عاتيًا خارجًا عن طاعة الله تعالى، ظاهرًا شرُّه كالغلامِ الأمردِ والشجرة المرداء التي سقطت أوراقها وظهرت عيدانُها. * * * (١١٨) - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفةٌ ثانية للشيطان. ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ صفةٌ أخرى له، الواو للجمع؛ أي: جامعًا بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيع في ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ وما بعده من الأفعال الدالَّة على فَرْط عداوته للناس. والمفروض: المقدَّر؛ أي: نصيبًا فُرض لي وقدِّر، من قولهم: فرض لي في العطاء. * * * (١١٩) - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.

стр. 1181

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الباطلة من طول الأعمار (١) وبلوغِ الآمال (٢). ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ البَتْك: القطع، والتفعيلُ للتكثير والتكرير؛ أي: يقطِّعونها لتحريم ما أحلَّه، وهي عبارةٌ عما كانت العرب تعمل بالبحائر والسوائب، وإشارةٌ إلى تحريم كلِّ ما أحلَّ ونقصِ كلِّ ما خلق كاملًا بالفعل أو بالقوة. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ عن وجهه صورةً أو صفةً، ويندرج فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي، وخِصاء العبيد، والوشم والوشر (٣). وعمومُ اللفظ يمنعُ التغيير مطلقًا، لكن خُصَّ منه البعض كالختان (٤) بالنصِّ، ثم الفقهاءُ خَصُّوا منه خِصاءَ البهائم للحاجة بالقياس. وأمَّا ما هو من أنواع الكفر كعبادة الشمس والقمر، وكبائرِ المعاصي كاللواطة، فقد اندرجت تحت قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾. والجمل الأربع حكايةٌ عما ذكره الشيطان نطقاً أو أتاه (٥) فعلًا. ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمجاوَزته عن طاعة الله تعالى إلى طاعته، وإيثاره ما يدعوه إليه على ما أمره تعالى به.

стр. 1182

﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ إذ ضيَّع رأس ماله، وبدَّل مكانه من الجنة بمكانٍ من النار. * * * (١٢٠) - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ما لا يُنجزه. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالون. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ بإظهارِ النفع فيما فيه الضررُ، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه. * * * (١٢١) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ اسم مصدر مِن حاص يَحيص (١): إذا خلص ونجا، و ﴿عَنْهَا﴾ حال منه وليس صلةً له؛ لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، ويجوز أن يكون اسمَ مكان؛ أي: مَعْدلًا ومهربًا، بالغَ في التنفير عن الشرك بوجوه: أولها: تحقير معبوداتهم ونقصُها بالأنوثة.

стр. 1183

وثانيها: أن دعاءهم وعبادتهم إياها إنما هو دعوةُ الشيطان وعبادتُه. وثالثها: وصفُ الشيطان بالمَرادة واللعنِ والتَّمْنيةِ، والدَّعوة إلى القبائح وفنونِ الإغواء، والإخبارِ عن نفسه بذلك على التأكيد القسمي. ورابعها: الإخبار بأن ولايته تُوجب الخسران الظاهر. وخامسها: تكرار اسم الشيطان في ثلاث مواضع، وتركُ إضماره إلى إظهار اسمه الدالِّ على البعد والطرد. وسادسها: تكرار تمنيته الكاذبة، والإخبارُ بأن وعده ليس إلا تغريرًا محضًا، وقبولَهم إياه غرورًا باطلًا. وسابعها: أن المشركين المطيعين له في الشرك وارتكاب تلك المعاصي مأواهم جهنم ولا يجدون عنها مخلصًا. * * * (١٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. ثم قابل ذلك التنفير بالترغيب في الإيمان والتوحيد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد تقدم تفسيره. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان: الأول لنفسه؛ أي وَعَده وَعْدًا؛ لأن مضمون الجملة الاسمية التي قبله وعدٌ، والثاني لغيره؛ أي: وحَقَّ ذلك حقًّا. ويجوز أن ينتصب الموصولُ بفعلٍ يفسِّره ما بعده، و ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ بقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾

стр. 1184

لأنَّه بمعنى: نَعِدُهم إدخالهم، و ﴿حَقًّا﴾ على أنه حالٌ (١) من المصدر. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ توكيدٌ ثالث على سبيل الاعتراض. والمقصود من الآية: معارضةُ المواعيد الشيطانية الكاذبة لقُرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغةُ في توكيده ترغيبًا للعباد في تحصيله. * * * (١٢٣) - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾: وعدُ الله، أي: ليس ما وَعَد الله من الثواب يُنال بأمانيَكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وإنما يُنال بالإيمان والعمل الصالح. وقيل: الخطاب مع المشركين، ويعضده تقدُّمُ ذكرهم. ثم قرر ذلك فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلًا أو آجلًا، ويدلُّ على التعميم للعاجل قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] سَمى القطعَ جزاء، وقولُه ﵇ في جواب أبي بكر ﵁ إذ (٢) قال: كيف الصلاحُ بعد هذه الآية؛ -: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألستَ تمرضُ تصيبك الآلامُ، فهو ما تُجزون [به] " (٣).

стр. 1185

﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ولا يجد لنفسه إذا جاوَزَ موالاة الله ونصرته مَن يُواليه وينصره في دفع العذاب عنه. * * * (١٢٤) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ للتبعيض؛ لأنَّ المكلَّف لا يُطيق عملَ كلِّ الصالحات، والطاعةُ بحسَب الطاقة. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ في موضع الحال من المستكنِّ في ﴿يَعْمَلْ﴾، و ﴿مِنَ﴾ للبيان. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ قيِّد به؛ إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة لا نفعًا ولا دفعًا، والعملُ الصالحُ لا يكون إلا للمؤمن، فزيادتُه لبيانِ أن المراد: مَن عَمِلَ صالحًا وهو ثابتٌ على الإيمان، ولا بد من هذا القيد في تحقيق ما أخبر به بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ولا عبرةَ لإيمانٍ اقترَن بالعمل الصالح ثم زال. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ لا بالنقص عن الثواب الموعود، ولا بالزيادة على العقاب المعهود، فهو متعلِّق بالوعيد أيضًا المذكورِ بقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. * * * (١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.

стр. 1186

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ استفهامٌ معناه النفيُ؛ أي: لا أحد أحسنُ دينًا، منصوبٌ على التمييز، وكُني بالوجه عن الإنسان إذ كان أشرفَ الأعضاء، ومعنى أَسلم لله: انقاد لأمره وشرعه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حاليةٌ مؤكِّدة، وكون الغير أحسنَ دينًا منه لا يَستلزم بلوغَه منتهى المراتب البشرية. ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الموافقةَ لدين الإسلام، المتَّفَقَ على صحتها، فإنه ﵇ بعث على ملة إبراهيم ﵇ وزِيد له أشياءُ. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن سائر الأديان، حالٌ من المستكنِّ في (اتَّبع). ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامةٍ تشبه كرامة الخليل عند خليله، وهي جملةٌ اعتراضية فائدتُها تأكيدُ وجوب اتِّباع ملَّته؛ لأن (١) مَن بلغ من الزُّلفى والكرامة عند الله إلى أن اتَّخذه خليلًا كان جديرًا بأن تُتَّبع ملَّتُه، وبان مَن اتَّبعه كان مِن أحسن الناس دينًا، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيمًا له، وتنصيصًا على أنه الممدوح. والخُلَّةُ من الخِلَال، فإنه ودٌّ تخلَّلَ النفس وخالطَها، أو من الخَلَّة بمعنى الخَصلة فإنهما يتوافقان في الخصال. * * * (١٢٦) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا وملكًا يختار منهما مَن يشاء. وقيل: من تتمة ذكر العمال الصالحين والطالحين، مقرِّر لوجوب طاعته عليهم، وكمالِ قدرته على مُجازاتهم على الأعمال.

стр. 1187

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطةَ علمٍ وقدرةٍ ووعدٍ ووعيدٍ. * * * (١٢٧) - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في ميراثهنَّ إذ فيه نزلت. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾: يبيِّنُ لكم حُكمَه ﴿فِيهِنَّ﴾ والإفتاء: تبيينُ المبهَم. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في محلِّ الرفع بالعطف؛ أي (١): اللهُ يفتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، على أن ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةُ ﴿يُتْلَى﴾، وجاز أن يكون بدلًا من ﴿فِيهِنَّ﴾. أو ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ مبتدأ ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ خبرُه، والجملة اعتراضيةٌ. أوفي محلِّ الجرِّ على القسم (٢). و ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ على الوجهين بدلٌ من ﴿فِيهِنَّ﴾، وإضافة ﴿يَتَامَى﴾ إلى ﴿النِّسَاءِ﴾ بمعنى (مِن).

стр. 1188

و ﴿الْكِتَابِ﴾ على الوجه الثاني (١) هو اللوح المحفوظ، وفائدةُ الاعتراض: تعظيم المتلوِّ وخاصةً حكمُ اليتامى؛ أي المتلوُّ عليكم في باب يتامى النساء حكم مُثبَت عند الله في اللوح حقُّه أن يُراعَى ويُحافَظَ عليه فإنه من عظائم الأمور عنده، كما أن فائدة العطف في الوجه الأول تعظيمُه بالاختصاص بالله، وأن حكمه حكمُ الله، فإن هذه التوطئة تفخيمُ شأن الموطَّأ له، وكذلك فائدة القَسَم في الوجه الثالث، فإن الإقسام بالشيء تنويهٌ باسمه وتعظيم لشأنه. ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: فُرض لهن من الميراث. ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ كان الرجل منهم يضمُّ اليتيمة ومالَها إلى نفسه، فإن كانت جميلةً تزوَّجها وأكل مالَها، وإن كانت دميمةً عضَلها عن التزوُّج (٢) حتى تموتَ فيرثَها، فيجوز أن يكون المعنى: في أن تنكحوهن لجمالهن، أو (٣): عن أن تنكحوهن لدمامتهن، والظاهر الثاني لقوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: لا تؤتونهن مالَهن ولا تنكحوهن (٤)، والواو للعطف دون الحال؛ لأنَّه مضارع مثبَت فلا يدخل فيه الواو إلا بتأويلٍ لا حاجة لنا به هاهنا. وظاهر النص يدلُّ على صحة تزويج الصغيرة لغير الأب والجد، ولا يعارضه احتمال أن يكون المعنى: أن تنكحوهن إذا بلغن؛ لأن الأصل في المطلَق أن يجري على إطلاقه.

стр. 1189

﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، والعرب كانوا لا يورِّثو نهم كما لا يورِّثون النساء، وكذا قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ عليه؛ أي: وفي أن تقوموا، هذا إذا جعلت ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةً، فإنْ جعلتَه بدلًا فالوجه نصبُها عطفًا (١) على موضع ﴿فِيهِنَّ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا؛ أي: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم وَيستَوفوا حقوقهم، أو للقوَّام بالنَّصَفةِ في شأنهم. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ذِكرُ العلم بعد العمل أبلغُ وعدٍ ووعيد، وأعلى إشارةٍ وتهديد (٢). * * * (١٢٨) - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ فاعلُ فعلٍ يفسِّره الظاهر ﴿خَافَتْ﴾: توقَّعَتْ ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾؛ لمَا ظهر لها من المخائل. ﴿نُشُوزًا أ﴾: تَجافيًا عنها، وترفُّعًا عن صحبتها، ومنعًا لحقوقها. ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بأنْ يُقلَّ مجالستها ومحادثتَها.

стр. 1190

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (١) بَيْنَهُمَا﴾: أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه. وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٢) مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين، وحينئذ جاز أن ينتصب ﴿صُلْحًا﴾ على المفعول به و ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرفٌ أو حالٌ منه، أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أو محذوف. وقرئ: (يَصَّلحا) (٣) مِن اصَّلح بمعنى اصطَلَحَ. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقة، أو من النشوز والإعراض وسوءِ العشرة، أو من الخصومة في كلِّ شيء، فإنه أبعثُ على التوافُق والتسالُم مما إذا قيِّد بحالهما، أو: خيرٌ من الخيرات كما أن الخصومة شرٌّ من الشرور، جملةٌ اعتراضيةٌ أكِّدت باعتراضيَّةٍ أخرى (٤)، وهي قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: لا تتخاصما مراءً وعناداً فإنَّ النفوس مجبولةٌ على الشُّحِّ كأنها ألزِمَتْه وجَعلت حاضرةً له لا تنفكُّ عنه، فإنْ هي لا تسمحُ بقسمتها أو بسائر حقوقها أو ببعضها فلا يغضبِ الزوج عليها ولْيسامِحْها، فإن الشحَّ كالأمر الطبيعي للنفوس كما (٥) ذكر، ولْتسامِحْه ولا يتباغَضَا ويتشاقَّا.

стр. 1191

﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهنَّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض مراعاةً لحقوق الصحبة. خَصَّ الخطاب بالأزواج إشارةً إلى أنهم أولى بإقامة حقوقهنَّ والإحسانِ والتقوى، فإنهن نواقصُ العقول. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى. ﴿خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه ويُثيبكم به (١). * * * (١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ حتى لا يقع بينكم زيادةٌ ونقصان فيما يجب لهن البتة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ من جهة التكلف ومراعاة العدالة في الحقوق، فإن ذلك أمرٌ طبيعي غير اختياريٍّ، فرَفع ذلك عنكم تمامَ العدل والتسوية في الشيء، وما كلِّفتم إلا ما تستطيعون بشرطِ أن تبذلوا فيه وسعَكم. ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ إلى المحبوبة المرغوبِ فيها عن المرغوب عنها فتمنعوا لها قِسمتَها من غير رضًى منها، فإنه في وسعكم (٢).

стр. 1192

﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلَّقةً، فيه ضربٌ من التوبيخ. ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كنتم تفسدون من أمورهن. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فيما يُستقبَل من مِثْل ذلك. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غَفَر الله لكم الماضيَ ورحمكم بالتوفيق للعدل في المستقبل. * * * (١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾؛ أي: يفارِقْ كلّ منهما صاحبَه. ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ منهما عن صاحبه، وكفاه أمرَه بدونه. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: من سعة رحمته. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ من جهة الإفضال، بل من جميع جهات الفضل والكمال. ﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمر عباده إلا بما هو مصلحةٌ وحكمة. * * * (١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيه على كمال سعته وقدرته. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾ أو بـ ﴿أُوتُوا﴾.

стр. 1193

﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: بأنِ اتقوا الله، أو تكون (أنْ) المفسِّرةَ؛ لأن التوصية في معنى القول. واللام في ﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس يتناول الكتبَ السماوية؛ لأن المراد: ولقد وصينا الأمم السالفة كلَّها ووصيناكم؛ أي: هذه التوصيةُ قديمةٌ ما زال يوصي الله تعالى به عبادَه لستُم مخصوصين به، فإن السعادة في التقوى، وفيه تفخيمٌ لأهل التقوى. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لأن المعنى: أمرناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إنْ تكفروا فإنَّ للّهِ الخلقَ كلَّه، لا يتضرَّر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفِع بشكركم وتقواكم، وإنما وصَّاكم لرحمته لا لحاجته. ثم بيَّن بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلق وعبادته ﴿حَمِيدًا﴾ في حدِّ ذاته حُمد أو لم يُحمد، أنَّ (١) خلقه العالَمَ ليس لحاجته ومصلحته، فإنه كان غنيًّا قبل خلقه حميدًا قبل حمدِ الحامدين (٢). * * * (١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تكريرٌ لبيان عظمته وغناهُ، وتقريرٌ لوجوب

стр. 1194

تقواه، فتقديمه على التوصية (١) تمهيدٌ لعظمته ومالكيَّته، وكونهِ أهلًا لأنْ يُتّقى ويطاع، والثاني لبيان غناه، وتأكيدٌ للأول في تقرير معناه، والثالثُ تقويةٌ لما ذكر من كونه حميدًا بلسان الكلِّ، وكونِ الأشياء كلِّها في طاعته وحمده وعبادته فلا يضرُّه كفركم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ اعتراضٌ مؤكِّدٌ لمالكيَّته ومدبِّريَّته للكلِّ ببيانِ أنه لم يَكِلْ أمورهم إلى غيره (٢)، فعليهم أن يطيعوه ويتوكَّلوا عليه، وفيه تسليةٌ للرسول ﷺ والمؤمنين، وفيما بعده تخويف وتهويل شديدٌ، وإيعادٌ وتهديدٌ بليغٌ لأعدائهم. * * * (١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يميتكم ويُفنيكم كما أوجدكم وأنشأكم، ومفعول ﴿يَشَأْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه الجواب. ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾: وُيوجِدْ قومًا آخَرين مكانَكم يوالونه ﵇ ويؤمنون به، والخطاب لمَن يعاديهِ من كفار العرب. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ من الإعدام والإيجاد. ﴿قَدِيرًا﴾ هو إذ لا يَمتنعُ شيء على قدرته وإرادته. ويُروَى: أنها لمَّا نزلت ضرب رسول الله ﷺ ظهر سلمان وقال: "إنهم قومُ هذا" [يريد] أبناءَ فارسَ (٣).

стр. 1195

(١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالمجاهد يطلب الغنيمة بجهاده. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا وجه لإرادته فعند الله ثوابُ الدارين، فما له يطلبُ الأخسَّ ويترك الأشرفَ، وفي الحديث: "إنَّ الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطىِ الآخرة على نية الدنيا" (١)، فإن الأشرف يستتبَعُ الأخسَّ دون العكس، فمَن جاهد لوجه الله لم تَفُتْهُ الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمةُ بجنبه كَلَا شيءٍ، فلْيُرِدْ خيرَهما. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بأحاديث نفوسكم. ﴿بَصِيرًا﴾ بنيَّاتكم وإرادتِكم في أعمالكم، وفيه وعيدٌ لمن وقف مع هوَى نفسه واختار الأخسَّ الفانيَ، ووعدٌ لمن أَخلص وجهه لله تعالى وطلب الأشرفَ الباقي. * * * (١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ملازِمينَ للعدالة دائِمِي القيامِ بها.
следующие страницы →