← Тафсир

Тафсир · id 9798

تفسير ابن كمال باشا

ابن كمال باشا

Полный текст (4 038 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ولا ترى الضبَّ بها يَنجحِرْ (١) وإذا لم يَجزْ إنزال البرهان بالإشراك كان ذكرُ ذلك استهزاءً. ثم إن في السلطان مزيَّةً على البرهان، من حيث إن البرهان: إظهارُ صحة المعنى وفسادِ نقيضه، والسلطان: إظهارُ ما يُتسلط به على نقيض المعنى بالإبطال، ولا يخفى ما في اعتبار هذه المزية واشتراطِ نزوله دون ظهوره من تعظيم أمر الشرك. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾: وأن تفتروا عليه ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكره إظهاراً لزيادة قبح ما فعلوه، وإلا فالافتراء لا يكون عن عِلم. * * * (٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الأمة: الجماعة التي على مقصدٍ واحد، والأجل: الوقت المضروب لانقضاء المُهَلِ، ففيه إشارةٌ إلى تقارُب أعمار (٢) أهل العصر الواحد، وأما الوعيدُ فمبناه على أن يكون المراد من الأجل مدةَ نزول العذاب، ولا يساعده أخذُ الكلِّية على ظاهرها. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون.

стр. 1507

وإنما قال: ﴿سَاعَةً﴾؛ لأنها أقصر الأوقات في العرف، يقول (١) المستعجِل لصاحبه: في الساعة؛ أي: أقصرِ وقت. وإنما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ لأنَّه قبل المجيء يُقبَل التقدُّم والتأخُّر بخلاف ما بعده، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]. والمراد من مجيء الأجل: مجيءُ قربه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وهذا كما يقال: جاء الشتاء، وجاء الصيف، إذا قارَب (٢) وقته. * * * (٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما (٣) أُوثر هذا التعبير لِمَا فيه من التذكير (٤) لأول الرسل منهم. ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي (إنْ) الشرطيةُ زيدت عليها (ما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك لزمت فعلَها النونُ الثقيلة أو الخفيفة، وجواب الشرط الجملة الشرطية الآتية. ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إنما جاء في إتيان الرسل بحرف الشك تنبيهاً على أنه غير واجب كما زعم أهل التعليم (٥).

стр. 1508

﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ القَصَصُ: وصل الحديث بالحديث (١)، وأصله: إتْباع الشيء بالشيء. ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشرك والمعاصيَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل والإسلام (٢) ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من الوقوع في العقوبات، وهذا ثمرة (٣) الاتقاء. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثواب، وهذا ثمرةُ الإصلاح، وليس فيه إبطالُ مخافات القيامة؛ لأنَّ المراد به العاقبة، فهو كقول الطبيب: لا بأس عليك ولا خوف، وإن كان في وجعٍ وضعف. * * *

стр. 1509

(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: تعظَّموا عن قبولها، والمعنى: واستمروا على التكذيب، فإن الاستكبار يلزمه الاستمرارُ على خلافِ مَن اتَّقى وأصلح. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الملازِمون لها لتكذيبهم بآياتنا. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لاستمرارهم عليه (١)، وإنما أورد في جواب ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الفاء (٢) دون جوابِ ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد. * * * (٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أفحشُ ظلماً، والفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدم؛ من عِظَم شأن الافتراء حيث قُرن بالشرك بالله، وشأنِ التكذيب حيث أُخبر بأن جزاءه الخلود في النار. والاستفهامُ للاستعظام، وقد مرَّ بيان طريقته في تفسير (سورة الأنعام). ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ الافتراء: اختراع أمر لا أصل له في حق مَن يَشينه، ولهذا

стр. 1510

يتعدَّى بـ (على) فقوله: ﴿كَذِبًا﴾ تصريحٌ بما عُلم التزاماً؛ إظهاراً لِمَا في الافتراء من مزيدِ قبحٍ حيث جَمع بين القبيحين. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ لم يقل: أو كذَّبه؛ لأن مَن كذَّب كلام الله تعالى إنما كذَّبه منكِراً لكونه كلامَه، وإنما قال: ﴿بِآيَاتِهِ﴾ لينتظِم المعجزات الفعليةَ. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ﴾ النيل: هو وصول النفع إلى الغير إذا أُطلق، وإنْ قيِّد وقع على الضرر؛ لأن أصله الوصول إلى الشيء. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمار؛ أي: هؤلاء مع نهاية (١) ظلمهم لا يَحرِمهم في الدنيا، بل يَصل إليهم حظُّهم في الدنيا مما كُتب لهم في الكتاب السابق. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ غايةٌ لنَيلهم نصيبَهم واستيفائه (٢)، وهي التي تقع بعدها الجملة. ﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: ملك الموت وأعوانه. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يستوفون أرواحهم، حال من الرسل ﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، حقُّ (ما) أنْ تُفصل لأنها موصولةٌ، ولكن وقعت موصولةً في خط المصحف بـ (أين) فاتُّبع سُنَّتُه. ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدونه من الآلهة ترجون شفاعتَهم ومَعُونتهم. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عنا فلا نراهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾؛ أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي

стр. 1511

هي تحقيقُ الخبر، ولا يخالف هذا ما تقدم في سورة الأنعام من قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لأن إنكارَهم ذلك عند غيبة آلهتهم على ما بيِّن فيما سبق، واعترافَهم هذا عند حضورهم على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦]. * * * (٣٨) - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿قَالَ﴾ أي: يقول الله تعالى لهم على ألسنة الملائكة يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا﴾. ويجوز أن يكون الأمر (١) للتسخير؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، فيكون دخولهم في النار بلا قدرةٍ منهم واختيار (٢)، كما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨]. ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: كائنين في عدادِهم ومصاحِبين (٣) لهم، فإن كلمة (في) تجيء بمعنى (مع). ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: مضت؛ لأنَّ مَن مضَى بالهلاك فقد انتَفَى عن مكانه فخلا مكانُه عنه، إلا أنه قَلب فنَسب الخلوَّ إليه.

стр. 1512

﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأصالتهم في الإغواء والإضلال (١)؛ لأن المقام مقامُ التحقير. ﴿فِي النَّارِ﴾ متعلِّق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، والدخول في النار وإنْ لم يقتضِ كونَ الفريقين من الكفَّار، لكن الأمر بالمشركين بالكون منهم في معرض العقاب دل على ذلك. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾؛ أي: في النار ﴿أُمَّةٌ﴾ من تلك الأمم ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: مِثْلَها في الدِّين التي ضلَّت هي بها. وقيل: بالاقتداء بها. وَيرِدُ عليه: أنه يلزم حينئذ أن تكون سلسلة الأمم الداخلةِ في النار متناهية. ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ وقرئ: (تداركوا) (٢)؛ أي: تلاحَقوا، وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل. ﴿فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ منزلةً، وهم الأتْباع والسَّفِلة. ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ لأَجْل أولاهم؛ لأن الخطاب مع الله تعالى لا معهم، وهم الرؤساء والقادة. ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ بأنْ دعونا إلى ذلك وأمرونا به، قال تعالى خبراً عنهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] فلا حاجة إلى الصرف عن الظاهر المتبادِر. ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: مضاعفاً؛ لأنهم ضلُّوا (٣) وأضلُّوا.

стр. 1513

﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾؛ أي: لكلٍّ منكم ومنهم ضعفٌ: مِثْلٌ زائد على مِثْلٍ؛ لأن كلًّا من الفريقين ضالٌّ ومُضلٌّ، وهذا في حق القادة ظاهرٌ، وأمَّا في حق الأتْباع فلأنهم بالاتِّباع لهم وصدورهم عن رأيهم زادهم في طغيانهم وثباتهم على الضلال، وقوتهم على الإضلال، وقد أَفصح عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، وأما التقليد في الباطن (١) فلا يصلح وجهاً له؛ لعدم اختصاصه بالأتباع، فإن القادة أيضاً قد يكونون مقلِّدين (٢). ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ كيلَا يحصلَ لهم نوعُ سلوةٍ وسرور، فإنه لو علم كلٌّ منهم ما بالأخرى (٣) بسبب إضلالهم إياهم لكان لهم فيه تسلِّ وخفَّةٌ. وقرئ بالياء على الانفصال (٤). * * * (٣٩) - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ مرتَّباً كلامُهم على جوابه تعالى لآخريهم.

стр. 1514

﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ أي: فقد ثبت أنْ (١) لا فضل لكم علينا، بل إنَّا وإياكم متساوون في الضلال والإضلال، واستحقاقِ العذاب بهما. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كما نحن نذوقُه بما كنا نكسبه، فليس هذا القول منهم (٢) تشفِّياً، كيف والمقام لا يحتمل الإخبار عن حالٍ فيها نوعُ سرورٍ لهم؟ * * * (٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ قد سبق تفسيره. ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾؛ أي: لأدعيَتِهم وأعمالهم أو لأرواحهم كما تفتح للمؤمنين، فهو بمنطوقه وعيد للكفار، وبمفهومه وعد للمؤمنين؛ إذ لولاه لمَا كان (٣) وعيداً لهم. والحاجة إلى صيغة الجمع في قوله: ﴿أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لمصلحةِ المفهوم؛ إذ لا حاجة إليها في المنطوق. وقرئ: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتشديد لكثرة الأبواب، وبالياء لأن تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ والفعلُ مقدَّم (٤).

стр. 1515

وعلى البناء للفاعل ونصب الأبواب: بالتاء على أن الفعل للآيات (١)، وبالياء على أنه لله تعالى (٢). ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ الولوج: التقحُّمُ في الشيء، وإنما خُص الجمل من جنس البعير بالذِّكر لأنَّه أكبرُ وأصلب من الناقة. ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، وهو من باب التعليقِ بالمحال؛ إذ المعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مِثْلُ الجمل (٣) في عظَم الجِرْم فيما هو مَثَلٌ في ضيقِ المسلك، وذلك مما لا يكون أبداً، فكذلك ما علِّق به. وقرئ: (الجَمْل) كالحَبْل، و: (الجُمَل) كالنُّغَر، و (الجُمْل) كالقُفْل، و: (الجُمُل) كالنُّصُب، و: (الجُمَّل) كالقُمَّل (٤)، وهي (٥): الحبل الغليظ، وقيل: حبل السفينة. و: (سُمِّ) بالضم والكسر، [وقرأ عبد الله]: (في سمِّ المِخْيَط) (٦)، وهو والخيَاط: ما يُخاط به؛ كالحِزام والمِحْزَم.

стр. 1516

﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومِثْلَ ذلك الجزاء الفظيعِ ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين الموصوفين بالجُرم الكامل، وإنما وضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير تسجيلاً على المكذِّبين بالإجرام، وإيذاناً بأن الإجرام هو السبب الموجِب للحرمان، الموصلُ إلى العقاب المؤبَّد في النيران، ولذلك كرَّر الجزاء وسجَّل عليهم بالظلم تأكيداً. * * * (٤١) - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: جمع مَهْدٍ، وهو الوِطاء الذي يُفترش، ومنه: مَهْد الصبيِّ، وتمهيدُ الأمور: تسويتُها وإصلاحها، فهو على طريقة قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ولهذا - أي: لِمَا (١) في لفظ المهاد من التهكُّم - آثره على لفظ الفراش مع ما فيه من صنعة التجنيس؛ اعتباراً لجانب المعنى، وترجيحاً للمزيَّة المعنويَّة على اللفظيَّة. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: جمع غاشيةٍ، وهي لباسٌ مجلِّل، والتنكيرُ فيها وفي ﴿مِهَادٌ﴾ للتعظيم والتهويل. ولما كان في المهاد اختصاصٌ لجهة التَّحت، بخلاف الغاشية فإنها خِلْوٌ عن الاختصاص بجهةٍ، وكان المراد التغطيةَ من جهة (٢) الفوق، فلا جَرَمَ احتيج إلى قوله: (مِن فوقهم) دون: مِن تحتهم، وقد ذُكرا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] لقيام الحاجة إلى تعيين الجهة

стр. 1517

في الموضعين، قوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ يرشدك إلى إرادة معنى الجمع من (١) المهاد (٢). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالإصرارِ على عدم الإيمان، والاستكبارِ عن الإذعان. * * * (٤٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين المبتدأ وخبره للإشارة أولًا إلى أن المذكور في معرض الشرط الأعمالُ التكليفية، وثانياً إلى أنه غير معتبَر في حق غير المكلَّفين والمعذورين. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ على عادته تعالى في أن يَشفع الوعيد بالوعد، و ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى أنَّ استحقاق الخلود في النعيم بسبب اتِّصافهم بالإيمان والأعمال الصالحة مع سهولتهما وتعظيم لشأنهما (٣). * * *

стр. 1518

(٤٣) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ النزع: رفع الشيء عن مكانه المتمكِّنِ فيه: إما بتحويله عنه، وإما بإعدامه. والمراد هنا هو الثاني. والغل: هو الحقد الذي يصل بلطفه إلى صميم القلب، ومنه: الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة. والصُّدور: ما يَصدر (١) من جهة التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: الصَّدر. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ زيادةً في حبورهم وسرورهم، والنَّهْر: المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه: النهار؛ لاتساع ضيائه، والجريان: انحدار المائع. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ بالدلالة إلى ما يوصلنا إليه من الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ زيادةُ اللام لتأكيد النفي؛ أي: وما كان (٢) يصح ويستقيم لنا أن نكون من المهتدين إلى ذلك مع تيسُّره (٣) لولا هدايةُ الله تعالى وتوفيقُه. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف دل عليه ما قبله.

стр. 1519

وقرئ: ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واوٍ (١) على أنها جملةٌ مبيِّنةٌ للأولى، وعلى القراءة المشهورة اعتراضيةٌ للتأكيد (٢). ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فاهتدَيْنا إلى هذا بإرشادهم، وهو كلام وارد على سبيل الاغتباط والتبجُّح بما نالوا، والسرورِ بما شاهَدوا. ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ النداءُ الدعاء (٣) على طريقةِ: يا فلان، كأنه قيل لهم: يا أيها المؤمنون. و ﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من الثقيلة، تقديره: بأنه، والضمير ضميرُ الشأن. أو المفسِّرة؛ لأنَّ النداء في معنى القول. ﴿الْجَنَّةُ﴾ صفة ﴿تِلْكُمُ﴾، وهي (٤) مبتدأٌ خبرُه ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾. أو ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبرٌ، و ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ (٥) حالٌ، والعامل معنى الإشارة في ﴿تِلْكُمُ﴾؛ أي: مُورَثةً لكم، والإشارة بـ (تلك) لقصد التعظيم. وإنما سماها ميراثاً لأنها ليست مما يُستحق بالعمل، بل هو مَحْضُ فضل الله ووعدِه على الطاعة؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضاً مستحَقًّا عن شيء، بل هو عطيةٌ خالصة، ففيه حفظ (٦) السامع عن المتبادِر إلى الفهم من الباء السببية في قوله:

стр. 1520

﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من أن تكون تلك الأعمالُ أسباباً حقيقيَّةً لِمَا يُعطى لهم في الدار (١) الآخرة، فإن سببيَّتها له إنما هي بحكم الوعد، وهذه طريقةٌ بليغةٌ سميناها في بعض رسائلنا المعمولة في أسرار البلاغة بـ: التقدُّم بالحفظ، وهي أبلغ من طريقة التدارُك، وقد غفَل عنها القوم. * * * (٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ قد مرَّ أن (نادى) معناه دعاءٌ، غير أن في النداء معنى امتداد الصوت ورفعه، وليس كذلك الدعاءُ؛ لأنَّه قد يكون بعلامةٍ كالإشارة من غير صوت ولا كلام. والصاحب هو المقارِن على نيَّةِ طول المدة، والصُّحبةُ والمقارَنة نظيران، إلا أن في الصحبة معنى (٢) الإرادة. ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ (أنْ) في المواضع الأربعة محتمِلةُ الوجهين كالتي مرت آنفاً. و وَجَدْنَا من الوجود، و ﴿حَقًّا﴾ مفعوله الثاني، أو من (٣) المصادفة و ﴿حَقًّا﴾ حال. ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ﴾ الوعد عند الإطلاق ينتظِم الخيرَ والشر، بخلاف الوعيد فإنه يختصُ بالثاني.

стр. 1521

﴿رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ إنما قالوه (١) تبجُّحاً بحالهم، وتحسيراً لأصحاب النار، ولذلك ذُكر مفعول (وعد) في الأول وتُرك في الثاني، فإن أهل الجنة يستبشِرون بحصول موعودهم، فذكروا ما وعدهم الله تعالى مضافاً إليهم، وأطلقوه حين سألوا أهل النار ليشمل كلَّ موعود؛ من البعث والحساب والثواب والعقاب، وسائرِ ما في أحوال القيامة من الأهوال؛ تنبيهاً على تكذيبهم (٢) بأمور كثيرة ليست مخصوصةً بهم ساءهم كلَّها، وتكون إجابتهم بـ ﴿نَعَمْ﴾ تصديقاً بجميع ما وعد الله بوقوعه في الآخرة للصنفين، واعترافاً منهم بحصول موعود المؤمنين؛ ليتحسَّروا على ما فاتهم من نَعْيمهم، إذ نعيم أهل الجنة مما يَحزُنهم ويزيد في عذابهم. ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ وقرئ: ﴿نَعَمْ﴾ بكسر العين (٣) فرقاً بين (نَعمْ) التي هي جوابٌ، وبين نَعَمٍ هي التي اسم للإبل والبقر والغنم. ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أُبهم للتنكير، ونُكر للتعظيم، وهو ملَك ينادي بأمر الله تعالى نداءً يسمعه أهل النار زيادةً في تحسيرهم، فمعنى ﴿بَيْنَهُمْ﴾: بين القائلين ﴿نَعَمْ﴾، ولو كان المعنى: بين الفريقين، لقيل: بينهما كما قيل: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفارِ؛ إطلاقاً لاسم الجنس على الفرد الكامل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿أَنْ لَعْنَةُ﴾ بالتشديد والنصب (٤). وقرئ: (إنَّ) بالكسر (٥) على إرادة القول، أو إجراء التأذين مجراه.

стр. 1522

(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفةٌ مقرِّرة لـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفع عليه. والصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصةً. ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾؛ أي: يبغون بها، والضمير للسبيل وهو يذكَّر ويؤنَّث. ﴿عِوَجًا﴾ العِوَج بالكسر في المعاني (٦) والأعيان ما لم تكن منتصبةً، وبالفتح في المنتصِبة كالحائط والرمح. أي: يطلبون بها زيغاً وميلاً إلى الباطل. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾؛ أي: كانوا بها جاحدين. لمَّا كان مناداةُ الفريقين مُنْبئةً عن القرب بينهما، ومَظِنَّةَ أنْ يُتوهَّم وصولُ رَوح الجنة إلى أهل النار وقبحِها إلى أهل الجنة، دفعه بقوله: (٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين (٧) الفريقين لا بين الدارين؛ لأنَّه قال في مواضع آخر: ﴿بَيْنَهُمَ﴾. ﴿حِجَابٌ﴾ الحجاب: هو (٨) الحاجز المانع عن الإدراك، والمراد هاهنا (٩): السور المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].

стр. 1523

﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾؛ أي: أعرافِ الحجاب وهو أعاليه، جمع عُرْفٍ، وهو ما ارتفع من الشيء فإنه بارتفاعه وظهوره أعرفُ من غيره، ومنه: عُرْفُ الديك. ﴿رِجَالٌ﴾: قومٌ عَلَتْ درجاتهم؛ كالأنبياء ﵈ والشهداءِ (١)، أو خيارِ المؤمنين، أو ملائكة يُرون في صورة الرجال. وقيل: جمع قصَّروا في العمل، أو تساوت حسناتُهم وسيئاتُهم، ويأباهما عبارةُ الرجال؛ لأن الأمر المذكور لا يختصُّ بالذكور. ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهل الجنة والنار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ كبياض الوجه وسواده، فِعْلَى مِن سام إبله: إذا أرسلها في المرعى معلَّمةً، أو عِفْلَى مِن (وَسَم) على القلب؛ كالجاه من الوجه. وقد دل الباء السببية على أنهم يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة (٢). ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إذا نظروا إلى أهل الجنة نادَوهم بالتسليم عليهم، وقد دل على هذا تمامُ الكلام فلا حاجة إلى تقديره. ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾ (٣)؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ، وفيه دفعُ (٤) ما يتبادر إلى الفهم من عبارة ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، ودفعُ وهمِ مخالفته لِمَا يأتي من قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.

стр. 1524

﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ منهم، والطمع: توقُّع المحبوب، ونقيضُه اليأس: وهو القطع بعدم حصوله. * * * (٤٧) - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ (١) الصرف إمالة الشيء من جهة إلى أخرى. ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: حِذاءَهم، وهي جهةُ اللقاء تِفْعالٌ استُعمل ظرفَ مكان، وفيه دلالةٌ على أن نظرهم إلى أهل الجنة نظرُ رغبةٍ وارتضاء، وأما نظرُهم إلى أهل النار فليس كذلك، بل لا ينظرون إليهم لكراهتهم ونفرتهم منهم، ولا يتأتَّى منهم النظر إليهم طوعاً، حتى كأنَّ صارفاً صَرَف نظرهم إليه كرهاً ليَعلموا قَدْرَ ما هم فيه، ولهذا كان الأول مقابَلاً (٢) بالتسليم والثاني بالاستعاذة. ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ استعاذوا بالله تعالى من مصاحبتهم صريحاً، وفي ضمنها الاستعاذةُ من النار، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار من تقديم الفِرار من عذاب صُحبة الفجَّار على الفرار من عذاب النار، بناءً على أن الأول روحانيٌّ والثاني جسمانيٌّ، والروحانيُّ أشد إيلاماً. * * * (٤٨) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ من رؤوس الكفرة وأعيان الفجرة.

стр. 1525

﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ المعهودِ عندهم، فهذه معرفتُهم بأشخاصهم، وما سبق معرفتهم من حيث إنهم من أهل الجنة أو من أهل النار. ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ﴾ استئناف لبيانِ ما نودي به. ﴿جَمْعُكُمْ﴾: كثرةُ خَدَمكم وأعوانكم، أو: جمعُكم المالَ. و ﴿مَا﴾ في ﴿مَا أَغْنَى﴾ استفهاميةٌ للتوبيخ والتقريع، ويجوز أن تكون نافيةً، وفي ﴿وَمَا كُنْتُمْ﴾ مصدريةٌ؛ أي: وكونُكم. ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق (١)، أو: على الخلق، وقرئ: (تستكثرون) بالتاء المثقلة (٢). * * * (٤٩) - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ من تتمة قولهم للرجال، والإشارة إلى فقراء أهل الجنة، والخطاب لرؤساء الكفرة الذين كانوا يستهينون (٣) بهم ويحتقرونهم لفقرهم، يُقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة، وقد مرَّ تفسير النَّيل. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ من كلام أهل الأعراف لفقراء أهل الجنة (٤)، لمَّا أشاروا

стр. 1526

إليهم بـ (هؤلاء) معيِّرين لرؤساء الكفرة، قالوا لهم إخباراً من الله تعالى ملتفِتينَ إليهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾. وقرئ: (أُدْخِلوا) على البناء للمفعول، وقرئ: (دَخَلوا) على الاستئناف، والتقدير: أُدخلوا - أو: دَخَلوا - مقولاً لهم (١). ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيما يأتي ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ على ما فات، وفيه تعريض لأصحاب النار بأنهم يحزنون. * * * (٥٠) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: الكفارُ على ما ستقف عليه. ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ إن قلت: كيف النداء وبينهما حجاب؟ قلت: إن في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. ﴿أَنْ أَفِيضُوا﴾ من الفيض وهو السيلان عن الامتلاء، ولمَا فيه من معنى الإحسان قالوا: ﴿عَلَيْنَا﴾؛ أي: أحسِنوا علينا مما ازداد منكم ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ فلا دلالة فيه على أن الجنة فوق النار. ﴿أَوْ مِمَّا﴾ من فضلةِ ما ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من نوعٍ آخَر من جنس المشروب، وإنما خصّهم بالطلب لمَا بهم من غلبة العطش وشدة الحرارة، ولهذا أتوا بأداة التنويع، ولو

стр. 1527

كان المراد الطعامَ لَمَا عدلوا عن العطف بأداة الجمع إذ لا بد لهم من طلب الماء. ولمَّا كان في سؤالهم ما دلَّ على أن التماسهم (١) من الفضلة وما لا حاجة لهم به، وكان الامتناعُ عن الإجابة في مثله مَظِنَّة البخل، أجابوا بما يندفع به هذا الوهم، ثم إنهم عدَلوا عن الجواب بالمنع الصريح إلى ذكر سببه؛ محافظةً بجانب الكرم مهما أَمكَن، وقطعاً لإطماعهم على وجهٍ أحسن: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لم يقل: عليكم، تضميناً لمعنى التعليل، وتعميماً (٢) للجواب لغير السائلين من جنسهم. والتحريم: المنع، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ كتعديَةِ الشهادة بها؛ كما في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، ولا خفاء في أن المعنى اللُّغويَّ أبلغُ من التحريم الشرعيِّ، فلا وجه لِمَا قيل: مَنعَهما عنهم مَنع المحرَّم عن المكلَّف. * * * (٥١) - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الاتِّخاذ: أخذُ الشيء بإعداد الأمر من الأمور، ولا يخفى لطف موقعه هاهنا من حيث تضمُّنُه الإشارةَ إلى أن حقَّ الدِّين الجِدُّ والاهتمام بشأنه، دون الهزل واللعب، فكان فيه نعيٌ لهم بتقبيح صَنيعهم. ﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريم البَحيرة، والتَّصديةِ حول البيت. وأصل اللهو: الانصراف عن الشيء، والمراد: ما ينصرف إليه مما لا يعني.

стр. 1528

واللعب: طلب الفرح (١) بما لا يَحسُن أن يُطلب به، واشتقاقه من اللعاب وهو المرور على غير الاستواء (٢). ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التغرير: تزيين الباطل للوقوع فيه. ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعل الناسِينَ بتركهم في النار ترك المنسيِّ. ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾؛ أي (٣): كما فعلوا به فلم يُخْطروه ببالهم، ولم يستعدُّوا له، ولم يُهمُّوا به، والمراد من اليوم: الواقعةُ، ولهذا أضافه إليهم. ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾ (٤)، و (ما) فيهما مصدرية، والكاف في ﴿كَمَا﴾ للتعليل؛ أي: لنسيانهم (٥) وكونِهم جحدوا بآيات الله. * * * (٥٢) - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ التنكير للتعظيم، وفي التعبير بـ ﴿جِئْنَاهُمْ﴾ (٦) زيادةُ تعظيم له. ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلناه فُصولاً هي أصول الأمور الدينية والدنيوية.

стр. 1529

﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: عالِمِين كيف يجب أن يُفصَّل حتى جاء حكيماً. وقرئ: (فضَّلناه) (١)؛ أي: رجَّحناه على سائر الكتب عالِمين بوجهِ رجحانه، وأنَّه حقيقٌ بذلك. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ حالٌ من الهاء، أو مفعول له؛ أي: لأجْلِ هدى. * * * (٥٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينتظرون، والانتظار: هو الإقبال على ما يأتي بالتوقُّع له، وإنما قيل لهم: ينتظرون، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم بمنزلة المنتظِر في أن يأتيَهم لا محالةَ إتيانَ المنتظَر. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ التأويل: ما يَؤول إليه حال الشيء. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: يَتبيَّن صدقُه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: تركوه تركَ الناسي. ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: قد تبيَّن أنهم جاؤوا بالحق وظهر ما أَخبروا عنه. ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ اليوم، حُذف النون للنصب بالفاء جواباً للتمنِّي. ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾: أو هل نرد إلى الدنيا؟ وجوابه: ﴿فَنَعْمَلَ﴾.

стр. 1530

وقرئ: (أو نردَّ) بالنصب (١) عطفاً على (يَشفَعوا)؛ أي: فيَشفَعوا لنا (٢) أو فنُردَّ، أو حملاً لـ ﴿أَوْ﴾ على معنى: إلى أن؛ أي: فيَشفعوا حتى نُردَّ فنعملَ. وقرئ بنصب (نُردَّ) ورفعِ (فنَعملُ) (٣)؛ أي: فنحن نعملُ، فالمعنى على الرفع: تمنِّي الشفاعة أو الرد، وعلى أولِ وجهي النصب تمنِّي الشفيع للشفاعة بدون الرد أو للرد، وعلى ثانيهما تمنِّي الشفيع للشفاعة (٤) مُفضياً إلى الردِّ وسبباً ووسيلةً إليه. ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا بإبطال استعدادهم، فلا يجدي الرد على ما أفصح عنه في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] استئناف لبيان حالهم على وجهٍ يتضمن الحكمة في عدم استجابتهم. ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: وغاب ﴿عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ما كانوا يعبدون (٥) من آلهتهم. * * *

стр. 1531

(٥٤) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي﴾؛ أي: ليس ربُّكم وحافظُكم ومدبرِّكُم ما عبدتُموه من الأصنام والكواكب والملائكة والجن والإنس (١)، بل كلُّ ذلك مربوبٌ ومخلوقٌ ومحتاجٌ إلى مدبِّر وحافظ، بل ربُّكم وحافظكم الله (٢) الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما على ما بيَّنه في موضعٍ آخر، جعل الخبر موصولاً بناءً على كون ذلك معهوداً عند السامع، ومفروغاً من تحقيق النسبة والعلم به. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: خلق الله التربةَ يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق الظلمة يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخِرَ الخلق في آخِرِ ساعة من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" (٣). والمراد من اليوم: مقدار دورة العرش من الزمان (٤).

стр. 1532

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استوى (١) عليه بالتأثير في إيجاد الأشياء بإثباتِ صورها عليه قصداً مستوياً (٢) من غير أن يَلويَ إلى شيء آخَرَ، فهو شأنه الذي عليه كلَّ يوم. ولمَّا ذكر الاستواء على العرش وهو إخبارٌ عن نَفاذ أمره وكمالِ ملكه واطِّرادِ تدبيره، بيَّن ذلك في عِيَانٍ فقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطِّيه به، ولم يَذكر عكسَه لا لأن اللفظ يحتملُهما إذ لا بد من إرادة أحدهما على التعيين، بل للعلم به. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ من الحثِّ، وهو الحمل على السرعة، حالٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ تقديره: حاثًّا، أو من ﴿النَّهَارَ﴾ وتقديره: محثوثاً، ويجوز أن ينتصِب نعتاً لمصدرٍ محذوف؛ أي: طلباً حثيثاً؛ أي: حاثاً أو محثاً (٣). والمرادُ من طلبِ الليلِ النهارَ: تَعاقُبُه اللازم، فكأنه طالبٌ له لا يدركه، بل هو في أثره بحيث يكاد يدركه. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ عطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالٌ منها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾. وقرئ كلُّها بالرفع على الابتداء والخبر (٤).

стр. 1533

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾؛ أي: هو الذي أَوجَد الأشياء وصرَّفها بإرادته كيف يشاءُ، جملةٌ اعتراضية مبيِّنة لِمَا ذكر من التوحيد كالمقصود منه، ولذلك صدَّرها بحرف التنبيه، وقدَّم فيها الظرف للتخصيص؛ إيذاناً بأن أهم الأشياء اعتقادُ التوحيد في الخَلق والتدبير. ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: فذلك هو الربُّ للجميع لا ربَّ سواه، فلْيَجِبْ تعظيمه، اعتراضٌ آخر لبيان تعظيمه بالوحدانية في الألوهيَّة والربوبية للكل؛ أي: تعاظَمَ الواحد الموجِدُ للكلِّ المتصرِّف فيه بالربوبية (١). وتوجيهُه: أن الكفرة كانوا متَّخذينَ أرباباً، فدعاهم إلى التوحيد بالحكمة والحجة، وصدَّر الآية بـ ﴿إِنَّ﴾ لإنكارهم، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ المستحِقَّ للربوبية ليس إلا واحدًا وهو ﴿اللَّهُ﴾ الموجِدُ للكل على الترتيب المحكَم المتقَن الدالِّ على العلم والحكمة والقدرة، الذي أنشأ ملكَه على ما يشاهَدُ (٢) ثم عمَد إلى تدبيره كالملِك المتمكِّن في مملكته لتدبير ملكه، فصرَّف الدهر على ما يُرى (٣) من تصريف الملَوَينِ، وسخَّر الإجرام السماوية بأمره، ونفَّذ أمره بقضائه وقدره، ثم صرَّح بما هو فذلكةُ التقرير في بيان التوحيد بالجملة الاعتراضية الأولى، وأفصح عن المقصود من التركيب كالنتيجة بالجملة الاعتراضية الثانية، ثم أمرهم بتخصيصه بالعيادة والدعوة متضرِّعين متذلِّلين ذوي خِيفةٍ (٤) بقوله:

стр. 1534

(٥٥) - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ التضرُّع: التذلُّل، وهو التكلُّف في إظهار الذل الذي في النفس. ﴿وَخُفْيَةً﴾ كيلا يشوبَ الدعاء معنى الرياء، والإخفاء: إغماض الشيء بحيث لا يقع عليه الإدراك، وفي التعبير عن قسيم الدعاء خُفْيةً بما ذكر إشارةٌ إلى أن الدعاء جهراً إنما يصلح مأموراً به إذا كان مقروناً بالاستكانة والتذلُّل. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ استئنافٌ لتعليل ما قدَّمه عبارةً وإشارةً. والاعتداء: تجاوُز الحد الذي لا ينبغي تجاوُزُه؛ أي: إن الله تعالى لا يحب المجاوِزين ما أُمروا به في كلِّ شيء من الدعاء وغيره، ففيه تنبيه على أنه لا ينبغي الصياح في الدعاء والإسهابُ فيه، وطلب ما لا يليق (١). * * * (٥٦) - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ببعثِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وشرعِ الأحكام. ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خائفين من عقابه طامعين في ثوابه، والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمَن من المضارِّ، والطمع: توقُّع المحبوب، وإنما قدَّم الخوف لأنَّه أهم.

стр. 1535

﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ استئناف لتعليل ما قدَّمه من القيدين عبارةً وإشارةً: أمَّا الأول: فظاهر؛ فإن الأخبار التأكيدي عن قرب (١) رحمته تعالى مطمع. وأما الثاني فلأنَّ اشتراط الإحسان - وهو وراء الإيمان والإسلام - مظنةُ الخوف لعامة المؤمنين، وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يغلَّب الخوف على الرجاء طولَ الحياة، فإذا جاء الموت غلِّب الرجاء، ومن هنا اتَّضح وجه آخرُ لتقديم الخوف على الطمع. وتذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن تأويل الرحمة بالرُّحم (٢) أو التَّرَحُّم، أو لاكتسابها التذكيرَ من المضاف إليه كما ذكروا في قراءة: (ما إنَّ مَفاتحه ليَنوءُ) بالياء التحتانية (٣)، أو لكونه صفةَ محذوفٍ؛ أي شيءٌ قريبٌ، أو على تشبيهه بفعيلٍ بمعنى مفعولٍ، أو بفعيلٍ الذي هو المصدر كالنقيض، أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره، وأما التذكير لكون التأنيث غيرَ حقيقي فوهمٌ؛ لوجوب التأنيث في نحو: الشمس طالعة، و: الموعظة نافعة (٤). * * *

стр. 1536

(٥٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على الوحدة (١)، والأولُ أولى؛ لأن الغالب استعمال الجمع في الرحمة واستعمالُ المفرد في العذاب، ولهذا قال ﵇: "اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" (٢). ﴿نُشُرًا﴾ بضمتين: جمع نَشُور بمعنى: ناشرٍ. و: ﴿نُشْرًا﴾ تخفيف نُشُرِ؛ كرُسْلٍ ورُسُلٍ. و: (نَشَراً) بمعنى: منشوراتٍ، فَعَلٌ بمعنى: مفعولٍ. و: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى: ناشرات، أو مفعولٌ مطلق فإن النشر والإرسال متقاربان. و: (بُشُراً) جمع بشير، و: ﴿بُشْرًا﴾ الخفيفة، و: (بَشْراً) بفتح الباء مصدرٌ من بَشَره بمعنى: بشَّره، و: (بُشْرَى) (٣).

стр. 1537

﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمامَ نعمته، وهو (١) الغيث الذي هو من أهمِّ النِّعم وأعمِّها (٢) نفعاً، وقد سبق في أوائل السورة في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ (٣) بيانُ ما في عبارة ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ من الدلالة على القرب، ولهذا تُؤْثَر على عبارة الأمام والقدَّام (٤). قيل: أن الصَّبا تُثير (٥) السحاب، والشَّمالَ تجمعُه، والجَنوب تُدِرُّه، والدَّبُور تفرِّقه. ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾: حملت ورفعت، واشتقاقُ الإقلال من القِلَّة؛ لأن الرافع المُطيق يرى ما يرفعُه قليلاً. ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ بالماء، وجمعَه (٦) لأن السحاب جمع سحابة. ﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب على لفظه، ونُسب السَّوقُ إليه تعالى بنون العظمة الْتفاتاً؛ لِمَا فيه من عظيم (٧) المنَّة وجليلِ النعمة.

стр. 1538

﴿لِبَلَدٍ﴾؛ أي: لأجْله (١)، ولا يلزم أن يصل له، بل يكفي أن يكون وصولُه لِمَا وَصل له لمصلحته، فينتظِم المسوقَ إلى الجبال والأودية، ومن هنا ظهر وجهُ مزيَّة اللام على (إلى). ﴿مَيِّتٍ﴾ استُعير الموت لجَدْبه وعدمِ نباته؛ لأنَّه (٢) من حيث عدمُ الانتفاع به كالجسد الذي لا روح فيه. ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالبلد، أو: بالسَّوق، أو: بالسحاب والباء للسببية، وعلى الأول يحتمِل الظرفية والإلصاق. ﴿الْمَاءَ﴾ المعهودَ، وهو ما ثقل به السحاب. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثلَ ذلك الإخراجِ - وهو إخراج الثمرات - ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من الأجداث، قال الكلبي: وذلك (٣) إذا مات الناس كلهم أَمطرت (٤) السماء أربعين يومًا كمنيِّ الرجال، فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم، ثم يُخرجون في النفخة الآخرة، وبينهما أربعون سنة.

стр. 1539

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلمون أنَّ مَن قدر على هذا قدر على ذلك. * * * (٥٨) - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الأرض الكريمةُ التربةِ، وتخصيص البلد بالذكر لأنَّه أصلحُ مَنْبِتاً على ما نُبِّه عليه في الخبر المأثور، وهو قوله: الرجال من القرى (١)، ولهذا سقط (٢) في مقابِلهِ. ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: بتيسيره، عبَّر به عن كثرة النبات وحُسنه لأنَّه أوقعه في مقابَلَة: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السَّبخةُ التي لا تُنبت ما تَنتفِع به. ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ النَّكِد: الذي لا خير فيه، ونصبُه على الحال تقديره: لا يخرج نباته إلا نكداً، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه - وهو الضمير المجرور - مقامه، فانقلب مرفوعاً مستكنًا لوقوعه موقع الفاعل، أو تقديره: ونباتُ الذي خبُث. وقرئ: (يُخْرِجُ) من أَخْرَجَ (٣)، فيكون ﴿نَكِدًا﴾ مفعولاً. وقرئ: ﴿نَكِدًا﴾ بفتح الكاف على المصدر (٤)؛ أي: ذا نَكَدٍ، و: (نَكْداً) بإسكانها للتخفيف (٥).

стр. 1540

﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التصريفِ والترديدِ ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نردِّدها ونكررها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله ويتفكَّرون فيها ويعتبرون بها. والآية مَثَلٌ لمَن تَدبَّر الآيات وانتَفع بها، ولمَن لم يَرفع إليها رأساً ولم يتأثَّر بها. * * * (٥٩) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ جوابُ قسم محذوف (١)، ولا يكاد تقع هذه اللام إلا مع (قد)؛ لأن الجملة القسمية مَظِنَّةُ التردُّد، ونوح ﵇ أولُ مَن شُرعت له الشرائع، وسُنَّت له السُّنَن، وليس بينه وبين إدريس ﵇ نبيٌّ، وإنما قال: ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ لأن بعثته كانت مخصوصةً لقومه كبعثةِ سائر الأنبياء ﵈، غيرَ نبيِّنا ﷺ فإن بعثته عامةٌ خاصةٌ، ولا ينافي هذا قولَ نوح ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] لأن مَن لم تعمَّ له دعوته لا يدخل تحت هذا الدعاء. ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ﴾ أتى هنا بالفاء الدالَّةِ على التعقيب بدون الإمهال دلالةً على الاستعجال في الامتثال:

стр. 1541

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه وأَفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالألوهية. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة، وقرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ بالجرِّ على اللفظ (١)، والرفع على المحلِّ؛ كأنه قال: ما لكم إلهٌ غيرُه، وبالنصب على الاستثناء (٢)؛ أي: ما لكم من إلهٍ إلا إيَّاه. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعيدٌ، وبيانٌ للداعي إلى عبادته تعالى، وموقعُها الاعتراض. ﴿عَذَابَ﴾ العذاب: هو الألم الجاري على الاستمرار. ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، أو يومُ نزول العذاب وهو الطُّوفان. * * * (٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأ: الجماعة الشريفة؛ لأنهم يملؤون النفس والعين بجلالهم وجمالهم، على أنه مأخوذ من المَلْء، ويحتمل أن يكون مأخوذاً مِن: تمالأ القوم على أمر؛ أي: توافَقوا، ومنه قول علي ﵁: ما قاتلتُ عثمان ولا مالَأْتُ في دمه (٣). والملأُ صفةٌ غالبة، وجمعُه: أملاءٌ، وليس من باب رَهْطٍ وإن كانا اسمين للجمع؛ لأن رهطاً لا واحدَ له من لفظه، وملأٌ يوجد من لفظه: مالئ، قال أحمد بن يحيى: المالئ: الرجل الجليل الذي يملأ العين، فهو كعازبٍ وخادم، فإن اسم جمعهما عَزَبٌ وخَدَمٌ (٤).

стр. 1542

﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ القوم: الجمع الذي (١) يقوم بالأمر لا نسوةَ فيهم، وفائدةُ التقييد بالوصفين: تجريد المسنَد إليه عن ناقصات العقول كيلا يُتوهَّم أن هذا القول صدر عن بعض ضعفائهم في العقل والرأي، فأُسند (٢) إلى الكل إسنادَ فعلِ واحد إلى الجماعة. ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ استعاروا (٣) الرؤية للعلم بلا شبهةٍ، تمهيداً لِمَا ادَّعوا من الظهور في المعلوم. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: منغمِساً فيه، والضَّلال: الذهاب عن صَوْب الصَّواب، والتنكيرُ للتعظيم. ﴿مُبِينٍ﴾: بالغ فيه كيفاً بعدما بالغ كمًّا. * * * (٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ إضافة إلى نفسه تمهيداً لِمَا يأتي من دعوى الإخلاص والإمحاص. ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ قدَّم الجارَّ والمجرور للتعريض لهم به، وزيدت التاء للتقليل؛ أي: ليس بي أقلُّ قليلٍ من الضلالة فضلاً عن الضلال العظيم الظاهر. وما يَتخايل من أن نفي الماهية أبلغُ؛ لأن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون

стр. 1543

بانتفاء الوحدة - مضمحِلٌّ بأن الوحدة ليست صفةً مقيِّدةً، بل اللفظ موضوعٌ للجزاء الأقلِّ المتحقِّق (١) مع الكثرة. ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ استدراكٌ بطريق الكناية؛ كأنه قال: ولكني على هدًى كاملٍ في الغاية لأني رسول. قابَلَ تصريحهم بالتعريض الذي هو أوقعُ في البلاغة، وبالكناية التي هي أقوى في النِّكاية (٢)، وأداةَ ظرفه بأداة الملابَسة لأنها أوسع دائرة، ففي النفي تكون أقطعَ لدابر احتمالِ الضلال، وأداةَ تعظيمه في التضليل بأداة التحقير والتقليل، ولا يخفى ما في هذه المقابلة على وجه المقالبة من المبالغة في المغالبة. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فيه إشارةٌ إلى أن رسالته لمصلحةِ تربيتهم، ففيه إظهارٌ لمكابَرتهم وفَرْطِ عنادهم، حيث وَصفوا مَن هو بهذه المنزلة من الهدى الباهرِ بالضلال المبينِ الظاهر. * * * (٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ استئناف (٣) لبيان كونه رسولًا. والإبلاغ: إيصال ما فيه بيانُ الإفهام، ومنه: البلاغة، وهي إيصال المعنى إلى النفس بأحسن صورةٍ من اللفظ. ﴿رِسَالَاتِ﴾ الرسالة: جملةٌ من البيان يحملها القائم بها ليؤدِّيَها إلى غيره (٤)،

стр. 1544

وإنما جمعها باعتبار تعدُّدها بحسب الأوقات، أو باعتبار تنوُّعها بحسب المعاني. وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أن في الرسالة تربيتين: عامةً وهي للمرسَل إليهم، وخاصةً وهي للمرسَل. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النصيحة: الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قوله ﵇: "الدِّين النَّصيحة" (١) والنُّصحُ كذلك، وخلافُه الغشُّ. وفي زيادة اللام تأكيدٌ في إمحاض النصح لهم، ومبالغةٌ في أنها خالصةٌ للمنصوح له مقصودٌ بها جانبه لا غير، فرُبَّ نصيحة ينتفِع بها الناصح أيضًا (٢). ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، وتقريرٌ لِمَا في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي شيئًا لا يتيسر لكم علمُه. * * * (٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أكذَّبتُم وعجِبْتُم، والعجب تغيُّر النفس بما خفيَ سببُه، وخرج عن العادة مثلُه. ﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كلُّ ما يأتي من الله تعالى فله حكمُ النزول، فكأن ﴿جَاءَكُمْ﴾ معناه: نزل، فحسُن معه أن يقال: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ ولا حاجةَ إلى تقدير: لسان.

стр. 1545

﴿مِنْكُمْ﴾: من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجَّبون من إرسال (١) البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]؛ أي: بإرسال (٢) البشر. وإنما لم يقل: على بشر، بل آثر الإطناب على الوجه المذكور؛ لأن المناسب لإنكار تعجُّبهم أن يبيَّن مجيءُ الرسالة على مقتضَى الحكمة، وهو أن يكون الرسول من جنسهم، ولا يكونَ أنثى ولا صغيراً. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليحذركم عاقبةَ الكفر والمعاصي (٣)، اكتفى بأحد القرينينِ عن الآخر (٤)، وإنما خصَّ الإنذار بالذكر دون الإبشار لأنَّه أعمُّ وأهمُّ. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: وليوجَدَ منكم التقوى؛ ولم يُعتبر بسببية (٥) الإنذار له، وإلا لقيل: فتَتَّقوا. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتقواكم، والعطف بالواو دون الفاء للتنبيه على أن الترحُّم من الله تعالى تفضُّلٌ لا يوجبه التقوى، فهو في بقعة الإمكان، وكلمة الترجي لترجيح جانب الوقوع، حتى تزداد الرغبة في تحصيل التقوى، ولا تعتمدَ عليه كلَّ الاعتماد. * * *
следующие страницы →