← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

(١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ الباء إما للتعدية؛ أي: بالكتاب أو الدِّين الذي هو الحق، أو للمصاحبة؛ أي: ملْتبسًا بالحق. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا قرَّر أمر النبوة، وبيَّن الطريق إلى العلم بها، ووعيدَ مَن أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة، والوعد بالإجابة، والوعيد على عدمها. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي: إيمانًا (١) خيرًا لكم، أو: ائتوا خيرًا لكم مما أنتم عليه (٢). ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن الله تعالى غنيٌّ عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم؛ لأن له ما في العالَم كله، فحُذف الجزاء وأقيم تعليله مقامه، وعبِّر عن العالم بقطريه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال العالَم.

стр. 1227

﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر له (١). * * * (١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تُجاوزوا حدَّ الحق، وهو خطاب لليهود في وضع شأن عيسى ﵊ حتى سمَّوه ولد الزنا، وغلوِّ النصارى برفعه حتى قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: هو ابنه وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة. ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وهو اصطفاؤه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وتنزُّهه عن الشريك والصاحب والولد. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وقد سبق تفسيرُه. ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصَلَها (٢).

стр. 1228

﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: صدر منه بلا توسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة، وسُمي روحًا لأنَّه كان يُحيي الأموات أو القلوب. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي آمِنوا باللّه بأنه إلهٌ واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وبعيسى ﵊ بأنه عبده ورسوله، ولمَّا كان تكذيبه تكذيبًا للرسل كلهم قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ تعظيمًا لشأنه، وبهذا البيان اتَّضح وجه التفريع على ما تقدم. ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اللهُ ثلاثةٌ، على ما استفاض من قولهم بثلاثة أقانيم: الآب أرادوا به الذات، والابن وأرادوا به العلم، وروح القدس وأرادوا به الحياة، والإلهية ثلاثة: الله والمسيح ومريم على ما ذكر في قوله تعالى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ نصبُه كما سبق. ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: واحد بالذات لا تعدُّد فيه بوجهٍ من الوجوه. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أُسبِّحه تسبيحًا من أن يكون له ولد، فإنه يكون لمن يعادله (١) أحد. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وحقَّا لا يعادله بشيء من ذلك فهو كالدليل لمَا تقدم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أي: لأنَّه تعالى كافٍ في تأثير العالم وتدبيره، وعلى تقدير وجود الشريك يلزم أحد المحذورين: عدمُ كفايته تعالى في التأثير والحفظ، وعدمُ كون الشريك شريكًا. * * *

стр. 1229

(١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأنف، من نَكَفْتُ الدَّمع (١): إذا نحَّيتَه بأصبعك لئلا يرى أثره عليك. ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: من أن يكون عبدًا له تعالى، فإن عبوديته شرفٌ يباهي به، وإنما المذلة (٢) والاستنكاف في عبودية غيره. رُوي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللّه ﷺ : لمَ تعيبُ صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيء أقول؟ "، قالوا: تقول: إنه عبد الله، قال: "إنه ليس بعارٍ أن يكون عبدًا لله" قالوا: بلى، فنزلت (٣). ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطف على ﴿الْمَسِيحُ﴾؛ أي: ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله. لمَّا كان عيسى ﵊ ممتازًا عن بني نوعه بأمرين صالحين لأن يعظَّم بهما ويُظنَّ أنه يستحق بذلك أن يُرفع عن منزلة العبودية: أحدهما: كونه ﵊ مخلوقًا من غير أب. والثاني: كونه مرفوعًا إلى السماء.

стр. 1230

وكلٌّ من هذين الأمرين حاصل للملائكة المقرَّبين على وجه أقوى وأكمل - أما الأول: فلأنهم فخلوقون من غير أب وأم، وأما الثاني: فلأنهم ساكنون فوق العرش - كان المناسبُ أن يذكروا بعد عيسى ﵊ على وجه الترقِّي. وبما قرَّرناه ظهر وجه تقييدهم بالمقرَّبين، واتَّضح أنه لا متمسَّك في الآية لمن ذهب إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ في عطف ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ على ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ نوعُ مبالغة؛ لأن الاستكبار دون الاستنكاف في الترفُّع، إن في الاستنكاف توهُّمَ لحوق العار والنقص، وفي الاستكبار طلبَ العلوِّ والكبرَ بغير الاستحقاق فحسب. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه سواه؛ كما يقال: صار أمر فلان إلى القاضي؛ أي: لا يملكه غيري، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه القاضي. * * * (١٧٣) - ﴿(١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:

стр. 1231

لا خفاء في أن الآية مشتملة على ذكر الفريقين، فالتفصيل مطابق للمفصَّل، وضمير المفعول في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ عائد إلى الجمع، أي: يجمع الكل من المستنكفين ومقابِليهم إليه للمجازاة، فقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ تفصيلٌ لِمَا ذكر وبيانٌ لمآل أحد الفريقين، وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ إلخ بيانٌ لحال الفريق الآخر. والتعبير عن الأول بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لتعميم الحكم المذكور بما عدا عيسى والملائكةَ المقربين من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، والتنبيهِ على أن ترك الاستنكاف والاستكبار أثرُ الاعتقاد الصحيح والاعتبارِ بالعمل الصالح. وأما ما قيل: الضمير المذكور للفريق الثاني، والمعنى: فسيحشرهم لمجازاتهم فإن إثابة مقابِليهم والإحسان إليهم تعذيبٌ لهم بالغم والحسرة = فلا يساعده دخول كلمة (أمَّا) على الفريقين. * * * (١٧٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ البرهان هو دينُ الحقِّ، أو رسولُ الله ﵊، والنورُ المبين هو القرآن المعجِز البيِّن بنفسه المُبيِّنُ للدِّين والمصدِّقُ للرسول ﵊، والمراد بهما القرآن باعتبار كونه حجةً على الناس مبيِّنًا للأحكام.

стр. 1232

أو البرهانُ: المعجزات (١)، والنورُ: القرآن، يعني: تعاضَد دليلا العقل والنقل فلم يبقَ لكم عذر. * * * (١٧٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الفاءُ فصيحةٌ للعطف على قرينه المحذوف، وإنما حذف للدلالة على فظاعة شأن مَن يكفرُ بالله ولم يعتصِم به واعتصم بالطاغوت. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾: ثوابٍ عظيمٍ موعودٍ على الإيمان والعمل الصالح رحمةً منه، لا قضاءً لحقٍّ وجَب عليه. ﴿وَفَضْلٍ﴾: إحسانٍ زائدٍ على الموعود. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الله، وقيل: إلى الموعود. ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريقُ الجنة في الآخرة. * * * (١٧٦) - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 1233

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: في الكلالة، حُذف لدلالة الجواب عليه. رُوي: أن جابر بن عبد اللّه ﵁ مرض فعاده رسول الله ﷺ ، فقال: إني كلالةٌ فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (١)، وهي آخِرُ ما نزل في الأحكام. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ سبق تفسيرها في أوائل السورة. ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمَر يفسِّره الظاهر، و ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفةٌ له، ولا يجوز أن يكون حالًا عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود (٢). وربما يُدَّعَى أنه لا ضمير فيه؛ لأنَّه تفسير للفعل فقط. والواو في ﴿وَلَهُ﴾ تحتمِل الحالَ والعطف. والمراد من الأخت من الأب أعمُّ من أن تكون من الأم أيضًا أو لا؛ لأنَّه جُعل أخوها عصبةً، وابنُ الأم لا يكون عصبة، والولد على ظاهره فإنَّ الأخت وإنْ ورثت مع البنت عند عامة العلماء لكنها لا ترث بالفرض. ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ أي: والمرءُ يرث أخته إن كان الأمر بالعكس. ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن الابن يُسقطه، والبنتُ وإن لم تسقطه

стр. 1234

لكنها مَنعت حيازته المال، وهي الظاهر المتبادِر من إطلاق ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾، كما أن الظاهر من إطلاق الولد ما يتناول البنت. والآيةُ كما لم تدلَّ على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدلَّ على عدم سقوطهم به، وقد دلَّت السنَّة على سقوطهم بالأب. ومن بِدَعِ الكلام (١): ما خطر ببعض الأوهام، في هذا المقام؛ من أنه يجوز أن يُدلَّ بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الولد أقربُ إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأَولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولا يخفى على ذوي الأفهام، أنه لا انتظام له مع ما سيق له الكلام؛ لأن الحكم المطلوب ليس هو إرثَ الأخ عند انتفاء الوالد (٢)، بل عدمُ إرثه عند وجوده، ثم إن ما ذكره في معرض التعليل غيرُ مسلَّم. ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ الضمير لمن يرث بالأخوة، لكنْ طُوبق بالضمير الخبرُ في التثنية كما طوبق به في قولهم: مَن كانت أمك؟ في التأنيث، وكذا في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾ طوبق به في الجمع وغلِّب التذكير، وفائدة الإخبار عنه باثنتين: التنبيهُ على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما. ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قد سبق ما يتعلق به في أوائل السورة.

стр. 1235

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: بيَّن الأحكام كلها في الحياة والممات، ولمَّا كان المفعول عامًّا معلومًا حذف وجعل الفعل كاللازم. ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: كراهةَ أن تضلوا. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالِمٌ بمصالح حياتكم ومماتكم في الدنيا والآخرة (١). * * *

стр. 1236

سُورَةُ المَائِدَةِ مدنية مئة وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تشريفٌ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ تكليفٌ، ولمَّا علم أن في التكليف بإيفاء العقود كلِّها كلفةً قدَّم التشريف بالنداء على التكليف بالأداء. والوفاءُ والإيفاءُ: القيام بمقتضى العهد. والعَقْد: العَهْدُ الموثَّق، فإن العهد إلزامٌ والعقدَ التزامٌ على سبيل الإحكام. شبَّه العهد بالحبل، وشبَّه الموثَّق منه - كالعزيمة الموثَّقة بالأمر الموجَب - بعقد الحبل، والظاهر نظرًا إلى براعة الاستهلال وما فيها من التفصيل بعد الإجمال: أن المراد عقود الله تعالى عليهم في دِينه الكريم من التحليل والتحريم، وحالُ سائر ما يجب الوفاء به من العقود يُعلم بطريق الدلالة، وفي هذه الإحالة إعمالُ النص عبارةً ودلالةً، والإعمال خير من الإهمال. ولشدَّة الاعتناءِ بتلك العقودِ أَمَرنا بالوفاء بها مجمَلًا، ثم فصَّلها بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ إلى آخر الأحكام، والبهيمة: كلُّ حيٍّ لا يميز، ثم اختص بذوات الأربع، وإضافتُها إلى الأنعام للبيان، ومعناه: البهيمة من الأنعام؛

стр. 1237

لقوله تعالى في سورة الحج (١): ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ [الحج: ٣٠]، وهي الإبلُ البقر والغنم، سميت بذلك للِين (٢) مسِّها، وزيدَ هنا عبارة البهيمة إشارةَ إلى ردِّ قول الثَّنَوية الذين لا يَرون ذبح الحيوانات وأكلَها، ويقولون: هي بهائم لا تَعقل، وأكلها من القسوة وقلة الرحمة. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾؛ أي: يُبيَّن (٣) لكم حالُه، يعني: من جهة الحرمة بقرينة الاستثناء من التحليل، وهذا أبلغ إيجازًا في التعبير، والمصيرُ في مثل هذا إلى التقدير مِن ضِيق العَطَن كما لا يخفى على أصحاب الفِطَن. وفيه بيان أن (٤) التحريم لا يكون إلا بنصٍّ متلوٍّ (٥). ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ حالٌ من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿الصَّيْدِ﴾ يحتمِل المصدرَ والمفعول. ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿مُحِلِّي﴾، والحُرُم: جمع حرامٍ، وهو المُحْرِم، وتقديره: أَحِلُّوا بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين لها في الإحرام إذا كان صيدًا، والأنعام يتناولها لأن البقرة الوحشية منها والظباءُ كالعُنوز، فالمستثنى منه ينتظمها

стр. 1238

دلالةً، وإذا أَحَلَّ لهم بعض الإنعام في حال امتناعهم من الصيد فبأَنْ يُحِلَّها لهم وهم غيرُ محرِمين بطريق الأَولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أراد به التعميم، ودخل فيه التحليل والتحريم دخولًا أوليًّا، فلا مساغَ للسؤال بأن الصيد أحقُّ بالإحلال من الأنعام في حالة الإحرام؟ * * * (٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: جمع شعيرة، وهي اسم ما أُشعر؛ أي: جُعل شعارًا، سُمي به أعمالُ الحج ومَواقفه لأنها علاماته وأعلام النُّسك، والمراد بإحلال الشعائر وما يتبعها: التهاون بحرمتها، والتعرُّض لها (١)؛ كالحيلولة بينها وبين المتنسِّكينَ بها، وإحداثِ ما حرَّمه الشرع في الشهر الحرام من صيد وغيره، ومنعِ الهدي وغَصْبه. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: اسمُ جنسٍ (٢) يقع على الأشهر الحرُم كلِّها. ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾: ما أُهدي إلى الكعبة، جمع هَدْيةٍ؛ كجَدْيٍ في جمع جَدْيَةٍ. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾؛ أي: ذواتِ القلائد من الهدْي وهي البُدْن، وفي عطفها على

стр. 1239

الهَدْي إظهارُ فضلها، أو القلائدُ أنفسها، وفيه المبالغة في النهي عن التعرُّض للهَدي. والقلائد: جمع قِلادةٍ، وهو ما قلِّد به الهديُ من نعلٍ أو لحاءِ شجرٍ ليُعلَم به أنه هديٌ فلا يُتعرضَ له. ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: قاصدين زيارتَه (١). ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أنْ يثبِّتهم ويرضى عنهم، والجملة حالٌ من المستكن في ﴿آمِّينَ﴾ لأن التقدير: ولا قومًا آمِّين، ولا يجوز أن يكون صفةً لـ ﴿آمِّينَ﴾ إذ المختارُ أنه إذا عمل قام مقام الفعل فلا يوصف (٢)، وفائدتُه: تعظيمهم، والتنبيهُ (٣) على علة وجوب الامتناع عن التعرُّض لهم، واستنكارُ أن يُتعرَّض لقوم هذه صفتُهم. وقالوا: المراد من ابتغاء فضل الله تعالى طلبُ الرزق بالتجارة؛ أي: سواءٌ قصدوه لمصلحة الدنيا أو لمصلحة الآخرة، والعطف بالواو الواصلة دون (أو) (٤) الفاصلة لدفعِ وهم منع الجمع بينهما، وسببُ النزول إنما يساعد هذا؛ إذ روي: أنها نزلت في عام قضاء العمرة في حجَّاج اليمامة لمَّا همَّ المسلمون أن يتعرَّضوا لهم

стр. 1240

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١] بسبب أنه كان فيهم الحُطَمُ شريحُ بن ضَبيعةَ، وكان قد استاق سرحَ المدينة (١)، وعلى هذا فالآيةُ منسوخة. والمراد من الرضوان ما في زعمهم؛ لأن الكافر لا نصيبَ له منه. وقرئ: (تبتغون) على خطاب المؤمنين (٢). ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ وقرئ: (أَحْلَلْتُم) (٣)، يقال: حلَّ المحرِمُ وأَحَلَّ. ﴿فَاصْطَادُوا﴾ إذْنٌ في الاصطياد بعد زوال المحرِّم. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يَحملنَكم ولا يَكْسِبَنَكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: شدةُ بغضهم، وهو مصدرٌ أضيف إلى المفعول أو الفاعل، وقرئ بسكون النون (٤)، وهو أيضًا مصدر كليَّان (٥)، أو نعتٌ بمعنى: بُغضُ قوم، وفَعْلان في النعت أكثرُ. ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٦): لِأَنْ يصدُّوكم عنه، يعني: عامَ الحديبية، وقرئ بكسر الهمزة (٧) على أنه شرطٌ معترِض أغنى عن جوابه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.

стр. 1241

﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ بالانتقام، وهو ثاني مفعولي ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ فإنه يتعدى إلى مفعولٍ وإلى اثنين ككَسَبَ، ومَن قرأ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء (١) جعله منقولًا من المتعدِّي إلى مفعولٍ بالهمزة إلى مفعولين. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: على فِعل الإحسان وتركِ العصيان بالعفو والإغضاء. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذف إحدى التاءين تخفيفًا. ﴿عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ للتشفي والانتقام، والإثم: الوِزْر، والعدوان: مجاوزة الحد. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وما اتَّقاه، والعقاب: ما يَعْقبُ الجُرم مما يَسوءُ صاحبَه. * * * (٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بيانُ ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ والميتة: ما يموت بغير تَذْكيَة.

стр. 1242

﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكان أهل الجاهلية يصبُّونه في الأمعاء ويَشوونها. ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أُريد بلحمه: ما يؤكل منه مطلقًا على طريقةِ ذِكر الجزءِ وإرادةِ الكلّ. ﴿وَمَا أُهِلَّ﴾ أي: رُفع الصوتُ ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وهو قولهم: باسم اللات والعزى، ونحوُه، عند ذبحه. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي ماتت بالخنق. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي ماتت بضرب خشبٍ (١) أو حجرٍ، والوَقْذ: شدَّة الضرب. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَردَّتْ من عُلوٍ أو في بئرٍ فماتت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: التي ماتت من نطحِ أخرى، والتاء للنقل (٢). ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: أكله ذو ناب وأظفار من الحيوان، يعني: افترسه فأهلكه (٣)، سواءٌ أكل منه أو لم يأكل، والاستثناءُ الآتي ذكرُه قرينةٌ لعدم إرادة الحقيقة من الأكل، وفي تقدير: منه، إخراجُ ثاني القِسمين المذكورين عن حيِّز الإرادة، ولا وجه له لعدم الفرق بينهما في الحرمة (٤).

стр. 1243

﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أطلق الذَّكاة لينتظِم غيرَ الاختياري، وهي بالتسمية عند إرسال الجارح، والشرع إنما اعتبر قطعَ الحلقوم والمريِ بمحدَّدٍ في الذكاة الاختياري، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: إلا ما أدركتُم ذكاتَه وفيه حياةٌ مستغرق (١)، ثم إنَّ قيد الاستقرار لا يصحُّ اعتباره عندنا ولا عند الشافعي ﵀ على الأشهر من قوله، والاستثناء مما يَقبل الذَّكاة من الخمسة المذكورة. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ هو واحد الأنصاب، كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها وَيشرحون اللحم عليها يعظِّمونها بذلك، يَعُدُّونه قربةً يسمونها الأنصاب. ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ عطفٌ على ﴿الْمَيْتَةُ﴾ كالبواقي؛ أي: حرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي الأقداح، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلًا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوبٍ على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر، نهاني ربي، والثالث غُفْلٌ، فإن خرج الأمر مَضَوا على ذلك، وإن خرج النهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغُفل أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفة ما قُسم لهم دون ما لم يُقسم بالأزلام. وقيل: هو استقسامُ الجزور بالأقداح على الأَنْصِباء المعلومة. وواحد الأزلام: زَلَمٌ كجَمَلٍ، أو زُلَمٌ (٢) كصُرَدٍ.

стр. 1244

﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ إشارة إلى الاستقسام. ﴿فِسْقٌ﴾ لأنَّه ضلال باعتقادهم أنه طريق إلى علم الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به، وافتراءٌ على الله تعالى بقولهم: أمرني ربي، وإن كان المراد بالرب الصنم فشرك، هذا على المعنى الأول، وعلى الثاني فظاهرٌ؛ لحرمة الميسر. لمَّا حلَّل ما حلَّل، وحرَّم ما حرَّم، وختم الكلام بوجهٍ أحكم، حرضهم على التمسك بما شرع لهم فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: أن يُبْطلوه، وأن تَرجعوا محلِّلين لهذه الخبائث بعدما حرِّمت عليكم، أو: أن يغلبوكم عليه، إن الله تعالى وفَى بعهده من إظهاره على الدِّين كله. و (اليوم) في مثل هذا مجازٌ عن الزمان الحاضر وما يُدانيه من الماضي والمستقبل، كقولك: كنتَ بالأمس شابًّا وأنت اليوم أشيَبُ. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم ﴿وَاخْشَوْنِ﴾: وأخلِصوا الخشية لي. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوفيقِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد؛ لأنها نزلت بعرفاتٍ عامَ حَجةِ الوداع ولم يكن بعدها شرعٌ، قاله ابن عباس ﵄ (١). ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بفتح مكة وهدم منار (٢) الجاهلية.

стр. 1245

ذكر في حقِّ الدِّين الإكمالَ وفي حقِّ النعمة الإتمام؛ لأن الكامل ما لا يحتمِل المزيدَ عليه والتمامَ يحتملُه. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾: اخترتُه لكم ﴿دِينًا﴾ من بين الأديان، وهو الدِّين عند اللّه تعالى. ﴿فَمَنِ اضْطُرّ﴾ متصلٌ بذكر المحرَّمات، والتفريعُ باعتبار مفهوم الشرط الآتي ذكرُه (١)، وما بينهما اعتراضٌ أكِّد به معنى التحريم ببيان علَّته، والإشارةِ إلى أن تحريم تلك الخبائث من جملة تكميل الدين وتتميمِ النعمة برفعِ عادات أهل الشرك ويأسهم من رجوعكم عن دينكم. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ متعلّق بـ ﴿اضْطُرّ﴾ ومعنى اضطُر: أُصيب بالضرِّ الذي لا يمكنُه الامتناع من تناول ما يجد من جنس المأكول. ومعنى المخمصة: المجاعةُ؛ لأنها تَخْمصُ لها البطونُ؛ أي: تَضْمُر. ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾: غير مائلٍ له ومنحرِفٍ إليه بأنْ يأكلها تلذُّذًا أو مجاوِزًا حدَّ الرخصة؛ لقوله تعالى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لا يؤاخذه بأكله بالجملة ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُحبط حسناتهم بذلك، ولا ينقصُ أجورها، وذلك أن الأكل لتحصيل القوة الوافية لإقامة العبادة المفروضة حسنةٌ يثاب عليها العبد، فافهم هذه الدقيقة الأنيقة. * * *

стр. 1246

(٤) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لمَّا تضمَّن السؤال معنى القول أُوقع على الجملة وأُجريَ الكلام على الغيبة مطابقًا لـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حكايةً عما قالوه، والمسؤول ما أُحل لهم من المآكل، فإنهم لمَّا تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم سألوا عما أحل لهم، وقد سبق الكلام في (ماذا) (١). ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: ما لم تَستخبِثْه الطباع السليمة ولم تَنفِر عنه، وفيه التنبيهُ على أن تحريم ما حُرم (٢) لخباثته. وقيل: ما لم يدلّ نصٌّ ولا قياسٌ على حرمته. وفيه: أن الجواب حينئذ لا يكون شافيًا في حق غير المجتهد. ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ إن جُعل (ما) موصولةً على تقدير: وصيدُ ما علَّمتُم، أو مبتدأ خبره: ﴿فَكُلُوا﴾ على أن (ما) موصولةٌ متضمِّنةٌ معنى الشرط، أو شرطيةٌ جوابها ﴿فَكُلُوا﴾، والواو عاطفة للجملة على الجملة. والجوارح: كواسبُ الصيد على أهلها من سباعِ ذواتِ الأربع والطيرِ.

стр. 1247

﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من الكَلَب الذي هو معنى الضراوة، يقال: هو كَلِبٌ بكذا، إذا كان ضاريًا به. وقيل: معناه: معلِّمين إياه الصيدَ، مشتقٌّ من الكَلْب؛ لأن التأديب يكون فيه أكثرَ، أو لأن كلَّ سَبُعٍ يسمَّى كلبًا؛ لقوله ﷺ اللهم: "سَلِّطْ عليه كلبًا مِن كلابِكَ" (١)، ويأباه كونه حالًا من ﴿عَلَّمْتُمْ﴾، وفائدتها أن يكون المعلِّم ماهرًا في التعليم موصوفًا بالتكليب. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ أخرى للتأكيد، أو استئناف. ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ من علم التأديب والتكليب؛ لأنَّه (٢) إلهام من الله تعالى يُقتنص بالفطنة الصافية، أو: مما عرَّفكم أن تعملِّوه؛ من اتِّباع الصيد بإرسال صاحبه، وانصرافه بدعائه، وانزجاره بزجره (٣)، وإمساكه عليه وامتناعِه عن أكله. ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إمساكُ الكلب الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعَديِّ بن حاتم: "وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أَمْسَكَ على نفسه" (٤). هذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازيِّ ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، ويُعْرف هذا في الفقهيَّات.

стр. 1248

و (من) للتبعيض؛ لأن المجروح منها يؤكل دون المخنوق، وأيضًا ما يؤكل منها هو اللحوم والشحوم دون الدم والعظم. ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضميرُ لـ (ما أمسكن)؛ أي: إذا أدركتُم ذكاتَه، أو لـ (ما علَّمتم)؛ أي: عند إرساله، أو للأكل؛ لقوله ﷺ : "سَمِّ الله، وكُلْ ممَّا يَليك" (١) ويرجِّح هذا تأخيرُه عن الأمر بالأكل، فإنه على الأوَّلَينِ حقُّه التقديمُ عليه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: واحذروا مخالفة أمره ونهيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ للجزاء، لا يشغله شأن عن شأنٍ، فلا يستدعي مهلةً وزمانًا. * * * (٥) - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كرَّره للمِنَّة، وكان الأول لبيان حكم النعمة. ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبائحَهم، بدلالة سياق (٢) الكلام، ولا بد من هذا التخصيص؛ لأن سائر الأطعمة لا يَختص

стр. 1249

حلُّها بأهل الكتاب، قال ﷺ في المجوس: "سُنُّوا بهم سُنّةَ أهل الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائهِم ولا آكِلِي ذبائحَهم" (١). ﴿وَطَعَامُكُمْ﴾: ذبائحُكم ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ وفيه ردٌّ لامتناعهم عن ذبيحتنا، وتعميمُ الطعام في المقامين يُحوج الكلامَ إلى مزيدِ تقديرٍ (٢). ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: العفائفُ منهم (٣)، وتخصيصُه بعثٌ على ما هو الأولى. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يستوي فيه الحربيَّاتُ وغيرُهن خلافًا لابن عباس ﵄، والحرائرُ والإماءُ خلافًا للشافعي ﵀، ومَن رام حِفظَ مذهبه وفَسَّر المحصنات في الموضعين بالحرائر العفائف فقد أَخلَّ به من حيث لم يَدْرِ، وكان يكفيه تخصيصُ المحصنات المذكورة ثانيًا بمعنى العفائف بالحرائر بقرينةِ قوله:

стр. 1250

﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لأن مهرَ الأمة لا يُدفع إليها بل إلى سيِّدها، والتعبير عن المهر بالأجر للتنبيه على أن أثر النكاح ملكُ المتعة لا ملكُ اليمين، والمراد من الإعطاء الالتزامُ كما في آية الجزية، وفائدةُ المجاز: المبالغةُ في وجوب إيتاء المهر، وإلا فهو ليس شرطًا للنكاح، والكلام كنايةٌ عن النكاح بالمهر؛ أي: إذا نكحتموهن بالمهور؛ لكونه في مقابلة الزنا سرًّا وعلانيةً. ﴿مُحْصِنِينَ﴾: أَعِفَّاءَ بالنكاح ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ بالزنا. ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ قال الزجَّاج: المسافحُ والمسافحةُ: الزانيان غيرَ ممتنعَينِ مِن أحدٍ، فإذا كانت تزني بواحدٍ فهي ذات خِدْنٍ، فحرَّم الله تعالى الزنا على كلِّ حالٍ: على السِّفاح، واتخاذِ الصديق (١). وقال ابن عباس ﵄: الخِدْنُ هو الصديق الذي يكون للمرأة يزني بها سرًّا، كذا كان في الجاهلية، والسِّفاح: ما ظهر (٢) منه، وكان فيهم مَن يحرِّم ما ظهر من الزنا ولا يحرِّم ما خَفِي منه (٣). ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾: بمقتضاه من أحكامه وشرائعه مما أَحلَّ اللّه تعالى وحرَّم، ولا يخفى ما في هذا (٤) المجاز من المبالغة، والإشعارِ بأن الشرائع من لوازم الإيمان، وإنكارُها كفرٌ؛ لانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم. ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ مقتضَى الظاهر العطفُ بالفاء

стр. 1251

التفريعية، وإنما عدل عنه تنزيلًا لخسران العمل منزلة العدم؛ للمبالغة في تعظيم ذلك الخسران المبهم، فافهم. * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لاختصاصِ الغاية التي ذكرها بهم، فلا دلالة فيه على أن الكفار غيرُ مكلَّفين بالعبادات. ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ تعدِيَةُ القيام بـ ﴿إِلَى﴾ صريحٌ في معنى التوجُّه والقصدِ؛ لأن القيام بمعنى الانتصاب لا يتعدى بـ (إلى) (١). وظاهرُ الآية يُوجب الوضوء على كلِّ قاصد إلى الصلاة محْدِثًا كان أو غيرَ محدثٍ، والإجماع على خلافه؛ لِمَا رُوي أنه ﷺ صلى الخَمْسَ بوضوء واحد يوم الفتح (٢)، فلا بد من تخصيص الخطاب بالمحْدِثين (٣)، أو صرفِ الأمر إلى النَّدب، أو القولِ بالنسخ، ولا وجه للاحتجاج بقوله ﷺ : "المائدة من آخر القرآن نزولًا،

стр. 1252

فأَحِلُّوا حلالَها وحرِّموا حرامها" (١)؛ لأن مبناه على عدم جواز انتساخ الكتاب بالسنَّة، ولا صحة له عندنا. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ غسلُ الشيء: إسالةُ الماء عليه، والوجهُ حدُّه من منتهى (٢) مَنبِت الشعر إلى الأذنين وأسفلِ الذقن. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جمعُ مرفقٍ بفتح الميم مع كسر الفاء، وقَلْبِ ذلك (٣)، وهو مجتمَع طوفي الساعد والعضُد، و ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي (٤) عندها حكمُ الغَسل عند زُفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم اللّه تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي: إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير (٥) ولا إلى التغيير (٦). ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المعتبرُ في المسح إصابةُ البَلَل، وهو المراد هاهنا، أو

стр. 1253

إزالتُها وهو المراد في قولنا: مسحتُ اليد بالمنديل، وحقُّ الباء أن تدخل فيما ليس فيه البللُ. واختلفوا في مقدار المفروض: فعن أصحابنا فيه ثلاثُ روايات، في ظاهرها: مقدار بثلاث (١) أصابع من اليد مطلقًا، وفي رواية أخرى: مقدَّر بربع الرأس، وفي الرواية الثالثة: المفروضةُ مقدار الناصية (٢). وقال مالكٌ رحمه: ما لم يمسح جميع الرأس أو أكثرَه لا يجوز (٣). وقال الشافعي رحمه: إذا مسح مقدارَ ما يسمَّى ماسحًا جاز. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ (٤) ويؤيده السنَّة الشائعة وعملُ الصحابة ﵃، وقولُ أكثر الأئمة، قيل: والتحديد إذ المسح لم يحدَّد (٥)، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، لا يقال: لا نظير له في الشرع؛ لأن ما ورد على خلاف القياس لا يطلب له النظير. وبالجرِّ وهو ظاهرٌ في العطف على (رؤوسِكم) وبه تمسَّك مَن قال: وظيفة الرجلين، قال قتادة: افترض اللّه تعالى غَسْلينِ ومسحين.

стр. 1254

وقال عامرٌ الشعبيُّ: نزل جبرائيل ﵇ بالمسح، ألا ترى أن التيمُّم يُمسح فيه ما كان غَسلًا ويُلغَى ما كان مسحًا. وكان عكرمةُ ﵁ يمسح رجليه ويقول: ليس في الرِّجلين غَسلٌ، إنما نزل فيهما المسح (١). وذهب ابن جرير الطبريُّ إلى أن فرضَهما التخييرُ بين الغَسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين (٢). وقال النحاس: ومِن أحسنِ ما (٣) قيل فيه: إنهما واجبان جميعًا، فالمسح واجب على قراءة الجر، والغَسلُ واجب على قراءة النصب، والقراءتان بمنزلة الآيتين (٤). ومَن أَوْجَب المسح بالكتاب، وذهب إلى أن الغَسل إنما ثبت بالسُّنة، عَطَف النصب على محلِّ المجرور إنْ جُعلت الباء زائدة، وعلى محل الجارِّ والمجرور أن جُعلت لتضمين معنى الإلصاقٌ، وتعديةُ المسح بنفسه شائع. ويَرِدُ عليه: أنه يُخلُّ بالبلاغة عند الإلباس. للذاهبين إلى وجوب الغَسل بالكتاب وجوهٌ في تأويل قراءة الجر: أحدها: أنه على الجِوار. ورُدَّ: بأنه إنما يَجوز إذا لم يكن ثمةَ واسطةٌ كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ

стр. 1255

أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، وقولِهم: هذا (١) جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ، وأما توسُّطُ ما هو ثابتُ العامل كحرف العطف فلم يثبت. وأيضًا: الجرُّ بالجِوارِ لم يَجئ مع الإلباس، وهاهنا مُلْبِسٌ، وذكرُ الغاية لا يدفعه؛ لِمَا عرفتَ من ضعفِ مبناه. وثانيها: أنه عطف على الممسوح لا ليُتمسَّح ولكنْ ينبِّهُ على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها؛ لأن الأرجُل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغسل بالصبِّ، فكانت مَظِنّةَ الإسراف المذموم المميّز عنه. ويَرِدُ عليه: أنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز حيث أريد بالمسح في قلة استعمال الماء، والقولُ بتقدير إعادة العامل في المعطوف مرادًا به المعنى المجازيُّ يُفضي إلى إضمار الجارِّ، وهو ضعيف. ثم إن وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل غيرُ مسلَّم، كيف والإسباغُ مستحبٌّ؟ وثالثها: أن العطف على الممسوح من قَبيل: علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (٢) ومحذور الجمع المذكورِ يلزم حينئذ أيضًا (٣).

стр. 1256

وبالرفع (١) على: وأرجلُكم مغسولةٌ. وإدخالُ الممسوح بين المغسولَين للجمع بين قراءتي النصب والجر، فلا دلالة فيه على اعتبار الترتيب، وعلى تقدير التسليم كفى اعتبارُه ندبًا. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾: فاغتَسلوا. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الخطابُ هنا أيضًا للجماعة في المعنى، وإن اعتُبر الإفراد في اللفظ مراعاةً للأدب في الذهاب إلى الغائط، ولهذا صح اندراجُه تحت الأمر للجماعة. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كنايةٌ عن الجماع. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ صدَّره بأداة التعقيب - وإن لم يُعتبر مفهوم في صحة التيمُّم - إيماءً إلى أن الجنب إذا وجد الماء حقُّه أن لا يؤخِّر الاغتسال وإن لم يجب عليه بعد ما لا يجوز أداؤه بدون الطهارة (٢)، ونَفْي إرادة الحرج الآتي ذكرُه ترتُّبه على هذا. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ سبق تفسيره، وتكريره لا ليتَّصل الكلام في بيان أنواع الطهارة، بل لئلا يَسبق إلى الوهم انتساخُ حكم التيمُّم من الاقتصار على ذكر الوضوء والأمر به حتمًا عند إرادة الصلاة محدِثًا (٣). ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ في باب الطهارة، حتى لا يرخِّص لكم في التيمم إذا فرَّطتُم في حفظ الماء للطهارة.

стр. 1257

﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: لينظِّفَكم، أو: ليطهِّركم من (١) الذنوب، فإن الوضوء تكفيرٌ لها، ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ في الموضعين محذوف، واللام للعلة. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالرخصة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمتَه فيثيبَكم بالشكر. * * * (٧) - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام؛ ليذكِّركم المنعِمَ ويرغِّبَكم في شكره. ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾: عاقدتُم به عقدًا وثيقًا. ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أراد عهدَه على المسلمين حين بايعهم رسولُ اللّه ﷺ على السمع والطاعة في حال اليُسر والعُسر، فقبلوا وقالوا: سمعنا قولكَ وأطعنا أمرك. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفران والعصيان، ويدخل فيه الاتِّقاءُ في العزم على نقض ميثاقه دخولًا أوليًّا، وعلى هذا يكون الأمر بالاتِّقاء عن نقضه على وجه أبلغَ، والتعليلُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ من السرائر والضمائر على وجه أظهر. * * *

стр. 1258

(٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لمَّا حثَّهم على الانقياد للتكاليف وهي مع كثرتها محصورةٌ في نوعين: التعظيم لأمر اللّه تعالى، والشفقة على خلقه: فقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارةٌ إلى الأول، والمراد أن تقوم للّه بالحقِّ في كلِّ ما يلزمه على وجه الاهتمام. وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ إشارةٌ إلى الثاني، أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا يَحمِلنكم شدةُ بغضكم للمشركين ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: على ترك العدل فيهم، وهو (١) النهي عن الجَور بارتكاب ما لا يحل؛ كمُثْلةٍ، وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ، ونقضِ عهدٍ على أبلغ وجه. ﴿اعْدِلُوا﴾ فيهم وإنْ أساؤوا إليكم، استئنافٌ لقصد التأكيد، فإن الأمر بالعدل على الإطلاق تأكيدٌ للنهي عن تركه بأيِّ سببٍ كان. ﴿هُوَ﴾؛ أي: العدلُ ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ استئنافٌ لبيان سببِ الأمر بالعدل، ولا خفاءَ في أن الجَور في حق الكفار أشدُّ وخامةً من الجَور في حقِّ المؤمنين؛ لإمكانِ إرضائهم يومَ الجزاء دون الكفار، ومَن غفل عن هذا الاعتبار قال: وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنُّكم بالعدل مع المؤمنين؟

стр. 1259

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كلِّ أمرٍ ونهيٍ، أعاده لمزيد الاهتمام بالعدل، والمبالغةِ في إطفاء نائرة الغيظ. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدُ، ولذلك ذَكَر بعدها آيتين: إحداهما في وعد المؤمنين، والأخرى في وعيد الكافرين. * * * (٩) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كلامٌ تامٌّ معناه: قدَّم لهم وعدَه. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ استئنافٌ في موقع البيان للموعود، أطلق الوعد وأبهمه أولًا لتعظيم ثواب العدل والتقوى، ثم بيَّنه، كأنه لمَّا قدَّم الوعد المطلَق قيل: أيَّ شيء وعدهم؟ فأُجيب به، وتقديمُ الخبر وتنكيرُ ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ﴾ من مقوِّمات هذا المعنى. * * * (١٠) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَتبع حال أحد الفريقين حالَ الآخَر إيفاءً لحقِّ الوعد (١)، وفيه مزيدُ وعدٍ للمؤمنين وتطييبٍ لقلوبهم. * * * (١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 1260

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الخطاب بهذا الوصفِ إشارةٌ إلى أن إيمانهم هو الباعثُ لنعمة الكشفِّ الآتي ذكره. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ رُوي أنَّ المشركين رأوا رسول اللّه ﷺ وأصحابه بعُسْفانَ قاموا إلى الظهر معًا، فلما صلَّوا ندموا ألا كانوا أَكَبُّوا عليهم، وهمُّوا أن يُوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردَّ اللّه تعالى كيدهم بأنْ أنزل صلاةَ الخوف (١). والآيةُ إشارةٌ إلى ذلك، وقيل غيرُ ذلك (٢). ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقبض والإهلاك (٣)، يقال: بسط إليه يده، إذا بَطَش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه، ومعنى بسطِ اليد: مدُّها، وكذلك بسطُ اللسان، وإنما البطش والشتم حاصلُ المعنى. ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: مَنَعها عن الإضرار بكم، قدَّم ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ثمةَ وأخَّر ﴿عَنْكُمْ﴾ هاهنا لنكتةٍ لفظيَّة: وهي رعايةُ قوَّةِ المناسبة وشدَّةِ الاتصال بين الكفِّ واليد، ودقيقةٍ معنويةٍ: وهي أن الاختصاص المستفادَ من تقديم ﴿عَنْكُمْ﴾ فضلةٌ في المقام، والاشتمالُ على الفضلة هُجْنةٌ في الكلام. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ منتظِمٌ مع قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ كَنى بذكرها عن الشكر عليها إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانع من (٤) القيام

стр. 1261

بشكرها سوى الذهولِ والغفلة عنها، ولا يَخفى ما في الكناية بهذا الوجهِ من تفخيم تلك النعمةِ. ثم أمر بالاتِّقاء عن الكفران، وفي التعبير عن اتِّقائه باتِّقاء اللّه تعالى ما لا يخفى من المبالغة في التحذير. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ فالفاءُ لإفادة السبب، فإنَّ دفع همِّ العدو على الوجه المذكور غيرُ مقدورٍ للعبد، ولا تأثير فيه لتدبيره، فحقُّه أن يَتوكَّل على القادر عليه. والتخصيصُ المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور مبناه تخصيصُ (١) الأمر بالمؤمنين، وفيه رعايةُ المناسبة بين فاتحة الكتاب وخاتمته، والواو لعطف الجملة على الجملة. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النقيب هو الذي ينقِّب عن أحوال القوم ويفتِّش عنها، روي أن بني إسرائيل … (٢). * * *

стр. 1262

سُورَةُ الأنَعَامِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخبر بأنه تعالى حقيقٌ بالحمد باعتبار ذاته المستجمِعة لجميع صفات الكمال (١)، وعامَّةِ نُعوت الجلال والجمال، ونبَّهَ على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجِسام أيضًا حُمد أو لم يحمد؛ ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون. وجمع السَّماوات دون الأرضين (٢) مع أنها مثلهنَّ (٣) في التَّعدد؛ لأن طبقاتها مختلفة بالحقيقة - على ما ورد في الأخبار - دون الأرض، وأمَّا دلالة آثارها وحركاتها على تعدُّدها (٤) فمبناها على أصولٍ فلسفيَّة باطلة. وقدَّمها لا لتقدُّمها وجودًا؛ لأنَّه على خلاف ما ورد في الأخبار الصحيحة

стр. 1263

على ما مرَّ بيانه في تفسير سورة البقرة (١)، بل لشرفها وعلوِّ مكانها. وعبَّر بهما باعتبار أنَّهما قُطرَا العالم من جميع الأجسام لطيفِها وكثيفِها، كما عبَّر بالظُّلمات والنُّور عن جميع الأعراض محسوسِها بالبصر، وغائِبها عنه. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: أنشأهما. والفرقُ بين (خلق) و (جعل) المتعدي إلى مفعول واحد: أنَّ الخلق فيه معنى التَّقدير والتَّسوية، والجَعْل المذكور فيه معنى التعلُّق والارتباط بالغير بأن يكون فيه أو منه أو إليه، لا بأن يصير إيَّاه؛ لأنَّه معنًى آخرُ للجعل؛ فإنه حينئذٍ يتعدَّى إلى مفعولَيْن (٢). ولهذا - أي: ولكون الارتباط بالغير معتبرًا في معناه - آثره هاهنا؛ تحقيقًا لمَا في الظُّلمة والنُّور من معنى القيام بالغير، وتضمينًا للردِّ على الثَّنويَّة بتقدير عدم صلاحيتهما للقيوميَّة. وجمع الظُّلمات دون النُّور لاختلاف أجناس ما غاب عن البصر اختلافًا فاحشًا بحسب اختلاف مظاهره من القِوى الظَّاهرة والباطنة بخلاف النُّور. وقدَّمها لتقدم جنس الغائب عن البصر ظهورًا، فإنه يظهر للإنسان وهو جنين، ولا يظهر له ما يدرَك بالبصر ما لم يُولَد، ولرعاية المناسبة لما تقدَّم. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بالآخرة، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، عطف على ﴿خَلَقَ﴾ (٣).

стр. 1264

وفي (ثمَّ) معنى استبعاد ترك الإيمان بعد أن قام عليه البرهان، كأنه قيل: حصل ما أوجب توحيدَه مِن خلق السماء والأرض وما بينهما، بناءً على أنَّه لو كان فيهما آلهةٌ أُخَر (١) لفَسَدَتا. ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ حُذف المفعول حفظًا (٢) على الفواصل، تقديره: يعدلون غيره؛ أي: يشركون به، وأصل العدل: المساواة؛ أي: ساوَوا بين اللّه تعالى خالق العالَم، وبين أصنامهم العاجزين عن الخلق. ثم إنَّ هذا العطف ليس على قصد أنَّه صلةٌ أخرى أو بعضُ الصِّلة، بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة (٣)، ولهذا حسُن كلمة الاستبعاد دون كلمة التَّشريك (٤)، ولتمحُّضها له (٥) تمحُّض الفاء للسببية في قولنا: ما تأتيني فأكرمَك، انقطع عنه (٦) عُلقةُ التَّشريك، فلم يكن في معنى (الحمدُ للّه) الذي عدَلوا به، ولتضمُّنه البشارة بالإشارة إلى غاية لطفه، ونهاية حِلمه (٧)، زاد وجه ذلك الإرداف حسنًا ولطافة.

стр. 1265

ويجوز عطفه على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١)، والمعنى: أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه تعالى نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون عنه فيكفرون نعمتَه، وحذف صلة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ إيقاعًا للإنكار على نفس الفعل، ووضع المظهَر (٢) موضع الراجع إلى الموصول؛ تنبيهًا على أنه خلق هذه الأشياء أسبابًا لتكوُّنهم وتعيُّشهم، فمن حقِّه أنْ يُحْمَدَ عليها ولا يُكْفَر، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ على هذا الوجه: استبعاد عُدولهم عنه بعد ذلك. * * * (٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: خلقَ أصلَ مادَّتِكم وهو الأغذية التي تتكون منها النُّطفة، أو مادَّة أصلِكم وهو آدم ﵇= كائنةً من طين، وللتَّباعد بين الخَلْق الصُّوري والتَّقدير المعنوي قال: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: نوعًا من الأجل يحتمِل التَّجاوز عنه ﴿وَأَجَلٌ﴾ آخَرُ لا يحتمل، دلَّ على ذلك (٣) قوله: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مثبَتٌ معيَّن (٤)، وقد أفصح عن هذا التَّفصيلِ قولُه تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] على ما تقف عليه وعلى ما بين الفاصلتين من المواصلة المعنوية في تفسير سورة نوح ﵇، والذي عبَّر عنه ثمَّةَ بإضافة الأجل إلى اللّه تعالى هو المعبَّر عنه هاهنا بقوله:
следующие страницы →