← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

بشكرها سوى الذهولِ والغفلة عنها، ولا يَخفى ما في الكناية بهذا الوجهِ من تفخيم تلك النعمةِ. ثم أمر بالاتِّقاء عن الكفران، وفي التعبير عن اتِّقائه باتِّقاء اللّه تعالى ما لا يخفى من المبالغة في التحذير. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ فالفاءُ لإفادة السبب، فإنَّ دفع همِّ العدو على الوجه المذكور غيرُ مقدورٍ للعبد، ولا تأثير فيه لتدبيره، فحقُّه أن يَتوكَّل على القادر عليه. والتخصيصُ المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور مبناه تخصيصُ (١) الأمر بالمؤمنين، وفيه رعايةُ المناسبة بين فاتحة الكتاب وخاتمته، والواو لعطف الجملة على الجملة. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النقيب هو الذي ينقِّب عن أحوال القوم ويفتِّش عنها، روي أن بني إسرائيل … (٢). * * *

стр. 1262

سُورَةُ الأنَعَامِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخبر بأنه تعالى حقيقٌ بالحمد باعتبار ذاته المستجمِعة لجميع صفات الكمال (١)، وعامَّةِ نُعوت الجلال والجمال، ونبَّهَ على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجِسام أيضًا حُمد أو لم يحمد؛ ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون. وجمع السَّماوات دون الأرضين (٢) مع أنها مثلهنَّ (٣) في التَّعدد؛ لأن طبقاتها مختلفة بالحقيقة - على ما ورد في الأخبار - دون الأرض، وأمَّا دلالة آثارها وحركاتها على تعدُّدها (٤) فمبناها على أصولٍ فلسفيَّة باطلة. وقدَّمها لا لتقدُّمها وجودًا؛ لأنَّه على خلاف ما ورد في الأخبار الصحيحة

стр. 1263

على ما مرَّ بيانه في تفسير سورة البقرة (١)، بل لشرفها وعلوِّ مكانها. وعبَّر بهما باعتبار أنَّهما قُطرَا العالم من جميع الأجسام لطيفِها وكثيفِها، كما عبَّر بالظُّلمات والنُّور عن جميع الأعراض محسوسِها بالبصر، وغائِبها عنه. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: أنشأهما. والفرقُ بين (خلق) و (جعل) المتعدي إلى مفعول واحد: أنَّ الخلق فيه معنى التَّقدير والتَّسوية، والجَعْل المذكور فيه معنى التعلُّق والارتباط بالغير بأن يكون فيه أو منه أو إليه، لا بأن يصير إيَّاه؛ لأنَّه معنًى آخرُ للجعل؛ فإنه حينئذٍ يتعدَّى إلى مفعولَيْن (٢). ولهذا - أي: ولكون الارتباط بالغير معتبرًا في معناه - آثره هاهنا؛ تحقيقًا لمَا في الظُّلمة والنُّور من معنى القيام بالغير، وتضمينًا للردِّ على الثَّنويَّة بتقدير عدم صلاحيتهما للقيوميَّة. وجمع الظُّلمات دون النُّور لاختلاف أجناس ما غاب عن البصر اختلافًا فاحشًا بحسب اختلاف مظاهره من القِوى الظَّاهرة والباطنة بخلاف النُّور. وقدَّمها لتقدم جنس الغائب عن البصر ظهورًا، فإنه يظهر للإنسان وهو جنين، ولا يظهر له ما يدرَك بالبصر ما لم يُولَد، ولرعاية المناسبة لما تقدَّم. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بالآخرة، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، عطف على ﴿خَلَقَ﴾ (٣).

стр. 1264

وفي (ثمَّ) معنى استبعاد ترك الإيمان بعد أن قام عليه البرهان، كأنه قيل: حصل ما أوجب توحيدَه مِن خلق السماء والأرض وما بينهما، بناءً على أنَّه لو كان فيهما آلهةٌ أُخَر (١) لفَسَدَتا. ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ حُذف المفعول حفظًا (٢) على الفواصل، تقديره: يعدلون غيره؛ أي: يشركون به، وأصل العدل: المساواة؛ أي: ساوَوا بين اللّه تعالى خالق العالَم، وبين أصنامهم العاجزين عن الخلق. ثم إنَّ هذا العطف ليس على قصد أنَّه صلةٌ أخرى أو بعضُ الصِّلة، بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة (٣)، ولهذا حسُن كلمة الاستبعاد دون كلمة التَّشريك (٤)، ولتمحُّضها له (٥) تمحُّض الفاء للسببية في قولنا: ما تأتيني فأكرمَك، انقطع عنه (٦) عُلقةُ التَّشريك، فلم يكن في معنى (الحمدُ للّه) الذي عدَلوا به، ولتضمُّنه البشارة بالإشارة إلى غاية لطفه، ونهاية حِلمه (٧)، زاد وجه ذلك الإرداف حسنًا ولطافة.

стр. 1265

ويجوز عطفه على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١)، والمعنى: أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه تعالى نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون عنه فيكفرون نعمتَه، وحذف صلة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ إيقاعًا للإنكار على نفس الفعل، ووضع المظهَر (٢) موضع الراجع إلى الموصول؛ تنبيهًا على أنه خلق هذه الأشياء أسبابًا لتكوُّنهم وتعيُّشهم، فمن حقِّه أنْ يُحْمَدَ عليها ولا يُكْفَر، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ على هذا الوجه: استبعاد عُدولهم عنه بعد ذلك. * * * (٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: خلقَ أصلَ مادَّتِكم وهو الأغذية التي تتكون منها النُّطفة، أو مادَّة أصلِكم وهو آدم ﵇= كائنةً من طين، وللتَّباعد بين الخَلْق الصُّوري والتَّقدير المعنوي قال: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: نوعًا من الأجل يحتمِل التَّجاوز عنه ﴿وَأَجَلٌ﴾ آخَرُ لا يحتمل، دلَّ على ذلك (٣) قوله: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مثبَتٌ معيَّن (٤)، وقد أفصح عن هذا التَّفصيلِ قولُه تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] على ما تقف عليه وعلى ما بين الفاصلتين من المواصلة المعنوية في تفسير سورة نوح ﵇، والذي عبَّر عنه ثمَّةَ بإضافة الأجل إلى اللّه تعالى هو المعبَّر عنه هاهنا بقوله:

стр. 1266

﴿عِنْدَهُ﴾ أثبت (١) تعيُّنَه، ثم أخبر بأنَّ ذلك التَّعيّن عنده؛ حسمًا لطمع التَّغيُّر (٢). ولكون ذلك الأجلِ مبهمًا نظرًا إلينا ذُكِرَ منكَّرًا، وإنما قُدِّمَ وهو نكرةٌ على خبره وهو ظرفٌ لفاصلٍ بينهما بما هو مخصِّص له. ﴿أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ الامتراء: التردُّد في المتقابلَين، مأخوذ من مَرَى الضرع؛ أي: مسَحه، والفرق بينه وبين الرَّيْبِ والشَّكِ قد مرَّ بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٣)، والامتراء لهم فيما ذكر حقيقةٌ، إلا أنهم (٤) لانهماكهم في حبِّ الحياة، كأنهم شاكُّون في الموت. وإنما ذكر ﴿ثُمّ﴾ مع زيادة الالتفات في ﴿أَنْتُمْ﴾ تنبيهًا على زيادة الاستبعاد، فإن دلالة كلٍّ من دليلي المبدأ والمعاد على المراد وإن كانت ظاهرة، إلا أن ما تؤخذ مبادئه من الأنفُس أقرب إلى الناظرين مما تؤخذ مبادئه من الآفاق، كأنه قيل: خُلقتم من جماد لا حظَّ له من الحياة، وعشتم مرة، فكيف تشكُّون مع ذلك وتَردَّدون في أمر البعث بإعادة تلك الحياة الزائلة، وهي أهون من الإحداث ابتداء (٥). * * *

стр. 1267

(٣) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾. ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الضمير للّه تعالى، و ﴿اللَّهُ﴾ خبره. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلِّقٌ بمعنى اسم اللّه تعالى؛ أي: هو المستحِق للعبادة فيهما لا غير، أو: هو المتوحِّد بالألوهيَّة فيهما لا غير. ويجوز أن يتعلَّق الظَّرف بقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ ويكفي لصحَّة الظَّرفية كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصَّيد في الحرم، إذا كنت خارجَه والصيدُ فيه، أو بالمصدر وهو بمعنى المفعول فليس بمقدَّر بحرفِ مصدر وصلته حتى يلزمَ تقدُّم صلته عليه (١)، والجملةُ خبرٌ ثانٍ، أو هي الخبر و ﴿اللَّهُ﴾ بدل. ويجوز أن يكون الظَّرف مستقرًّا وقع خبرًا بمعنى: أنَّه لكمال علمه بما فيهما كأنَّه فيهما، وفي الجملة (٢) الفعليَّة الواقعة حالًا عن ضمير الاستقرار في الظَّرف بيانٌ وتقريرٌ له. ﴿سِرَّكُمْ﴾: باطنكم؛ أي: نفوسَكم (٣). ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾: ظاهرَكم؛ أي: أبدانَكم.

стр. 1268

وعلى تقدير تعلق الظَّرف بالفعل المذكور يكون المعنى: يعلم نفوسَكم المفارِقة في السماوات ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ بالقوى النفسانيَّة والجوارح البدنيَّة؛ لأنَّه تعالى خالق والخلق (١) كاسب، ولمَّا كان مقتضى العلم بذلك كونَه خالقًا له، وهو مظنَّة الاشتباه - حتى ضلَّ فيه كثير من النَّاس - أعادَ الفعل؛ اهتمامًا لتحقيق ذلك المقتضى. ولمَّا أثبت المبتدأ (٢) مع ما يتوقف عليه المبتدأ للّه (٣) من التَّوحيد، ثم أثبت المعاد مع ما يتوقَّف عليه الإعادة من العلم= بيَّن ثبوت النُّبوَّة بشهادته، وأوعد (٤) المنكرين بقوله: * * * (٤) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة (٥) للاستغراق، دلَّ عليه وقوع آية في سياق النَّفي، والثَّانية للتَّبعيض، كأنه قيل: وما تأتيهم بعضٌ من الآياتِ أيَّ بعضٍ كان، فلا منافاةَ بينَ هذا التَّبعيض والاستغراق. والآيات: هي المعجزات الظَّاهرة لهم، وإسنادُها إلى الرَّبِّ للتَّعظيم والتَّنبيه على أنَّها صادرة عنه تعالى تصديقًا للنَّبيِّ ﵇.

стр. 1269

﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: تاركين لها غيرَ ملتفتين إليها؛ لكونهم غيرَ مبالين بالعواقب، وفي العدول عن صيغة الفعل وزيادة (كان) دلالةٌ على شدَّة إعراضهم، وقوَّة ثباتهم فيه، وزيادة تمرُّنهم عليه. * * * (٥) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ كلامٌ كاللازم لمَا قبلَه؛ أي: إذا أعرضوا عن الآيات كلِّها فقد كذَّبوا بالحقِّ. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: بها، أو كالدَّليل عليه؛ أي: إنْ هم أعرضوا عن الآيات كلِّها (١) فلا عجبَ؛ فقد كذَّبوا بما هو أعظم الآياتِ كلِّها وأجلُّها، وهو الحقُّ لمَّا جاءَهم؛ أي: القرآن الذي تُحدُّوا به فعجزوا عن الإتيان بمثله، وكأنَّه لوضوحه معلومٌ عندَ الكلِّ أنَّ الحقَّ هو (٢) لا يحتاج إلى تسميته (٣)، وعلى هذا معنى الإبهام في ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا﴾ تعظيم القرآن وتفخيم شأنه؛ أي: سيعلمون بأي شيء استهزؤوا، وينكشف لهم أنَّه لم يكن بموضع (٤) استهزاء. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ يعني: أنَّ الإتيان كائنٌ لا محالة وإن تأخَّر، ففائدته تأكيد الوعد وتثبيته، لا بيانُ كونه متأخرًا (٥). ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أخبار ما استمرُّوا على تجديد الاستهزاء به حينًا

стр. 1270

فحينًا، تارة بنسبته إلى السِّحر والكَهانة، وأخرى إلى الشِّعر وأساطير الأولين، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]. والمراد من أخباره: ما فيه من الوعد للمصدِّقين والوعيد للمنكرين آجلًا وعاجلًا، وهذا منهم غاية العصيان ونهاية التَّمادي في الطُّغيان، حيث أعرضوا عمَّا هو آية بيِّنة أوِّلًا، وكذَّبوه ثانيًا، وسخروا به ثالثًا، فمنَّ عليهم الرَّحمن بزيادة فضله وإحسانه (١) إذ أخَّرهم إلى حين، ولم يعجِّل لهم بالعذاب المهين، شدَّد عليهم النَّكير وهدَّدهم (٢)، ثم جاءهم بالموعظة والتَّذكير بقوله (٣): (٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و ﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا، وكلُّ أهل عصرٍ قرنٌ لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم، مأخوذ من قرن الشَّمس، وهو أعلاها، وأوَّل ما يبدو منها. وقال الزجَّاج: عندي القرن هو أهل كلِّ مدَّة (٤) كان فيها نبيٌّ أو طبقة من العلماء، قلَّتِ السنون أو كثرَتْ، والتَّقدير يردُّه (٥) قوله ﵇: "خيركم قرني "؛ يعني

стр. 1271

أصحابه ﵃، "ثم الذين يلونهم "؛ يعني التابعين "ثم الذين يلونهم" (١)؛ يعني تابعي التَّابعين (٢). ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أثبتناهم فيها ممكِّنين إيَّاهم، وإثباتهم فيها كناية عن طول عمرهم، كما أنَّ تاليَه (٣) كنايةٌ عن بسط معيشتهم. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ مكَّنه أبلغ من مكَّن له (٤)؛ أي: جعل له مكانًا، فكأنه قيل (٥): آتيناهم ما لم نؤتِ لكم ما يقرب منه، والالتفات للتَّنبيه والتَّمييز بينهم وبين المحكيِّ عنهم، والخطاب لأهل مكَّة. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾: السَّماء هي المُظلَّة، والمرسَل المدرار هو المطر والسَّحاب، فلا بدَّ من التَّجوُّز في المسنَد إليه، أو في الإسناد. والمدرار: مِفْعال، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، معناه: كثير الدُّرور. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾ لم يقل: وأجرينا (٦) الأنهار، جريًا على مجرى قرينه السَّابق؛ لأن النهر إنما يطلق على الماء حال كونه جاريًا، فليس له أن يجري وأن لا يجري وهو نهر، بخلاف الماء (٧) النازل من السماء والسحاب؛ فإنه قد يُحْبَس وقد يطلق وهو هو.

стр. 1272

وإنَّما صدَّره بالواو الدَّالة على الاستقلال دون الفاء؛ لأن المقام مقام تعداد (١) النِّعم العِظام، وفي ضمنه الإشارة إلى أنَّ الأنهار إمدادها (٢) لا يلزم أن يكون من الأمطار، فافهم هذا الاعتبار. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ خصَّ هذا الوصف بالذِّكر لأنَّه مما يتعاظمه النَّاس، ألا ترى إلى قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الفاء فصيحة تفصح عن محذوفٍ تقديره: بطرَتْ معيشتُهم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]. ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ تحقيق لأمر الوعيد بتسهيل شأن الإهلاك، فإنَّ مَن قدر على إنشاء القرون لا يتعاظم عنده إهلاك (٣) بعضهم بذنوبهم. وفي عبارة الإنشاء إشارة إلى أنهم قُلعوا من أصلهم واستؤصلوا فلم يبقَ أحد من نسلهم، ويعضد ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لم يهلك قومًا أو يعذِّب قومًا فجعل لهم نسلًا" (٤). ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يَعْمُر بهم (٥) بلادهم. وحاصل الوعيد: أنَّه تعالى كما قدر (٦) أن يهلك مَن قبلهم كعاد وثمود وينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده قدر أن يفعل مثل ذلك بكم، قيل: جماعة من قريش

стр. 1273

قالوا: يا محمَّد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فنزلت (١). * * * (٧) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ (نزَّل) هاهنا بمعنى: أنزل، كخبَّر بمعنى: أخبر. ﴿كِتَابًا﴾: مكتوبًا ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: ورق. لم يقتصر على رؤيتهم الكتاب عيانًا في قرطاس، بل زاد عليه التقييد بقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ تقوية للإدراك البصري بالإدراك اللَّمسي مبالغةً في الظُّهور، وليس فيه دفعُ ما عسى أن يقولوا: سكِّرت أبصارنا وما نزل من السماء شيء، إذ باللَّمس إنما يندفع احتمال كون المرئيِّ مخيَّلًا، وأما نزوله من السماء فلا يثبت به، ثم إن اللَّمس أبلغ من المسِّ؛ لأنَّه لصوق بإحساس، والمس لصوق فقط، ولذلك آثر اللَّمس عليه. ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ إنما قيَّد به؛ لأنَّ اللُّصوق بالإحساس يكون بجميع الأعضاء، ولليد خصوصية في الإحساس ليست في سائرها، وأما التَّجوز باللَّمس عن الفحص كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] فلا يندفع به؛ إذ لا بُعْدَ في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم (٢) للفحص بأنفسهم، بل يندفع بكون المعنى الحقيقي أنسبَ للمقام، ولمَا سيق له الكلام. ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عدل عن الظَّاهر حيث لم يقل: لقالوا، تنبيهًا على أن هذا ليس بأوَّل كفرٍ منهم، ويجوز أن يكون تعريف الموصول للعهد، والمراد به أشخاصٌ

стр. 1274

بأعيانهم توغلوا في التَّعنُت والعناد، على وفق ما ذكر في سبب النُّزول، فيكون التَّوصيف بيانًا لسبب تقوُّلهم هذا. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ توصيف السِّحر بالمبين في مقابلة توصيف المنزَّل بكونه ملموسًا بأيديهم، فكأنهم عارضوا تأكيده الفعليَّ في الإظهار بتأكيدهم القوليِّ بالإنكار، وهذا دليل على (١) غاية عنادهم ونهاية خبثهم وفسادهم. * * * (٨) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ﴾: هلَّا أنزِل ﴿عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يكلِّمنا أنه نبيٌّ (٢). ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ جواب لقولهم، وبيانُ المانع من إنزال مقترحهم. والقضاء: الإتمام والإلزام، والمعنى: لتمَّ أمرهم؛ لوجوب العذاب بعد ذلك، وهذا لأنهم لا يؤمنون ولو نزل عليهم (٣) الملك؛ كما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، وسنَّة الله تعالى في الكفار قد جرَّتْ على أنَّه متى اقترحوا آيةً قاهرةً فظهرت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، على ما (٤) أفصح عن ذلك آية المائدة (٥)،

стр. 1275

ولكنَّ الله تعالى أبى من استئصالهم به (١) تعظيمًا لنبيِّه، كما أخبر به في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يُؤجَّلون ولا يُمهلون، قال قتادة: ولو أنزلنا ملكًا ثم لم يؤمنوا (٢) لَعُجِّلَ لهم العذاب، ولم يُؤخَّروا طرفةَ عين (٣). يعني: بعد عدم إيمانهم، لا بعد نزول العذاب. وفي لفظة (ثم) إشارة (٤) إلى أن لهم مهلةً (٥) قَدْرَ أنْ يتأمَّلوا فيما نزل، فيؤمنوا بالاختيار والاختبار، لا بالإلجاء والاضطرار، فافهم هذا الاعتبار. * * * (٩) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ا لرَّسولَ ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: لمثَّلنا ﴿رَجُلًا﴾ كما مُثِّل جبريل ﵇ في صورة دِحْية، وذلك لأنَّ أبصار عامَّة البشر لا تقدر (٦) على النَّظر إلى صورة المَلَكِ؛ للُطفه وضعفِ شعاع إبصارهم. جوابُ اقتراح ثانٍ، فإنهم تارةً يقولون: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وتارة يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، واحتمال أن يكون جوابًا ثانيًا على

стр. 1276

أن الضمير للمَلَك المُقْتَرح إنزالُه تأباه عبارة: ﴿جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾، فإن المناسب حينئذ أن يقال: ولو أنزلناه ملكًا لجعلناه رجلًا. وإنما لم يقل: بشرًا، مع أنه المناسب لمقابِل (١) المَلَك، تضمينًا للكلام معنًى زائدًا على أصل المرام، وهو الإشارة إلى أن شأن الرِّسالة البراءةُ عن النُّقصان، ولا بدَّ من رعايته على التَّقدير المذكور حتى لا يصح أن يكون الرَّسول المفروضُ في صورة امرأة ولا في صورة صبيٍّ. ولما كان تفصيل ما ذكر: أنه لا نفع لهم فيما سألوا؛ لأنَّه إذا كان في صورة رجل لا يعلمون أنه ملك، فلا (٢) يُجدي نفعًا في دفع شبهتهم= اتَّجه أن يقال: يجوز أن يكون له آثار المَلَك في صورة الرَّجل، فيندفع الاشتباه بذلك، تُدورِكَ دفعه بما مرجعه إلى أنه لا بدَّ من الالتباس والاشتباه كيلا (٣) تفوت حكمة التَّكليف، فقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ من تتمة الجواب، قرئ باللَّامَيْن على تقدير شرط آخر (٤)، وقرئ بلام واحدة على العطف، وبالتَّشديد فيهما للمبالغة (٥).

стр. 1277

﴿عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي: لخلَطنا عليهم ما يخلِطون على أنفسهم الآن فيقولون: ما هذا إلَّا بشر مثلكم. ثم قال تسليةً له ﵇ عن (١) استهزائهم به بأنَّ له في الأنبياء ﵈ أسوةً، وأنَّ ما يفعلون به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ﵈، وتنبيهًا لنا على أن قولهم ذلك على سبيل الاستهزاء، وإلَّا فهم عقلاء يعلمون أنَّ رسول قومٍ لا يكون إلَّا من جنسهم. * * * (١٠) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط بسبب ذلك الاستهزاء ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ (٢) والمراد: الإهلاك، من إحاطة العدو، فالحيقُ لا يستعمل إلا في الشَّرِّ. ﴿مِنْهُمْ﴾ تنبيه على أن ضرر سخريتهم لا يتعدى أنفسهم، وهو مدلول القول الآتي: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦]. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي كان الرُّسل يخوفهم بنزوله، فلا تجوُّز لا (٣) في الإسناد، ولا في المسند إليه.

стр. 1278

لمَّا ذكر إهلاك المستهزئين المكذِّبين أمر بالسَّير في الأرض للاعتبار بحالهم من مساكنهم، فقال: (١١) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى أن تُشرفوا على (١) ديار قوم نزل بهم العذاب، فاختبروا واعتبروا. ولمَّا كان في هذا السَّير المأمور به من الامتداد جيء بكلمة التراخي في قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فإن النَّظر وإن لم يكن متراخيًا عن السَّير باعتبار الانتهاء لكنه (٢) متراخٍ عنه باعتبار الابتداء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] فلعل المراد من الأرض فيه ما هو المعهود (٣) من أرض قومٍ نزل العذاب بساحتهم، فجيء بحرف التعقيب تنبيهًا على أنَّ السَّير إنَّما أُمر به لأجل النَّظر فحقُّه أن لا يتأخَّر عنه. وما قيل: معناه: إباحة السَّير في الأرض للتِّجارة وغيرها من المنافع، وإيجابِ النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك ب ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد ما بين الواجب والمباح = يأباه سلامة الذَّوق؛ لأنَّ إقحام أمرٍ أجنبيٍّ - وهو بيان إباحة السَّير للتِّجارة - بين الإخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه ويتصل (٤) به من الأمر بالاعتبار بآثارهم، ممَّا يخلُّ بالبلاغة إخلالًا ظاهرًا.

стр. 1279

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف أهلكهم الله تعالى بعذاب الاستئصال، وإنما عبَّر عنهم بالمكذِّبين دون المستهزئين إشارةً إلى أن مآل مَن كذَّب إن كان كذلك، فكيف الحال في مآل (١) مَن جمع بينه وبين الاستهزاء. * * * (١٢) - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلزام وتبكيت؛ لأنهم لا يقدرون أن يضيفوا خلقهما وملكهما إلى غيره تعالى، ولذلك عقَّبه بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تقريرًا لهم، أي: لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، وفيه أنهم مع كونهم مقرِّين بذلك على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] تثاقلوا في الجواب وانقمعوا لِمَا ظهر من كونهم محجوجين، فقرَّر عليهم ذلك (٢). ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ و في الدَّارين، أي: التزمها تفضّلًا وإحسانًا، لا أن (٣) ذاته أوجبها على نفسه بمقتضى حكمته. وهذا استعطاف منه تعالى للمتولِّين عنه إلى الإقبال (٤) إليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، لا يعجل في العقوبة، ويقبل الإنابة والتَّوبة.

стр. 1280

﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ضمَّن الجمع معنى الحشر، ولذلك قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أي: إلى واقعتها في موقفها (١)، كيوم بدر (٢)، استئناف، وقسَم للوعيد على إشراكهم، كأنه قيل: وما تلك الرَّحمة؛ فقيل: هي أنَّه تعالى ليجمعنكم إلى يوم القيامة، وذلك لأنَّه لولا خوف الحساب والعذاب لحصل الهرج والمرج، وارتفع الضبط وكثر الخبط، فتقرير (٣) العقاب في العُقبى من أعظم أسباب الرَّحمة في الدُّنيا. ولك أن تقول: بيَّنَ بقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كمالَ رحمته بالإمهال ورفْعِ عذاب الاستئصال، بعدَ ما قدَّم بيان كمال قدرته بقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليتعيَّن من أوَّل الأمر أن إمهاله ذلك عن رحمة لا عن عجز، ثم بيَّنَ بقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيجازيكم على (٤) شرككم أنَّه يمهل ولكن لا يهمل، بل يحشرهم ويحاسبهم على نَقير وقِطمير. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في اليوم، أو الجمع. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ نصب على الذَّم، أو رفعٌ عليه، أو مبتدأ خبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاء للسببية، فإن الخسران بتضييع رأس مالهم - وهو نور الفطرة - يوجب الإصرار على الكفر.

стр. 1281

(١٣) - ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: لمَّا ذكر أن له ملكُ ما حوى المكان من السماوات والأرض، ذكر أن له ما حوى الزَّمان، واشتمل عليه المَلَوَان (١)، وكل واحد من المكان والزمان وإن كان مستلزمًا للآخَر، لكن التَّنصيص عليهما أبلغُ في مقام التَّقرير والبسط، وقدَّم المكان لأنَّه أقرب إلى العقول والأذهان من الزَّمان (٢). والظَّاهر أنه استئنافُ إخبارٍ وليس مندرِجًا تحت ﴿قُلْ﴾. و ﴿سَكَنَ﴾ مِن السُّكنى، وهو يتعدَّى بـ (في) كما يتعدَّى بنفسه يقال: سكنوا الدَّار، وسكنوا فيها، لا من السكون على الاكتفاء بأحد الضِّدين عن الآخر؛ لأنَّه لا يناسب البسط الظَّاهر قصدُه من تفصيل قُطرَي المكان وصِنْفَي الزَّمان. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيدٌ للمشركين على أقوالهم وأفعالهم. * * * (١٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أَدخل همزة الاستفهام على الاسم دون الفعل؛ لأن الإنكار يتوجَّه إلى اتخاذ الغير وليًّا، لا إلى اتخاذ (٣) الولي مطلقًا، ولا دخل في ذلك لتقديم المفعول؛ لأنَّه لازم لدخول همزة الاستفهام، فكان ثابتًا تبعًا له. وإنما عبَّر

стр. 1282

عن المعبود بالولي لأن (١) أوَّل درجة العبادة لشخصٍ اتِّخاذه وليًّا، فكان نفيُه أبلغ (٢). ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، وجرَّه على الصِّفة لـ ﴿اللَّهِ﴾، فإنه بمعنى الماضي، ويؤيده قراءة: (فَطَر) (٣). ويجوز أن يكون بدلًا، ويرجِّحه أن الفصل بين المبدَل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنَّعت، بناء على ما هو المشهور من أن البدل على تكرار العامل. وقرئ بالرفع والنصب على المدح (٤). والجملة تقريرٌ لإنكار اتخاذ غير الله تعالى وليًّا وتعليلٌ له، وكذا قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، أي: المنافع كلُّها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فخصوص الطُّعم غير ملحوظ، بل هو من باب تنزيل جزء الشَّيء (٥) منزلة كلِّه. وقرئ: (ولا يَطْعَم) بفتح الياء (٦). وبعكس الأول (٧) على أن الضمير لـ (غير الله) تعالى، فإن الكلام وإن كان مع

стр. 1283

عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى، وتغليب أولي النُّهى لأن فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بطريقِ الأَولى، والمعنى: كيف أُشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازلٌ عن مرتبة الحيوانيَّة. وببنائهما للفاعل (١)، على أنَّ الثَّاني من أَطْعَمَ بمعنى اسْتَطْعَم (٢)، أو على أنه يُطعم تارةً ولا يُطعم أخرى؛ أي: وهو الباسط والقابض بحسب الحكمة والمصلحة (٣)، كقولك: هو يعطي ويمنع. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ سابقُ أمَّتهِ في الإسلام، وهذا على طريق التَّحريض على الإسلام، كما يأمر الملك رعيَّته بأمرٍ ثم يُتْبعه بقوله: أنا أول مَن يفعل ذلك؛ ليَحملهم على فعله. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ على معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ فإنه بمعنى: قيل لي: كُنْ أوَّل مَن أسلم، فلا حاجة إلى تقدير: (وقيل لي: لا تكونن) (٤)؛ أي: أُمِرْتُ بالمسارعة إلى الإسلام، ونُهِيْتُ عن الشِّرك. ولتعلُّق الأمر بالمسارعة دون نفْس الإسلام لم يؤكَّد تأكيدَ النَّهي المتعلِّق بنفس (٥) الشرك. وقيل: يجوز عطفه على ﴿قُلْ﴾.

стр. 1284

وَيرِدُ عليه: أنَّ سلامة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية (١) بعضِها عن بعضٍ بخطاب ليس منها (٢). * * * (١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الشرط معترِض بين الفعل والمفعول، وجوابه محذوف دلَّ عليه الجملة. والأنبياء ﵈ وإن كانوا معصومين عن الكفر إلا أنه قد يُفرض (٣) إذا تعلَّق به غرض صحيح؛ من المبالغة في قطع أطماعهم؛ والتعريضِ لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب (٤)، فلا دلالة في الآية على أنه ﵇ كان يخاف على نفسه من الكفر. * * * (١٦) - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾؛ أي: العذاب، وهذا أبلغ؛ لتضمُّنه معنى أن يقال: إن انصراف العذاب رحمة من الله تعالى سواءٌ كان الصارف هو أو غيره، فإنَّ فيه تنبيهًا على أن الغير كالشُّفعاء وإن كان صارفًا للعذاب عن العصاة لكن صرفهم ذاك بإذن الله تعالى.

стр. 1285

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وقرئ: ﴿يُصْرَفْ﴾ مبنيًا للفاعل (١)، على أن الضمير فيه لله تعالى، ويعضُده القراءةُ بإظهاره (٢)، ويناسبه الجزاء، والمفعول به محذوف لظهوره مما قبله، أو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على أن يراد منه هولُه، فلا حاجة إلى تقدير المضاف. وفي عبارة الصَّرف إشارة إلى أنَّ الآية فيمَنْ استحقَّ العذاب. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ رحمةً هي ذلك الصَّرْفُ نفْسه، ونظير هذا قوله ﵇: "لن يَجْزيَ ولدٌ والدَه إلَّا أن يجدَه مملوكًا فيشتريَه فَيُعْتِقَهُ" (٣) " يعني: بالاشتراء المذكور، ووجهُ ذلك: أن اختلاف العنوان يكفي في صحَّة التَّرتيب والتَّعقيب. ولك أن تقول: إنَّ الرَّحمة سببٌ للصَّرْف سابقٌ عليه، على ما لوَّح إليه، حيث أتى (٤) بصيغة الماضي وصيغته مستقبل، والتَّرتيبُ باعتبار الإخبار عنها (٥). ﴿وَذَلِكَ﴾، أي: صَرْفُ العذاب عنه وهو مستحِقٌّ له.

стр. 1286

﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ ظهورُ الفوز يزداد بازدياد الاستحقاق المعتبَر فيمَنْ صُرِفَ عنه العذاب. * * * (١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُّرُّ - وهو سوء الحال - أخصُّ من الشَّرِّ المقابل للخير، وإنما خصَّه بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة فيه إلى الكشف. ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾: فلا مزيلَ له عنك. ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر﴾ حذف جوابه؛ لدلالة جواب مقابِله عليه. ثم أكَّد الجوابين بشمول قدرته على كلِّ شيء فقال: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يقدر غيره على مخالفته. * * * (١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ معنى الفوقية هاهنا: تصويرٌ للقهر والعلوِّ بالغلبة والقدرة، لا بالجهة، وفي القهر معنًى زائدٌ ليس في القدرة (١)، وهو منع غيره عن بلوغ المراد. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره وتدبيره إيَّاهم ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأحوالهم وخفاياهم.

стр. 1287

(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: روي أنَّ قريشًا قالوا: يا محمَّد، لقد سألنا عنك اليهود والنَّصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذِكْرٌ ولا صفة، فأرِنا مَنْ يشهد لك أنَّكَ رسولُ الله، فنزلَتْ (١). والشيء يُطلَق على كلِّ موجود، وقد مرَّ تفصيله في تفسير سورة البقرة، ووضعُه موضع شهيد للمبالغة في التعميم. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الجواب، ثم ابتدئ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ كرَّر البَيْن ولم يقل: بيننا؛ للإيماء إلى معنى التَّفصيل المترتِّب على الشهادة المقبولة. ويجوز أن يكون الجوابُ (٢): ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾، فهو على الأول للتَّسلق من إثبات التَّوحيد إلى إثبات النُّبوة بأن هذا الشَّاهد الذي لا أَصْدَقَ منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن، وعلى الثَّاني من الأسلوب الحكيم؛ لأن الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيرَه تعالى، بل الكلام في أنَّه: هل يشهد لنبوَّته أو لا (٣)؟

стр. 1288

﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، والخطاب لكفَّار مكَّة، وليس فيهم ما يصح أن يبشَّروا به، ولذلك خصَّ الإنذار بالذِّكر. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَن) (١) في موضع نصبٍ عطفًا على مفعول ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ (٢)؛ أي: ومَن بلغه (٣) هذا القرآنُ من العرب والعجم. وقيل: من الثَّقلين ممن وجد ويوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ كلَّ من يبلغه إلى يوم القيامة، وأما أنه لا يؤاخذ بها مَن لم تبلغه (٤) فلا دلالة فيه عليه إلا عند مَن قال بحجيَّة المفهوم (٥). ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفًا على الضمير المستكنِّ في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير؛ أي: ولينذِر به مَن بلغه القرآن. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً﴾ (٦) تقرير لهم مع إنكارٍ واستبعاد، ولمَّا كانت تلك الآلهة حجارة وخشبًا أجريت مجرى المفرد تحقيرًا لها، فوُصِفَتْ بما يُوْصَفُ به المفرد، وقيل: ﴿أُخْرَى﴾. ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ شهادتكم بأنَّ معه آلهة. ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: قل: أشهد أن لا إله إلا هو (٧).

стр. 1289

﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أُمِرَ أوَّلًا بأن يخبرهم بأنه لا يوافقهم في الشهادة، ولا يَلزم من ذلك إفراد الله تعالى بالألوهية، فأُمِرَ به ثانيًا، ثم أُمِرَ (١) ثالثًا بأن يخبرهم بالتَّبري من إشراكهم، وهو التأكيد لمَا قبله. * * * (٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني: اليهودُ والنَّصارى يعرفون رسولَ الله (٢) ﷺ بحِلْيته ونعته الثابت في الكتابَيْن معرفةً حقَّةً. ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ بِحُلَاهم. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من المشركين وأهل الكتاب بتضييعهم ما يُكتسَب (٣) به الإيمان من النور الفطري. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قد مرَّ وجه السَّببية المستفادة من الفاء، على أنه لا يلزمها السَّببية، بل يكفي أن يكون ما بعدها لازمًا لما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. * * * (٢١) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.

стр. 1290

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله تعالى، و: هؤلاء شفعاؤنا عند الله تعالى، وغير ذلك. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بالقرآن، أو بالمعجزات، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ مع كونهم جامعينَ بين الكذب والتَّكذيب؛ تنبيهًا على أن كلًّا منهما وحده بالغٌ غاية الإفراط في الظُّلم على النَّفس، لا ظلمَ فوقَه. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ جاء بضمير الشأن مع (إنَّ)، للإجمال والتَّفصيل، والتَّنبيه على أن الظالم قط لا يفلح (١)، فكيف بمن لا أحدَ أظلم منه؟ * * * (٢٢) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوب بمضمر حُذف تهويلًا للأمر ومبالغةً في التَّخويف، تقديره: كان ما لا يدخلُ تحتَ الوصف. والحشر: السَّوقُ من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحدٍ. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ بالياء فيهما (٢). ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ سؤالُ توبيخٍ، وإنما أضيف الشركاء إليهم لأنَّه لا شركةَ في الحقيقة بين الأصنام والمعبود بحقٍّ، وإنما أَوقع عليها اسمَ الشريك لمجرَّد (٣) تسميتهم لهم شركاء، فأُضيف إليهم بهذه النسبة، ويعضده التعبير عن اعتقادهم بالزَّعم، فإنه كالعَلَم في الباطل (٤)، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم.

стр. 1291

﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ لله، حذف المفعولان لدلالة سياق الكلام عليه. وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا، ولكنْ لما لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم. وأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقدوها في الساعة (١) التي علَّقوا بها الرجاء فيها، فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرِّة، فلا احتمال للتفقُّد. * * * (٢٣) - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.

стр. 1292

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ جوابُهم، وإنما سُمِّي فتنةً لأنَّه معذرتُهم التي توهَّموا تخلُّصَهم بها، من قولك: فتنتُ الذهب: إذا خلَّصتَه. وقيل: كفرُهم، والمراد عاقبتُه. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وقرئ بالتاء الفوقانية ونصب ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾، على تقديرِ ﴿أَنْ قَالُوا﴾ مؤنثًا؛ أي: ثم لم تكن فتنتَهم إلا مقالتُهم، وهذا أحسن من اعتبار التأنيث في الخبر، وقرئ: بالتاء الفوقانية والرفع على أنها الاسم، وقرئ: ﴿يكن﴾ بالياء التحتانية ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالنصب، على أن الاسم: ﴿أَنْ قَالُوا﴾ (١). ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ كذبوا وحلفوا - مع علمهم بأنه لا ينفع - حيرةً ودَهَشًا، وقرئ: ﴿رَبِّنَا﴾ (٢) بالنصب على النداء أو المدح (٣). * * * (٢٤) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بنفي الشِّرك عنها. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَحتمِلُ أن يكون عطفًا على ﴿كَذَبُوا﴾ فيدخل في حيِّز ﴿انْظُرْ﴾، ويحتمل أن يكون إخبارًا مستأنفًا، فلا يدخل في حيِّزه.

стр. 1293

﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الشركاء؛ أي: يفترون إلهيَّته وشفاعته. * * * (٢٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حين تتلو القرآنَ، روي أنَّ جماعة من كفَّار قريش استمعوا رسول الله ﵇، فقالوا للنَّضر: ما يقول محمد؟ فقال: ما يقول إلا أساطير الأولين، مِثلَ ما أحدِّثكم عن القرون الماضية، وكان صاحبَ أخبار، فنزلت (١). ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: جمعُ كِنَان، وهو ما يستر الشيء كالغطاء. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه، ويجوز أن يكون مفعولًا لما دلَّ عليه الكلام المذكور؛ أي: منعناهم أن يفقهوه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقلًا، الأَكِنَّةُ في القلوب والوَقْرُ في الآذان مثلٌ في نبوِّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته. وما قيل: لما كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ (٢)، يَرِدُ عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع

стр. 1294

- على ما دل عليه ما مر في سبب النزول - إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الحامل للخواص والمزايا. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لفرط عنادهم، ولا بد من تخصيص الآية بغير (١) الملجئة دفعًا للمخالفة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هي التي يقع بعدها الجمل (٢)، والجملة بعدها هي الشَّرطية، ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ في محل الحال، وجواب الشرط: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) وفيه وضع المظهَر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر والعناد مع وضوح الآيات. ويجوز أن تكون ﴿حَتَّى﴾ هي الجارَّة و ﴿إِذَا﴾ لمجرد الظرفية في محل الجر فلا يكون له جواب؛ أي: حتى وقت مجيئهم، و ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾ تفسير لـ ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ الأساطير: الأباطيل، الواحدة: الأُسْطُورة بالضم، وإِسْطارةٌ بالكسر، وجَعْلُ أصدق الحديث خرافات الأولين غايةُ التَّكذيب. ويجيء الأساطير جمع أَسْطَارٍ، جمع سَطَرٍ بالتحريك (٤)، بمعنى الخط والكتابة، وعلى هذا ينطبق ما روي عن النضر فيما سبق، وأما السَّطْر بالسكون فجمعُه (٥) أَسْطرٌ وسُطُورٌ.

стр. 1295

(٢٦) - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: ينهون النَّاس عن القرآن أو الرَّسول واتِّباعه والإيمان به. ﴿يَنْهَوْنَ﴾: يَبعدون ﴿عَنْهُ﴾ بأنفسهم، فيَضلُّون ويُضلُّون. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾: وما يهلكون بذلك ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ضرر ذلك لا يتعدَّاهم إلى غيرهم، وإن كانوا يظنُّون أنهم يضرُّون رسولَ الله ﷺ . * * * (٢٧) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ مِن وقَفه؛ أي: حبسه؛ لأنَّه قال في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] (١)؛ أي: يُحبسون، والقرآن يفسِّرُ بعضَه بعضًا، وضمَّنه معنى الاطِّلاع، دلَّ على ذلك قوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾، والمعنى: إذ وُقِفوا مطَّلعين عَلَى النَّارِ (٢). وقرئ على البناء للفاعل (٣)، من وَقف عليه وقوفًا. وإنما حذف الجواب تهويلًا؛ أي: لو تراهم حين يوقَفون عليها حتى يعاينوها، أو يطَّلعون عليها وهي تحتهم، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها (٤)، لرأيت أمرًا شنيعًا لا يدخل تحت الوصف. ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا﴾ تمنوا الرجوع إلى الدنيا.

стр. 1296

﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ و ﴿نَكُونَ﴾ (١) بإضمار (أنْ) بعد الواو، لا على جواب التَّمني؛ لأن الواو لا تقع في جواب الشرط، ولا ينعقدُ مما (٢) قبلها وما بعدها شرطٌ وجواب (٣)، وإنما هي واو الجمع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، والأفعال الثلاثة متمناهٌ على سبيل الجمع بينها، لا أن كل واحد متمنًّى على حِدَة، إذ التقدير: يا ليتنا يكون لنا ردٌّ مع انتفاء التكذيب وكونِنا من (٤) المؤمنين. أو واوُ الحال (٥) على أن مدخولها حال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين. وقرئ برفعهما عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾، فيكونان داخلَين في التمني، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ راجع إلى ما تضمنه التَّمني من الوعد (٦). [وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف على ﴿نُرَدّ﴾، (٧) أو على الاستئناف، ونصب الثاني عطفًا على مصدر متوهَّم مقدَّر من الجملة السابقة، وتكون (أنْ) مضمرة بعد الواو، فالتقدير: يكون منا ردٌّ وكونٌ من المؤمنين.

стр. 1297

(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ إضرابٌ عن إرادة الإيمان المفهوم من التَّمني؛ أي: ظهر لهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم ما كانوا يخفون من النَّاس من فضائحهم وقبائحهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو رُدوا لآمنوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما وعدوا من أنفسهم. * * * (٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ استئناف أو عطف على ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١)، لا على ﴿لَعَادُوا﴾، ولا على ﴿نُهُوا﴾ (٢)، إذ حينئذ حقُّ قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أن يُؤخَّر عن المعطوف، أو يُقدَّم على المعطوف عليه. ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضمير للحياة. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ إلى الحشر والجزاء. * * * (٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ للتوبيخ والسؤال (٣)، كما يوقف العبد الجاني بين يدي

стр. 1298

سيِّده ليعاتبه، ضمَّنَ الوقوف معنى العرض، ولذلك قال: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾، والمعنى: إذ عرضوا على ربهم موقوفين، وقد أفصح عن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وقيل: معناه (١): وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرِّفوا حقَّ التعريف. وجواب (لو) محذوف كما مرَّ (٢). ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قال (٣) قائل: ماذا قال لهم ربهم حينئذ؟ فقيل: قال (٤)، والهمزة للتقريع والتعييرِ من الله تعالى على التَّكذيب وإنكارِ البعث والجزاء حين سمعوا حديثه وقالوا (٥) ما هذا بحق، والإشارة إلى البعث والجزاء. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمين. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفركم. * * * (٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: بالبعث وما يتَّصل به من أحوال الآخرة.

стр. 1299

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للتَّكذيب لا للخسران (١)؛ فإنَّ خسرانهم لا غاية له، والكلام فيها وفيما (٢) بعدها من الجملة كما مرَّ في ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ﴾. ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً، وهي مجيء الشيء بسرعة من غير خطورٍ ببالك، حال؛ أي: باغتةً، أو مصدر؛ لأنها نوع من المجيء. ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ تعالي فهذا أوانكِ، والحسرة: شدَّة النَّدم. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: قصَّرنا مع القدرة على عدم التَّقصير (٣). ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الحياة الدُّنيا، أُضْمِرَتْ لأنها معلومة وإن لم يَجْرِ لها ذكر، أو: في السَّاعة؛ أي: في شأنها والإيمانِ بها، كما في قوله: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مَن قال بالميزان واعتقَد (٤) وزنَ الأعمال وأذعن حصول الثِّقل لها يوم الجزاء فليس له أن يقول: إنَّه تمثيل لثقل أوزارهم (٥)، والمعنى: أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساةَ مَنْ يحمل ثقلَه على ظهره؛ لأنَّه (٦) مظنَّةُ الإنكار بما ذكر.

стр. 1300

والجملة حال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ اعتراضٌ، والمخصوص بالذَّم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يزرون وِزرُهم، أو الذي يَزِرونه، و ﴿سَاءَ﴾ على وزن فَعَلَ، متعدٍّ تقديره: ساءهم. * * * (٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أراد بالحياة الدُّنيا: أعمالها المخصوصةَ بها، بحيث لا يظهر أثرها في الحياة الأخرى، ولذلك قال: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فإنَّ مطلق أعمالها الشاملة (١) للعبادات ليس كذلك، ومن هنا ظهر وجه السلوك إلى طريق المجاز؛ شبِّهت أعمال الدنيا باللعب واللهو لقلَّة جدواها وسرعةِ زوال منافعها، أو لأنَّه (٢) يُلهي الناس وَيشغلهم عما يُعْقِب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]. ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إيراد لام الابتداء، وإثبات ما فيها للذين يتقون، والتأكيدُ بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشعارٌ (٣) بأن ما سوى أعمال المتقين لهو ولعب يَشتَغِل به مَن لا يَعقل، وأنَّ العاقل هو الزَّاهد في الدنيا. وقرئ: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ على الإضافة (٤)، أي: دارُ الحياة الآخرة.
следующие страницы →