← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ في وقت النَّوم، وإنما عبَّر عنه بـ (الليل)، وعن وقت الكسب بـ (النَّهار)؛ لأنهما معظم (١) أوقاتهما، أو خصَّهما بالذِّكْر جرياً على ما هو المعتاد، واستعير (٢) التَّوفِّي من الموت للنَّوم لمشابهته إيَّاه في زوال الإحساس والتَّمييز (٣) به، وأصله: قبض الشيء بتمامه. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: ما كسبتم فيه، ومنه إطلاق الجوارح للأعضاء الكاسبة، والواو حالية لا ناسقة (٤)، وإلَّا لَأُخِّرَتْ عن قوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النَّهار، والبعث: الإثارة، لا الإيقاظ، غايتُه بعث النائم يكون بإيقاظه، فلا ترشيح فيه للتَّوفِّي. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في علم الله تعالى، وقضاءُ الأجل: فصلُ مدَّة العمر من غيرها، ويلزمه البلوغ إلى نهاية تلك المدة، وهو المراد (٥) هاهنا. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالبعث بعد الموت، والمراد: الرجوع إلى موقف (٦) حسابه تعالى. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبرُكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، فهذا وعدٌ ووعيدٌ. وقيل: الخطابُ للكفرة، والمعنى: إنكم مُلقَون كالجيف في اللَّيل وكاسبون للآثام في النَّهار، وإنه تعالى مطَّلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم

стр. 1332

به أعماركم من الغفلة والمعاصي في اللَّيل والنَّهار؛ ليقضي المدة التي ضربها لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم يخبركم بأعمالكم بالجزاء. وعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ﴾ عائداً إلى مضمون كونهم متوفَّين (١) وكاسبين، وتكون (في) بمعنى لام التعليل، والأجلُ المسمَّى مدة الكون، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف المُسْتَغنَى عنه بما قُدِّمَ من الوجه الظَّاهر. * * * (٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد مرَّ تفسيره في هذه السورة (٢)، قدَّمه على ذكر إرسال الحَفَظة؛ ليُعْلم أنَّ إرسالهم لم يكن لحاجته (٣) إلى ذلك؛ لأن المحتاج لا يكون قاهراً، بل لحكمة، وهي أنْ يكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغ في الزجر؛ لأن مَنْ علمَ أنَّ عليه رُقباءَ كانَ أجدرَ بالحذر؛ فإنَّ العبد إذا وثق بلطف مولاه، واعتمد على عفوه، لم (٤) يحتشم منه احتشامه من خدَمه المتطلِّعين (٥) عليه.

стр. 1333

﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الجمهور على أنهم حفظةُ الأعمال، وقيل: إنهم الذين يحفظون أنفاس الخلق وَيعدُّونها إلى وقت انقضائها، ثم يقبضون الرُّوح، ويناسبه ما بعده. و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يُرْسِلُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ (١) [الرحمن: ٣٥]، وهم لتمكُّنهم منَّا جُعِلوا مستولين علينا. ويجوز تعلُّقه بـ ﴿حَفَظَةً﴾؛ أي: حافظين عليكم. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: قبضَتْ روحَه، وقرئ بألفٍ ممالة (٢). ﴿رُسُلُنَا﴾ جاء جمعاً، عُني (٣) به ملك الموت وأعوانه، وفي عبارة ﴿رُسُلُنَا﴾ إشارةٌ إلى أن ذلك بأمرِه تعالى، ولذلك أسنده إلى نفسه في موضعٍ آخر، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ جملة حالية أو استئنافية، قرئ بالتشديد والتخفيف (٤)، فالتَّفريطُ: التَّواني والتَّأخير عن الحد، والإفراطُ: مجاوزةُ الحدِّ؛ أي: لا ينقصون مما أُمروا به ولا يزيدون فيه. * * *

стр. 1334

(٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ومن التَّكلم إليها، وذلك لأن الردَّ يناسبه اعتبار (١) الغيبة وإن لم تكن حقيقة، فإنهم ما غابوا عن قبضته (٢) لحظة، ولا خرجوا عن (٣) حُكْمِه نظرةً ولا لفظةً، فالردُّ من البرزخ إلى موقف العرض للسؤال والجواب. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾: الذي يتولَّى أمرهم، والمراد منه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] معنى المعين والنَّاصر، فلا منافاة. ﴿الْحَقِّ﴾: العدل الذي لا يحكمُ إلَّا بالحق، وقرئ بالنَّصب على المدح (٤). ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكمَ لغيره فيه. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ إذ لا يشغلُه حساب عن حسابٍ، ولا لبث في السؤال والجواب. * * * (٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وقرئ بالتَّخفيف (٥).

стр. 1335

﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: من شدائدهما، استُعِيْرَت الظُّلمة للشِّدَّة للمشاركة بينها وبين معنى الظُّلمة في الهول وإبطال الأبصار، فقيل لليوم الشديد: يومٌ مظلِم، ومن جملة تلك الشدائد الخسفُ في البر، والغرقُ في البحر. ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مظهرين بلسان (١) الضراعة وهي شدَّةُ الفقر والحاجة إلى الشيء، ومسرِّين الطلب على وجه الإخلاص بالقلب. أو: إظهاراً وإسراراً. وقرئ: (خِفْية) بالكسر (٢). ﴿لئن أنجيتنا﴾ وقرئ: ﴿أَنْجَانَا﴾ (٣)؛ ليوافق قوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ إشارة إلى الظُّلمات. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ جواب القسم المحذوف، ولا حاجة إلى تقدير القول؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عليه. * * * (٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٤). ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التَّكثير المناسِبة للمقام (٥)، فإنَّ كلَّ نَفْسٍ عند كُلِّ نَفَسٍ في مَعرض الآفات التي لا تعدُّ ولا تحصى، والله تعالى ينجيها

стр. 1336

منها، وهي نعمة الدَّفع، قلَّما يتنبَّه لها الإنسان، والأُولى نعمة النَّفع، وهي ونعمة الدَّفع (١) ظاهرتان، وتعذَّر الخروج عن عهدة الشُّكر لعدم إمكان التَّذكُّر (٢) لأفراد النَّوع الأول بتفاصيلها؛ لأنَّ الشُّكرَ على النِّعمة نعمةٌ أخرى. ثم إنَّ الكلام المذكور على طريقة ذِكْر أحد الفعلين، وعطف متعلَّق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه (٣)، حتى كأنَّه شريكه في أصل الفعل؛ إجراءً لأحد المتقاربَين مجرى الآخر، كقولك: تقلَّدْتُ (٤) السَّيف والرُّمح. الكربُ: الغمُّ الشَّديد، أصلُه من كَرْب الأرض، وهو قَلْبُها بالحَفْرِ، فالغمُّ إذا اشتدَّ يثيرُ النَّفس إثارةَ ذلك. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصون حين تتخلَّصون، ولا تشكرون بل تشركون. و ﴿ثُمَّ﴾ استبعادٌ لشركهم (٥) مع إقرارهم بأنَّه لا يكشفُ الضرَّ إلا الله تعالى، ووضع ﴿تُشْرِكُونَ﴾ موضعَ (لا تشكرون) مبالغة؛ لأنَّ مَنْ يشركْ بالله تعالى فهو في غاية البعد مِنْ شُكْرِه. * * *

стр. 1337

(٦٥) - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾؛ أي: هو الذي عرفتموه أنَّه الكامل في القدرة الذي لا قدرةَ لأحدٍ سواه، ومعنى الآية الوعيدُ بأحد أصناف (١) العذاب المذكورة. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كما أمطر (٢) على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كما خسف بقارون وأغرق فرعون. أو من الجهتين معاً كطوفان نوح ﵇. وقيد ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ لقطع المجاز، كما في ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ولك أن تقول: أُريدَ بالأوَّل ظلمُ السَّلاطين، وبالثَّاني تسلُّط (٣) السَّفِلة، وبالثَّالث الهَرْج والمرج (٤)، ولما كان بين هذه الثلاثة منع الجمع بحسب العادة أتى بأداة التَّعريف. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: فِرَقاً، بأن يخلط أمرهم خلْطَ شِقاق لا وِفاق، فيجعلهم مختلفي الأهواء ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يقاتل بعضكم بعضاً، نعوذ بالله من الفِتن ما ظهرَ منها وما بطنَ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: نحوِّلها من نوعٍ إلى آخر من أنواع الكلام تقريراً للمعنى، وتقريباً إلى الفهم.

стр. 1338

وقيل: بالوعد والوعيد، ولا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. * * * (٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أو استئناف، أخبرَ بأنَّ القرآن الصدق. ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظ، وُكِلَ إليَّ أمرُكم أمنعكم من (١) التَّكذيب إجباراً، إنما أنا منذرٌ، واللهُ الحفيظُ. * * * (٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ النَّبأ: خبرٌ ذو خطرٍ. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ شيءٍ يُنبَّأُ به (٢) في القرآن وقتُ استقرارٍ وحصولٍ لا بدَّ منه. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند وقوعه في الدُّنيا والآخرة، وهذا كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]. * * * (٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ بالاستهزاء بها، والطَّعن فيها، والخوضُ أصلُه

стр. 1339

في الماء، ثم استُعمِلَ بطريق الاستعارة في غمرات الأشياء التي هي مجاهل؛ تشبيهاً لها بغمرات الماء. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمرَهَ ﵇ بعدمِ التَّوجُّهِ إليهم، وتركِ الإقبال عليهم، ويلزمه النَّهي عن مجالستهم بطريق المبالغة. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾: إلى أن يخوضوا ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: غير القرآن، وليس هذا من قَبيل عود الضَّمير على الآيات باعتبار المعنى، بل من قَبيل عودِه إلى ما عُلِمَ من سِياقِ الكلام. ﴿وَإِمَّا﴾ (ما): زائدة بعد (إنْ) الشَّرطيَّة، وما أحسنَ مجيءَ الشرط الأول بـ (إذا) التي هي للمحقَّق أو غالب الوقوع، ومجيءَ هذا الشَّرط بـ (إنْ) التي هي (١) للمشكوك. ﴿يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾: وإن شغَلَكَ بوسوسته (٢) حتى تنسى النَّهي عن مجالستهم. وقرئ: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بالتشديد (٣). ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾: فقم كما ذَكَرْتَ (٤). ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: معهم، فوضع الظَّاهر موضعه دلالةً على أنهم ظَلموا بوضعهم التَّكذيب والاستهزاء موضع التَّصديق والاستعظام. * * *

стр. 1340

(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: وما على المتقين الذين يجالسونهم. ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: مما يحاسبون عليه من ذنوبهم واستهزائهم. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: مَن كان نقيَّ الثَّوب عن ارتكاب الآثام كانَ بمعزلٍ يوم النُّشور عن ملاقاة الآلام. ﴿وَلَكِنْ﴾ عليهم أن يذكِّروهم ﴿ذِكْرَى﴾ - إذا سمعوهم يخوضون فيها - بالموعظة والنَّهي، ثم القيامُ وإظهار الكراهة، فـ ﴿ذِكْرَى﴾ نصبٌ على المصدر، ويجوز أن يكون مرفوعَ المحل؛ أي: عليهم ذكرى. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: يجتنبون الخوض حياءً أو كراهةً لمساءتهم، ويجوز أن يكون الضمير لـ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لعلهم يثبتون على التَّقوى ويزدادون منها (١). ولا يجوز عطفه على محل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ يأباه؛ لأنَّه حال من ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قُدِّمَ عليه، فصار قيداً للعامل، فإذا عطف ﴿ذِكْرَى﴾ عليه (٢) كانت جهة القيد معتبرةً فيه بحكم الاستعمال في عطف المفرد على المفرد، لا سيَّما بحرف الاستدراك، فيؤول المعنى إلى أنَّ عليك (٣) من حسابهم ذكرى، وذكرى ليس من حسابهم (٤).

стр. 1341

روي: أنَّ المسلمين قالوا (١): لئن كنَّا نقوم كلَّما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، فنزلت (٢). * * * (٧٠) - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: الذين كُلِّفُوه. ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ حيث سخروا به، أو بنوا (٣) أمر دينهم على التَّشهي، وتديَّنوا بما لا نفع فيه أصلاً؛ كعبادة الصَّنم، وتحريم البحائر والسَّوائب، أو جعلوا (٤) عيدهم الذي جُعِلَ ميقاتَ عبادتهم زمانَ لهوٍ ولعبٍ. والمعنى: أعرضْ عنهم، ولا تبالِ بأفعالهم وأقوالهم. ويجوز أن يكون تهديداً لهم كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]؛ أي: كِلْهُم إلى ما اختاروا فإنَّا أعتدنا لهم من خفيِّ المكر

стр. 1342

ما إذا حللنا بهم كسَرنا عليهم (١) خمار الغفلة (٢) وكشفنا عنهم خمار الوهم والجهلة، فلا ضرورة في جعله منسوخاً بآية السَّيف بحمله على الأمر بالكفِّ عنهم (٣) وترك التَّعرض لهم. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اعتراض لبيان أنهم إنما بنوا أمر دينهم على اللَّعب واللَّهو؛ لأن الحياة الدُّنيا غرَّتهم حتى أنكروا البعث. ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ مخافةَ أن تُمْنَعَ نفسٌ من النَّجاة، وتُسلَمَ إلى الهلَكَة والعقاب (٤) بسبب كسبها، وتُرْهَنَ بسوء عملِها، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، أو تُبسرَ بسوءِ (٥) كسبها وعذابه، كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]. الإبسال والبَسْل: المنع، ومنه أسد باسلٌ: مانع أن يُفْلِتْ فريسته (٦)، ويقال: بَسَرَ (٧) الرَّجل: إذا اشتدَّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بَسلَ. ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفعُ عنها العذاب.

стр. 1343

﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾: وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ: الفِديةُ؛ لأنَّها تعادِل المفدَى، و ﴿كُلَّ﴾ نصب على المصدر. و ﴿يُؤْخَذْ﴾ في قوله: ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ مسندٌ إلى ﴿مِنْهَا﴾، لا إلى ضمير العدل إلَّا بطريق الاستخدام (١)؛ لأنَّ العدلَ هاهنا مصدرٌ لوقوعه مفعولاً مطلقاً، وهو ليس بمأخوذ، بخلاف قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] لأنَّه المفدَى به (٢). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: أُسلموا إلى العذاب بسبب قبائح أعمالهم، استعمل الإبسال للإسلام إلى العذاب؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه يمنعُ المُسْلِم. ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ بما شربوا من القَهوات (٣) ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما تناولوا من الشَّهوات ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: هم بسبب كفرهم بينَ ماءٍ مغليٍّ يتجرجَر في بطونهم، ونارٍ تشتعلُ بأبدانهم. * * * (٧١) - ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 1344

﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾: نعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إنْ أطعناه ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إنْ عصيناه (١). ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾؛ أي: نرتدُّ عن ديننا ونرجع إلى ورائنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فأنقذَنا منه ورزقَنا الإسلام، والمعنى: إنكارُ الرُّجوع إلى الشرك بعد الاهتداء (٢) إلى التَّوحيد. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: مردة الجن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ استهوى: استفعل، من هوى في الأرض: إذا ذهبَ فيها، كأن معناه: طلبَتْ هواه وحرصَتْ عليه. وزعم أبو علي أنه من الهُويِّ؛ أي: ألقته في هُوَّة، ويكون استفعل بمعنى أفعل، نحو استزلَّ في أزلَّ (٣)، ويأباه ما بعده. ﴿حَيْرَانَ﴾ نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حَيرى، كسَكْران وسَكرى، والحيرانُ: هو الذي لا يهتدي لجهةٍ حَيرةً. ﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾: رفقة ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الطريق المستقيم، سمى الطَّريق بالهدى تسمية بالمصدر (٤) للمبالغة. ﴿ائْتِنَا﴾ يقولون له: ائتنا، وأضمر القول لدلالة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ (٥) على ذلك.

стр. 1345

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وحده، وما عداه ضلالٌ. ﴿وَأُمِرْنَا﴾ في محل النصب عطفاً (١) على محل: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ على أنه مقول، واللام في: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ للتعليل؛ أي: وأُمرنا بذلك لِنُسلِمَ. وزعم الكسائي والفرَّاء أن لام (كي) تقع في موضع (أنْ) في (أردتُ وأمرتُ) (٢)، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. * * * (٧٢) - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقيل: بمعنى الباء (٣). وقيل: زائدة. ويقوِّيهما عطف: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ عليه؛ كأنَّه قيل: وأمرنا بأن نسلم وأن أقيموا، وعلى الأول معناه: وأمرنا بذلك الإسلام وإقامة الصلاة وتقوى (٤) الله تعالى، فـ (أنْ) (٥) المصدريهُ إذا دخلت على الأمر ينسبك منه مصدر ولا يلاحَظ فيه معنى الأمر، وقيل (٦): موقع العلة موقع المأمور به، فعطف على موقعها. ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يوم القيامة.

стр. 1346

(٧٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ في موضع النَّصب على الحال؛ أي: قائماً بالحقِّ والحكمة. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: وحين (١) يقول لشيء من الأشياء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذلك الشيء. و ﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بما دل عليه ﴿بِالْحَقِّ﴾، أو بـ ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: ويقوم بالحق يوم يقول، أو: خَلَق السماوات يوم يقول، و ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، قُدِّم (٢) فيها الخبر لا للحصر؛ لأنَّه لا يناسب المقام، بل لكونه الشَّائعَ في الاستعمال مثل: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقيل: ﴿قَوْلُهُ﴾ (٣) على هذا الوجه يجوز أن يكون فاعلَ ﴿فَيَكُونُ﴾ و (٤) ﴿الْحَقُّ﴾ صفتَه؛ أي: ويوم يقول بالحق يوم يأمر كلَّ شيء بقوله: كن، فيكون قوله الحق. ولا يخلو عن تعسُّفٍ. أو منصوبٌ بفعل الاستقرار على أن ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ خبر (٥) مقدَّم، كقولك: يومَ الجمعة القتال، أو ﴿قَوْلُهُ﴾ مبتدأ و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره، و ﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ للقول أو للحقِّ.

стр. 1347

﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، أو بدل من ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ على أنَّ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بمعنى الإحياء والبعث، و ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾: قوله (١) يوم القيامة. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هو عالم الغيب، أو خبرٌ بعد خبر. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ كالفذلكة للآية. * * * (٧٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو عطف بيان لـ (أبيه). قال الفرَّاء والزجَّاج: ليس بين النَّسَّابين اختلافٌ في أنَّ اسمَ أبِ إبراهيم ﵇ تارخ، والذي في القرآن يدلُّ على أن اسمه آزَر، فكأنَّ آزر لقبٌ له (٢). قال ابن الأنباري: قد يغلب على اسم الرَّجل لقبُه حتى يكون به أشهرَ منه باسمه، فيجوز أن يكون آزرُ لقباً أَبطل الاسم لشهرته، فخبَّر الله تعالى به لذلك (٣). وقيل: نعتٌ مشتقٌّ من الأَزْر، ومُنع صرفه للعُجمة والعلميَّة، أو للوصفيَّة ووزن الفعل.

стр. 1348

وقيل: المراد به الصنم، ونصبُه بفعل مضمر يفسِّره ما بعده؛ أي: أتَعْبدُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تفسير وتقرير (١)، ويعضُده قراءة: (أأزراً) بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وسكونِ الزاي ونصبِ الراء منوَّنة (٢)، على أنه اسم (٣) صنم، وتوجيهُها على الأول أنه كان (٤) اسمَ صنم يعبده، فلقِّب به للُزومه عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف. وقرئ بالضم على النداء (٥)، وهذا ظاهر في حذف المضاف؛ لِمَا في نداء الابن أباه باسم العلم [من] (٦) غلظة واستخفاف لا يليق بشأن إبراهيم ﵇ الموصوفِ بغاية الحلم، المعروفِ بمحبَّة أبيه ورعايته، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ظاهر الضلالة، حيث لم يقل: أنت وقومك في ضلال مبين؛ رعايةً لحسن الأدب في مخاطبته.

стр. 1349

(٧٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ مثلَ ذلك التَّبصير نُبصِّرُ إبراهيم، قد سبق أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام إشارةٌ إلى هذه الإراءة، لا إلى شيء آخر يشبَّه به، هذه جملةٌ (١) اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه. ومعنى الاعتراض: بيان الإرشاد والهداية بطريق الاستدلال الموصِل إلى مرتبةِ الإيقان الذي انكشف به (٢) ضلال قومه، ولذلك استحضر الماضي حالاً فقال: ﴿نُرِي﴾ على الحكاية؛ تصويراً وتعظيماً. وقرئ بالتاء ورفع الملكوت (٣)، ومعناه: نُبْصِّرُه دلائلَ الرُّبوبية. ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَعَلوتٌ من الملك، وزيادة التاء للمبالغة، ومعناه: ما يُملك به الشيء؛ أي: نُرِي ربوبيةَ الله تعالى للسماوات والأرض وما يدبِّرهما (٤) ويملكهما به من عجائب الملكوت. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أي: فعلنا (٥) ذلك ليكون من المحققِّين، أو فصَّلنا ذلك (٦)، قيل: أي: ليستدلَّ وليكونَ، ويأباه اللام والواو؛ فإنهما لا يذكران بين الاستدلال وما يترتَّب (٧) عليه.

стр. 1350

(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، أي: سترَه بظلامه. ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: كان (١) الكوكب الزُّهَرةَ أو المشتري (٢). ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ على سبيل الوضع، فإن المستدِلَّ على فساد قول يحكيه على ما يقول (٣) الخصم، ثمَّ يَكرُّ (٤) عليه بالإفساد، وفي تقديم الاعتراض المذكور تنبيهٌ على هذا، فإنَّه لولا ذلك البيان لسبق إلى الوهم أنه استدلال لنفسه (٥)، وأما بعد تقديمه فلم يبقَ ذلك الاحتمال. من هنا (٦) تبيَّن أنه لا مجال لأنْ يكون قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ تفصيلاً وبياناً لذلك؛ لأن ما ذُكِر طريقُ النَّظر والاستدلال الشَّائعِ الذائع بين أصحاب الظَّواهر المقصورِ نظرُهم على عالَم الملك، فلا يصلح بياناً لحالِ مَن يترقَّى منه إلى درجة الوقوف على سرائر عالَم الملكوت أو المشاهدةِ (٧) لأسرار الربوبيَّة، فتَعيَّن عطفه على ﴿قَالَ (٨) إِبْرَاهِيمُ﴾ فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبِّههم على (٩) ضلالتهم ويرشدَهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال.

стр. 1351

﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ الأفول: الغروب. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: الأربابَ المنتقلين من حالٍ إلى حالٍ، المحتجِبين بالغروب والانتقال، فضلاً عن أنْ أعبدهم، فالتعبير (١) بالانتقال من مكان إلى مكان من خواصِّ الأجرام المحتاجة إلى الرَّبِّ فلا تصلح للرُّبوبيَّة. * * * (٧٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ البزوغ: الطُّلوع. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ كأنَّه غاب عن نظره، أو لم يكن حين رآه في ابتداء الطُّلوع بل كان في وراء الجبل ثم طلع منه، أو في (٢) جانبٍ آخر لا يراه، وإلَّا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب (٣) ثمَّ يَغرب قبلَ طلوع الشَّمس. ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ تنبيهاً لقومه على أن مَن اتَّخذ الآفل المتغيِّر إلهاً فهو ضالٌّ، وأنَّ الهدايةَ إلى الحقِّ إنما تكون من فضل الرب (٤) وعطائه، وهذا طريقُ مَنْ يتلطَّف في البحث والإرشاد بإظهار المناصحة لنفسه وإمحاضِ النُّصح حين أراد لصاحبه ما أراد لنفسه، ويَنسب الذَّمَّ والتَّقريع إلى نفسه لا يواجه به الخصم ليكون أبعد من امتعاضه وعناده، وأشدَّ تلييناً لعريكته، وكسراً

стр. 1352

لعود شكيمته، كما قال صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، وفيه تقريعٌ قويٌّ. * * * (٧٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ذكَّر اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو لأنَّه لا يفرَّق في غير لغة العرب بين المذكَّر والمؤنث في الإشارة (١)، فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللُّغة في مقام الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار. وأما ما قيل: وكان (٢) اختيار هذه الطَّريقة واجباً لصيانة (٣) الرَّبِّ عن شبهة التَّأنيث، فيَرِدُ عليه: أن هذا الوجوب في الرَّبِّ الحقيقيِّ مسلَّم، وأما الذي فرض بالإبطال بإظهار ما فيه من الأوصاف النَّافية للرُّبوبية فالوجوب المذكور فيه ممنوع، بل المناسب حينئذ إظهار علامة التَّأنيث؛ لما فيه من الإشارة إلى ما سِيْقَ له العبارة. ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ من باب مراعاة النَّصَفَةِ أيضاً مع الخصم، ويحتمل أن يكون تجريد اسم الإشارة عن علامة التأنيث أيضاً من هذا الباب، كأنه يفرضُ ما يفرضه ربًّا متجنباً عمَّا يمكن التجنُّب عنه ممَّا (٤) يوهم ما لا يليق بشأن الرَّبِّ. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدَثة المتغيرة

стр. 1353

المحتاجة (١) إلى محدِثٍ ومدبِّرٍ مغيِّرٍ، وهذا صريحٌ في أنَّ الكلام مع القوم، وقد دلَّ قولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ على أنه عارفٌ (٢) بأنَّ له ربًّا يستحقُّ العبادة، ومنه الهداية، وأنَّ قومَه على الضَّلالة، وأشعرَ بأنَّ محاجَّته كانت مع منكِرٍ مبالِغٍ في الإنكار؛ حيث احتيج إلى القَسَم، فإنَّ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئة للقسَم، وفي ﴿لَأَكُونَنَّ﴾ جواب قسَم. لمَّا تمَّ استدلاله وظهرَ بالحجَّة، ولم يبقَ شبهةٌ يتمسَّك بها الخصم، صرَّحَ بالمقصود، وأظهرَ التَّبرِّيَ ممَّا كانوا يشركون به عن (٣) آخرها، والتوجُّهَ إلى مَنْ دلَّتْ عليه الممكناتُ المتغيِّرة من موجِدها ومبدِعها فقال: (٧٩) - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إنَّما استدلَّ بالأفُول دون البزوغ - مع دلالته أيضاً على التَّغيُّر والانتقال من حالٍ إلى حالٍ - لتعدُّد دلالته من جهة الانتقال والاختفاء وانتفاء التَّورَية، ولأنه لا مجال للاستدلال بالبزوغ في الكوكب؛ لأنَّه رآه في وسط السماء حين قرَّر (٤) الاستدلال. * * *

стр. 1354

(٨٠) - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: خاصموه في توحيده (١) تعالى ونفي الشركاء عنه. ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾ وقرئ بتخفيف النُّون (٢). ﴿فِي اللَّهِ﴾: في وحدانيته تعالى، أنكر مخاصمتهم فيها بعد أن حجَّ عليهم بالبرهان، كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ إلى توحيده، وكانوا خوَّفوه أنَّ معبوداتهم تصيبه بسوء، فقال: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾؛ أي: ولا أخاف معبوداتكم وقتاً مّا؛ لأَنَّها لا تضرُّ ولا تنفع ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ نصب على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ مشيئةِ ربِّي ﴿شَيْئًا﴾ يُخافُ من جهتها، مثل أن يصيبني مكروه من جهة الكواكب والشَّمس والقمر، فإنْ كان فذلك منه تعالى لا منها. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ اعتراض كالتَّعليل للاستثناء؛ أي: لا أعلم، والله أحاط علماً بكلِّ شيء، فلا يبعد أن يكون في علمه أن يصيبني مكروهٌ من جهتها. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَبَعْدَ ما لخَّصتُه من الدَّليل لا تتذكَّرون مؤدَّاه؟ وهو أنْ لا مؤثر إلَّا الله تعالى، والفاء للعطف على مقدَّر؛ أي: أتخوفونني فلا تتذكرون (٣)، فتميِّزوا بين الصَّحيح والفاسد والقادر والعاجز. * * *

стр. 1355

(٨١) - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم تعجَّب من جهلهم بقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا تأثيرَ له في شيءٍ ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وأنتم لا تخافون ما يوجب كمال (١) الخوف، وهو إشراككم بالله القادر على كلِّ شيء ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ بإشراكه ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ فإنَّ إقامةَ الحجَّة على التَّركِ (٢) ممتنع وتعريض بوجود (٣) الحجَّة على نفيه. ولمَّا دلَّ الكلام على أنهم يخافون المأمونَ مِنْ كلِّ وجهٍ وهم لا يخافون المخُوف من جميع الوجوه قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الموحِّدون أم المشركون، ولم يقلْ: فأيُّنا أنا أم أنتم؛ حفظاً للأدب واحترازاً عن تزكية النَّفس. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يحقُّ أنْ يُخافُ منه، ثم استأنف جواب الاستفهام (٤) بقوله: (٨٢) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ أي: ولم يخلِطوه بشركٍ، كنسبة التَّأثير إلى الغير بعد التَّصديق بالله تعالى، لمَا روي أن الآية لمَّا نزلت شقَّ ذلك على الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ :

стр. 1356

"ليس ما تظنُّون، إنَّما هو ما قال لقمانُ لابنه (١): ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (٢). وقيل: بمعصيته. ويؤيِّد الأوَّل كونُه جواباً للاستفهام من المشرِك والموحِّد. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموحِّدون ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ دون غيرهم ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ خاصَّة. * * * (٨٣) - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَتِلْكَ﴾: إشارةٌ إلى ما احتجَّ به (٣) إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿حُجَّتُنَا﴾ خبرُ (تلك). ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: ألهمناها إيَّاه، ووفَّقناه لها ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حُجَّتُنَا﴾، و ﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر بعد خبر، أو جملة مبيِّنة (٤)، أو ﴿حُجَّتُنَا﴾ بدل، و ﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر، و ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليه مفعول ﴿آتَيْنَاهَا﴾؛ أي: آتيناها (٥) حجَّة على قومه.

стр. 1357

﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم (١) والحكمة، وقرئ: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رفعِه وخفضِه ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالِ المرفوع والمخفوض، واستحقاقِ كلٍّ منهما بما فُعِلَ به. * * * (٨٤) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: كلًّا منهما هدينا ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل إبراهيم ﵇. وقومُ نوحٍ ﵇ أوَّلُ قومٍ عبدوا الأصنام، ووحَّدَ هو اللهَ تعالى، ففي عبارة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أنَّ فيه أسوةً حسنةً لإبراهيم ﵇، وأمَّا عَدُّ هداه نعمةً لإبراهيم ﵇ من حيث إنه أبوه (٣)، وشرفُ الوالد يتعدَّى، فحقُّه أن يَذكرَ نوحاً ﵇ بعلاقته لإبراهيم ﵇ كما ذُكِرَ مَنْ ذُكِرَ (٤) بعدَه كذلك. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّميرُ لإبراهيم ﵇؛ لأنَّ الكلامَ فيه، ويونس ﵇ من ذريَّته؛ لِمَا ذكرَ في "جامع الأصول" أنه كان من الأسباط في زمن شعيب ﵇، أرسله الله تعالى إلى نينوى من بلد الموصل (٥).

стр. 1358

ولا بُعدَ في عَدِّ لوط ﵇ من ذرية إبراهيم ﵇ باعتبار أنه كان ابن أخيه، هاجر معه إلى الشَّام، فلا ضرورةَ داعيةَ إلى تخصيص البيان بالمعدودين في الآية الأولى والثانية، وعطفِ المذكورين في الثالثة على نوح ﵇. وقيل: لنوح ﵇؛ لأنَّه أقرب، وفيه أنه يلزم حينئذ إفرادُ إسماعيل ﵇ عن باقي ذريَّة إبراهيم ﵇. ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ أيوب بن أموص (١) من أسباط إسحاق ﵇ ﴿وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الجزاء العظيم الذي جزينا إبراهيم ﵇؛ مِنْ رفعِ درجاته، وكثرة أولاده، والنُّبوَّةِ فيهم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين أحسنوا في عبادتنا. * * * (٨٥) - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾: هو المسيح ابن مريم ﵉، دلَّ (٢) ذكرُه على تناولِ الذُّريَّة لأولاد البنت. ﴿وَإِلْيَاسَ﴾: هو من سبط هارون ﵇، وقيل: هو إدريس جدُّ نوح ﵉، فيكون البيان مخصوصاً بمن في الآية الأولى. ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الكاملين (٣) في الصَّلاح، وهو الإتيانُ بما ينبغي، والتَّحرُّزُ

стр. 1359

عمَّا لا ينبغي، وفي توصيف الأنبياء ﵈ بالصلاح تنويهٌ بشأن تلك الصِّفة، وتنبيهٌ على عظيم قَدْرها كما في وصف الأنبياء ﵈ والملائكة بالإيمان؛ فإنَّ (١) أوصافَ الأشرافِ أشرافُ الأوصاف. * * * (٨٦) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ هو اليسَع بن أخطوب، وقرئ: (اللَّيْسَعَ) كضَيْغَمٍ (٢)، وعلى القراءتين هو علم أعجمي، قيل: أُدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله (٣): رأيْتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكاً ويردُّه لزوم اللَّام له، فالوجه ما قال ابن مالك: ما قارنَتْ (أل) نقلَه كالنَّضر والنُّعمان، أو ارتجالَه كاليسع والسَّمَوأل، فإنَّ الأغلب ثبوتَ (أل) فيه (٤). ﴿وَيُونُسَ﴾: هو يونس بن متَّى ﵇. ﴿وَلُوطًا﴾: هو ابن هاران ابن أخِ إبراهيم ﵇. ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوَّة على مَن ليس من الأنبياء، ولا بدَّ من هذا القيد كيلا يلزمَ تفضيل كلٍّ منهم على الآخر، أو تفضيلُ كلٍّ من المعاصِرين على الآخر (٥).

стр. 1360

(٨٧) - ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ في محل النَّصب عطفاً على (كلًّا) أو ﴿نُوحًا﴾، و (من) للتَّبعيض؛ إذ (١) منهم مَن لم يكن نبيًّا ولا مهديًّا. ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿فَضَّلْنَا﴾ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقريرٌ لبيان ما هُدوا إليه. * * * (٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما دانوا به ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيه دليل على أن الهداية بمشيئته تعالى، وأمَّا أنَّه متفضِّل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته تعالى، وذلك غير ظاهرٍ من الكلام. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ مع فضلِهم وتقدُّمِهم وعلوِّ درجاتهم ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لكانوا كغيرهم في بطلان أعمالهم بسقوطِ ثوابها عنهم. * * * (٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: جنسه ﴿وَالْحُكْمَ﴾: الحكمة، أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ قد يأتي الفرق بينها وبين الرسالة في سورة الأعراف.

стр. 1361

﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾؛ أي: بهذه الثَّلاثة، أو بالأخير منها ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكَّة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾: هم مؤمنو أهلِ المدينة، قاله ابن عباس ﵄ (١). ومعنى توكيلهم: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها كما يوكَّل الرَّجل بالشيء ليقوم به ويعتمده، فمعنى المراعاة داخل في مفهوم التَّوكيل. ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الباء الأولى صلة الكافرين، والثانية توكيد للنَّفي (٢). * * * (٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الإشارة (٣) إلى الأنبياء المتقدِّم ذكرُهم. ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ تقديم ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ للتَّخصيص؛ أي: فاخْتَصَّ (٤) هداهُم بالاقتداء، ولا تقتدِ إلَّا بهم. والمراد بهداهم: الإيمان والتَّوحيد وأصل الدِّين مما (٥) اشترك الكلُّ فيه، دون الفروع من الشرائع المختلفة والأديان، فإنها تختلف بحسب الأزمان، بقي قسم آخر وهو الفروع من (٦) المتَّفق عليه كالصَّوم والصَّلاة وحرمة الكذب والزِّنا، فيدخل هذا القسم من الفروع مع الأصول تحت مطلق الهدى من

стр. 1362

المشترك المضاف إلى الكل، فيصلح متمسَّكاً في الجملة على قولِ مَن قال (١): إنَّه ﷺ كان متعبَّداً بشرائعِ مَن قبله. والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف، ومَن أثبتها في الدَّرج ساكنةً أجرى الوصل مجرى الوقف (٢)، ووجهُ إشباعها أن تُجعَلَ كنايةً عن المصدر. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على التَّبليغ ﴿أَجْرًا﴾: جُعْلاً من جهتكم، كما لم يسأل الأنبياء ﵈ (٣) السَّابقون. قيل: هذا (٤) من جُملة ما أُمِرَ بالاقتداء بهم فيه، وفيه اعترافٌ بعدم اختصاص الهدى المذكور بالأصول، فلا وجه لنفي التَّمسُّكِ المارِّ ذِكْرُه. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: التَّبليغ أو القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾: تذكرةٌ وعظةٌ لهم. * * * (٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما عرفوه حقَّ معرفته في الرَّحمة على عباده، والإنعام عليهم ببعثة الرُّسل وإنزال الكتب، أو في السَّخط على الكافرين والبطش بهم حين أنكروا الوحي والنبوَّة وأقدموا على تلك المقالة العظيمة.

стр. 1363

﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والقائلون هم اليهود، بدليل إلزامهم بإنزال التَّوراة على موسى ﵇. وقيل: القائلون قريش، وإنما أُلزِموا بإنزال التَّوراة لأنَّه كان من المشهورات الذَّائعة عندهم، ولذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾: ﴿نُورًا وَهُدًى﴾ حالان؛ أي: جامعاً بين كونِه نوراً تتبيَّن به الأحكام والشَّرائع، وبينَ كونِه هدًى للنَّاس إلى التَّوحيد والمعاد. ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ اعتراض لبيان سوءِ حملِهم للكتابِ وفِعْلهم به (١) ما ينافي كونه نوراً وهدًى للنَّاس؛ توبيخاً لهم وتعييراً. ﴿قَرَاطِيسَ﴾: ورقات متفرِّقةً ليتمكنوا بتفريقها على ما قصدوا من الإبداء والإخفاء. ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قراءة الجمهور: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾؛ نقضاً لكلامهم وإلزاماً لهم، وقرأ بعضهم بالياء التحتانيَّة (٢)؛ حملاً على ما (٣) ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾، ولتضمين الإلزام توبيخَهم على تبعيضِ التَّوراة وتحريفها، وإبداءِ بعضٍ وإخفاءِ بعضٍ، وعلى هذا التفت إلى الغيبة تبعيداً لهم بسبب فعلهم القبيح، ثم التفت ثانياً إلى الخطاب تنبيهاً على أن الغائبين هم المخاطبون، وما أحسن الالتفاتين: حيث

стр. 1364

أُريدَ نسبة القبيح إليهم أعرض عنهم حتى لا يواجَهوا به، وحيث نسبَ إليهم الحسن وهو عِلْم ما لم يعلموا به خاطبَهم به. ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ خطاب لليهود؛ أي: على لسان محمَّد ﷺ . ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ﴾ مع كونكم حملَةَ الكتاب ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلمَ منكم من (١) الحكم والمواعظ والقصص زيادةً (٢) على ما في التَّوراة، وبياناً لِمَا التبسَ عليكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، وعلى القول الثاني الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمرٌ بالجوابِ عنهم؛ إشعاراً بأنَّ الجوابَ متعيِّنٌ لا يَلتبسُ عليهم، ولا يناكرون (٣) فيه، وهو: اللهُ أنزله، حذف الخبر لدلالة ﴿أَنْزَلَ﴾ في السُّؤال عليه، لكنَّهم بُهِتوا محجوجين (٤) مُلزَمين لا يقدرون على الجواب خوف (٥) الفضيحة. ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الكلام بعد الإلزام؛ أي: لا كلام إلا هذا، ولهذا سمَّى كلامَهم غير هذا خوضاً في الباطل؛ أي: هراءً (٦) وهذَياناً، وسمَّاهم لاعبين لأنَّ الكلام الذي ليس بنافع ولا معقول لعبٌ. ومعنى ﴿ذَرْهُمْ﴾: لا عليك بعد إلزام الحجة إن لم يسكتوا فاتركهم، ﴿يَلْعَبُونَ﴾:

стр. 1365

حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ (١)، و ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له (٢)، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه (٣)، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ (٤) وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾. * * * (٩٢) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن. والتَّعظيمُ الذي قصد بـ ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] حصَل من تنكير ﴿كِتَابٌ﴾ فحصل التَّعادل بين القولين (٥). ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ المنافع الثَّابتة والفوائد الباقية، فإنَّ البركة: ثبوت الخير على الازدياد. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الإنجيل وسائر الكتب الإلهيَّة المخبِرة عن رسالةِ

стр. 1366

نبيِّنا ﷺ ، والمبشِّرة عن بعثته، وموجبة (١) إلى تصديقه ﵇ في دعوى النبوَّة، وهو من المقاصد الأصليَّة من إنزال القرآن. ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطفٌ على ما دلَّ عليه صفة الكتاب؛ أي: للبركات وللتَّصديق وللإنذار، اكتفى بذكره عن مقابليه وخصَّه بالذِّكْرِ لعمومه. وقيل: يجوز عطفه على صريح الوصف؛ أي: كتاب مبارك وكائن للإنذار، وعطفُ الظَّرف على المفرد في (٢) باب الصفة والخبر كثير. أو علةٌ لمحذوف (٣)؛ أي: ولتنذر أنزلناه (٤)، وقرئ بالياء (٥)، والضمير لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهلَ مكَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ به (٦) لأنَّها قِبْلةُ أهل القُرَى ومحجُّهم، ومكانُ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ للناس، ولأنَّها أعظمُ القرى شأناً. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من أهل الشرق والغرب (٧)، وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ مع أنَّ أصلَ الإنزال للإنذار العام؛ لأن نزوله عربيًّا لأجلهم، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].

стр. 1367

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنَّ التَّصديق بالآخرة يحمِلُ صاحبَه على النَّظر والتَّدبُّر خوفَ العاقبة، حتى يؤمنَ بالكتاب وبالنبيِّ ﷺ ويحافظَ على الطَّاعات. ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة: المحافظةُ على الطَّاعات كلِّها، وإنَّما خصَّ الصَّلاة بالذِّكرِ لأنَّها عمادُ الدِّين، فاروق (١) بين الكفر والإسلام، ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر، فمَن واظبَ عليها واظبَ على كلِّها. * * * (٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنَّه بعثه الله تعالى نبيًّا؛ كمسيلمةَ كذَّاب (٢) اليمامة، والأسود كذَّاب صنعاء، أو اختلقَ (٣) عليه أحكامه (٤) كعمرو بن لحيٍّ ومتابعيه (٥). ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: هو عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] كان رسول الله ﷺ يملي عليه، حتى إذا بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ

стр. 1368

خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] تعجَّبَ ظ (١) عبد الله من أطوار خلقة الإنسان (٢)، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقالَ ﵇: "اكتبها، فكذلك نزلَتْ"، فشكَّ عبدُ الله وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقاً لقد أُوحِيَ إليَّ كما أُوحِيَ إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلْتُ كما قال، فارتدَّ عن الإسلام ولحق بمكَّة، ثم رجع مسلماً قبل فتح مكة (٣). ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضر بن الحارث وأشباهه حيث قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ اللام إمَّا للعهد والإشارةُ إلى المذكورين من اليهود والمتنبِّئةِ وسائر المُدَّعين، وإمَّا للجنس ودخل هؤلاء تحته دخولاً أوليًّا. وحذف جواب (لو) وهو: لرأيت أمراً عظيماً؛ إيماء إلى أنه لا يمكن وصفه لشدَّته. وحذف مفعول ﴿تَرَى﴾ لدلالة ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ عليه؛ أي: ولو ترى الظَّالمين. ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أصلُ الغَمْرَة: ما يَغمر من الماء، فاستُعيرَتْ (٤) للشدَّةِ الغالبةِ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إليهم: حال ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على تقدير القول؛ أي: يقولون: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم.

стр. 1369

وقيل: باسطوها بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: خلِّصوها من أيدينا، أي: لا يقدرون على الخلاص، تشبيه لهم بالمطالِب المعنِّف والغريم المشدِّد، الذي لا يمهِل ولا يخفِّف، بل يلحُّ ويبرِّح، تصويراً لعنفهم في إزهاق الرُّوح، والغلظ في المطالبة والقبض من غير تنفيس، أو بالمؤاخذ الباطش القائل لأسيره تهكُّماً: خلِّص نفسك منِّي (١)؛ يريد تعجيزه وأنَّه لا يقدر على الخلاص البتَّة. ﴿الْيَوْمَ﴾ يريد به: وقتَ الإماتة، أو الوقتَ الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له (٢). ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إضافة العذاب إلى الهون لإفادة الأصالة فيه والتمكُّن والعراقة، كما يقال (٣): رجلُ سوءٍ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾: بسبب قولكم ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ كنسبة الولد (٤) والشريك إليه، ودعوى النبوَّة والوحي كاذباً. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وباستكباركم من الآيات فلا تؤمنوا بها. * * * (٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ للحساب والجزاء.

стр. 1370

﴿فُرَادَى﴾: منفردين عن أموالكم وأولادكم وسائر ما آثَرْتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم (١)، وهو جمع فَرْدٍ، أو جمع فَريدٍ، كقَرينٍ وقُرانَى، ورَديفٍ ورُدَافَى، والألف للتَّأنيث ككُسالى. وقرئ: (فُرادًا) بالتنوين، قيل (٢): كرُخال (٣)، وفيه: أنه بالضم اسم جمع، وبالكسر جمع رخِل بكسر الخاء، وقد يقال: الرُّخال بالضم أنه جمع إمَّا تجوُّزًا وإمَّا لقلب الكسرة ضمة، وقرئ: (فُرادَ) كثُلاثَ، و: (فَرْدى) (٤) كسكرى (٥). ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ صفة لمصدر؛ أي: مجيئا مثلَ خَلْقِنا لكم أول مرة (٦)، أو صفةٌ لـ ﴿فُرَادَىنَ﴾، أو بدل منه؛ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية، أو حالٌ عن ضمير في ﴿فُرَادَى﴾؛ أي: مشبِهين ابتداءَ خلقكم عراة حفاة غرلًا بهما. وانتصب ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الظَّرف. ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي (٧): أعطيناكم وتفضَّلنا به عليكم في الدُّنيا فشُغِلْتم به عن الآخرة.
следующие страницы →