﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهنَّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض مراعاةً لحقوق الصحبة. خَصَّ الخطاب بالأزواج إشارةً إلى أنهم أولى بإقامة حقوقهنَّ والإحسانِ والتقوى، فإنهن نواقصُ العقول.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى.
﴿خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه ويُثيبكم به (١).
* * *
(١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ حتى لا يقع بينكم زيادةٌ ونقصان فيما يجب لهن البتة.
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ من جهة التكلف ومراعاة العدالة في الحقوق، فإن ذلك أمرٌ طبيعي غير اختياريٍّ، فرَفع ذلك عنكم تمامَ العدل والتسوية في الشيء، وما كلِّفتم إلا ما تستطيعون بشرطِ أن تبذلوا فيه وسعَكم.
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ إلى المحبوبة المرغوبِ فيها عن المرغوب عنها فتمنعوا لها قِسمتَها من غير رضًى منها، فإنه في وسعكم (٢).
стр. 1192
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلَّقةً، فيه ضربٌ من التوبيخ.
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كنتم تفسدون من أمورهن.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ فيما يُستقبَل من مِثْل ذلك.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غَفَر الله لكم الماضيَ ورحمكم بالتوفيق للعدل في المستقبل.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾؛ أي: يفارِقْ كلّ منهما صاحبَه.
﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ منهما عن صاحبه، وكفاه أمرَه بدونه.
﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: من سعة رحمته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ من جهة الإفضال، بل من جميع جهات الفضل والكمال.
﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمر عباده إلا بما هو مصلحةٌ وحكمة.
* * *
(١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيه على كمال سعته وقدرته.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾ أو بـ ﴿أُوتُوا﴾.
стр. 1193
﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾.
﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: بأنِ اتقوا الله، أو تكون (أنْ) المفسِّرةَ؛ لأن التوصية في معنى القول.
واللام في ﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس يتناول الكتبَ السماوية؛ لأن المراد: ولقد وصينا الأمم السالفة كلَّها ووصيناكم؛ أي: هذه التوصيةُ قديمةٌ ما زال يوصي الله تعالى به عبادَه لستُم مخصوصين به، فإن السعادة في التقوى، وفيه تفخيمٌ لأهل التقوى.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لأن المعنى: أمرناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إنْ تكفروا فإنَّ للّهِ الخلقَ كلَّه، لا يتضرَّر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفِع بشكركم وتقواكم، وإنما وصَّاكم لرحمته لا لحاجته.
ثم بيَّن بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلق وعبادته ﴿حَمِيدًا﴾ في حدِّ ذاته حُمد أو لم يُحمد، أنَّ (١) خلقه العالَمَ ليس لحاجته ومصلحته، فإنه كان غنيًّا قبل خلقه حميدًا قبل حمدِ الحامدين (٢).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تكريرٌ لبيان عظمته وغناهُ، وتقريرٌ لوجوب
стр. 1194
تقواه، فتقديمه على التوصية (١) تمهيدٌ لعظمته ومالكيَّته، وكونهِ أهلًا لأنْ يُتّقى ويطاع، والثاني لبيان غناه، وتأكيدٌ للأول في تقرير معناه، والثالثُ تقويةٌ لما ذكر من كونه حميدًا بلسان الكلِّ، وكونِ الأشياء كلِّها في طاعته وحمده وعبادته فلا يضرُّه كفركم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ اعتراضٌ مؤكِّدٌ لمالكيَّته ومدبِّريَّته للكلِّ ببيانِ أنه لم يَكِلْ أمورهم إلى غيره (٢)، فعليهم أن يطيعوه ويتوكَّلوا عليه، وفيه تسليةٌ للرسول ﷺ والمؤمنين، وفيما بعده تخويف وتهويل شديدٌ، وإيعادٌ وتهديدٌ بليغٌ لأعدائهم.
* * *
(١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يميتكم ويُفنيكم كما أوجدكم وأنشأكم، ومفعول ﴿يَشَأْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه الجواب.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾: وُيوجِدْ قومًا آخَرين مكانَكم يوالونه ﵇ ويؤمنون به، والخطاب لمَن يعاديهِ من كفار العرب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ من الإعدام والإيجاد.
﴿قَدِيرًا﴾ هو إذ لا يَمتنعُ شيء على قدرته وإرادته.
ويُروَى: أنها لمَّا نزلت ضرب رسول الله ﷺ ظهر سلمان وقال: "إنهم قومُ هذا" [يريد] أبناءَ فارسَ (٣).
стр. 1195
(١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالمجاهد يطلب الغنيمة بجهاده.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا وجه لإرادته فعند الله ثوابُ الدارين، فما له يطلبُ الأخسَّ ويترك الأشرفَ، وفي الحديث: "إنَّ الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطىِ الآخرة على نية الدنيا" (١)، فإن الأشرف يستتبَعُ الأخسَّ دون العكس، فمَن جاهد لوجه الله لم تَفُتْهُ الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمةُ بجنبه كَلَا شيءٍ، فلْيُرِدْ خيرَهما.
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بأحاديث نفوسكم.
﴿بَصِيرًا﴾ بنيَّاتكم وإرادتِكم في أعمالكم، وفيه وعيدٌ لمن وقف مع هوَى نفسه واختار الأخسَّ الفانيَ، ووعدٌ لمن أَخلص وجهه لله تعالى وطلب الأشرفَ الباقي.
* * *
(١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ملازِمينَ للعدالة دائِمِي القيامِ بها.
стр. 1196
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾: لوجه الله، وهو خبرٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لأنهم مأمورون بكونهم قوَّامين بالقسط مطلَقًا، فلا وجه لتقييده بحال الشهادة.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها، فإن الشهادة بيان الحق سواءٌ كان على نفسه أو على غيره.
﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أخَّره ولم يسلك طريق (١) الترقِّي لمكانِ قوله:
﴿إِنْ يَكُنْ﴾؛ أي: المشهود عليه.
﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة ولا تَجُوروا فيها ميلًا لغناه أو ترحُّمًا لفقره.
﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: بالغنيِّ والفقير، وبالنظر لهما، فلو لم تكن الشهادة عليهما (٢) صلاحًا لَمَا شَرَعها، وهو علة الجواب أُقيمت مقامه.
والضمير في ﴿بِهِمَا﴾ ليس للمذكور - أعني: أحدَ الجنسين - حتى يلزمَ إفرادُه، بل لِمَا دل عليه المذكور، أعني: مجموعَ الجنسين، فإن في اشتراط أحد الأمرين دلالةً على وجودهما في الجملة، وبهذا القَدْر من البيان لا يتم الكلام في هذا المقام، بل لا بد من بيان وجه العدول عن الظاهر، وجعل الضمير للمدلول دون المذكور، وهو أنه للقصد إلى تعميم أولويته، وأنْ لا يُتوهَّمَ أنها بالنسبة إلى الواحد فقط، وقراءة: (أولى بهم) شاهدة على إرادة الجنس (٣).
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾: كراهةَ أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا
стр. 1197
عن الحق، على أن يكون علةً للنهي وطلبِ الترك، أي: أنهاكم عن اتِّباع الهوى إرادةً لعدلكم، أو كراهةً لعُدولكم.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومةِ العدل.
وقرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ (١)، أي: وإنْ وَليْتُم إحداهما من إقامة الشهادة والحكومة.
﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن الشهادة بما عندكم، أو عن الحكومة بالعدل.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه.
* * *
(١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: دُوموا على الإيمان ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والخطاب للمسلمين.
أو: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بلسانكم، والخطاب للمنافقين.
أو: آمنوا إيمانًا عامًا يعمُّ الكتب والرسل، فإنَّ الإيمان بالبعض مع إنكار الباقي كلَا إيمانٍ، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، ويشهد له أنه رُوي أنَّ ابن سلَام وأصحابه قالوا: يا رسول الله! إنَّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفُر بما سواه، فنزلت (٢). ويساعده التفصيل في قوله:
стр. 1198
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، فإنه أُنزل منجَّمًا، ولهذا قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بخلاف سائر الكتب.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أُريد به الجنس، وفي ذكر (١) المنزل عليه في الأول بوصف الرسالة والإضافةِ إلى نفسه تعالى ما لا يخفى من التشريف والتعظيم له ﵇.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: ومَن يكفر بشيء من ذلك، وفي التعبير عنه بالوجه المنزل تنبيهٌ على أن الإيمان بتلك الجملة في حكم الإيمان بشيء واحد، فالكفر ببعضه في حكم الكفر بكله
﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.
* * *
(١٣٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ يعني: المنافقين؛ إذ هم المتلاعبون بالدِّين بالكفر مرة بعد أخرى، والإصرارِ على النفاق، وإفسادِ الأمر على المؤمنين، ولذلك جاء بعده: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ إظهارًا لحالهم، وإخبارًا عن مآلهم.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: ليس في عادته تعالى إرادةَ المغفرة لهم.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾؛ لأن قلوبهم ضَرِيَت بالكفر، وبصائرَهم عَمِيت عن الحق، وخبر (كان) في أمثال هذا محذوفٌ تُعلَّق به اللام؛ أي: لم يكن الله مريدًا ليغفر لهم.
стр. 1199
(١٣٨) - ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وضعُ ﴿بَشِّرِ﴾ مكان: أَنْذِر، تهكُّم بهم.
* * *
(١٣٩) - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الذم لا نعتٌ؛ لوجود الفاصل، فلا يُرتكب حيث لا ضرورةَ، أو في محل الرفع على الذم.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: كيف يطلبون العزة عند مَن ضُربت عليهم الذلة؟ ثم بيَّن امتناع حصول مطلبهم بحصر العزة في أولياء الله تعالى مع التأكيد بـ ﴿فَإِنَّ﴾ و ﴿جَمِيعًا﴾ بقوله:
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: ما العزةُ إلا لأولياء الله تعالى، الذين أعزَّهم بنصره، وكتب لهم العزة؛ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لا يؤبَهُ بعزة غيرهم بالإضافة إلى عزتهم.
* * *
(١٤٠) - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ، والخطاب للمؤمنين، والمنزَّل عليهم ما أنزل بمكة من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].
стр. 1200
وقرئ: ﴿نَزَّلَ﴾ على البناء للمفعول (١)، والقائمُ مقام فاعله:
﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ وهي المخفَّفة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتُم آيات الله، وهذا على طريقة قولهم: سمعتُ فلانًا يقول، فالمسموع هاهنا استهزاؤهم بآيات الله تعالى لا الآيات.
﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ حالان من الآيات، والأولى تمهيدٌ للثانية تعظيمًا لأمر الاستهزاء بالقرآن، وإنما جيء به لتقييد النهي عن المجالسة في قوله:
﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الضميرُ لِمَا دل عليه قوله: ﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾ من الكفرة.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، أي: غيرِ ما خاضوا فيه، والخوض: الشروع، و ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للنهي، وإنما جَعَل غايته الخوضَ في حديثِ غيره دون السكوت عنه؛ لأنَّه لا يدل على الفراغة عنه بخلاف الخوض بحديث آخر.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: إذا مكَثْتم معهم فأنتم مثلُهم في الوِزر؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم، والإنكارِ عليهم، ولم يُرَدْ به التمثيلُ من كلِّ وجه؛ لأن خوض المنافقين فيه كفرٌ، ومكثَ هؤلاء معهم معصيةٌ، إذ (٢) عدم إنكارهم عليهم لا يدل على الرضا، وعلى تقدير تسليم الدلالةِ عليه فالرضا بكفر الغير ليس بكفرٍ إذا لم يكن مع استحسانٍ له، وتخصيصُ الخطاب بالمنافقين لا يساعدُه السباق (٣)، ولا يقتضيه اللحاق، على ما ستقف عليه بإذن الله تعالى.
стр. 1201
و ﴿إِذًا﴾ ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يُذكر بعدها الفعل، وأُفرد ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأنَّه كالمصدر، أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع، وقرئ بالفتح على البناء لإضافته إلى مبنيٍّ (١).
قيل: لمَّا نزلت هذه الآية وكانوا إذا خاضوا في ذلك قام المخلصون فعلم المنافقون بذلك، فكانوا يكثرون الخوض فيه قصدًا إلى تفريقهم، ومن هنا ظهر وجه انتظام قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾؛ أي: جامع لذينك الفريقين ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ وقوله:
﴿جَمِيعًا﴾ لإحاطة إفرادهما، وسياق الكلام لذم المنافقين، وموجب ذلك أن لا يجتمع المذنبون من مخلي المؤمنين مع الكفار فيها، وذلك بخروجهم قبل أن يدخلوا.
* * *
(١٤١) - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ينتظرون تجدد حال بكم (٢)، وهذا بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ خاصةً، أو ذمٌّ مرفوع أو منصوب.
стр. 1202
وجوٍّ ز أن يكون مبتدأً والخبر قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وفيه ضعفٌ؛ لنبوِّ المعنى عنه، ولزيادة الفاء في غير محلها؛ لأن هذا الموصول غير ظاهرِ الشَّبه باسم الشرط.
﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مظاهرين لكم فأسهِموا لنا في الغنيمة.
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ و من الحرب فإنها سِجَال، وإنما سمَّى غلبةَ المؤمنين فتحًا، وغلبةَ الكفار (١) نصيبًا؛ تعظيمًا لشأن المسلمين (٢)، وتخسيسًا لحظِّ الكافرين؛ لأنَّ ظفَر أهل الإسلام أمر عظيم تُفتح له أبواب السماء، وينزل النصر على أوليائه، وأما غلبةُ الكفار فما هي إلا حظٌّ دنيءٌ كنار الوَقَح (٣).
﴿قَالُوا﴾ الكفرة: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نغلِبكم ونتمكَّنْ من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، والاستحواذ: الاستيلاء، وهذا (٤) جاء بالواو على أصله؛ كما جاء استَرْوَح واستَصْوَب (٥).
﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم، وتوانينا في مظاهرتهم، فأَشرِكونا فيما أَصبتم.
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أن ما في حقِّهم من الإمهال في الدنيا
стр. 1203
استدراجٌ لهم لا إهمالٌ لأمرهم، والفاءُ السببية للدلالة على أن الحكم الموعودَ عليهم لا لهم.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد (١).
* * *
(١٤٢) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ سبق الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ بضمِّ الكاف وفتحِها (٢): جمعُ كسلان؛ أي: متثاقِلينَ كالمكرَه على الفعل.
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ ليَخالوهم مؤمنين، والمراءاةُ مفاعَلةٌ بمعنى التفعيل كنعَّم وناعَمَ، أو للمقابلة، فإن المرائي يُري مَن يرائيه عملَه وهو يَرى استحسانه.
﴿كُسَالَى﴾ و ﴿يُرَاءُونَ﴾ منصوبان على الحال من ضمير ﴿قَامُوا﴾.
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، لاشتغالهم بأمور الدنيا، وتهالُكهم عليها. إمَّا عطفٌ
стр. 1204
على ﴿يُرَاءُونَ﴾، وإما حال من ضميره، قيل: إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرةِ مَن يرائيه وهو أقلُّ أحواله، ويأباه العطف بالواو، إذ حينئذٍ حقُّه العطفُ بالفاء (١).
* * *
(١٤٣) - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ متردِّدين بين الكفر والإيمان، من الذبذبة، وهو جعل الشيء مضطربًا، وأصله: الذب بمعنى الطرد. حالٌ من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾ أو ﴿يُرَاءُونَ﴾، أو منصوب على الذم.
وقرئ بكسر الذال؛ أي: يذبذِبون قلوبَهم أو دينَهم، أو يتذبذبون كقولهم: صَلْصَلَ بمعنى تَصَلْصلَ، وقرئ بالدال غير المعجمة بمعنى: أخذوا تارة في دُبَّةٍ وأخرى في دُبَّةٍ، وهي الطريقة (٢).
﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾: لا صائرينَ إلى أحد الفريقين بالكلية، وفي ذمِّهم بهذا الوجه دلالةٌ على أن النفاق أخبثُ من الكفر الصرف.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى الحق والصواب، اعتراض لبيان أن تلك الذبذبة من الله تعالى.
* * *
(١٤٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
стр. 1205
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه صنيع المنافقين وديدنُهم (١) فلا تتشبَّهوا بهم.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً بيِّنة، فإن موالاتهم دليل ظاهر على النفاق، والهمزة للإنكار والتقرير.
* * *
(١٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وهي الطبقة التي في قعر جهنم، وهي أشد عذابًا، ولذلك يقول الكافرون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
والنارُ سبع دركات، سمِّيت بذلك لأنها متدارِكةٌ متتابِعةٌ بعضُها تحت بعض.
والمنافقون أخبثُ الكفرة حيث ضَمُّوا إلى الكفر استهزاءً بالإسلام وخداعًا للمسلمين، ولذلك استحقُّوا أشدَّ العذاب.
وأمَّا قوله ﵇: "ثلاثٌ مَن كنَّ فيه فهو منافقٌ وإنْ صام وصلَّى وزعَم أنه مسلمٌ: مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخلف، وإذا ائْتُمِن خان" (٢) فمن باب التغليظ (٣).
وقرئ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بسكون الراء (٤)، وهو لغة كالسَّطْر والسَّطَر، والتحريكُ أوجَهُ لأنَّه يُجمع على أدراك.
стр. 1206
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يخرجهم منه.
* * *
(١٤٦) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وأسرارهم في حال النفاق.
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسَّكوا ووثِقوا به كما يثق المؤمنون الموقنون (١).
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بالبراءة عن الرياء، وتخصيصِ العبادة به تعالى، وابتغاءِ وجهه بالطاعات.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي ة أصحابهم ورفقاؤهم في الدارين.
﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم في الأجر.
* * *
(١٤٧) - ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ انكار لانتفاعه تعالى بعذابهم؛ أي: منزَّهٌ عن الأغراض التي إنما يعذِّب الملوك لأجلها لا يشتفي (٢) به من غيظ، ولا
стр. 1207
يدركُ به ثأرًا، ولا يَستجلِب به نفعًا، ولا يستدفِع ضرًّا، كما يفعل الملوك؛ لأنَّه الغنيُّ المطلَق الذي لا يجوزُ عليه شيء من ذلك، وإنما العذاب بمقتضى حكمته، فإن شكرتُم نعمته باستعمالها فيما يجب، وتوسَّلتم بها إلى معرفته، وآمنتُم به، فقد أبعدتُم استعدادكم عن استحقاق العقاب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ يُثيبكم بإيفاء أجوركم.
﴿عَلِيمًا﴾ بحق شكركم، وإنما قدِّم الشكر على الإيمان لأن أعظم الشكر هو الاستدلال بالنعمة على المنعِم الموصلُ إلى معرفته، ثم استعمالُها في طاعته، والاستدلالُ مقدَّم على الإيمان.
* * *
(١٤٨) - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ إنما ذكر هذا الوصف - مع أنه تعالى لا يحب السوء مطلقًا - لانطباقه بسبب النزول.
روي: أن رجلًا ضاف قومًا فلم يُطعموه، فأصبح شاكياً، فعُوتب (١) على الشكاية، فنزلت.
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلا جهرَ مَن ظُلم بالدعاء على الظالم، وذِكْرَه بما فيه من السوء، فالاستثناء متصل.
وقرئ: (ظَلَم) على البناء للفاعل على أنه منقطِعٌ (٢)؛ أي: ولكن الظالم يجهر
стр. 1208
بالسوء فاعلًا ما لا يحبه الله، أو على البدل من الفاعل؛ أي: لا يحبه إلا الظالمُ، على لغةِ مَن يقول: ما جاءني زيد إلا عمرٌو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرٌ و، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ يسمع قول المظلوم ﴿عَلِيمًا﴾ يعلم فعلَ الظالم.
* * *
(١٤٩) - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾: طاعة وبِرًّا.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: أو تفعلوه سرًّا.
﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ خصَّ العفو بالذكر مع أنه يَلزم القسمين؛ لكونه المقصودَ على أيِّ وجهٍ كان، وذكرُ إبداء الخير وإخفائه تشبيبٌ له (١)، ولذلك رتَّب عليه قوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يُكثر العفوَ عن العصاة مع القدرة على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنَّته، وتتخلَّقوا بخلُقه، فختم العفو بجعله صفةً لله تعالى، وبالحثِّ على الاتصاف به، وتعظيمِ صاحبه بأنه سميُّه.
* * *
стр. 1209
(١٥٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾) قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ توطئةٌ لـ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بدليل قوله:
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: بالإيمان والكفر بالرسل.
والمراد بالتوطئة: بيان أن الكفر بالرسل كفر بالله، فالتفريق خطأٌ ظاهر إذ لا واسطة بين الكفر والإيمان.
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: نؤمن ببعض الأنبياء، ونكفر ببعضهم.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، أومأ (١) في أول الآية أن الكفر بالبعض كفر بالكل، وصرَّح به في آخرها بقوله:
* * *
(١٥٠) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على سبيل الحصر، بتوسيط الضمير وتعريفِ ما بعده، أي: الكاملون في الكفر، وبالتأكيدِ بالمصدر فإن قوله:
﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكِّدٌ لغيره، أو صفةٌ لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًّا؛ أي: بَيِّناً محقَّقًا.
стр. 1210
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أراد: الإهانة في الغاية (١)، وإلا فمعلومٌ أنَّ العذاب لا يكون إلا مُهينًا.
* * *
(١٥٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿لَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أضدادُهم ومقابلوهم، وقد سبق وجهُ دخول (بيْن) على (أحد) في آخر سورة البقرة.
﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الموعودةَ لهم، وتصديرُه بـ ﴿سَوْفَ﴾ لتوكيد الوعد، والدلالةِ على أنه كائن لا محالة وإنْ تأخَّر.
وقرئ: ﴿يُؤْتِيهِمْ﴾ بالياء على تلوين الخطاب (٢).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِمَا فَرَط منهم.
﴿رَحِيمًا﴾ بتضعيف حسناتهم.
* * *
(١٥٣) - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
стр. 1211
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ نزلت في أحبارِ اليهود إذ قالوا: إن كنت صادقًا فائتنا بكتاب من السماء جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقيل: كتابًا محررًا (١) بخطٍّ سماويٍّ على اللوح كما كانت التوراة.
أو: كتابًا إلينا بأعياننا" كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
أو: كتابًا نعاينه حين ينزل، كما قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ (٢) حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].
﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ جواب لشرط محذوف دل عليه ﴿يَسْأَلُكَ﴾، أي: إن يسألوك (٣) ما كبُر عليك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، أي: فلك في الأنبياء أسوةٌ، ولهم في ذلك سابقةٌ.
وإنما قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا﴾ والسائلون أسلافهم؛ لأنهم على طريقة واحدة ورثوها كابرًا عن كابرٍ، فهم وأوائلُهم قوم واحدٌ على مذهبٍ واحد في التعنُّت، وعِرْقُهم راسخ في ذلك.
стр. 1212
﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: أَرِناه نرَه (١) جهرةً عيانًا، أو: مجاهرين معاينين له.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: نار جاءت من السماء فأهلكتهم.
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسيب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول (٢).
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: المعجزاتُ، ولا يجوز حملها على التوراة؛ لأن إتيانها بعد ذلك.
﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾، أي: تابوا فعفونا، فالفاء فصيحة، يرشدك إليه قوله في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢].
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: سلطانًا ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبةً عن اتخاذهم العجل.
* * *
(١٥٤) - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾: بسبب ميثاقهم ليَقبلوه.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ﴾؛ أي: بابَ إيلياءَ.
﴿سُجَّدًا﴾: مطأطِئين عند الدخول رؤوسَكم.
стр. 1213
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ﴾ على لسان داود ﵇، ويجوز أن يكون موسى ﵇ فإنه شَرَع السبت، ولكن كان الاعتداء (١) فيه، والمسخ في زمن داود ﵇.
﴿تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ (٢) على أن أصله: لا تعتدُوا، فأدغمت التاء في الدال.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على قولهم: سمعنا وأطعنا.
* * *
(١٥٥) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف، أي: بسبب نقضهم ميثاقهم وكفرهم وكذا وكذا فعلنا بهم؛ من تحريم الطيبات عليهم، واعتدادِ العذاب الأليم لهم، وحُذف لدلالة ما بعده عليه.
وإما بقوله: ﴿حَرَّمْنَا … وَأَعْتَدْنَا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بدلٌ من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وما عُطف عليه.
و (ما) مزيدةٌ للتأكيد، وتحقيقِ أن تحريم الطيبات عليهم واعتدادَ العذاب الأليم لهم لم يكن إلا بنقض العهد وما يتبعُه من الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء ﵈،
стр. 1214
وغيرِ ذلك، والفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوف تقديره: ثم نقضوا الميثاق، فبسبب نقضهم الميثاق فعلنا بهم ما فعلنا (١).
﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بما في كتابهم.
وقيل: بالقرآن، وفيه أنه حينئذ حقُّه أن يؤخَّر عن قوله:
﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة.
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مغشاةٌ بأغطيةٍ خَلْقيَّةٍ لا يصل إليها شيءٌ من الذكر والموعظة.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: لم تُخلق قلوبُهم غلفًا، بل طَبع الله عليهم وخذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إيمانًا قليلًا لا عبرةَ به لنقصانه، ويجوز أن تكون القلةُ كنايةً عن العدم، وقد سبق وجهُها في سورة آل عمران.
وأمَّا ما قيل: المعنى: إلا قليلًا منهم كعبد الله بن سلام، فيأباه التفريعُ على ما تقدم.
* * *
(١٥٦) - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بعيسى ﵇، وهو معطوفٌ على ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأنَّه من أسباب الطبع، أو على قوله (٢): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، ويجوز أن يُعطف مجموع هذا
стр. 1215
وما عُطف عليه على مجموع ما قبله، ويكونَ تكرير ذكر الكفر (١) إيذانًا بتكرير كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ﵉، ثم بمحمد ﷺ .
﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ يعني: نسبتَها (٢) إلى الزنا، والقولُ إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء.
ونصب: ﴿بُهْتَانًا﴾ على تضمين معنى: باهتين.
وقوله: ﴿عَظِيمًا﴾ تأكيدٌ لِمَا في تنكير ﴿بُهْتَانًا﴾ من التفخيم.
* * *
(١٥٧) - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالوه استهزاء (٣)؛ كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، ويجوز أن يكون استئنافًا بأنْ يضعَ الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيحِ في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى ﵇ عما يَذكرونه به.
و ﴿عِيسَى﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو عطفُ بيان، وكذلك ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ويجوز أن يكون صفةً أيضًا.
стр. 1216
وأجاز أبو البقاء في ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه الأوجُهَ الثلاثة (١)، إلا أن البدل في المشتقات قليل، وقد يقال: إن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ جرى مجرى الجوامد.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ تخصيصٌ بعد التعميم لكونه محلَّ الاهتمام، أو نفيٌ لما ظنهم (٢) من أنهم قتلوه ثم صلبوه.
﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مسنَدٌ إلى الجار والمجرور، كأنه قيل: وقَع لهم التشبيهُ (٣)، أو إلى ضمير المقتول المدلول عليه بقوله: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ كأنه قيل: شُبِّه لهم مَن قتَلوه.
رُوي أنه دخل رجل من اليهود بيتًا كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبَهه، فلمَّا خرج ظُنَّ أنه عيسى ﵇ فأُخذ وصُلب، وأمثالُ ذلك من الخوارق لا يُستبعد في زمان النبوة.
وقيل: إن رهطًا من اليهود سبُّوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ، فاجتمعت اليهود على قتله، فأَخبر الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيُكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي فيقتلَ ويصلبَ ويدخل الجنة؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقُتل وصُلب.
وإنما ذمَّهم الله بما دل عليه الكلام من جرأتهم على الله، وقصدِهم قتلَ نبيِّه المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، وتبجُّحهم به، لا بقولهم هذا على حسبانهم.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في شأن عيسى ﵇، وذلك أنه لمَّا وقعت تلك
стр. 1217
الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبًا فقتلناه حقًّا، وتردَّد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا! وقال مَن سمع منه أن الله تعالى يرفعني إلى السماء: إنه رفع إليها، وقال قوم: صُلب الناسُوتُ وصعد اللاهوت.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من أمره، والمراد من الشك: التردُّد، ولمَّا احتَمَل أن يكون الوقوع في الشك لأكثرهم (١) دفعه بقوله:
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٍ من جنس العلم.
﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ.
هذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ (٢) على الثبوت والتقريرِ (٣) إنما تساعد هذا.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: وما قتلوه قتلًا يقينًا، أو حالٌ؛ أي: وما قتلوه متيقِّنين فيما ادَّعوا من قولهم: إنا قتلنا المسيح، أو تأكيدٌ لـ (ما قتلوه) كأنه قيل: وما قتلوه حقًا؛ أي: حقَّ انتفاءُ قتله حقًّا، وهو تأكيد لغيره.
* * *
стр. 1218
(١٥٨) - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردٌّ وإنكار لقتله، وإثباتٌ لرفعه إلى منزلةٍ عاليةٍ مما كان فيه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغلب على ما يريده.
﴿حَكِيمًا﴾ في تدابيره، ويدخل فيه دخولًا أوليًّا ما دبَّره في أمر عيسى ﵇.
* * *
(١٥٩) - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جملةٌ قَسَميةٌ وقعت صفةً لـ (أحد)، ويعود إليه الضمير الثاني، والأولُ لعيسى ﵇؛ أي: ما من يهوديٍّ ولا نصرانيِّ إلا ليؤمننَّ قبل أن يموت، ولو حين تزهقُ روحه، ولا ينفعه إيمانه بأنَّ عيسى ﵇ عبد الله ورسوله.
ويؤيد ذلك أنه قرئ: (إلا ليؤمِنُنَّ به قبل موتهم) بضم النون؛ لأن أحدًا في معنى الجمع (١)، وهذا كالوعيد لهم والتحريضِ على معاجلة (٢) الإيمانِ به قبل أن يُضطروا إليه ولا ينفعهم إيمانهم.
وقيل: الضميران لعيسى ﵇، والمعنى: أنه إذا نزل من السماء آمَن به أهل الملل (٣) جميعًا، فتكون الملة واحدةً وهي ملة الإسلام، وهذا يقتضي تخصيصَ ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بالذين هم يوجدون عند نزوله ﵇، وتعميمَ الحكم لغير
стр. 1219
الكتابي أيضًا، فعلى ما ذكر يكون في المنزَل تخصيصٌ في موضع التعميم، وتعميمٌ في موضع التخصيص.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تقديمُه للتخصيص.
﴿يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود بالتفريط في حقِّه، وعلى النصارى بالإفراط فيه.
* * *
(١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يعني: ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، والتنكير في (بظلمٍ) للتعظيم، وتقديمُه على ما تعلَّق به يفيد التخصيص.
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أناسًا كثيرًا، أو: صدًّا كثيرًا، وإنما أُعيدت الباء هنا دون في (١) ﴿وَأَخْذِهِمُ﴾ وما بعده؛ للفصل بين المعطوفين بما ليس معمولًا للمعطوف عليه، بخلافِ الفصل فيما بعده، فإن الفاصل ثمةَ بالمعمول (٢) للمعطوف عليه.
* * *
(١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
стр. 1220
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: نهيَ تحريمٍ، بدلالة السياق، فلا دليل فيه على أن النهي المطلَق يدل على التحريم.
﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرَّمة.
﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ دون مَن تاب وآمَنَ.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الغاية (١).
* * *
(١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كعبد الله بن سلَام وأصحابه.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: منهم، أو من المهاجرين (٢) والأنصار.
﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ خبر المبتدأ.
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصلاة، أو عطفٌ على (ما أنزل إليك)، والمراد بهم ا لأنبياء ﵈؛ أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء.
وقرئ بالرفع عطفًا على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، أو الضميرِ في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، أو على أنه مبتدأ والخبر: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾.
стр. 1221
﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ورفعُه لأحد الوجوه (١) المذكورة.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قدِّم عليه الإيمان بالأنبياء والكتب، وما يصدِّقه من اتِّباع الشرائع؛ لأنَّه المقصود من الآية.
﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
* * *
(١٦٣) - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ بدأ به ﵇ لأنَّه أول مَن شُرِعت له الشرائع، وسنَّت له السنن.
﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتاب [عن اقتراحهم] (٢) أن ينزِّل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم؛ لأن إبراهيم ﵇ أولُ أُولي العزم، وعيسى ﵇ آخرُهم، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرُهم، وإنما لم يُذكر موسى ﵇ هاهنا لأن له طريقةً مخصوصة على
стр. 1222
ما سيأتي التصريح بها، وأيضًا قد أُنزل عليه كتاب من السماء دفعةً واحدة فلا يناسب ذكرَه في الردِّ على ما طلب من مِثل (١) ذلك.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقرئ: ﴿زَبُورًا﴾ بالضم (٢)، وهو جمع زِبْرٍ بمعنى مَزبورٍ.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ دلَّ عليه ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ (٣)، أو بما فسَّره: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ [أي: من قبلِ] هذه السور أو اليومِ.
﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهو منتهَى مراتب الوحي، خُصَّ به موسى ﵇ من بينهم.
قوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ لدفع المجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكنْ لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقَق به لم يكن إلا حقيقةَ الكلام.
* * *
(١٦٥) - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
стр. 1223
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ منصوبٌ على المدح، أو على التكرير للتأكيد، أو على الحال الموطِّئة كقولك: مررت بزيد رجلاً صالحًا.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ لئلا يقولوا: لو لا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له.
ومَن قال (١): وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، واكثرِ عن إدراك كلياتها= فلم يتنبَّه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكرُ بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
واللام متعلقة بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أو بقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، و ﴿حُجَّةٌ﴾ اسمُ كان، وخبرُه ﴿لِلنَّاسِ﴾، أو ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ والآخَرُ حال، ولا يجوز تعلُّقه بـ ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنَّه مصدر، و ﴿بَعْدَ﴾ ظرف لها أو صفةٌ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب (٢) فيما يريد.
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّره، ويدخل فيه تدبيرُه في النبوَّة وتخصيصُ كل نبيٍّ من الأنبياء المذكورين بما خُص به دخولًا أوليًا.
* * *
(١٦٦) - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
стр. 1224
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ استدراكٌ عما دلَّ عليه سؤالُهم، فإنه لمَّا أجاب عن اقتراحهم إنزالَ كتاب من السماء تعنُّتًا، وأحتج عليهم بأن طريق الوحي المنزل على جميع الأنبياء ﵈ على هذا الأسلوب، دل على أنهم لا يشهدون به، وإلا لم يسألوا لوضوحه ولم يتعنَّتوا، فقال: [إنهم لا يشهدون] (١) لكن الله يشهد، وإنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرِّره.
﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز الدالِّ على نبوتك، رُوي أنه لمَّا نزل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٣] قالوا: ما نشهد لك، فنزلت (٢).
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ حال؛ أي: ملْتبِسًا بعلمه، جملة مفسِّرة أُوردت بيانًا للشهادة؛ أي: بعلمه الخاص وهو العلم بتأليفه على وجه يَعجز عنه كل بليغ، أو بحالِ مَن يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، وعلى هذا يكون الحال عن المفعول، وعلى الأولَينِ عن الفاعل.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا بنبوَّتك.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وكفى بما أقام به من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.
* * *
(١٦٧) - ﴿نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
стр. 1225
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لجمعهم بين الضلال والإضلال، ولأن المضلَّ يكون أعرق في الضلال، وأبعدَ عن الانقلاع عنه.
* * *
(١٦٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بإنكار نبوة محمد ﷺ .
﴿وَظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالضلال وغيرَهم بالصد والإضلال.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى المغفرة لهم ما داموا على ذلك.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾؛ لامتناعهم عن قبول ذلك.
* * *
(١٦٩) - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ لانجذابهم إليها بهواهم، ولا يهديهم يوم القيامة إلا طريقَها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لجري حكمه السابق ووعده المحتوم على أن مَن مات على الكفر فهو لا يخرج من النار، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدَّرة.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يصعب عليه ولا يستعظمه.
* * *
стр. 1226
(١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ الباء إما للتعدية؛ أي: بالكتاب أو الدِّين الذي هو الحق، أو للمصاحبة؛ أي: ملْتبسًا بالحق.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا قرَّر أمر النبوة، وبيَّن الطريق إلى العلم بها، ووعيدَ مَن أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة، والوعد بالإجابة، والوعيد على عدمها.
﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي: إيمانًا (١) خيرًا لكم، أو: ائتوا خيرًا لكم مما أنتم عليه (٢).
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن الله تعالى غنيٌّ عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم؛ لأن له ما في العالَم كله، فحُذف الجزاء وأقيم تعليله مقامه، وعبِّر عن العالم بقطريه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال العالَم.
стр. 1227
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر له (١).
* * *
(١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تُجاوزوا حدَّ الحق، وهو خطاب لليهود في وضع شأن عيسى ﵊ حتى سمَّوه ولد الزنا، وغلوِّ النصارى برفعه حتى قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: هو ابنه وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة.
﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وهو اصطفاؤه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وتنزُّهه عن الشريك والصاحب والولد.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وقد سبق تفسيرُه.
﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصَلَها (٢).
стр. 1228
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: صدر منه بلا توسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة، وسُمي روحًا لأنَّه كان يُحيي الأموات أو القلوب.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي آمِنوا باللّه بأنه إلهٌ واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وبعيسى ﵊ بأنه عبده ورسوله، ولمَّا كان تكذيبه تكذيبًا للرسل كلهم قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ تعظيمًا لشأنه، وبهذا البيان اتَّضح وجه التفريع على ما تقدم.
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اللهُ ثلاثةٌ، على ما استفاض من قولهم بثلاثة أقانيم: الآب أرادوا به الذات، والابن وأرادوا به العلم، وروح القدس وأرادوا به الحياة، والإلهية ثلاثة: الله والمسيح ومريم على ما ذكر في قوله تعالى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ نصبُه كما سبق.
﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: واحد بالذات لا تعدُّد فيه بوجهٍ من الوجوه.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أُسبِّحه تسبيحًا من أن يكون له ولد، فإنه يكون لمن يعادله (١) أحد.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وحقَّا لا يعادله بشيء من ذلك فهو كالدليل لمَا تقدم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أي: لأنَّه تعالى كافٍ في تأثير العالم وتدبيره، وعلى تقدير وجود الشريك يلزم أحد المحذورين: عدمُ كفايته تعالى في التأثير والحفظ، وعدمُ كون الشريك شريكًا.
* * *
стр. 1229
(١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأنف، من نَكَفْتُ الدَّمع (١): إذا نحَّيتَه بأصبعك لئلا يرى أثره عليك.
﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: من أن يكون عبدًا له تعالى، فإن عبوديته شرفٌ يباهي به، وإنما المذلة (٢) والاستنكاف في عبودية غيره.
رُوي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللّه ﷺ : لمَ تعيبُ صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيء أقول؟ "، قالوا: تقول: إنه عبد الله، قال: "إنه ليس بعارٍ أن يكون عبدًا لله" قالوا: بلى، فنزلت (٣).
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطف على ﴿الْمَسِيحُ﴾؛ أي: ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله.
لمَّا كان عيسى ﵊ ممتازًا عن بني نوعه بأمرين صالحين لأن يعظَّم بهما ويُظنَّ أنه يستحق بذلك أن يُرفع عن منزلة العبودية:
أحدهما: كونه ﵊ مخلوقًا من غير أب.
والثاني: كونه مرفوعًا إلى السماء.
стр. 1230
وكلٌّ من هذين الأمرين حاصل للملائكة المقرَّبين على وجه أقوى وأكمل - أما الأول: فلأنهم فخلوقون من غير أب وأم، وأما الثاني: فلأنهم ساكنون فوق العرش - كان المناسبُ أن يذكروا بعد عيسى ﵊ على وجه الترقِّي.
وبما قرَّرناه ظهر وجه تقييدهم بالمقرَّبين، واتَّضح أنه لا متمسَّك في الآية لمن ذهب إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ في عطف ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ على ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ نوعُ مبالغة؛ لأن الاستكبار دون الاستنكاف في الترفُّع، إن في الاستنكاف توهُّمَ لحوق العار والنقص، وفي الاستكبار طلبَ العلوِّ والكبرَ بغير الاستحقاق فحسب.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه سواه؛ كما يقال: صار أمر فلان إلى القاضي؛ أي: لا يملكه غيري، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه القاضي.
* * *
(١٧٣) - ﴿(١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: