← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة وعَلَمَي التأكيد (إنَّ) واللام؛ تنبيهاً على أنه تعالى غفورٌ بالذَّات معاقِبٌ بالعَرَض، كثيرُ الرَّحمة مبالغ فيها، قليلُ العقوبة مسامحٌ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]؛ أي: استخلافُكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلافُ مَن يختبر، ولا يلزم مِنْ هذا أن يكون الخطاب للمؤمنين خاصَّة. وكلُّ مَن جاء بعدَ ما مضى فهو خليفتُه، والجمع: الخلائف، جاؤوا به على الأصل، مثل: كريمة وكرائم، وقالوا أيضاً: خلفاء، من أجل أنه لا يقع إلَّا على مذكَّرٍ (١)، وفيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء، مثل ظريف وظرفاء؛ لأن (فعيلة) بالهاء لا يجمع على (فعلاء)، واللهُ أعلمُ بالصَّواب (٢). * * *

стр. 1472

سُورَةُ الأَعْرَافِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿المص﴾. ﴿المص﴾ قد سبق الكلام في مثله. * * * (٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ صفتُه، والمراد بالكتاب السورةُ، وهذا أولى من أن يراد به القرآن؛ لأن البعض إذا استقل بالكمال أو الإعجاز فالكلُّ أولى به. ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾؛ أي: فلا تكن شاكًّا أو خائفاً، على طريقةِ الكناية؛ فإن الشاكَّ والخائف ضيِّق الصدر. أو: فلا يكن في قلبك شكٌّ أو خوف، على أن الصدر مجازٌ عن القلب، والحرجَ مجازٌ عن الشك أو الخوف، وتوجيه النهي إليه لإيهامِ أن الحرج لو كان مما يُنهى عنه لنهيناه (١) عنك، فانتهِ أنت عنه، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار اللطيف من تعظيم شأنه الشريف. والفاء للسببية؛ أي: إذا أنزل إليك من الله تعالى فلا يَحرجْ صدرك؛ لأنَّه سبب الانشراح.

стр. 1473

أو (١): فلا يكن في صدرك ضِيقٌ على أن يكون النهي للتكوين، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أنه منزلٌ من الله تعالى، أو: من تبليغه مخافةَ أن تُكذَّب فيه أو تُقصِّرَ في القيام بحقه، وفائدته التشجيع (٢). ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ علةٌ لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، وإنما أُخر تنبيهاً على أنه ينبغي أن يزيل الحرج عن صدره أولاً ثم يشتغلَ بالإنذار، أو للنهي لأنَّه إذا تيقَّن أنه من عند الله تعالى تشجَّع على الإنذار، وكذلك إذا أمَّنه الله تعالى. ﴿وَذِكْرَى﴾ نصبٌ باضمار فعلِها؛ أي: ولتذكِّرَ تذكيراً، فإن الذكرى اسم بمعنى التذكير. أو جرٌّ عطفاً على المصدر المنسبِك من (أنْ) والفعلِ المنصوبِ بإضمارها في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: لإنذارك، لا على محلِّ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لأن محله النصب. أو رفعٌ عطفاً على ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبراً لمحذوفٍ، أي: هو ذكرى. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أُطلق الإنذار لعمومه الفريقين، وخُصَّ التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفِعون به. * * * (٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾ من القرآن والسنَّة، لا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

стр. 1474

[النجم: ١٣] لأنَّه لا ينتظِم السنَّة التقريرية، بل لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولهذا عدل عن الضمير، وقيل: ﴿إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا شجعه ﵇ أمَر الجميع باتِّباع جميع ما يرسمه؛ ليكون أَدْعَى لانشراح صدره ورُحْبِ ذراعه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من دون ربِّكم ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ من شياطين الجن والإنس، فيُضلوكم عن دين الله تعالى، ويحملونكم على عبادة الأوثان واتِّباع الهوى والبدع. أو: من دون ما أُنزل إليكم؛ أي: من دون دِينِ الله تعالى دِينَ أولياءَ. وقرئ: (ولا تَبْتَغوا) (١). ﴿قَلِيلًا﴾ صفةٌ للمصدر؛ أي: تذكُّراً قليلاً، أو للزمان، أي: زماناً قليلاً، حيث تتركون دينَ الله تعالى وتتَّبعون (٢) غيرَه. ﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القلة. ﴿تتذكرون﴾ صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وقرئ بحذف التاء، وقرئ: ﴿يتذكَّرون﴾ (٣)

стр. 1475

على أن الخطاب [بعدُ] مع النبي ﵇. * * * (٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (كم) خبرية منصوبة بفعلٍ مقدَّر يفسره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: وكثيراً من القرى أهلكناها. ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ فيه استخدام (١) وقلبٌ: أمَّا الأول: فلأن الضمير في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ للقرية باعتبار معناها الحقيقيِّ، والضميرَ في ﴿فَجَاءَهَا﴾ لها باعتبار معناها المجازيِّ وهو أهلُها. وأمَّا الثاني: فلأن أصل الكلام: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها. ويجوز أن تكون الفاء تفصيلية ويكونَ الكلام على أصله. ﴿بَيَاتًا﴾ في موقع الحال؛ أي: بائتين. ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ في محل النصب عطفاً على ﴿بَيَاتًا﴾، كأنه قال: بائتينَ أو

стр. 1476

قائلينَ، وإنما وقعت الجملة الاسمية حالاً بغير واوٍ، لا اكتفاءً (١) بالضمير - لأنَّه غير فصيح - بل لعطفها على حالٍ قبلها، فاستُثقل اجتماع حرفي العطف؛ لأن واو الحال واوُ العطف استُعيرت للوصل. وتخصيص الوقتين بنزول العذاب لأنهما وقتُ دَعَةٍ وغفلةٍ، فيكون نزوله فيهما أشدَّ وأفظعَ، وأما المبالغةُ في التعبير فلا اختصاص له بالوقتين. * * * (٥) - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤهم على أنفسهم بالويل. ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾: وقتَ ظهور طلائع العذاب. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: إلا قولَهم هذا، يرشدك إلى أن المعنى هذا قولُه تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤، ١٥]. * * * (٦) - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: لنجمعنَّ الخلائق فلنسألنَّ. ﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم الأمم يسألهم (٢) عما أجابوا به الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، والمراد به التوبيخ والتقريع، لا الاستخبارُ ولا التقرير؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦].

стр. 1477

﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عمَّا أجيبوا به؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمنفيُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] (١) السؤالُ عن الذنب لا مطلقُ السؤال، فلا ينافي هذا حتى يُحتاج إلى التوفيق بالاختلاف في الأوقات أو في معنى السؤال. * * * (٧) - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ لمَّا كان سؤال الفريق الأول سؤالَ تعنيفٍ وتعذيب، وسؤالُ الفريق الثاني سؤالَ تشريفٍ وتقريب، لا الاستخبارَ والاستفسارَ، سكتوا عن الجواب وتركوا الخطاب، فناسب المقامُ تصديرَ الكلام بالفاء الفصيحة. ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الفريقين ما كانوا عليه (٢). ﴿بِعِلْمٍ﴾ كاملٍ شامل لظواهرهم وسرائرهم. ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ حالٌ هي (٣) في مقام التعليل؛ أي: إذ لم نكن (٤) عنهم غائبين، لم يقل: وما كانوا عنا غائبين؛ تنبيهاً على أن المنشَأ لهذه الحال ما في شأنه تعالى

стр. 1478

من الكمال، لا أمرٌ من (١) جانبهم، وعدم الغيبة عنهم (٢) مجازٌ متفرِّع على الكناية عن الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم (٣)، وفيه دفعُ ما عسى أن يخطرَ بالبال من أنَّ وزن الأعمال لخفاءِ الحال (٤)، فله تعلُّق تام لجانبي الكلام، مُورِثٌ لكمال الحسن في النظام، وتمامِ الالتئام. * * * (٨) - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفُه ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُه؛ أي: والوزن يومَ يسأل الله الأممَ ورسلَهم هو الحقُّ الثابت الواجب الوقوع، أو ﴿الْحَقُّ﴾ صفته والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: الوزنُ العدل كائنٌ يومئذ، والأول أولى؛ لأن المقام مقامُ الإخبار عن الوزن الواقع يومئذ بأنَّه الحق لا غيرُه، لا عن اليوم المذكور بأن الوزن الحقَّ فيه لا في غيرَه. قيل: توزن صحف الأعمال بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان ينظر إليه الخلائق؛ إظهاراً للمَعدَلة وقطعاً للمعذِرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتُهم وتشهد بها جوارحُهم، وبه أخذ الجمهور، ويصدِّقه ما ورد في الخبر عن خير البشر: أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فيُنشرُ عليه تسعةٌ وتسعون سجلًّا (٥) كلُّ سجلٍّ مدَّ البصر، فيُخرَجُ

стр. 1479

له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلَّات في كفَّةٍ والبطاقة في كفَّةٍ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (١). ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجَحت موزوناته وهي الأعمال التي لها وزنٌ واعتبار وقَدْرٌ؛ أي: الحسنات، أو ما يوزن به أعماله، على أن الموازين جمعُ موزون أو جمع ميزان. وتوحيدُ الضمير باعتبار لفظِ (مَن) لأن معناه جمعٌ؛ لقوله (٢): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالنجاة والثواب. * * * (٩) - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ عن الحسنات (٣)، وحُقَّ لميزانٍ تُوضع فيه الحسنات أن يَثقل، وحقَّ لميزان توضع فيه السيئات أن يَخفَّ، وهذا على ثاني معنيي (٤) الموازين. ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتضييع الفطرة السليمة التي فُطروا عليها. ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يُكذِّبون ظلماً. * * *

стр. 1480

(١٠) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أَقْدَرْناكم على التصرُّف فيها بالسُّكنى والزرع وغيرهما (١). ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: ما تعيشون به: جمعُ معيشة، وهي وُصلةٌ من جهةِ مكسب المطعَم والمشرَب والملبَس إلى ما فيه الحياةُ، وقد يطلق ما يُعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما، والوجهُ تصريح الياء لأصالتها، ومَن همز (٢) فقد شبَّهها بما فيه الياءُ زائدةً كصحائف. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ نصبُ ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾، و ﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القِلَّة، والشكر: اعترافٌ بالنعمة مع ضربٍ من التعظيم. * * * (١١) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدم ﵇ غيرَ مصوَّر ثم صوَّرناه، والصورة: بِنْيةٌ مقوَّمة على هيئةٍ ظاهرةٍ، نزَّل خلقَه ﵇ وتصويرَه منزلةَ خلقِ الكلِّ وتصويرِه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. أو: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأنْ خلقنا آدم ﵇ ثم صوَّرناه ثم قلنا. وكان الظاهر أن يقول: ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، وإنما عدل عنه لأن

стр. 1481

الأمر بالسجود (١) كان قبل خلق آدم ﵇، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، والواقع بعد تصويره إنما هو قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] لتعيين وقت السجدة المأمورِ بها قبل هذا، فلا صارف لكلمة (٢) ﴿ثُمَّ﴾ عن معناها الأصلي، وعلى تقدير الصرف عنه حقُّها أن تُصرف إلى معنى التفاوت في الرتبة، لا على التراخي في الإخبار. ﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سارَعوا في الامتثال، وأَتَوا بما أُمِروا به على الاستعجال، ولمَّا كان في بقعة الاحتمال أن يكون الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ عن المقيَّد راجعاً إلى قيده لا إلى أصله، احتيج إلى قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ دفعاً لذلك الاحتمال، فلا صارف فيه للاستثناء عن الاتصال، بناءً على أنه حينئذ لا حاجة إلى هذا المقال، وكان يكفي أن يقال: لم يسجد، إلا أنه قصد مع الإخبار عن عدم الائتمار، الإشعارَ بأنه على تقدير إظهاره (٣) السجودَ لا يكون ساجداً حقيقةً لِمَا فيه من إضمار الاستكبار، بل يكون معدوداً من الساجدين فنُفي ذلك الكونُ فافهم هذا الاعتبار. * * * (١٢) - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. ﴿قَالَ﴾ عدَل عن التكلُّم إلى الغيبة إيماءً - بعدم إسناد القول إلى نفسه صريحاً - إلى أن (٤) هذه المخاطبة مع إبليس لم تكن بالذات، وكأن الجبَّائيَّ تنبَّه

стр. 1482

لهذا الإيماء حيث قال: إن هذه المكالمة كان على لسان بعض الملائكة (١). ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مَنَع نظيرُ صَرَف، فحُمل عليه في التعدية بـ (إلى)، كأنه قيل: ما صرفك (٢) عن أنْ تسجد إلى أنْ لا تسجد (٣). ولا يخفَى أن اعتبار الصرف أبلغُ في الكلام وأنسبُ للمقام، ومن هنا تبيَّن أنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على زيادة (لا) في هذا القول؛ لانتظام معنى الصرف كِلَا القولين. ﴿إِذْ﴾ معمولة لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾؛ أي: ما منعك عن السجود في وقت ﴿أَمَرْتُكَ﴾ بالسجود فيه، فلا دلالة فيه على أن مطلق الأمر للفور، ولا على أنه للوجوب: أمَّا الأول: فلأن الفور إنما لزم من تعيين وقتِ نفخِ الروح في بدن آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن فيه دلالةً على أن المأمور به السجدةُ في الحال، وفي تضاعيف المقال تلويحٌ إلى أنها كانت لتعظيم أمر النفخ وما يَظهر عنده من آثار القدرة الباهرة في الحقيقة وإن كانت في الظاهر لتعظيم آدم ﵇. وأما الثاني: فلأن مبناه على أن تكون صيغة الاستفهام للتوبيخ، وأن يكون التوبيخ (٤) على عدم الائتمار.

стр. 1483

وكلٌّ منهما في مَعرِض المنع: أما الأول: فلأن الظاهر من قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] الاستفسارُ والاستخبار عن سبب المنع. وأما الثاني (١): فلاحتمالِ (٢) أن يكون التوبيخ على مخالفته لمن هم أعلى منه، وتركِ متابعته إياهم، كما هو الظاهر من قوله: ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]؛ أي: أبى عن متابعتهم في أمر السجود. وفي قوله: ﴿أَمَرْتُكَ﴾ دلالةٌ على أن إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم ﵇ بقوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، عبارةً كان ذلك أو دلالةً، والظاهر من قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ هو الثاني، على ما تقف عليه في موضعه. ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لمَّا كان هذا القولُ منه جواباً من حيث المعنى عن (٣) السؤال على وجه التفصيل عن المانع المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] مستأنفاً (٤) فيه باختيار الشق الثاني من الترديد المذكور؛ أي: كنتَ من الذين لم يتناولهم الأمر دلالةً - لعلوِّ شأنهم - كما لم يتناولهم عبارةً، ذكر هنا في معرض الجواب عن السؤال على وجه الإجمال عن المانع، ومَن غَفَل عن هذا قال: إنه جواب من حيث المعنى مستأنَفٌ فيه استبعاداً منه لأنْ يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول (٥)، فهو الذي قال بالحُسن والقُبح العقليين أولاً.

стр. 1484

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ تعليلٌ لفضله (١) عليه، وقد غلط في ذلك حيث رأى الفضل كلَّه باعتبار العنصر، وغَفَل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله: (لِمَا خلقتُ بيديْ) على القراءة بالتوحيد (٢)؛ أي: بغير واسطةٍ، وباعتبار الصورة كما أشار إليه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وباعتبار الغاية كما أشار إليه بقوله (٣): ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على القراءة بالتشديد؛ أي: بقدرتي المتصرِّفة في عالمَيِ الشهادة والغيب، ولذلك - أي: ولكونه ذا حظٍّ من عالمَي الملك والملكوت - صار أفضل ممن له حظُّه من أحدهما فقط، واستَحقَّ لأنْ يَسجد له الملَك، فاللعين في تعليله كمَن قيل له (٤): حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء (٥) وقيل: لعل نسبة خلق الإنسان إلى الطِّين وخلقِه إلى النار باعتبارِ الجزء الغالب. وَيرِدُ عليه: أن المناسب لهذا الاعتبار أنْ يقال: خلقتَه من تراب، والله أعلم بالصواب. * * * (١٣) - ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.

стр. 1485

﴿قَالَ فَاهْبِطْ﴾ تفريعٌ على جوابه الخارج عن حدِّ (١) الأدب، بل عن نهج السَّداد، افتخر (٢) اللعين بما في عنصره من شرف الصعود، فجُوزي بذلِّ الهبوط، وهو نزولٌ من جهة العلوِّ إلى جهة السُّفل، فصح عَودُ الضير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ إلى جهة العلوِّ، ويلزمه النزولُ من السماء والخروجُ من الجنة، فلهذا ذهب إلى كلٍّ منها ذاهبٌ غافلاً عن أنَّ في عود الضمير إلى واحدٍ منهما بخصوصه محذورُ الإضمار قبل الذكر. ﴿فَمَا يَكُونُ﴾ يصحُّ ﴿لَكَ﴾ تعليل للأمر المذكور ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ لأنها مكانُ المطيعين المتواضعين، والتكبُّر في وصف المخلوق لإظهارِ (٣) الكبرياء تكلُّفٌ بلا مساعدةٍ من الحال، وفي وصف الخالق إظهارُه على وجه الكمال، فلهذا صار ذمًّا في الأول ومدحاً في الثاني. ﴿فَاخْرُجْ﴾ وفي سورة الحجر: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: ٣٤]؛ أي: من زمرة الملائكة المعزَّزين الساكنين، تفريعٌ على عدم لياقته لأن يكون في جهة العلو. ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ من الذليلين لصغر القَدْرِ، تعليلٌ للأمر بالخروج من بين المستحِقِّين للعزَّة (٤)، قوبل في كلٍّ من مقامَيِ الأمر بضدِّ ما ظهر من المأمور قالاً وحالاً. * * *

стр. 1486

(١٤) - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي﴾ الإنظار (١): الإمهال إلى مدةٍ فيها النظر طال أم قصُر، وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بيانُ مدة الإنظار الذي طلبه، والضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ عائد على المفهوم من تضاعيف المقال، المعلومِ بقرائن الأحوال، وفيه دليل على اعتقاد اللعين بالبعث، وهو في الأصل: الإطلاق في الأمر، ثم استعمل مجازاً في الإخراج عن العدم. والمراد باليوم المذكور: يومُ النشور، سأل البقاء إلى يوم اللقاء على ما أفصح عنه في قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٦٢]. * * * (١٥) - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: إنك من جملة مَن قدِّر لهم الإنظارُ، فلا حاجة إلى السؤال، وفيه الإشعارُ (٢) بأن ذلك ليس من قَبيل استجابةِ الدعوة، فافهم لطفَ هذا الاعتبار. ثم إن فيه الإخبارَ عن حصول ما رامه (٣) من أصل الإنظار، ابتلاءً للعِبَاد وتعريضاً للعُبَّاد بمخالفته للثواب، لا عن الوصول إلى المقصود من امتداده (٤) المعهود، وهو الأمانُ من خوف الفوت وألمِ ذوقِ الموت، حيث قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ للهِ

стр. 1487

تعالى، وهو وقتٌ قدِّر فيه انتهاءُ أجل المنظَرين، ويومُه يومُ النفخة الأولى، وإنما أبهمه الله تعالى كيلا يخلوَ اللَّعين عن ألم الخوف في كلِّ حين، وفي إقحام اليوم زيادةٌ في الإبهام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام. * * * (١٦) - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية تعلَّقت بفعل القسم، وقد أُظهر المقسَمُ به في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، لا بـ (أقعدنَّ)؛ لأن اللام تصدُّ عنه (١)، و (ما) مصدرية. وأصل الغَيِّ: الفساد، تقول (٢) العرب: غَوِي الفصيل، إذا بَشِمَ، والبَشَمُ: فسادُ اللبن في البطن. والمعنى: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ وجهٍ يمكِنني، بسبب إغوائك إياي فيهم، حتى يَفسُدوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ القعودُ كناية عن الترصُّد، بل مجازٌ متفرِّع عليها؛ لأن المراد من الصراط المستقيم: الدِّينُ القويم، وهو لا يصلح متعلَّقاً للقعود الحقيقي. ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نصبُه على تضمين معنى اللُّزوم؛ أي: لألزَمنَّ صراطك مترصِّداً كما يفعلُه قطاع الطريق للسابلة، وهذا أولى من انتصابه على الظرف، وأمَّا انتصابُه على إسقاط (على) كما قاله (٣) الزجَّاج، وشبَّهه بقول العرب:

стр. 1488

ضُرِبَ زيدٌ الظَّهرَ والبطنَ (١)، ففيه: أن إسقاط حرف الجر في مثل هذا لا يَنقاس. * * * (١٧) - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ (٢) لبُعد ما بين الإجمال المذكور والتفصيل الآتي في ضمن التمثيل. ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ مثَّل إتيانه إياهم بقصدِ التسويل والإضلالِ بإتيانِ العدوِّ السابلة بقصدِ القتل ونهبِ الأموال، محيطاً بهم من الجوانب كيلا يفوتَ الاستئصال، ولهذا خَصَّ الجهات الأربعَ بالذِّكر، وإلا فقصدُ التسويل يَتيسَّرُ (٣) له من جميع الجهات، وإنما قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ولم يقل: قدَّامَهم، قصداً إلى تشبيه إتيانه من تلك الجهة بإتيانِ عدوٍّ لم يتنبَّه له الخصم إلا وهو حاضرٌ بين يديه، فإنه أشدُّ كيداً وأشدُّ نكايةً. وإنما عدِّي الفعل في الأوَّلَينِ بـ (مِن) لأن فيهما (٤) معنى طلبِ النهاية، وفي الآخَرَينِ بـ (عن) لأن فيهما معنى الانحراف عن المقصد. ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ لم يقل: فلا تجد؛ لأنَّه أراد بيان حالهم هذا على مقتضَى جِبِلَّتهم (٥) لا بسببِ تسويلٍ وإضلالٍ، ولا تعلُّقَ له بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ

стр. 1489

إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]؛ لأن مظنونه بقرينةِ تمام ذلك الكلام - وهو قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]- ما ذكره بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، فإن انطباقه عليه لا بمضمون هذا الكلام. * * * (١٨) - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ الأمرُ بأصل الخروج من زمرة المقرَّبين (١) قد كان، فهو هنا منصرفٌ إلى قيده المذكور بقوله: ﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُوماً) (٢) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْماً (٣). وقيل: الذَّأم والذَّيم أشد العيب كاللوم. ﴿مَدْحُورًا﴾ الدَّحْر: الدَّفعُ والطَّرد على وجه الهوان والإذلال. ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ اللام فيه لتوطئة القسم، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وهو سادٌّ مسدَّ جواب الشرط. وقرئ: (لِمَن) بكسر اللام (٤)؛ أي: لِمَن تَبِعكَ منهم هذا الوعيدُ، وهو قوله:

стр. 1490

﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، على أن ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ في محل الابتداء و (لِمَن تبعك) خبرُه، أو على أنه علة لـ ﴿اخْرُجْ﴾، ولامُ ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف على الوجهين. ﴿مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: منك وممن تبعك؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] فغلِّب هنا المخاطَب. * * * (١٩) - ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَيَاآدَمُ﴾؛ أي: وقلنا: يا آدم، على ما ذكر في سورة البقرة، ولا (١) مساغ لأن يعطف على قوله: ﴿اخْرُجْ﴾؛ لأنَّه في مَعرض الاستئناف في جواب إبليسَ، وهذا ليس من تتمَّته ولا (٢) من تتمة الامتنان، وفي العطف على ما بعدَ ﴿قُلْنَا﴾ بعدٌ (٣). ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ قد سبق ما يتعلق به من اللطائف. ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ وفي سورة البقرة: ﴿وَكُلَا﴾ [البقرة: ٣٥]، اعتُبر ثَمةَ الاستقلالُ في أمر الأكل تعظيماً لشأن تلك النعمة الجليلة، واعتُبر هنا تفرُّعُه على الأمر الأول، وفيه زيادة التفخيم (٤) لذلك الأمر. ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقرئ: (هذي) (٥) على الأصل؛ لتصغيره على (ذه)، والهاء بدلٌ من (يا).

стр. 1491

﴿فَتَكُونَا﴾: فتَصيرا، يَحتمِلُ الجزمَ بالعطف، والنصبَ بالجواب. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أتى بصيغة الفاعل لأنَّه أبلغ من: الذي ظَلَم، وأطلقه لينتظِم الظلمُ غيرَه من ذريته. * * * (٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. ﴿فَوَسْوَسَ﴾؛ أي: تكلَّم كلاماً خفيًّا مكرَّرًا. أصل الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواسُ الحليِّ، وهو غير متعدٍّ؛ كـ: وَلْوَلتِ المرأةُ، وعَوْعَوتِ الذئبُ، فلا بد من أداة التعدية، ولهذا قيل: ﴿لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، والفاء للترتيب على ما تقدم من النهي. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ الإبداءُ: الإظهار، والمواراةُ: السَّتر، والسَّوْءةُ: العورة، مجازٌ لأنَّه يَسوءُ صاحبَها ظهورُها، وكانا لا يريانها من أنفسِهما ولا أحدُهما من الآخَر، واللام للتعليل إن كان اللعين عالماً بذلك وإلا فلامُ العاقبة. ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ بيانٌ لوسوسته، والواو للاستئناف. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾: إلا كراهةَ أن تكونا ﴿مَلَكَيْنِ﴾ في حصول الكمالات الفطرية، والاستغناءِ عن الأطعمة والأشربة؛ إذ لا احتمال لقلب الحقائق، ولا دلالةَ فيه على فضل الملَك على بني (١) آدم. ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ من الذين يخلَّدون في الجنة ولا يموتون (٢).

стр. 1492

(٢١) - ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أَقسم لهما بالنصيحة، فأخرجه على زِنة (١) المفاعَلة للمبالغة؛ لاجتهاده فيه اجتهادَ المبالِغ (٢). وقيل: أقسم لهما، وأقسما عليه بالله إنك لمن الناصحين. * * * (٢٢) - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ فنزَّلهما إلى الأكل من الشجرة، وفيه دلالةٌ على أنه أَهبطهما من درجةٍ عاليةٍ إلى منزلةٍ سافلة؛ لِمَا في معنى التَّدليةِ من إرسال الشيء من أعلى إلى أسفلَ. ﴿بِغُرُورٍ﴾ بما غرَّهما من القسم بالله، وكانا لا يظنَّان أن أحداً يحلف بالله كاذباً، أو: متلبِّسَينِ بغرورٍ؛ أي: مغرورَين، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغشِّ، وأصل الغَرِّ: طيُّ الثوب، فإن فيه إظهارَ حالٍ وإخفاءَ أخرى، ومنه الغررُ لخفاءِ ما لا يُؤمَن فيه. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دل هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه كما دل هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضاً.

стр. 1493

﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أخذتهما العقوبةُ بشؤم المعصية، وتساقَطَ (١) عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما. ﴿وَطَفِقَا﴾ عطفٌ على مقدَّر؛ أي: فتداركا وأخَذا ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: على عوراتهما ورقةً فوق ورقةٍ ليَستترا بها؛ كما يُخصف النعل ويُجعل طرفُه فوق طرفه. والخصَّاف: الذي يَرْقَع النعل، والمِخْصَف: المثقَب الذي يُخصف به النعل (٢). ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قيل: كان ورقَ التين. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ إنما قال: ﴿تِلْكُمَا﴾ لأنَّه خاطب اثنين وأشار (٣) إلى الشجرة. ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ توبيخٌ من الله تعالى لهما على الاغترار بقول العدوِّ بعد التحذير، وعتابٌ على مخالفة النهي الإرشادي، ولا دلالة فيه على أن مجرد النهي للتحريم. * * * (٢٣) - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ بنقصِ حظِّها (٤) من المنحة، وتعريضاً للمحنة. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ إنما لم يقل: فإنْ لم تغفر؛ لأن الحاجة إلى المغفرة والرحمة

стр. 1494

والكونِ من زمرة الخاسرين عند عدمهما ليس لِمَا تقدم من النقص والتعريضِ، بل ذلك أمر آخر وراء ما ذُكر (١). ﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذا على عادة المقرَّبين في استعظام الصغير من السيئات، واستصغارِ العظيم من الحسنات؛ لِمَا عرفتَ أن النهي إرشاديٌّ لا تكليفيٌّ، فلا دلالة فيه على أن الصغيرة من الذنوب معاقبٌ (٢) عليها إن لم تغفر. * * * (٢٤) - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾ خطابٌ لهما ولذرِّيتهما، أو لهما ولإبليسَ، كرَّر الأمرَ له تبعاً ليُعلم أنهم قرناءُ، أو أخبر عما قال لهم مفرَّقاً. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في موضع الحال. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: استقرارٌ، أو: موضعُ استقرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾: تمتُّعٌ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ انقضاءِ آجالكم. * * * (٢٥) - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يُعلمهم أنهم لا يعودون إلى الجنة إلى أن يُحشروا من قبورهم، ثم يصير السعيد إلى الجنة والشقيُّ إلى النار. * * *

стр. 1495

(٢٦) - ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ أراد نوعَ الإنسان، والتعبير بما (١) يشيرُ إلى بدءِ خلقته وابتداءِ ولادته لتذكير خلقه عرياناً، فإنه المناسب لمقام الامتنان بإعطاء أسباب اللباس. ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ جَعل ما في الأرض مُنزلاً من السماء لأنَّه قُضي وقدِّر ثمةَ وخُلق (٢) بتدبيراتٍ سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها؛ كقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]. ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ التي قَصد الشيطان إبداءَها؛ أي: يستر ما يَسوؤكم انكشافُه من الجسد، ويُغنيكم عن خَصْف الورق. ﴿وَرِيشًا﴾ وقرئ: (ورياشاً) (٣) جمعُ ريش؛ كشِعْبٍ وشِعابٍ، والرِّيش: لباسُ الزينة والجمال، استُعير من ريش الطير لأنَّه لباسه وزينتُه؛ أي: أنزلنا عليكم لباسين؛ لباساً يواري سوآتكم ولباساً يجمِّلكم ويزينكم. والزينة غرض صحيح في الشرع؛ كما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦]. ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو الاكتفاءُ بالصوف والخشِن من الثياب، ورفعُه بالابتداء، خبرُه:

стр. 1496

﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وذلك لأن خير الأمور أوساطُها (١)، أو خبرُه ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ صفته (٢)، عُدل به عن النصب وفخِّم بالإشارة إليه. وقُرئ: ﴿ولباسَ التقوى﴾ بالنصب (٣) عطفاً على ﴿لِبَاسًا﴾؛ قيل: هو ما يُتَّقى به في الحروب، ولا يناسبه الترجيحُ والتفخيم، فإن ما ذُكر هو (٤) وجه الرجحان، إنما يساعد الأولَ. وقيل: هو لباس الورع. ولا يساعده: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: تحصيلُ اللباس من موادَّ أرضيةٍ حاصلةً بأسبابٍ سماويةٍ، واتصالُ منافع إحداهما بالأخرى مع بُعد ما بينَهما، دليل على كمال قدرة منشئهما وحكمةِ مدبِّرهما. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرفون (٥) نعمتَه، ويعترفون بقدرته، ويحترزون عن نقمته. أو: يتعظون فيتورَّعون عن القبائح. روي: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويقولون: لا نطوف في ثيابٍ عصينا الله فيها، فنزلت (٦). فعلى هذا تكون قصةُ آدم ﵇ تَقدِمةً لذلك؛ تنبيهاً على أن انكشاف

стр. 1497

العورة أولُ سوءٍ أصاب الناس من الشيطان، وأنَّه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم، وأن الفطرة السليمة اقتضت سترَها بخَصْف الورق عليها ليَتَّعِظوا بها. * * * (٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ لا يخفى على الفَطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتنان لكونهم ذريةَ مَن افتتن. ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾: لا يمنعنَّكم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ دخول الجنة بالافتتان؛ أي: بالإغواء. ﴿كَمَا أَخْرَجَ﴾؛ أي: أَفْتَنَ (١) ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ بما أدى إلى إخراجهما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾. والمراد بنهي الشيطان: المبالغةُ في نهيهم عن مظانِّ الافتتان به. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ حال من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ أو من فاعلِ ﴿أَخْرَجَ﴾، وإسنادُ النزع إليه مجازيٌّ للتسبُّب، والعدولُ عن صيغة الماضي لاستحضار تلك الصورة الفظيعة. والنزع: قلع الشيء عن موضعه الذي هو مُلابسٌ له. ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾ تعليل للنهي على سبيل الاستئناف، وتأكيدٌ للتحذير من فتنه بأنَّه بمنزلةِ العدوِّ المُداجي يكيدكم (٢) من حيث لا تشعرون. ﴿هُوَ﴾ أظهره ليصح عطفُ قوله: ﴿وَقَبِيلُهُ﴾؛ أي: جنوده.

стр. 1498

﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾؛ أي: من مكانٍ لا ترونهم فيه، قال ابن عباس ﵄: صدرُ الإنسان له مسكنٌ، وَيجري منه مجرى الدم. وإنما لم يقل: ولا تَرونهم، كيلا يذهبَ الوهم إلى عدم تيسير رؤيتهم لنا مطلَقاً. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالتناسُب بينهم، والآية مقصودُ القصة (١). * * * (٢٨) - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ فعلةً متناهيةً في القبح؛ كعبادة الصنم، وكشفِ العورة في الطواف. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ اعتذَروا بتقليد الآباء. ولمَّا رأوا ما فيه من الضعف أيَّدوه بقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قيل: هما جوابَا سؤالين مترتِّبين؛ كأنه قيل لمَّا فعلوها: لِمَ فعلتُم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: من أين أَخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها. وفيه: أن حقَّ النظم حينئذ: والله أمَرهم بها. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾؛ لأن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسنِ الأفعال، والحثِّ على مكارم الخصال، اقتصر على ردِّ الثاني لِمَا عرفْتَ أن الأول لا يُعوَّل عليه بدونه.

стр. 1499

وفي (١) الآية دلالةٌ على أن في بعض الأفعال قبحاً (٢) يُثْبته العقل مع قطع النظر عن السمع، وإن لم يدلَّ على ترتُّب الذمِّ عليه آجلاً قبل النَّهي عنه. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أتفترون ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ إنكارٌ يتضمَّن النهيَ، وإنما قال: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إظهاراً لِمَا في افترائهم من زيادةِ قبحٍ؛ لتضمُّنه الإخبارَ عمَّا لا علم لهم به. * * * (٢٩) - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل الذي هو الواسطةُ بين طرفي الإفراط والتفريط في كلِّ شيء. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ معطوفٌ على ما ينحلُّ إليه المصدر الذي هو (القسط)؛ أي: بأنْ أَقْسِطوا وأَقِيموا، وكما ينحلُّ المصدر إلى (أنْ) والفعلِ الماضي نحو: عجبتُ من قيام زيد وخَرَج؛ أي: من أنْ قام زيدٌ وخَرَج، كذلك ينحلُّ إلى (أنْ) مع الفعل المضارع نحو: لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني (٣)

стр. 1500

أي: لَأَنْ ألْبَسَ عباءةً وتَقَرَّ عيني. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: موضعِ سجودٍ؛ أي: لا تسجدوا كما يسجد اليهود على أنصاف الوجوه، وقد مرَّ وجهُ ذلك في تفسير سورة البقرة (١). ﴿وَادْعُوهُ﴾: واعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الطاعةَ، مُبْتغِينَ بها وجهَ الله تعالى خالصاً، فإنكم مبعوثون مجزيُّون على أعمالكم، فحذف التعليل وذكر (٢) ما يدلُّ على البعثة اكتفاءً بالعبارة عن الإشارة. ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾؛ أي: كما أبدأكم (٣) ابتداءً ﴿تَعُودُونَ﴾ بإعادته؛ أي: قِيسوا الإعادةَ بالإبداء، فلا تنكروها لأنها أهونُ منها. * * * (٣٠) - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ بأنْ وفَّقهم للإيمان. ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا (٤)

стр. 1501

باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت (١) الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ (٢) لا متبوعٌ له، وانتصابُه بفعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعده؛ أي: أضلَّ، كقولك: زيداً مررتُ به. ﴿إِنَّهُمُ﴾؛ أي: إنَّ (٣) الذين حقَّ عليهم الضلالةُ ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فأطاعوهم، تعليل للمفسَّر أو تحقيق للمفسِّر. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ولولا حسبانُهم هذا لكان فيهم تأثيرٌ لإنذار (٤) النذير، فهو تتميمٌ للتعليل أو التحقيق، وتنبيهٌ على أن الضلال إنما حَقَّ على مَن ضلَّ وزعم أنه اهتدى، ومن هنا ظهر أن المكلَّفين غيرُ محصورين في الفريقين المذكورين، فإن المعاند بمعزلٍ عن الحسبان المزبور (٥). * * * (٣١) - ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما خاطبهم بهذا (٦) تذكيراً لسُنَّةِ أبيهم آدمَ ﵇ في ستر العورة.

стр. 1502

﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أي: لباسكم الموارِي لعوراتكم، والزينة (١) فِعْلةٌ من التزيُّن، وهو اسم ما يُتجمَّل به من ثيابٍ وغيرها، والمأمورُ بأخذه هنا ما يستر العورة. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: عند كلِّ قصدةٍ للطواف (٢)، دلَّ عليه سببُ النزول، فإنهم كانوا يدَعون ثيابهم وراء المسجد عند الطواف. أو: للصلاة؛ فإن ستر العورة فيها واجب. والسنَّة أن يأخذ الرجل أحسنَ هيئةٍ للصلاة اعتباراً لظاهر عبارةِ الزينة. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾؛ أي: لا تضيِّقوا على أنفسكم فيما وسَّعه الله تعالى من الأكل والشرب. روي: أنهم كانوا لا (٣) يصلُّون في ثيابهم، ويقولون: لا نصلي في ثيابٍ أَذْنبنا فيها، ولا يأكلون من الطعام إلا قُوتاً، ولا يأكلون دسِماً في أيام حجِّهم، يعظِّمون بذلك حِجِّتهم (٤)، فقال المسلمون: يا رسول الله! نحن أحقُّ بذلك أن نفعل، فنزلت الآية (٥). ولمَّا كان حذفُ المفعول في الموضعين مَظِنَّةَ التعميم والتوسيعِ لدائرة الرخصة في الأكل والشرب كماً وكيفاً، تُدُورِكَ دفعُه بقوله:

стр. 1503

﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التغدِّي بالتعدِّي من الحلال إلى المحظور، بل من الطيِّب إلى المحذور (١). ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الله تعالى، والإضمار قبل الذكر للتفخيم. ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي (٢): لا يرتضيهم لإسرافهم، وهذا أبلغ في ذم الإسراف، وصيغةُ الجمع للتعميم لأنواعه، فإنه مذمومٌ في كلِّ أمر حتى في التصدُّق، على ما مر في سورة الأنعام. * * * (٣٢) - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ﴾ معنى الاستفهام: إنكارُ تحريم هذه الأشياء، وتوبيخُ محرِّمها، والاستفهام إذا تضمَّن الإنكارَ لا جواب له. ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾ الإضافةُ إليه تعالى تعظيماً لنعمة الزينة؛ للدلالة على عدم التحريم من جهته تعالى. ﴿الَّتِي أَخْرَجَ﴾ من الحيوان كالحرير والصوف، والنبات كالقطن والكتان، والمعدن كالحديد وسائر الأجساد. ﴿لِعِبَادِهِ﴾ في عبارة العباد إشارةٌ إلى أن الإخراج المذكور لمصلحة العبادة، فلهذا آثرها على الناس.

стр. 1504

﴿وَالطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: المحلَّلات؛ فإن المحرَّم ليس بطيِّبٍ وإن كان مستلذًّا. ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾: من المآكل والمشارب، فوصفُ الطِّيب هنا في مقابلة الإضافة إلى الله تعالى قرينةٌ (١) في إفادة المعنى المهم في المقام وهو كونُهما غيرَ محرَّمَينِ في الشرع، فلا دلالةَ في الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس والمشارب وأنواع التجمُّلات الإباحةُ (٢). ﴿قُلْ هِيَ﴾؛ أي: جملةُ ما ذُكر من الزينة والطيبات. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ غيرَ خالصةٍ لهم؛ لكون الكفار شركاءَهم فيها، وإنما لم يقل: للَّذين آمنوا ولغيرهم؛ تنبيهاً على أنها خُلقت لهم بالأصالة والكفارُ تَبَعٌ لهم فيها (٣)، وإقحام ﴿الْحَيَاةِ﴾ للإشعار إلى وجه التشريك بإفهامِ أنها للحاجة إليها في الحياة. ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يشاركُهم فيها غيرهم، وانتصابُها على الحال من الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور الواقع (٤) خبراً لـ ﴿هِيَ﴾. وقُرئ بالرفع (٥) على أنها خبرٌ بعد خبرٍ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كتفصيلنا لكم (٦) هذه الأحكامَ في الحلال والحرام نفصِّل لكم جميع ما بكم حاجةٌ إليه من شرائع الإسلام، وإنما قال:

стр. 1505

﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تفضيلاً للعلماء على غيرهم بتخصيص التفصيل لهم، وتغليباً للذكور على الإناث لأصالتهم في أهلية الخطاب بإعلام الأحكام وإفهامِ الحلال والحرام. * * * (٣٣) - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾؛ أي: لم يحرِّم الزينة والطيِّبات وإنما حرَّم القبائح التي زاد قبحُها. والتحريم: المنع من الفعل بإقامةِ الدليل على وجوب تجنُّبه، وضدُّه التحليل وهو: الإطلاق في الفعل ببيان جواز تناوُله. ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال ابن عباس ﵄: كانوا لا يرون بالزنا سراً بأساً، وكانوا يستقبحونه عَلَانيَةً، فنُهوا عنه جميعاً (١). وتخصيصُها بالذكر مع انتظامها في سلكِ الآتي ذكرُه للاهتمام. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ أريد به: ما بين العبد وبينه تعالى من الذَّنْب. ﴿وَالْبَغْيَ﴾ أريد به: ما بينه وبين الغير، وهو التعدي مبتدئاً كان أو منتصِراً، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادةُ بيانٍ؛ لأن ما كان بحقٍّ لا يكون بغياً. ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم، إذ معلومٌ أنه لا برهانَ عليه حتى ينزل، فهو من قبيل:

стр. 1506

ولا ترى الضبَّ بها يَنجحِرْ (١) وإذا لم يَجزْ إنزال البرهان بالإشراك كان ذكرُ ذلك استهزاءً. ثم إن في السلطان مزيَّةً على البرهان، من حيث إن البرهان: إظهارُ صحة المعنى وفسادِ نقيضه، والسلطان: إظهارُ ما يُتسلط به على نقيض المعنى بالإبطال، ولا يخفى ما في اعتبار هذه المزية واشتراطِ نزوله دون ظهوره من تعظيم أمر الشرك. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾: وأن تفتروا عليه ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكره إظهاراً لزيادة قبح ما فعلوه، وإلا فالافتراء لا يكون عن عِلم. * * * (٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الأمة: الجماعة التي على مقصدٍ واحد، والأجل: الوقت المضروب لانقضاء المُهَلِ، ففيه إشارةٌ إلى تقارُب أعمار (٢) أهل العصر الواحد، وأما الوعيدُ فمبناه على أن يكون المراد من الأجل مدةَ نزول العذاب، ولا يساعده أخذُ الكلِّية على ظاهرها. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون.

стр. 1507

وإنما قال: ﴿سَاعَةً﴾؛ لأنها أقصر الأوقات في العرف، يقول (١) المستعجِل لصاحبه: في الساعة؛ أي: أقصرِ وقت. وإنما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ لأنَّه قبل المجيء يُقبَل التقدُّم والتأخُّر بخلاف ما بعده، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]. والمراد من مجيء الأجل: مجيءُ قربه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وهذا كما يقال: جاء الشتاء، وجاء الصيف، إذا قارَب (٢) وقته. * * * (٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما (٣) أُوثر هذا التعبير لِمَا فيه من التذكير (٤) لأول الرسل منهم. ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي (إنْ) الشرطيةُ زيدت عليها (ما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك لزمت فعلَها النونُ الثقيلة أو الخفيفة، وجواب الشرط الجملة الشرطية الآتية. ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إنما جاء في إتيان الرسل بحرف الشك تنبيهاً على أنه غير واجب كما زعم أهل التعليم (٥).

стр. 1508

﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ القَصَصُ: وصل الحديث بالحديث (١)، وأصله: إتْباع الشيء بالشيء. ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشرك والمعاصيَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل والإسلام (٢) ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من الوقوع في العقوبات، وهذا ثمرة (٣) الاتقاء. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثواب، وهذا ثمرةُ الإصلاح، وليس فيه إبطالُ مخافات القيامة؛ لأنَّ المراد به العاقبة، فهو كقول الطبيب: لا بأس عليك ولا خوف، وإن كان في وجعٍ وضعف. * * *

стр. 1509

(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: تعظَّموا عن قبولها، والمعنى: واستمروا على التكذيب، فإن الاستكبار يلزمه الاستمرارُ على خلافِ مَن اتَّقى وأصلح. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الملازِمون لها لتكذيبهم بآياتنا. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لاستمرارهم عليه (١)، وإنما أورد في جواب ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الفاء (٢) دون جوابِ ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد. * * * (٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أفحشُ ظلماً، والفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدم؛ من عِظَم شأن الافتراء حيث قُرن بالشرك بالله، وشأنِ التكذيب حيث أُخبر بأن جزاءه الخلود في النار. والاستفهامُ للاستعظام، وقد مرَّ بيان طريقته في تفسير (سورة الأنعام). ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ الافتراء: اختراع أمر لا أصل له في حق مَن يَشينه، ولهذا

стр. 1510

يتعدَّى بـ (على) فقوله: ﴿كَذِبًا﴾ تصريحٌ بما عُلم التزاماً؛ إظهاراً لِمَا في الافتراء من مزيدِ قبحٍ حيث جَمع بين القبيحين. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ لم يقل: أو كذَّبه؛ لأن مَن كذَّب كلام الله تعالى إنما كذَّبه منكِراً لكونه كلامَه، وإنما قال: ﴿بِآيَاتِهِ﴾ لينتظِم المعجزات الفعليةَ. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ﴾ النيل: هو وصول النفع إلى الغير إذا أُطلق، وإنْ قيِّد وقع على الضرر؛ لأن أصله الوصول إلى الشيء. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمار؛ أي: هؤلاء مع نهاية (١) ظلمهم لا يَحرِمهم في الدنيا، بل يَصل إليهم حظُّهم في الدنيا مما كُتب لهم في الكتاب السابق. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ غايةٌ لنَيلهم نصيبَهم واستيفائه (٢)، وهي التي تقع بعدها الجملة. ﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: ملك الموت وأعوانه. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يستوفون أرواحهم، حال من الرسل ﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، حقُّ (ما) أنْ تُفصل لأنها موصولةٌ، ولكن وقعت موصولةً في خط المصحف بـ (أين) فاتُّبع سُنَّتُه. ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدونه من الآلهة ترجون شفاعتَهم ومَعُونتهم. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عنا فلا نراهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾؛ أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي
следующие страницы →