← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

نبيِّنا ﷺ ، والمبشِّرة عن بعثته، وموجبة (١) إلى تصديقه ﵇ في دعوى النبوَّة، وهو من المقاصد الأصليَّة من إنزال القرآن. ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطفٌ على ما دلَّ عليه صفة الكتاب؛ أي: للبركات وللتَّصديق وللإنذار، اكتفى بذكره عن مقابليه وخصَّه بالذِّكْرِ لعمومه. وقيل: يجوز عطفه على صريح الوصف؛ أي: كتاب مبارك وكائن للإنذار، وعطفُ الظَّرف على المفرد في (٢) باب الصفة والخبر كثير. أو علةٌ لمحذوف (٣)؛ أي: ولتنذر أنزلناه (٤)، وقرئ بالياء (٥)، والضمير لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهلَ مكَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ به (٦) لأنَّها قِبْلةُ أهل القُرَى ومحجُّهم، ومكانُ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ للناس، ولأنَّها أعظمُ القرى شأناً. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من أهل الشرق والغرب (٧)، وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ مع أنَّ أصلَ الإنزال للإنذار العام؛ لأن نزوله عربيًّا لأجلهم، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].

стр. 1367

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنَّ التَّصديق بالآخرة يحمِلُ صاحبَه على النَّظر والتَّدبُّر خوفَ العاقبة، حتى يؤمنَ بالكتاب وبالنبيِّ ﷺ ويحافظَ على الطَّاعات. ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة: المحافظةُ على الطَّاعات كلِّها، وإنَّما خصَّ الصَّلاة بالذِّكرِ لأنَّها عمادُ الدِّين، فاروق (١) بين الكفر والإسلام، ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر، فمَن واظبَ عليها واظبَ على كلِّها. * * * (٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنَّه بعثه الله تعالى نبيًّا؛ كمسيلمةَ كذَّاب (٢) اليمامة، والأسود كذَّاب صنعاء، أو اختلقَ (٣) عليه أحكامه (٤) كعمرو بن لحيٍّ ومتابعيه (٥). ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: هو عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] كان رسول الله ﷺ يملي عليه، حتى إذا بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ

стр. 1368

خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] تعجَّبَ ظ (١) عبد الله من أطوار خلقة الإنسان (٢)، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقالَ ﵇: "اكتبها، فكذلك نزلَتْ"، فشكَّ عبدُ الله وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقاً لقد أُوحِيَ إليَّ كما أُوحِيَ إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلْتُ كما قال، فارتدَّ عن الإسلام ولحق بمكَّة، ثم رجع مسلماً قبل فتح مكة (٣). ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضر بن الحارث وأشباهه حيث قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ اللام إمَّا للعهد والإشارةُ إلى المذكورين من اليهود والمتنبِّئةِ وسائر المُدَّعين، وإمَّا للجنس ودخل هؤلاء تحته دخولاً أوليًّا. وحذف جواب (لو) وهو: لرأيت أمراً عظيماً؛ إيماء إلى أنه لا يمكن وصفه لشدَّته. وحذف مفعول ﴿تَرَى﴾ لدلالة ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ عليه؛ أي: ولو ترى الظَّالمين. ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أصلُ الغَمْرَة: ما يَغمر من الماء، فاستُعيرَتْ (٤) للشدَّةِ الغالبةِ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إليهم: حال ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على تقدير القول؛ أي: يقولون: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم.

стр. 1369

وقيل: باسطوها بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: خلِّصوها من أيدينا، أي: لا يقدرون على الخلاص، تشبيه لهم بالمطالِب المعنِّف والغريم المشدِّد، الذي لا يمهِل ولا يخفِّف، بل يلحُّ ويبرِّح، تصويراً لعنفهم في إزهاق الرُّوح، والغلظ في المطالبة والقبض من غير تنفيس، أو بالمؤاخذ الباطش القائل لأسيره تهكُّماً: خلِّص نفسك منِّي (١)؛ يريد تعجيزه وأنَّه لا يقدر على الخلاص البتَّة. ﴿الْيَوْمَ﴾ يريد به: وقتَ الإماتة، أو الوقتَ الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له (٢). ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إضافة العذاب إلى الهون لإفادة الأصالة فيه والتمكُّن والعراقة، كما يقال (٣): رجلُ سوءٍ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾: بسبب قولكم ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ كنسبة الولد (٤) والشريك إليه، ودعوى النبوَّة والوحي كاذباً. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وباستكباركم من الآيات فلا تؤمنوا بها. * * * (٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ للحساب والجزاء.

стр. 1370

﴿فُرَادَى﴾: منفردين عن أموالكم وأولادكم وسائر ما آثَرْتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم (١)، وهو جمع فَرْدٍ، أو جمع فَريدٍ، كقَرينٍ وقُرانَى، ورَديفٍ ورُدَافَى، والألف للتَّأنيث ككُسالى. وقرئ: (فُرادًا) بالتنوين، قيل (٢): كرُخال (٣)، وفيه: أنه بالضم اسم جمع، وبالكسر جمع رخِل بكسر الخاء، وقد يقال: الرُّخال بالضم أنه جمع إمَّا تجوُّزًا وإمَّا لقلب الكسرة ضمة، وقرئ: (فُرادَ) كثُلاثَ، و: (فَرْدى) (٤) كسكرى (٥). ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ صفة لمصدر؛ أي: مجيئا مثلَ خَلْقِنا لكم أول مرة (٦)، أو صفةٌ لـ ﴿فُرَادَىنَ﴾، أو بدل منه؛ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية، أو حالٌ عن ضمير في ﴿فُرَادَى﴾؛ أي: مشبِهين ابتداءَ خلقكم عراة حفاة غرلًا بهما. وانتصب ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الظَّرف. ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي (٧): أعطيناكم وتفضَّلنا به عليكم في الدُّنيا فشُغِلْتم به عن الآخرة.

стр. 1371

﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ مبالغةٌ في التَّرك وعدم الانتفاع به بحيث لا يمكنه النَّظر إليه. ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ صريح في أنه يحال بينهم وبينهم ابتداءً، والاستفسار (١) عنهم عند ذلك، ثم إنهم يُجمعون معهم على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦]، وقد مرَّ ما يتعلَّق بهذا في هذه السُّورة. ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾: في ربوبيتكم واستحقاقِ عبوديتكم. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ والمعنى: وقع التفرُّقُ بينكم. أكثر القراء رفع ﴿بَيْنَكُمْ﴾ (٢) على إسناد الفعل إلى الظَّرف على الاتساع، كما يقال: قُوتِل خلفُكُم وأمامُكُم، ومَن نصب فعلى تأويل إسناد الفعل إلى المصدر، كما تقول: وقع التقطُّع بينكم، كما يقال: جُمع بين الشيئين، إذا (٣) أُوْقعَ الجمع بينهما، وأصله: (لقد تقطَّعَ ما بينكم)، وقد قرئ به (٤). وقيل: إنَّ البَيْنَ مصدرٌ، وهو من الأضداد، يجيء بمعنى الفَصْل والوَصْل، فمعناه: تقطَّع وصلُكم وتشتَّت جمعكم، ولا تأباه قراءة النَّصب؛ إذ حينئذ تكون حركتُه حركةَ بناءٍ لإضافته إلى المبنيِّ، وهو ضمير الخطاب، فيكون فاعلًا لـ ﴿تَقَطَّعَ﴾، فتستوي القراءتان. ﴿وَضَلَّ﴾: غاب.

стр. 1372

﴿عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شفعاؤكم، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]. * * * (٩٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بالنَّبات والشَّجر، أخبر عنه بشقِّ النَّواة مع شدَّتها وصلابتها، ويخرج منه نبتًا أخضر لينًا ما لو اجتمع كل الخلائق على إخراج مثله ما قدروا عليه. وقيل: المراد به الشُقاق الذي في النَّواة والحنطة مثلًا. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ جملة مبينة لمَا قبله؛ لأنَّ فلقَ الحبِّ بالنَّبات والنَّواة بالشَّجر إخراجُ الحيِّ من الميت؛ لأنَّ النَّاميَ في حكم الأحياء؛ لقوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، إلَّا أنَّه أعمُّ ليكون (١) كالدَّليل. ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾: ما لا ينمو من النُّطف والحبِّ (٢). ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾: من الحيوان والنَّبات، ذكره بلفظ الاسم حملًا على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلكم القادر على تلك الأمور العجيبة هو الذي يحق له العبادة. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عنه إلى غيره، وفيه دلالة على أنَّ هناك صارفًا لهم عن مقتضى فطرتهم، وأنَّه غير الله تعالى.

стр. 1373

(٩٦) - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شاقُّ ظلمةِ الإصباح، وهو الغبش (١) في آخر اللَّيل الذي علا الأفقَ من الصبح، أو شاقُّ محمود الصبح عن بياض النَّهار، يقال: انشقَّ عمودُ الصُّبح وانصدع الفجر (٢)، وسمَّوا الفجر فَلْقًا بمعنى مفلوق. و ﴿الْإِصْبَاحِ﴾ في الأصل مصدر أصبح: إذا دخل في الصبح، سمي به الصبحُ (٣). وقرئ بفتح الهمزة على الجمع (٤)، وقرئ: ﴿فَالِقَ﴾ بالنَّصب على المدح (٥). ﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السَّكن: ما يُسْكَنُ إليه ويُسْتأنَسُ به، ومنه قيل للنَّار (٦): سكن؛ لأنَّه يُستأنَسُ بها، واللَّيل يَستأنِسُ به التَّعِب، وَيسكنُ إليه للاستراحة فيه، ونصبه بفعلٍ دلَّ عليه ﴿وَجَاعَلُ﴾ لا به؛ لأنَّه قُصد به معنى المضيِّ، وَيعضُده قراءة: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ (٧) حملًا على معنى المعطوف عليه، فإن ﴿فَالِقُ﴾ بمعنى: فَلَق، ولذلك قُرئ به (٨).

стр. 1374

أو به (١) على أن المراد منه جعلٌ مستمرٌّ في الأزمنة. وما يقال: إنَّه لمَّا بَعُدَ بمعنى المضيِّ عن شَبَهِ الفعل فبمعنى (٢) الاستمرار أولى، ليس بشيء؛ لأن شبهه الخاص إنما هو بالمضارع، وباعتباره يعمل، ولهذا يشترط معنى الحال أو الاستقبال الذي هو حقيقةُ المضارع عند الجمهور، والمضارع قد يجيء للاستمرار (٣) كثيرًا، فاسم الفاعل بالاستمرار لا يَبْعُدُ عن شَبَهِ الفعل بخلافِ معنى المضيِّ. وعلى هذا التَّقدير يجوز أن يكون ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿اللَّيْلَ﴾، والأحسن نصبهما على إضمار فعل دلَّ عليه ﴿جَاعِل﴾. وقرئ بالجرِّ (٤) عطفًا على ﴿اللَّيْلَ﴾، ولا دلالة فيه على أن نصبهما عطفًا على محل ﴿اللَّيْلَ﴾ حتى ينافيَ حُسنَ نصبِهما على إضمار فعلٍ (٥). وقرئ بالرفع (٦) على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: والشَّمسُ والقمرُ محسوبان. ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: جُعِلا حُسبانًا، جعلهما علمَي (٧) حسبان؛ لأن حُسبان الأوقات

стр. 1375

يُعْلَم بسَيرهما ودَورهما، يعني: على أدوارٍ مختلفةٍ تُحْسَبُ بها الأوقات، ويكونان علمَي (١) الحسبان، وعلى قراءة الجرِّ نُصب ﴿حُسْبَانًا﴾ بفعلٍ مقدَّرٍ؛ أي: جُعِلا كما مرَّ في ﴿سَكَنًا﴾. والحُسْبَان كالكُفْران مصدرُ حسَبَ بفتح العين، وأما مصدر حسِبَ بالكسر فالحِسْبان كالفِقْدَان. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: جَعْلُهما حسبانًا؛ يعني: ذلك التَّسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي قهَرَهما وسخَّرَهما ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرهما وتدويرهما (٢) على الأدوار المختلفة. * * * (٩٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1376

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ إجمالٌ؛ أي: خلقَها لأجلِكم (١)؛ فإنَّ لكم فيها منافع، وهو دليلُ إضماره في الكلِّ من ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾، و ﴿وَجَاعَلَ اللَّيْلَ﴾ و ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ لأنَّه في مَعرضِ الامتنان، وتعديد (٢) النِّعم على الإنسان. ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ يتبيَّن بإفراد بعض منافعها بالذِّكْرِ إشارةٌ إلى أنَّه أكثرُ منافعها وأجلُّها. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: في ظلماتِ اللَّيل في البرِّ والبحر، وإضافتها إليهما للملابَسَة، أو: في مشتبِهات الطُّرق، وسمَّاها ظلماتٍ على الاستعارة. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: بيَّناها فصلًا فصلًا، وإنَّما قال (٣): ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لِمَا علمْتَ أنَّ ذلك التَّفصيل في معرض الامتنان، وهو لا يكون إلَّا للعالِمِ بما امتنَّ به (٤). * * * (٩٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو آدم ﵇. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: فلكُم استقرار في الرَّحم أو فوقَ الأرض، واستيداعٌ في الصُّلب أو تحتَ الأرض.

стр. 1377

وقال ابن الحنفيَّة: المستقرُّ الصُّلْب، والمستودعُ الرَّحم (١)؛ لتقدُّم (٢) ذِكْره على المستودَعَ. أو: فلكم محلُّ استقرار واستيداع. وعلى قراءة كسر القاف (٣): فمنكم مستقِرٌ؛ اسم فاعل، ومنكم مستودعَ اسم مفعول؛ لأن الاستقرار منَّا دون الاستيداع، وهو جعل (٤) الشيء في الشيء للاحتفاظ به. قال الحسن: المستقِرُّ مَن مات، والمستودعَ أنتم (٥). وأُنْشِدَ: فُجِعَ الأحبَّةُ بالأحبَّة قبلَنا … فالنَّاس مفجوعٌ به ومفجَّعُ مستودعٌ أو مستقِرٌّ قدْ خلا (٦) … فالمستقِرُّ يزورُه المستودعُ وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك. ويُنشد (٧):

стр. 1378

وما المالُ والأهلونَ إلَّا وديعةٌ … ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الودائعُ (١) ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فرَّق بينَ الفاصلتين فذَكَرَ مع ذِكْرِ النُّجوم والاهتداء بها: ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لظهور أمرها (٢)، ومع إنشاء الخلق (٣) من نفسٍ واحدة: ﴿يَفْقَهُونَ﴾؛ لأن تصريفهم بين أطوارٍ وأحوالٍ مختلفةٍ يحتاج إلى دقَّةِ نظرٍ وروَّية. * * * (٩٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: من جانبها أو من السحاب. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على تلوين الخطاب ﴿بِهِ﴾: بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نبتَ كلِّ صنفٍ (٤) من أصناف النَّامي، وفيه إيماءٌ إلى عجيبِ صنعِه، وبديعِ خلقِه، من كون السَّبب واحدًا، والمسبَّبات أشياءَ مختلفةً، كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]. ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ من النَّبات ﴿خَضِرًا﴾: شيئًا غضًّا أخضرَ، وهو ما تشعَّب من أصل النَّبات الخارج من الحبَّة.

стр. 1379

﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾: من الخَضِر ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: هو (١) السُّنبل. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يخرجُ من النَّخلة في أكمامها (٢). ﴿قِنْوَانٌ﴾ وهو الأعذاق: جمع عِذقٍ. مبتدأٌ و ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبره، و ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه (٣)، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة (أخرجنا) عليه؛ أي: ومخرَجةٌ من طلع النَّخل قنوانٌ (٤). ومَن قرأ: (حبٌّ متراكبٌ) (٥) عَطَف ﴿قِنْوَانٌ﴾ على (حبٌّ). وقرئ بضم القاف وبفتحها (٦) على أنه اسمُ جمع؛ إذ ليس فَعلان من أبنية الجمع. ﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبةُ التَّناول؛ لأنَّ النَّخل تُثمر (٧) على قِصَرها، أو قريبةٌ بعضُها من بعض، وصف القنوان بالدانية؛ لأنَّ النَّعمة فيها أكثرُ وأهنا، واستغنى بها عن ذِكْرِ مقابِلها، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالكسر في محل النصب، عطفٌ على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

стр. 1380

وقرئ بالرفع (١) على الابتداء؛ أي: ولكم - أو: وثمَّة - جنَّاتٌ من الأعناب؛ أي: مع النَّخل، ويجوز عطفه على ﴿قِنْوَانٌ﴾، ولا يلزم أن يكون المعنى: ومن النَّخيلِ جنَّاتٌ من أعناب؛ إذ حينئذ يكون ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ عطفًا على (من النخيل)، فيصير من عطف مفرد على الابتداء، وأخِّرَ على (٢) خبرُه، وقدِّم الظَّرف في المعطوف عليه للتَّخصيص وأخِّر في المعطوف لعدم اختصاص الجنَّات (٣)، غايته أن المعطوف على المبتدأ يكون نكرةً غيرَ مخصوصة، ولم يُعرَفْ منعُ ذلك، كيف وقد قال الشاعر: عندي اصطبارٌ وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجبَ من هذا امرؤٌ سمعا (٤) ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ أيضًا عطف على ﴿نَبَاتَ﴾، أو نصب على المدح، لعزَّة هذين الصِنْفَين عندَهم. ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ حال، وتقديره: والزيتون مشتبهًا وغير متشابه، والرُّمان كذلك، كقوله: ......... كنْتُ منه ووالدي … بريئا ......... (٥)

стр. 1381

أي: بعضُه متشابهٌ وبعضُه غيرُ متشابهٍ، في (١) القَدْرِ واللَّون والطَّعم والشَّكل، وذلك دليل القدرة. وقرئ: (متشابهًا) (٢)، والاشتباه والتَّشابه بمعنًى واحد، وكثيرًا ما يشترك الافتعال والتَّفاعل بمعنى. ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ إلى ثمر كلِّ واحدٍ من ذلك، وقرئ بضم الثاء (٣)؛ جمعُ ثَمَرَةٍ، كخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، أو ثِمارٍ ككتابٍ وكُتُبٍ. ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾: إذا أخرج ثمره، نظرَ استبصارٍ واعتبار واستدلال على قدرة مقدِّره ومدبِّره وناقله من حال إلى حال، كيف يخرجُ ضئيلًا حقيرًا لا ينتفع به (٤). ﴿وَيَنْعِهِ﴾ وإلى حال نضجه، أو إلى نضيجه كيف يعود شيئًا جامعًا لمنافِعَ وملاذَّ. واليَنْعُ: مصدرُ يَنَعَ، بفتح الياء في لغة (٥) الحجاز، وضمها في بعض لغةِ نجد، يقال: ينعَتِ الثَّمرة: إذا أَدركت ونَضِجت. وقيل: جمعُ يانع، كتَجْرٍ وتاجر. وقرئ بالضم (٦)، وهو لغة فيه، و: (يَانعِهِ) (٧).

стр. 1382

﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لآياتٍ دالَّةً على وجودِ قادرٍ حكيمٍ وتوحيدِه لمن (١) نظرَ واعتبرَ، وظهورُ الآياتِ لا تنفعُ إلَّا لمن قدَّرَ اللهُ تعالى له الإيمان، فنبَّه على ذلك بتوصيف (٢) القوم بالإيمان، فهو من قَبيل: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ولمَّا ذكرَ ما دلَّ على صانعٍ قادرٍ حكيمٍ لا نِدَّ له ولا ضِدَّ وَبَّخَ مَنْ أشرك به واستعظم (٣) ذلك فقال: (١٠٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا (جعلوا) (٤)، و ﴿الْجِنَّ﴾ منصوبٌ بمحذوف جوابًا عن سؤال، كانه قيل: مَنْ جعلوه شركاء لله؟ فقيل: الجنَّ، أو بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾، أو ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولاه، و ﴿لِلَّهِ﴾ متعلِّق بـ (جعلوا)، أو حال من ﴿شُرَكَاءَ﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ ثاني مفعوليه (٥). وقرئ: (الجِنُّ) بالرَّفع (٦)، كأنه قيل: مَن هم؟ فقيل: الجنُّ؛ أي: هم الجنُّ، وبالجر على الإضافة للتبيين (٧).

стр. 1383

وفائدةُ تقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾ استعظامُ أن يكون لله شركاء، أيِّ شيء كان، جنيًّا أو إنسيًّا أو غير ذلك، وكذا فائدة تقديم ﴿شُرَكَاءَ﴾ على ﴿الْجِنَّ﴾، والظاهر أن المراد به الملائكة، وسمَّاهم جنًّا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، ويجوز أن يُرادَ بالجنِّ الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يجب أن يطاع الله تعالى، وعبدوا الأوثان بتحريضهم وتسويلهم، فهم عبدوهم في الحقيقة. وقيل: المراد به الثَّنويَّه القائلون بيزدان وأهرمن (١)، من الذين زعموا أنَّ اللهَ تعالى خالقُ كلِّ خيرٍ ونافعٍ، وإبليس خالقُ كلِّ شرٍّ وضارٍّ. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: الجاعلين (٢)، معناه: وقد علموا أنَّ اللهَ خالقَهم دونَ الجنِّ، فكيفَ يجعلون مَنْ لا يخلقُ شريكَ الخالق. أو: الجنَّ؛ يعني: وخلقَ اللهُ الجنَّ، فكيفَ يجعلونَ مخلوقَه شريكًا له. وقرئ: (وخَلْقَهم) بسكون اللام (٣)، عطفًا على ﴿شُرَكَاءَ﴾ على الوجه الأول؛ أي: اختلاقَهم للإفك، معناه: وجعلوا لله افتراءهم، وهو ما (٤) نسبوا قبائحهم إلى الله تعالى في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم هذا، وقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وأمثال ذلك.

стр. 1384

﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا الإفكَ، يقال: خلقَ الإفكَ وخرقَه واختلقَه واخترقَه بمعنى، ويجوز أن يكون من خرَقَ الثَّوب: إذا شقَّه؛ أي: اشتقُّوا له بنين وبنات. وقرئ: ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتَّشديد (١) للتَّكثير لقوله (٢): ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ على الجمع. وقرئ: (حرَّفوا له) (٣)؛ أي: وزوَّروا (٤) له أولادًا؛ لأن المزوِّرَ محرِّفٌ مغيِّرٌ للحقِّ إلى الباطل، هو قولُ أهل الكتابَين في المسيح وعُزَيرٍ ﵉، وقولُ قريشٍ في الملائكةِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: منْ غيرِ أنْ يعلموا حقيقةَ ما قالوه، أي: قولًا عن جهالةٍ وعمًى منْ غيرِ فكرٍ وروَيَّةٍ (٥)، وهو في موضعِ الحالِ؛ أي: خرقوا مُلْتَبسينَ (٦) بالجهالة، أو المصدر؛ أي: خرقًا بغير علمٍ. ولما ذكر إثباتهم الشُّركاء للهِ (٧) تعالى، واختلاقَهم بنسبةِ ما لا يجوز نسبتُه إليه تعالى، نزَّهَهُ عن ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وهو أنَّ له شريكًا أو ولدًا.

стр. 1385

(١٠١) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من إضافة الصِّفة إلى فاعِلها؛ أي: بُدِعَتْ سماواتُه وأرضُه، أو إلى الظَّرف؛ أي: بديعٌ فيهما، بمعنى: عديم النَّظير فيهما، كقولك: فلانٌ ثَبْتُ الغَدْرِ؛ أي: ثابتٌ فيه. وقيل: بمعنى: المبدع، وقد مرَّ أن فَعِيلًا يجيء بمعنى المُفْعِل كأليم وحكيم. وهو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هو بديع، أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: مِنْ أين - أو: كيف - يكون له ولدٌ؟ أو فاعلُ (تعالى). وقرئ بالجرِّ صفةً لله تعالى، أو بدلًا من ضمير ﴿سُبْحَانَهُ﴾، وبالنَصب على المدح (١). ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ يكون منها الولد، وقرئ بالياء (٢)، للفصل، أو لأنَّ الاسمَ ضميرُ الله (٣)، أو ضمير الشَّأن. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافيةٌ، وإنما قال: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ولم يقل: (به)؛ لأن الأوَّل اختصَّ بالمخلوقيَّة. وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: أحدها: أنَّه تعالى مُبدِعُ الأجسامِ كلِّها، ومبدعُ الأجسام كلِّها لا يكون

стр. 1386

جسمًا، والولادةُ إنَّما تكون من صفات الأجسام، فلم يكن له ولا. وثانيها: أنَّ الأجسامَ مُبدَعةٌ، والمُبدِعُ هو الذي لا يوجَدُ من مادَّةٍ، والولد لا يكون إلَّا من مادَّة شخص، فالمبدِعُ ليس بوالدٍ. وثالثها: أنَّ الولدَ لا يكون إلَّا عن زوجةٍ تُجانس الوالدَ، وهو غير مجانَسٌ، فلا زوجةَ له، فلا ولدَ. ورابعها: أنَّه تعالى خالقُ الكلِّ، والمخلوقُ ممكِن محتاجٌ إلى الخالقِ، والخالقُ واجبٌ مستغنٍ، فلا يشابهه شيءٌ من خلقِه. وخامسها: أنَّه تعالى عالمٌ بكلِّ شيءٍ لذاته، ومَنْ عداهُ ليس كذلك بالإجماع، فلا يجانسُه غيرُه، والولدُ إنَّما هو مجانسٌ للوالد (١)، فلم يكن له ولدٌ. * * * (١٠٢) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصِّفات، وهو مبتدأ وما بعده أخبارٌ مترادفة، وهي: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون البعض خبرًا، والبعض بدلًا أو صفة. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبَّب عن مضمون الجملة؛ أي: مَن استجمع هذه الصفات وجبَ عبادته، ولا تحقُّ العبادة إلَّا له. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: هو مع تلك الصِّفات متولي أموركم، فكِلُوا إليه أمورَكُم وتوصَّلوا (٢) إليه بعبادته ليجازَيكم بها.

стр. 1387

(١٠٣) - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به ﴿الْأَبْصَارُ﴾ فإذا لم يُحِطْ به الكلُّ فعدمُ إحاطةِ كلِّ واحدٍ منها به (١) بطريقِ الأَوْلى، وهذا (٢) الوجه للعدول عن المفرد إلى الجمع، وإذا كان المنفيُّ الإدراكَ الخاصَّ فلا متمسَّكَ فيه لمن أنكر الرؤية، وأمَّا الجواب عنه بتخصيص الحكم ببعض الأوقات أو ببعض الأشخاص فلا يتحمَّله الكلام على الوجه المذكور المناسب للمقام. و ﴿الْأَبْصَارُ﴾: جمع بصر، وهو حاسَّة العين؛ أي: قوتها التي بها تدرك، وقد تطلق على العين مجازًا. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: يحيطُ بها (٣) علمًا. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فيدرِكُ ما لا يُدرَكُ بالبصر، ويجوز (٤) أن يكون الأوَّل ناظرًا إلى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والثَّاني إلى قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، كأنه قيل: لا تدركه الأبصار لأنَّه اللطيف، وهو يدرك الأبصار لأنَّه الخبير بكلِّ خفيَّة وجليَّة، والمراد من ﴿اللَّطِيفُ﴾: ما لا يتعلَّق به حاسّة النَّظر؛ لعدم حظِّه من الكثافة بطريق الاستعارة.

стр. 1388

(١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البصائر: جمع بصيرة، وهي نورٌ للقلب (١) يدرِك به الحقائق (٢) ويستبصِر، وهي للقلب بمنزلة البصر للعين، سُمِّيَتْ بها الدلالة لأنها يُجلى بها الحقُّ ويبصَر بها. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾؛ أي: أبصرَ الحقَّ بهذه الدَّلائل فآمن (٣) به ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبصر، وإيَّاها نفعَ. ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾؛ أي: عميَ عن الحقِّ وأنكر ﴿فَعَلَيْهَا﴾ عميَ، وإيَّاها ضرَّ؛ إذ ليس وباله إلَّا عليه (٤). وهذا الكلام واردٌ على لسانِ النَّبيِّ ﷺ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: وما أنا عليكم برقيب يحفظ أعمالكم ويجازيكم بها، بل اللّه هو الحفيظ، وما أنا إلَّا منذرٌ. * * * (١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ ومثلَ ذلك التَّصريف نصرِّفُ، وهو نقلُ الشيء من حالٍ إلى حالٍ. ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ علَّةُ فعلٍ محذوف؛ أي: وليقولوا درسْتَ نصرِّفها، واللام للعاقبة.

стр. 1389

كذا قالوا، والظَّاهر أنها لام الأمر، والفعل مجزوم بها، لا منصوب بإضمار أن (١)، ويؤيِّده قراءة من قرأَ بتسكين اللَّام (٢)، والمعنى عليه متمكِّن (٣)، كأنَّه قيل: ومثلَ ذلك نصرِّف الآيات ولْيقولوا هم ما يقولون، وهو أمرٌ معناه الوعيد والتَّشديد، وعدمُ الاكتراث بهم وبما يقولون. والدَّرس: استمرار التِّلاوة، وقرئ: ﴿دَارَسْتَ﴾ (٤) العلماءَ، و: ﴿وَدَرَسْتَ﴾ (٥) من الدُّروس، أي: قَدُمَتْ هذه الآياتُ وعَفتْ، كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥]. وقرئ: (دَرُسَتْ) بضم الرَّاء (٦)؛ مبالغة في دَرَسَتْ. و: (دُرِسَتْ) على البناء للمفعول (٧)، أي: قُرِئَتْ هذه الآيات، أو: عَفيَتْ. و: (دَارَسَتْ) (٨) بمعنى: دَرَسَتْ، أو: دارسَتِ اليهودُ محمَّدًا ﷺ ، وجاز الإضمار؛ لأنَّ اليهود كانت مشهورة عندهم بالدِّراسة، ويجوز أن يكون الضَّمير للآيات، والمرادُ أهلُها، وهم أهل الكتاب.

стр. 1390

و: (دَرَسَ) (١)؛ أي: درسَ محمَّدٌ ﷺ . و: (دَرَسْنَ) (٢)؛ أي: عَفَوْن. و: (دارسات)؛ أي: قديمات، أو: ذات درس؛ كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] (٣). ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللام للتعليل على الحقيقة أو بطريق الاستعارة، على اختلاف الأصلين في جواز أن يكون فعلُ الله تعالى معلَّلًا بالغرض، وأعيد الضمير مفردًا على معنى الآيات وهو القرآن، ولما كان التصريف (٤) اعتبر فيه وحدةُ المعنى كان لتوحيد الضمير هاهنا باعتبار المعنى موقعٌ حسَن. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وجه التَّخصيص ما ذُكر في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. * * * (١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالتَّديُّن به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكَّد به إيجابَ اتِّباع الوحي، أو حالٌ مؤكِّدة من ﴿رَبِّكَ﴾ بمعنى: منفردًا في الألوهيَّة.

стр. 1391

﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: ولا (١) تحفلْ (٢) بأقوالهم ولا تلتفت إليهم، ومن جعله منسوخًا بآية السَّيف حمل الإعراض على ما يعمُّ الكفَّ عنهم، ولا ضرورة فيه. * * * (١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدَهم وعدمَ إشراكهم ﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ دليل على أنَّ الله تعالى لا يريدُ إيمانَ الكفار، وأنَّ مرادَه تعالى واجبُ الوقوع. ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: رقيبًا. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ يقومُ بأمورِهم. * * * (١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ ليتسبَّب سبُّكم لأنْ يسبُّوا الله. فيه تلوين الخطاب بالعدول عن (٣) خطابه ﷺ وحده إلى الخطاب في ضمن الكلِّ؛ لِمَا في مواجهته ﵇ بما ذكر من خلافِ ما كان عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن فحَّاشًا (٤) ولا سبَّابًا.

стр. 1392

قال الإمام أبو منصور: كيفَ نهانا الله تعالى عن سبِّ مَنْ (١) يستحقُّ السَّبَّ لئلا يُسَبَّ مَنْ لا يستحقُّه، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا (٢)، وقَتْلُ المؤمن بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بتبليغ الوحي والتِّلاوة عليهم، وإن كانوا يكذِّبونه؟ ثم قال في جوابه: إنَّ السَّبَّ لأولئك مباحٌ غيرُ مفروضٍ، وقتالهم فرضٌ، وكذا التَّبليغ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهى عما يَتولَّد منه وَيحدث، وما كان فرضًا لا يُنهَى عن المتولِّد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمَنْ قطعَ يدَ قاطعِ يده قصاصًا فمات منه (٣)، فإنَّه يضمن الدِّية؛ لأنَّ استيفاء حقِّه مباحٌ، فأُخِذَ بالمتولِّد منه (٤)، والإمام إذا قطع يدَ السَّارقِ فمات لم يضمن؛ لأَنَّه فرضٌ عليه، فلم يُؤْخَذْ بالمتولِّد منه. إلى هنا كلامه (٥). وعلى هذا لا دلالة في الآية على أنَّ الطَّاعة الواجبة يجب أنْ تُترَك إذا أدَّت إلى معصية راجحة كالنَّهي عن المنكر. بقي هاهنا شيء: وهو أنهم كانوا مقِرِّين بالله تعالى وعظمته، وأن الأصنام إنما تُعبَد ليكونوا شفعاء عند الله تعالى، فكيف يسبُّونه؟ وأجيب عنه: بأنهم لا يفعلون ذلك صريحًا، لكن ربَّما يُفضي فعلهم إلى ذلك، كما قالوا: اترك شتمَ آلهتنا وإلا شتمناك ومَنْ يأمرك بذلك.

стр. 1393

ويعضد ذلك قوله: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: تجاوُزًا عن الحقِّ إلى الباطل على جهالة. حالٌ (١)؛ أي: عادِين، أو مفعولٌ له؛ أي: لعدوانٍ فيهم، أو مصدرٌ للنَّوع؛ أي: سبًّا عَدْوًا. وقرئ: ﴿عَدْوًا﴾ بضم الدَّال وتشديد الواو (٢). وبما قرَّرناه تبيَّن الخلَّل فيما قيل: إنه ﵇ كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهينَّ عن سَبِّ آلهتنا أو نهجونَّ إلهك، فنزلت (٣). فإنَّ عبارة: (نهجونَّ) تأبى عن التَّأويل المذكور، وقد ذكر في "التيسير" (٤) سبب النزول على وفق ذلك (٥) التأويل. ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: مثلَ ذلك التَّزيين العظيم - وهو تزيينُ سبِّ الله تعالى - زيَّنا لكلِّ أمَّة من أمم الكفَّار سوء عملهم بالخذلان والتَّخلية بينهم وبين أعمالهم حتى تزيَّن لهم.

стр. 1394

وقيل: هو عامٌّ؛ أي: زيَّنَّا (١) لكلِّ أمَّةٍ عملَهم من الخير والشرِّ بإحداث ما يمكِّنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا وتخذيلًا. ويقوِّي الأوَّلَ كونُ الكلام في الكفَّار، والمشبَّهُ به تزيين سبِّ الله تعالى لهم، والتَّهديدُ بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بالمجازاة والمعاقبة. * * * (١٠٩) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال؛ أي: جاهدين أيمانهم جَهدًا، وإنما أقسموا بالله تعالى مؤكِّدين تحكُمًا على رسول الله ﷺ في طلب الآيات واقتراحها وعدمِ الاعتداد بما رأوا منها. ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ من مقترَحاتهم ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي؛ أي: هو القادر عليها لا أنا حتى آتيكم بها. ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استفهامُ إنكارٍ للسَّبب (٢) مبالغةً في المسبَّب؛ أي: لا تدرون أيُّها المؤمنون أنَّ الآيات المقترحة إذا جاءتهم لا يؤمنون بها (٣)، بل أنا أعلم بذلك؛ يعني: أنَّ سببَ عدمِ إنزال الآية التي يقترحونها (٤) علمُ اللهِ تعالى بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وذلك أنَّ المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم

стр. 1395

ويتمنَّون مجيئها ليؤمنوا، فأجيبوا بذلك، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. ومنهم من جعل ﴿لَا﴾ مزيدةً في القراءة بالفتح (١). وقرئ: ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ بالتَّاء (٢)، على أن الخطاب للمشركين. وقرئ: ﴿وَمَا يُشْعِرُهُمْ﴾ (٣)؛ أي: ولا (٤) يعلمون أنَّ قلوبهم إذا جاءت كانت كما كانت (٥) مطبوعًا عليها فلا يؤمنون بها. وقيل: ﴿أَنَّهَا﴾ بمعنى: لعلَّها، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحمًا، ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ ﵁: (لعلَّها) (٦). وقرئ: ﴿أَنَّهَا﴾ بالكسر (٧)، على أنَّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ كلامٌ قد تمَّ؛ أي: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم ابتدأَ فأعلمهم بقوله: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتَّة. * * * (١١٠) - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

стр. 1396

﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عطف على ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، داخلٌ في حكم الاستفهام، وكذا ﴿نَذَرُهُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أنَّا نقلِّب أفئدتهم؛ أي (١): نطبع على قلوبهم ونُعمي أبصارهم كما كانت، ولم يذكر أسماعهم إذ لا يناسبه التَّغليب، ولهذا أيضًا لم يقل: قلو بهم، بدل ﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾. ويجوز أن يكون ﴿كَمَا﴾ في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ للتعليل، و (ما) مصدريَّة؛ أي: يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به؛ أي: بما أنزل من الآيات أوَّل وقتٍ جاءهم (٢) هدى اللهِ تعالى، ويناسب هذا المعنى آخر الآية. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾: نخلِّيهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ متحيِّرين، لا نهديهم هداية المؤمنين. وقرئ: (ويُقلِّبُ … وَيذَرهُم) على الغيبة (٣). وقرئ: (وتُقَلَّبُ) على البناء للمفعول ورفع (أفئدتُهم وأبصارُهم) (٤). * * * (١١١) - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١].

стр. 1397

﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما قالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ [الدخان: ٣٦]. ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (١)، والقُبُل. جمع قبِيلٍ، بمعنى كفيل؛ أي: كفلاءَ بما بشِّروا به وأنذروا، أو جمعُ قَبِيلٍ جمعِ قَبيلَة؛ أي: جماعاتٍ، أو مصدرٌ بمعنى: مقابلَةً (٢). وقرئ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء (٣)؛ أي: عِيانًا. حالٌ على الوجوه (٤) كلِّها من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ لعمومه (٥). ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لا لما (٦) سَبَق عليهم القضاء بالكفر (٧)؛ لأن فيه تعليلَ الحوادث بالتقدير الأزليِّ، ولا يخفى فسادُه؛ [بل] (٨) لبطلان استعدادهم وتبدُّل فطرتهم القابلة بسوء (٩) اختيارهم.

стр. 1398

﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ظرف؛ أي: إلا وقتَ أن يشاء الله. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنَّهم لو أُتوا (١) بكل آية لم يؤمنوا، فيُقسمون بالله (٢) جهد أيمانهم على ما لا يشعرون (٣)، ولذلك أُسند الجهل إلى أكثرهم مع أنَّه يعمُّهم؛ لأنَّ المقسِمين بعضُهم. أو: ولكنَّ أكثرهم يجهلون أنَّهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات، فيطمعون في إيمانهم ويتمنَّون نزولها، بيَّنَ أنَّ الآيات وإنْ توالَتْ، وشُموسَ البرهان وإنْ تعالَت، فمَنْ قصمَتْه العزَّة (٤)، ووكسته القسمة (٥)، لم يزدْه ذلك إلا ضلالًا، فلم يَستجدْ إلَّا للقسوة حالًا (٦). * * * (١١٢) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾؛ أي: كما جعلنا لك عدوًّا جعلنا لكلِّ نبي سبقك عدوًّا، والحكمة في ذلك الابتلاءُ والامتحان؛ ليظهر الثَّبات والصَّبر، وكثرةُ الثَّواب والأجر.

стр. 1399

﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ متمردي الصِّنْفَين، بدل من ﴿عَدُوًّا﴾، أو هما مفعولان و ﴿عَدُوًّا﴾ مفعوله الثاني (١)، و ﴿لِكُلِّ﴾ متعلق به، أو حال منه. ﴿يُوحِي﴾: يلقي في خُفيةٍ ﴿وَبَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنس، أو بعضُ أحد الصنفين إلى بعضٍ آخر منه. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: مُزيَّنَه ومموَّهَه (٢) بالأباطيل. ﴿غُرُورًا﴾ حال؛ أي: غارِّين، أو: مغرورين، أو مفعول له للغرة (٣). ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ حذف المفعول لدلالة: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ عليه؛ أي: لو شاء ربك أن لا يفعلوا معاداةَ الأنبياء وإيحاءَ الزَّخارف - على أنَّ الضمير لمَا ذُكر (٤) - ما فعلوه، ولكن ما شاء مما (٥) اقتضته حكمته، ويجوز أن يكون الضمير للإيحاء. وفي الآية دلالةٌ على أن الشُّرور صدورها عنه تعالى بمشيئته. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: إذا عرفْتَ أنَّ ذلك بمشيئته تعالى، ومشيئتُه (٦) تابعةٌ لحكمته، فاتركهم وَكُفْرَهم، وفيه تهديدٌ ووعيدٌ.

стр. 1400

(١١٣) - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿غُرُورًا﴾ إنْ جُعِلَ علَّة، أو علَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولتصغَى إليه جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوًّا، واللَّام للتَّعليل أو للعاقبة على الاختلاف في جواز أن يكون فعلُه تعالى معلَّلًا بالغرض، وليست لامَ الأمر، وإلَّا لقيل: (ولْتَصْغَ) بحذف الألف، ولا لامَ القسم؛ لأن عطف قوله: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يأباه، وهذا يدفع كونها للأمر أيضًا. والضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ و (ليرضوه) لِمَا له ضمير ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾. والصَّغو: الميل لغرضٍ من الأغراض، يقال: أصغيتُ الإناء: إذا أَمَلْتَه لتجمع ما فيه. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: لأنفسهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾: وليكتسبوا ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ من الآثام، فيتميَّز الشَّقي من السَّعيد. وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنَّه أوَّلًا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرِّضى (١)، فيكون فعلُ الاقتراف، فكان كلُّ واحدٍ مسبَّبًا (٢) عمَّا قبلَه. * * * (١١٤) - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

стр. 1401

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول؛ أي: قل لهم يا محمد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على ما دلَّ عليه ما قبله؛ أي: أأشكُّ (١) لكثرة الجاحدين المفترين (٢)، فغيرَ اللّه تعالى أبتغي - أي: أطلبُ - حكمًا يحكم بيني وبينكم، وَيفصل المحقَّ منَّا من المُبطل. روي أن مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكمًا (٣) من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى؛ ليخبرنا (٤) عنك بما في كتابهم عن أمرك، فنزلت (٥). و (غيرَ) مفعولُ ﴿أَبْتَغِي﴾، وفي تقديمه إيماءٌ إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه (٦) حكمًا، و ﴿حَكَمًا﴾ حال منه، ويحتمِل عكسَه. وجوِّزَ أن يكون ﴿حَكَمًا﴾ تمييزًا عن (غير)، كقولهم: إن لنا غيرها إبلًا، وهو أبلغ من الحاكم، قيل: ولذلك لا يُوصَفُ به إلا العادل، وفيه: أن المبالغة من جهة التَكرُّر، ولا دلالةَ فيه على الوصف. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ﴾ الواو للحال ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ مبيَّنًا فيه الحق والباطل، مميَّزًا به الصَّادق مِن المفتري، وفيه تنبيهٌ على أنَّ القرآنَ بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات.

стр. 1402

ثم أكَّدَ الدّلالة على أنَّ القرآنَ حقٌّ - يعلمُ أهلُ الكتاب أنَّه حقٌ؛ لتصديقه ما عندهم وموافقته لهم من غير قراءته ﷺ لكتابهم (١) - بجملة استئنافية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (٢). ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إنما وصف الكلَّ بالعلم تنزيلًا للجاهلين منهم لتمكُّنهم منه منزلةَ العالم، وقيل: المراد: مؤمنو أهل الكتاب. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أنهم يعلمون ذلك، أو أنَّه منزَّل من ربِّك بالحقِّ لكثرة جحودهم وكفرهم، وهو (٣) من باب التَّهييج والإلهاب. أو خطاب لكل أحد؛ أي: لفَا تعاضدت الأدلَّة وبَهَرت فلا ينبغي لأحدٍ أن يرتاب فيه. وقيل: الخطاب للرَّسول ﵇ والمراد أمته. * * * (١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تمَّتْ كلُّ كلمةٍ من ربك (٤)، ومعنى (تمت): استمرَّتْ، لا أنه كان بها نقصٌ فكمَلتْ وبلغت الغاية.

стр. 1403

﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار والمواعيد ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام والأقضية، نُصبا على الحال، أو التَّمييز، أو المفعول له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يقدر أن يحرف شيئًا منها شيوعًا وذياعًا كما فُعِلَ بالتَّوراة، على أنَّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا من الله تعالى بحفظه، إذ لا نبيَّ ولا كتاب بعدَه ينسخُه ويبدِّل أحكامه. وقرئ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (١)؛ أي: ما تكلَّم به، أو القرآن. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَا يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما (٢) يُضمرون، فلا يُهملهم وإن أمهلهم. * * * (١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أكثرَ النَّاس ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأنَّ أكثرهم يتَّبعون أهواءَهم. وقيل: المراد بـ ﴿الْأَرْضِ﴾: أرض مكَّة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الآراءَ الفاسدة والأهواء الباطلة، وظنُّوا أنَّ آباءهم كانوا على الحقِّ، وهم يقلدونهم (٣)، فإنَّ الظَّنَّ يُطلَقُ على ما يُقابلُ العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يُقَدِّرونَ أنَّهم على شيءٍ، أو يكذبون في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم كذا وأحلَّ كذا، فإنَّ الخَرْصَ التقديرُ والكذبُ.

стр. 1404

(١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: أعلم بالفريقَيْنِ، و ﴿مَنْ﴾ إمِّا موصولة أو موصوفة، وهي في محل النصب بفعلٍ دلَّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن (أفعل) لا يعمل في الظاهر في مثل هذه الصورة. أو في محلِّ الجرِّ لا بإسقاط حرف الجر وإبقاء عمله لدلالة ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عليه؛ لأن مثله لا يجوز إلَّا في ضرورة الشِّعر، بل بإضافة ﴿أَعْلَمُ﴾ إليه. أو استفهامية في محلِّ الرَّفع بالابتداء، والخبر ﴿يَضِلُّ﴾ والجملة معلَّق (١) عنها الفعل المقدَّر، وعلى هذا صَرفه عن وفاق قسيمه تعجيبًا من (٢) شأن المضلِّين المتَّبعين للظنِّ الكاذبين (٣)، وإبعادًا لهم. وقرئ: (مَن يُضِلُّ) بضم الياء (٤)؛ أي: يضلُّه الله؛ أي: أعلمُ المضلِّين، من قوله تعالى (٥): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أو أضلَلْتُه (٦): إذا وجدْتَه ضالًّا. والتفضيل في العلم بكثرته، وإحاطته بالوجوه التي من شأن العلم أن يتعلَّق بها، ولزومه (٧)، وكونه بالذَّات لا بالغير.

стр. 1405

(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مسبَّبٌ عن إنكارِ (١) اتِّباع المضلِّين الذين يحلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله، فما قتلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحقِّقين بالإيمان فكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه خاصَّة، دونَ ما ذُكِرَ عليه اسمُ غيره من آلهتهم، أو ماتَ حتفَ أنفِه. وما ذُكِرَ اسمُ الله عليه هو المذكَّى باسم الله تعالى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمان بها يقتضي ما ذُكِرَ، وقد دلَّ (٢) هذا على شرطٍ محذوفٍ جوابُه: ﴿فَكُلُوا﴾. * * * (١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا. ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وتتحرَّجوا من (٣) أكله. قيل: هو كلام على القلب؛ إذ المراد: أن تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فقلبَ مبالغةً في صونهم عن أكل ما حُرِّمَ عليهم، وأنهم ليسوا مما يَهُمُّون بذلك فيحتاجون (٤)
следующие страницы →