← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

لا يُؤْكَل قبل أن يُثمر، ففائدةُ القيد المذكور التَّنبيهُ على أن إباحة الأكل تثبت (١) قبل الإدراك والإيناع، بخلاف وجوب الحقِّ الشَّرعيِّ المذكور في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ما يُتصدَّق به وقت الحصاد، وكان ذلك الحقُّ واجبًا حتى نُسِخَتْ بالزَّكاة، وقيل: هو الزَّكاة، والآية مدنية، والظَّرف لـ ﴿حَقَّهُ﴾ ليُعلم أن الوجوب وجوبُه بالإدراك لا بالتَّنقية (٢)، لا للإيتاء للحاجة إلى التأويل، والتَّوقيتُ في الأوامر حقُه أن يحافظ على ظاهره كيلا يَشتبه (٣) الموقَّت بالمطلق. وقرئ: ﴿حِصَادِه﴾ هو بكسر الحاء (٤)، وهو لغةٌ فيه. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التَّصدُّق، لا في الأكل، ولذلك اقتصر على نفي المحبَّة عنهم، وقد قيل: إنهم كانوا يعطون شيئًا سوى المقدَّر ويسرفون فيه، فنُهي عنه. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الموصوفين بهذه الصِّفة، فإنه من أمارات الممكورين لا المشكورين. * * * (١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي (٥): وأنشأ من الأنعام.

стр. 1437

﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ما يحمل الأثقال، وما يُفرش للذَّبح، أو يُنسج من وبره وصوفه وشعره الفرش (١). وقيل: الأوَّل الكبار (٢) التي تصلح للحمل، والثَّاني الصغار مثل الفُرُش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها النَّاس. ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما أُحلَّ (٣) لكم منه، ولا دلالة فيه على أنَّ كلَّ رزقٍ مأكولٌ حتى ينتهِض حجَّةً للمعتزلة في أنَّ الحرام ليس برزق (٤). ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثاره في التَّحليل والتَّحريم من عند أنفسكم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وكان في الإتيان بعبارة الجمع إشارة إلى هذه الثلاثة. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهرُ العداوة * * * (١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، والزَّوج: ما معه آخَرُ من جنسه يزاوجه، وقد يقال لمجموعهما، والمراد هنا الأول. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين اثنين: الكبش والنَّعجة، وهو مع ما (٥) بعده

стр. 1438

عطفُ بيان لـ ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، أو ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بدل من ﴿الْأَنْعَامِ﴾ و ﴿اثْنَيْنِ﴾ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، أو من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، إن جوَّزنا للبدل بدلًا. وقرئ: (اثنان) على الابتداء (١). والضَّأن: جمع ضائن، كالتَّجر جمع تاجر، وقيل: هو (٢) جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويجمع على ضَئينٍ، كالعبد يجمع على عبيد، وقرئ بفتح الهمزة (٣)، وهي لغة فيه. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: التَّيس والعَنْز، وهي (٤) جمع ماعز، وقرئ بالفتح (٥)، وهو أيضًا جمع له؛ كحارس وحَرَسٍ، وقرئ: (المِعْزَى) (٦). ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾: ذكَرَ الضَّأن والمعز، والهمزةُ للإنكار ﴿حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أم أُنثيَيْهما، ونصبُ الذَّكرين والأنثيين بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وتقديمُ المفعول للتخصيص. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: حَوَته وانضمَّتْ عليه، ذكَرًا كان أو أنثى. ﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الأرحام: جمع رحِم، وهو موضع الولد، وما كان في الحيِّ

стр. 1439

منه عضو واحد، فالإضافة إلى الاثنين (١) بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾: أخبِروني بأمرٍ معلومٍ من جهةِ اللهِ تعالى يدلُّ على أنَّه تعالى حرَّم (٢) شيئًا من ذلك، عبَّر (٣) عنه بالعلم مبالغةً؛ للتَّنبيه على أنَّ دليلَ التَّحريم لا بُدَّ أن يكون قطعيًّا. وهو اعتراضٌ لطيفٌ بينَ أقسام التَّفصيل؛ للتَّأكيد في الاحتجاج على مَنْ حرَّم ما أحلَّ اللهُ تعالى لعباده، مَنَّ بالتَّفضُّل به عليهم مبالغةً في التَّحليل. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله تعالى حرَّم هذا. * * * (١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما سبق، والمرادُ إنكار (٤) تحريمِ الله تعالى شيئًا من الأجناس المذكورة. وذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكور هذه الأنعام تارةً وإناثَها أخرى، وأولادَها

стр. 1440

كيفما كانت ذكورًا وإناثًا تارة، وينسبون تحريمها إلى الله تعالى، فأنكر ذلك عليهم. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ معنى بل في (أم) المنقطعة: الإضرابُ (١) عن طلب العلم والدليلِ القطعيِّ الدَّالِّ على التَّحريم من عند الله على سبيل المسامحة، ومعنى الهمزة: إنكار المشاهدة، وذكرُها تهكُّمٌ بهم وبدِينهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بنبيٍّ ولا كتابٍ، وزعموا أن الله تعالى حرَّم هذا، فلم يبقَ إلَّا طريقُ (٢) المشاهَدة والسَّماع، فقيل لهم: أشاهدتم ربَّكم ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: حين وصَّاكم بهذا التَّحريم وأمركم (٣)، والوصية مقدَّمة مؤكَّدة فيما يُفعل أو يُترك. ولما ثبت أنْ (٤) لا علم لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلَّا الافتراء وهو ظلم، قال (٥): ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: نسَب إليه تعالى تحريمَ ما لم يحرِّم، وهو عَمْرُو بنُ لُحيِّ بنِ قمعة (٦)، المؤسِّسُ لتبحير البحائر وتسييب السَّوائب. ﴿كَذِبًا﴾: كاذبًا، لا مخطئًا في ظنه، فإن فيه مندوحةً عن الكذب. ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾؛ أي: عمِل عمل القاصد (٧) إضلالَهم، من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلالةُ وإن لم يقصد الإضلال، ولذلك قال: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

стр. 1441

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى دار الثَّواب؛ لأنهم يستحِقُّون العقاب. * * * (١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾. ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ كنَى بعدم الوجدان عن عدم الوجود، ومَبْنى هذه الكناية على أنَّ طريقَ التَّحريمِ التَّنصيصُ مِنَ الله تعالى عليه، ولا مساغَ للرَّأي فيه، ففيها ثبوتُ ذلك المبنى (١) اقتضاء. ثم إنَّ فيهما إشارةً إلى أنَّ من الأحكام المنزَّلة ما في العثور عليه حاجةٌ إلى التَّفقُّد (٢) والتَّتبُّع لكونه بطريق الدّلالة الخفيَّة، وإنما قال: ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ دون: ما أُنزل عليَّ؛ لأنَّ النَّصَّ المحرِّم لا يلزم (٣) أن يكون من جنس الكتاب (٤). ﴿مُحَرَّمًا﴾ طعامًا محرَّمًا ﴿عَلَى طَاعِمٍ﴾: نكَّره تجريدًا له عن قيدٍ زائد حتى يَنتظِم الطَّاعمُ الظَّالمَ وغيرَ الظَّالم، فيَؤُول المعنى إلى أنَّه ليس من جنس المطعوم من حيث إنه مطعوم محرَّم إلَّا هذه الأربع، فلا يتَّجه النقض بحرمة المأكول ظلمًا؛ لأن حرمته مِن قيدِه لا مِن نفسه.

стр. 1442

وفائدة التَّوصيف بقوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ قطعُ المجاز، كما في ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فإن الطَّاعم يطلَق على المطعِم مجازًا. ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: إلَّا أن يكون المطعوم، فالاستثناء من المفهوم، وقرئ بالتاء - لتأنيث الخبر - وبرفع: ﴿مَيْتَةً﴾ (١) على أن (كان) هي التَّامة. والمراد من الميتة هاهنا: ما فقَدَ حياته بلا ذبح أصلًا؛ أي: شرعيًّا كان أو غيرَ شرعيٍّ، ولهذا احتيج إلى ذكر المحرَّم الرَّابع. في قوله: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دلالةٌ على أن جلد الميتة قبل الدِّباغ يحرم؛ لأنَّه قد (٢) يُشوَى فيؤكل، وإذا دُفيَ خرج عن قابلية الأكل. ﴿أَوْ دَمًا﴾ عطف على ﴿مَيْتَةً﴾، أو على ﴿أَنْ﴾ مع ما في حيِّزه على اختلاف القراءتين فيهما، وإنما ذكرهما هنا منكَّرين وفي (سورة البقرة) و (المائدة) معرَّفتين؛ لأنَّ هذه السُّورة مكيَّة، وهما مدنيَّتان، فناسب أن يُذكرا فيهما (٣) معرَّفين بتعريف العهد، وتعريفُهما في (سورة النَّحل) مع أنها أيضًا مكيَّة بناء على تأخُّر (٤) نزول ما فيها من الآية المشتملة عليهما من (٥) نزول ما في هذه السورة. ﴿مَسْفُوحًا﴾: مصبوبًا ضائعًا، يرشدك إلى اعتبار هذا القيد الزَّائد على معنى الصَّبِّ في مفهوم السَّفح (٦) ........................................................

стр. 1443

إطلاقُهم السِّفاح (١) على الزِّنا باعتبار تضييعه الماء، قال النبيُّ (٢) ﵇: "وُلدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ" (٣). وإذا تقرَّرَ هذا ففي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ هذا الدَّم التَّضييعُ والإهدار، لا الحفظُ والادِّخار، وإنَّما خصَّ الدَّم بالقيد المذكور لأنَّ ما اختلطَ باللَّحم منه وقد تعذر تخلصه من اللَّحم عفوٌ (٤) مباحٌ، وأمَّا الطُّحال فليس بدمٍ (٥) حقيقةً، وكذلكَ الكبد، فلا حاجة إلى الاحتراز عنهما إلى القيد (٦) المذكور. ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ إنما زيد ﴿لَحْمَ﴾ (٧) لا لأنَّ كلَّه غير مأكول، وإلا لناسب زيادتها في الميتة أيضًا للاشتراك في العلة المذكورة، بل لئلا يسبق إلى الوهم أنَّه من قبيل (٨) صيد البرِّ حتى لا يبقى محرَّمًا بعدما صار لحمًا. ولما كان المأكول المحرَّم من الخنزير غيرَ منحصرٍ في اللَّحم تدارك الحكمَ في الباقي بالتَّعميم دلالة، حيث علَّل المذكور بقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: قذرٌ ينفر عنه الطَّبعُ السَّليم؛ لتعوُّده أكلَ النَّجاسة.

стр. 1444

ولا يخفى ما في الاعتراض بين المعطوفين للتَّعليل من الدلالة على سائر أجزائه القابلة للأكل. ويجوز أنْ يُرادَ باللحم: ما يُؤكَل منه مطلقًا، على طريقة التَّعبير عن الكل بالجزء (١)، وعلى هذا لا حاجة إلى صرف الضمير عن المضاف. فإن قلْتَ: أليس في هذا التعليل غنًى عن إقحام اللحم لإفهام ما ذُكِرَ آنفاً؟ قلْتُ: لا؛ لأنَّ التَّعليل النَّحوي لا يلزم أن يكون بالعليَّة الشَّرعيَّة، بل قد يكون بالحكمة التي لا يلزمها الاطراد ولا الانعكاس، وإنَّما خصّص هذا والذي يليه بالتَّعليل عبارةً وإشارةً لأنَّ الطَّبع يساعد السَّمع في الأَوَّلَيْن بخلافِهما في الآخرَيْنِ. ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ نصب عطفًا على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، لا على أنه مفعول له، دَلَّ على ذلك قولُه تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، سمي بالمصدر مبالغةً، فهو بعبارته تحذير منه (٢)، وبإشارته تعليل لحرمته. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صفة موضِّحة له، والإهلال به كنايةٌ عن ذبحه، وهو في الأصل: رفعُ الصَّوت بالشيء. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: دعته الضرورة إلى أكلِ شيء من ذلك ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ مثله ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قَدْرَ الضرورة في تناوله. ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ لِمَا عسى أن يفرط عند العمل بالرُّخصة ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه.

стр. 1445

وقد استُدِلَّ بهذه الآية على انتساخِ الكتابِ بالسُّنَّة؛ لأن عبارتها وإن كانت ساكتة عن عدم محرَّم آخر، لكنَّ دلالتها ناطقةٌ بأنْ (١) لا محرَّم غير هذه، وليس فيها توقيت، فلمَّا زيدَ محرَّم آخر بالسُّنَّة انتسخَ حُكْمُ تلكَ الدِّلالة. * * * (١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال ابن عباس وجماعةٌ: هي (٢) ذواتُ الظِّلف كالإبل والنَّعام، وما ليس بذي أصابع منفرجةٍ كالبطِّ والإوزِّ ونحوهما (٣). واختاره الزَّجَّاج (٤). وفي قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ تكذيبٌ لليهود في قولهم: إن الله تعالى لم يحرم علينا شيئًا، وإنما حرَّمنا على أنفسنا ما حرَّمه إسرائيل على نفسه. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ عطف على ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ تبيين للمحرَّم منهما، ولا بدَّ من الإضافة للرَّبط. وفي الإجمال ثمَّ التَّفصيلِ زيادةُ تقريرٍ وتأكيدٍ، ولولا القصد إلى ذلك لكان الظَّاهر أنْ يُقالَ: وشحومَ البقر والغنم، أو يقال: ومن البقر والغنم الشحومَ، والمعنى:

стр. 1446

حرَّمنا لحمَ كلِّ ذي ظفرٍ وشحمَه وكلَّ شيء منه، وتركنا البقر والغنم على التَّحليل، لم نحرِّم (١) منهما إلا الشُّحومَ خاصَّة، وهي الثُّروب (٢) وشحومُ الكُلى. وكان بعض ذوات الظُّفر حلالًا لهم، فعمَّ التَّحريم بسبب ظلمهم، لقوله (٣) تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وتدَّعي النَّصارى أنَّ ذلك نُسِخَ في شرع عيسى ﵇، ويشهد (٤) بذلك التَّخصيص المستفاد من تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾. ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ إلَّا ما علقت بظهورهما (٥). ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ إنْ قُدِّرَ وزنها: (فواعِلَ) فجمع حاوية، كزاويةٍ وزوايا، أو جمع حاوياءَ؛ كقاصعاءَ وقواصِعَ، وإنْ قُدِّرَ وزنُها (فعائلَ) فجمع حَوِيَّةٍ، كمطيَّةٍ ومطايا، وهي الدُّوَّارَةُ التي تكون في بطن الشِّياه (٦). وقيل: هي (٧) عطف على ﴿شُحُومَهُمَا﴾، و ﴿أَوِ﴾ للتَّفصيل، فصِّل بها ما حرِّم من البقر والغنم.

стр. 1447

﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالأَلْيَة وما في القوائم والجُنُوب والرَّأس والعيون والآذان والمخ. ﴿ذَلِكَ﴾ التَّحريمُ أو الجزاء ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ بسبب ظلمهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناهم. * * * (١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذلك ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: لا تُعرِض عنهم، ولا تؤايسهم من (١) رحمتي، بل كن ثابتًا في مقام الدَّعوة على قَدَمَيِ الإبْشار والإنذار، وذلك أن ما ذُكِرَ كلمةٌ جامعة لهما؛ أما الإبشار فلِمَا فُهِمَ من العبارة المذكورة من أنه تعالى يقبل التَّوبةَ ويغسل الحَوْبَةَ، فإنْ رجعوا عن التَّكذيب إلى التَّصديق فلهم الفوز والنَّجاة، وأما الإنذار فلِمَا فُهِمَ من إشارتها إلى أنَّه تعالى لسَعة (٢) رحمته يمهل، ولمَّا كان في الإمهال مَظِنةُ الاندفاع (٣) تداركه بقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ حين ينزل ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فلا تغترُّوا بإمهاله. أو: فإن كذَّبوك في الإنذار وإيعاد العصاة، واعتلُّوا بأنَّ اللهَ واسعُ الرَّحمة فلا يؤاخذ بالبغي، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة للمطيعين، وذو بأس شديد للمجرمين، فلا تَردُّ رحمتُه بأسَه عليهم، بل ربَّما أودعَ قهرَه في صورة لطفه استدراجًا، فلا تغترُّوا.

стр. 1448

(١٤٨) - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ في ردِّ الدَّعوة وتكذيب الرَّسول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على الضمير المرفوع في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ بلا تأكيدٍ للفصل بـ (لا) (١). ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما صدر منَّا ومن آبائنا ما صدرَ إلَّا بمشيئة الله تعالى (٢) وإرادته، أصابوا فيما قالوا على وَفق ما مرَّ في هذه السورة من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، ولكنهم أخطؤوا في تمسُّكهم به في الرَّدِّ على الرَّسول ﷺ ، وزعمهم أنَّ فيه حجَّةً عليه؛ بناءً على ظنِّهم أنَّ ما أرادَه اللهُ تعالى لا يكون منهيًّا عنه، وما لم يُردْهُ اللهُ تعالى لا يكون مأمورًا به، فلا مساغ للنَّهي عن شركٍ دلَّ وقوعه على أنَّه مرادُ اللهِ تعالى، والأمرُ بالتَّوحيد دلَّ عدم وقوعه على أنَّه (٣) لم يكن مرادًا له تعالى - لِمَا تقرَّر في (٤) موضعه أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة، بل ينفكُّ كلٌّ منهما عن الآخر، وكذا بين النَّهي وعدم الإرادة، ولذلك - أي: لعدم خطئهم في

стр. 1449

القول المذكور بل في احتجاجهم به عليه الصلاة السلام - ذمَّهم بالتَّكذيب دونَ الكذب، حيث قال: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التَّكذيب العظيم لك (١) ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ للرُّسل، وهذا دليل على أنَّ مرادَهم التَّكذيبُ دونَ إبداء (٢) العذر. ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾: حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم. وبيَّنَ أنَّ احتجاجهم ليس عن (٣) علمٍ ويقينٍ، بل عن ظنٍّ وتخمينٍ بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي: ليس عندكم بذلك علمٌ. ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾: فتظهروه ﴿لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك، لِمَا مَرَّ مِنْ بطلان مبنى (٤) ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل (٥) بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرَّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا، أي: فيما يستمر (٦). * * *

стр. 1450

(١٤٩) - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ الفاء للسَّببيَّة، والجملة مسببَّة عمَّا دلَّ عليه الكلام السَّابق، والمعنى: إذ قد ظهر عدمُ تمام حجَّتكم فالحجَّةُ التَّامة مختصَّةٌ به تعالى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الفاء قامت مقام (إنَّ) في تحقيق ما دلَّ عليه الكلام السَّابق من كونهم محجوجين، وذلك أنَّ فيه إلزامًا لهم بناءً على قولهم؛ أي: بل قد (١) صدَقتم، ولكن كما شاء كفركم لو شاء هدايتكم لهداكم كلَّكم، فبأي شيء علمتم أنَّه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟! وهذا تهييجٌ لمن عسى أن يكون له استعدادٌ منهم فينقمعَ ويهتدي، فيرجعَ عن الشرك ويؤمنَ. وفيه فائدة أخرى، وهي تداركٌ لِمَا يخطر بالبال من إبطال احتجاجهم أن يكون الاختلال في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ بتصديقهم في ذلك المقال، ففيه حجَّة دامغة لأصحاب الاعتزال. * * * (١٥٠) - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ﴿هَلُمَّ﴾ من أسماء الأفعال، يجيء متعديًا كما هاهنا بمعنى: هاتوا، ولازمًا كقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: تعالوا (٢).

стр. 1451

وإنما أضاف الشُّهداء إليهم لأنها لو أُطلقت لكان المعنى: هلم ناسًا يشهدون، فكان ظاهره طلبَ الشُّهداء بالحقِّ، وذلك فاسد. ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾؛ يعني: مرتضاهم وقدوتَهم، أمَرهم بإحضارهم ليُلزمهم الحجَّةَ ويُبكِّتَهم، فيظهرَ للمشهود لهم عند انقطاعهم أنهم ليسوا على شيء، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾: فلا تصدِّقهم، ولا تسلِّم لهم، كنَّى عن ذلك بالشَّهادة معهم مبالغةً في النَّهي؛ دلالةً على أنَّ الإصغاء إليهم دخول في عداد الشهداء بالباطل (١). ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير، للدّلالة على أن المكذِّب بآيات الله تعالى لا يكون إلا متَّبع الهوى؛ إذ لو اتَّبع الدَّليلَ والعقل لكان مصدّقًا بها. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: يجعلون له تعالى عديلًا. * * * (١٥١) - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ من التَّعالي، وأصله: أَمْرُ مَنْ كانَ في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه، فعُمِّمَ اتِّساعًا فيه لكثرة الاستعمال.

стр. 1452

﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة منصوبة ب ﴿أَتْلُ﴾، أو استفهامية منصوبة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، والجملة في محل النَّصب بـ ﴿أَتْلُ﴾؛ لأن التِّلاوة من باب القول (١)؛ أي: أتلُ أيَّ شيءٍ حزَم ربُّكم. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و (أنْ) في قوله (٢): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مفسِّرة، و (لا) للنَّهي؛ لعطف الأوامر عليه في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا (٣). وعطفُ الأوامر على النَّواهي الواقعة بعد (أنْ) المفسِّرةِ لتلاوة المحرَّمات - مع القطع بأنَّ المأمور به لا يكون محرَّمًا - دل على أنَّ التَّحريمَ راجعٌ إلى أضدادها، وذلك أنَّه لمَّا علَّقَ (٤) التِّلاوة بالتَّحريم إجمالًا ثم فسَّره بالتَّفصيل، وجبَ أن تكون التفاصيلُ كلُّها منهيَّاتٍ محرَّماتٍ، لكنْ عدلَ في بعضها إلى الأمر بأضدادها مبالغةً في النَّهي، وتنبيهًا على أن أضدادها واجبة، فيلزمها النَّهي عنها بأبلغ الوجوه. ويحتمِل أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلةً تحت (أنْ) التفسيرية (٥). ﴿شَيْئًا﴾ يحتمل المصدر والمفعول، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا

стр. 1453

بهما (١) إحسانًا، وضعه موضع النَّهي عن الإساءة إليهما؛ للدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كافٍ، بخلاف غيرهما. ولك أن تقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾، أمَرهم أوَّلًا بأمرٍ ترتَّب عليه ذِكْرُ مَنَاهٍ، ثم أمرهم ثانيًا بأوامر، ويتبعها المبالغة في النَّهي. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ النَّهي مطلقٌ، وإنَّما قال: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ظهارًا لسوء صنيعهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك من أجله. في "الأساس": أملَقَ الرَّجلُ: أنفق ماله حتى افتقر (٢). ولما كان الإملاق باعتبار بدايته إنفاقاً وباعتبار نهايته فقرًا جاز استعمالُه في كلِّ منهما. وقد قيل: الخطاب هنا للفقراء، ولذا (٣) قدِّم رزقُهم فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ منعًا لموجَب (٤) ما كانوا يفعلون لأجله، واحتجاجًا عليهم، فناسب أن يفسَّر الإملاق هنا بالفقر، والخطاب في ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] للأغنياء، ولذا قدِّم رزقُ أولادهم، فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فناسب أن يفسَّر الإملاق ثمَّة بالإنفاق. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾: كبائر الذنوب ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدلٌ منه، والظَّاهر: ما بينك وبينَ الخلقِ، والباطن: ما بينك وبينَ الحقِّ.

стр. 1454

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ لَمَّا كان في إطلاق النَّفس شمولٌ للنُّفوس الحيوانيَّة - والأصلُ في قتلها (١) الإباحةُ - قيَّد بقوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، يعني: النَّفسَ الإنسانيَّة ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما (٢) يحقُّ به قتلها، ككفرٍ بعد إيمان، وزِنًى (٣) بعدَ إحصانٍ، وقتلِ نفسٍ ظلمًا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ تفصيلًا. ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ لمَّا كانَ في الوصية معنى الاهتمامِ والمحافظة زيادةً على معنى الطَّلب استُعيرَتْ للأمر المؤكَّد، والموصَّى به نفسُ ما ذكرَ، لا حفظُه (٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ترشُدون؛ فإنَّ غايةَ العقلِ الرُّشد. * * * (١٥٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ نهى عن القُرْبِ الذي يعمُّ وجوهَ التَّصرُّف، وفيه سدُّ الذَّريعة. ﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾؛ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ في حقِّ اليتيم، وإنما جيء بصيغة التفضيل مراعاةً لمال اليتيم.

стр. 1455

﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: غايةٌ (١) من حيث المعنى؛ أي: احفظوه عليه حتى يبلغَ أوانَ (٢) الحُلُمِ مع الرُّشدِ، فادفعوه إليه. والأَشُدُّ: جمعُ شِدَّة، كأَنْعُمٍ ونِعْمَةٍ (٣). ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الإيفاءُ مخصوصٌ بالكيل، والميزانُ عطفٌ عليه، على طريقة ذِكْرِ أحدِ الفِعلَيْن وعطفِ متعلَّق المحذوف على المذكور، على حسَب ما يقتضيه لفظه، حتى كاله شريكه في أصل الفعل، كقوله: علفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا (٤) وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل والتَّسوية، متعلق بالفعل المحذوف؛ أي: وزنوا الميزان بالقسط؛ فإنَّه مظِنّة البخس، بحيث لا يتفطَّن له صاحبه، بخلاف الكيل (٥).

стр. 1456

﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوُسع: ما احتملته الطَّاقة، وذكرهُ (١) عَقيبَ الأمرِ للدّلالة على أنَّه لا يؤاخذها بتقصيرٍ يقع بعدَ الاجتهادِ في مراعاة العدل. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ أُرِيدَ بالقول هنا: ما لا يُطَّلَعُ عليه إلَّا بالقول؛ من أمرٍ وحكمٍ وشهادةٍ وخبرٍ وسفارةٍ (٢) وغير ذلك. ﴿فَاعْدِلُوا﴾ فيه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المقول إليه أو عليه ﴿ذَا قُرْبَى﴾: من ذوي قرابتكم. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما عاهدكم (٣) الله من أوامره ونواهيه ﴿أَوْفُوا﴾ أو: بما عاهدتم الله عليه من أيمانكم ونذوركم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم به وأكَّد الأمرَ (٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لمَّا كان في هذه الأمور نوعُ خَفاء بالقياس إلى ما سبقَ بحيث يحتاج إلى الاجتهاد والذِّكْر الكثير ضُمَّتْ (٥) يتذكرون. * * *

стр. 1457

(١٥٣) - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الصِّراط من (١) السِّبيل: ما لا التواء فيه ولا اعوِجاج، بل يكون على جهة القصد، وإنما يُوصَف بالاستقامة للاحتراز عن الميل إلى شيء من الجوانب الأربعة بالصُّعود والهبوط ونحوهما، إلَّا (٢) أنَّ الاحتراز المذكور حصل هنا با لإضافة، فقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مؤكِّدة. والإشارة إلى ما ذُكِرَ في السُّورة، فإنَّها بأسرها في إثبات التَّوحيد والنُّبوة وبيان الشَّريعة. وقرئ: ﴿إنَّ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح بتقدير اللَّام على أنه [علة] الأمر في قوله (٣): ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، وقرئ: ﴿أَنْ﴾ مخففَّة من الثَّقيلة (٤)، وفيها ضمير الشَّأن. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: الأديان المختلفة، أو الطُّرُق التَّابعة للهوى، والطَّريق: كلُّ ما يطرقه طارق معتادًا كان أو غير معتاد، والسَّبيل من الطُّرق (٥): ما هو معتاد السُّلوك، أعمُّ مِنْ أن يكون على جهة القصد أو لا، وبهذا التفصيل تبيَّن وجه إصابة (٦) كلٍّ من الصراط والسبيل محزَّه.

стр. 1458

﴿فَتَفَرَّقَ﴾ الفاء جواب النَّهي، والمضارع المحذوف التَّاءِ منصوبٌ بإضمار (أنْ)، وفاعله ضمير ﴿السُّبُلَ﴾، ومنهم مَن لم يحذف التَّاء بل أدغمها في تاء التفعُّل، فقرأها بتشديد التاء (١). والباء في: ﴿بِكُمْ﴾ للتعدية، وتعديتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى الإزالة؛ أي: فتزيلَكم متفرِّقين. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فيه التفات وتفنُّن، وتنبيهٌ على أنَّ الطَّريقَ المنسوب إليه تعالى لا يكون إلا صراطًا مستقيمًا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الإشارة إلى مجموع الأمر والنَّهي. ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ذكر أوَّلًا ﴿تَعْقِلُونَ﴾، ثم ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ثم ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنهم يعقلون ثم يستيقظون (٢)، تم يتَّقون المحارم والمهالك. * * * (١٥٤) - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ عطف على ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، فـ ﴿ثُمَّ﴾ للتَّراخي في الإخبار، أو للتَّفاوت في المرتبة، كانه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا تمَّ آتينا، أو: ثم أعظمُ من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب. ﴿تَمَامًا﴾ للكرامة والنِّعمة ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: على مَن أحسن القيام، ويؤيده

стр. 1459

قراءة ابن مسعود ﵁: (على الذين أحسنوا) (١)، وقراءة أبيٍّ: (تمامًا على المحسنين) (٢). أو: على الذي أحسن بتبليغه (٣)، وهو موسى ﵊. أو: تمامًا على الذي أحسنه؛ أي: أجاده من العلم والشَّرائع، أي: زيادة على علمه إتمامًا له. وقرئ بالرفع (٤)، على أن تقديره: على الذي هو أحسنُ. وقيل في وجه النَّصب: إنه خفضٌ، لكنه لا ينصرف ففُتح، وحينئذ يكون بدلًا عن ﴿الَّذِي﴾ وترجمةً (٥) عنه؛ كقولك: مررت بالذي خيرٍ منك، بالخفض. ﴿وَتَفْصِيلًا﴾: بيانًا في غاية التَّفصيل، عطف على ﴿تَمَامًا﴾، ونصبُهما يحتمِل العلَّة والحال والمصدر (٦). ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه في الدِّين، ففيه (٧) دلالةٌ على أنه لا اجتهاد في شريعة (٨)

стр. 1460

موسى ﵊؛ لأنَّه فرعُ الإجمال في بعض الأمور الدِّينيَّة (١). ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ يهوِّن عليهم مقاساة التَّكليف بما ذكر من التَّعريف. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: بلقاء ثوابه وعقابه يوم الجزاء ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون. * * * (١٥٥) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم الشَّأن ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أسنده إلى نفسه بنون العظمة. ﴿مُبَارَكٌ﴾: كثير النَّفع، إنَّما فرَق بينه وبين قرينه بـ (أنزلنا) لأن الانتفاع به بعد نز وله. ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ مخالفته ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بذلك، علَّقها بكلمة التَّرجِّي لأن حصولها بالختم على الإيمان، وفيه خطر. * * * (١٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.

стр. 1461

﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: كراهةَ أن تقولوا، علَّةٌ لمقدَّر (١) دلَّ عليه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فيما تقدم. وقرئ بالتاء والياء (٢)، وعلى الثاني فيه التفاتٌ من خطاب (٣) ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾، وفي ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكلاهما في مَحَزِّه؛ حيث أعرض عنهم وجعلهم غائبين عند حكاية أقوالهم الرَّديَّة، ثم خاطبهم عند قصد توبيخهم وتبكيتهم. ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾: جنسُ الكتاب المنحصِر في التَّوراة والزَّبور والإنجيل؛ لقولهم: ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾، وأمَّا الصُّحف فليست من جنس الكتاب في العُرْفِ. ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنصارى، ودل هذا على أن المجوس ليسوا (٤) من أهل الكتاب؛ إذ لو كانوا منهم كانوا ثلاثَ طوائف. ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾ إنْ) هي المخففَّة، دلَّ عليه دخول اللام الفارقة خبرَ (كان)؛ أي: وإنه كنا ﴿عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾: قراءتهم ﴿لَغَافِلِينَ﴾ لا ندري ما هي؛ لأنَّه لم يكن على لغتنا (٥) فلم نقدر على قراءته. * * *

стр. 1462

(١٥٧) - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطف على الأوَّل: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى﴾: أرشدَ وأسرع اهتداء ﴿مِنْهُمْ﴾ لحدَّة (١) أذهاننا وثَقابة أفهامنا، ولهذا تلقَّفنا فنونًا من العلم كالتَّواريخ والأشعار والخطب على أنَّا أمّيُّون. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حجَّة واضحة تعرفونها. تبكيتٌ لهم وإلزام (٢) الحجَّة، وفيه إيجاز بحذف الشرط إشعارًا بتصديقهم في دعوى الذَّكاء وحدَّة الذهن، وأنَّ مَنْ يدَّعي ذلك فليتنبَّهْ بمثل هذه النُكتة، وليدرك البيِّنة، وبعثًا (٣) لأفهامهم، وتهييجًا وإيذانًا بأنَّ الأهمَّ هو الجزاءُ لا الشرط، والمعنى؛ إنْ صدَقتم في الدَّعوى فقد جاء أوان إظهار صدقه. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ كالذي أنزل على مَنْ قبلكم. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: لنفسه وغيره، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] تحقيق هذا النوع من الاستفهام. ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بعدما عرف صحَّتها، وتمكَّن من معرفتها.

стр. 1463

﴿وَصَدَفَ﴾: صدَّ ﴿عَنْهَا﴾ النَّاسَ، فضلَّ وأضلَّ، وأما معنى الإعراض فقد حصل بالتَّكذيب. ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: العذابَ السَّيِّئِّ، وهو الموصوف بنهاية النكاية. ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾: بسبب استمرارهم على تجديد الصَّدِّ وإحداثه حينًا فحينًا. * * * (١٥٨) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينظرون؛ يعني الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا … ﴾ إلخ [الإسراء: ٩٠]. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وإنما عبَّر عنه بـ ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ تعظيمًا؛ لأنَّه أعظم الآيات الظَّاهرة قبل قيام الساعة. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ يعني: الآيةَ المذكورة آنفا، لا بعضُ أشراط السَّاعة مطلقًا؛ لأنَّ الإيمان نافع بعدَ (١) ظهورها، كيف ونزول عيسى ﵇ لدعوى الخلق إلى دين الحقِّ بعد خروج الدَّجَّال.

стр. 1464

﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ كالمحتضَر إذا صار الأمرُ عِياناً، والإيمانُ المقبول برهانيًّا كان أو تقليديًّا ما يكون بالغيب. ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ صفة ﴿نَفْسًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بالمعطوفين (١). ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ ﴿فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أُريدَ بالإيمان: المعرفة، يرشدك إلى هذا قراءة: (لا تَنفعُ) بالتاء (٢)، وبكسب الخير: الإذعان والقَبول. ونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِنْ أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة (٣) فيه للمخالف؛ لأن مبناها على حمل الإيمان على المعنى الاصطلاحي المُخترَع بعد نزول القرآن، وتخصيصِ الخير بما (٤) يكون بالجوارح، وكلٌّ منهما خلاف الأصل والظَّاهر، ولو سُلِّم فنقول: الإيمان النَّافع لا بُدَّ فيه من أمرين؛ الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللِّسان، وقد عبَّرَ عن الأول بقوله: ﴿آمَنَتْ﴾، وعن الثاني بقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾؛ فإن الكسب يكون بالآلات البدنية ومنها اللسان، فمنطوق (٥) الآية على وفق مذهبنا، والله أعلم. ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾؛ أي: انتظروا إتيان أحد هذه الثلاثة ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ له (٦)، وعيدٌ لهم، ووعدٌ لنا.

стр. 1465

(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾: بددَّوا ﴿دِينَهُمْ﴾ فآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ، وافترقوا فيه، قال ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وافترقت النَّصارى على اثنين وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً" (١). وقرئ: ﴿فَارَقُوا﴾ (٢). ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به (٣) الكبار. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾: من أمرهم ﴿فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: ليس إليك شيء من مجازاتهم والعفو عنهم، إنَّما عليك إنذارهم وتبليغ الوحي إليهم. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عاجلهم بالعقوبة، وإن شاء أخَّرهم إلى الآخرة، وإن شاء وفَّقهم للرجوع عنها، فعفا عنهم. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: في الآخرة، ويجازيهم على ذلك. * * *

стр. 1466

(١٦٠) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لم يقل: مَن عمل الحسنة؛ ليُعْلمَ أنَّ النَّظرَ إلى ما خُتمَ به، وعلى ذلك (١) قال ﷺ : "الأعمال بالخواتيم " (٢). ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ على (٣) إقامة صفة الجنس المميِّز مقامَ الموصوف، تقديره: عشرُ حسناتٍ أمثالِها، لم يُرِدْ به القصرَ، بل أراد به التفضُّل بالتضعيف، وهذا أقل ما وعد بالأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبع مئة (٤)، وبغير حساب. وقرئ: ﴿عَشْرُ﴾ بالتنوين، و ﴿أَمْثَالِهَا﴾ بالرَّفع على الوصف (٥). ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾؛ أي: بواحدة (٦)، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة (٧)؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وعد لهم من الأجر (٨)، وبالعقاب (٩) بلا استحقاق.

стр. 1467

(١٦١) - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: أرشدني إلى ما نصبَ من الحُججِ. ﴿دِينًا﴾ بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا. ﴿قِيَمًا﴾ فَيْعِلٌ مِن قامَ، كسَيِّدٍ مِنْ سادَ، وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزِّنة، والمستقيمُ أبلغ منه باعتبار الصِّيغة؛ لأنَّه نَصٌّ في الاستقامة. وقرئ: ﴿قِيَمًا﴾ (١)، وهو مصدر بمعنى القيام، وُصِفَ به. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم. ﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ عليه. * * * (١٦٢ - ١٦٣) - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: عبادتي وتقرُّبي كلَّه.

стр. 1468

وقيل: ذبحي، وجمع بين الصلاة والذَّبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. وقيل: وحجِّي، من مناسك الحجِّ، وإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ المشركين كانوا يُدْخِلون الشِّرك في التلبية، وكذا تخصيص الذَّبح بالذِّكر على القول الأول. ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطَّاعة، أو: طاعاتِ الحياة والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصيَّة والتَّدبير. وقرئ: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ وإسكان الياء (١)؛ إجراءً للوقف مجرى الوصل. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: خالصةً له لا أُشرك فيها (٢) غيره. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾، بدأ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وختم بهذا؛ بيانًا أنه يقول ائتمارًا لا افتخارًا (٣). ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنَّ إسلامَ كلِّ نبيٍّ متقدِّم على إسلام أمَّته. * * * (١٦٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ هذا أبلغُ من: أغيرَ الله أعبدُ؛ لدلالته على معناه بطريق البرهان (٤)، وهو جوابٌ عن دعائهم له ﵇ إلى عبادة الأصنام.

стр. 1469

﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلا يصلُح غيره أنْ يكون معبودًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون شريكًا له تعالى في المعبوديَّة (١)، وهو مستحِقٌّ لأن يكون معبودَ كلِّ شيءٍ، جملةٌ حالية في مقام التَّعليل للإنكار المذكور. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لا تكون جنايةُ نفسٍ إلَّا عليها، ومعناه السَّلبُ الكلِّيُّ، لا سلبُ الكلِّ (٢)، فأداةُ السور (٣) داخلة على النَّفي معنًى (٤)، وإن كانت مدخولةً له لفظًا. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: لا تحملُ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى. قال عطاء: قال الوليد (٥) بن المغيرة: اتَّبعوا سبيلي أحملْ عنكم، فنزلت (٦). هذا نفيُ القدرة عن الغير على ذلك التَّحمل، وأمَّا نفيُ التَّحميل (٧) من الله تعالى، فالآية ساكتةٌ عنه، فلا منافاةَ بينها وبين حديث أبي موسى المذكور في "صحيح مسلم "، وهو هذا: "يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثالَ الجبال، فيغفرُها الله تعالى لهم، ويضعُها على اليهود والنَّصارى" (٨).

стр. 1470

﴿ثُمَّ﴾ متعلِّق بقولِه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾، وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) إمَّا (٢) معترِضٌ تأكيدٌ لما ذكره (٣). ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يبيِّن الرُّشْدَ من الغَيِّ، ويميِّزُ المحِقَّ من المبطِلِ. * * * (١٦٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: خلائف الأمم الماضية في الأرض. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في الخِلْقةِ والمَكِنَةِ والعلمِ والعمرِ. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾: فيما أعطاكم من النِّعم بالشُّكر، وفيما ابتلاكم به من المحن بالصَّبر. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾؛ أي (٤): لأعدائه، وإنما كان عقابه سريعاً لأنَّه لا يحتاج إلى استعمال آلات (٥)، ولا يتوقف على استحصال أدوات. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لأوليائه. وصفَ العقاب ولم يُضِفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضمَّ إليه الوصفَ

стр. 1471

بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة وعَلَمَي التأكيد (إنَّ) واللام؛ تنبيهاً على أنه تعالى غفورٌ بالذَّات معاقِبٌ بالعَرَض، كثيرُ الرَّحمة مبالغ فيها، قليلُ العقوبة مسامحٌ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]؛ أي: استخلافُكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلافُ مَن يختبر، ولا يلزم مِنْ هذا أن يكون الخطاب للمؤمنين خاصَّة. وكلُّ مَن جاء بعدَ ما مضى فهو خليفتُه، والجمع: الخلائف، جاؤوا به على الأصل، مثل: كريمة وكرائم، وقالوا أيضاً: خلفاء، من أجل أنه لا يقع إلَّا على مذكَّرٍ (١)، وفيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء، مثل ظريف وظرفاء؛ لأن (فعيلة) بالهاء لا يجمع على (فعلاء)، واللهُ أعلمُ بالصَّواب (٢). * * *

стр. 1472

سُورَةُ الأَعْرَافِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿المص﴾. ﴿المص﴾ قد سبق الكلام في مثله. * * * (٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ صفتُه، والمراد بالكتاب السورةُ، وهذا أولى من أن يراد به القرآن؛ لأن البعض إذا استقل بالكمال أو الإعجاز فالكلُّ أولى به. ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾؛ أي: فلا تكن شاكًّا أو خائفاً، على طريقةِ الكناية؛ فإن الشاكَّ والخائف ضيِّق الصدر. أو: فلا يكن في قلبك شكٌّ أو خوف، على أن الصدر مجازٌ عن القلب، والحرجَ مجازٌ عن الشك أو الخوف، وتوجيه النهي إليه لإيهامِ أن الحرج لو كان مما يُنهى عنه لنهيناه (١) عنك، فانتهِ أنت عنه، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار اللطيف من تعظيم شأنه الشريف. والفاء للسببية؛ أي: إذا أنزل إليك من الله تعالى فلا يَحرجْ صدرك؛ لأنَّه سبب الانشراح.

стр. 1473

أو (١): فلا يكن في صدرك ضِيقٌ على أن يكون النهي للتكوين، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أنه منزلٌ من الله تعالى، أو: من تبليغه مخافةَ أن تُكذَّب فيه أو تُقصِّرَ في القيام بحقه، وفائدته التشجيع (٢). ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ علةٌ لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، وإنما أُخر تنبيهاً على أنه ينبغي أن يزيل الحرج عن صدره أولاً ثم يشتغلَ بالإنذار، أو للنهي لأنَّه إذا تيقَّن أنه من عند الله تعالى تشجَّع على الإنذار، وكذلك إذا أمَّنه الله تعالى. ﴿وَذِكْرَى﴾ نصبٌ باضمار فعلِها؛ أي: ولتذكِّرَ تذكيراً، فإن الذكرى اسم بمعنى التذكير. أو جرٌّ عطفاً على المصدر المنسبِك من (أنْ) والفعلِ المنصوبِ بإضمارها في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: لإنذارك، لا على محلِّ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لأن محله النصب. أو رفعٌ عطفاً على ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبراً لمحذوفٍ، أي: هو ذكرى. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أُطلق الإنذار لعمومه الفريقين، وخُصَّ التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفِعون به. * * * (٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾ من القرآن والسنَّة، لا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

стр. 1474

[النجم: ١٣] لأنَّه لا ينتظِم السنَّة التقريرية، بل لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولهذا عدل عن الضمير، وقيل: ﴿إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا شجعه ﵇ أمَر الجميع باتِّباع جميع ما يرسمه؛ ليكون أَدْعَى لانشراح صدره ورُحْبِ ذراعه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من دون ربِّكم ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ من شياطين الجن والإنس، فيُضلوكم عن دين الله تعالى، ويحملونكم على عبادة الأوثان واتِّباع الهوى والبدع. أو: من دون ما أُنزل إليكم؛ أي: من دون دِينِ الله تعالى دِينَ أولياءَ. وقرئ: (ولا تَبْتَغوا) (١). ﴿قَلِيلًا﴾ صفةٌ للمصدر؛ أي: تذكُّراً قليلاً، أو للزمان، أي: زماناً قليلاً، حيث تتركون دينَ الله تعالى وتتَّبعون (٢) غيرَه. ﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القلة. ﴿تتذكرون﴾ صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وقرئ بحذف التاء، وقرئ: ﴿يتذكَّرون﴾ (٣)

стр. 1475

على أن الخطاب [بعدُ] مع النبي ﵇. * * * (٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (كم) خبرية منصوبة بفعلٍ مقدَّر يفسره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: وكثيراً من القرى أهلكناها. ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ فيه استخدام (١) وقلبٌ: أمَّا الأول: فلأن الضمير في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ للقرية باعتبار معناها الحقيقيِّ، والضميرَ في ﴿فَجَاءَهَا﴾ لها باعتبار معناها المجازيِّ وهو أهلُها. وأمَّا الثاني: فلأن أصل الكلام: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها. ويجوز أن تكون الفاء تفصيلية ويكونَ الكلام على أصله. ﴿بَيَاتًا﴾ في موقع الحال؛ أي: بائتين. ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ في محل النصب عطفاً على ﴿بَيَاتًا﴾، كأنه قال: بائتينَ أو
следующие страницы →