← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ و ﴿نَكُونَ﴾ (١) بإضمار (أنْ) بعد الواو، لا على جواب التَّمني؛ لأن الواو لا تقع في جواب الشرط، ولا ينعقدُ مما (٢) قبلها وما بعدها شرطٌ وجواب (٣)، وإنما هي واو الجمع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، والأفعال الثلاثة متمناهٌ على سبيل الجمع بينها، لا أن كل واحد متمنًّى على حِدَة، إذ التقدير: يا ليتنا يكون لنا ردٌّ مع انتفاء التكذيب وكونِنا من (٤) المؤمنين. أو واوُ الحال (٥) على أن مدخولها حال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين. وقرئ برفعهما عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾، فيكونان داخلَين في التمني، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ راجع إلى ما تضمنه التَّمني من الوعد (٦). [وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف على ﴿نُرَدّ﴾، (٧) أو على الاستئناف، ونصب الثاني عطفًا على مصدر متوهَّم مقدَّر من الجملة السابقة، وتكون (أنْ) مضمرة بعد الواو، فالتقدير: يكون منا ردٌّ وكونٌ من المؤمنين.

стр. 1297

(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ إضرابٌ عن إرادة الإيمان المفهوم من التَّمني؛ أي: ظهر لهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم ما كانوا يخفون من النَّاس من فضائحهم وقبائحهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو رُدوا لآمنوا. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما وعدوا من أنفسهم. * * * (٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ استئناف أو عطف على ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١)، لا على ﴿لَعَادُوا﴾، ولا على ﴿نُهُوا﴾ (٢)، إذ حينئذ حقُّ قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أن يُؤخَّر عن المعطوف، أو يُقدَّم على المعطوف عليه. ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضمير للحياة. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ إلى الحشر والجزاء. * * * (٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ للتوبيخ والسؤال (٣)، كما يوقف العبد الجاني بين يدي

стр. 1298

سيِّده ليعاتبه، ضمَّنَ الوقوف معنى العرض، ولذلك قال: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾، والمعنى: إذ عرضوا على ربهم موقوفين، وقد أفصح عن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وقيل: معناه (١): وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرِّفوا حقَّ التعريف. وجواب (لو) محذوف كما مرَّ (٢). ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قال (٣) قائل: ماذا قال لهم ربهم حينئذ؟ فقيل: قال (٤)، والهمزة للتقريع والتعييرِ من الله تعالى على التَّكذيب وإنكارِ البعث والجزاء حين سمعوا حديثه وقالوا (٥) ما هذا بحق، والإشارة إلى البعث والجزاء. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمين. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفركم. * * * (٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: بالبعث وما يتَّصل به من أحوال الآخرة.

стр. 1299

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للتَّكذيب لا للخسران (١)؛ فإنَّ خسرانهم لا غاية له، والكلام فيها وفيما (٢) بعدها من الجملة كما مرَّ في ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ﴾. ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً، وهي مجيء الشيء بسرعة من غير خطورٍ ببالك، حال؛ أي: باغتةً، أو مصدر؛ لأنها نوع من المجيء. ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ تعالي فهذا أوانكِ، والحسرة: شدَّة النَّدم. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: قصَّرنا مع القدرة على عدم التَّقصير (٣). ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الحياة الدُّنيا، أُضْمِرَتْ لأنها معلومة وإن لم يَجْرِ لها ذكر، أو: في السَّاعة؛ أي: في شأنها والإيمانِ بها، كما في قوله: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مَن قال بالميزان واعتقَد (٤) وزنَ الأعمال وأذعن حصول الثِّقل لها يوم الجزاء فليس له أن يقول: إنَّه تمثيل لثقل أوزارهم (٥)، والمعنى: أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساةَ مَنْ يحمل ثقلَه على ظهره؛ لأنَّه (٦) مظنَّةُ الإنكار بما ذكر.

стр. 1300

والجملة حال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ اعتراضٌ، والمخصوص بالذَّم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يزرون وِزرُهم، أو الذي يَزِرونه، و ﴿سَاءَ﴾ على وزن فَعَلَ، متعدٍّ تقديره: ساءهم. * * * (٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أراد بالحياة الدُّنيا: أعمالها المخصوصةَ بها، بحيث لا يظهر أثرها في الحياة الأخرى، ولذلك قال: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فإنَّ مطلق أعمالها الشاملة (١) للعبادات ليس كذلك، ومن هنا ظهر وجه السلوك إلى طريق المجاز؛ شبِّهت أعمال الدنيا باللعب واللهو لقلَّة جدواها وسرعةِ زوال منافعها، أو لأنَّه (٢) يُلهي الناس وَيشغلهم عما يُعْقِب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]. ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إيراد لام الابتداء، وإثبات ما فيها للذين يتقون، والتأكيدُ بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشعارٌ (٣) بأن ما سوى أعمال المتقين لهو ولعب يَشتَغِل به مَن لا يَعقل، وأنَّ العاقل هو الزَّاهد في الدنيا. وقرئ: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ على الإضافة (٤)، أي: دارُ الحياة الآخرة.

стр. 1301

وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على خطاب المخاطَبين به (١)، أو تغليبًا على (٢) الغائبين. * * * (٣٣) - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ﴾ ﴿قَد﴾ هاهنا من باب استعمال اللفظ في نقيضه للمبالغة؛ لأنَّه بمعنى تكثير الفعل وزيادته، كما تستعمل (ربَّما) لذلك، كأنه إيماءٌ إلى أنَّ كلَّ ما يفهم من وقوع مرَّات (٣) الفعل وزيادته بالنِّسبة إلى ما يُراد منه قليلٌ، ويقوِّيه في تفخيم الفعل وكثرته إيراد ضمير الشأن ولام الابتداء في المعلوم المفيد للاعتبار به (٤) وتحقُّقِ وقوعه؛ ليلزم من كثرة وقوع المعلوم كثرةُ العلم به، ومن دوامه دوام العلم (٥). ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها (٦) من أَحْزنَ. ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾؛ أي: كثيرًا ما نعلم حزنك من قولهم: ساحر كذَّاب، أو: كاهن، وأمثاله، فتسلَّ والْهُ عن حزنك. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ المراد بنفي تكذيبه ﵇: استعظامُ تكذيبه بجعله تكذيبَ الله تعالى، لا نفيُه حقيقة.

стр. 1302

﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بل يكذِّبون الله تعالى بجحود آياته والاستهانة بكتابه، فتكذيبك تكذيبُه، ووَضْعُ (١) الظَّاهر موضعَ الضَّمير تسجيلٌ (٢) عليهم بالظُّلم، وأنَّ جحودهم مسبَّب عن تمرُّنهم وإفراطهم في الظُّلم. والالتفاتُ في اسم الله تعالى بيانٌ لعظم ما ارتكبوه، والباء لتضمُّن الجحود معنى التَّكذيب. وقرئ: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتخفيف (٣)، من أكذبه: إذا وجده كاذبًا، أو نَسَبه إلى الكذب، ومعنى كذَّبه: جعله كاذبًا في زعمه (٤). روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذِّبك، وإنَّك عندنا لمصدَّق، وإنما (٥) نُكذِب ما جئتنا به فنزلَتْ (٦). * * * (٣٤) - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

стр. 1303

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ على التَّكذيب، ومبناها على وقوع التَّكذيب، فدلَّ هذا على أنَّ المعنى ما قدَّمناه (١). ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾؛ أي: على تكذيبهم وإيذائهم، قياس (٢): واصبر كما صبروا؛ فإنَّ مع الصَّبر النَّصر. ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ فيه إيماء إلى وعد النَّصر للصَّابرين. ﴿ا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه﴾؛ أي: لمواعيده، من قولِه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ الثلاث [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: بعضُ أنبائهم وما كابدوا من مصابرة أعدائهم، ويجوز أن يكون الفاعل ضميرًا يعود على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السابقة؛ أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرُّسل للرُّسل والصبر على الإيذاء إلى أن نُصروا، و ﴿مِنْ نَبَإِ﴾ في موضع الحال، وذو الحال ذلك الضمير. * * * (٣٥) - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾: شقَّ وثقلَ. ﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عمَّا جئْتَ به.

стр. 1304

﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: مَنفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض فتُطْلع لهم آية. ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أي (١): مصعدًا تصعد به إلى السماء فتُنزل منها آية، جوابُ ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ محذوف، أي: فافعل، أي: إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه وتهالُكه ﵇ على إسلام قومه. والشرطية جواب الشَّرط الأوَّل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفةٌ لـ ﴿نَفَقًا﴾، أو متعلق بـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾، وكذا ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صفة لـ ﴿السَّمَاءِ﴾، أو متعلق بالفعل. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ولكن لم يشأ، فلا تتهالك على إيمانهم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: من الذين يجهلون ذلك وَيرومون خلافه؛ أي: لا تحرص على ما لا يكون، ولا تجزع في مقام الصبر، فإن ذلك من دأب الجهلة. * * * (٣٦) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، أي: لا يستجيب دعوتك إلى الإيمان إلا الذين يسمعون فيفهمون ويتدبَّرون، دون الموتى، وهؤلاء الذين تحرص على إيمانهم موتى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. ﴿وَالْمَوْتَى﴾ استعار (الموتى) للجهَّال؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلب، فالذين لا يسمعون إنما لا يسمعون لأنَّ قلوبهم موتى بالحقيقة.

стр. 1305

﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيُعْلمهم حين لا ينفعهم الإيمان، وأنت لا تقدر على إعلامِهم. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ للجزاء. * * * (٣٧) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ (١) عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مع كثرة ما أنزل إليه من الآيات، لعدم اعتدادهم بها عنادًا كأنه لم ينزل عليه شيء، أو آيةٌ مما اقترحوها (٢). ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ وقرئ بالتشديد (٣)، على أن نزَّل بمعنى أنزل. ﴿آيَةً﴾ مما (٤) اقترحوا، أو: آيةً إن جحدوها أخذهم العذاب، وهو من لوازم الآيات الملجئة (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللّهَ تعالى قادر على إنزالها، ولكن يفعل على مقتضى حكمته. * * * (٣٨) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

стр. 1306

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تستقرُّ فيها، وفائدته: تحقيق المقابلة بينها وبين قرينها المقابل، فإن بعض الطير (١) يتحرك على وجه الأرض إلا أنه لا يستقرُّ فيها (٢). ﴿وَلَا طَائِر﴾ وقرئ بالرفع على المحل (٣). ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تصوير لتلك الهيئة الغريبة الدَّالة على القوَّة الباهرة، والمقامُ مقامُ بيانِ كمالِ قدرته تعالى. وقيل: إنَّه لقطعِ مجازِ السُّرعة، وقيل: للتَّعميم. ويَرِدُ عليهما أنَّه لو قيل: (ولا طائرٍ في السماء) لكان أَخصرَ (٤)، وفي إفادة ذَيْنِكَ الأمرين (٥) أظهر، مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينين بذكر جهة العلوِّ في أحدهما وجهة السُّفل في الآخر. ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ محفوظةٌ أحوالُها، مقدَّرةٌ (٦) أرزاقُها وآجالُها، والمقصودُ من ذلك: بيانُ كمالِ قدرته، وشمول علمه، وسعة تدبيره؛ ليكون كالدَّليل على أنه قادرٌ على أن ينزل آية، وحُمل ﴿أُمَمٌ﴾ على المعنى فجُمِعَ تقويةً للعموم المستفاد من وقوع النَّكرة في سياق النَّفي مصحوبة بـ ﴿مِنْ﴾ التي تفيد الاستغراق.

стр. 1307

ولمَّا دل بها على كمال قدرته وإحاطة علمه، أوعدهم على ما فَرَط منهم من الإنكار بقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ وقرئ بالتَّخفيف (١) ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: ما أغفلنا وما أهملنا في اللَّوح المحفوظ. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ما لم (٢) نكتبْهُ ولم نبيِّنْه، أيَّ شيء كان، فلا بدَّ من كتابة أعمالكم وعقائدكم وأحوالكم. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إلى ذلك القادر لا إلى غيره. ﴿يُحْشَرُونَ﴾ كلُّهم فيجازيهم، وإنما أجريت مجرى العقلاء لإطلاق الأمم عليهم، أو غلَّبَ العقلاء لكونهم المقصودين. و ﴿مِنْ﴾ مزيدة، و ﴿شَيْءٍ﴾ في موضع المصدر، أو مفعولٌ به على تضمين فرَّط معنى أهمل أو أغفل. والمقصود: أنَّ مَنْ يضبطُ أحوالَ الدَّوابِّ والطَّير كلِّها وأعمالَها، ويحشرها (٣) فيُنصف بعضها من بعضٍ - كما روي أنه يأخذ للجمَّاء من القرناء (٤) - ويجازي كلَّها، كيف يهملكم سُدًى (٥). وقيل: حشرُها موتها.

стр. 1308

ويردُّه أنَّ الحشرَ بعثٌ من (١) مكانٍ إلى آخر، وتعديتُه بـ ﴿إِلَى﴾ تنصيصٌ على هذا المعنى. * * * (٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ خبرٌ ثالثٌ كناية عن عمَى البصيرة، ناظر (٢) إلى ﴿عُمْيٌ﴾ (٣) في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، وهذا أبلغ إن (٤) جعلت ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظرفًا لهم، وجُمِعَتْ لاختلاف جهات الضلالة من الكفر والجهل والعناد والتقليد. ولمَّا لخص من الدلائل القاطعة على ربوبيته وقدرته وعظمته، ووجوبِ التَّيقظ لِمَا أَوْعدَ عليه، والإقرارِ به وبالحشر= قال: والمكذِّبون بآياتنا صمٌّ وإلا (٥) سمعوا كلام المنبِّه فاستيقظوا ورجعوا، وبُكْمٌ وإلا نطقوا بالإقرار بالحقِّ، خابطون في ظلمات أنواع الضَّلالة فلا ينتهون (٦) لذلك ولا يتأمَّلون ويتفكرون (٧)

стр. 1309

فيه، ثم أكَّد ما بيَّن (١) مِنْ شدَّة جهلهم وعميهم (٢) واحتجاجهم بقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ إيذانًا بأنهم من أهل الطَّبع والختم، ومَن يُضللِ الله فلا هادي له (٣). ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كان الظاهر أن يقال: (٤) ومَن يشأ يَهْده، وإنما عدل عنه لأن هدايته تعالى - وهي إرشاد إلى الهدى - غيرُ مختصَّة ببعضٍ دون بعضٍ، بل عامَّةٌ للكلِّ. * * * (٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾: أخبِروني، لمَّا كان العلم سببَ الإخبار وضعَ طلبَ العلم موضعَ طلبِ الخبر، فصورتُه استفهامٌ، ومعناه الأمر، لاشتراكهما في الطَّلب. والكاف حرف الخطاب، أكّد به الضَّمير للتأكيد، لا محل له من الإعراب، والفعل معلَّق، أو المفعول محذوف تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعُكم إذ تدعونها. ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ تعالى كما أتى مَنْ قبلَكم. ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾: هولُها. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ تبكيتٌ لهم.

стр. 1310

﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ أنَّ الأصنام آلهة، وجوابه محذوف؛ أي: فادعوه. * * * (٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: بل تخصُّونه بالدُّعاء، كما حكي عنهم في مواضع، وتقديم المفعول للتَّخصيص. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وأرادَ أن يتفضَّل عليكم. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: آلهتكم التي تشركونها به تعالى، لمَا ركز في العقول أنَّه القادر على كشف الضُّرِّ دون غيره. * * * (٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: قبلك، و ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: كذَّبوا فكفروا (١) الرُّسل فأخذناهم، والأخذُ: الإمساكُ بقوَّة وقهر، والمراد هاهنا مبالغةُ العقوبة والملازَمة (٢). ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: البؤسِ والشدَّة (٣) كالقحط والفقر. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الضرِّ والآفات؛ وهما صيغَتا (٤) تأنيثٍ لا مذكَّر لهما.

стр. 1311

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: يتذلَّلون لنا، ويتوبون عن الذُّنوب؛ فإنَّ البلاء يليِّن القلوب. * * * (٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ معناه: نفي التَّضرُّع في ذلك الوقت مع قيام (١) الدَّاعي وعدم المانع، وذلك أنه لما جاء بـ ﴿فَلَوْلَا﴾ التَّحضيضيَّةِ الدَّاخلة على الماضي للتَّنديم دلَّت على أنه (٢) لا مانع لهم من التَّضرع الذي اقتضاه الحال، ولما كان التَّضرع مِن لِين القلب كان المعنى: لم يتضرَّعوا ولم يَلينوا (٣)، فاستدرك بقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالاستدراك عن كلامٍ غير ملفوظٍ، بل مدلول عليه معنًى. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا مانع لهم من التَّضرع إلَّا قسوةُ قلوبهم، وشدَّةُ شكيمتهم في عنادهم، وإعجابُهم بأعمالهم التي زيَّنها لهم الشيطان. * * * (٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من البأساء والضَّراء؛ أي: تركوا الاتِّعاظ به ولم ينزجروا.

стр. 1312

﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: التَّكثيرُ، دون التَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. والفتحُ المذكور تعبيرٌ عن تيسير مطالبهم الدُّنيويَّة؛ أي: امتحنَّاهم بالضرَّاء والسرَّاء، وابتليناهم بالشدَّة والرَّخاء؛ مخاشنةً (١) وملاطفةً؛ إلزامًا للحجَّة وإزاحةً للعلَّة. ويجوز أن تكون التَّوسعة عليهم مكرًا واستدراجًا؛ لِمَا روي في "مسند أحمد بن حنبل" عن عقبةَ بن عامر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا رأيْتَ اللهَ يعطي العبدَ مِنَ الدُّنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنَّما هو استدراج "، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية (٢). فالتَّوسعة قهرٌ خفيٌّ في صورة اللُّطف، كما أنَّ الأخذ بالبلاء لطفٌّ خفيٌّ في صورة القهر. وقرئ ﴿فَتَحْنَا﴾ بالتَّشديد (٣)، للتَّكَثير. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾: بَطِرُوا وأُعجِبُوا (٤) ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ من النِّعَم. ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: أهلكنا هم فجأة، وهو أشدُّ الإهلاك، إذ لم يتقدَّم شعورٌ به فتُوطَّنَ النَّفس على لقائه.

стр. 1313

﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ المُبْلِسُ: الشَّديدُ الحسرة، والبائس الحزين. * * * (٤٥) - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: استؤصلوا ولم يبقَ منهم أحد. والدَّابر: التَّابع للشَّيء مِن خلفه، يقال: دَبَرَ الولدُ الوالدَ يَدْبُرُه دبرًا ودُبورًا (١): إذا تَبِعه، ووُضع ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ موضع الضمير للتسبُّب (٢)، أي: حَقَّ عليهم الدَّمار والعذاب بسبب تمادي ظلمهم وتناهيهِ حتى (٣) لم يبقَ لهم مطمع في صلاحهم. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ على إهلاكهم، وفيه إيذان بأن إهلاك الظَّلمة من أجَلِّ النِّعَم وأحقِّها بأن يُحْمَد عليه؛ لأن وجودهم في الخلق بلاءٌ وعناءٌ، وشرُّهم متعدٍّ ومفسدةٌ دينًا ودنيا، فتخليص المؤمنين من شؤم أعمالهم وعقائدهم خيرٌ عظيمٌ ونعمةٌ سَنيَّةٌ. * * * (٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ لمَّا كان هذا التَّهديد أخفَّ من التَّهديد السَّابق اكتفى هنا بخطاب الضَّمير، ولم يؤكِّد بحرف الخطاب كما أكَّد (٤) ثمَّة.

стр. 1314

﴿سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾؛ أي: أصمَّكم وأعماكم. ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: غطَّى عليها ما يُذهِبُ فهمَكم وعقلَكم. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك، إجراءً للضَّمير مجرى اسم الإشارة، أو: بما أَخَذ وختم عليه، أو بأحد هذه المذكورات. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكرِّرها متنوعةً؛ تارة بالمقدِّمات والحجج العقليَّة، وتارة بالوعد والوعيد والتَّرغيب والتَّرهيب، وتارة بالتَّنبيه والتَّذكير بأحوال الأمم الماضية. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: يُعرضون (١)، و ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عن الآيات بعد تصريفها وظهورها، ولذلك قدَّم الضَّمير على الفعل المضارع وصيَّر الجملة اسمية؛ أي: هم المكرَّر عليهم الآيات متنوعةً لا غيرهم، يجدِّدون الإعراض دائمًا مع تجدُّد التَّصريف، فما أبعد حالهم عما فعلنا بهم! * * * (٤٧) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لمَّا كان التَّهديد شديدًا جمعَ بين أداتَي الخطاب. ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ لمَّا كانت البغتة هجومَ الأمر من غير ظهورِ أَمَارة وشعورٍ به تضمَّنَتْ معنى الخفيَة، فصحَّ مقابَلتها للجهرة، وبُدئ بها لأنها أردع من الجهرة، وإنَّما لم يقل: (خُفْيَة)؛ لأن الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى، وقرئ بواو الجمع (٢).

стр. 1315

﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ معنى الاستخبارِ النَّفيُ؛ أي: ما يُهلك به هلاك سخط وقهر ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ بالإعراض عن الآيات عنادًا؛ لاستحقاقهم ذلك بإلزام (١) الحجَّة وإزالة العذر. وقرئ: (يَهْلِكُ) (٢) من هلك. * * * (٤٨) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمطيعين بالجنَّة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للعاصين بالنَّار، وانتصابُهما على الحال، وفيهما معنى العِلِّيَّة؛ أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار، لا لأنْ يُقْترَحَ عليهم (٣) ويُسْتَهزأَ بهم. ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ما (٤) يجب إصلاحُه مما شُرعِ لهم. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثَّواب. * * * (٤٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ جعل العذاب ماسًّا كأنه حيٌّ يَطلُبُ إيلامَهم بالوصول إليهم، واستغنى بالتَّعريف عن التَّوصيف.

стр. 1316

﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن التَّصديق والطَّاعة. * * * (٥٠) - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: جمع خزينة وخِزانة، وهي ما يُخْزن؛ أي: يُحْرز ويحفظ بحيث لا تناله الأيدي، وخزائن الله تعالى: مقدوراتُه؛ أي: لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه (١)، وليس المراد التَّبرِّيَ عن دعوى الألوهية وإلَّا لقيل: لا أقول لكم إنِّي إله، كما قيل: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وأيضًا في الكناية عن الألوهيَّة (٢) بـ ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّه﴾ ما لا يَخْفَى من البشاعة، بل هو جوابٌ عن اقتراحهم عنه ﵇ أن يوسِّع عليهم خيرات الدنيا. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف على ﴿وَلَا أَقُولُ﴾، فليس معمولًا له بل للأمر، ولذلك احتيج إلى إعادة ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ في قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فإنَّه على تقدير العطف على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ لا حاجة إلى إعادته، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القول للفرق الدَّقيق بينه وبين قرينه، وهو أن مفهومَي ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ و ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ معلومان عند النَّاس فلا حاجة إلى نفيهما، إنَّما الحاجة (٣) إلى نفي ادعائهما (٤) تبرُّؤًا عن الدَّعوى الباطل بخلاف مفهوم ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، فإنَّه كان مجهولًا عندهم، بل

стр. 1317

كان الظَّاهر من حاله ﵇ الاطِّلاعَ على الغيب، فلذلك نسبوه إلى الكهانة، فالحاجة هنا إلى نفيه. ثمَّ إنَّ هذا النَّفي تضمَّن الجواب عن قولهم: إنْ كنْتَ رسولًا فأخبِرْنا بما يقع في المستقبل من المصالح والمضارِّ، فنستعدَّ (١) لتحصيل تلك ودفع هذه. ونفيُ دعوى الملَكيَّة تضمَّن الجواب عن قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ في الدَّعاوى والأحكام (٢) والإخبارات، ففيه تتميمٌ لِمَا قدَّمه (٣) من نفي الأمور الثَّلاثة، وبيانُ أنَّ منزلته (٤) الرِّسالةُ التي هي أقصى المنازل البشرية. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثلٌ للضَّال والمهتدي، أو العالم والجاهل، أو لمدَّعي المحال كالملَكية ومدَّعي الممكن الصَّحيح كالنُّبوة. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتهتدوا كالبصير، ولا (٥) تكونوا ضالِّين كالأعمى، أو: فتعلموا أنِّي ما ادَّعيت إلا ما يصحُّ للبشر، وأنَّ اتِّباع الوحي واجبٌ، فتكونوا بُصراءَ لا عميانًا. * * * (٥١) - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

стр. 1318

﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾؛ أي: بما يُوحي. ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المقرُّون بالبعث من المؤمنين المقصِّرِين في العمل، أو من أهل الكتاب، أو المتردِّدون (١) فيه كالمشركين المستعدِّين الذين علم الله تعالى أن ينجع فيهم، دون المنكرين الجازمين بانتفائه. ﴿لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ في موضع النصب على الحال من ﴿يُحْشَرُوا﴾ (٢)؛ أي: يخافون أن يحشروا غيرَ منصورين من أحد من دون الله تعالى، ولا مشفوعًا لهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يحذرون سوء العاقبة، فيعملون عمل أهل التَّقوى، أو يؤمنون فيتَّقون. ولمَّا أمر بالإنذار غيرَ المتَّقين ليتَّقوا، أمرَ بإكرام المتَّقين (٣) وتقريبهم؛ تكميلًا لأمر التَّحريض على التَّقوى بالتَّرهيب والتَّرغيب، فقال: (٥٢) - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ وقرأ ابن عامر وحده بضم الغين وإسكان الدال وإثبات واوٍ (٤) بعدها (٥)، وفيه أنَّها معرفة، ولو كانت نكرةً لجاز فيها الإضافة كما جاز: غداة يوم الجمعة.

стр. 1319

وقال أبو علي الفارسي: الوجه: الغداة؛ لأنها تستعمل نكرة وتعرَّف باللام، وأما غُدْوةٌ فمعرفة أبدًا، وهو عَلَمٌ صيغ له (١). وقال ابن خالويه في توجيهه: إن العرب تُدخل الألف واللام على المعرفة إذا جاؤوا بما فيه الألف واللام؛ ليزدوج الكلام (٢)، قال الشاعر: رأيتُ (٣) الوليد بن اليزيد مباركًا (٤) فأدخل الألف واللام على (اليزيد) لمَّا جاور (الوليد). ومنهم مَن قال: إنها (٥) إنما تكون معرفة إذا أردتَ غدوةَ نهارك، وهاهنا لم يُردْ ذلك، وكان التعريف جنسيًّا (٦). وقال الجوهري: سِير على فرسِكَ غُدْوَةَ وغُدْوَةً [وغُدْوَةُ وغُدْوَةٌ] فما نوِّن من هذا فهو نكرة، وما لم ينوَّن فهو معرفة (٧). ﴿وَالْعَشِيِّ﴾، أي: يعبدون الله تعالى دائمًا، فإنَّ المراد من (الغداة والعشي): الدَّوام على أكثر استعمالهما. وقيل: يصلُّون الصُّبح والعصر.

стр. 1320

وقَّت دعوتهم بالغداة والعشي؛ لأنها من الأعمال الظَّاهرة وهي مؤقَّتة، وأدام إرادتهم، فاستغرقت جميع أوقاتهم؛ لأنها من الأحوال (١) الباطنة، وهي مؤبَّدة. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا دنياهم بكرائمها، ولا عُقباهم بعظائمها، والوجه يعبَّر به عن ذات الشيء وحقيقته، والمراد بإرادة وجه الله تعالى: الإخلاص، رتَّب النَّهي على مواظبتهم على دعاء ربهم وعبادته مع الإخلاص؛ إشارة إلى أنها الموجِبةُ لإكرامهم، وأن مِلاك الأمر في العبادة الإخلاص، فلا يعتبَر بدونه. لمَّا قصّر لهم لسان المعارَضة سكتوا متضرِّعين بقلوبهم بين يدي الله تعالى، داعين له بحسن الابتهال، فتولَّى خصومَتهم فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلخ (٢): لا تنظر يا محمَّد إلى خِرقتهم (٣) على ظواهرهم، وانظر إلى حُرقتهم في سرائرهم، كانوا مستورين فشهَرهم الله تعالى. قال الإمام أبو منصور: ذهب عامَّة أهل التَّأويل إلى أن النبيَّ ﵇ همَّ بطرد فقراء المسلمين طمعاً في إسلام رؤساء المشركين، فعاتبه الله في ذلك وأنزل (٤) عليه هذه الآية. ولكنَّه بعيدٌ سمجٌ، ينسبون النبيَّ ﵇ إلى أقبح فعلٍ وأوحشه، ولا يحتمل أن يكون النبي ﷺ يقرِّب الأعداء ويبعد الأولياء، ولو فعل ذلك لوجد الكفرة عليه مطعناً، يقولون: يدعو الناس إلى الإيمان والتَّوحيد

стр. 1321

والاتِّباع له (١)، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعدهم، هذا لَعمري مدفوعٌ في عقل كلِّ عاقل، ولكن يجوز أن يكون طلبَ ذلك منه أولئك، فأمَّا أنْ يهمَّ هو به فلا، ويجوز أن يكون هذا من الله تعالى ابتداءَ تأديب وتعليم له في صحبة (٢) أصحابه ﵃ ومعاملتهم، وإخباراً عن قَدْرهم عنده (٣). ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (٤) [الشعراء: ١١٣]. وذلك أن المشركين طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فشهد (٥) الله تعالى لهم بالإخلاص، وقال لنبيه ﵇: ما عليكَ من حسابهم من شيءٍ كما لا عليهم من حسابكَ من شيءٍ؛ أي: لا يلزمُك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم (٦) بعد اتِّسامهم بسيرة المتَّقين وصلاحِ ظواهرهم، إنما ذلك على الله تعالى أو عليهم، أَخلصوا أو لم يُخلصوا لا عليك، فحالهم في ذلك بالنسبة إليك كحالك بالنسبة إليهم سواءً لا يتعدَّى ذنب أحد إلى صاحبه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فالجملتان في تأدية المعنى المراد بمنزلة جملة واحدة. وقيل: حساب رزقهم؛ أي: فقرهم.

стр. 1322

وقيل الضمير للمشركين؛ أي: لا يؤاخَذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يَهمَّك إيمانهم فتطرد المؤمنين لأجلهم. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النَّفي؛ أي: ما عليك شيء من حسابهم فتطردهم. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب النهي؛ أي: ولا تطردهم فتكون من الظالمين، وجوِّز (١) عطفُه على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التَّسبُّب، ولا يساعده المعنى فإن الطرد إنما يستقيم جواباً للنَّفي على تقدير أن يكون حسابهم عليه، وحينئذ لا يكون سبباً للظلم إلَّا أن يُقدَّرَ: فتطردهم بقول المشركين. * * * (٥٣) - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفَتْنِ العظيم، وهو اختلاف أحوال النَّاس في الدُّنيا ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾؛ أي: ابتلينا بعضَ النَّاس ببعض، فقدَّمنا فقراء المسلمين على أشراف قريش بالسَّبْقِ إلى الإيمان. ﴿لِيَقُولُوا﴾؛ أي: ليقول المشركون، اللام للعاقبة، وإنْ ضمِّن (فتناهم) معنى: خذلناهم، فللتعليل (٢) على أصل القائلين بصحة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض؛ أي: خذلناهم مفتونين ليقولوا، فكان افتتانُهم سبباً لهذا القول، فإنَّه لا يقوله إلا مفتون مخذول.

стр. 1323

﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى أولئك المؤمنين واستحقارٌ لهم، كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]. ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ أي: أنعم الله عليهم من بيننا (١) بالتَّوفيق لمَا يُسْعِدهم عندَه من الإيمان وإصابة الحقِّ من دوننا، ونحن الرُّؤساء والمقدَّمون، وهمُ الضُّعفاء والعبيد؟ وهو إنكار منهم لأن يكون أمثالهم على الحقِّ وممنوناً عليهم بالخير دونهم، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الاستفهام للتقرير؛ أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفِّقه لذلك، وبمن لا يقع منه فيخذله. * * * (٥٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ هم الذين يَدْعون ربهم، وصَفهم بالمواظبة على الطَّاعة، ثمَّ بالإيمان بالله وآياته من الحجج والبيِّنات بعد النَّهي عن طردهم، ثم أمَره ﵇ بقوله: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بأنْ (٢) يبدأ بالتسليم عليهم، أو يبلِّغَ سلام الله تعالى إليهم، ويبشِّرهم بسَعَة رحمته وفضله عليهم، وأن الله تعالى التزم لهم ذلك إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلَتِي العلم والعمل، ومَن كان كذلك وجب إعزازه وإكرامه، وأن يبشَّر مِنَ الله تعالى بالسَّلامة في الدُّنيا والرَّحمة في الآخرة.

стр. 1324

وقيل: إنَّ قوماً جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنَّا أصبنا ذنوباً عظاماً، فلم يردَّ عليهم شيئاً، فانصرفوا، فنزلَتْ (١). ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ استئناف وتفسير للرَّحمة (٢)، وقرئ بالفتح (٣) على البدل منها. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع الحال؛ أي: عملَه وهو جاهل، أو ملتبساً بجهالة. ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد العمل السُّوء. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالتَّدارك والعزم على أن لا يعود إلى مثله. ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتَحه مَن فتَح الأول (٤) - غير نافع (٥) - على إضمار مبتدأ أو خبر؛ أي: فأمرُه أو: فله غفرانُه (٦). * * * (٥٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التفصيلِ البيِّن ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: آياتِ القرآن في وصف المطيعين والمجرمين، الأوَّابين منهم والمصرِّين.

стр. 1325

﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ استبان يجيء لازماً ومتعدياً كتبيَّن، وقرئ بالتاء والياء مع رفع السَّبيل؛ لأنها تذكر وتؤنث، وقرئ بالتاء ونصب السبيل على خطاب الرَّسول ﵇ (١). وهو إمَّا عطفٌ على علَّةٍ محذوفةٍ؛ أي: ليَظهر الحقُّ ولتستبين، أو علةٌ لمحذوفٍ؛ أي: ولتستبين سبيل المجرمين فصَّلنا ذلك التَّفصيل. واكتفى بذكر ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليتبيَّن سبيلُ غيرهم منه، ولم يعكس؛ لأنَّ ذِكْرَه أهمُّ، والنَّفس إلى التَّرهيب أطوع منها إلى التَّرغيب. * * * (٥٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بنور فطرتي وصفاء عقلي، وبما أُوْحِيَ إليَّ ونُصِبَ لي من الدَّلائل ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: عن (٢) عبادة ما تعبدون من دون الله أو تدَّعونها آلهة. ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ تأكيدٌ لقطع أطماعهم، واستجهالٌ لهم، واستركاكٌ لعقولهم، وإشارةٌ إلى علَّة النَّهي ومُوجِب الامتناع عن مشايعتهم (٣)، وبَيانٌ لسبب

стр. 1326

ضلالتهم، وذمٌّ لطريقتهم، وأنَّ ما هم عليه مجرَّد هوًى فارغٌ عن (١) الدَّليل، مخالفٌ لمقتضى (٢) العقل، ومعنى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ إن اتَّبعتكم فقد ضللت؛ لأنَّه مركوزٌ في العقل أنَّ كلَّ من اتَّبعَ الهوى فهو ضالٌّ، وفيه تنبيهٌ على أنَّ كلَّ مَنْ طلبَ الحقَّ فلْيَجتنبِ الهوى، وليتمسَّك بالحجَّة، وليلزم طريقَ العقل فإنه الهدى، ثمَّ أكَّده بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ على الجملة الاسميَّة الدَّالة على المنافاة الكليَّة بين متابعة الهوى والهدى، مع المبالغة بناءً على أنَّ ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أبلغ من: مُهتدٍ، وهو أبلغ من اهتدى، وأنَّ القيدَ دخلَ النَّفيَ؛ أي: وما أنا من الهدى في شيء ما دمْتُ أنا أنا؛ يعني: أنتم كذلك، وفيه غايةُ التَّنفير عن طريقتهم. ولما بالغ في نفي كون الهوى متَّبعاً نبَّه على ما يجبُ اتِّباعه بقوله: (٥٧) - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ البيِّنة: الحجَّة الواضحة التي تفصِل الحقَّ عن الباطل، فقَيْدُ الوضوح معتبرٌ في مفهومِها، لا مستفادٌ من التَّنكير، وهي أعمُّ من أن تكون وحياً، أو دليلاً عقليًّا، أو كشفاً. ﴿مِنْ رَبِّي﴾ متعلِّقٌ بالظَّرف، أو صفةٌ لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: إنِّي من معرفةِ ربي ووحدانيَّته على يقين وحجَّة واضحة.

стр. 1327

﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بربي حيث أشركتم به غيره، أو بالبيِّنة حملاً على المعنى، وهو القرآن. ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ يعني: العذابَ الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ في تأخير العذاب، لا لي، وإلَّا عجَّلته. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ في كلِّ ما يرجعُ إليه (١) من التَّعجيل والتَّأخير، ﴿الْحَقَّ﴾ صفة للمصدر؛ أي: القضاءَ الحق، أو مفعولٌ به؛ أي: يصنعُ الحقَّ، من قولهم: قضى الدِّرع: إذا صنعها، فيرجع إلى القراءة الثَّانية معنى. قال الزَّجَّاج: هذه كتبت هاهنا بغير ياء على اللَّفظ؛ لأن الياء سقطت لالتقاء السَّاكنين، كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] (٢). وقرئ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٣)؛ أي: يَتَّبع ما هو الحقُّ، مِن قصَّ أثرَه: إذا اتَّبعه (٤)، لا من قصَّ الخبر؛ لعدم ملاءمته ما في السِّباق واللحاق من الحكم والفصل. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: القاضِينَ، وأصل القضاء: الفَصْلُ بين الحقِّ والباطل. * * *

стр. 1328

(٥٨) - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾؛ أي: في قدرتي ووسعي (١) ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: لأهلكتُكم عاجلاً غضباً (٢) لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، استعظامٌ (٣) لتكذيبهم؛ أي (٤): أنتم إذ كذَّبتم بما هو أبينُ شيءٍ أحِقَّاءُ بأن تغافَصْتُم (٥) بالعذاب المستأصِل، لكنَّه لا قدرةَ لي، ولو كان عندي أشدُّ العذاب لأوقعْتُه بكم (٦) معجَّلاً. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ تسجيلٌ عليهم بأنَّ الشِّركَ الذي هم عليه أعظمُ (٧) الظُّلم، والظُّلم مُوجِبٌ لاستحقاق العذاب، لكنَّ اللهَ أعلمُ بما يجب من عذابهم وبوقته (٨). * * * (٥٩) - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 1329

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ المفاتح: جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المخزن الذي يُفتَح ويُغلَق، أو جمع مِفْتَح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءةُ مَن قرأ: (مفاتيح) (١)، استعار المفاتح (٢) لِمَا أَوْدعَ فيه الغيبَ من خزائنه، أو لِمَا يُتوصَّل به إليه، وخُصِّصَتْ به بتقديم الظَّرف؛ لأنَّه لا اطِّلاع [لأحد] (٣) عليه ولا يُمْكِنُه التَّوصلُ إليه. ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: هو المطَّلع على مكامن غيبه وحده، أو هو ما به يتوصل إليه، كأنَّه في مخزن (٤) مغلَقٍ أبوابُه، لا يعلم أحدٌ مفاتيحه إلا هو؛ أعني: أسبابَه التي توجِب إحداثه وإظهاره في عالم الشَّهادة؛ أي: يعلم أوقاتها وما في تأخيرها وتعجيلها من الحكمة، فيُظهرها على ما اقتضته مشيئتُه بحسَب حكمته، وهذا الوجه أنسب لِمَا قبله. وقيل (٥): فيه دليل على علمه تعالى بالأشياء قبل وقوعها. وَيرِدُ عليه أنَّ علمه تعالى ليس بزمانيٍّ، فلا قَبْليَّة بينه وبين الأشياء الواقعة في الزَّمان. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كما يعلم ما في الغيب كلِّه يعلم ما في الشَّهادة كلِّها.

стр. 1330

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ أي: هو المطَّلعُ (١) تأكيد لعلمِه بالجزئيَّات ممَّا في البر والبحر. ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أرادَ: ظلمةَ بطنها، وظلمةَ داخل الشَّجر، وظلمةَ جوف الثَّمر، عبَّرَ بالحبَّة الموصوفة بهذه الصِّفة عمَّا هو في مبدأ أمره من جنس النَّامي، وبالورقة السَّاقطة عما بلغ منتهى شأنه منه. ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوفان (٢) على ﴿وَرَقَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتَّكرير لقوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ لأن معناه ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ متَّحدٌ، أما (٣) إذا أريد بـ (الكتاب المبين) علمَ الله تعالى فظاهر، وأما إذا أريد به اللَّوح المحفوظ فلأن كونه فيه (٤) كنايةٌ عن كونه من جملة معلوماته تعالى، فهو آيلٌ إليه في المعنى. وقرئت بالرفع (٥) على العطف على محل ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾، أو على الابتداء، والخبر: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. * * * (٦٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 1331

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ في وقت النَّوم، وإنما عبَّر عنه بـ (الليل)، وعن وقت الكسب بـ (النَّهار)؛ لأنهما معظم (١) أوقاتهما، أو خصَّهما بالذِّكْر جرياً على ما هو المعتاد، واستعير (٢) التَّوفِّي من الموت للنَّوم لمشابهته إيَّاه في زوال الإحساس والتَّمييز (٣) به، وأصله: قبض الشيء بتمامه. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: ما كسبتم فيه، ومنه إطلاق الجوارح للأعضاء الكاسبة، والواو حالية لا ناسقة (٤)، وإلَّا لَأُخِّرَتْ عن قوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النَّهار، والبعث: الإثارة، لا الإيقاظ، غايتُه بعث النائم يكون بإيقاظه، فلا ترشيح فيه للتَّوفِّي. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في علم الله تعالى، وقضاءُ الأجل: فصلُ مدَّة العمر من غيرها، ويلزمه البلوغ إلى نهاية تلك المدة، وهو المراد (٥) هاهنا. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالبعث بعد الموت، والمراد: الرجوع إلى موقف (٦) حسابه تعالى. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبرُكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، فهذا وعدٌ ووعيدٌ. وقيل: الخطابُ للكفرة، والمعنى: إنكم مُلقَون كالجيف في اللَّيل وكاسبون للآثام في النَّهار، وإنه تعالى مطَّلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم

стр. 1332

به أعماركم من الغفلة والمعاصي في اللَّيل والنَّهار؛ ليقضي المدة التي ضربها لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم يخبركم بأعمالكم بالجزاء. وعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ﴾ عائداً إلى مضمون كونهم متوفَّين (١) وكاسبين، وتكون (في) بمعنى لام التعليل، والأجلُ المسمَّى مدة الكون، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف المُسْتَغنَى عنه بما قُدِّمَ من الوجه الظَّاهر. * * * (٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد مرَّ تفسيره في هذه السورة (٢)، قدَّمه على ذكر إرسال الحَفَظة؛ ليُعْلم أنَّ إرسالهم لم يكن لحاجته (٣) إلى ذلك؛ لأن المحتاج لا يكون قاهراً، بل لحكمة، وهي أنْ يكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغ في الزجر؛ لأن مَنْ علمَ أنَّ عليه رُقباءَ كانَ أجدرَ بالحذر؛ فإنَّ العبد إذا وثق بلطف مولاه، واعتمد على عفوه، لم (٤) يحتشم منه احتشامه من خدَمه المتطلِّعين (٥) عليه.

стр. 1333

﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الجمهور على أنهم حفظةُ الأعمال، وقيل: إنهم الذين يحفظون أنفاس الخلق وَيعدُّونها إلى وقت انقضائها، ثم يقبضون الرُّوح، ويناسبه ما بعده. و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يُرْسِلُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ (١) [الرحمن: ٣٥]، وهم لتمكُّنهم منَّا جُعِلوا مستولين علينا. ويجوز تعلُّقه بـ ﴿حَفَظَةً﴾؛ أي: حافظين عليكم. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: قبضَتْ روحَه، وقرئ بألفٍ ممالة (٢). ﴿رُسُلُنَا﴾ جاء جمعاً، عُني (٣) به ملك الموت وأعوانه، وفي عبارة ﴿رُسُلُنَا﴾ إشارةٌ إلى أن ذلك بأمرِه تعالى، ولذلك أسنده إلى نفسه في موضعٍ آخر، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ جملة حالية أو استئنافية، قرئ بالتشديد والتخفيف (٤)، فالتَّفريطُ: التَّواني والتَّأخير عن الحد، والإفراطُ: مجاوزةُ الحدِّ؛ أي: لا ينقصون مما أُمروا به ولا يزيدون فيه. * * *

стр. 1334

(٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ومن التَّكلم إليها، وذلك لأن الردَّ يناسبه اعتبار (١) الغيبة وإن لم تكن حقيقة، فإنهم ما غابوا عن قبضته (٢) لحظة، ولا خرجوا عن (٣) حُكْمِه نظرةً ولا لفظةً، فالردُّ من البرزخ إلى موقف العرض للسؤال والجواب. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾: الذي يتولَّى أمرهم، والمراد منه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] معنى المعين والنَّاصر، فلا منافاة. ﴿الْحَقِّ﴾: العدل الذي لا يحكمُ إلَّا بالحق، وقرئ بالنَّصب على المدح (٤). ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكمَ لغيره فيه. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ إذ لا يشغلُه حساب عن حسابٍ، ولا لبث في السؤال والجواب. * * * (٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وقرئ بالتَّخفيف (٥).

стр. 1335

﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: من شدائدهما، استُعِيْرَت الظُّلمة للشِّدَّة للمشاركة بينها وبين معنى الظُّلمة في الهول وإبطال الأبصار، فقيل لليوم الشديد: يومٌ مظلِم، ومن جملة تلك الشدائد الخسفُ في البر، والغرقُ في البحر. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مظهرين بلسان (١) الضراعة وهي شدَّةُ الفقر والحاجة إلى الشيء، ومسرِّين الطلب على وجه الإخلاص بالقلب. أو: إظهاراً وإسراراً. وقرئ: (خِفْية) بالكسر (٢). ﴿لئن أنجيتنا﴾ وقرئ: ﴿أَنْجَانَا﴾ (٣)؛ ليوافق قوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ إشارة إلى الظُّلمات. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ جواب القسم المحذوف، ولا حاجة إلى تقدير القول؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عليه. * * * (٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٤). ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التَّكثير المناسِبة للمقام (٥)، فإنَّ كلَّ نَفْسٍ عند كُلِّ نَفَسٍ في مَعرض الآفات التي لا تعدُّ ولا تحصى، والله تعالى ينجيها
следующие страницы →