← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول؛ أي: قل لهم يا محمد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على ما دلَّ عليه ما قبله؛ أي: أأشكُّ (١) لكثرة الجاحدين المفترين (٢)، فغيرَ اللّه تعالى أبتغي - أي: أطلبُ - حكمًا يحكم بيني وبينكم، وَيفصل المحقَّ منَّا من المُبطل. روي أن مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكمًا (٣) من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى؛ ليخبرنا (٤) عنك بما في كتابهم عن أمرك، فنزلت (٥). و (غيرَ) مفعولُ ﴿أَبْتَغِي﴾، وفي تقديمه إيماءٌ إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه (٦) حكمًا، و ﴿حَكَمًا﴾ حال منه، ويحتمِل عكسَه. وجوِّزَ أن يكون ﴿حَكَمًا﴾ تمييزًا عن (غير)، كقولهم: إن لنا غيرها إبلًا، وهو أبلغ من الحاكم، قيل: ولذلك لا يُوصَفُ به إلا العادل، وفيه: أن المبالغة من جهة التَكرُّر، ولا دلالةَ فيه على الوصف. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ﴾ الواو للحال ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ مبيَّنًا فيه الحق والباطل، مميَّزًا به الصَّادق مِن المفتري، وفيه تنبيهٌ على أنَّ القرآنَ بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات.

стр. 1402

ثم أكَّدَ الدّلالة على أنَّ القرآنَ حقٌّ - يعلمُ أهلُ الكتاب أنَّه حقٌ؛ لتصديقه ما عندهم وموافقته لهم من غير قراءته ﷺ لكتابهم (١) - بجملة استئنافية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (٢). ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إنما وصف الكلَّ بالعلم تنزيلًا للجاهلين منهم لتمكُّنهم منه منزلةَ العالم، وقيل: المراد: مؤمنو أهل الكتاب. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أنهم يعلمون ذلك، أو أنَّه منزَّل من ربِّك بالحقِّ لكثرة جحودهم وكفرهم، وهو (٣) من باب التَّهييج والإلهاب. أو خطاب لكل أحد؛ أي: لفَا تعاضدت الأدلَّة وبَهَرت فلا ينبغي لأحدٍ أن يرتاب فيه. وقيل: الخطاب للرَّسول ﵇ والمراد أمته. * * * (١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تمَّتْ كلُّ كلمةٍ من ربك (٤)، ومعنى (تمت): استمرَّتْ، لا أنه كان بها نقصٌ فكمَلتْ وبلغت الغاية.

стр. 1403

﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار والمواعيد ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام والأقضية، نُصبا على الحال، أو التَّمييز، أو المفعول له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يقدر أن يحرف شيئًا منها شيوعًا وذياعًا كما فُعِلَ بالتَّوراة، على أنَّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا من الله تعالى بحفظه، إذ لا نبيَّ ولا كتاب بعدَه ينسخُه ويبدِّل أحكامه. وقرئ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (١)؛ أي: ما تكلَّم به، أو القرآن. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَا يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما (٢) يُضمرون، فلا يُهملهم وإن أمهلهم. * * * (١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أكثرَ النَّاس ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأنَّ أكثرهم يتَّبعون أهواءَهم. وقيل: المراد بـ ﴿الْأَرْضِ﴾: أرض مكَّة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الآراءَ الفاسدة والأهواء الباطلة، وظنُّوا أنَّ آباءهم كانوا على الحقِّ، وهم يقلدونهم (٣)، فإنَّ الظَّنَّ يُطلَقُ على ما يُقابلُ العلم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يُقَدِّرونَ أنَّهم على شيءٍ، أو يكذبون في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم كذا وأحلَّ كذا، فإنَّ الخَرْصَ التقديرُ والكذبُ.

стр. 1404

(١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: أعلم بالفريقَيْنِ، و ﴿مَنْ﴾ إمِّا موصولة أو موصوفة، وهي في محل النصب بفعلٍ دلَّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن (أفعل) لا يعمل في الظاهر في مثل هذه الصورة. أو في محلِّ الجرِّ لا بإسقاط حرف الجر وإبقاء عمله لدلالة ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عليه؛ لأن مثله لا يجوز إلَّا في ضرورة الشِّعر، بل بإضافة ﴿أَعْلَمُ﴾ إليه. أو استفهامية في محلِّ الرَّفع بالابتداء، والخبر ﴿يَضِلُّ﴾ والجملة معلَّق (١) عنها الفعل المقدَّر، وعلى هذا صَرفه عن وفاق قسيمه تعجيبًا من (٢) شأن المضلِّين المتَّبعين للظنِّ الكاذبين (٣)، وإبعادًا لهم. وقرئ: (مَن يُضِلُّ) بضم الياء (٤)؛ أي: يضلُّه الله؛ أي: أعلمُ المضلِّين، من قوله تعالى (٥): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أو أضلَلْتُه (٦): إذا وجدْتَه ضالًّا. والتفضيل في العلم بكثرته، وإحاطته بالوجوه التي من شأن العلم أن يتعلَّق بها، ولزومه (٧)، وكونه بالذَّات لا بالغير.

стр. 1405

(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مسبَّبٌ عن إنكارِ (١) اتِّباع المضلِّين الذين يحلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله، فما قتلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحقِّقين بالإيمان فكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه خاصَّة، دونَ ما ذُكِرَ عليه اسمُ غيره من آلهتهم، أو ماتَ حتفَ أنفِه. وما ذُكِرَ اسمُ الله عليه هو المذكَّى باسم الله تعالى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمان بها يقتضي ما ذُكِرَ، وقد دلَّ (٢) هذا على شرطٍ محذوفٍ جوابُه: ﴿فَكُلُوا﴾. * * * (١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا. ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وتتحرَّجوا من (٣) أكله. قيل: هو كلام على القلب؛ إذ المراد: أن تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فقلبَ مبالغةً في صونهم عن أكل ما حُرِّمَ عليهم، وأنهم ليسوا مما يَهُمُّون بذلك فيحتاجون (٤)

стр. 1406

إلى التَّنبيه، وأنهم من شدَّة (١) الاحتراز عن الحرام كادوا يتركون ما أُحِلَّ لهم تورعًا، ولهذا رتَّب الوعيد على تجاوز الحدِّ. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾: وقد بيَّنَ لكم ما حرَّم عليكم مما لم يحرِّم؛ يعني في هذه السُّورة؛ لأنها على ما نُقِلَ مكيَّة، ونزلَتْ (٢) في مرَّة واحدةٍ، والتفصيل الواقع في (البقرة) و (المائدة) متأخِّر (٣) في النُّزول؛ لأنهما مدنيتان. وقرئ: ﴿فَصَّلَ﴾ على البناءين، وكذا ﴿حَرَّمَ﴾ (٤). ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناء متَّصل؛ أي: ممَّا حُرِّمَ عليكم (٥)، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدريَّة، و ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ (٦) في محلِّ النَّصب على الظَّرف، والاستثناء مفرَّغ؛ أي: ما حُرِّمَ عليكم في جميع الأوقات إلا وقتَ اضطراركم إليه؛ يعني في حال الضَّرورة، فإنَّه حينئذٍ حلال. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ فيحللِّون ويحرِّمون ﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بتَشهِّيهم من غير تمسُّكٍ بدليلٍ يفيد العلم.

стр. 1407

وقرئ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بضم الياء وفتحها (١). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾: المتجاوِزين الحقَّ إلى الباطلِ، والحلالَ إلى الحرامِ. * * * (١٢٠) - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾. ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: ما يُعلَن به وما يُسَرُّ، أو: ما يعمل بالجوارح وما بالقلب، وقيل: الزِّنا في منازلهنَّ واتِّخاذِ الأخدان؛ قال الضَّحَّاك: كان أهل الجاهلية يرون ما كان من الزِّنا سرًّا حلالًا، فحرِّم بهذه الآية (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾: يكتسبون (٣). * * * (١٢١) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهر في تحريم المتروك عليه اسم الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافًا للشافعي؛ لقوله عليه

стр. 1408

السلام: "ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه" (١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه (٢) بالميتة، وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله (٣): ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الواو للاستئناف، أو للعطف على جملة استئنافية للتعليل، حُذِفَتْ لدلالة باقي الكلام عليها؛ أي: إنه حرام وإنه لفسق، الضمير لمصدر الفعل الذي دخل عليه النَّهي؛ أي: وإن الأكل منه لفسق، أو للموصول إما بحذف المضاف؛ أي: وإنَّ أكلَه، وإما بجعل ما لم يذكر اسم الله عليه نفسَ الفسق، ويجوز أن يكون الضَّميرُ الثَّاني على تقدير التقدير لعدم ذكر اسم الله تعالى. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾؛ أي (٤): لَيُوَسْوِسُونَ ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم المنقول فيما سبق، وهو يؤيِّدُ التَّأويلَ بالميتة. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حُرِّمَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأنَّ مَنِ اتَّبع غيرَ الله تعالى في دينه فقد أشرك، جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ (٥) قبل الشرط سادٌّ مسدَّ جوابه؛ أي: والله. وقيل: حُذف الفاء لدخول الشرط على الماضي، ورُدَّ بأنَّه يقع ضرورةً فلا تكون في القرآن.

стр. 1409

(١٢٢) - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدَّرٍ دلَّ عليه ما قبله؛ أي: هل يكون المهتدي كالضَّالِّ ومَنْ كان ميتًا فأحييناه.؟ وقرئ: ﴿مَيْتًا﴾ على الأصل (١). ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ﴾ إنما زاد: ﴿فِي النَّاسِ﴾ تقويةً للنُّور؛ فإنَّ المشي بينهم يعجز عنه مَنْ (٢) في نور بصره ضعفٌ. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾: صفتُه، وهو مبتدأ خبره: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ على سبيل الحكاية، يعني: أنَّه إذا وُصف يقال له ذلك، والجملة صلة (٣) (مَن)؛ أي: كمَن صفته هذه، وقوله: ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ حالٌ من المستكنِّ في الظَّرف، والعاملُ معنى (٤) الاستقرار، لا مِن البارز في ﴿مَثَلُهُ﴾ للفصل. وهو مَثَلٌ لمَن بقي في الضَّلالة (٥) لا يفارقها بحال، وما سبق مَثَلٌ لمَن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال (٦)، وجَعل له نورَ البصيرة يميِّز به بين الحق والباطل بالتَّأمُّل

стр. 1410

في الآيات والبيِّنات، وكلاهما من قَبيل الاستعارة التَّمثيلية؛ إذ لا ذكر للمشبَّه صريحًا، ولا دلالة بحيث (١) ينافي الاستعارة، وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية: أيكون الأسد كالثعلب؟ أي: الشَّجاعُ كالجبان (٢)؟. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثْلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى ما في قوله: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، أو قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآية نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمر أو عمَّار ﵄ وأبي جهل (٣). * * * (١٢٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلنا في مكَّة أكابر مجريها ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى: صيَّرنا، ومفعوله (٤) الأول ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾، و ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مفعولُها الثاني. ويجوز أن يكون ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ ظرفًا لغوًا، والمفعولُ الثاني ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ على أنَّ الجَعْلَ بمعنى التَّمكين (٥). و ﴿أَكَابِرَ﴾ على هذين الوجهين مضاف إلى مُجْرِمِيهَا﴾.

стр. 1411

وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ بدلًا من ﴿أَكَابِرَ﴾ (١). وأجاز ابن عطية أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ المفعولَ الأوَّل، و ﴿أَكَابِرَ﴾ المفعولَ الثانيَ، والجَعْلُ بمعنى التَّصيير، أو بمعنى التَّمكين، على أن يكون الكلام من قبيل: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (٢). ويردُّهما أنَّ أفعل التفضيل إذا كان بـ (مِن) (٣) ملفوظًا بها أو مقدَّرًا أو مضافًا إلى نكرة، كان مفردًا مذكَّرًا دائمًا، سواءٌ كان لمذكَّرٍ أو مؤنَّثٍ، مفردٍ أو مثنًّى أو مجموعٍ، فإذا أنِّث أو ثُنِّيَ أو جُمِعَ طابَقَ ما هو له في ذلك، ولزمه أحد الأمرين: إما الألف واللام، أو الإضافة إلى معرفة، وعلى الوجهين المذكورين يلزم أن يبقى ﴿أَكَابِرَ﴾ مجموعًا، وليس فيه الألف واللام، ولا هو مضافٌ إلى معرفة، واللازم باطل (٤). وتخصيص الأكابر (٥) لأنَّهم أقوى على استتباع الناس في المكر بهم. وقرئ: (أكبر مجرميها) (٦)، وعلى هذه القراءة يمكن تمشية الوجهين المردودين على القراءة السابقة. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وباله يحيق بهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.

стр. 1412

(١٢٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أي: بتلك الآية ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ لم يقولوا: مثل ما أوتي محمَّد؛ لأنهم كانوا في مقام الإنكار لذلك، وفيما روي أنَّ أبا جهل قال: زاحمْنا بني عبد مناف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منَّا نبيٌّ يُوحَى إليه، والله لا نرضى به ولا نتَّبعه إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت (١). قولُه: (كما يأتيه) لا يناسب النكتة المذكورة (٢)، وعلى صحَّة ما روي الجمعُ في (قالوا) لأن مَنْ تبعَه من (٣) قريش رضُوا بقوله، فنُزِّلوا منزلةَ القائلين. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ استئناف للردِّ عليهم بأنَّ النُّبوَّةَ ليسَتْ بكبر النَّفس ولا بالمال والجاه، إنَّما هي لخصائصَ (٤) يخصُّ الله تعالى بها مَن يشاء من عباده، وَيصطفي بها مَن يعلم أنَّه يصلح لها، وهو يعلم بالمحل الذي يضعُها فيه. فناصب ﴿حيث يعلم﴾ محذوفٌ مدلول (٥) عليه بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن أفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به، ﴿حَيْثُ﴾ هاهنا مفعولٌ به (٦)؛ لِمَا عرفتَ أن

стр. 1413

المعنى: أنَّه تعالى يعلم نفس المحلِّ المستحِقِّ لوضع الرِّسالة فيه لأشياء في (١) المحل. وقرئ: ﴿رِسَالَاتِهُ﴾ (٢). ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ من أكابرها ﴿صَغَارٌ﴾: هوان وحقارةٌ (٣) بعد كِبْرِهم وعظمتهم مكانَ ما يفترون من عزِّ (٤) النُّبوَّة وحشمة الرِّسالة، وفيه دلالةٌ على أنَّ المجرم يستحقُّ الذُّلَّ والهوان، وأنَّ الرُّسل إنما فازوا بتلك العزَّة لعصمتهم (٥) عن الجرائم. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يوم القيامة، وقيل: تقديره: من عند الله، ويأباه الفصل به (٦) بين الصَّغار والعذاب؛ لأن كلاهما من عند (٧) الله تعالى. ويمكن أن يُقال: إنه من قَبيلِ الفصل بين المعطوفين بما له تعلُّق بهما، ويأتي نظيره في هذه السورة. ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدَّارين من القتلِ والأسْرِ وعذابِ النَّارِ. ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾: بسبب مكرهم، أو جزاء عليه.

стр. 1414

(١٢٥) - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾: يوفقَه للإيمان، ويعرِّفَه طريق الحقِّ (١). ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ شرح الصَّدر وتوسيعه كنايةٌ عن تنويرِ الباطن وتصفية الاستعداد (٢) عمَّا ينافي قَبول الحقِّ من ظلمات الشُّكوك والشُّبَه، فيصدق الرَّغبةَ في الإيمان. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: يخذلَه ولا يوفِّقَه. ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (٣). ضِيْقُ الصدر كنايةٌ عمَّن (٤) يكدِّر الباطن، ويزيل الاستعداد، ويُميل النَّفس إلى الشَّهوات، فينبو (٥) عن الحقِّ، وينقبضُ عنه فلا يقبله. ﴿حَرَجًا﴾: شديد الضيق، وقرئ بفتح الراء (٦) وصفًا بالمصدر. ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ مثَلٌ لمن يزاولُ أمرًا ممتنعًا لا تَسَعه (٧) قدرته؛ لأن

стр. 1415

صعود الإنسان إلى السماء أمرٌ خارج عن طوقه العاديِّ، وقيل لمن ينبو عن الشيء ويتباعد مبالغًا في الهرب منه والتَّجافي (١). وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾: يَتَصعَّد، وقد قرئ به (٢)، وقرئ: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ من صَعِد (٣)، و (يُصْعِدُ) من أَصْعَدَ (٤)، و ﴿يَصَّاعَدُ﴾ بمعنى يتصاعد (٥). ومعنى ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: في مدارج السَّماء، وهذا أبلغ من: إلى السماء. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي (٦): مِثْلَ ذلك التَّضييق ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾: العذاب، أو الخذلان، أو الفعل المؤدِّي إلى العذاب. ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وضع المُظهَر (٧) موضع المُضمَر للتَّعليل. * * * (١٢٦) - ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.

стр. 1416

﴿وَهَذَا﴾؛ أي: الإسلام، أو ما ذكر من التَّوفيق والخذلان ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾: طريقُه الذي ارتضاه، أو طريقه الذي اقتضته حكمته. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عوج فيه، ولا ميل إلى شيء من الجوانب، أو عادلًا مطَّردًا، وهو (١) حالٌ مؤكِّدةٌ؛ لأنَّ صراطه تعالى لا يكون إلَّا مستقيمًا، والعامل فيه (٢) معنى الإشارة. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ ليعلموا (٣) أنَّه القادرُ على ما يشاء، وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقضائه وقَدَره، وأنَّه عالمٌ بأحوال العباد، عادلٌ فيما يفعل (٤). * * * (١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ إضافةُ الدَّار إن كانت إلى السَّلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى فتعظيم ورفع من شأنها، وإشارةٌ إلى أنها دارٌ لا نقص فيها ولا آفَةَ ولا عيب، وإلَّا فبمعنى السَّلامة من المكاره، أو: دارٌ تحيَّتُهم فيها سلام. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِه، كما نقولُ: نحن اليوم عند فلان؛ أي: في كرامته وضيافته، ويحتمِل أن يكون قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيما سبقَ من قوله تعالى: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بهذا المعنى على التهكُّم، وقيل: في ضمانه، كقولك: له عندي حقٌّ. ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: محبُّهم، أو: ناصرهم (٥) على أعدائهم

стр. 1417

﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بسبب أعمالهم، أو متولِّيهم بجزائها. * * * (١٢٨) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوبٌ بإضمار: نقول، أو قائلين ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ وهذا أولى من إضمار اذكر مفعولًا به (١)؛ لخروجه عن الظَّرفية، والحاجةِ إلى تقدير القول في ربط ما بعده، والضمير لمن يُحشَرُ من الثَّقلين (٢). وقرئ: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء (٣). والمراد من الجن: الشياطين. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: من إغوائهم، أو: منهم بأن جعلتُموهم أتباعَكم فحشروا معكم، يقال: استكثر الأمير من الجند (٤). ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتع الإنسُ بالجنِّ لدلالتهم على شهواتهم، وما يُتوصَّل به إليها من الحِيَل،

стр. 1418

واستمتع (١) الجن بالإنس لطاعتهم ومساعدتهم على مرادهم وما يشتهون من إغوائهم. وقيل: استمتاع الإنس بهم ما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، واستمتاع الجن بهم اعترافُهم للجن (٢) بأنهم يقدرون على الدَّفع عنهم وإجارتهم لهم. ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾؛ أي: البعثَ، وهو اعتراف منهم بطاعة الشيطان (٣) في الدُّنيا، والتَكذيبِ بالبعث، وتحسُّر على حالهم. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾: منزلُكم، أو: ذاتُ مثواكم (٤). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ، عاملُها ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ إنْ جُعل مصدرًا، ومعنى الإضافة إن جُعل مكانًا. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من عصاة المؤمنين، واستعمال (ما) في ذوي العقول شائع، كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وفي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]. أو: من الأوقات التي يخرجون فيها من النَّار، وهو ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، مِنْ أنَّه يُفتَح لهم وهم في النَّار بابٌ إلى الجنَّة،

стр. 1419

فيُسْرِعون نحوه، فإذا صاروا إليه (١) سُدَّ عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]. وقيل: من الأوقات التي يُنقَلون فيها من النَّار إلى الزَّمهرير. وفيه من الحاجة إلى صرف النار من (٢) معناها العلمي إلى معناها (٣) اللغوي. وقيل: إلا ما شاء الله (٤) قبل الدَّخول. ولا وجه له؛ لأنَّ حكمَ الخلود والأبد بعد الدُّخول، ومن (٥) جهة المنتهَى لا من جهة المبتدأ (٦). ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالِ عباده وأحوالهم. * * * (١٢٩) - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ما فعلْنا من تمكين الجنِّ من إغواء الإنس ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾؛ أي: نجعلُ بعضَ الظَّالمين واليًا على بعضٍ يسخِّرونهم ويُغوونهم (٧)،

стр. 1420

أو: نجعل بعضَهم يتولَّى بعضًا يغويهم، أو: نجعل بعضهم أولياءَ بعض وقرناءَهم يوم القيامة كما كانوا في الدُّنيا. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي. * * * (١٣٠) - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ لأنَّ الخطابَ للتَّوبيخ. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾: مِنْ جُملتكم، وهم رسل الإنس. عن الكلبي: كانت الرُّسل قبل نبيِّنا ﷺ يُبعثون إلى الإنس، وهو ﵇ بُعِثَ إلى الثَّقلَيْن (١). وقيل: من الجنِّ أيضًا رسُل، ولا دلالة في الآية على ذلك؛ إذ لم يقل: (رسل منكما) حتى يحتاج القول الأوَّل إلى التأويل بمثل ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿قَالُوا﴾ جوابًا: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بالجُرْمِ والعصيان، أرادوا شهادتهم عند وفاتهم، على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، ولذلك قالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ بلفظ الماضي.

стр. 1421

﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، وتحذيرٌ لمن سمع للاتِّعاظ بهم. * * * (١٣١) - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من إرسال الرُّسل وإنذارِهم، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك. ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ تعليلٌ، و ﴿أَنْ﴾ هي الناصبة للأفعال؛ أي: لئلا يكون، أو المخفَّفة من الثَّقيلة؛ أي: لأنَّ الشَّأنَ والحديثَ لم يكن ربُّك مهلك القرى، ويجوز أن يكونَ بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر: ٦٦]، وأن يكون خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إرسالُ الرسل والإنذار لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم. والباء للسببية؛ أي: بسبب ظلم (١)، أو ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال؛ أي: مُلْتبسين بظلم؛ يعني: أنَّه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبَّهوا برسولٍ وكتابٍ لكان ظلمًا، وهو تعالى مُنزَّه عن الظُّلم. * * * (١٣٢) - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أي: ولكلِّ عاملٍ بطاعة أو معصية ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: مراتبُ في الجزاء.

стр. 1422

﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾: من أجل أعمالهم بحسَبها، فالمحسِن في رَوح الثَّواب متنعِّمٌ، والمسيء في نَوح العقاب متألِّمٌ. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بياء الغائبة ردًّا على الآية التي قبلها، وبتاء المخاطبة (١) ردًّا على قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. والمعنى: وما ربك بغافل عمَّا يعملون من المعاصي، ولكن يؤخِّر تعذيبَهم رحمةً منه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢]، أو: إنَّه تعالى على علمٍ بأعمالهم خلَقهم لا عن جهل. لما أنَّ ضررَ أعمالهم يرجع إليهم لا إليه تعلَّق أبو يوسف ومحمَّد بظاهره في أنَّ الجنَّ لهم ثواب، وأبو حنيفة ذهب إلى التَّخصيص، والقراءة بتاء المخاطبة تشهد لهما. * * * (١٣٣) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ فلا ينتفعُ بالطَّاعة ولا يتضرَّرُ بالمعصية، فليسَ التَّكليفُ لمصلحةِ نفسه، بل لتكميلهم وتبليغهم (٢) إلى الدَّرجات والكمال. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا يُعاجل بالعقوبة، بل يُمهلهم عسى أن يتداركوا ما فاتهم. أخبر بالأوَّل عن جلاله، وبالثَّاني عن إفضاله، فهم (٣) في سماع هذه الآية بين

стр. 1423

احتياجٍ وارتياحٍ، وهذا تكملةٌ لِمَا قبلَه من إرسال الرُّسل للرَّحمة عليهم لا لانتفاعه بطاعتهم، وتأسيسٌ لِمَا بعدَه مِنْ قوله (١): ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العصاة؛ أي: لغناه عنكم. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع، لكنَّه أبقاكم ترحُّمًا عليكم. ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أي: مِنْ نسلِ قومٍ كانوا قبلَكم. وقيل: ﴿مِنْ﴾ للبدل؛ كما يقال: أعطيتك من دينارٍ ثوبًا؛ أي: أنشأكم بدلًا منه. * * * (١٣٤) - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ من البعث وأحواله ﴿لَآتٍ﴾: لكائن لا محالة ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين طالبَكم به؛ أي: يدرككم حيثما كنتم، يقال: قصدت فلانًا فأعجَزَني؛ أي: سبقني ففاتني. * * * (١٣٥) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ المكانة: مصدر مَكُنَ مكانةً: إذا تمكَّن أبلغَ التَّمكُّن، وقد يكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، كما يقال: مقام ومقامة، أي: على غاية تمكُّنكم وأقصى استطاعتكم، أو: على مقامكم وحالتكم التي أنتم عليها

стр. 1424

مِنْ كفركم وعداوتكم لي، يقال (١) للرجل: أثبت على مكانتك؛ أي: أثبت على ما أنت عليه من حالٍ، ولا تنحرف عنه. وقرئ: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ على الجمع (٢). ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: فاعلٌ على قدرتي واستطاعتي (٣)، أو: على مقامي وحالي في الإسلام والمصابرة معكم، فحُذِفَ (٤) للاختصار والمبالغة في الوعيد، وللإشعارِ (٥) بأنه حالة لا تقف؛ فإنَّه تعالى يزيده (٦) على مرِّ الأيام قوَّةً ونصرة. ومعنى الآية على الأوَّل: إظهارُ التَّجلُّد للعدوِّ وعدمِ المبالاة به (٧)، غاية الوثوق بحفظ الله تعالى، والاعتماد على نصرته؛ أي: لا تبغوا عليَّ وأنفذوا وسعكم في عداوتي فإنِّي فاعل بكم ما أقدر عليه، وهذا غايةٌ في التَّهديد، وتعجيزِ الخصم (٨). وعلى الثاني: التخليَةُ، والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلَّا الشَّرُّ، فكأنَّه مأمورٌ به واجبٌ عليه ذلك لا يسعه خلافُه والإعراض عنه بالكليَّة، والإشعارُ بأنه لا مطمَع (٩) في خيره؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].

стр. 1425

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ﴿مَنْ﴾ إمَّا استفهامية عُلِّقَ عنها الفعل، ومحلُّها الرَّفع على الابتداء، ما بعده خبره؛ أي: فسوف تعلمون (١) أيُّنا تكون له العاقبةُ المحمودة التي لها هذه الدَّار. وإمَّا موصولةٌ محلُّها النَّصب على المفعوليَّة؛ أي: فسوف تعرفون الذي يكون له العاقبة، وعيدٌ وإنذارٌ لطيف المسلَك مع مراعاة حُسْنِ الأدب، والإنصافِ للخصم في القول عند الوثوق بسوء عاقبته وحُسْنِ عاقبة المُوْعِد، وكذا قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ إشعارٌ بظلم المخاطَبين، وأنَّ ظلمهم سببُ (٢) امتناع فلاحهم، مع حسن العبارة، وإرخاء العنان، والمسامحة، والإيهام بأني إنْ كنْتُ أنا الظَّالمَ فلا فلاحَ لي، ولهذا ذكر الظُّلمَ دون الكفر، ثم بيَّنَ ظلمهم وكفرهم في الآية بعدها. * * * (١٣٦) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. ﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: مشركو العرب ﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾: خلَق، فيه إيماء إلى أنهم يرجِّحون ما لم يخلق شيئًا ولم يقدِرعلى شيء على مَنْ خلقَ أشياءَ (٣)، فيُؤْثِرونه عليه بما خلقها وزكَّاها جهالةً، وكان العكس أولى (٤)، ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

стр. 1426

﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ لم يذكر هنا نصيبَ الشُّركاء إيجازًا واكتفاءً بذكره في التفصيل الآتي، وإيماءً إلى جهالتهم بأنهم جعلوا لمن له الكل نصيبًا مما (١) خلقه، وأنَّ التَّسوية شيء لا يليق بالأدب التَّلفظُ به مراعاةً للحشمة. ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ وقرئ بضم الزاي (٢)، وهي لغةٌ فيه، وهو الظنُّ الخطأ، وقد جاء فيه الكسر أيضًا (٣)، كَالْودِّ، وفيه تنبيا على أن ذلك من جهالاتهم وشرعِهم ما لم يأذن به الله تعالى. ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ كانوا يعيِّنون من حرثهم ونتاجهم نصيبًا لله تعالى ونصيبًا لآلهتهم، فإذا رأوا ما عيَّنوه لله تعالى أزكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم، وإن (٤) رأوا ما عيَّنوه لآلهتهم أزكى تركوه (٥) لها، معلِّلين بأنَّ الله تعالى غنيٌّ، وإنما فعلوا ذلك حبًّا لآلهتهم وإيثارًا لها. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مصدرَّية، و ﴿سَاءَ﴾ متعدِّية حُذف مفعولها لدلالة المعنى، تقديره: ساءهم حكمهم، أي: جلب لهم السوء.

стр. 1427

(١٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى مضمون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآية، أو إلى نفس هذا التَّزيين الذي هو تزيين قتل (١) الأولاد، وقد مرَّ مثلُ هذا. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ بالوأد، وبنحرهم لآلهتهم. ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ من الجنِّ أو من السَّدَنة. قرئ: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للفاعل وهو ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ ونصبِ ﴿قَتْلَ﴾ (٢)، وعلى البناء للمفعول وهو (قتلُ)، ورفع ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٣) بإضمار فعل دلَّ عليه المذكور، كأنه قيل: مَنْ زيَّنه؛ فقيل: زَّينه شركاؤهم. وأما قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء (٤) على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، فقد رُدَّتْ (٥) بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة كما في قوله:

стр. 1428

زجَّ القَلوصَ أبي مزادة (١) فكيف به في غيره (٢)؟ لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان (٣)، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس

стр. 1429

الفهم، ثم إنه لا ضرورة في الشِّعر المذكور كما توهَّم؛ لاستقامة الوزن والقافية بجرِّ (القلوص) ورفع (أبي). واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِنْ ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: ليُهلكوهم بالإغواء والإضلال، واللامُ للتعليل إن كان التَّزيين من الجنِّ، وللعاقبة (١) إن كان من السَّدَنة. ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: وليخلطوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ وهو ما كان عليه في الأصل من دين إسماعيل ﵇، أو دينهم الذي وجبَ عليهم أنْ يَتدينوا به (٢). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل المشركون [ما زُين لهم من القتل]، أو: ما فعل الشياطين أو السَّدنةُ (٣) التزيينَ أو الإرداءَ (٤) أو اللبسَ، والأَولى أن يجري الضمير مجرى اسم الإشارة فيُرادَ (٥) به الجمع. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: وافتراءَهم، أو: الذي يفترونَ من الإفك. * * * (١٣٨) - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.

стр. 1430

﴿وَقَالُوا هَذِهِ﴾ إشارة إلى ما جُعل ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حرامٌ، مِنَ الحَجْرِ، وهو المنع، فِعْلٌ بمعنى مَفعولٍ (١)، كالذِّبح، ويستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والكثير؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الأسماء لا الصِّفات. وقرئ: (حُجْرٌ) بالضم (٢). وعن ابن عباس: (حِرْجٌ) (٣)؛ أي: ضيق. ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: خدمَ الأوثان، أو الرِّجالَ دون النِّساء. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾، أي: قولِهم الباطل. ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب والحوامي. ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ في الذَّبح، وإنما يذكرون عليها أسماء أصنامِهم. وقيل: لا يحجُّون ولا يلبُّون على ظهورها. أي: قسموا أنعامهم أجناسًا بهواهم؛ فقالوا: هذه حِجْر، وهذه محرَّمة الظَّهر، وهذه لا يذكر عليها اسم الله تعالى. ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾؛ أي (٤): نَسبوا ذلك التَّجنيس إلى الله تعالى افتراءً عليه، نصبٌ على المفعول له، أو حال؛ أي: مفترِين على الله تعالى، أو مصدر مؤكِّد؛

стр. 1431

لأن تقوُّلهم (١) ذلك محضُ افتراء (٢)، والجارُّ متعلق بـ (قالوا). ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: بسببه. * * * (١٣٩) - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ يعني: ما في بطون هذه البحائر - ونحوِها - من الأجنَّة، وفي قول ابن عباس والشَّعبي ﵁: هي اللبن (٣)، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾. ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: حلال للذُّكور خاصَّة لا يشاركهم فيها الإناث، إن ولد حيًّا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾. ومعنى الاختصاصِ للذُّكور مهمٌّ في المقام؛ لأنَّه قرينةٌ لإرادة الإناث من الازدواج، وهو لا يفاد بعبارة المباح، فلذلك أورد عبارة ﴿خَالِصَةٌ﴾ عليها، مع (٤) حقِّ المقابلة مع عبارة (محرم) لها. والتَّاء في ﴿خَالِصَةٌ﴾ ليست للتَّأنيثِ، بل يقال في الاسم: خالصٌ وخالصةٌ.

стр. 1432

أو حُمل ﴿خَالِصَةٌ﴾ في التَّأنيث على المعنى؛ لأن ما في بطونهم في معنى الأجنَّة، ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ على اللَّفظ. أو كانت التاء للمبالغة كراوية الشعر. أو كان مصدرًا كالعافية (١) وقعَتْ موقعَ الخالص (٢)، أي: ذو خالصة، بمعنى: خالص، ويؤيِّده قراءة: (خالصةً) بالنَّصب (٣)، على أنَّه مصدَرٌ مؤكِّدٌ، والخبر ﴿لِذُكُورِنَا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير الذي هو فاعل الاستقرار في قوله: ﴿فِي بُطُونِ﴾، لا مِنَ الذي في ﴿لِذُكُورِنَا﴾؛ لأن العامل المعنوي لا يتقدَّم معمولُه عليه، ولا من الذُّكور؛ لأن المجرور لا يتقدَّم عليه حالُه. وقرأ ابن عباس ﵄: (خَالِصُهُ) على الإضافة (٤)، وهو بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو مبتدأٌ ثانٍ. وفي مصحف عبد الله: (خالصٌ) (٥). وقرئ: (خالصًا) (٦). ﴿عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ لم يقل: (على إناثنا) مع أن المراد من الأزواج الإناث، وهو (٧)

стр. 1433

المناسب أن يذكر في مقابلةِ الذكور؛ لأنَّ المقصود الإشارة إلى وجه تحريمها على الإناث - وهو كونهنَّ أزواج الرِّجال في الجملة - لا بيانُ حرمتها على الإناث، فإنها قد فُهِمَتْ مما تقدَّم، ولهذا صدَّره بأداة الوصل، فإنه لو أريد به بيان الحرمة على الإناث لكان حقُّه الفصلَ؛ لِمَا بيْنه وبين ما تقدَّم من (١) كمال الاتصال. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ الضمير لِمَا في بطونها، وقرئ بالتاء الفوقانية على تأويل الأجنة، وقرأ ابن عامر بها ورفعِ ﴿مَيْتَةً﴾ (٢) على كان التَّامة، وتذكيرُ الضمير في: ﴿فَهُمْ فِيهِ﴾ لأنَّ الميتة قد تكون ذكرًا فغلِّب، وقرئ بالياء التحتانية ورفع ﴿مَيْتَةً﴾ (٣). ﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: الذكور والإناث فيه سواءٌ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ الكذب؛ أي: جزاءَ وصفهم الكذبَ على الله تعالى في التحريم والتحليل. ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في جزائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم. * * * (١٤٠) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ يريد بهم العرب الذين يدفنون بناتهم أحياءً،

стр. 1434

فبعضهم يفعل ذلك خوف العَيلة والإقتار، وبعضهم خوف السبي والعار، وقرئ: ﴿قَتَلُوا﴾ بالتَّشديد (١). ﴿سَفَهًا﴾ مفعول له، والسَّفه: خفَّة الحُلم بالعجلة؛ أي: ما لا ينبغي أن يُعجل إليه. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ أو صفةُ مصدر؛ أي: قتلًا بغير علم، فيه إشارةٌ إلى أن فعلهم ذلك لجهلهم (٢) بأن الله تعالى هو الرزَّاق والمقدِّر للسَّبي وغيره. ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ من البحائر ونحوها. ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ قد مرَّ (٣) وجوه الإعراب في مثله. ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق والصواب، وزيادة (كان) للدلالة على الاستمرار؛ أي: استمَروا على عدم الاهتداء، على أن القيد المذكور داخلٌ على (٤) النَّفي في الاعتبار، وإن كان مدخولًا له (٥) في الظاهر، وبهذا اندفع وهم القصور والتكرار (٦). * * * (١٤١) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا

стр. 1435

أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ من الكروم ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: مرفوعاتٍ على دعائم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: متروكات على الأرض. وقيل: الأول ما غرسه النَّاس وعرشوه، والثاني ما نبت في الجبال والبوادي (١)، ولم يغرس. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدَّرة؛ لأنَّه لم يكن كذلك حال الإنشاء ﴿أُكُلُهُ﴾: ثمرُه الذي يؤكل، في الهيئة والكيفيَّة، والضَّمير للنَّخل (٢)، والزرعُ داخل في حكمه لكونه معطوفًا عليه؛ لأنَّ الأصل أن يطلق الأكُل على الثَّمرة والجناتِ بالحقيقة، فغلِّب فيه الزَّرع. أو للزرع والباقي مَقيس عليه، أو للجميع (٣) على تأويل: ذلك، أو: كل واحد منهما (٤). ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: يتشابه (٥) بعض أفرادهما في الكم والكيفية، ولا يتشابه بعضُها. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضمير لكلِّ واحد ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ قد كان من المعلوم أنه (٦)

стр. 1436

لا يُؤْكَل قبل أن يُثمر، ففائدةُ القيد المذكور التَّنبيهُ على أن إباحة الأكل تثبت (١) قبل الإدراك والإيناع، بخلاف وجوب الحقِّ الشَّرعيِّ المذكور في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ما يُتصدَّق به وقت الحصاد، وكان ذلك الحقُّ واجبًا حتى نُسِخَتْ بالزَّكاة، وقيل: هو الزَّكاة، والآية مدنية، والظَّرف لـ ﴿حَقَّهُ﴾ ليُعلم أن الوجوب وجوبُه بالإدراك لا بالتَّنقية (٢)، لا للإيتاء للحاجة إلى التأويل، والتَّوقيتُ في الأوامر حقُه أن يحافظ على ظاهره كيلا يَشتبه (٣) الموقَّت بالمطلق. وقرئ: ﴿حِصَادِه﴾ هو بكسر الحاء (٤)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التَّصدُّق، لا في الأكل، ولذلك اقتصر على نفي المحبَّة عنهم، وقد قيل: إنهم كانوا يعطون شيئًا سوى المقدَّر ويسرفون فيه، فنُهي عنه. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الموصوفين بهذه الصِّفة، فإنه من أمارات الممكورين لا المشكورين. * * * (١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي (٥): وأنشأ من الأنعام.

стр. 1437

﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ما يحمل الأثقال، وما يُفرش للذَّبح، أو يُنسج من وبره وصوفه وشعره الفرش (١). وقيل: الأوَّل الكبار (٢) التي تصلح للحمل، والثَّاني الصغار مثل الفُرُش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها النَّاس. ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما أُحلَّ (٣) لكم منه، ولا دلالة فيه على أنَّ كلَّ رزقٍ مأكولٌ حتى ينتهِض حجَّةً للمعتزلة في أنَّ الحرام ليس برزق (٤). ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثاره في التَّحليل والتَّحريم من عند أنفسكم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وكان في الإتيان بعبارة الجمع إشارة إلى هذه الثلاثة. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهرُ العداوة * * * (١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، والزَّوج: ما معه آخَرُ من جنسه يزاوجه، وقد يقال لمجموعهما، والمراد هنا الأول. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين اثنين: الكبش والنَّعجة، وهو مع ما (٥) بعده

стр. 1438

عطفُ بيان لـ ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، أو ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بدل من ﴿الْأَنْعَامِ﴾ و ﴿اثْنَيْنِ﴾ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، أو من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، إن جوَّزنا للبدل بدلًا. وقرئ: (اثنان) على الابتداء (١). والضَّأن: جمع ضائن، كالتَّجر جمع تاجر، وقيل: هو (٢) جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويجمع على ضَئينٍ، كالعبد يجمع على عبيد، وقرئ بفتح الهمزة (٣)، وهي لغة فيه. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: التَّيس والعَنْز، وهي (٤) جمع ماعز، وقرئ بالفتح (٥)، وهو أيضًا جمع له؛ كحارس وحَرَسٍ، وقرئ: (المِعْزَى) (٦). ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾: ذكَرَ الضَّأن والمعز، والهمزةُ للإنكار ﴿حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أم أُنثيَيْهما، ونصبُ الذَّكرين والأنثيين بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وتقديمُ المفعول للتخصيص. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: حَوَته وانضمَّتْ عليه، ذكَرًا كان أو أنثى. ﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الأرحام: جمع رحِم، وهو موضع الولد، وما كان في الحيِّ

стр. 1439

منه عضو واحد، فالإضافة إلى الاثنين (١) بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾: أخبِروني بأمرٍ معلومٍ من جهةِ اللهِ تعالى يدلُّ على أنَّه تعالى حرَّم (٢) شيئًا من ذلك، عبَّر (٣) عنه بالعلم مبالغةً؛ للتَّنبيه على أنَّ دليلَ التَّحريم لا بُدَّ أن يكون قطعيًّا. وهو اعتراضٌ لطيفٌ بينَ أقسام التَّفصيل؛ للتَّأكيد في الاحتجاج على مَنْ حرَّم ما أحلَّ اللهُ تعالى لعباده، مَنَّ بالتَّفضُّل به عليهم مبالغةً في التَّحليل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله تعالى حرَّم هذا. * * * (١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما سبق، والمرادُ إنكار (٤) تحريمِ الله تعالى شيئًا من الأجناس المذكورة. وذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكور هذه الأنعام تارةً وإناثَها أخرى، وأولادَها

стр. 1440

كيفما كانت ذكورًا وإناثًا تارة، وينسبون تحريمها إلى الله تعالى، فأنكر ذلك عليهم. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ معنى بل في (أم) المنقطعة: الإضرابُ (١) عن طلب العلم والدليلِ القطعيِّ الدَّالِّ على التَّحريم من عند الله على سبيل المسامحة، ومعنى الهمزة: إنكار المشاهدة، وذكرُها تهكُّمٌ بهم وبدِينهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بنبيٍّ ولا كتابٍ، وزعموا أن الله تعالى حرَّم هذا، فلم يبقَ إلَّا طريقُ (٢) المشاهَدة والسَّماع، فقيل لهم: أشاهدتم ربَّكم ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: حين وصَّاكم بهذا التَّحريم وأمركم (٣)، والوصية مقدَّمة مؤكَّدة فيما يُفعل أو يُترك. ولما ثبت أنْ (٤) لا علم لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلَّا الافتراء وهو ظلم، قال (٥): ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: نسَب إليه تعالى تحريمَ ما لم يحرِّم، وهو عَمْرُو بنُ لُحيِّ بنِ قمعة (٦)، المؤسِّسُ لتبحير البحائر وتسييب السَّوائب. ﴿كَذِبًا﴾: كاذبًا، لا مخطئًا في ظنه، فإن فيه مندوحةً عن الكذب. ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾؛ أي: عمِل عمل القاصد (٧) إضلالَهم، من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلالةُ وإن لم يقصد الإضلال، ولذلك قال: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
следующие страницы →